أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية

الكاتب : beiruti   المشاهدات : 343   الردود : 0    ‏2005-11-04
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-11-04
  1. beiruti

    beiruti عضو

    التسجيل :
    ‏2005-11-01
    المشاركات:
    15
    الإعجاب :
    0
    أهل السنة والجماعة



    أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية.

    جمهور الأمة هم أهل الحق.

    السلف الصالح رضوان الله عليهم.

    علم الكلام عند أهل السنة.

    مذاهب أهل السنة في العقائد والأصول: الأشعرية والماتريدية.

    ظهور فرقة [المعتزلة] وهي من الفرق الضالة.

    الأشاعرة والماتريدية يقطعون دابر المعتزلة.

    الأشاعرة والماتريدية ينصرون منهج السلف بالعقل والنقل.

    الفرق بين الماتريدية والأشاعرة.

    إتفاق العلماء أن الأشاعرة والماتريدية هم أهل السنة والجماعة.

    أشهر مذاهب أهل السنة في الفروع.

    ملحق وإضافات معنونة.



    أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية

    ليعلم أن أهل السنة هم جمهور الأمة المحمدية، وهم الصحابة ومن تبعهم في المعتقد أي أصول الاعتقاد، وهي الأمور الستة المذكورة في حديث جبريل الذي قال فيه الرسول: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره". وهم الفرقة الناجية المقصودة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    *****

    جمهور الأمة هم أهل الحق

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة". وقال: "عليكم بالسواد الأعظم من أمتي"، وفي هذا الدليل على أن جمهور الأمة يبقى على الإسلام فلا يضل وهذا يرد ادعاء الوهابية الخبثاء الذين يقولون أن معظم الأمة ارتدت عن دين الله ووافقهم أبو الأعلى المودودي، فعندهم جمهور المنتسبين للإسلام ليسوا على الهدى بل على الشرك، وقد صح أن أهل الجنة مائة وعشرون صفًا، ثمانون منها من هذه الأمة، فلا يمكن أن يكون هؤلاء الثمانون هذه الشرذمة الوهابية، والوهابية معتقدها منبثق من محمد بن عبدالوهاب المتوفى سنة مائتين وألف وست للهجرة وبعض معتقداتها مأخوذ من أحمد بن تيمية المتوفى سنة سبعمائة وثمان وعشرين للهجرة وهو شذ عن ما كان عليه مَنْ قبلُه من أهل الحق بقوله الكفري: "إن جنس العالم ليس حادثًا إنما الحادث الأفراد أي الأشخاص المعينة فكل شخص وفرد عنده حادث ولكن إلى ما لا نهاية له ولا ابتداء"، فجعل العرش أزليًا بنوعه وجنسه، فبزعمه إن الله لم يخلق العرش والعياذ بالله من كلامه الكفري، وقد نقل ذلك عنه الإمام جلال الدين الدواني وهو من ثقات العلماء كما وثقه الحافظ السخاوي في البدر اللامع في تراجم أهل القرن التاسع، ونسب إلى ابن تيمية ذلك الحافظان الجليلان المعاصران له وهما الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي والحافظ أبو سعيد العلائي.

    *****

    السلف الصالح رضوان الله عليهم

    وأفضل هؤلاء أهل القرون الثلاثة المرادون بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" والقرن معناه مائة سنة كما رجح ذلك الحافظ أبو القاسم بن عساكر وغيره، وهم المرادون أيضًا بحديث الترمذي وغيره: "أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم".

    وفيه قوله: "عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة"، صححه الحاكم وقال الترمذي: حسن صحيح، وهم المرادون أيضًا بالجماعة الواردة فيما رواه أبو داود من حديث معاوية: "وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة".

    والجماعة هم السواد الأعظم: ليس معناه صلاة الجماعة، كما يوضح ذلك حديث زيد بن ثابت ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث لا يغل عليهن قلب المؤمن: إخلاص العمل، والنصيحة لولي الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تكون من ورائهم". قال الحافظ ابن حجر: حديث حسن.

    والسلف أهل القرون الثلاثة الذين ذكرهم الرسول بقوله: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" -رواه البخاري- فعلى تفسير القرن بمائة سنة فالسلف هم من كانوا ضمن الثلاثمائة، ومنهم أي من العلماء من جعل منتهى السلف سنة مائتين وعشرين، والأول هو المشهور، ويقوي ذلك رواية ابن حبان لحديث: "خير الناس" فقد أتي فيها ذكر "ثم الذين يلونهم". ثلاث مرات، واختار ذلك الحافظ ابن عساكر في رسالته التي ألفها في الدفاع عن الإمام أبي الحسن الأشعري.

    *****

    التوحيد في علم الكلام عند أهل السنة

    إن العلم بالله تعالى وصفاته أجلّ العلوم وأعلاها وأوجبها وأولاها، ويسمى علم الأصول وعلم التوحيد وعلم العقيدة، وقد خصّ النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بالترقّي في هذا العلم فقال: "أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له" فكان هذا العلم أهمّ العلوم تحصيلاً وأحقّها تبجيلاً وتعظيمًا؛ قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [سورة محمّد/19] قدّمَ الأمر بمعرفة التوحيد على الأمر بالاستغفار لتعلّق التوحيد بعلم الأصول، وتعلق الاستغفار بعلم الفروع.

    ويسمى هذا العلم أيضًا مع أدلته العقلية والنقلية من الكتاب والسنّة علم الكلام؛ والسبب في تسميته بهذا الاسم كثرة المخالفين فيه من المنتسبين إلى الإسلام وطول الكلام فيه من أهل السنّة لتقرير الحقّ؛ وقيل لأن أشهر الخلافات فيه مسألة كلام الله تعالى أنه قديم ـ وهو الحقّ ـ أو حادث. فالحشوية قالت: كلامه صوت وحرف، حتى بالغ بعضهم فقال: إن هذا الصوت أزلي قديم، وإن أشكال الحروف التي في المصحف أزلية قديمة، فخرجوا عن دائرة العقل، وقالت طائفة أخرى: إن الله تعالى متكلّم بمعنى أنه خالق الكلام في غيره كالشجرة التي سمع عندها موسى كلام الله، لا بمعنى أنه قام بذات الله كلام هو صفة من صفاته وهم المعتزلة قبّحهم الله. وقال أهل السنّة: إن الله متكلّم بكلام ذاتي أزلي أبدي ليس حرفًا ولا صوتًا ولا يختلف باختلاف اللغات.

    وموضوع علم الكلام هو النظر أي الاستدلال بخلق الله تعالى لإثبات وجوده وصفاته الكمالية وبالنصوص الشرعية المستخرَج منها البراهين، وهو على قانون الإسلام لا على أصول الفلاسفة، لأن الفلاسفة لهم كلام في ذلك يُعرف عندهم بـ [الإلهيات]؛ وعلماء التوحيد لا يتكلمون في حق الله وفي حق الملائكة وغير ذلك اعتمادًا على مجرد النظر بالعقل، بل يتكلّمون في ذلك من باب الاستشهاد بالعقل على صحة ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالعقل عند علماء التوحيد شاهد للشرع ليس أصلًا للدين، وأما الفلاسفة فجعلوه أصلًا من غير التفات إلى ما جاء عن الأنبياء، فلا يتقيّدون بالجمع بين النظر العقلي وبين ما جاء عن الأنبياء، على أن النظر العقلي السليم لا يخرج عمّا جاء به الشرع ولا يتناقض معه.

    وقد حثّ الله عباده في القرءان على النظر في ملكوته لمعرفة جبروته فقال تعالى: {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [سورة الأعراف/185] وقال تعالى: {سَنُرِيهِمْ ءايَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [سورة فصلت/53].

    فإن قيل: لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم علّم أحدًا من أصحابه هذا العلم، ولا عن أحد من أصحابه أنه تعلم أو علّم غيره، وإنما حدث هذا العلم بعد انقراضهم بزمان؛ فلو كان هذا العلم مهمًّا في الدين لكان أولى به الصحابة والتابعون.

    قلنا: إن عني بهذا المقال أنهم لم يعلموا ذات الله وصفاته وتوحيده وتنزيهه وحقية رسوله وصحة معجزاته بدلالة العقل بل أقرّوا بذلك تقليدًا، فهو بعيد من القول شنيعٌ من الكلام؛ وقد ردّ الله عزَّ وجلَّ في كتابه على من قلّد أباه في عبادة الأصنام بقوله: {إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [سورة الزخرف/23] أي أن أولئك اقتدوا بآبائهم في إشراكهم بغير دليل يقوم على صحة ذلك الدين، وهذا يفهم منه أن علم الدليل مطلوب.

    قال أبو حنيفة رضي الله عنه جوابًا على القائلين: لِمَ تتكلمون بعلم الكلام والصحابة لم يتكلموا فيه: "إنما مثلهم كأناس ليس بحضرتهم من يقاتلهم فلم يحتاجوا إلى إبراز السلاح، ومثلنا كأناس بحضرتهم من يقاتلهم فاحتاجوا إلى إبراز السلاح".اهـ.

    وإن أريد أن الصحابة لم يتلفظوا بهذه العبارات المصطلحة عند أهل هذه الصناعة نحو: الجوهر والعرض، والجائز والمحال، والحدث والقِدم، فهذا مُسَلَّمٌ به، لكننا نعارض هذا بمثله في سائر العلوم، فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه التلفّظ بالناسخ والمنسوخ، والمجمل والمتشابه، وغيرها كما هو المستعمل عند أهل التفسير. ولا بالقياس والاستحسان، والمعارضة والمناقضة، والطرد والشرط، والسبب والعلة وغيرها كما هو المستعمل عند الفقهاء، ولا بالجرح والتعديل، والآحاد والمشهور والمتواتر والصحيح والغريب وغير ذلك كما هو المستعمل عند أهل الحديث. فهل لقائل أن يقول يجب رفض هذه العلوم لهذه العلّة؛ على أنه في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لم تظهر الأهواء والبدع فلم تمسّ الحاجة إلى الدخول في التفاصيل والاصطلاحات.

    وهذا العلم أصله كان موجودًا بين الصحابة متوفرًا بينهم أكثر ممن جاء بعدهم، والكلام فيه بالرد على أهل البدع بدأ في عصر الصحابة، فقد ردّ ابن عباس وابن عمر على المعتزلة، ومن التابعين ردّ عليهم عمر بن عبد العزيز والحسن بن محمد ابن الحنفية وغيرهما. وقد قطع علي كرّم الله وجهه الخوارج بالحجة وقطع دهريًّا وأقام الحجة على أربعين رجلاً من اليهود المجسمة بكلام نفيس مُطْنَبٍ؛ وقطع الحبر ابن عباس رضي الله عنهما الخوارج بالحجة أيضًا، وقطع إياس بن معاوية القاضي القدرية، وقطع الخليفة عمر بن عبد العزيز أصحاب شَوْذَب الخارجي، وألّف رسالة في الرد على المعتزلة وهي رسالة وجيزة، وقطع ربيعةُ الرأي شيخُ الإمام مالك غَيلانَ بن مسلم أبا مروان القدري. وكذلك اشتغل بهذا العلم الحسن البصري وهو من أكابر التابعين.

    فإن قيل: روى البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه قال: "تفكّروا في كل شىء ولا تفكروا في ذات الله" فهو منهيّ عنه.

    فالجواب: أن النهي ورد عن التفكر في الخالق مع الأمر بالتفكر في الخلق، فإنه يوجب النظر وإعمال الفكر والتأمّل في ملكوت السموات والأرض ليستدل بذلك على وجود الصانع، وعلى أنه لا يشبه شيئًا من خلقه؛ ومن لم يعرف الخالق من المخلوق كيف يعمل بهذا الأثر الصحيح. وقد أمر القرءان بتعلّم الأدلة على العقائد الإسلامية على وجوده تعالى وعلى ثبوت العلم له والقدرة والمشيئة والوحدانية إلى غير ذلك. ولم يطعن إمام معتبر في هذا العلم الذي هو مقصد أهل السنّة والجماعة من السلف والخلف.

    وما يُروى عن الشافعي أنه قال: "لأن يلقى الله العبدُ بكل ذنب ما عدا الشرك خير له من أن يلقاه بعلم الكلام" بهذا اللفظ فهو غير ثابت عنه، واللفظ الثابت عنه هو: "لأن يلقى الله عزَّ وجلَّ العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشىء من هذه الأهواء". والأهواء جمع هوى وهو ما مالت إليه نفوس المبتدعة الخارجين عما كان عليه السلف، أي ما تعلق به البدعيون في الاعتقاد كالخوارج والمعتزلة والمرجئة والنجارية وغيرهم، وهم الاثنتان والسبعون فرقة كما ورد في الحديث المشهور :"وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنّة وهي الجماعة" رواه أبو داود، فليس كلام الشافعي على إطلاقه، إنما هو في المبتدعة القدرية وغيرهم الذين جانبوا نصوص الشريعة كتابًا وسنّةً وتعمّقوا في الأهواء الفاسدة، وأما الكلام الموافق للكتاب والسنّة الموضح لحقائق الشريعة عند ظهور الفتنة فهو محمود عند العلماء قاطبة لم يذمّه الشافعي، وقد كان الشافعي رضي الله عنه، يحسنه ويفهمه وقد ناظر بِشْرًا المريسي وحفصًا الفرد فقطعهما.

    قال الإمام الحافظ ابن عساكر في كتابه الذي ألّفه في الدفاع عن الإمام الأشعري وبيّن فيه كذب من افترى عليه ما نصّه :"والكلامُ المذموم كلام أصحاب الأهوية وما يزخرفه أرباب البدع المُرْدية، فأما الكلام الموافق للكتاب والسنّة الموضح لحقائق الأصول عند ظهور الفتنة فهو محمود عند العلماء ومن يعلمه، وقد كان الشافعي يحسنه ويفهمه، وقد تكلم مع غير واحد ممن ابتدع، وأقام الحجة عليه حتى انقطع". اهـ. وقال الربيع بن سليمان: "حضرت الشافعي وحدَّثني أبو شعيب إلا أني أعلم أنه حضر عبد الله بن عبد الحكم ويوسف بن عمرو بن يزيد وحفص الفرد وكان الشافعي يسميه المنفرد، فسأل حفص عبد الله بن عبد الحكم فقال: ما تقول في القرءان، فأبى أن يجيبه فسأل يوسف بن عمرو فلم يجبه، وكلاهما أشار إلى الشافعي، فسأل الشافعي فاحتجّ عليه الشافعي، فطالت فيه المناظرة فقام الشافعي بالحجة عليه بأن القرءان كلام الله غير مخلوق، وكفّر حفصًا الفرد قال الربيع: فلقيت حفصًا الفرد في المسجد بعدُ، فقال: أراد الشافعي قتلي".اهـ. فإن قيل: قد ذمّ علم الكلام جماعةٌ من السلف، فروي عن الشعبي أنه قال: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب. وروي مثله عن الإمام مالك، والقاضي أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة.

    قلنا: أجاب الحافظ أبو بكر البيهقي عنه بقوله: "إنما يريدوا والله أعلم بالكلام كلام أهل البدع، فإن في عصرهم إنما كان يعرف بالكلام أهل البدع، فأما أهل السنّة فقلَّما كانوا يخوضون في الكلام حتى اضطروا إليه بعد".اهـ.

    قال ابن عساكر: "فهذا وجه في الجواب عن هذه الحكاية، وناهيك بقائله أبي بكر البيهقي فقد كان من أهل الرواية والدراية. وتحتمل وجهًا ءاخر وهو أن يكون المراد بها أن يقتصر على علم الكلام ويترك تعلّم الفقه الذي يتوصل به إلى معرفة الحلال والحرام، ويرفض العمل بما أُمِر بفعله من شرائع الإسلام، ولا يلتزم فعل ما أمر به الشارع وترك ما نهى عنه من الأحكام. وقد بلغني عن حاتم الأصم وكان من أفاضل الزهّاد وأهل العلم أنه قال: الكلام أصل الدين، والفقه فرعه، والعمل ثمره، فمن اكتفى بالكلام دون الفقه والعمل تزندق، ومن اكتفى بالعمل دون الكلام والفقه ابتدع، ومن اكتفى بالفقه دون الكلام والعمل تفسّق، ومن تفنّن في الأبواب كلها تخلص" اهـ. وقد روي مثل كلام حاتم عن أبي بكرٍ الورّاق.

    قال الحافظ اللغوي محمد مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء :"هذه المسائل التي تلقاها الإمامان الأشعري والماتريدي هي أصول الأئمة رحمهم الله تعالى، فالأشعري بنى كتبه على مسائل من مذهب الإمامين مالك والشافعي أخذ ذلك بوسائط فأيدها وهذبها، والماتريدي كذلك أخذها من نصوص الإمام أبي حنيفة"اهـ.

    قلت [اي الحافظ] الزبيدي: وللإمام أبي حنيفة رضي الله عنه: (الفقه الأكبر) و(الرسالة) و(الفقه الأبسط) و(العالم والمتعلّم) و(الوصية)؛ أما الوصية فقد اختلف في نسبتها إلى الإمام كثيرًا، فمنهم من ينكر نسبتها للإمام مطلقًا ويزعم أنها ليست من عمله، ومنهم من ينسبها إلى محمد بن يوسف البخاري المكنى بأبي حنيفة، وهذا قول المعتزلة لما فيها من إبطال نصوصهم الزائغة وادعائهم كون الإمام منهم ـ أي في المعتقد ـ كما في المناقب الكردرية.

    أبو حنيفة وصاحباه أول من توسع في كلامه عن الاصول

    والإمام أبو حنيفة وصاحباه أول من تكلّم في أصول الدين بالتوسّع وأتقنها بقواطع البراهين على رأس المائة الأولى، وقد ذكر الأستاذ عبد القاهر البغدادي أن أول متكلمي أهل السنّة من الفقهاء أبو حنيفة والشافعي، ألفّ فيه الفقه الأكبر والرسالة في نصرة أهل السنّة إلى مقاتل ابن سليمان صاحب التفسير وكان مجسّمًا، وقد ناظر فرقة الخوارج والروافض والقدرية والدهرية وكانت دعاتهم بالبصرة فسافر إليها نيفًا وعشرين مرةً، وفضّهم بالأدلة الباهرة، وبلغ في الكلام ـ أي علم التوحيد ـ إلى أنه كان المشار إليه بين الأنام، واقتدى به تلامذته الأعلام.

    وفي مناقب الكردري عن خالد بن زيد العمري أنه كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وحماد بن أبي حنيفة قد خَصَمُوا بالكلام الناس أي ألزموا المخالفين، وهم أئمة العلم. وعن الإمام أبي عبد الله الصيمري أن الإمام أبا حنيفة كان متكلم هذه الأمة في زمانه، وفقيههم في الحلال والحرام.

    وهذه الكتب الخمسة ليست من جمع الإمام أبي حنيفة، بل الصحيح أن هذه المسائل المذكورة في هذه الكتب من أمالي الإمام التي أملاها على أصحابه كحمّاد وأبي يوسف وأبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي وأبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي، فهم الذين قاموا بجمعها، وتلقاها عنهم جماعة من الأئمة كإسماعيل بن حمّاد ومحمد بن مقاتل الرازي ومحمّد بن سماعة ونصير بن يحيى البلخي وشداد بن الحكم وغيرهم، إلى أن وصلت بالإسناد الصحيح إلى الإمام أبي منصور الماتريدي، فمن عزاها إلى الإمام صح لكون تلك المسائل من إملائه إلى أبي مطيع البلخي وغيره، ومن عزاها إلى غيره ممن هو في طبقته أو ممن هو بعدهم صح لكونها من جمعه، ذكره الفقيه المحدّث اللغوي محمد مرتضى الزبيدي.

    وقال الفقيه الأصولي الزركشي في تشنيف المسامع: "إن الأئمة انتدبوا للرد على أهل البدع والضلال، وقد صنّف الشافعيّ كتاب (القياس) ردّ فيه على من قال بقدم العالم من الملحدين، وكتاب (الرد على البراهمة) وغير ذلك، وأبو حنيفة كتاب (الفقه الأكبر) وكتاب (العالم والمتعلّم) رد فيه على المخالفين، وكذلك مالك سئل عن مسائل هذا العلم فأجاب عنها بالطريق القويم، وكذلك الإمام أحمد".ا.هـ.

    وقد صنّف سيد المحدّثين في زمانه محمّد بن إسمبعيل البخاري ه المتوفى سنة 256هـ ـ كتاب (خلق أفعال العباد)، وصنّف المحدث نعيم ابن حماد الخزاعي وهو من أقران الإمام ـ المتوفى في حبس الواثق سنة 228هـ ـ كتابًا في الردّ على الجهمية وغيرهم، وصنّف المحدّث محمّد بن أسلم الطوسي ـ المتوفى سنة 242هـ ـ وهو من أقران الإمام أحمد أيضًا في الردّ على الجهمية، وقد ردّ على المعتزلة فأجاد بالتأليف ثلاثة من علماء السنّة من أقران الإمام أحمد بن حنبل: الحارث المحاسبي، والحسين الكهرابيسهي، وعبد الله بن سعيد بن كُلاّب ـ المتوفى بعد الأربعين ومائتين بقليل ـ ويمتاز الأول بإمامته أيضًا في التصوف.

    *****

    مذاهب أهل السنة في العقائد والأصول:

    الأشعرية والماتريدية

    الأشعرية:

    أ- [ترجمة الإمام الأشعري]

    هو أبو الحسن علي بن اسماعيل بن أبي بشر اسحاق بن سالم بن اسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة عامر بن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي موسى الأشعري.

    وهاكم البداية مع جدّه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث نزل قول الله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} (المائدة / 54). فيشير الحبيب صلى الله عليه وسلم بعد نزولها إلى أبي موسى الأشعري قائلاً: هم قوم هذا وضرب بيده على ظهر أبي موسى الأشعري، ولما نزلت هذه الآية قدم بعد ذلك بيسير سفائن الأشعريين وقبائل اليمن فان لهم بلاء حسن في الإسلام فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبًا الايمان يمان والحكمة يمانية ".

    كما أخرج البخاري في صحيحه عن عمران بن الحصين أن النبي أتاه أناس من بني تميم فقال عليه الصلاة والسلام: "اقبلوا البشرى يا بني تميم" قالوا بشرتنا فأعطنا مرتين فتغير وجهه، فجاءه أناس من أهل اليمن فقال: يا أهل اليمن اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قد قبلنا يا رسول الله جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان قال: "كان الله ولم يكن شىء غيره". وفيه دليل على أن الله موجود في الأزل قبل خلق الأماكن والأزمان وقبل الخلق كان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان ليس له كمية صغيرة ولا كبيرة ...

    هنا كانت البداية مع الجد الأكبر سيدنا أبي موسى الأشعري.

    وتعالوا ننظر في الحفيد أبي الحسن الذي ولد سنة مائتين وسبعين وتوفي سنة 333هــ الذي كان سنيًا من بيت سنّة وفي بدء حياته درس مذهب الاعتزال ثم تاب ورقي المسجد الجامع بالبصرة في يوم الجمعة ونادى بأعلى صوته: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فإني أعرفه بنفسي أنا فلان ابن فلان كنت أقول بخلق القرءان وأن أفعال البشر أنا أفعلها وأنا تائب مقلع، معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعايبهم.

    ***

    الماتريدية:

    أ- [ترجمة الإمام الماتريدي]

    هو أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي، والماتريدي نسبة إلى ما تريد، وهي محلة بسمرقند فيما وراء النهر. وكان الإمام الماتريدي والإمام أبو الحسن الأشعري الإمامين الجليلين اللذين حررا عقيدة اهل السنة والجماعة بالأدلة النقلية والعقلية، وقد لقب الماتريدي بــ "إمام الهدى" و"إمام المتكلمين" وغير ذلك من الألقاب وهي ألقاب تظهر مكانته في نفوس مسلمي عصره ومؤرخيه. ورغم ذيوع اسمه واشتهاره واشتهار فرقة الماتريدية المنسوبة إليه فقد كان المؤرخون الذين كتبوا عنه قلة. ولم تذكر المراجع سنة ميلاده بالتحديد ولكن يمكن القول إنه ولد في عهد المتوكل الخليفة العباسي، وإنه يتقدم بمولده على الإمام أبي الحسن الأشعري ببضع وعشرين سنة.

    *****

    ظهور فرقة [المعتزلة] وهي من الفرق الضالة

    ثم حدث بعد مائتين وستين سنة انتشار بدعة المعتزلة وغيرهم.

    *****

    الأشاعرة والماتريدية يقطعون دابر المعتزلة

    وقد قيض الله تعالى لهذه الأمة المحمدية رجالاً أفذاذًا يذودون عن حياض دينها الإسلامي الحنيف، فيجاهدون بالبيان والسنان، ويقمعون أوهام الملحدين وزيف الزائفين بالأدلة والحجج والبراهين، وقد جعل الله تعالى في كل زمان أئمة هدى يدافعون عن العقيدة الحقة فيصنفون التصانيف والردود، وبعد انتشار فرقة المعتزلة قيَّض الله تعالى إمامين جليلين هما أبا الحسن الأشعري وأبا منصور الماتريدي رضي الله عنهما فقاما بإيضاح عقيدة أهل السنة التي كان عليها الصحابة ومن تبعهم بإيراد أدلة نقلية وعقلية مع رد شبه المعتزلة وهم فرق عديدة بلغ عددهم عشرين فرقة، فقاما بالرد على كل هذه الفرق أتم القيام برد شبههم وإبطالها فنُسب إليهما أهل السنة، فصار يقال لأهل السنة أشعريون وماتريديون.

    *****

    الأشاعرة والماتريدية ينصرون منهج السلف بالعقل والنقل

    وقد صنّف إماما أهل السنّة والجماعة في عصرهما وبعده إلى يومنا هذا أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي المصنفات العظيمة في الردّ على طوائف المبتدعة والمخالفين للإسلام مملوءة بحجج المنقول والمعقول، وامتاز الأول بمناظراته العديدة للمعتزلة بالبصرة التي فلَّ بها حَدَّهم وقلل عددهم. وكانت وفاة الأشعري في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة للهجرة، وتوفي الشيخ أبو منصور بعد وفاة الأشعري بقليل.

    وصنّف أتباعهما من بعدهما المئات من المجلدات في الردّ على المبتدعة والمخالفين للإسلام بالحجج الدامغة الكثيرة والمناظرات العديدة قطعوا بها المعتزلة الذين هم أفحل طوائف المبتدعة، كما قطعوا غيرهم من المبتدعة والدهريين والفلاسفة والمنجّمين، ورفعوا لواء مذهب الأشعري في الخافِقَيْن وأبرزهم في نشره ثلاثة: الأستاذ أبو بكر بن فُورَك، وأبو إسحبق الإسفراييني، والقاضي الإمام أبو بكر الباقلاني، فالأولان نشراه في المشرق، والقاضي نشره في المشرق والمغرب، فما جاءت المائة الخامسة إلا والأمة الإسلامية أشعرية وماتريدية لم يشذّ عنها سوى نزر من المعتزلة وشرذمة من المشبّهة وطائفة من الخوارج؛ فلا تجد عالمًا محقّقًا أو فقيهًا مدققًا إلا وهو أشعري أو ماتريدي.

    وإن حال هؤلاء المنكرين لعلم الكلام لهو الموصوف بقول الشاعر فيهم: [البسيط]

    عابَ الكلامَ أناسٌ لا عقولَ لهم وما عليه إذا عابوه من ضررِ

    ما ضرَّ شمسَ الضحى في الأفْقِ طالعة أنْ لا يَرى ضَوْءَها من ليس ذا بصرِ

    *****

    الفرق بين الماتريدية والأشاعرة

    فإن قيل إن بين الأشاعرة والماتريدية اختلافاً في مسائل العقيدة فكيف يكون كل منهما الفرقة التي قال الرسول: "فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة". فالجواب: أنه ليس بينهما اختلاف في أصول العقيدة إنما الخلاف بينهما في بعض فصول العقيدة وفروعها، وهذا لا يقدح في كونهما الفرقة الناجية، فإن هذا الخلاف كالخلاف الذي حصل بين الصحابة في رؤية النبي ربه ليلة المعراج، فقد نفتها عائشة وابن مسعود وأثبتها عبد الله بن عباس وأصحابه من التابعين وأبو ذر الغفاري، مع أن الصحابة متفقون في أصول العقيدة. ومن هذه الفرقة يكون المجدد الذي أخبر الرسول أنه يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة وهو من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها". رواه أبو داود وغيره.

    ***

    الاشعرية والماتريدية فرقة واحدة

    ثم بعد ان بينا أن الأشاعرة والماتريدية فرقة واحدة في العقيدة يصح لنا أن نقول: الأشعري ماتريدي والماتريدي أشعري. وما قيل في الإمام الجليل أبي الحسن الأشعري يقال في الإمام أبي منصور الماتريدي لأنه مثله قام بتقرير عقيدة السلف بالأدلة النقلية والعقلية بإيضاح واسع، فقد جمع هذان الإمامان الإثبات مع التنزيه فليسا على التشبيه ولا التعطيل، ولعن الله من يسمي الأشعري أو الماتريدي معطلاً، فهل خالفا التنزيه الذي ذكره الله بقوله {ليس كمثله شىء} فإنهما نفيا عن الله الجسمية وما ينبني عليها، وهذا ذنبهما عند المشبهة كالوهابية ومن سبقهم من المشبهة. فإن المشبهة قاست الخالق بالمخلوق فنفت موجودًا ليس جسمًا، والإمامان ومن تبعهما وهم الأمة المحمدية قالوا إن الله لو كان جسمًا لكان له أمثال لا تحصى. وهذا هو دين الله الذي كان عليه السلف الصالح وتلقاه عنهم الخلف الصالح، وطريقة الأشعري والماتريدي في أصول العقائد متحدة.

    وهو موافق لمذهب السلف غير مخالف

    فالمذهب الحق الذي كان عليه السلف الصالح هو ما عليه الأشعرية والماتريدية وهم مئات الملايين من المسلمين فكيف يكون هؤلاء السواد الأعظم على ضلال، وتكون شرذمة هي نحو ثلاثة ملايين على الحق، والصواب أن الرسول عليه السلام أخبر بأن جمهور أمته لا يضلون وذلك من خصائص هذه الأمة، ويدل على ذلك ما رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهما: "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة" وعند ابن ماجة زيادة: "فإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم".

    ويقوي هذا الحديث الحديث الموقوف على أبي مسعود البدري: "وعليكم بالجماعة فإن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة" قال الحافظ ابن حجر: "وإسناده حسن"، والحديث الموقوف على عبد الله بن مسعود وهو أيضًا ثابت عنه: "ما رءاه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رءاه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح"، قال الحافظ ابن حجر: "هذا موقوف حسن".

    ولا ينافي ما قررناه من أن الجمهور معصومون من الضلالة ما صح مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه سلم من قوله: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة".

    الاشاعرة والماتريدية بالملايين

    ان المسلمين ومئات ملايينهم في الدنيا أشاعرة أو ماتريدية من حيث المعتقد ، فلنتذكر مناهج اسلافنا كبار علماء الاشاعرة والماتريدية وما كان عليه السلف والخلف من هذه الأمة المحمدية، سيما بعد أن تعرض الكثيرون إلى سيرة هؤلاء الأمة ونهجهم.

    *****

    إتفاق العلماء أن الأشاعرة والماتريدية هم أهل السنة والجماعة

    وليعلم أن كلا من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور رضي الله عنهما وجزاهما عن الإسلام خيرًا لم يبدعا من عندهما رأيا ولم يشتقا مذهبا انما هما مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كانت عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحدهما قام بنصرة نصوص مذهب الشافعي وما دلت عليه والثاني قام بنصرة نصوص مذهب أبي حنيفة وما دلت عليه وناظر كل منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين وهذا في الحقيقة هو أصل الجهاد الحقيقي الذي تقدمت الاشارة اليه فالانتساب اليهما انما هو باعتبار أن كلا منهما عقد على طريق السلف نطاقًا وتمسك وأقام الحجج والبراهين عليه فصــار المقتــدى بــه في تلك المسالك والدلائل ويسمى أشعريًا وماتريديًا.

    وقال الشيخ محمد أمين الشهير بابن عابدين الحنفي في "رد المحتار على الدر المختار": "أهل السنة والجماعة وهم الأشاعرة والماتريدية".

    وقال الحافظ الفقيه الحنفي مرتضى الزبيدي في "اتحاف السادة المتقين" (2/6-7)، (الفصل الثاني) "أذا أطلق أهل والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية، قال الخيالي في حاشيته على شرح العقائد الاشاعرة هم أهل السنة والجماعة هذا هو المشهور في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الاقطار في ديار ما وراء النهر يطلق بذلك على الماتريدية أصحاب الامام أبي منصور وبين الطائفتين اختلاف في المسائل كمسئلة التكوين وغيرها ا.هــ".

    وقال الكستلي في حاشيته عليه: "المشهور من أهل السنة في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الاقطار هم الأشاعرة أصحاب أبي الحسن الأشعري أول من خالف أبا علي الجبائي ورجع عن مذهبه الى السنة أي طريق النبي صلى الله عليه وسلم والجماعة أي طريقة الصحابة رضي الله عنهم وفي ديار ما وراء النهر الماتريدية أصحاب أبي منصور الماتريدي ا.هــ.".

    وقال ابن سبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب: "اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل وان اختلفوا في الطرق والبادىء الموصلة لذلك أو في لمية ما هنالك وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف الأول أهل الحديث ومعتمد مباديهم الأدلة السمعية أعني الكتاب والسنة والإجماع الثانية أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية وهم الأشعرية والحنفية وشيخ الأشعرية أبو الحسن الأشعري وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي وهم متفقون في المبادىء العقلية في كل مطلب يتوقف السمع عليه وفي المبادىء السمعية فيما يدرك العقل جوازه فقط والعقلية والسمعية في غيره. ا.هــ.".

    *****

    أشهر مذاهب أهل السنة في الفروع:

    المذهب الشافعي: الإمام الشافعي رضي الله عنه يتقن علم الكلام

    كان الشافعي رضي الله عنه قد أتقن علم الكلام الذي لأهل السنة، قبل أن يتقن علم الفقه، والدليل على ذلك ما ثبت عنه أنه جاءه حفص الفرد المعتزلي فناظره فقطعه الشافعي بالحجة في مسئلة خلق الكلام، فلما أصرً حفص على قوله القرءان مخلوق قال الشافعي: "لقد كفرت بالله العظيم".

    اسمه نسبه ومولده:

    هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف يجتمع نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، لقي جده شافع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مترعرع، وأم الشافعي هي فاطمة بنت عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأما مولده فعن عمرو بن سواد قال: قال لي الشافعي ولدت بعسقلان فلما أتت علي سنتان حملتني أمي إلى مكة وكانت رغبتي في شيئين الرمي وطلب العلم فنلت من الرمي حتى أني لأصيب من عشرة عشرة وسكت عن العلم، فقلت أنت والله في العلم أكثر منك في الرمي، وقد ولد سنة 150 هجرية في السنة التي مات بها أبو حنيفة رحمهما الله.

    مشايخه:

    ذكر أنهم قريب 80 نذكر منهم سفيان بن عيينه، الإمام مالك بن أنس، وفضيل ابن عياض، ومحمد بن الحسن الشيباني، وعبد الله بن المبارك.

    عبادته:

    روي أنه كان يقسم الليل غلى ثلاثة أجزاء: ثلثا للعلم، و ثلاثا للعبادة، وثلثا للنوم.



    زهده:

    قال رضي الله عنه: ما شبعت منذ ستة عشر سنة، لأن الشبع يثقل البدن، و يقسي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة .



    سخاؤه:

    حُكي أنه قدم مكة بعشرة آلاف دينار، فضرب خباءه في موضع خارج مكة، و نثرها على ثوب له، ثم اقبل على كل من دخل عليه، و يقبض له قبضة و يعطيه، حتى صلى الظهر و نفض ثوبه، و ليس عليه شئ. و أنشد قائلا:

    يا لهف قلبي على مال أجود به على المقلين من أهل المروءات
    إناعتذاري لمن قد جاء يسألني ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات



    ورعه:
    سُئل الشافعي عن مسئلة، فسكت فقيل له: ألا تجيب رحمك الله!، فقال: "حتى أدري، الفضل في سكوتي أو في جوابي؟.



    شهادة أهل الفضل له:

    قال أبو الثور: ما رأيت مثل الشافعي .

    قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: ما صليت منذ أربعين سنة إلا و أنا أدعو للشافعي .



    وعظه و إرشاده:

    حكي أن شابًا قال له: علمني مما علمك الله! فقال رضي الله عنه: اعلم ان من صدق الله نجا، ومن أشفق على دينه سلم من الردى، و من زهد في الدنيا قرت عيناه مما يراه من ثواب الله تعالى غدًا، أفلا أزيدك؟، قلت : نعم! قال: من كان فيه ثلاث خصال فقد استكمل الإيمان: مَنْ أمر بالمعروف و ائتمر، و نهى عن المنكر و انتهى، وحافظ على حدود الله تعالى، ألا أزيدك ؟. قلت بلى!، فقال: كن في الدنيا زاهدًا، و في الىخرة راغبًا، و أصدق الله تعالى في جميع أمورك، تنج مع الناجين.



    حاله عند موته:

    حكي أن الإمام المزني دخل على الإمام الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقال: كيف أصبحت ؟ فأجابه قائلا: أصبحت من الدنيا راحلا، و للإخوان مفارقا، و لسيئ عملي ملاقيا، ولكأس المنية شاربًا، ولى ربي واردًا، لا أدري تصير روحي إلى الجنة فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها ثم أنشد قائلا :

    ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سلما
    تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما
    و ما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل تجود وتعفو منة و تكرما



    شعره:

    عزيز النفس من لزم القناعة و لم يكشف لمخلوق قناعه
    أفادتني التجارب كل عز و هل عز أعز من القناعة
    فصيرها لنفسك رأس مال و صير بعدها التقوى بضاعة
    و لا تطع الهوى و النفس و اعمل من الخيرات قدر الاستطاعة
    أحب الصالحين و لست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
    و أكره من بضاعته المعاصي و غن كنا سواء في البضاعة



    وقد قيل للإمام الشافعي: ما لكَ تدمن إمساك العصا ولست بضعيف؟ فقال: لأذكر أني مسافر من الدنيا غلى الآخرة!

    تلاميذه:
    الإمام أحمد بن حنبل، وأبو ثور وغيرهم من كبار العلماء.

    مناقبه:
    اجتمع للشافعي رحمه الله من الفضائل ما لم تجتمع لغيره فأول ذلك نسبه ومنصبه وأنه من رهط النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها صحة الدين وسلامة الاعتقاد من الأهواء والبدع، ومنها سخاوة النفس، ومنها معرفته بصحة الحديث وسقمه. قال الشافعي يوما قدمت على مالك بن أنس رضي الله عنه وقد حفظت الموطأ فقال لي احضر من يقرأ لك فقلت أنا قارئ فقرأت عليه الموطأ فقال: إن يك أحد يفلح فهذا الغلام. وقال الحميدي: كنا نريد أن نرد على أصحاب الرأي فلم نحسن كيف نرد عليهم حتى جاءنا الشافعي ففتح لنا. وقال مسلم بن خالد الزنجي للشافعي رضي الله عنهما: أنت يا أبا عبد الله فقد والله آن لك أن تفتي. وهو ابن خمس عشرة سنة، وعن إسحاق بن راهوية قال لي أبي: كلم الشافعي يوما بعض الفقهاء فدقق عليه وحقق وطالب وضيق، قلت له يا أبا عبد الله هذا لأهل الكلام لا لأهل الحلال والحرام فقال احكمنا ذاك قبل هذا: أي علم التوحيد قبل فروع الفقه.

    وعن عباس بن الحسين قال سمعت بحر بن نصر يقول كنا إذا أردنا أن نبكي قلنا بعضنا لبعض قوموا بنا إلى هذا الفتى المطلبي نقرأ القرءان فإذا أتيناه استفتح القرءان حتى تتساقط الناس بين يديه ويكثر عجيجهم بالبكاء فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة من حسن صوته، وكان الشافعي قد جزأ الليل ثلاثة أثلاث، الثلث الأول يكتب والثاني يصلي والثالث ينام.

    مصنفاته:
    وهي كثيرة نذكر منها: إثبات النبوة والرد على البراهمة، والرسالة في بيان الناسخ والمنسوخ في القرءان والسنة، والفقه الأكبر، وكتاب الأم في الفقه.

    وفاته:
    توفي في ءاخر يوم رجب سنة 204 هجرية وقد كتب على قبره في مصر: "هذا قبر محمد بن إدريس الشافعي وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمدا رسول الله وأن الجنّة حق والنّار حق وأنّ الساعة ءاتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأن صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله ربّ العالمين لا شريك له وبذلك أمر وهو من المسلمين. عليه حيي وعليه مات وعليه يبعث حيا إن شاء الله. وعن ابن حزم المزني قال ناحت الجن ليلة مات الشافعي رضي الله عنه.

    *****

    المذهب الحنفي: الإمام أبو حنيفة النعمان

    اسمه، نسبه ومولده:

    أبو حنيفة النعمان بن ثابت مولى بني تيم الله بن ثعلبة ولد سنة 80 هجرية بالكوفة وكان ذلك في زمن دولة بني أمية كان أبوه ثابت من أهل التقوى والصلاح اشتغل بتجارة القماش أدّب ابنه وسار به مسار العلماء بتعليمه.

    مشايخه:
    التقى أبو حنيفة بستة من الصحابة وروى عنهم وهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن أنس، وواثلة ابن الأسقع، وعبد الله بن أوفى، وعبد الله بن جزء الزبيدي، ومعقل بن يسار. وأما مشايخه من التابعين فهم حوالي المائتين نذكر منهم: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، وأبو الحسين زيد بن الحسين رضي الله عنه، وعطاء بن أبي رباح، وحماد ابن سليمان، وأبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري.

    تلاميذه:
    وهم كثر نذكر منهم محمد بن الحسن الشيباني وأبا يوسف القاضي.

    مناقبه:
    كان من أذكياء بني آدم جمع الفقه والعبادة والورع والسخاء وكان لا يقبل جوائز الدولة بل ينفق ويؤثر من كسبه له دار كبيرة لعمل الخز وعند صناع وأجراء رحمه الله تعالى وقد قال الشافعي الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة وقال يزيد بن هارون ما رأيت أورع ولا أعقل من أبي حنيفة.

    ارتحل إلى البصرة نيفا وعشرين مرة فخصم المعتزلة الدهريين بالكلام وناظرهم وفضح أمرهم وأقام عليهم الحجة حتى أصبح أشهر متكلمي أهل السنة في زمانه، ومع هذا كله كان يختم القرءان في شهر رمضان ستين ختمة، وروى أنه داوم على قراءة القرءان في ركعة من الصلاة ثلاثين سنة وكان يصلي في كل ليلة 400 ركعة.

    مصنفاته:
    ألفّ الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه الكثير من الكتب في عدة أبواب نذكر منها: الفقه الأكبر، والرسالة، وكتاب العالم والمتعلم، وفيه من الحجج والبراهين ما يلجم أهل الإلحاد والبدع.

    وفاته:
    ذكر ابن الأهدل أن أبا جعفر المنصور نقله إلى بغداد ليوليه القضاء فأبى فحلف عليه ليفعلن فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، فأمر بحبسه وقيل أنه كان يرسل إليه في الحبس أنك إن أجبت وقبلت ما طلبت منك لأخرجنك من الحبس ولأكرمنك، فأبى، فأمر بأن يخرج كل يوم فيضرب عشرة أسواط فكان يخرج به كل يوم فيضرب فأكثر الدعاء فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات في الحبس مبطونا سنة 150 هجرية. فأخرجت جنازته وكثر بكاء الناس عليه وصلى عليه خمسون ألفا ودفن في مقابر الخيزران في بغداد.

    هذه لمحة مما كان عليه الإمام الفاضل أبو حنيفة من دأب على نشر العلم وإحقاق الحق وإزهاق الباطل ومحاربة أهله والصبر على قضاء الله واحتمال الجلد والسجن بالصبر خوفا على دينه وحرصا عليه.

    المذهب المالكي: الإمام مالك بن أنس

    اسمه ونسبه ومولده:

    هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أنس بن الحارث وينتهي نسبه إلى يعرب بن يشجب بن قحطان، جده مالك بن أنس من كبار التابعين وأحد الذين حملوا الخليفة عثمان إلى قبره، ووالد جده أنس بن مالك أبو عامر صحابي جليل شهد المغازي كلها مع الرسول صلى الله عليه وسلم ما خلا بدار، وأمه العالية بنت شريك الاسدية، أبناؤه: يحيى ومحمد وحماد. والإمام مالك أحد أصحاب المذاهب المدونة المعروفة والمشهورة في جميع بلاد المسلمين. ولد الإمام في المدينة المنورة سنة 95 هجرية وفيها كانت وفاته.

    مشايخه:
    روى الإمام مالك رضي الله عنه عن عدد كبير من التابعين وتابعيهم يعدون بالمئات نذكر منهم: نافع مولى بن عمر، وابن شهاب الزهري، وأبو الزناد، وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص، ويحيى بن سعيد الأنصاري.

    تلاميذه ومن روى عنه:

    وقد روى عنه كثير من شيوخه فيما بعد كالزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وعدد كثير من الرواة حتى أن القاضي عياض رحمه الله ألفّ كتابا عدّ فيه ألفا وثلاثمائة اسم ممن روى عن الإمام نذكر منهم سفيان الثوري والإمام الجليل محمد بن إدريس الشافعي وعبد الله بن المبارك.
    في مناقبه:

    قال الإمام ابن حبّان في "الثقات" كان مالك أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة، وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث، ولم يرو إلا ما صحّ ولا يحدث إلا عن ثقة مع الفقه والدين والفضل والنسك. وأقوال الكثيرين من علماء عصره جعلنا نتبين مدى حرصه على دين الله فقد قال الشافعي عنه: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وقال ابن معين: مالك من حجج الله على خلقه، وقال يحيى بن سعيد القطان: مالك أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن سعيد كان مالك ثقة مأمونا ثبتا ورعا فقيها عالما حجة.

    مصنفاته:
    الموطأ أول كتاب حمل هذا الاسم، ومعناه الممهد وهو أول الكتب التي وضعت فيها الأحاديث مصنفة ومبوبة، كما أنه أول كتاب ألفّ في الحديث والفقه معا. ألفه مالك في أربعين سنة فقد قال الشافعي في الموطأ: ما ظهر على الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك وقد اشتمل الموطأ على الكثير من الأسانيد التي حكم المحدثون بأنها أصح الأسانيد ومنها: الزهري عن سالم عن ابن عمر، ومالك عن نافع عن ابن عمر.

    وفاته:
    توفي الإمام مالك رضي الله عنه في ربيع الأول سنة 179 هجرية ودفن في البقيع وقد عاش 84 سنة في عصر ردد فيه: "أيُفتى ومالك في المدينة".

    المذهب الحنبلي: الإمام أحمد بن حنبل

    اسمه نسبه ومولده:

    هو أبو عبد الله الشيباني أحمد بن محمد بن حنبل من بني شيبان ابن ذهل يجتمع نسبه بالنبيّ صلى الله عليه وسلم في نزار، فأحمد من ولد ربيعه من نزار والرسول صلى الله عليه وسلم من ولد معدّ بن نزار ولد في ربيع الأول سن 164، جاءت أمه حاملة به من مرو في خرسان وولدته في بغداد وكان أبوه عندما توفي شابا وله من العمر ثلاثون سنة وكان أحمد طفلا فرعته أمه.

    مشايخه:

    أول طلب أحمد للعلم كان سنة 179 هجرية. فسمع من أحمد من هشيم، وإبراهيم بن سعد، ويزيد بن هارون، ومحمد بن إدريس الشافعي.

    تلاميذه:
    وروى عنه عبد الرزاق بن همام، ومحمد بن إدريس الشافعي، والأسود بن عامر وغيرهم من كبار العلماء أمثال البخاري ومسلم وغيرهم.

    مناقبه:
    وكان الإمام أحمد إماما في الحديث وضروبه إماما في الفقه والورع والزهد وحقائقه. وقد قال إبراهيم الحربي أدركت ثلاثة لم ير مثلهم أبدا يعجز النساء أن يلدن مثلهم، رأيت أبا عبيد القاسم بن سلام ما أمثله إلا بجبل نفخ فيه روح، ورأيت بشر بن الحرث ما شبهته إلا برجل عجن من قرنه إلى قدمه عقلا، ورأيت أحمد بن حنبل كأن الله جمع له علم الأولين من كل صنف يقول ما شاء ويمسك ما شاء. وعن الحسن بن العباس قال قلت لأبي مسهر هل تعرف أحدا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها قال لا أعلم إلا شابا بالمشرق يعني أحمد بن حنبل، وقال إبراهيم بن شماس خاض الناس فقالوا إن وقع أمر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمن الحجة على وجه الأرض فاتفقوا كلهم على أحمد بن حنبل حجته. وكان الشافعي يأتيه إلى منـزله فعوتب في ذلك فأنشد:

    قالوا يزورك أحمد وتزوره قلت الفضائل لا تفارق منـزله

    إن زارني فبفضله أو زرته فلفضله فالفضل في الحالين له

    مصنفاته:
    وكان له العديد من المصنفات منها المسند، والناسخ والمنسوخ، والرد على الزنادقة فيما ادعت من متشابه القرءان، والتفسير، وفضائل الصحابة، والمناسك والزهد.

    وفاته:
    مرض أبو عبد الله بالحمى ليلة الأربعاء من شهر ربيع الأول سنة 241 ودام مرضه 9 أيام وتوفى يوم الجمعة 12 من ربيع الأول وهو ابن سبع وسبعين سنة ويروى أنه حضر جنازته ثمانمائة ألف رجل وستين ألفا امرأة وأسلم يوم موته عشرون ألفا من اليهود والنصارى والمجوس. وحكى عن إبراهيم الحربي قال رأيت بشراً الحافي في النوم كأنه خارج من مسجد الرصافة وفي كمه شىء يتحرك فقلت ما هذا في كمك فقال نثر علينا لقدوم روح أحمد الدر والياقوت فهذا ما التقطته.

    ***

    خاتمة

    عقيدة الفرقة الناجية

    فيجب الاعتناء بمعرفة عقيدة الفرقة الناجية الذين هم السواد الأعظم، وأفضل العلوم علم العقيدة لأنه يبين أصل العقيدة التي هي أصل الدين، وهذا العلم سماه أبو حنيفة الفقه الأكبر. فيا طلاب الحق لا يهولنكم قدح المشبهة المجسمة في هذا العلم بقولهم إنه علم الكلام المذموم لدى السلف، ولم يدروا أن علم الكلام المذموم هو ما ألفه المعتزلة على اختلاف فرقهم والمشبهة على اختلاف فرقهم من كرامية وغيرها فإنهم قد افترقوا الى عدة فرق بينها من ألفوا في بيان الفرق كالإمام أبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي.

    ومن أشهر ما ألف في هذا العلم هذه العقيدة المشهورة بالعقيدة الطحاوية التي مؤلفها من السلف، وقد نص على أن ما يذكره في هذه العقيدة هو ما عليه أهل السنة يعني الصحابة ومن بعدهم إلى عصره عامةً، وخص ذكر الإمام أبي حنيفة وصاحبيه القاضي أبي يوسف ومحمد ابن الحسن بتسميتهم بأسمائهم.

    ***

    ملحق ببيان أهل السنة والجماعة

    أ‌- [ذكر بعض مشاهير الأشاعرة]

    [كالسلطان صلاح الدين الأيوبي محرر الأقصى من الصليبيين والسلطان محمد العثماني فاتح القسطنطينية والذي مدحه النبي بقوله: [لتفتحن القسطنطينية فنعم الأمير أميرها ونعم الجيش ذلك الجيش]

    كالنووي وابن حجر من أكابر أهل السنّة، وقد كان سيدنا محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية وقال فيه الرسول معجزة له عليه السلام: "لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش" أشعريًا ماتريديا رضي الله عنه وأرضاه هو وسائر السلاطين العثمانيين.

    فلذلك نحن مع القشيري حيث قال:

    شيئان من يعذلني فيهما فهو على التحقيق مني بري

    حب أبي بكر إمام الهدى ثم اعتقادي مذهب الأشعري

    شهادات العلماء بالأشعري وبدأ رحمه الله رحلته في تأييد الشريعة وتفنيد مزاعم أهل الشبه بتآليف تدحض شبههم حتى قال الفقيه أبو بكر الصيرفي: كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى نشأ الأشعري فحجزهم في أقماع السماسم، وقال السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: واعلم أن أبا الحسن الأشعري لم ينشىء مذهبًا إنما هو مقرر لمذاهب السلف مناضل عما كانت عليه صحابة رسول الله فالانتساب اليه إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقًا وتمسك به وأقام الحجج والبراهين عليه فصار المقتدي به في ذلك السالك سبيله في الدلائل يسمّى أشعريًا ا.هــ.

    وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: "واعتقاد الأشعري رحمه الله مشتمل على ما دلت عليه أسماء الله التسعة والتسعون" ويقول رضي الله عنه في ءاخر عقيدته "فهذا جملة من اعتقاد الأشعري رحمه الله تعالى واعتقاد السلف وأهل الطريقة والحقيقة" ويقول تاج الدين عبد الوهاب السبكي أيضًا: وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة في العقائد يد واحدة كلهم على رأي أهل السنة والجماعة يدينون لله تعالى بطريق شيخ السنّة أبي الحسن الأشعري رحمه الله. ثم يقول: وبالجملة عقيدة الأشعري هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة. ويقول الشيخ محمد العربي التبّان شيخ المالكية في الحرم المكي: فحول المحدثين من بعد أبي الحسن إلى عصرنا هذا أشاعرة وكتب التاريخ والطبقات ناطقة بذلك.

    وأما من استفاد من علم الأشعري وكتبه فكثير وهو أكثر من أن نحصيه في مقال ولكن في ما ذكرنا غيض من فيض وقد كفانا البيهقي المؤنة رحمه الله حين قال بعد ثناء عليه: "إلى أن بلغت النوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري فلم يحدث في دين الله حدثًا ولم يأت في ببدعة، بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصرها بزيادة شرح وتبيين" ا.هــ

    مؤلفات الأشعري: وأما مؤلفات الأشعري رحمه الله فكثيرة قيل إنها بلغت ما يقارب الخمسين وعلى مذهبه في الاعتقاد مئات الملايين من المسلمين في الشرق والغرب تدريسًا وتعليمًا ويكفي في حقية مذهبه كون هؤلاء الأكابر من العلماء الحفاظ على مذهبه كأبي بكر الإسماعيلي والبيهقي وابن عساكر الدمشقي وكذلك العسقلاني أبو الفضل، وأبو الحسن الباهلي وأبو اسحق الاسفراييني والحافظ أبو نعيم الأصبهاني والإمام السيد أحمد الرفاعي والقاضي عياض والإمام النووي والإمام فخر الدين الرازي وابن دقيق العيد والحافظ مرتضى الزبيدي والشيخ زكريا الأنصاري ومفتي مصر الشيخ محمد عليش المالكي وشيخ الجامع الأزهر عبد الله الشرقاوي وغيرهم من ائمة الدين كثير لا يحصيهم إلا الله سبحانه.

    أحبابنا القراء لم أرد بما ذكرت إحصاء الأشاعرة أو حصر فضائل الأشعري فمن ذا الذي يحصي عدد رمال الصحراء ولكن أردت أن أتوقف متذكرين ومذكرين ببعض من الماضي الذي نحتاجه في حاضرنا.

    هذا وقد قدمنا في تضاعيف الكلام ما يدلّ على ذلك، وحكينا لكم مقالة الشيخ ابن عبدالسلام، ومن سبقه إلى مثلها، وتلاه على قولها، حيث ذكروا أن الشافعية، والمالكية، والحنفية، وفضلاء الحنابلة أشعريون. هذه عبارة ابن عبد السلام، شيخ الشافعية. وابن الحاجب شيخ المالكية، والحصيري شيخ الحنفية، ومن كلام ابن عساكر حافظ هذه الأمة الثقة الثبت: "هل من الفقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، إلا موافق الأشعري، ومنتسب إليه، وراضٍ بحميد سعيه في دين الله و مثن بكثرة العلم عليه، غير شرذمة قليلة تضمر التشبيه وتعادي كل موحد يعتقد التنزيه، أو تضاهي قول المعتزلة في ذمّه، وتباهى بإظهار جهرها بقدرة سعة علمه".

    وقال أيضًا: "أنا أعلم أن المالكية كلهم أشاعرة لا أستثني أحدًا، والشافعية غالبهم أشاعرة. لا أستثني إلا ممن لحق بهم منهم بتجسيم أو اعتزال، ممن لا يعبأ الله به، والحنفية أكثرهم أشاعرة، أعني يعتقدون عقد الأشعري، لا يخرج منهم إلا من لحق منهم بالمعتزلة، والحنابلة أكثر فضلاء متقدميهم أشاعرة، لم يخرج منهم من عقيدة الأشعري إلا من لحق بأهل التجسيم، وهم في هذه الفرقة من الحنابلة أكثر من غيرهم" ا.هــ.

    ***

    ب‌- [شرح حديث البخاري ومسلم]:

    ["الايمان يمانٍ والحكمة يمانية، أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوبًا"، وشرح حديث: "يقدم قوم هم أرق أفئدة منكم"، وشرح البيهقي لحديث الرسول لما قال: "هم قوم هذا"، وربَّت على ظهر أبي موسى الأشعري جد الإمام أبي الحسن الأشعري، بعد نزول الآية: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه}]

    قال تاج الدين السبكي في طبقاته (3/36): "ذكر دليل استنبطه علماؤنا من الحديث الصحيح دال على أن أبا الحسن وفئته على السنّة وأن سبيلهم سبيل الجنة".

    زعم طوائف من أئمتنا أن سيدنا ومولانا وحبيبنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم بشّر بالشيخ أبي الحسن، وأشار إلى ما هو عليه في حديث الأشعريين، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "الايمان يمانٍ والحكمة يمانية، أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوبًا". أخرجه البخاري ومسلم .

    وفي حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يقدم قوم هم أرق أفئدة منكم" فقدم الأشعريون، فيهم أبو موسى ... الحديث.

    وفي حديث لما نزلت: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هم قوم هذا" وضرب بيده على ظهر أبي موسى الأشعري.

    وقد استوعب الحافظ في كتاب "التبيين" الأحاديث الواردة في هذا الباب وهذا ملخصها:

    قال علماؤنا: بشّر صلى الله عليه وسلم بأبي الحسن فيها إشارةً وتلويحًا، كما بشر بأبي عبدالله الشافعي رضي الله عنه في حديث: "عالم قريش يملأ طباق الأرض علمًا" وبمالك رضي الله عنه، ففي حديث: "يوشك أن يضرب الناس ءاباط الإبل فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة".

    وممن وافق على هذا التأويل وأخذ به من حفاظ المحدثين وأئمتهم الحافظ الجليل أبو بكر البيهقي، فيما أخبرنا به يحيى بن فضل الله العمري، في كتابه، عن مكي بن علان، أخبرنا الحافظ أبو القاسم الدمشقي، أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الحافظ، قال: أما بعد، فإن بعض أئمة الأشعريين رضي الله عنهم ذاكرني بمتن الحديث الذي أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا ابراهيم ابن مرزوق، حدثنا وهب بن جرير، وأبو عامر العقدي، قالا: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن عياض الأشعري قال: لما نزلت: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} أومأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى، فقال: "هم قوم هذا".

    قال البيهقي: وذلك لما وجد من الفضيلة الجليلة، والمرتبة الشريفة (في هذا الحديث) للإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه، فهو من قوم أبي موسى وأولاده، الذين أوتوا العلم، ورزقوا الفهم، مخصوصا من بينهم بتقوية السنة وقمع البدعة، بإظهار الحجَّة وردّ الشبهة، والأشبه أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل قوم أبي موسى من قومٍ يحبهم الله ويحبونه لما علم من صحة دينهم، وعرف من قوة يقينهم، فمن نحا في علم الأصول نحوهم، وتبع في نفي التشبيه مع ملازمة الكتاب والسنة قولهم جعل من جملتهم. هذا كلام البيهقي.

    ونحن نقول ولا نقطع على رسول الله صلى الله عليه وسلم: يشبه أن يكون نبي الله صلى الله عليه وسلم إنما ضرب على ظهر أبي موسى رضي الله عنه في الحديث الذي قدمناه، للإشارة والبشارة بما يخرج من ذلك الظهر في تاسع باطن، وهو الشيخ أبو الحسن، فقد كانت للنبي صلىالله عليه وسلم إشارات لا يفهمها إلا الموفقون المؤيدون بنور من الله، الراسخون في العلم ذوو البصائر المشرقة، {ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور} .

    ثم قال "ذكر بيان أن طريقة الشيخ التي عليها المعتبرون من علماء الإسلام، والمتميّزون من المذاهب الأربعة، في معرفة الحلال والحرام، والقائمون بنصرة دين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام".

    ***

    ج- [بعض مآثر الماتريدي ومؤلفاته]

    مولده: ولد في بيت من البيوت التي شغفت بالعلوم الدينية، فنشأ وتعلم علوم الدين منذ صغره، ولم يتقاعس لحظة في الدعوة إلى مذهب أهل السنة والدفاع عنه والتمسك به، ولم يفتر عزمه عن الاشتغال بعلم الكلام والتأليف فيه ونصب الأدلة والحجج والبراهين.

    مشايخه: إن المراجع لم تذكر إلا القليل من مشايخه الذين تلقى علومه عنهم إلا أنهم جميعًا يصل سندهم في العلم إلى الإمام الجليل أبي حنيفة النعمان، وقد ذكر صاحب "الجواهر المضيئة" أن الماتريدي تخرج بأبي نصر أحمد بن العباسي بن الحسين العياضي، وتفقه على أبي بكر أحمد الجوزجاني ونصير بن يحيى البلخي، ومحمد بن مقاتل الرازي.

    أما أبو نصر العياضي وأبو بكر الجوزجاني فقد تفقها على الإمام أبي سليمان موسى ابن سليمان الجوزجاني، وهذا الأخير تفقه على صاحبي أبي حنيفة: أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسين الشيباني اللذين تفقها على أبي حنيفة. وأما نصير البلخي ومحمد بن مقاتل الرازي فقد تفقها على الإمامين أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، وأبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي اللذين تفقها على الإمام أبي حنيفة كذلك.

    علوم الماتريدي: وأما علومه فقد دارت حول تأويل القرءان الكريم وأصول الفقه وعلم الكلام وما يتعلق به، وقد درس العلوم العقلية، كما درس العلوم النقلية درسًا متقنًا عميقًا، ووقف على دقائقها حتى صار إمامًا مبرز في الفقه والتأويل وعلم الكلام.

    وبعد أن نال القسط الوفير من الثقافة والعلم انصرف الى التدريس والتثقيف، فصنف وألف وكرّس حياته لحماية الإسلام ونصرة عقيدة أهل السنة والجماعة حتى وصفه العلماء بأنه كان إمامًا جليلاً، مناضلاً عن الدين، موطد لعقائد أهل السنة، قطع المعتزلة وذوى البدع في مناظرتهم، وخصمهم في محاوراتهم إلى أن أسكتهم.

    مؤلفاته: كان للإمام أبي منصور الماتريدي العديد من المؤلفات، ومنها ما كان في علم الكلام والعقيدة، ومنها ما كان في أصول الفقه ومنها ما كان في تأويل القرءان.

    أما في علم الكلام فله عدة مصنفات منها كتاب "التوحيد"، وكتاب "المقالات"، وكتاب "الرد على القرامطة"، و "بيان وهم المعتزلة"، و"رد الأصول الخمسة لأبي محمد الباهلي" و"أوائل الأدلة للكعبي"، و"رد كتاب وعيد الفساق للكعبي"، و"رد تهذيب لجدل للكعبي" وغيرها.

    وأما في علم أصول الفقه فقد ذكرت كتب الطبقات وكتاب "كشف الظنون" كتابين في أصول الفقه هما: كتاب "الجدل"، وكتاب "مأخذ الشرائع في أصول الفقه" وجاء في "بدائع الصنائع" في أثناء استنباط أوقات الصلوات الخمس من قوله تعالى:

    {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيًا وحين تظهرون} (سورة الروم) قال الشيخ أبو منصور الماتريدي السمرقندي إنهم فهموا من هذه الآية فرضية الصلوات الخمس، ولو كانت أفهامهم مثل أفهام أهل زماننا لما فهموا منها سوى التسبيح المذكور.

    وأما مؤلفات الإمام الماتريدي في تأويل القرءان فمنها كتاب "تأويلات أهل السنة"، وقد ذكره بهذا العنوان صاحب "كشف الظنون" ولكن نسخة "كوبريلي" عنونت بــ "تاويلات الماتريدي في التفسير"، وأما أصحاب الطبقات فقد ذكروه باسم "تأويلات القرءان" وهذا الاسم تحمله النسخ الأخرى الموجودة في تركيا والهند وألمانيا والمدينة المنورة ودمشق والمتحف البريطاني وطشقند. ولعل الكتاب كان يحمل الإسمين في مبتدأ الأمر فاختصره المؤرخون وأصحاب الطبقات على ذلك.

    وقد وصف الإمام عبد القادر القرشي المتوفى سنة 775هــ هذا الكتاب بقوله: "هو كتاب لا يوازيه فيه كتاب بل لا يدانيه شىء من تصانيف من سبقه في ذلك الفن".

    وجاء في نسخة مكتبة "خدابخش" في الصحيفة الولى إسناد كتاب "تأويلات القرءان" إلى الماتريدي، وجاء فيما يليه مقدمة عن مؤلفات هذا الكتاب وعن تعريف التفسير والتأويل، وجاء في مقدمة الكتاب أيضًا ما نصه: "قال الشيخ الإمام الزاهد علم الدين شمس العصر، رئيس أهل السنة والجماعة أبو بكر محمد بن أحمد السمرقندي رحمه الله تعالى: إن كتاب التاويلات المنسوب إلى الشيخ الإمام أبي منصور الماتريدي رحمه الله كتاب جليل القدر، عظيم الفائدة في بيان مذهب أهل السنة والجماعة في أصول التوحيد، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله في أصول الفقه وفروعه على موافقة القرءان". ا.هــ.

    وذكر صاحب "كشف الظنون" كتاب "تأويلات القرءان" تحت عنوان "تأويلات الماتريدية في بيان أصول أهل السنة وأصول التوحيد"، وصرح بأنه ثمانية مجلدات وأن الشيخ علاء الدين بن محمد بن أحمد هو الذي جمعه.

    وجاء في "تأويلات القرءان" في تفسير قوله تعالى: {قل رب أرني أنظر إليك قال لن تراني} قوله: "والقول بها -يعني رؤية الرب- لازم عندنا في الآخرة، وحق من غير إدارك ولا تفسير"، ا.هــ أي من غير تشبيه ولا كيفية.

    ومن تصانيف الإمام أبي منصور الماتريدي كتاب "شرح الفقه الأكبر"، وهو كتاب يعرف محتواه من عنوانه، فقد تناول كتاب "الفقه الأكبر" لأبي حنيفة بالشرح والإيضاح والتفسير.

    وفاته: ذكر صاحب كتاب "كشف الظنون" أن الإمام الماتريدي توفي سنة 332هــ، غير أنه عاد بعد ذلك في مواطن أخرى فاتفق مع جمهرة المؤرخين على أن وفاته كانت سنة 333هــ. وذكر عبدالله القرشي في "الفوائد البهية" بأنه توفي سنة 333هــ، وأن قبره بسمرقند.

    وهكذا يتبين لنا من خلال استعراضنا لحياة الإمام أبي منصور الماتريدي كيف اولى هذا العالم وأمثاله علم الكلام الذي يتعلق ببيان صفات الله وتنزيهه عن صفات النقصان الرعاية والاهتمام مما يثبت من جديد أن هذا العلم هو أشرف العلوم وأعظمها على الإطلاق.

    قول أهل السنة والجماعة في الآيات المتشابهة: "نقول في الصفات المشكلة إنها حق وصدق على المعنى الذي أراده الله ومن تأولها نظرنا فإن كان تأويله قريبًا على مقتضى لسان العرب لم ننكر عليه، وإن كان بعيدًا توقفنا عنه ورجعنا الى التصديق مع التنزيه" نقله الحافظ في الفتح (/ 18313).

    وهذا هو عين مذهب جماهير الأمة من أهل السنة والجماعة أي (مذهب الأشاعرة والماتريدية) ومما نحب أن نلفت نظر القارىء الكريم إليه مما حصل فيه اللبس والخلط عند من ينتحل السلفية أن هؤلاء يثبتون الكيفية لله تعالى ويزيدون بقولهم: له كيف لا ندركه، وأن الكيف مجهول لدينا فقط لكن للصفة كيفًا!!!.

    وقد غايروا بمقولتهم الفاسدة المذهب الصحيح الثابت عن أهل السنة والجماعة روى الذهبي بإسناده في مختصر العلو عن الوليد قال: سألت الأوزاعي والليث بن سعد ومالكًا والثوري عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك فقالوا: امضها بلا كيف (مختصر العلو ص 143).

    *****

    انتهى بعون الله كتابة التعريف الموجز باهل السنة والجماعة

    كتبه الوردي
     

مشاركة هذه الصفحة