تحقيق رواية ابن إسحاق في نفي عثمان لأبي ذر ـ رض ـ إلى "الربذة"

الكاتب : من اليمن أتيت   المشاهدات : 612   الردود : 1    ‏2005-11-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-11-09
  1. من اليمن أتيت

    من اليمن أتيت عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-03-22
    المشاركات:
    1,263
    الإعجاب :
    0
    تحقيق رواية ابن إسحاق في نفي عثمان لأبي ذر ـ رض ـ إلى "الربذة"​

    قال ابن هشام في “السيرة النبوية” : (4/951) : “وقال ابن إسحاق : فحدثني بريدة بن سفيان الأسلمي ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : لما نفى عثمان أباذر إلى الربذة ، وأصابه بها قدره ، لم يكن معه أحدٌ إلا امرأته وغلامُه...” [سيرة النبي (ص) ألفها أبو عبدالله ابن إسحاق بن يسار المطلبي (ت : 151 هـ) وهذبها أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب (ت : 218 هـ) تحقيق محيي الدين عبد الحميد ، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده ، ميدان الأزهر ـ مصر]
    تحقيق السند :
    1 ـ ابن إسحاق : هو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي . قال أحمد بن حنبل : “حسن الحديث” ، وقال يحيى بن معين : “ثقة” . وقال علي بن المديني : “صالح وسط” ، وقال ابن نمير : “حسن الحديث عن المعروفين” ، وذكره ابن حبان في “الثقات” ، وقال العجلي : “ثقة” .
    أقول : فابن إسحاق ثقة على التحقيق بعد توثيق هؤلاء الأساطين .
    2 ـ بريدة بن سفيان الأسلمي : قال ابن عدي : “لم أر له شيئًا منكرًا” ، ووثقه ابن حبان ، ووثقه ابن شاهين ، وقال البخاري : “فيه نظر” ، وقال الجوزجاني الناصبي : “رديء المذهب جدًّا” ، وقال أبو حاتم الرازي : “ضعيف الحديث” ، وقال ابن حجر في “التقريب” : “ليس بالقوي ، وفيه رفض” . ونقل الذهبي في “الميزان” قول أبي داود : “لم يكن بذاك ، وكان يتكلم في عثمان” ، وقول الدارقطني : “متروك” .
    أقول : أما البخاري فيقال له : أي نظر في من لم يُرَ له شيءٌ يُنكر ، ووثقه غير واحد من الأعلام؟. وأما الجوزجاني فهو ناصبي ولا نتوقع منه إلا هذا التحامل المعروف منه ضد من تُشم منه رائحة التشيع لأهل البيت عليهم السلام. وأما أبو حاتم فتضعيفه المجمل المبهم غير مقبول بعد عدم ثبوت ما يُنكر للرجل إضافةً إلى التوثيقات المذكورة. وأما ابن حجر فيقال له : جليٌّ أنَّ نفيَ التقوية بسبب كلام المضعفين ، وقد عرفت وستعرف أنَّ جميعهم لا يستندون إلى ركن وثيق في تضعيفهم. وأما قول أبي داود فيقال فيه ما قيل في أقوال الآخرين . وأما قول الدارقطني فمن المبالغة الغريبة ؛ إذ كيف يكون متروكًا من اعتُمد من قبل الثقات ، ووُثِّق من قبل غير واحد من الأعلام . وأمَّا تكلُّمَه في عثمان فلا يصلح للتضعيف لأنكم تعتمدون من تكلَّم في عليٍّ عليه السلام وعاداه ، فما الفرق بين علي وعثمان من هذه الجهة بالنسبة إليكم؟! ثم إن من الرواة عندكم “شَبَثَ بنَ ربعي” وهو الذي أعان على قتل عثمان ، كما أعان على قتل سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين عليه السلام ، ومع ذلك يقول عنه ابن حجر في “التقريب” : “صدوق يُخطئ” ! . كما أنَّ الكلام في عثمان قد يكون المقصود منه الرواية التي نحن بصددها أو ما أشبهها ؛ فهذا ليس مما يعيب عند أحدٍ ، فالراوي لا يُلام على رواية ما لا يعتقد بكونه كذبًا .
    ويبدو واضحًا أن التضعيفات لا مستند لها سوى ما أحسَّه القوم من ميل للرجل إلى أهل البيت عليهم السلام ، وميلٍ له على عثمان.. وهذا من تحكيم الهوى في الجرح والتعديل ، وهو ما لا عبرة به .
    وبناءً على ذلك تبقى توثيقات الموثقين على حالها . ولو كان ثمة شكٌّ في الرواية من جهة بريدة بن سفيان فإنه لا ينبغي التوقف في تصحيح الرواية بالنظر إلى انضمام كلمات أهل السير ورواية الجوهري الآتية.
    3 ـ محمد بن كعب القرظي : مجمع على توثيقه والاحتجاج به ، وهو من رجال البخاري ومسلم .
    4 ـ عبد الله بن مسعود : صحابي ، والصحابة عند أهل السنة والجماعة في أعلى مراتب العدالة والتوثيق .
    أقول فثبت أن السند في نفسه صحيح ، رجاله ثقات .
    ويشهد لصحة هذه الرواية أمران :
    الأول : كلمات أهل التأريخ في المقام .
    الثاني : رواية الجوهري في “السقيفة” .
    فأما كلمات أهل التأريخ ، فدونك ما ذكره اليعقوبي (284 هـ) في تاريخه (2/171 وما بعدها) دار صادر ـ بيروت .
    وأبلغ منه مقالة المؤرخ الثقة ابن أبي الحديد حيث يقول في شرحه لنهج البلاغة : “واعلم أن الذي عليه أكثر أرباب السيرة وعلماء الأخبار والنقل أن عثمان نفى أبا ذر أولا إلى الشام ، ثم استقدمه إلى المدينة لما شكا منه معاوية ، ثم نفاه من المدينة إلى الربذة لما عمل بالمدينة نظير ما كان عمل بالشام” [شرح نهج البلاغة : (8/255 ـ 256] .
    وأما رواية الجوهري فهي التي ذكرها ابن الحديد في شرح النهج الشريف في (8/252 وما بعدها) حيث قال : “واقعة أبي ذر رحمه الله وإخراجه إلى الربذة أحد الأحداث التي نُقِمَتْ على عثمان : وقد روى هذا الكلام أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب "السقيفة" عن عبد الرزاق ، عن أبيه ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لما أخرج أبو ذر إلى الربذة ، أمر عثمان فنودي في الناس ألاَّ يُكلِّم أحدٌ أبا ذر ولا يشيعه...” إلى آخر الخبر الطويل المليء بالفوارئد والفرائد. والذي يدل دلالة صريحة أنَّ أبا ذر نُفي من قبل عثمان .
    تحقيق السند :
    1 ـ الجوهري : أثنى عليه ابن أبي الحديد في شرح النهج (16/210) بقوله : “وأبو بكر الجوهري هذا عالم محدثٌ ، كثير الأدب ، ثقة ورعٌ ، أثنى عليه المحدثون ، ورووا عنه مصنفاته” .
    2 ـ عبد الرزاق بن همام بن نافع الصنعاني : من حفاظ أهل السنة ، مجمع على توثيقه ، من رجال البخاري ومسلم .
    3 ـ همام بن نافع : والد عبد الرزاق ، وثقه كل من يحيى بن معين وابن حبان والذهبي ، وقال في التقريب : مقبول .
    4 ـ عكرمة : مولى ابن عباس ، أجمعوا على توثيقه والاحتجاج به .
    5 ـ ابن عباس : من الصحابة ، وهم عند إخواننا من أهل السنة في أعلى مراتب العدالة والتوثيق .
    وبهذا يكون السند جميع رجاله ثقات ، إلا أنَّ هناك رجلاً غير مذكور في السند وهو الذي يفترض أن يكون الواسطة بين الجوهري وعبد الرزاق . إلاَّ أنَّ هذا الانقطاع لا يضر لأنَّ الخلل واقع في معرفة الرواي الذي يفترض أن يكون حيًّا بعد سنة 211 هـ (سنة وفاة عبد الرزاق) ، في حين أن الإشكالية التي يمكن أن تلاحظ في سند الرواية الأم (رواية ابن إسحاق) هي في بريدة بن سفيان الذي كان حيًّا قبل سنة 151 هـ (لأنه يروي عنه ابنُ إسحاق المتوفى في هذه السنة) ، أي أن الزمن الفاصل بين بريدة (الموجود في سند ابن إسحاق) والرجل المجهول (في سند الجوهري) لا يقل عن ستين (60) سنة ، أي أن الأول في جيل غير جيل الثاني . والهدف من هذا البيان أن نعرف أن جهالة الرجل في سند الجوهري لا يضر بصلاحية الرواية للشهادة بصدق رواية ابن إسحاق . فكيف إذا أضفنا إلى هذا أن تعبير ابن أبي الحديد فيه ما يساعد على القول بأن الرجل مذكور ولكن ابن الحديد حذفه للاختصار ، فإن صح هذا الاحتمال قد يكون ذلك من باب عدم ضرورة ذكر الواسطة بين الجوهري وبين عبد الرزاق لشهرة مشايخ الجوهري الذين يروي بوساطتهم عن عبد الرزاق .
    وبذا لا ينبغي التوقف في أن رواية الجوهري تقوي رواية ابن إسحاق .
    وتلخص من ذلك أن نفي عثمان لأبي ذر ـ رضي ـ أمر دلت عليه رواية ابن إسحاق ، وسندها صحيح رجاله ثقات ، ما عدا كلامًا لا يلتفت إليه في بريدة بن سفيان ، مع أن الرواية تعتضد بالمشهور عند أرباب السيرة والتاريخ الذين صرحوا بما ينسجم مع مفادها ، مضافًا إلى أن عند الجوهري رواية تصلح أن تكون شاهدًا على صحة رواية ابن إسحاق ، وإن كان الحق استغناء روايته عن الشاهد .
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .​
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-01-27
  3. من اليمن أتيت

    من اليمن أتيت عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-03-22
    المشاركات:
    1,263
    الإعجاب :
    0
    ^^^^^^^^^^
     

مشاركة هذه الصفحة