أهل السنة والجماعة

الكاتب : beiruti   المشاهدات : 556   الردود : 7    ‏2005-11-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-11-02
  1. beiruti

    beiruti عضو

    التسجيل :
    ‏2005-11-01
    المشاركات:
    15
    الإعجاب :
    0
    أهل السنة والجماعة



    أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية.

    جمهور الأمة هم أهل الحق.

    السلف الصالح رضوان الله عليهم.

    علم الكلام عند أهل السنة.

    مذاهب أهل السنة في العقائد والأصول: الأشعرية والماتريدية.

    ظهور فرقة [المعتزلة] وهي من الفرق الضالة.

    الأشاعرة والماتريدية يقطعون دابر المعتزلة.

    الأشاعرة والماتريدية ينصرون منهج السلف بالعقل والنقل.

    الفرق بين الماتريدية والأشاعرة.

    إتفاق العلماء أن الأشاعرة والماتريدية هم أهل السنة والجماعة.

    أشهر مذاهب أهل السنة في الفروع.

    ملحق وإضافات معنونة.



    أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية

    ليعلم أن أهل السنة هم جمهور الأمة المحمدية، وهم الصحابة ومن تبعهم في المعتقد أي أصول الاعتقاد، وهي الأمور الستة المذكورة في حديث جبريل الذي قال فيه الرسول: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره". وهم الفرقة الناجية المقصودة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    *****

    جمهور الأمة هم أهل الحق

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة". وقال: "عليكم بالسواد الأعظم من أمتي"، وفي هذا الدليل على أن جمهور الأمة يبقى على الإسلام فلا يضل وهذا يرد ادعاء الوهابية الخبثاء الذين يقولون أن معظم الأمة ارتدت عن دين الله ووافقهم أبو الأعلى المودودي، فعندهم جمهور المنتسبين للإسلام ليسوا على الهدى بل على الشرك، وقد صح أن أهل الجنة مائة وعشرون صفًا، ثمانون منها من هذه الأمة، فلا يمكن أن يكون هؤلاء الثمانون هذه الشرذمة الوهابية، والوهابية معتقدها منبثق من محمد بن عبدالوهاب المتوفى سنة مائتين وألف وست للهجرة وبعض معتقداتها مأخوذ من أحمد بن تيمية المتوفى سنة سبعمائة وثمان وعشرين للهجرة وهو شذ عن ما كان عليه مَنْ قبلُه من أهل الحق بقوله الكفري: "إن جنس العالم ليس حادثًا إنما الحادث الأفراد أي الأشخاص المعينة فكل شخص وفرد عنده حادث ولكن إلى ما لا نهاية له ولا ابتداء"، فجعل العرش أزليًا بنوعه وجنسه، فبزعمه إن الله لم يخلق العرش والعياذ بالله من كلامه الكفري، وقد نقل ذلك عنه الإمام جلال الدين الدواني وهو من ثقات العلماء كما وثقه الحافظ السخاوي في البدر اللامع في تراجم أهل القرن التاسع، ونسب إلى ابن تيمية ذلك الحافظان الجليلان المعاصران له وهما الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي والحافظ أبو سعيد العلائي.

    *****

    السلف الصالح رضوان الله عليهم

    وأفضل هؤلاء أهل القرون الثلاثة المرادون بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" والقرن معناه مائة سنة كما رجح ذلك الحافظ أبو القاسم بن عساكر وغيره، وهم المرادون أيضًا بحديث الترمذي وغيره: "أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم".

    وفيه قوله: "عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة"، صححه الحاكم وقال الترمذي: حسن صحيح، وهم المرادون أيضًا بالجماعة الواردة فيما رواه أبو داود من حديث معاوية: "وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة".

    والجماعة هم السواد الأعظم: ليس معناه صلاة الجماعة، كما يوضح ذلك حديث زيد بن ثابت ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث لا يغل عليهن قلب المؤمن: إخلاص العمل، والنصيحة لولي الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تكون من ورائهم". قال الحافظ ابن حجر: حديث حسن.

    والسلف أهل القرون الثلاثة الذين ذكرهم الرسول بقوله: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" -رواه البخاري- فعلى تفسير القرن بمائة سنة فالسلف هم من كانوا ضمن الثلاثمائة، ومنهم أي من العلماء من جعل منتهى السلف سنة مائتين وعشرين، والأول هو المشهور، ويقوي ذلك رواية ابن حبان لحديث: "خير الناس" فقد أتي فيها ذكر "ثم الذين يلونهم". ثلاث مرات، واختار ذلك الحافظ ابن عساكر في رسالته التي ألفها في الدفاع عن الإمام أبي الحسن الأشعري.

    *****

    التوحيد في علم الكلام عند أهل السنة

    إن العلم بالله تعالى وصفاته أجلّ العلوم وأعلاها وأوجبها وأولاها، ويسمى علم الأصول وعلم التوحيد وعلم العقيدة، وقد خصّ النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بالترقّي في هذا العلم فقال: "أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له" فكان هذا العلم أهمّ العلوم تحصيلاً وأحقّها تبجيلاً وتعظيمًا؛ قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [سورة محمّد/19] قدّمَ الأمر بمعرفة التوحيد على الأمر بالاستغفار لتعلّق التوحيد بعلم الأصول، وتعلق الاستغفار بعلم الفروع.

    ويسمى هذا العلم أيضًا مع أدلته العقلية والنقلية من الكتاب والسنّة علم الكلام؛ والسبب في تسميته بهذا الاسم كثرة المخالفين فيه من المنتسبين إلى الإسلام وطول الكلام فيه من أهل السنّة لتقرير الحقّ؛ وقيل لأن أشهر الخلافات فيه مسألة كلام الله تعالى أنه قديم ـ وهو الحقّ ـ أو حادث. فالحشوية قالت: كلامه صوت وحرف، حتى بالغ بعضهم فقال: إن هذا الصوت أزلي قديم، وإن أشكال الحروف التي في المصحف أزلية قديمة، فخرجوا عن دائرة العقل، وقالت طائفة أخرى: إن الله تعالى متكلّم بمعنى أنه خالق الكلام في غيره كالشجرة التي سمع عندها موسى كلام الله، لا بمعنى أنه قام بذات الله كلام هو صفة من صفاته وهم المعتزلة قبّحهم الله. وقال أهل السنّة: إن الله متكلّم بكلام ذاتي أزلي أبدي ليس حرفًا ولا صوتًا ولا يختلف باختلاف اللغات.

    وموضوع علم الكلام هو النظر أي الاستدلال بخلق الله تعالى لإثبات وجوده وصفاته الكمالية وبالنصوص الشرعية المستخرَج منها البراهين، وهو على قانون الإسلام لا على أصول الفلاسفة، لأن الفلاسفة لهم كلام في ذلك يُعرف عندهم بـ [الإلهيات]؛ وعلماء التوحيد لا يتكلمون في حق الله وفي حق الملائكة وغير ذلك اعتمادًا على مجرد النظر بالعقل، بل يتكلّمون في ذلك من باب الاستشهاد بالعقل على صحة ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالعقل عند علماء التوحيد شاهد للشرع ليس أصلًا للدين، وأما الفلاسفة فجعلوه أصلًا من غير التفات إلى ما جاء عن الأنبياء، فلا يتقيّدون بالجمع بين النظر العقلي وبين ما جاء عن الأنبياء، على أن النظر العقلي السليم لا يخرج عمّا جاء به الشرع ولا يتناقض معه.

    وقد حثّ الله عباده في القرءان على النظر في ملكوته لمعرفة جبروته فقال تعالى: {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [سورة الأعراف/185] وقال تعالى: {سَنُرِيهِمْ ءايَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [سورة فصلت/53].

    فإن قيل: لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم علّم أحدًا من أصحابه هذا العلم، ولا عن أحد من أصحابه أنه تعلم أو علّم غيره، وإنما حدث هذا العلم بعد انقراضهم بزمان؛ فلو كان هذا العلم مهمًّا في الدين لكان أولى به الصحابة والتابعون.

    قلنا: إن عني بهذا المقال أنهم لم يعلموا ذات الله وصفاته وتوحيده وتنزيهه وحقية رسوله وصحة معجزاته بدلالة العقل بل أقرّوا بذلك تقليدًا، فهو بعيد من القول شنيعٌ من الكلام؛ وقد ردّ الله عزَّ وجلَّ في كتابه على من قلّد أباه في عبادة الأصنام بقوله: {إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [سورة الزخرف/23] أي أن أولئك اقتدوا بآبائهم في إشراكهم بغير دليل يقوم على صحة ذلك الدين، وهذا يفهم منه أن علم الدليل مطلوب.

    قال أبو حنيفة رضي الله عنه جوابًا على القائلين: لِمَ تتكلمون بعلم الكلام والصحابة لم يتكلموا فيه: "إنما مثلهم كأناس ليس بحضرتهم من يقاتلهم فلم يحتاجوا إلى إبراز السلاح، ومثلنا كأناس بحضرتهم من يقاتلهم فاحتاجوا إلى إبراز السلاح".اهـ.

    وإن أريد أن الصحابة لم يتلفظوا بهذه العبارات المصطلحة عند أهل هذه الصناعة نحو: الجوهر والعرض، والجائز والمحال، والحدث والقِدم، فهذا مُسَلَّمٌ به، لكننا نعارض هذا بمثله في سائر العلوم، فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه التلفّظ بالناسخ والمنسوخ، والمجمل والمتشابه، وغيرها كما هو المستعمل عند أهل التفسير. ولا بالقياس والاستحسان، والمعارضة والمناقضة، والطرد والشرط، والسبب والعلة وغيرها كما هو المستعمل عند الفقهاء، ولا بالجرح والتعديل، والآحاد والمشهور والمتواتر والصحيح والغريب وغير ذلك كما هو المستعمل عند أهل الحديث. فهل لقائل أن يقول يجب رفض هذه العلوم لهذه العلّة؛ على أنه في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لم تظهر الأهواء والبدع فلم تمسّ الحاجة إلى الدخول في التفاصيل والاصطلاحات.

    وهذا العلم أصله كان موجودًا بين الصحابة متوفرًا بينهم أكثر ممن جاء بعدهم، والكلام فيه بالرد على أهل البدع بدأ في عصر الصحابة، فقد ردّ ابن عباس وابن عمر على المعتزلة، ومن التابعين ردّ عليهم عمر بن عبد العزيز والحسن بن محمد ابن الحنفية وغيرهما. وقد قطع علي كرّم الله وجهه الخوارج بالحجة وقطع دهريًّا وأقام الحجة على أربعين رجلاً من اليهود المجسمة بكلام نفيس مُطْنَبٍ؛ وقطع الحبر ابن عباس رضي الله عنهما الخوارج بالحجة أيضًا، وقطع إياس بن معاوية القاضي القدرية، وقطع الخليفة عمر بن عبد العزيز أصحاب شَوْذَب الخارجي، وألّف رسالة في الرد على المعتزلة وهي رسالة وجيزة، وقطع ربيعةُ الرأي شيخُ الإمام مالك غَيلانَ بن مسلم أبا مروان القدري. وكذلك اشتغل بهذا العلم الحسن البصري وهو من أكابر التابعين.

    فإن قيل: روى البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه قال: "تفكّروا في كل شىء ولا تفكروا في ذات الله" فهو منهيّ عنه.

    فالجواب: أن النهي ورد عن التفكر في الخالق مع الأمر بالتفكر في الخلق، فإنه يوجب النظر وإعمال الفكر والتأمّل في ملكوت السموات والأرض ليستدل بذلك على وجود الصانع، وعلى أنه لا يشبه شيئًا من خلقه؛ ومن لم يعرف الخالق من المخلوق كيف يعمل بهذا الأثر الصحيح. وقد أمر القرءان بتعلّم الأدلة على العقائد الإسلامية على وجوده تعالى وعلى ثبوت العلم له والقدرة والمشيئة والوحدانية إلى غير ذلك. ولم يطعن إمام معتبر في هذا العلم الذي هو مقصد أهل السنّة والجماعة من السلف والخلف.

    وما يُروى عن الشافعي أنه قال: "لأن يلقى الله العبدُ بكل ذنب ما عدا الشرك خير له من أن يلقاه بعلم الكلام" بهذا اللفظ فهو غير ثابت عنه، واللفظ الثابت عنه هو: "لأن يلقى الله عزَّ وجلَّ العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشىء من هذه الأهواء". والأهواء جمع هوى وهو ما مالت إليه نفوس المبتدعة الخارجين عما كان عليه السلف، أي ما تعلق به البدعيون في الاعتقاد كالخوارج والمعتزلة والمرجئة والنجارية وغيرهم، وهم الاثنتان والسبعون فرقة كما ورد في الحديث المشهور :"وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنّة وهي الجماعة" رواه أبو داود، فليس كلام الشافعي على إطلاقه، إنما هو في المبتدعة القدرية وغيرهم الذين جانبوا نصوص الشريعة كتابًا وسنّةً وتعمّقوا في الأهواء الفاسدة، وأما الكلام الموافق للكتاب والسنّة الموضح لحقائق الشريعة عند ظهور الفتنة فهو محمود عند العلماء قاطبة لم يذمّه الشافعي، وقد كان الشافعي رضي الله عنه، يحسنه ويفهمه وقد ناظر بِشْرًا المريسي وحفصًا الفرد فقطعهما.

    قال الإمام الحافظ ابن عساكر في كتابه الذي ألّفه في الدفاع عن الإمام الأشعري وبيّن فيه كذب من افترى عليه ما نصّه :"والكلامُ المذموم كلام أصحاب الأهوية وما يزخرفه أرباب البدع المُرْدية، فأما الكلام الموافق للكتاب والسنّة الموضح لحقائق الأصول عند ظهور الفتنة فهو محمود عند العلماء ومن يعلمه، وقد كان الشافعي يحسنه ويفهمه، وقد تكلم مع غير واحد ممن ابتدع، وأقام الحجة عليه حتى انقطع". اهـ. وقال الربيع بن سليمان: "حضرت الشافعي وحدَّثني أبو شعيب إلا أني أعلم أنه حضر عبد الله بن عبد الحكم ويوسف بن عمرو بن يزيد وحفص الفرد وكان الشافعي يسميه المنفرد، فسأل حفص عبد الله بن عبد الحكم فقال: ما تقول في القرءان، فأبى أن يجيبه فسأل يوسف بن عمرو فلم يجبه، وكلاهما أشار إلى الشافعي، فسأل الشافعي فاحتجّ عليه الشافعي، فطالت فيه المناظرة فقام الشافعي بالحجة عليه بأن القرءان كلام الله غير مخلوق، وكفّر حفصًا الفرد قال الربيع: فلقيت حفصًا الفرد في المسجد بعدُ، فقال: أراد الشافعي قتلي".اهـ. فإن قيل: قد ذمّ علم الكلام جماعةٌ من السلف، فروي عن الشعبي أنه قال: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب. وروي مثله عن الإمام مالك، والقاضي أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة.

    قلنا: أجاب الحافظ أبو بكر البيهقي عنه بقوله: "إنما يريدوا والله أعلم بالكلام كلام أهل البدع، فإن في عصرهم إنما كان يعرف بالكلام أهل البدع، فأما أهل السنّة فقلَّما كانوا يخوضون في الكلام حتى اضطروا إليه بعد".اهـ.

    قال ابن عساكر: "فهذا وجه في الجواب عن هذه الحكاية، وناهيك بقائله أبي بكر البيهقي فقد كان من أهل الرواية والدراية. وتحتمل وجهًا ءاخر وهو أن يكون المراد بها أن يقتصر على علم الكلام ويترك تعلّم الفقه الذي يتوصل به إلى معرفة الحلال والحرام، ويرفض العمل بما أُمِر بفعله من شرائع الإسلام، ولا يلتزم فعل ما أمر به الشارع وترك ما نهى عنه من الأحكام. وقد بلغني عن حاتم الأصم وكان من أفاضل الزهّاد وأهل العلم أنه قال: الكلام أصل الدين، والفقه فرعه، والعمل ثمره، فمن اكتفى بالكلام دون الفقه والعمل تزندق، ومن اكتفى بالعمل دون الكلام والفقه ابتدع، ومن اكتفى بالفقه دون الكلام والعمل تفسّق، ومن تفنّن في الأبواب كلها تخلص" اهـ. وقد روي مثل كلام حاتم عن أبي بكرٍ الورّاق.

    قال الحافظ اللغوي محمد مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء :"هذه المسائل التي تلقاها الإمامان الأشعري والماتريدي هي أصول الأئمة رحمهم الله تعالى، فالأشعري بنى كتبه على مسائل من مذهب الإمامين مالك والشافعي أخذ ذلك بوسائط فأيدها وهذبها، والماتريدي كذلك أخذها من نصوص الإمام أبي حنيفة"اهـ.

    قلت [اي الحافظ] الزبيدي: وللإمام أبي حنيفة رضي الله عنه: (الفقه الأكبر) و(الرسالة) و(الفقه الأبسط) و(العالم والمتعلّم) و(الوصية)؛ أما الوصية فقد اختلف في نسبتها إلى الإمام كثيرًا، فمنهم من ينكر نسبتها للإمام مطلقًا ويزعم أنها ليست من عمله، ومنهم من ينسبها إلى محمد بن يوسف البخاري المكنى بأبي حنيفة، وهذا قول المعتزلة لما فيها من إبطال نصوصهم الزائغة وادعائهم كون الإمام منهم ـ أي في المعتقد ـ كما في المناقب الكردرية.

    أبو حنيفة وصاحباه أول من توسع في كلامه عن الاصول

    والإمام أبو حنيفة وصاحباه أول من تكلّم في أصول الدين بالتوسّع وأتقنها بقواطع البراهين على رأس المائة الأولى، وقد ذكر الأستاذ عبد القاهر البغدادي أن أول متكلمي أهل السنّة من الفقهاء أبو حنيفة والشافعي، ألفّ فيه الفقه الأكبر والرسالة في نصرة أهل السنّة إلى مقاتل ابن سليمان صاحب التفسير وكان مجسّمًا، وقد ناظر فرقة الخوارج والروافض والقدرية والدهرية وكانت دعاتهم بالبصرة فسافر إليها نيفًا وعشرين مرةً، وفضّهم بالأدلة الباهرة، وبلغ في الكلام ـ أي علم التوحيد ـ إلى أنه كان المشار إليه بين الأنام، واقتدى به تلامذته الأعلام.

    وفي مناقب الكردري عن خالد بن زيد العمري أنه كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وحماد بن أبي حنيفة قد خَصَمُوا بالكلام الناس أي ألزموا المخالفين، وهم أئمة العلم. وعن الإمام أبي عبد الله الصيمري أن الإمام أبا حنيفة كان متكلم هذه الأمة في زمانه، وفقيههم في الحلال والحرام.

    وهذه الكتب الخمسة ليست من جمع الإمام أبي حنيفة، بل الصحيح أن هذه المسائل المذكورة في هذه الكتب من أمالي الإمام التي أملاها على أصحابه كحمّاد وأبي يوسف وأبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي وأبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي، فهم الذين قاموا بجمعها، وتلقاها عنهم جماعة من الأئمة كإسماعيل بن حمّاد ومحمد بن مقاتل الرازي ومحمّد بن سماعة ونصير بن يحيى البلخي وشداد بن الحكم وغيرهم، إلى أن وصلت بالإسناد الصحيح إلى الإمام أبي منصور الماتريدي، فمن عزاها إلى الإمام صح لكون تلك المسائل من إملائه إلى أبي مطيع البلخي وغيره، ومن عزاها إلى غيره ممن هو في طبقته أو ممن هو بعدهم صح لكونها من جمعه، ذكره الفقيه المحدّث اللغوي محمد مرتضى الزبيدي.

    وقال الفقيه الأصولي الزركشي في تشنيف المسامع: "إن الأئمة انتدبوا للرد على أهل البدع والضلال، وقد صنّف الشافعيّ كتاب (القياس) ردّ فيه على من قال بقدم العالم من الملحدين، وكتاب (الرد على البراهمة) وغير ذلك، وأبو حنيفة كتاب (الفقه الأكبر) وكتاب (العالم والمتعلّم) رد فيه على المخالفين، وكذلك مالك سئل عن مسائل هذا العلم فأجاب عنها بالطريق القويم، وكذلك الإمام أحمد".ا.هـ.

    وقد صنّف سيد المحدّثين في زمانه محمّد بن إسمبعيل البخاري ه المتوفى سنة 256هـ ـ كتاب (خلق أفعال العباد)، وصنّف المحدث نعيم ابن حماد الخزاعي وهو من أقران الإمام ـ المتوفى في حبس الواثق سنة 228هـ ـ كتابًا في الردّ على الجهمية وغيرهم، وصنّف المحدّث محمّد بن أسلم الطوسي ـ المتوفى سنة 242هـ ـ وهو من أقران الإمام أحمد أيضًا في الردّ على الجهمية، وقد ردّ على المعتزلة فأجاد بالتأليف ثلاثة من علماء السنّة من أقران الإمام أحمد بن حنبل: الحارث المحاسبي، والحسين الكهرابيسهي، وعبد الله بن سعيد بن كُلاّب ـ المتوفى بعد الأربعين ومائتين بقليل ـ ويمتاز الأول بإمامته أيضًا في التصوف.

    *****

    مذاهب أهل السنة في العقائد والأصول:

    الأشعرية والماتريدية

    الأشعرية:

    أ- [ترجمة الإمام الأشعري]

    هو أبو الحسن علي بن اسماعيل بن أبي بشر اسحاق بن سالم بن اسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة عامر بن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي موسى الأشعري.

    وهاكم البداية مع جدّه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث نزل قول الله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} (المائدة / 54). فيشير الحبيب صلى الله عليه وسلم بعد نزولها إلى أبي موسى الأشعري قائلاً: هم قوم هذا وضرب بيده على ظهر أبي موسى الأشعري، ولما نزلت هذه الآية قدم بعد ذلك بيسير سفائن الأشعريين وقبائل اليمن فان لهم بلاء حسن في الإسلام فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبًا الايمان يمان والحكمة يمانية ".

    كما أخرج البخاري في صحيحه عن عمران بن الحصين أن النبي أتاه أناس من بني تميم فقال عليه الصلاة والسلام: "اقبلوا البشرى يا بني تميم" قالوا بشرتنا فأعطنا مرتين فتغير وجهه، فجاءه أناس من أهل اليمن فقال: يا أهل اليمن اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قد قبلنا يا رسول الله جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان قال: "كان الله ولم يكن شىء غيره". وفيه دليل على أن الله موجود في الأزل قبل خلق الأماكن والأزمان وقبل الخلق كان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان ليس له كمية صغيرة ولا كبيرة ...

    هنا كانت البداية مع الجد الأكبر سيدنا أبي موسى الأشعري.

    وتعالوا ننظر في الحفيد أبي الحسن الذي ولد سنة مائتين وسبعين وتوفي سنة 333هــ الذي كان سنيًا من بيت سنّة وفي بدء حياته درس مذهب الاعتزال ثم تاب ورقي المسجد الجامع بالبصرة في يوم الجمعة ونادى بأعلى صوته: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فإني أعرفه بنفسي أنا فلان ابن فلان كنت أقول بخلق القرءان وأن أفعال البشر أنا أفعلها وأنا تائب مقلع، معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعايبهم.

    ***

    الماتريدية:

    أ- [ترجمة الإمام الماتريدي]

    هو أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي، والماتريدي نسبة إلى ما تريد، وهي محلة بسمرقند فيما وراء النهر. وكان الإمام الماتريدي والإمام أبو الحسن الأشعري الإمامين الجليلين اللذين حررا عقيدة اهل السنة والجماعة بالأدلة النقلية والعقلية، وقد لقب الماتريدي بــ "إمام الهدى" و"إمام المتكلمين" وغير ذلك من الألقاب وهي ألقاب تظهر مكانته في نفوس مسلمي عصره ومؤرخيه. ورغم ذيوع اسمه واشتهاره واشتهار فرقة الماتريدية المنسوبة إليه فقد كان المؤرخون الذين كتبوا عنه قلة. ولم تذكر المراجع سنة ميلاده بالتحديد ولكن يمكن القول إنه ولد في عهد المتوكل الخليفة العباسي، وإنه يتقدم بمولده على الإمام أبي الحسن الأشعري ببضع وعشرين سنة.

    *****

    ظهور فرقة [المعتزلة] وهي من الفرق الضالة

    ثم حدث بعد مائتين وستين سنة انتشار بدعة المعتزلة وغيرهم.

    *****

    الأشاعرة والماتريدية يقطعون دابر المعتزلة

    وقد قيض الله تعالى لهذه الأمة المحمدية رجالاً أفذاذًا يذودون عن حياض دينها الإسلامي الحنيف، فيجاهدون بالبيان والسنان، ويقمعون أوهام الملحدين وزيف الزائفين بالأدلة والحجج والبراهين، وقد جعل الله تعالى في كل زمان أئمة هدى يدافعون عن العقيدة الحقة فيصنفون التصانيف والردود، وبعد انتشار فرقة المعتزلة قيَّض الله تعالى إمامين جليلين هما أبا الحسن الأشعري وأبا منصور الماتريدي رضي الله عنهما فقاما بإيضاح عقيدة أهل السنة التي كان عليها الصحابة ومن تبعهم بإيراد أدلة نقلية وعقلية مع رد شبه المعتزلة وهم فرق عديدة بلغ عددهم عشرين فرقة، فقاما بالرد على كل هذه الفرق أتم القيام برد شبههم وإبطالها فنُسب إليهما أهل السنة، فصار يقال لأهل السنة أشعريون وماتريديون.

    *****

    الأشاعرة والماتريدية ينصرون منهج السلف بالعقل والنقل

    وقد صنّف إماما أهل السنّة والجماعة في عصرهما وبعده إلى يومنا هذا أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي المصنفات العظيمة في الردّ على طوائف المبتدعة والمخالفين للإسلام مملوءة بحجج المنقول والمعقول، وامتاز الأول بمناظراته العديدة للمعتزلة بالبصرة التي فلَّ بها حَدَّهم وقلل عددهم. وكانت وفاة الأشعري في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة للهجرة، وتوفي الشيخ أبو منصور بعد وفاة الأشعري بقليل.

    وصنّف أتباعهما من بعدهما المئات من المجلدات في الردّ على المبتدعة والمخالفين للإسلام بالحجج الدامغة الكثيرة والمناظرات العديدة قطعوا بها المعتزلة الذين هم أفحل طوائف المبتدعة، كما قطعوا غيرهم من المبتدعة والدهريين والفلاسفة والمنجّمين، ورفعوا لواء مذهب الأشعري في الخافِقَيْن وأبرزهم في نشره ثلاثة: الأستاذ أبو بكر بن فُورَك، وأبو إسحبق الإسفراييني، والقاضي الإمام أبو بكر الباقلاني، فالأولان نشراه في المشرق، والقاضي نشره في المشرق والمغرب، فما جاءت المائة الخامسة إلا والأمة الإسلامية أشعرية وماتريدية لم يشذّ عنها سوى نزر من المعتزلة وشرذمة من المشبّهة وطائفة من الخوارج؛ فلا تجد عالمًا محقّقًا أو فقيهًا مدققًا إلا وهو أشعري أو ماتريدي.

    وإن حال هؤلاء المنكرين لعلم الكلام لهو الموصوف بقول الشاعر فيهم: [البسيط]

    عابَ الكلامَ أناسٌ لا عقولَ لهم وما عليه إذا عابوه من ضررِ

    ما ضرَّ شمسَ الضحى في الأفْقِ طالعة أنْ لا يَرى ضَوْءَها من ليس ذا بصرِ

    *****

    الفرق بين الماتريدية والأشاعرة

    فإن قيل إن بين الأشاعرة والماتريدية اختلافاً في مسائل العقيدة فكيف يكون كل منهما الفرقة التي قال الرسول: "فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة". فالجواب: أنه ليس بينهما اختلاف في أصول العقيدة إنما الخلاف بينهما في بعض فصول العقيدة وفروعها، وهذا لا يقدح في كونهما الفرقة الناجية، فإن هذا الخلاف كالخلاف الذي حصل بين الصحابة في رؤية النبي ربه ليلة المعراج، فقد نفتها عائشة وابن مسعود وأثبتها عبد الله بن عباس وأصحابه من التابعين وأبو ذر الغفاري، مع أن الصحابة متفقون في أصول العقيدة. ومن هذه الفرقة يكون المجدد الذي أخبر الرسول أنه يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة وهو من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها". رواه أبو داود وغيره.

    ***

    الاشعرية والماتريدية فرقة واحدة

    ثم بعد ان بينا أن الأشاعرة والماتريدية فرقة واحدة في العقيدة يصح لنا أن نقول: الأشعري ماتريدي والماتريدي أشعري. وما قيل في الإمام الجليل أبي الحسن الأشعري يقال في الإمام أبي منصور الماتريدي لأنه مثله قام بتقرير عقيدة السلف بالأدلة النقلية والعقلية بإيضاح واسع، فقد جمع هذان الإمامان الإثبات مع التنزيه فليسا على التشبيه ولا التعطيل، ولعن الله من يسمي الأشعري أو الماتريدي معطلاً، فهل خالفا التنزيه الذي ذكره الله بقوله {ليس كمثله شىء} فإنهما نفيا عن الله الجسمية وما ينبني عليها، وهذا ذنبهما عند المشبهة كالوهابية ومن سبقهم من المشبهة. فإن المشبهة قاست الخالق بالمخلوق فنفت موجودًا ليس جسمًا، والإمامان ومن تبعهما وهم الأمة المحمدية قالوا إن الله لو كان جسمًا لكان له أمثال لا تحصى. وهذا هو دين الله الذي كان عليه السلف الصالح وتلقاه عنهم الخلف الصالح، وطريقة الأشعري والماتريدي في أصول العقائد متحدة.

    وهو موافق لمذهب السلف غير مخالف

    فالمذهب الحق الذي كان عليه السلف الصالح هو ما عليه الأشعرية والماتريدية وهم مئات الملايين من المسلمين فكيف يكون هؤلاء السواد الأعظم على ضلال، وتكون شرذمة هي نحو ثلاثة ملايين على الحق، والصواب أن الرسول عليه السلام أخبر بأن جمهور أمته لا يضلون وذلك من خصائص هذه الأمة، ويدل على ذلك ما رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهما: "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة" وعند ابن ماجة زيادة: "فإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم".

    ويقوي هذا الحديث الحديث الموقوف على أبي مسعود البدري: "وعليكم بالجماعة فإن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة" قال الحافظ ابن حجر: "وإسناده حسن"، والحديث الموقوف على عبد الله بن مسعود وهو أيضًا ثابت عنه: "ما رءاه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رءاه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح"، قال الحافظ ابن حجر: "هذا موقوف حسن".

    ولا ينافي ما قررناه من أن الجمهور معصومون من الضلالة ما صح مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه سلم من قوله: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة".

    الاشاعرة والماتريدية بالملايين

    ان المسلمين ومئات ملايينهم في الدنيا أشاعرة أو ماتريدية من حيث المعتقد ، فلنتذكر مناهج اسلافنا كبار علماء الاشاعرة والماتريدية وما كان عليه السلف والخلف من هذه الأمة المحمدية، سيما بعد أن تعرض الكثيرون إلى سيرة هؤلاء الأمة ونهجهم.

    *****

    إتفاق العلماء أن الأشاعرة والماتريدية هم أهل السنة والجماعة

    وليعلم أن كلا من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور رضي الله عنهما وجزاهما عن الإسلام خيرًا لم يبدعا من عندهما رأيا ولم يشتقا مذهبا انما هما مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كانت عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحدهما قام بنصرة نصوص مذهب الشافعي وما دلت عليه والثاني قام بنصرة نصوص مذهب أبي حنيفة وما دلت عليه وناظر كل منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين وهذا في الحقيقة هو أصل الجهاد الحقيقي الذي تقدمت الاشارة اليه فالانتساب اليهما انما هو باعتبار أن كلا منهما عقد على طريق السلف نطاقًا وتمسك وأقام الحجج والبراهين عليه فصــار المقتــدى بــه في تلك المسالك والدلائل ويسمى أشعريًا وماتريديًا.

    وقال الشيخ محمد أمين الشهير بابن عابدين الحنفي في "رد المحتار على الدر المختار": "أهل السنة والجماعة وهم الأشاعرة والماتريدية".

    وقال الحافظ الفقيه الحنفي مرتضى الزبيدي في "اتحاف السادة المتقين" (2/6-7)، (الفصل الثاني) "أذا أطلق أهل والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية، قال الخيالي في حاشيته على شرح العقائد الاشاعرة هم أهل السنة والجماعة هذا هو المشهور في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الاقطار في ديار ما وراء النهر يطلق بذلك على الماتريدية أصحاب الامام أبي منصور وبين الطائفتين اختلاف في المسائل كمسئلة التكوين وغيرها ا.هــ".

    وقال الكستلي في حاشيته عليه: "المشهور من أهل السنة في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الاقطار هم الأشاعرة أصحاب أبي الحسن الأشعري أول من خالف أبا علي الجبائي ورجع عن مذهبه الى السنة أي طريق النبي صلى الله عليه وسلم والجماعة أي طريقة الصحابة رضي الله عنهم وفي ديار ما وراء النهر الماتريدية أصحاب أبي منصور الماتريدي ا.هــ.".

    وقال ابن سبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب: "اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل وان اختلفوا في الطرق والبادىء الموصلة لذلك أو في لمية ما هنالك وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف الأول أهل الحديث ومعتمد مباديهم الأدلة السمعية أعني الكتاب والسنة والإجماع الثانية أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية وهم الأشعرية والحنفية وشيخ الأشعرية أبو الحسن الأشعري وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي وهم متفقون في المبادىء العقلية في كل مطلب يتوقف السمع عليه وفي المبادىء السمعية فيما يدرك العقل جوازه فقط والعقلية والسمعية في غيره. ا.هــ.".

    *****

    أشهر مذاهب أهل السنة في الفروع:

    المذهب الشافعي: الإمام الشافعي رضي الله عنه يتقن علم الكلام

    كان الشافعي رضي الله عنه قد أتقن علم الكلام الذي لأهل السنة، قبل أن يتقن علم الفقه، والدليل على ذلك ما ثبت عنه أنه جاءه حفص الفرد المعتزلي فناظره فقطعه الشافعي بالحجة في مسئلة خلق الكلام، فلما أصرً حفص على قوله القرءان مخلوق قال الشافعي: "لقد كفرت بالله العظيم".

    اسمه نسبه ومولده:

    هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف يجتمع نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، لقي جده شافع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مترعرع، وأم الشافعي هي فاطمة بنت عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأما مولده فعن عمرو بن سواد قال: قال لي الشافعي ولدت بعسقلان فلما أتت علي سنتان حملتني أمي إلى مكة وكانت رغبتي في شيئين الرمي وطلب العلم فنلت من الرمي حتى أني لأصيب من عشرة عشرة وسكت عن العلم، فقلت أنت والله في العلم أكثر منك في الرمي، وقد ولد سنة 150 هجرية في السنة التي مات بها أبو حنيفة رحمهما الله.

    مشايخه:

    ذكر أنهم قريب 80 نذكر منهم سفيان بن عيينه، الإمام مالك بن أنس، وفضيل ابن عياض، ومحمد بن الحسن الشيباني، وعبد الله بن المبارك.

    عبادته:

    روي أنه كان يقسم الليل غلى ثلاثة أجزاء: ثلثا للعلم، و ثلاثا للعبادة، وثلثا للنوم.



    زهده:

    قال رضي الله عنه: ما شبعت منذ ستة عشر سنة، لأن الشبع يثقل البدن، و يقسي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة .



    سخاؤه:

    حُكي أنه قدم مكة بعشرة آلاف دينار، فضرب خباءه في موضع خارج مكة، و نثرها على ثوب له، ثم اقبل على كل من دخل عليه، و يقبض له قبضة و يعطيه، حتى صلى الظهر و نفض ثوبه، و ليس عليه شئ. و أنشد قائلا:

    يا لهف قلبي على مال أجود به على المقلين من أهل المروءات
    إناعتذاري لمن قد جاء يسألني ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات



    ورعه:
    سُئل الشافعي عن مسئلة، فسكت فقيل له: ألا تجيب رحمك الله!، فقال: "حتى أدري، الفضل في سكوتي أو في جوابي؟.



    شهادة أهل الفضل له:

    قال أبو الثور: ما رأيت مثل الشافعي .

    قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: ما صليت منذ أربعين سنة إلا و أنا أدعو للشافعي .



    وعظه و إرشاده:

    حكي أن شابًا قال له: علمني مما علمك الله! فقال رضي الله عنه: اعلم ان من صدق الله نجا، ومن أشفق على دينه سلم من الردى، و من زهد في الدنيا قرت عيناه مما يراه من ثواب الله تعالى غدًا، أفلا أزيدك؟، قلت : نعم! قال: من كان فيه ثلاث خصال فقد استكمل الإيمان: مَنْ أمر بالمعروف و ائتمر، و نهى عن المنكر و انتهى، وحافظ على حدود الله تعالى، ألا أزيدك ؟. قلت بلى!، فقال: كن في الدنيا زاهدًا، و في الىخرة راغبًا، و أصدق الله تعالى في جميع أمورك، تنج مع الناجين.



    حاله عند موته:

    حكي أن الإمام المزني دخل على الإمام الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقال: كيف أصبحت ؟ فأجابه قائلا: أصبحت من الدنيا راحلا، و للإخوان مفارقا، و لسيئ عملي ملاقيا، ولكأس المنية شاربًا، ولى ربي واردًا، لا أدري تصير روحي إلى الجنة فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها ثم أنشد قائلا :

    ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سلما
    تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما
    و ما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل تجود وتعفو منة و تكرما



    شعره:

    عزيز النفس من لزم القناعة و لم يكشف لمخلوق قناعه
    أفادتني التجارب كل عز و هل عز أعز من القناعة
    فصيرها لنفسك رأس مال و صير بعدها التقوى بضاعة
    و لا تطع الهوى و النفس و اعمل من الخيرات قدر الاستطاعة
    أحب الصالحين و لست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
    و أكره من بضاعته المعاصي و غن كنا سواء في البضاعة



    وقد قيل للإمام الشافعي: ما لكَ تدمن إمساك العصا ولست بضعيف؟ فقال: لأذكر أني مسافر من الدنيا غلى الآخرة!

    تلاميذه:
    الإمام أحمد بن حنبل، وأبو ثور وغيرهم من كبار العلماء.

    مناقبه:
    اجتمع للشافعي رحمه الله من الفضائل ما لم تجتمع لغيره فأول ذلك نسبه ومنصبه وأنه من رهط النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها صحة الدين وسلامة الاعتقاد من الأهواء والبدع، ومنها سخاوة النفس، ومنها معرفته بصحة الحديث وسقمه. قال الشافعي يوما قدمت على مالك بن أنس رضي الله عنه وقد حفظت الموطأ فقال لي احضر من يقرأ لك فقلت أنا قارئ فقرأت عليه الموطأ فقال: إن يك أحد يفلح فهذا الغلام. وقال الحميدي: كنا نريد أن نرد على أصحاب الرأي فلم نحسن كيف نرد عليهم حتى جاءنا الشافعي ففتح لنا. وقال مسلم بن خالد الزنجي للشافعي رضي الله عنهما: أنت يا أبا عبد الله فقد والله آن لك أن تفتي. وهو ابن خمس عشرة سنة، وعن إسحاق بن راهوية قال لي أبي: كلم الشافعي يوما بعض الفقهاء فدقق عليه وحقق وطالب وضيق، قلت له يا أبا عبد الله هذا لأهل الكلام لا لأهل الحلال والحرام فقال احكمنا ذاك قبل هذا: أي علم التوحيد قبل فروع الفقه.

    وعن عباس بن الحسين قال سمعت بحر بن نصر يقول كنا إذا أردنا أن نبكي قلنا بعضنا لبعض قوموا بنا إلى هذا الفتى المطلبي نقرأ القرءان فإذا أتيناه استفتح القرءان حتى تتساقط الناس بين يديه ويكثر عجيجهم بالبكاء فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة من حسن صوته، وكان الشافعي قد جزأ الليل ثلاثة أثلاث، الثلث الأول يكتب والثاني يصلي والثالث ينام.

    مصنفاته:
    وهي كثيرة نذكر منها: إثبات النبوة والرد على البراهمة، والرسالة في بيان الناسخ والمنسوخ في القرءان والسنة، والفقه الأكبر، وكتاب الأم في الفقه.

    وفاته:
    توفي في ءاخر يوم رجب سنة 204 هجرية وقد كتب على قبره في مصر: "هذا قبر محمد بن إدريس الشافعي وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمدا رسول الله وأن الجنّة حق والنّار حق وأنّ الساعة ءاتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأن صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله ربّ العالمين لا شريك له وبذلك أمر وهو من المسلمين. عليه حيي وعليه مات وعليه يبعث حيا إن شاء الله. وعن ابن حزم المزني قال ناحت الجن ليلة مات الشافعي رضي الله عنه.

    *****

    المذهب الحنفي: الإمام أبو حنيفة النعمان

    اسمه، نسبه ومولده:

    أبو حنيفة النعمان بن ثابت مولى بني تيم الله بن ثعلبة ولد سنة 80 هجرية بالكوفة وكان ذلك في زمن دولة بني أمية كان أبوه ثابت من أهل التقوى والصلاح اشتغل بتجارة القماش أدّب ابنه وسار به مسار العلماء بتعليمه.

    مشايخه:
    التقى أبو حنيفة بستة من الصحابة وروى عنهم وهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن أنس، وواثلة ابن الأسقع، وعبد الله بن أوفى، وعبد الله بن جزء الزبيدي، ومعقل بن يسار. وأما مشايخه من التابعين فهم حوالي المائتين نذكر منهم: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، وأبو الحسين زيد بن الحسين رضي الله عنه، وعطاء بن أبي رباح، وحماد ابن سليمان، وأبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري.

    تلاميذه:
    وهم كثر نذكر منهم محمد بن الحسن الشيباني وأبا يوسف القاضي.

    مناقبه:
    كان من أذكياء بني آدم جمع الفقه والعبادة والورع والسخاء وكان لا يقبل جوائز الدولة بل ينفق ويؤثر من كسبه له دار كبيرة لعمل الخز وعند صناع وأجراء رحمه الله تعالى وقد قال الشافعي الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة وقال يزيد بن هارون ما رأيت أورع ولا أعقل من أبي حنيفة.

    ارتحل إلى البصرة نيفا وعشرين مرة فخصم المعتزلة الدهريين بالكلام وناظرهم وفضح أمرهم وأقام عليهم الحجة حتى أصبح أشهر متكلمي أهل السنة في زمانه، ومع هذا كله كان يختم القرءان في شهر رمضان ستين ختمة، وروى أنه داوم على قراءة القرءان في ركعة من الصلاة ثلاثين سنة وكان يصلي في كل ليلة 400 ركعة.

    مصنفاته:
    ألفّ الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه الكثير من الكتب في عدة أبواب نذكر منها: الفقه الأكبر، والرسالة، وكتاب العالم والمتعلم، وفيه من الحجج والبراهين ما يلجم أهل الإلحاد والبدع.

    وفاته:
    ذكر ابن الأهدل أن أبا جعفر المنصور نقله إلى بغداد ليوليه القضاء فأبى فحلف عليه ليفعلن فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، فأمر بحبسه وقيل أنه كان يرسل إليه في الحبس أنك إن أجبت وقبلت ما طلبت منك لأخرجنك من الحبس ولأكرمنك، فأبى، فأمر بأن يخرج كل يوم فيضرب عشرة أسواط فكان يخرج به كل يوم فيضرب فأكثر الدعاء فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات في الحبس مبطونا سنة 150 هجرية. فأخرجت جنازته وكثر بكاء الناس عليه وصلى عليه خمسون ألفا ودفن في مقابر الخيزران في بغداد.

    هذه لمحة مما كان عليه الإمام الفاضل أبو حنيفة من دأب على نشر العلم وإحقاق الحق وإزهاق الباطل ومحاربة أهله والصبر على قضاء الله واحتمال الجلد والسجن بالصبر خوفا على دينه وحرصا عليه.

    المذهب المالكي: الإمام مالك بن أنس

    اسمه ونسبه ومولده:

    هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أنس بن الحارث وينتهي نسبه إلى يعرب بن يشجب بن قحطان، جده مالك بن أنس من كبار التابعين وأحد الذين حملوا الخليفة عثمان إلى قبره، ووالد جده أنس بن مالك أبو عامر صحابي جليل شهد المغازي كلها مع الرسول صلى الله عليه وسلم ما خلا بدار، وأمه العالية بنت شريك الاسدية، أبناؤه: يحيى ومحمد وحماد. والإمام مالك أحد أصحاب المذاهب المدونة المعروفة والمشهورة في جميع بلاد المسلمين. ولد الإمام في المدينة المنورة سنة 95 هجرية وفيها كانت وفاته.

    مشايخه:
    روى الإمام مالك رضي الله عنه عن عدد كبير من التابعين وتابعيهم يعدون بالمئات نذكر منهم: نافع مولى بن عمر، وابن شهاب الزهري، وأبو الزناد، وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص، ويحيى بن سعيد الأنصاري.

    تلاميذه ومن روى عنه:

    وقد روى عنه كثير من شيوخه فيما بعد كالزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وعدد كثير من الرواة حتى أن القاضي عياض رحمه الله ألفّ كتابا عدّ فيه ألفا وثلاثمائة اسم ممن روى عن الإمام نذكر منهم سفيان الثوري والإمام الجليل محمد بن إدريس الشافعي وعبد الله بن المبارك.
    في مناقبه:

    قال الإمام ابن حبّان في "الثقات" كان مالك أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة، وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث، ولم يرو إلا ما صحّ ولا يحدث إلا عن ثقة مع الفقه والدين والفضل والنسك. وأقوال الكثيرين من علماء عصره جعلنا نتبين مدى حرصه على دين الله فقد قال الشافعي عنه: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وقال ابن معين: مالك من حجج الله على خلقه، وقال يحيى بن سعيد القطان: مالك أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن سعيد كان مالك ثقة مأمونا ثبتا ورعا فقيها عالما حجة.

    مصنفاته:
    الموطأ أول كتاب حمل هذا الاسم، ومعناه الممهد وهو أول الكتب التي وضعت فيها الأحاديث مصنفة ومبوبة، كما أنه أول كتاب ألفّ في الحديث والفقه معا. ألفه مالك في أربعين سنة فقد قال الشافعي في الموطأ: ما ظهر على الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك وقد اشتمل الموطأ على الكثير من الأسانيد التي حكم المحدثون بأنها أصح الأسانيد ومنها: الزهري عن سالم عن ابن عمر، ومالك عن نافع عن ابن عمر.

    وفاته:
    توفي الإمام مالك رضي الله عنه في ربيع الأول سنة 179 هجرية ودفن في البقيع وقد عاش 84 سنة في عصر ردد فيه: "أيُفتى ومالك في المدينة".

    المذهب الحنبلي: الإمام أحمد بن حنبل

    اسمه نسبه ومولده:

    هو أبو عبد الله الشيباني أحمد بن محمد بن حنبل من بني شيبان ابن ذهل يجتمع نسبه بالنبيّ صلى الله عليه وسلم في نزار، فأحمد من ولد ربيعه من نزار والرسول صلى الله عليه وسلم من ولد معدّ بن نزار ولد في ربيع الأول سن 164، جاءت أمه حاملة به من مرو في خرسان وولدته في بغداد وكان أبوه عندما توفي شابا وله من العمر ثلاثون سنة وكان أحمد طفلا فرعته أمه.

    مشايخه:

    أول طلب أحمد للعلم كان سنة 179 هجرية. فسمع من أحمد من هشيم، وإبراهيم بن سعد، ويزيد بن هارون، ومحمد بن إدريس الشافعي.

    تلاميذه:
    وروى عنه عبد الرزاق بن همام، ومحمد بن إدريس الشافعي، والأسود بن عامر وغيرهم من كبار العلماء أمثال البخاري ومسلم وغيرهم.

    مناقبه:
    وكان الإمام أحمد إماما في الحديث وضروبه إماما في الفقه والورع والزهد وحقائقه. وقد قال إبراهيم الحربي أدركت ثلاثة لم ير مثلهم أبدا يعجز النساء أن يلدن مثلهم، رأيت أبا عبيد القاسم بن سلام ما أمثله إلا بجبل نفخ فيه روح، ورأيت بشر بن الحرث ما شبهته إلا برجل عجن من قرنه إلى قدمه عقلا، ورأيت أحمد بن حنبل كأن الله جمع له علم الأولين من كل صنف يقول ما شاء ويمسك ما شاء. وعن الحسن بن العباس قال قلت لأبي مسهر هل تعرف أحدا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها قال لا أعلم إلا شابا بالمشرق يعني أحمد بن حنبل، وقال إبراهيم بن شماس خاض الناس فقالوا إن وقع أمر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمن الحجة على وجه الأرض فاتفقوا كلهم على أحمد بن حنبل حجته. وكان الشافعي يأتيه إلى منـزله فعوتب في ذلك فأنشد:

    قالوا يزورك أحمد وتزوره قلت الفضائل لا تفارق منـزله

    إن زارني فبفضله أو زرته فلفضله فالفضل في الحالين له

    مصنفاته:
    وكان له العديد من المصنفات منها المسند، والناسخ والمنسوخ، والرد على الزنادقة فيما ادعت من متشابه القرءان، والتفسير، وفضائل الصحابة، والمناسك والزهد.

    وفاته:
    مرض أبو عبد الله بالحمى ليلة الأربعاء من شهر ربيع الأول سنة 241 ودام مرضه 9 أيام وتوفى يوم الجمعة 12 من ربيع الأول وهو ابن سبع وسبعين سنة ويروى أنه حضر جنازته ثمانمائة ألف رجل وستين ألفا امرأة وأسلم يوم موته عشرون ألفا من اليهود والنصارى والمجوس. وحكى عن إبراهيم الحربي قال رأيت بشراً الحافي في النوم كأنه خارج من مسجد الرصافة وفي كمه شىء يتحرك فقلت ما هذا في كمك فقال نثر علينا لقدوم روح أحمد الدر والياقوت فهذا ما التقطته.

    ***

    خاتمة

    عقيدة الفرقة الناجية

    فيجب الاعتناء بمعرفة عقيدة الفرقة الناجية الذين هم السواد الأعظم، وأفضل العلوم علم العقيدة لأنه يبين أصل العقيدة التي هي أصل الدين، وهذا العلم سماه أبو حنيفة الفقه الأكبر. فيا طلاب الحق لا يهولنكم قدح المشبهة المجسمة في هذا العلم بقولهم إنه علم الكلام المذموم لدى السلف، ولم يدروا أن علم الكلام المذموم هو ما ألفه المعتزلة على اختلاف فرقهم والمشبهة على اختلاف فرقهم من كرامية وغيرها فإنهم قد افترقوا الى عدة فرق بينها من ألفوا في بيان الفرق كالإمام أبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي.

    ومن أشهر ما ألف في هذا العلم هذه العقيدة المشهورة بالعقيدة الطحاوية التي مؤلفها من السلف، وقد نص على أن ما يذكره في هذه العقيدة هو ما عليه أهل السنة يعني الصحابة ومن بعدهم إلى عصره عامةً، وخص ذكر الإمام أبي حنيفة وصاحبيه القاضي أبي يوسف ومحمد ابن الحسن بتسميتهم بأسمائهم.

    ***

    ملحق ببيان أهل السنة والجماعة

    أ‌- [ذكر بعض مشاهير الأشاعرة]

    [كالسلطان صلاح الدين الأيوبي محرر الأقصى من الصليبيين والسلطان محمد العثماني فاتح القسطنطينية والذي مدحه النبي بقوله: [لتفتحن القسطنطينية فنعم الأمير أميرها ونعم الجيش ذلك الجيش]

    كالنووي وابن حجر من أكابر أهل السنّة، وقد كان سيدنا محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية وقال فيه الرسول معجزة له عليه السلام: "لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش" أشعريًا ماتريديا رضي الله عنه وأرضاه هو وسائر السلاطين العثمانيين.

    فلذلك نحن مع القشيري حيث قال:

    شيئان من يعذلني فيهما فهو على التحقيق مني بري

    حب أبي بكر إمام الهدى ثم اعتقادي مذهب الأشعري

    شهادات العلماء بالأشعري وبدأ رحمه الله رحلته في تأييد الشريعة وتفنيد مزاعم أهل الشبه بتآليف تدحض شبههم حتى قال الفقيه أبو بكر الصيرفي: كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى نشأ الأشعري فحجزهم في أقماع السماسم، وقال السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: واعلم أن أبا الحسن الأشعري لم ينشىء مذهبًا إنما هو مقرر لمذاهب السلف مناضل عما كانت عليه صحابة رسول الله فالانتساب اليه إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقًا وتمسك به وأقام الحجج والبراهين عليه فصار المقتدي به في ذلك السالك سبيله في الدلائل يسمّى أشعريًا ا.هــ.

    وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: "واعتقاد الأشعري رحمه الله مشتمل على ما دلت عليه أسماء الله التسعة والتسعون" ويقول رضي الله عنه في ءاخر عقيدته "فهذا جملة من اعتقاد الأشعري رحمه الله تعالى واعتقاد السلف وأهل الطريقة والحقيقة" ويقول تاج الدين عبد الوهاب السبكي أيضًا: وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة في العقائد يد واحدة كلهم على رأي أهل السنة والجماعة يدينون لله تعالى بطريق شيخ السنّة أبي الحسن الأشعري رحمه الله. ثم يقول: وبالجملة عقيدة الأشعري هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة. ويقول الشيخ محمد العربي التبّان شيخ المالكية في الحرم المكي: فحول المحدثين من بعد أبي الحسن إلى عصرنا هذا أشاعرة وكتب التاريخ والطبقات ناطقة بذلك.

    وأما من استفاد من علم الأشعري وكتبه فكثير وهو أكثر من أن نحصيه في مقال ولكن في ما ذكرنا غيض من فيض وقد كفانا البيهقي المؤنة رحمه الله حين قال بعد ثناء عليه: "إلى أن بلغت النوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري فلم يحدث في دين الله حدثًا ولم يأت في ببدعة، بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصرها بزيادة شرح وتبيين" ا.هــ

    مؤلفات الأشعري: وأما مؤلفات الأشعري رحمه الله فكثيرة قيل إنها بلغت ما يقارب الخمسين وعلى مذهبه في الاعتقاد مئات الملايين من المسلمين في الشرق والغرب تدريسًا وتعليمًا ويكفي في حقية مذهبه كون هؤلاء الأكابر من العلماء الحفاظ على مذهبه كأبي بكر الإسماعيلي والبيهقي وابن عساكر الدمشقي وكذلك العسقلاني أبو الفضل، وأبو الحسن الباهلي وأبو اسحق الاسفراييني والحافظ أبو نعيم الأصبهاني والإمام السيد أحمد الرفاعي والقاضي عياض والإمام النووي والإمام فخر الدين الرازي وابن دقيق العيد والحافظ مرتضى الزبيدي والشيخ زكريا الأنصاري ومفتي مصر الشيخ محمد عليش المالكي وشيخ الجامع الأزهر عبد الله الشرقاوي وغيرهم من ائمة الدين كثير لا يحصيهم إلا الله سبحانه.

    أحبابنا القراء لم أرد بما ذكرت إحصاء الأشاعرة أو حصر فضائل الأشعري فمن ذا الذي يحصي عدد رمال الصحراء ولكن أردت أن أتوقف متذكرين ومذكرين ببعض من الماضي الذي نحتاجه في حاضرنا.

    هذا وقد قدمنا في تضاعيف الكلام ما يدلّ على ذلك، وحكينا لكم مقالة الشيخ ابن عبدالسلام، ومن سبقه إلى مثلها، وتلاه على قولها، حيث ذكروا أن الشافعية، والمالكية، والحنفية، وفضلاء الحنابلة أشعريون. هذه عبارة ابن عبد السلام، شيخ الشافعية. وابن الحاجب شيخ المالكية، والحصيري شيخ الحنفية، ومن كلام ابن عساكر حافظ هذه الأمة الثقة الثبت: "هل من الفقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، إلا موافق الأشعري، ومنتسب إليه، وراضٍ بحميد سعيه في دين الله و مثن بكثرة العلم عليه، غير شرذمة قليلة تضمر التشبيه وتعادي كل موحد يعتقد التنزيه، أو تضاهي قول المعتزلة في ذمّه، وتباهى بإظهار جهرها بقدرة سعة علمه".

    وقال أيضًا: "أنا أعلم أن المالكية كلهم أشاعرة لا أستثني أحدًا، والشافعية غالبهم أشاعرة. لا أستثني إلا ممن لحق بهم منهم بتجسيم أو اعتزال، ممن لا يعبأ الله به، والحنفية أكثرهم أشاعرة، أعني يعتقدون عقد الأشعري، لا يخرج منهم إلا من لحق منهم بالمعتزلة، والحنابلة أكثر فضلاء متقدميهم أشاعرة، لم يخرج منهم من عقيدة الأشعري إلا من لحق بأهل التجسيم، وهم في هذه الفرقة من الحنابلة أكثر من غيرهم" ا.هــ.

    ***

    ب‌- [شرح حديث البخاري ومسلم]:

    ["الايمان يمانٍ والحكمة يمانية، أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوبًا"، وشرح حديث: "يقدم قوم هم أرق أفئدة منكم"، وشرح البيهقي لحديث الرسول لما قال: "هم قوم هذا"، وربَّت على ظهر أبي موسى الأشعري جد الإمام أبي الحسن الأشعري، بعد نزول الآية: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه}]

    قال تاج الدين السبكي في طبقاته (3/36): "ذكر دليل استنبطه علماؤنا من الحديث الصحيح دال على أن أبا الحسن وفئته على السنّة وأن سبيلهم سبيل الجنة".

    زعم طوائف من أئمتنا أن سيدنا ومولانا وحبيبنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم بشّر بالشيخ أبي الحسن، وأشار إلى ما هو عليه في حديث الأشعريين، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "الايمان يمانٍ والحكمة يمانية، أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوبًا". أخرجه البخاري ومسلم .

    وفي حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يقدم قوم هم أرق أفئدة منكم" فقدم الأشعريون، فيهم أبو موسى ... الحديث.

    وفي حديث لما نزلت: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هم قوم هذا" وضرب بيده على ظهر أبي موسى الأشعري.

    وقد استوعب الحافظ في كتاب "التبيين" الأحاديث الواردة في هذا الباب وهذا ملخصها:

    قال علماؤنا: بشّر صلى الله عليه وسلم بأبي الحسن فيها إشارةً وتلويحًا، كما بشر بأبي عبدالله الشافعي رضي الله عنه في حديث: "عالم قريش يملأ طباق الأرض علمًا" وبمالك رضي الله عنه، ففي حديث: "يوشك أن يضرب الناس ءاباط الإبل فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة".

    وممن وافق على هذا التأويل وأخذ به من حفاظ المحدثين وأئمتهم الحافظ الجليل أبو بكر البيهقي، فيما أخبرنا به يحيى بن فضل الله العمري، في كتابه، عن مكي بن علان، أخبرنا الحافظ أبو القاسم الدمشقي، أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الحافظ، قال: أما بعد، فإن بعض أئمة الأشعريين رضي الله عنهم ذاكرني بمتن الحديث الذي أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا ابراهيم ابن مرزوق، حدثنا وهب بن جرير، وأبو عامر العقدي، قالا: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن عياض الأشعري قال: لما نزلت: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} أومأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى، فقال: "هم قوم هذا".

    قال البيهقي: وذلك لما وجد من الفضيلة الجليلة، والمرتبة الشريفة (في هذا الحديث) للإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه، فهو من قوم أبي موسى وأولاده، الذين أوتوا العلم، ورزقوا الفهم، مخصوصا من بينهم بتقوية السنة وقمع البدعة، بإظهار الحجَّة وردّ الشبهة، والأشبه أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل قوم أبي موسى من قومٍ يحبهم الله ويحبونه لما علم من صحة دينهم، وعرف من قوة يقينهم، فمن نحا في علم الأصول نحوهم، وتبع في نفي التشبيه مع ملازمة الكتاب والسنة قولهم جعل من جملتهم. هذا كلام البيهقي.

    ونحن نقول ولا نقطع على رسول الله صلى الله عليه وسلم: يشبه أن يكون نبي الله صلى الله عليه وسلم إنما ضرب على ظهر أبي موسى رضي الله عنه في الحديث الذي قدمناه، للإشارة والبشارة بما يخرج من ذلك الظهر في تاسع باطن، وهو الشيخ أبو الحسن، فقد كانت للنبي صلىالله عليه وسلم إشارات لا يفهمها إلا الموفقون المؤيدون بنور من الله، الراسخون في العلم ذوو البصائر المشرقة، {ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور} .

    ثم قال "ذكر بيان أن طريقة الشيخ التي عليها المعتبرون من علماء الإسلام، والمتميّزون من المذاهب الأربعة، في معرفة الحلال والحرام، والقائمون بنصرة دين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام".

    ***

    ج- [بعض مآثر الماتريدي ومؤلفاته]

    مولده: ولد في بيت من البيوت التي شغفت بالعلوم الدينية، فنشأ وتعلم علوم الدين منذ صغره، ولم يتقاعس لحظة في الدعوة إلى مذهب أهل السنة والدفاع عنه والتمسك به، ولم يفتر عزمه عن الاشتغال بعلم الكلام والتأليف فيه ونصب الأدلة والحجج والبراهين.

    مشايخه: إن المراجع لم تذكر إلا القليل من مشايخه الذين تلقى علومه عنهم إلا أنهم جميعًا يصل سندهم في العلم إلى الإمام الجليل أبي حنيفة النعمان، وقد ذكر صاحب "الجواهر المضيئة" أن الماتريدي تخرج بأبي نصر أحمد بن العباسي بن الحسين العياضي، وتفقه على أبي بكر أحمد الجوزجاني ونصير بن يحيى البلخي، ومحمد بن مقاتل الرازي.

    أما أبو نصر العياضي وأبو بكر الجوزجاني فقد تفقها على الإمام أبي سليمان موسى ابن سليمان الجوزجاني، وهذا الأخير تفقه على صاحبي أبي حنيفة: أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسين الشيباني اللذين تفقها على أبي حنيفة. وأما نصير البلخي ومحمد بن مقاتل الرازي فقد تفقها على الإمامين أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، وأبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي اللذين تفقها على الإمام أبي حنيفة كذلك.

    علوم الماتريدي: وأما علومه فقد دارت حول تأويل القرءان الكريم وأصول الفقه وعلم الكلام وما يتعلق به، وقد درس العلوم العقلية، كما درس العلوم النقلية درسًا متقنًا عميقًا، ووقف على دقائقها حتى صار إمامًا مبرز في الفقه والتأويل وعلم الكلام.

    وبعد أن نال القسط الوفير من الثقافة والعلم انصرف الى التدريس والتثقيف، فصنف وألف وكرّس حياته لحماية الإسلام ونصرة عقيدة أهل السنة والجماعة حتى وصفه العلماء بأنه كان إمامًا جليلاً، مناضلاً عن الدين، موطد لعقائد أهل السنة، قطع المعتزلة وذوى البدع في مناظرتهم، وخصمهم في محاوراتهم إلى أن أسكتهم.

    مؤلفاته: كان للإمام أبي منصور الماتريدي العديد من المؤلفات، ومنها ما كان في علم الكلام والعقيدة، ومنها ما كان في أصول الفقه ومنها ما كان في تأويل القرءان.

    أما في علم الكلام فله عدة مصنفات منها كتاب "التوحيد"، وكتاب "المقالات"، وكتاب "الرد على القرامطة"، و "بيان وهم المعتزلة"، و"رد الأصول الخمسة لأبي محمد الباهلي" و"أوائل الأدلة للكعبي"، و"رد كتاب وعيد الفساق للكعبي"، و"رد تهذيب لجدل للكعبي" وغيرها.

    وأما في علم أصول الفقه فقد ذكرت كتب الطبقات وكتاب "كشف الظنون" كتابين في أصول الفقه هما: كتاب "الجدل"، وكتاب "مأخذ الشرائع في أصول الفقه" وجاء في "بدائع الصنائع" في أثناء استنباط أوقات الصلوات الخمس من قوله تعالى:

    {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيًا وحين تظهرون} (سورة الروم) قال الشيخ أبو منصور الماتريدي السمرقندي إنهم فهموا من هذه الآية فرضية الصلوات الخمس، ولو كانت أفهامهم مثل أفهام أهل زماننا لما فهموا منها سوى التسبيح المذكور.

    وأما مؤلفات الإمام الماتريدي في تأويل القرءان فمنها كتاب "تأويلات أهل السنة"، وقد ذكره بهذا العنوان صاحب "كشف الظنون" ولكن نسخة "كوبريلي" عنونت بــ "تاويلات الماتريدي في التفسير"، وأما أصحاب الطبقات فقد ذكروه باسم "تأويلات القرءان" وهذا الاسم تحمله النسخ الأخرى الموجودة في تركيا والهند وألمانيا والمدينة المنورة ودمشق والمتحف البريطاني وطشقند. ولعل الكتاب كان يحمل الإسمين في مبتدأ الأمر فاختصره المؤرخون وأصحاب الطبقات على ذلك.

    وقد وصف الإمام عبد القادر القرشي المتوفى سنة 775هــ هذا الكتاب بقوله: "هو كتاب لا يوازيه فيه كتاب بل لا يدانيه شىء من تصانيف من سبقه في ذلك الفن".

    وجاء في نسخة مكتبة "خدابخش" في الصحيفة الولى إسناد كتاب "تأويلات القرءان" إلى الماتريدي، وجاء فيما يليه مقدمة عن مؤلفات هذا الكتاب وعن تعريف التفسير والتأويل، وجاء في مقدمة الكتاب أيضًا ما نصه: "قال الشيخ الإمام الزاهد علم الدين شمس العصر، رئيس أهل السنة والجماعة أبو بكر محمد بن أحمد السمرقندي رحمه الله تعالى: إن كتاب التاويلات المنسوب إلى الشيخ الإمام أبي منصور الماتريدي رحمه الله كتاب جليل القدر، عظيم الفائدة في بيان مذهب أهل السنة والجماعة في أصول التوحيد، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله في أصول الفقه وفروعه على موافقة القرءان". ا.هــ.

    وذكر صاحب "كشف الظنون" كتاب "تأويلات القرءان" تحت عنوان "تأويلات الماتريدية في بيان أصول أهل السنة وأصول التوحيد"، وصرح بأنه ثمانية مجلدات وأن الشيخ علاء الدين بن محمد بن أحمد هو الذي جمعه.

    وجاء في "تأويلات القرءان" في تفسير قوله تعالى: {قل رب أرني أنظر إليك قال لن تراني} قوله: "والقول بها -يعني رؤية الرب- لازم عندنا في الآخرة، وحق من غير إدارك ولا تفسير"، ا.هــ أي من غير تشبيه ولا كيفية.

    ومن تصانيف الإمام أبي منصور الماتريدي كتاب "شرح الفقه الأكبر"، وهو كتاب يعرف محتواه من عنوانه، فقد تناول كتاب "الفقه الأكبر" لأبي حنيفة بالشرح والإيضاح والتفسير.

    وفاته: ذكر صاحب كتاب "كشف الظنون" أن الإمام الماتريدي توفي سنة 332هــ، غير أنه عاد بعد ذلك في مواطن أخرى فاتفق مع جمهرة المؤرخين على أن وفاته كانت سنة 333هــ. وذكر عبدالله القرشي في "الفوائد البهية" بأنه توفي سنة 333هــ، وأن قبره بسمرقند.

    وهكذا يتبين لنا من خلال استعراضنا لحياة الإمام أبي منصور الماتريدي كيف اولى هذا العالم وأمثاله علم الكلام الذي يتعلق ببيان صفات الله وتنزيهه عن صفات النقصان الرعاية والاهتمام مما يثبت من جديد أن هذا العلم هو أشرف العلوم وأعظمها على الإطلاق.

    قول أهل السنة والجماعة في الآيات المتشابهة: "نقول في الصفات المشكلة إنها حق وصدق على المعنى الذي أراده الله ومن تأولها نظرنا فإن كان تأويله قريبًا على مقتضى لسان العرب لم ننكر عليه، وإن كان بعيدًا توقفنا عنه ورجعنا الى التصديق مع التنزيه" نقله الحافظ في الفتح (/ 18313).

    وهذا هو عين مذهب جماهير الأمة من أهل السنة والجماعة أي (مذهب الأشاعرة والماتريدية) ومما نحب أن نلفت نظر القارىء الكريم إليه مما حصل فيه اللبس والخلط عند من ينتحل السلفية أن هؤلاء يثبتون الكيفية لله تعالى ويزيدون بقولهم: له كيف لا ندركه، وأن الكيف مجهول لدينا فقط لكن للصفة كيفًا!!!.

    وقد غايروا بمقولتهم الفاسدة المذهب الصحيح الثابت عن أهل السنة والجماعة روى الذهبي بإسناده في مختصر العلو عن الوليد قال: سألت الأوزاعي والليث بن سعد ومالكًا والثوري عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك فقالوا: امضها بلا كيف (مختصر العلو ص 143).

    *****

    انتهى بعون الله كتابة التعريف الموجز باهل السنة والجماعة

    كتبه الوردي
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-11-02
  3. beiruti

    beiruti عضو

    التسجيل :
    ‏2005-11-01
    المشاركات:
    15
    الإعجاب :
    0
    أهل السنة والجماعة



    أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية.

    جمهور الأمة هم أهل الحق.

    السلف الصالح رضوان الله عليهم.

    علم الكلام عند أهل السنة.

    مذاهب أهل السنة في العقائد والأصول: الأشعرية والماتريدية.

    ظهور فرقة [المعتزلة] وهي من الفرق الضالة.

    الأشاعرة والماتريدية يقطعون دابر المعتزلة.

    الأشاعرة والماتريدية ينصرون منهج السلف بالعقل والنقل.

    الفرق بين الماتريدية والأشاعرة.

    إتفاق العلماء أن الأشاعرة والماتريدية هم أهل السنة والجماعة.

    أشهر مذاهب أهل السنة في الفروع.

    ملحق وإضافات معنونة.



    أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية

    ليعلم أن أهل السنة هم جمهور الأمة المحمدية، وهم الصحابة ومن تبعهم في المعتقد أي أصول الاعتقاد، وهي الأمور الستة المذكورة في حديث جبريل الذي قال فيه الرسول: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره". وهم الفرقة الناجية المقصودة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    *****

    جمهور الأمة هم أهل الحق

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة". وقال: "عليكم بالسواد الأعظم من أمتي"، وفي هذا الدليل على أن جمهور الأمة يبقى على الإسلام فلا يضل وهذا يرد ادعاء الوهابية الخبثاء الذين يقولون أن معظم الأمة ارتدت عن دين الله ووافقهم أبو الأعلى المودودي، فعندهم جمهور المنتسبين للإسلام ليسوا على الهدى بل على الشرك، وقد صح أن أهل الجنة مائة وعشرون صفًا، ثمانون منها من هذه الأمة، فلا يمكن أن يكون هؤلاء الثمانون هذه الشرذمة الوهابية، والوهابية معتقدها منبثق من محمد بن عبدالوهاب المتوفى سنة مائتين وألف وست للهجرة وبعض معتقداتها مأخوذ من أحمد بن تيمية المتوفى سنة سبعمائة وثمان وعشرين للهجرة وهو شذ عن ما كان عليه مَنْ قبلُه من أهل الحق بقوله الكفري: "إن جنس العالم ليس حادثًا إنما الحادث الأفراد أي الأشخاص المعينة فكل شخص وفرد عنده حادث ولكن إلى ما لا نهاية له ولا ابتداء"، فجعل العرش أزليًا بنوعه وجنسه، فبزعمه إن الله لم يخلق العرش والعياذ بالله من كلامه الكفري، وقد نقل ذلك عنه الإمام جلال الدين الدواني وهو من ثقات العلماء كما وثقه الحافظ السخاوي في البدر اللامع في تراجم أهل القرن التاسع، ونسب إلى ابن تيمية ذلك الحافظان الجليلان المعاصران له وهما الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي والحافظ أبو سعيد العلائي.

    *****

    السلف الصالح رضوان الله عليهم

    وأفضل هؤلاء أهل القرون الثلاثة المرادون بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" والقرن معناه مائة سنة كما رجح ذلك الحافظ أبو القاسم بن عساكر وغيره، وهم المرادون أيضًا بحديث الترمذي وغيره: "أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم".

    وفيه قوله: "عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة"، صححه الحاكم وقال الترمذي: حسن صحيح، وهم المرادون أيضًا بالجماعة الواردة فيما رواه أبو داود من حديث معاوية: "وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة".

    والجماعة هم السواد الأعظم: ليس معناه صلاة الجماعة، كما يوضح ذلك حديث زيد بن ثابت ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث لا يغل عليهن قلب المؤمن: إخلاص العمل، والنصيحة لولي الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تكون من ورائهم". قال الحافظ ابن حجر: حديث حسن.

    والسلف أهل القرون الثلاثة الذين ذكرهم الرسول بقوله: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" -رواه البخاري- فعلى تفسير القرن بمائة سنة فالسلف هم من كانوا ضمن الثلاثمائة، ومنهم أي من العلماء من جعل منتهى السلف سنة مائتين وعشرين، والأول هو المشهور، ويقوي ذلك رواية ابن حبان لحديث: "خير الناس" فقد أتي فيها ذكر "ثم الذين يلونهم". ثلاث مرات، واختار ذلك الحافظ ابن عساكر في رسالته التي ألفها في الدفاع عن الإمام أبي الحسن الأشعري.

    *****

    التوحيد في علم الكلام عند أهل السنة

    إن العلم بالله تعالى وصفاته أجلّ العلوم وأعلاها وأوجبها وأولاها، ويسمى علم الأصول وعلم التوحيد وعلم العقيدة، وقد خصّ النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بالترقّي في هذا العلم فقال: "أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له" فكان هذا العلم أهمّ العلوم تحصيلاً وأحقّها تبجيلاً وتعظيمًا؛ قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [سورة محمّد/19] قدّمَ الأمر بمعرفة التوحيد على الأمر بالاستغفار لتعلّق التوحيد بعلم الأصول، وتعلق الاستغفار بعلم الفروع.

    ويسمى هذا العلم أيضًا مع أدلته العقلية والنقلية من الكتاب والسنّة علم الكلام؛ والسبب في تسميته بهذا الاسم كثرة المخالفين فيه من المنتسبين إلى الإسلام وطول الكلام فيه من أهل السنّة لتقرير الحقّ؛ وقيل لأن أشهر الخلافات فيه مسألة كلام الله تعالى أنه قديم ـ وهو الحقّ ـ أو حادث. فالحشوية قالت: كلامه صوت وحرف، حتى بالغ بعضهم فقال: إن هذا الصوت أزلي قديم، وإن أشكال الحروف التي في المصحف أزلية قديمة، فخرجوا عن دائرة العقل، وقالت طائفة أخرى: إن الله تعالى متكلّم بمعنى أنه خالق الكلام في غيره كالشجرة التي سمع عندها موسى كلام الله، لا بمعنى أنه قام بذات الله كلام هو صفة من صفاته وهم المعتزلة قبّحهم الله. وقال أهل السنّة: إن الله متكلّم بكلام ذاتي أزلي أبدي ليس حرفًا ولا صوتًا ولا يختلف باختلاف اللغات.

    وموضوع علم الكلام هو النظر أي الاستدلال بخلق الله تعالى لإثبات وجوده وصفاته الكمالية وبالنصوص الشرعية المستخرَج منها البراهين، وهو على قانون الإسلام لا على أصول الفلاسفة، لأن الفلاسفة لهم كلام في ذلك يُعرف عندهم بـ [الإلهيات]؛ وعلماء التوحيد لا يتكلمون في حق الله وفي حق الملائكة وغير ذلك اعتمادًا على مجرد النظر بالعقل، بل يتكلّمون في ذلك من باب الاستشهاد بالعقل على صحة ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالعقل عند علماء التوحيد شاهد للشرع ليس أصلًا للدين، وأما الفلاسفة فجعلوه أصلًا من غير التفات إلى ما جاء عن الأنبياء، فلا يتقيّدون بالجمع بين النظر العقلي وبين ما جاء عن الأنبياء، على أن النظر العقلي السليم لا يخرج عمّا جاء به الشرع ولا يتناقض معه.

    وقد حثّ الله عباده في القرءان على النظر في ملكوته لمعرفة جبروته فقال تعالى: {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [سورة الأعراف/185] وقال تعالى: {سَنُرِيهِمْ ءايَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [سورة فصلت/53].

    فإن قيل: لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم علّم أحدًا من أصحابه هذا العلم، ولا عن أحد من أصحابه أنه تعلم أو علّم غيره، وإنما حدث هذا العلم بعد انقراضهم بزمان؛ فلو كان هذا العلم مهمًّا في الدين لكان أولى به الصحابة والتابعون.

    قلنا: إن عني بهذا المقال أنهم لم يعلموا ذات الله وصفاته وتوحيده وتنزيهه وحقية رسوله وصحة معجزاته بدلالة العقل بل أقرّوا بذلك تقليدًا، فهو بعيد من القول شنيعٌ من الكلام؛ وقد ردّ الله عزَّ وجلَّ في كتابه على من قلّد أباه في عبادة الأصنام بقوله: {إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [سورة الزخرف/23] أي أن أولئك اقتدوا بآبائهم في إشراكهم بغير دليل يقوم على صحة ذلك الدين، وهذا يفهم منه أن علم الدليل مطلوب.

    قال أبو حنيفة رضي الله عنه جوابًا على القائلين: لِمَ تتكلمون بعلم الكلام والصحابة لم يتكلموا فيه: "إنما مثلهم كأناس ليس بحضرتهم من يقاتلهم فلم يحتاجوا إلى إبراز السلاح، ومثلنا كأناس بحضرتهم من يقاتلهم فاحتاجوا إلى إبراز السلاح".اهـ.

    وإن أريد أن الصحابة لم يتلفظوا بهذه العبارات المصطلحة عند أهل هذه الصناعة نحو: الجوهر والعرض، والجائز والمحال، والحدث والقِدم، فهذا مُسَلَّمٌ به، لكننا نعارض هذا بمثله في سائر العلوم، فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه التلفّظ بالناسخ والمنسوخ، والمجمل والمتشابه، وغيرها كما هو المستعمل عند أهل التفسير. ولا بالقياس والاستحسان، والمعارضة والمناقضة، والطرد والشرط، والسبب والعلة وغيرها كما هو المستعمل عند الفقهاء، ولا بالجرح والتعديل، والآحاد والمشهور والمتواتر والصحيح والغريب وغير ذلك كما هو المستعمل عند أهل الحديث. فهل لقائل أن يقول يجب رفض هذه العلوم لهذه العلّة؛ على أنه في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لم تظهر الأهواء والبدع فلم تمسّ الحاجة إلى الدخول في التفاصيل والاصطلاحات.

    وهذا العلم أصله كان موجودًا بين الصحابة متوفرًا بينهم أكثر ممن جاء بعدهم، والكلام فيه بالرد على أهل البدع بدأ في عصر الصحابة، فقد ردّ ابن عباس وابن عمر على المعتزلة، ومن التابعين ردّ عليهم عمر بن عبد العزيز والحسن بن محمد ابن الحنفية وغيرهما. وقد قطع علي كرّم الله وجهه الخوارج بالحجة وقطع دهريًّا وأقام الحجة على أربعين رجلاً من اليهود المجسمة بكلام نفيس مُطْنَبٍ؛ وقطع الحبر ابن عباس رضي الله عنهما الخوارج بالحجة أيضًا، وقطع إياس بن معاوية القاضي القدرية، وقطع الخليفة عمر بن عبد العزيز أصحاب شَوْذَب الخارجي، وألّف رسالة في الرد على المعتزلة وهي رسالة وجيزة، وقطع ربيعةُ الرأي شيخُ الإمام مالك غَيلانَ بن مسلم أبا مروان القدري. وكذلك اشتغل بهذا العلم الحسن البصري وهو من أكابر التابعين.

    فإن قيل: روى البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه قال: "تفكّروا في كل شىء ولا تفكروا في ذات الله" فهو منهيّ عنه.

    فالجواب: أن النهي ورد عن التفكر في الخالق مع الأمر بالتفكر في الخلق، فإنه يوجب النظر وإعمال الفكر والتأمّل في ملكوت السموات والأرض ليستدل بذلك على وجود الصانع، وعلى أنه لا يشبه شيئًا من خلقه؛ ومن لم يعرف الخالق من المخلوق كيف يعمل بهذا الأثر الصحيح. وقد أمر القرءان بتعلّم الأدلة على العقائد الإسلامية على وجوده تعالى وعلى ثبوت العلم له والقدرة والمشيئة والوحدانية إلى غير ذلك. ولم يطعن إمام معتبر في هذا العلم الذي هو مقصد أهل السنّة والجماعة من السلف والخلف.

    وما يُروى عن الشافعي أنه قال: "لأن يلقى الله العبدُ بكل ذنب ما عدا الشرك خير له من أن يلقاه بعلم الكلام" بهذا اللفظ فهو غير ثابت عنه، واللفظ الثابت عنه هو: "لأن يلقى الله عزَّ وجلَّ العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشىء من هذه الأهواء". والأهواء جمع هوى وهو ما مالت إليه نفوس المبتدعة الخارجين عما كان عليه السلف، أي ما تعلق به البدعيون في الاعتقاد كالخوارج والمعتزلة والمرجئة والنجارية وغيرهم، وهم الاثنتان والسبعون فرقة كما ورد في الحديث المشهور :"وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنّة وهي الجماعة" رواه أبو داود، فليس كلام الشافعي على إطلاقه، إنما هو في المبتدعة القدرية وغيرهم الذين جانبوا نصوص الشريعة كتابًا وسنّةً وتعمّقوا في الأهواء الفاسدة، وأما الكلام الموافق للكتاب والسنّة الموضح لحقائق الشريعة عند ظهور الفتنة فهو محمود عند العلماء قاطبة لم يذمّه الشافعي، وقد كان الشافعي رضي الله عنه، يحسنه ويفهمه وقد ناظر بِشْرًا المريسي وحفصًا الفرد فقطعهما.

    قال الإمام الحافظ ابن عساكر في كتابه الذي ألّفه في الدفاع عن الإمام الأشعري وبيّن فيه كذب من افترى عليه ما نصّه :"والكلامُ المذموم كلام أصحاب الأهوية وما يزخرفه أرباب البدع المُرْدية، فأما الكلام الموافق للكتاب والسنّة الموضح لحقائق الأصول عند ظهور الفتنة فهو محمود عند العلماء ومن يعلمه، وقد كان الشافعي يحسنه ويفهمه، وقد تكلم مع غير واحد ممن ابتدع، وأقام الحجة عليه حتى انقطع". اهـ. وقال الربيع بن سليمان: "حضرت الشافعي وحدَّثني أبو شعيب إلا أني أعلم أنه حضر عبد الله بن عبد الحكم ويوسف بن عمرو بن يزيد وحفص الفرد وكان الشافعي يسميه المنفرد، فسأل حفص عبد الله بن عبد الحكم فقال: ما تقول في القرءان، فأبى أن يجيبه فسأل يوسف بن عمرو فلم يجبه، وكلاهما أشار إلى الشافعي، فسأل الشافعي فاحتجّ عليه الشافعي، فطالت فيه المناظرة فقام الشافعي بالحجة عليه بأن القرءان كلام الله غير مخلوق، وكفّر حفصًا الفرد قال الربيع: فلقيت حفصًا الفرد في المسجد بعدُ، فقال: أراد الشافعي قتلي".اهـ. فإن قيل: قد ذمّ علم الكلام جماعةٌ من السلف، فروي عن الشعبي أنه قال: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب. وروي مثله عن الإمام مالك، والقاضي أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة.

    قلنا: أجاب الحافظ أبو بكر البيهقي عنه بقوله: "إنما يريدوا والله أعلم بالكلام كلام أهل البدع، فإن في عصرهم إنما كان يعرف بالكلام أهل البدع، فأما أهل السنّة فقلَّما كانوا يخوضون في الكلام حتى اضطروا إليه بعد".اهـ.

    قال ابن عساكر: "فهذا وجه في الجواب عن هذه الحكاية، وناهيك بقائله أبي بكر البيهقي فقد كان من أهل الرواية والدراية. وتحتمل وجهًا ءاخر وهو أن يكون المراد بها أن يقتصر على علم الكلام ويترك تعلّم الفقه الذي يتوصل به إلى معرفة الحلال والحرام، ويرفض العمل بما أُمِر بفعله من شرائع الإسلام، ولا يلتزم فعل ما أمر به الشارع وترك ما نهى عنه من الأحكام. وقد بلغني عن حاتم الأصم وكان من أفاضل الزهّاد وأهل العلم أنه قال: الكلام أصل الدين، والفقه فرعه، والعمل ثمره، فمن اكتفى بالكلام دون الفقه والعمل تزندق، ومن اكتفى بالعمل دون الكلام والفقه ابتدع، ومن اكتفى بالفقه دون الكلام والعمل تفسّق، ومن تفنّن في الأبواب كلها تخلص" اهـ. وقد روي مثل كلام حاتم عن أبي بكرٍ الورّاق.

    قال الحافظ اللغوي محمد مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء :"هذه المسائل التي تلقاها الإمامان الأشعري والماتريدي هي أصول الأئمة رحمهم الله تعالى، فالأشعري بنى كتبه على مسائل من مذهب الإمامين مالك والشافعي أخذ ذلك بوسائط فأيدها وهذبها، والماتريدي كذلك أخذها من نصوص الإمام أبي حنيفة"اهـ.

    قلت [اي الحافظ] الزبيدي: وللإمام أبي حنيفة رضي الله عنه: (الفقه الأكبر) و(الرسالة) و(الفقه الأبسط) و(العالم والمتعلّم) و(الوصية)؛ أما الوصية فقد اختلف في نسبتها إلى الإمام كثيرًا، فمنهم من ينكر نسبتها للإمام مطلقًا ويزعم أنها ليست من عمله، ومنهم من ينسبها إلى محمد بن يوسف البخاري المكنى بأبي حنيفة، وهذا قول المعتزلة لما فيها من إبطال نصوصهم الزائغة وادعائهم كون الإمام منهم ـ أي في المعتقد ـ كما في المناقب الكردرية.

    أبو حنيفة وصاحباه أول من توسع في كلامه عن الاصول

    والإمام أبو حنيفة وصاحباه أول من تكلّم في أصول الدين بالتوسّع وأتقنها بقواطع البراهين على رأس المائة الأولى، وقد ذكر الأستاذ عبد القاهر البغدادي أن أول متكلمي أهل السنّة من الفقهاء أبو حنيفة والشافعي، ألفّ فيه الفقه الأكبر والرسالة في نصرة أهل السنّة إلى مقاتل ابن سليمان صاحب التفسير وكان مجسّمًا، وقد ناظر فرقة الخوارج والروافض والقدرية والدهرية وكانت دعاتهم بالبصرة فسافر إليها نيفًا وعشرين مرةً، وفضّهم بالأدلة الباهرة، وبلغ في الكلام ـ أي علم التوحيد ـ إلى أنه كان المشار إليه بين الأنام، واقتدى به تلامذته الأعلام.

    وفي مناقب الكردري عن خالد بن زيد العمري أنه كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وحماد بن أبي حنيفة قد خَصَمُوا بالكلام الناس أي ألزموا المخالفين، وهم أئمة العلم. وعن الإمام أبي عبد الله الصيمري أن الإمام أبا حنيفة كان متكلم هذه الأمة في زمانه، وفقيههم في الحلال والحرام.

    وهذه الكتب الخمسة ليست من جمع الإمام أبي حنيفة، بل الصحيح أن هذه المسائل المذكورة في هذه الكتب من أمالي الإمام التي أملاها على أصحابه كحمّاد وأبي يوسف وأبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي وأبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي، فهم الذين قاموا بجمعها، وتلقاها عنهم جماعة من الأئمة كإسماعيل بن حمّاد ومحمد بن مقاتل الرازي ومحمّد بن سماعة ونصير بن يحيى البلخي وشداد بن الحكم وغيرهم، إلى أن وصلت بالإسناد الصحيح إلى الإمام أبي منصور الماتريدي، فمن عزاها إلى الإمام صح لكون تلك المسائل من إملائه إلى أبي مطيع البلخي وغيره، ومن عزاها إلى غيره ممن هو في طبقته أو ممن هو بعدهم صح لكونها من جمعه، ذكره الفقيه المحدّث اللغوي محمد مرتضى الزبيدي.

    وقال الفقيه الأصولي الزركشي في تشنيف المسامع: "إن الأئمة انتدبوا للرد على أهل البدع والضلال، وقد صنّف الشافعيّ كتاب (القياس) ردّ فيه على من قال بقدم العالم من الملحدين، وكتاب (الرد على البراهمة) وغير ذلك، وأبو حنيفة كتاب (الفقه الأكبر) وكتاب (العالم والمتعلّم) رد فيه على المخالفين، وكذلك مالك سئل عن مسائل هذا العلم فأجاب عنها بالطريق القويم، وكذلك الإمام أحمد".ا.هـ.

    وقد صنّف سيد المحدّثين في زمانه محمّد بن إسمبعيل البخاري ه المتوفى سنة 256هـ ـ كتاب (خلق أفعال العباد)، وصنّف المحدث نعيم ابن حماد الخزاعي وهو من أقران الإمام ـ المتوفى في حبس الواثق سنة 228هـ ـ كتابًا في الردّ على الجهمية وغيرهم، وصنّف المحدّث محمّد بن أسلم الطوسي ـ المتوفى سنة 242هـ ـ وهو من أقران الإمام أحمد أيضًا في الردّ على الجهمية، وقد ردّ على المعتزلة فأجاد بالتأليف ثلاثة من علماء السنّة من أقران الإمام أحمد بن حنبل: الحارث المحاسبي، والحسين الكهرابيسهي، وعبد الله بن سعيد بن كُلاّب ـ المتوفى بعد الأربعين ومائتين بقليل ـ ويمتاز الأول بإمامته أيضًا في التصوف.

    *****

    مذاهب أهل السنة في العقائد والأصول:

    الأشعرية والماتريدية

    الأشعرية:

    أ- [ترجمة الإمام الأشعري]

    هو أبو الحسن علي بن اسماعيل بن أبي بشر اسحاق بن سالم بن اسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة عامر بن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي موسى الأشعري.

    وهاكم البداية مع جدّه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث نزل قول الله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} (المائدة / 54). فيشير الحبيب صلى الله عليه وسلم بعد نزولها إلى أبي موسى الأشعري قائلاً: هم قوم هذا وضرب بيده على ظهر أبي موسى الأشعري، ولما نزلت هذه الآية قدم بعد ذلك بيسير سفائن الأشعريين وقبائل اليمن فان لهم بلاء حسن في الإسلام فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبًا الايمان يمان والحكمة يمانية ".

    كما أخرج البخاري في صحيحه عن عمران بن الحصين أن النبي أتاه أناس من بني تميم فقال عليه الصلاة والسلام: "اقبلوا البشرى يا بني تميم" قالوا بشرتنا فأعطنا مرتين فتغير وجهه، فجاءه أناس من أهل اليمن فقال: يا أهل اليمن اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قد قبلنا يا رسول الله جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان قال: "كان الله ولم يكن شىء غيره". وفيه دليل على أن الله موجود في الأزل قبل خلق الأماكن والأزمان وقبل الخلق كان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان ليس له كمية صغيرة ولا كبيرة ...

    هنا كانت البداية مع الجد الأكبر سيدنا أبي موسى الأشعري.

    وتعالوا ننظر في الحفيد أبي الحسن الذي ولد سنة مائتين وسبعين وتوفي سنة 333هــ الذي كان سنيًا من بيت سنّة وفي بدء حياته درس مذهب الاعتزال ثم تاب ورقي المسجد الجامع بالبصرة في يوم الجمعة ونادى بأعلى صوته: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فإني أعرفه بنفسي أنا فلان ابن فلان كنت أقول بخلق القرءان وأن أفعال البشر أنا أفعلها وأنا تائب مقلع، معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعايبهم.

    ***

    الماتريدية:

    أ- [ترجمة الإمام الماتريدي]

    هو أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي، والماتريدي نسبة إلى ما تريد، وهي محلة بسمرقند فيما وراء النهر. وكان الإمام الماتريدي والإمام أبو الحسن الأشعري الإمامين الجليلين اللذين حررا عقيدة اهل السنة والجماعة بالأدلة النقلية والعقلية، وقد لقب الماتريدي بــ "إمام الهدى" و"إمام المتكلمين" وغير ذلك من الألقاب وهي ألقاب تظهر مكانته في نفوس مسلمي عصره ومؤرخيه. ورغم ذيوع اسمه واشتهاره واشتهار فرقة الماتريدية المنسوبة إليه فقد كان المؤرخون الذين كتبوا عنه قلة. ولم تذكر المراجع سنة ميلاده بالتحديد ولكن يمكن القول إنه ولد في عهد المتوكل الخليفة العباسي، وإنه يتقدم بمولده على الإمام أبي الحسن الأشعري ببضع وعشرين سنة.

    *****

    ظهور فرقة [المعتزلة] وهي من الفرق الضالة

    ثم حدث بعد مائتين وستين سنة انتشار بدعة المعتزلة وغيرهم.

    *****

    الأشاعرة والماتريدية يقطعون دابر المعتزلة

    وقد قيض الله تعالى لهذه الأمة المحمدية رجالاً أفذاذًا يذودون عن حياض دينها الإسلامي الحنيف، فيجاهدون بالبيان والسنان، ويقمعون أوهام الملحدين وزيف الزائفين بالأدلة والحجج والبراهين، وقد جعل الله تعالى في كل زمان أئمة هدى يدافعون عن العقيدة الحقة فيصنفون التصانيف والردود، وبعد انتشار فرقة المعتزلة قيَّض الله تعالى إمامين جليلين هما أبا الحسن الأشعري وأبا منصور الماتريدي رضي الله عنهما فقاما بإيضاح عقيدة أهل السنة التي كان عليها الصحابة ومن تبعهم بإيراد أدلة نقلية وعقلية مع رد شبه المعتزلة وهم فرق عديدة بلغ عددهم عشرين فرقة، فقاما بالرد على كل هذه الفرق أتم القيام برد شبههم وإبطالها فنُسب إليهما أهل السنة، فصار يقال لأهل السنة أشعريون وماتريديون.

    *****

    الأشاعرة والماتريدية ينصرون منهج السلف بالعقل والنقل

    وقد صنّف إماما أهل السنّة والجماعة في عصرهما وبعده إلى يومنا هذا أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي المصنفات العظيمة في الردّ على طوائف المبتدعة والمخالفين للإسلام مملوءة بحجج المنقول والمعقول، وامتاز الأول بمناظراته العديدة للمعتزلة بالبصرة التي فلَّ بها حَدَّهم وقلل عددهم. وكانت وفاة الأشعري في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة للهجرة، وتوفي الشيخ أبو منصور بعد وفاة الأشعري بقليل.

    وصنّف أتباعهما من بعدهما المئات من المجلدات في الردّ على المبتدعة والمخالفين للإسلام بالحجج الدامغة الكثيرة والمناظرات العديدة قطعوا بها المعتزلة الذين هم أفحل طوائف المبتدعة، كما قطعوا غيرهم من المبتدعة والدهريين والفلاسفة والمنجّمين، ورفعوا لواء مذهب الأشعري في الخافِقَيْن وأبرزهم في نشره ثلاثة: الأستاذ أبو بكر بن فُورَك، وأبو إسحبق الإسفراييني، والقاضي الإمام أبو بكر الباقلاني، فالأولان نشراه في المشرق، والقاضي نشره في المشرق والمغرب، فما جاءت المائة الخامسة إلا والأمة الإسلامية أشعرية وماتريدية لم يشذّ عنها سوى نزر من المعتزلة وشرذمة من المشبّهة وطائفة من الخوارج؛ فلا تجد عالمًا محقّقًا أو فقيهًا مدققًا إلا وهو أشعري أو ماتريدي.

    وإن حال هؤلاء المنكرين لعلم الكلام لهو الموصوف بقول الشاعر فيهم: [البسيط]

    عابَ الكلامَ أناسٌ لا عقولَ لهم وما عليه إذا عابوه من ضررِ

    ما ضرَّ شمسَ الضحى في الأفْقِ طالعة أنْ لا يَرى ضَوْءَها من ليس ذا بصرِ

    *****

    الفرق بين الماتريدية والأشاعرة

    فإن قيل إن بين الأشاعرة والماتريدية اختلافاً في مسائل العقيدة فكيف يكون كل منهما الفرقة التي قال الرسول: "فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة". فالجواب: أنه ليس بينهما اختلاف في أصول العقيدة إنما الخلاف بينهما في بعض فصول العقيدة وفروعها، وهذا لا يقدح في كونهما الفرقة الناجية، فإن هذا الخلاف كالخلاف الذي حصل بين الصحابة في رؤية النبي ربه ليلة المعراج، فقد نفتها عائشة وابن مسعود وأثبتها عبد الله بن عباس وأصحابه من التابعين وأبو ذر الغفاري، مع أن الصحابة متفقون في أصول العقيدة. ومن هذه الفرقة يكون المجدد الذي أخبر الرسول أنه يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة وهو من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها". رواه أبو داود وغيره.

    ***

    الاشعرية والماتريدية فرقة واحدة

    ثم بعد ان بينا أن الأشاعرة والماتريدية فرقة واحدة في العقيدة يصح لنا أن نقول: الأشعري ماتريدي والماتريدي أشعري. وما قيل في الإمام الجليل أبي الحسن الأشعري يقال في الإمام أبي منصور الماتريدي لأنه مثله قام بتقرير عقيدة السلف بالأدلة النقلية والعقلية بإيضاح واسع، فقد جمع هذان الإمامان الإثبات مع التنزيه فليسا على التشبيه ولا التعطيل، ولعن الله من يسمي الأشعري أو الماتريدي معطلاً، فهل خالفا التنزيه الذي ذكره الله بقوله {ليس كمثله شىء} فإنهما نفيا عن الله الجسمية وما ينبني عليها، وهذا ذنبهما عند المشبهة كالوهابية ومن سبقهم من المشبهة. فإن المشبهة قاست الخالق بالمخلوق فنفت موجودًا ليس جسمًا، والإمامان ومن تبعهما وهم الأمة المحمدية قالوا إن الله لو كان جسمًا لكان له أمثال لا تحصى. وهذا هو دين الله الذي كان عليه السلف الصالح وتلقاه عنهم الخلف الصالح، وطريقة الأشعري والماتريدي في أصول العقائد متحدة.

    وهو موافق لمذهب السلف غير مخالف

    فالمذهب الحق الذي كان عليه السلف الصالح هو ما عليه الأشعرية والماتريدية وهم مئات الملايين من المسلمين فكيف يكون هؤلاء السواد الأعظم على ضلال، وتكون شرذمة هي نحو ثلاثة ملايين على الحق، والصواب أن الرسول عليه السلام أخبر بأن جمهور أمته لا يضلون وذلك من خصائص هذه الأمة، ويدل على ذلك ما رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهما: "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة" وعند ابن ماجة زيادة: "فإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم".

    ويقوي هذا الحديث الحديث الموقوف على أبي مسعود البدري: "وعليكم بالجماعة فإن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة" قال الحافظ ابن حجر: "وإسناده حسن"، والحديث الموقوف على عبد الله بن مسعود وهو أيضًا ثابت عنه: "ما رءاه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رءاه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح"، قال الحافظ ابن حجر: "هذا موقوف حسن".

    ولا ينافي ما قررناه من أن الجمهور معصومون من الضلالة ما صح مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه سلم من قوله: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة".

    الاشاعرة والماتريدية بالملايين

    ان المسلمين ومئات ملايينهم في الدنيا أشاعرة أو ماتريدية من حيث المعتقد ، فلنتذكر مناهج اسلافنا كبار علماء الاشاعرة والماتريدية وما كان عليه السلف والخلف من هذه الأمة المحمدية، سيما بعد أن تعرض الكثيرون إلى سيرة هؤلاء الأمة ونهجهم.

    *****

    إتفاق العلماء أن الأشاعرة والماتريدية هم أهل السنة والجماعة

    وليعلم أن كلا من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور رضي الله عنهما وجزاهما عن الإسلام خيرًا لم يبدعا من عندهما رأيا ولم يشتقا مذهبا انما هما مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كانت عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحدهما قام بنصرة نصوص مذهب الشافعي وما دلت عليه والثاني قام بنصرة نصوص مذهب أبي حنيفة وما دلت عليه وناظر كل منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين وهذا في الحقيقة هو أصل الجهاد الحقيقي الذي تقدمت الاشارة اليه فالانتساب اليهما انما هو باعتبار أن كلا منهما عقد على طريق السلف نطاقًا وتمسك وأقام الحجج والبراهين عليه فصــار المقتــدى بــه في تلك المسالك والدلائل ويسمى أشعريًا وماتريديًا.

    وقال الشيخ محمد أمين الشهير بابن عابدين الحنفي في "رد المحتار على الدر المختار": "أهل السنة والجماعة وهم الأشاعرة والماتريدية".

    وقال الحافظ الفقيه الحنفي مرتضى الزبيدي في "اتحاف السادة المتقين" (2/6-7)، (الفصل الثاني) "أذا أطلق أهل والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية، قال الخيالي في حاشيته على شرح العقائد الاشاعرة هم أهل السنة والجماعة هذا هو المشهور في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الاقطار في ديار ما وراء النهر يطلق بذلك على الماتريدية أصحاب الامام أبي منصور وبين الطائفتين اختلاف في المسائل كمسئلة التكوين وغيرها ا.هــ".

    وقال الكستلي في حاشيته عليه: "المشهور من أهل السنة في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الاقطار هم الأشاعرة أصحاب أبي الحسن الأشعري أول من خالف أبا علي الجبائي ورجع عن مذهبه الى السنة أي طريق النبي صلى الله عليه وسلم والجماعة أي طريقة الصحابة رضي الله عنهم وفي ديار ما وراء النهر الماتريدية أصحاب أبي منصور الماتريدي ا.هــ.".

    وقال ابن سبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب: "اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل وان اختلفوا في الطرق والبادىء الموصلة لذلك أو في لمية ما هنالك وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف الأول أهل الحديث ومعتمد مباديهم الأدلة السمعية أعني الكتاب والسنة والإجماع الثانية أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية وهم الأشعرية والحنفية وشيخ الأشعرية أبو الحسن الأشعري وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي وهم متفقون في المبادىء العقلية في كل مطلب يتوقف السمع عليه وفي المبادىء السمعية فيما يدرك العقل جوازه فقط والعقلية والسمعية في غيره. ا.هــ.".

    *****

    أشهر مذاهب أهل السنة في الفروع:

    المذهب الشافعي: الإمام الشافعي رضي الله عنه يتقن علم الكلام

    كان الشافعي رضي الله عنه قد أتقن علم الكلام الذي لأهل السنة، قبل أن يتقن علم الفقه، والدليل على ذلك ما ثبت عنه أنه جاءه حفص الفرد المعتزلي فناظره فقطعه الشافعي بالحجة في مسئلة خلق الكلام، فلما أصرً حفص على قوله القرءان مخلوق قال الشافعي: "لقد كفرت بالله العظيم".

    اسمه نسبه ومولده:

    هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف يجتمع نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، لقي جده شافع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مترعرع، وأم الشافعي هي فاطمة بنت عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأما مولده فعن عمرو بن سواد قال: قال لي الشافعي ولدت بعسقلان فلما أتت علي سنتان حملتني أمي إلى مكة وكانت رغبتي في شيئين الرمي وطلب العلم فنلت من الرمي حتى أني لأصيب من عشرة عشرة وسكت عن العلم، فقلت أنت والله في العلم أكثر منك في الرمي، وقد ولد سنة 150 هجرية في السنة التي مات بها أبو حنيفة رحمهما الله.

    مشايخه:

    ذكر أنهم قريب 80 نذكر منهم سفيان بن عيينه، الإمام مالك بن أنس، وفضيل ابن عياض، ومحمد بن الحسن الشيباني، وعبد الله بن المبارك.

    عبادته:

    روي أنه كان يقسم الليل غلى ثلاثة أجزاء: ثلثا للعلم، و ثلاثا للعبادة، وثلثا للنوم.



    زهده:

    قال رضي الله عنه: ما شبعت منذ ستة عشر سنة، لأن الشبع يثقل البدن، و يقسي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة .



    سخاؤه:

    حُكي أنه قدم مكة بعشرة آلاف دينار، فضرب خباءه في موضع خارج مكة، و نثرها على ثوب له، ثم اقبل على كل من دخل عليه، و يقبض له قبضة و يعطيه، حتى صلى الظهر و نفض ثوبه، و ليس عليه شئ. و أنشد قائلا:

    يا لهف قلبي على مال أجود به على المقلين من أهل المروءات
    إناعتذاري لمن قد جاء يسألني ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات



    ورعه:
    سُئل الشافعي عن مسئلة، فسكت فقيل له: ألا تجيب رحمك الله!، فقال: "حتى أدري، الفضل في سكوتي أو في جوابي؟.



    شهادة أهل الفضل له:

    قال أبو الثور: ما رأيت مثل الشافعي .

    قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: ما صليت منذ أربعين سنة إلا و أنا أدعو للشافعي .



    وعظه و إرشاده:

    حكي أن شابًا قال له: علمني مما علمك الله! فقال رضي الله عنه: اعلم ان من صدق الله نجا، ومن أشفق على دينه سلم من الردى، و من زهد في الدنيا قرت عيناه مما يراه من ثواب الله تعالى غدًا، أفلا أزيدك؟، قلت : نعم! قال: من كان فيه ثلاث خصال فقد استكمل الإيمان: مَنْ أمر بالمعروف و ائتمر، و نهى عن المنكر و انتهى، وحافظ على حدود الله تعالى، ألا أزيدك ؟. قلت بلى!، فقال: كن في الدنيا زاهدًا، و في الىخرة راغبًا، و أصدق الله تعالى في جميع أمورك، تنج مع الناجين.



    حاله عند موته:

    حكي أن الإمام المزني دخل على الإمام الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقال: كيف أصبحت ؟ فأجابه قائلا: أصبحت من الدنيا راحلا، و للإخوان مفارقا، و لسيئ عملي ملاقيا، ولكأس المنية شاربًا، ولى ربي واردًا، لا أدري تصير روحي إلى الجنة فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها ثم أنشد قائلا :

    ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سلما
    تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما
    و ما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل تجود وتعفو منة و تكرما



    شعره:

    عزيز النفس من لزم القناعة و لم يكشف لمخلوق قناعه
    أفادتني التجارب كل عز و هل عز أعز من القناعة
    فصيرها لنفسك رأس مال و صير بعدها التقوى بضاعة
    و لا تطع الهوى و النفس و اعمل من الخيرات قدر الاستطاعة
    أحب الصالحين و لست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
    و أكره من بضاعته المعاصي و غن كنا سواء في البضاعة



    وقد قيل للإمام الشافعي: ما لكَ تدمن إمساك العصا ولست بضعيف؟ فقال: لأذكر أني مسافر من الدنيا غلى الآخرة!

    تلاميذه:
    الإمام أحمد بن حنبل، وأبو ثور وغيرهم من كبار العلماء.

    مناقبه:
    اجتمع للشافعي رحمه الله من الفضائل ما لم تجتمع لغيره فأول ذلك نسبه ومنصبه وأنه من رهط النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها صحة الدين وسلامة الاعتقاد من الأهواء والبدع، ومنها سخاوة النفس، ومنها معرفته بصحة الحديث وسقمه. قال الشافعي يوما قدمت على مالك بن أنس رضي الله عنه وقد حفظت الموطأ فقال لي احضر من يقرأ لك فقلت أنا قارئ فقرأت عليه الموطأ فقال: إن يك أحد يفلح فهذا الغلام. وقال الحميدي: كنا نريد أن نرد على أصحاب الرأي فلم نحسن كيف نرد عليهم حتى جاءنا الشافعي ففتح لنا. وقال مسلم بن خالد الزنجي للشافعي رضي الله عنهما: أنت يا أبا عبد الله فقد والله آن لك أن تفتي. وهو ابن خمس عشرة سنة، وعن إسحاق بن راهوية قال لي أبي: كلم الشافعي يوما بعض الفقهاء فدقق عليه وحقق وطالب وضيق، قلت له يا أبا عبد الله هذا لأهل الكلام لا لأهل الحلال والحرام فقال احكمنا ذاك قبل هذا: أي علم التوحيد قبل فروع الفقه.

    وعن عباس بن الحسين قال سمعت بحر بن نصر يقول كنا إذا أردنا أن نبكي قلنا بعضنا لبعض قوموا بنا إلى هذا الفتى المطلبي نقرأ القرءان فإذا أتيناه استفتح القرءان حتى تتساقط الناس بين يديه ويكثر عجيجهم بالبكاء فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة من حسن صوته، وكان الشافعي قد جزأ الليل ثلاثة أثلاث، الثلث الأول يكتب والثاني يصلي والثالث ينام.

    مصنفاته:
    وهي كثيرة نذكر منها: إثبات النبوة والرد على البراهمة، والرسالة في بيان الناسخ والمنسوخ في القرءان والسنة، والفقه الأكبر، وكتاب الأم في الفقه.

    وفاته:
    توفي في ءاخر يوم رجب سنة 204 هجرية وقد كتب على قبره في مصر: "هذا قبر محمد بن إدريس الشافعي وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمدا رسول الله وأن الجنّة حق والنّار حق وأنّ الساعة ءاتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأن صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله ربّ العالمين لا شريك له وبذلك أمر وهو من المسلمين. عليه حيي وعليه مات وعليه يبعث حيا إن شاء الله. وعن ابن حزم المزني قال ناحت الجن ليلة مات الشافعي رضي الله عنه.

    *****

    المذهب الحنفي: الإمام أبو حنيفة النعمان

    اسمه، نسبه ومولده:

    أبو حنيفة النعمان بن ثابت مولى بني تيم الله بن ثعلبة ولد سنة 80 هجرية بالكوفة وكان ذلك في زمن دولة بني أمية كان أبوه ثابت من أهل التقوى والصلاح اشتغل بتجارة القماش أدّب ابنه وسار به مسار العلماء بتعليمه.

    مشايخه:
    التقى أبو حنيفة بستة من الصحابة وروى عنهم وهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن أنس، وواثلة ابن الأسقع، وعبد الله بن أوفى، وعبد الله بن جزء الزبيدي، ومعقل بن يسار. وأما مشايخه من التابعين فهم حوالي المائتين نذكر منهم: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، وأبو الحسين زيد بن الحسين رضي الله عنه، وعطاء بن أبي رباح، وحماد ابن سليمان، وأبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري.

    تلاميذه:
    وهم كثر نذكر منهم محمد بن الحسن الشيباني وأبا يوسف القاضي.

    مناقبه:
    كان من أذكياء بني آدم جمع الفقه والعبادة والورع والسخاء وكان لا يقبل جوائز الدولة بل ينفق ويؤثر من كسبه له دار كبيرة لعمل الخز وعند صناع وأجراء رحمه الله تعالى وقد قال الشافعي الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة وقال يزيد بن هارون ما رأيت أورع ولا أعقل من أبي حنيفة.

    ارتحل إلى البصرة نيفا وعشرين مرة فخصم المعتزلة الدهريين بالكلام وناظرهم وفضح أمرهم وأقام عليهم الحجة حتى أصبح أشهر متكلمي أهل السنة في زمانه، ومع هذا كله كان يختم القرءان في شهر رمضان ستين ختمة، وروى أنه داوم على قراءة القرءان في ركعة من الصلاة ثلاثين سنة وكان يصلي في كل ليلة 400 ركعة.

    مصنفاته:
    ألفّ الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه الكثير من الكتب في عدة أبواب نذكر منها: الفقه الأكبر، والرسالة، وكتاب العالم والمتعلم، وفيه من الحجج والبراهين ما يلجم أهل الإلحاد والبدع.

    وفاته:
    ذكر ابن الأهدل أن أبا جعفر المنصور نقله إلى بغداد ليوليه القضاء فأبى فحلف عليه ليفعلن فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، فأمر بحبسه وقيل أنه كان يرسل إليه في الحبس أنك إن أجبت وقبلت ما طلبت منك لأخرجنك من الحبس ولأكرمنك، فأبى، فأمر بأن يخرج كل يوم فيضرب عشرة أسواط فكان يخرج به كل يوم فيضرب فأكثر الدعاء فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات في الحبس مبطونا سنة 150 هجرية. فأخرجت جنازته وكثر بكاء الناس عليه وصلى عليه خمسون ألفا ودفن في مقابر الخيزران في بغداد.

    هذه لمحة مما كان عليه الإمام الفاضل أبو حنيفة من دأب على نشر العلم وإحقاق الحق وإزهاق الباطل ومحاربة أهله والصبر على قضاء الله واحتمال الجلد والسجن بالصبر خوفا على دينه وحرصا عليه.

    المذهب المالكي: الإمام مالك بن أنس

    اسمه ونسبه ومولده:

    هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أنس بن الحارث وينتهي نسبه إلى يعرب بن يشجب بن قحطان، جده مالك بن أنس من كبار التابعين وأحد الذين حملوا الخليفة عثمان إلى قبره، ووالد جده أنس بن مالك أبو عامر صحابي جليل شهد المغازي كلها مع الرسول صلى الله عليه وسلم ما خلا بدار، وأمه العالية بنت شريك الاسدية، أبناؤه: يحيى ومحمد وحماد. والإمام مالك أحد أصحاب المذاهب المدونة المعروفة والمشهورة في جميع بلاد المسلمين. ولد الإمام في المدينة المنورة سنة 95 هجرية وفيها كانت وفاته.

    مشايخه:
    روى الإمام مالك رضي الله عنه عن عدد كبير من التابعين وتابعيهم يعدون بالمئات نذكر منهم: نافع مولى بن عمر، وابن شهاب الزهري، وأبو الزناد، وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص، ويحيى بن سعيد الأنصاري.

    تلاميذه ومن روى عنه:

    وقد روى عنه كثير من شيوخه فيما بعد كالزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وعدد كثير من الرواة حتى أن القاضي عياض رحمه الله ألفّ كتابا عدّ فيه ألفا وثلاثمائة اسم ممن روى عن الإمام نذكر منهم سفيان الثوري والإمام الجليل محمد بن إدريس الشافعي وعبد الله بن المبارك.
    في مناقبه:

    قال الإمام ابن حبّان في "الثقات" كان مالك أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة، وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث، ولم يرو إلا ما صحّ ولا يحدث إلا عن ثقة مع الفقه والدين والفضل والنسك. وأقوال الكثيرين من علماء عصره جعلنا نتبين مدى حرصه على دين الله فقد قال الشافعي عنه: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وقال ابن معين: مالك من حجج الله على خلقه، وقال يحيى بن سعيد القطان: مالك أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن سعيد كان مالك ثقة مأمونا ثبتا ورعا فقيها عالما حجة.

    مصنفاته:
    الموطأ أول كتاب حمل هذا الاسم، ومعناه الممهد وهو أول الكتب التي وضعت فيها الأحاديث مصنفة ومبوبة، كما أنه أول كتاب ألفّ في الحديث والفقه معا. ألفه مالك في أربعين سنة فقد قال الشافعي في الموطأ: ما ظهر على الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك وقد اشتمل الموطأ على الكثير من الأسانيد التي حكم المحدثون بأنها أصح الأسانيد ومنها: الزهري عن سالم عن ابن عمر، ومالك عن نافع عن ابن عمر.

    وفاته:
    توفي الإمام مالك رضي الله عنه في ربيع الأول سنة 179 هجرية ودفن في البقيع وقد عاش 84 سنة في عصر ردد فيه: "أيُفتى ومالك في المدينة".

    المذهب الحنبلي: الإمام أحمد بن حنبل

    اسمه نسبه ومولده:

    هو أبو عبد الله الشيباني أحمد بن محمد بن حنبل من بني شيبان ابن ذهل يجتمع نسبه بالنبيّ صلى الله عليه وسلم في نزار، فأحمد من ولد ربيعه من نزار والرسول صلى الله عليه وسلم من ولد معدّ بن نزار ولد في ربيع الأول سن 164، جاءت أمه حاملة به من مرو في خرسان وولدته في بغداد وكان أبوه عندما توفي شابا وله من العمر ثلاثون سنة وكان أحمد طفلا فرعته أمه.

    مشايخه:

    أول طلب أحمد للعلم كان سنة 179 هجرية. فسمع من أحمد من هشيم، وإبراهيم بن سعد، ويزيد بن هارون، ومحمد بن إدريس الشافعي.

    تلاميذه:
    وروى عنه عبد الرزاق بن همام، ومحمد بن إدريس الشافعي، والأسود بن عامر وغيرهم من كبار العلماء أمثال البخاري ومسلم وغيرهم.

    مناقبه:
    وكان الإمام أحمد إماما في الحديث وضروبه إماما في الفقه والورع والزهد وحقائقه. وقد قال إبراهيم الحربي أدركت ثلاثة لم ير مثلهم أبدا يعجز النساء أن يلدن مثلهم، رأيت أبا عبيد القاسم بن سلام ما أمثله إلا بجبل نفخ فيه روح، ورأيت بشر بن الحرث ما شبهته إلا برجل عجن من قرنه إلى قدمه عقلا، ورأيت أحمد بن حنبل كأن الله جمع له علم الأولين من كل صنف يقول ما شاء ويمسك ما شاء. وعن الحسن بن العباس قال قلت لأبي مسهر هل تعرف أحدا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها قال لا أعلم إلا شابا بالمشرق يعني أحمد بن حنبل، وقال إبراهيم بن شماس خاض الناس فقالوا إن وقع أمر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمن الحجة على وجه الأرض فاتفقوا كلهم على أحمد بن حنبل حجته. وكان الشافعي يأتيه إلى منـزله فعوتب في ذلك فأنشد:

    قالوا يزورك أحمد وتزوره قلت الفضائل لا تفارق منـزله

    إن زارني فبفضله أو زرته فلفضله فالفضل في الحالين له

    مصنفاته:
    وكان له العديد من المصنفات منها المسند، والناسخ والمنسوخ، والرد على الزنادقة فيما ادعت من متشابه القرءان، والتفسير، وفضائل الصحابة، والمناسك والزهد.

    وفاته:
    مرض أبو عبد الله بالحمى ليلة الأربعاء من شهر ربيع الأول سنة 241 ودام مرضه 9 أيام وتوفى يوم الجمعة 12 من ربيع الأول وهو ابن سبع وسبعين سنة ويروى أنه حضر جنازته ثمانمائة ألف رجل وستين ألفا امرأة وأسلم يوم موته عشرون ألفا من اليهود والنصارى والمجوس. وحكى عن إبراهيم الحربي قال رأيت بشراً الحافي في النوم كأنه خارج من مسجد الرصافة وفي كمه شىء يتحرك فقلت ما هذا في كمك فقال نثر علينا لقدوم روح أحمد الدر والياقوت فهذا ما التقطته.

    ***

    خاتمة

    عقيدة الفرقة الناجية

    فيجب الاعتناء بمعرفة عقيدة الفرقة الناجية الذين هم السواد الأعظم، وأفضل العلوم علم العقيدة لأنه يبين أصل العقيدة التي هي أصل الدين، وهذا العلم سماه أبو حنيفة الفقه الأكبر. فيا طلاب الحق لا يهولنكم قدح المشبهة المجسمة في هذا العلم بقولهم إنه علم الكلام المذموم لدى السلف، ولم يدروا أن علم الكلام المذموم هو ما ألفه المعتزلة على اختلاف فرقهم والمشبهة على اختلاف فرقهم من كرامية وغيرها فإنهم قد افترقوا الى عدة فرق بينها من ألفوا في بيان الفرق كالإمام أبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي.

    ومن أشهر ما ألف في هذا العلم هذه العقيدة المشهورة بالعقيدة الطحاوية التي مؤلفها من السلف، وقد نص على أن ما يذكره في هذه العقيدة هو ما عليه أهل السنة يعني الصحابة ومن بعدهم إلى عصره عامةً، وخص ذكر الإمام أبي حنيفة وصاحبيه القاضي أبي يوسف ومحمد ابن الحسن بتسميتهم بأسمائهم.

    ***

    ملحق ببيان أهل السنة والجماعة

    أ‌- [ذكر بعض مشاهير الأشاعرة]

    [كالسلطان صلاح الدين الأيوبي محرر الأقصى من الصليبيين والسلطان محمد العثماني فاتح القسطنطينية والذي مدحه النبي بقوله: [لتفتحن القسطنطينية فنعم الأمير أميرها ونعم الجيش ذلك الجيش]

    كالنووي وابن حجر من أكابر أهل السنّة، وقد كان سيدنا محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية وقال فيه الرسول معجزة له عليه السلام: "لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش" أشعريًا ماتريديا رضي الله عنه وأرضاه هو وسائر السلاطين العثمانيين.

    فلذلك نحن مع القشيري حيث قال:

    شيئان من يعذلني فيهما فهو على التحقيق مني بري

    حب أبي بكر إمام الهدى ثم اعتقادي مذهب الأشعري

    شهادات العلماء بالأشعري وبدأ رحمه الله رحلته في تأييد الشريعة وتفنيد مزاعم أهل الشبه بتآليف تدحض شبههم حتى قال الفقيه أبو بكر الصيرفي: كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى نشأ الأشعري فحجزهم في أقماع السماسم، وقال السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: واعلم أن أبا الحسن الأشعري لم ينشىء مذهبًا إنما هو مقرر لمذاهب السلف مناضل عما كانت عليه صحابة رسول الله فالانتساب اليه إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقًا وتمسك به وأقام الحجج والبراهين عليه فصار المقتدي به في ذلك السالك سبيله في الدلائل يسمّى أشعريًا ا.هــ.

    وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: "واعتقاد الأشعري رحمه الله مشتمل على ما دلت عليه أسماء الله التسعة والتسعون" ويقول رضي الله عنه في ءاخر عقيدته "فهذا جملة من اعتقاد الأشعري رحمه الله تعالى واعتقاد السلف وأهل الطريقة والحقيقة" ويقول تاج الدين عبد الوهاب السبكي أيضًا: وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة في العقائد يد واحدة كلهم على رأي أهل السنة والجماعة يدينون لله تعالى بطريق شيخ السنّة أبي الحسن الأشعري رحمه الله. ثم يقول: وبالجملة عقيدة الأشعري هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة. ويقول الشيخ محمد العربي التبّان شيخ المالكية في الحرم المكي: فحول المحدثين من بعد أبي الحسن إلى عصرنا هذا أشاعرة وكتب التاريخ والطبقات ناطقة بذلك.

    وأما من استفاد من علم الأشعري وكتبه فكثير وهو أكثر من أن نحصيه في مقال ولكن في ما ذكرنا غيض من فيض وقد كفانا البيهقي المؤنة رحمه الله حين قال بعد ثناء عليه: "إلى أن بلغت النوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري فلم يحدث في دين الله حدثًا ولم يأت في ببدعة، بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصرها بزيادة شرح وتبيين" ا.هــ

    مؤلفات الأشعري: وأما مؤلفات الأشعري رحمه الله فكثيرة قيل إنها بلغت ما يقارب الخمسين وعلى مذهبه في الاعتقاد مئات الملايين من المسلمين في الشرق والغرب تدريسًا وتعليمًا ويكفي في حقية مذهبه كون هؤلاء الأكابر من العلماء الحفاظ على مذهبه كأبي بكر الإسماعيلي والبيهقي وابن عساكر الدمشقي وكذلك العسقلاني أبو الفضل، وأبو الحسن الباهلي وأبو اسحق الاسفراييني والحافظ أبو نعيم الأصبهاني والإمام السيد أحمد الرفاعي والقاضي عياض والإمام النووي والإمام فخر الدين الرازي وابن دقيق العيد والحافظ مرتضى الزبيدي والشيخ زكريا الأنصاري ومفتي مصر الشيخ محمد عليش المالكي وشيخ الجامع الأزهر عبد الله الشرقاوي وغيرهم من ائمة الدين كثير لا يحصيهم إلا الله سبحانه.

    أحبابنا القراء لم أرد بما ذكرت إحصاء الأشاعرة أو حصر فضائل الأشعري فمن ذا الذي يحصي عدد رمال الصحراء ولكن أردت أن أتوقف متذكرين ومذكرين ببعض من الماضي الذي نحتاجه في حاضرنا.

    هذا وقد قدمنا في تضاعيف الكلام ما يدلّ على ذلك، وحكينا لكم مقالة الشيخ ابن عبدالسلام، ومن سبقه إلى مثلها، وتلاه على قولها، حيث ذكروا أن الشافعية، والمالكية، والحنفية، وفضلاء الحنابلة أشعريون. هذه عبارة ابن عبد السلام، شيخ الشافعية. وابن الحاجب شيخ المالكية، والحصيري شيخ الحنفية، ومن كلام ابن عساكر حافظ هذه الأمة الثقة الثبت: "هل من الفقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، إلا موافق الأشعري، ومنتسب إليه، وراضٍ بحميد سعيه في دين الله و مثن بكثرة العلم عليه، غير شرذمة قليلة تضمر التشبيه وتعادي كل موحد يعتقد التنزيه، أو تضاهي قول المعتزلة في ذمّه، وتباهى بإظهار جهرها بقدرة سعة علمه".

    وقال أيضًا: "أنا أعلم أن المالكية كلهم أشاعرة لا أستثني أحدًا، والشافعية غالبهم أشاعرة. لا أستثني إلا ممن لحق بهم منهم بتجسيم أو اعتزال، ممن لا يعبأ الله به، والحنفية أكثرهم أشاعرة، أعني يعتقدون عقد الأشعري، لا يخرج منهم إلا من لحق منهم بالمعتزلة، والحنابلة أكثر فضلاء متقدميهم أشاعرة، لم يخرج منهم من عقيدة الأشعري إلا من لحق بأهل التجسيم، وهم في هذه الفرقة من الحنابلة أكثر من غيرهم" ا.هــ.

    ***

    ب‌- [شرح حديث البخاري ومسلم]:

    ["الايمان يمانٍ والحكمة يمانية، أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوبًا"، وشرح حديث: "يقدم قوم هم أرق أفئدة منكم"، وشرح البيهقي لحديث الرسول لما قال: "هم قوم هذا"، وربَّت على ظهر أبي موسى الأشعري جد الإمام أبي الحسن الأشعري، بعد نزول الآية: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه}]

    قال تاج الدين السبكي في طبقاته (3/36): "ذكر دليل استنبطه علماؤنا من الحديث الصحيح دال على أن أبا الحسن وفئته على السنّة وأن سبيلهم سبيل الجنة".

    زعم طوائف من أئمتنا أن سيدنا ومولانا وحبيبنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم بشّر بالشيخ أبي الحسن، وأشار إلى ما هو عليه في حديث الأشعريين، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "الايمان يمانٍ والحكمة يمانية، أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوبًا". أخرجه البخاري ومسلم .

    وفي حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يقدم قوم هم أرق أفئدة منكم" فقدم الأشعريون، فيهم أبو موسى ... الحديث.

    وفي حديث لما نزلت: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هم قوم هذا" وضرب بيده على ظهر أبي موسى الأشعري.

    وقد استوعب الحافظ في كتاب "التبيين" الأحاديث الواردة في هذا الباب وهذا ملخصها:

    قال علماؤنا: بشّر صلى الله عليه وسلم بأبي الحسن فيها إشارةً وتلويحًا، كما بشر بأبي عبدالله الشافعي رضي الله عنه في حديث: "عالم قريش يملأ طباق الأرض علمًا" وبمالك رضي الله عنه، ففي حديث: "يوشك أن يضرب الناس ءاباط الإبل فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة".

    وممن وافق على هذا التأويل وأخذ به من حفاظ المحدثين وأئمتهم الحافظ الجليل أبو بكر البيهقي، فيما أخبرنا به يحيى بن فضل الله العمري، في كتابه، عن مكي بن علان، أخبرنا الحافظ أبو القاسم الدمشقي، أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الحافظ، قال: أما بعد، فإن بعض أئمة الأشعريين رضي الله عنهم ذاكرني بمتن الحديث الذي أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا ابراهيم ابن مرزوق، حدثنا وهب بن جرير، وأبو عامر العقدي، قالا: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن عياض الأشعري قال: لما نزلت: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} أومأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى، فقال: "هم قوم هذا".

    قال البيهقي: وذلك لما وجد من الفضيلة الجليلة، والمرتبة الشريفة (في هذا الحديث) للإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه، فهو من قوم أبي موسى وأولاده، الذين أوتوا العلم، ورزقوا الفهم، مخصوصا من بينهم بتقوية السنة وقمع البدعة، بإظهار الحجَّة وردّ الشبهة، والأشبه أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل قوم أبي موسى من قومٍ يحبهم الله ويحبونه لما علم من صحة دينهم، وعرف من قوة يقينهم، فمن نحا في علم الأصول نحوهم، وتبع في نفي التشبيه مع ملازمة الكتاب والسنة قولهم جعل من جملتهم. هذا كلام البيهقي.

    ونحن نقول ولا نقطع على رسول الله صلى الله عليه وسلم: يشبه أن يكون نبي الله صلى الله عليه وسلم إنما ضرب على ظهر أبي موسى رضي الله عنه في الحديث الذي قدمناه، للإشارة والبشارة بما يخرج من ذلك الظهر في تاسع باطن، وهو الشيخ أبو الحسن، فقد كانت للنبي صلىالله عليه وسلم إشارات لا يفهمها إلا الموفقون المؤيدون بنور من الله، الراسخون في العلم ذوو البصائر المشرقة، {ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور} .

    ثم قال "ذكر بيان أن طريقة الشيخ التي عليها المعتبرون من علماء الإسلام، والمتميّزون من المذاهب الأربعة، في معرفة الحلال والحرام، والقائمون بنصرة دين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام".

    ***

    ج- [بعض مآثر الماتريدي ومؤلفاته]

    مولده: ولد في بيت من البيوت التي شغفت بالعلوم الدينية، فنشأ وتعلم علوم الدين منذ صغره، ولم يتقاعس لحظة في الدعوة إلى مذهب أهل السنة والدفاع عنه والتمسك به، ولم يفتر عزمه عن الاشتغال بعلم الكلام والتأليف فيه ونصب الأدلة والحجج والبراهين.

    مشايخه: إن المراجع لم تذكر إلا القليل من مشايخه الذين تلقى علومه عنهم إلا أنهم جميعًا يصل سندهم في العلم إلى الإمام الجليل أبي حنيفة النعمان، وقد ذكر صاحب "الجواهر المضيئة" أن الماتريدي تخرج بأبي نصر أحمد بن العباسي بن الحسين العياضي، وتفقه على أبي بكر أحمد الجوزجاني ونصير بن يحيى البلخي، ومحمد بن مقاتل الرازي.

    أما أبو نصر العياضي وأبو بكر الجوزجاني فقد تفقها على الإمام أبي سليمان موسى ابن سليمان الجوزجاني، وهذا الأخير تفقه على صاحبي أبي حنيفة: أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسين الشيباني اللذين تفقها على أبي حنيفة. وأما نصير البلخي ومحمد بن مقاتل الرازي فقد تفقها على الإمامين أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، وأبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي اللذين تفقها على الإمام أبي حنيفة كذلك.

    علوم الماتريدي: وأما علومه فقد دارت حول تأويل القرءان الكريم وأصول الفقه وعلم الكلام وما يتعلق به، وقد درس العلوم العقلية، كما درس العلوم النقلية درسًا متقنًا عميقًا، ووقف على دقائقها حتى صار إمامًا مبرز في الفقه والتأويل وعلم الكلام.

    وبعد أن نال القسط الوفير من الثقافة والعلم انصرف الى التدريس والتثقيف، فصنف وألف وكرّس حياته لحماية الإسلام ونصرة عقيدة أهل السنة والجماعة حتى وصفه العلماء بأنه كان إمامًا جليلاً، مناضلاً عن الدين، موطد لعقائد أهل السنة، قطع المعتزلة وذوى البدع في مناظرتهم، وخصمهم في محاوراتهم إلى أن أسكتهم.

    مؤلفاته: كان للإمام أبي منصور الماتريدي العديد من المؤلفات، ومنها ما كان في علم الكلام والعقيدة، ومنها ما كان في أصول الفقه ومنها ما كان في تأويل القرءان.

    أما في علم الكلام فله عدة مصنفات منها كتاب "التوحيد"، وكتاب "المقالات"، وكتاب "الرد على القرامطة"، و "بيان وهم المعتزلة"، و"رد الأصول الخمسة لأبي محمد الباهلي" و"أوائل الأدلة للكعبي"، و"رد كتاب وعيد الفساق للكعبي"، و"رد تهذيب لجدل للكعبي" وغيرها.

    وأما في علم أصول الفقه فقد ذكرت كتب الطبقات وكتاب "كشف الظنون" كتابين في أصول الفقه هما: كتاب "الجدل"، وكتاب "مأخذ الشرائع في أصول الفقه" وجاء في "بدائع الصنائع" في أثناء استنباط أوقات الصلوات الخمس من قوله تعالى:

    {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيًا وحين تظهرون} (سورة الروم) قال الشيخ أبو منصور الماتريدي السمرقندي إنهم فهموا من هذه الآية فرضية الصلوات الخمس، ولو كانت أفهامهم مثل أفهام أهل زماننا لما فهموا منها سوى التسبيح المذكور.

    وأما مؤلفات الإمام الماتريدي في تأويل القرءان فمنها كتاب "تأويلات أهل السنة"، وقد ذكره بهذا العنوان صاحب "كشف الظنون" ولكن نسخة "كوبريلي" عنونت بــ "تاويلات الماتريدي في التفسير"، وأما أصحاب الطبقات فقد ذكروه باسم "تأويلات القرءان" وهذا الاسم تحمله النسخ الأخرى الموجودة في تركيا والهند وألمانيا والمدينة المنورة ودمشق والمتحف البريطاني وطشقند. ولعل الكتاب كان يحمل الإسمين في مبتدأ الأمر فاختصره المؤرخون وأصحاب الطبقات على ذلك.

    وقد وصف الإمام عبد القادر القرشي المتوفى سنة 775هــ هذا الكتاب بقوله: "هو كتاب لا يوازيه فيه كتاب بل لا يدانيه شىء من تصانيف من سبقه في ذلك الفن".

    وجاء في نسخة مكتبة "خدابخش" في الصحيفة الولى إسناد كتاب "تأويلات القرءان" إلى الماتريدي، وجاء فيما يليه مقدمة عن مؤلفات هذا الكتاب وعن تعريف التفسير والتأويل، وجاء في مقدمة الكتاب أيضًا ما نصه: "قال الشيخ الإمام الزاهد علم الدين شمس العصر، رئيس أهل السنة والجماعة أبو بكر محمد بن أحمد السمرقندي رحمه الله تعالى: إن كتاب التاويلات المنسوب إلى الشيخ الإمام أبي منصور الماتريدي رحمه الله كتاب جليل القدر، عظيم الفائدة في بيان مذهب أهل السنة والجماعة في أصول التوحيد، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله في أصول الفقه وفروعه على موافقة القرءان". ا.هــ.

    وذكر صاحب "كشف الظنون" كتاب "تأويلات القرءان" تحت عنوان "تأويلات الماتريدية في بيان أصول أهل السنة وأصول التوحيد"، وصرح بأنه ثمانية مجلدات وأن الشيخ علاء الدين بن محمد بن أحمد هو الذي جمعه.

    وجاء في "تأويلات القرءان" في تفسير قوله تعالى: {قل رب أرني أنظر إليك قال لن تراني} قوله: "والقول بها -يعني رؤية الرب- لازم عندنا في الآخرة، وحق من غير إدارك ولا تفسير"، ا.هــ أي من غير تشبيه ولا كيفية.

    ومن تصانيف الإمام أبي منصور الماتريدي كتاب "شرح الفقه الأكبر"، وهو كتاب يعرف محتواه من عنوانه، فقد تناول كتاب "الفقه الأكبر" لأبي حنيفة بالشرح والإيضاح والتفسير.

    وفاته: ذكر صاحب كتاب "كشف الظنون" أن الإمام الماتريدي توفي سنة 332هــ، غير أنه عاد بعد ذلك في مواطن أخرى فاتفق مع جمهرة المؤرخين على أن وفاته كانت سنة 333هــ. وذكر عبدالله القرشي في "الفوائد البهية" بأنه توفي سنة 333هــ، وأن قبره بسمرقند.

    وهكذا يتبين لنا من خلال استعراضنا لحياة الإمام أبي منصور الماتريدي كيف اولى هذا العالم وأمثاله علم الكلام الذي يتعلق ببيان صفات الله وتنزيهه عن صفات النقصان الرعاية والاهتمام مما يثبت من جديد أن هذا العلم هو أشرف العلوم وأعظمها على الإطلاق.

    قول أهل السنة والجماعة في الآيات المتشابهة: "نقول في الصفات المشكلة إنها حق وصدق على المعنى الذي أراده الله ومن تأولها نظرنا فإن كان تأويله قريبًا على مقتضى لسان العرب لم ننكر عليه، وإن كان بعيدًا توقفنا عنه ورجعنا الى التصديق مع التنزيه" نقله الحافظ في الفتح (/ 18313).

    وهذا هو عين مذهب جماهير الأمة من أهل السنة والجماعة أي (مذهب الأشاعرة والماتريدية) ومما نحب أن نلفت نظر القارىء الكريم إليه مما حصل فيه اللبس والخلط عند من ينتحل السلفية أن هؤلاء يثبتون الكيفية لله تعالى ويزيدون بقولهم: له كيف لا ندركه، وأن الكيف مجهول لدينا فقط لكن للصفة كيفًا!!!.

    وقد غايروا بمقولتهم الفاسدة المذهب الصحيح الثابت عن أهل السنة والجماعة روى الذهبي بإسناده في مختصر العلو عن الوليد قال: سألت الأوزاعي والليث بن سعد ومالكًا والثوري عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك فقالوا: امضها بلا كيف (مختصر العلو ص 143).

    *****

    انتهى بعون الله كتابة التعريف الموجز باهل السنة والجماعة

    كتبه الوردي
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-11-04
  5. هراب

    هراب عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-07-27
    المشاركات:
    1,813
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: أهل السنة والجماعة

    اخي وعزيزي الفاضل
    ماورت انته من دلايل في عقيده اهل السنه والجماعه غير صحيحه
    وطعنك في في الوهابيه الامام محمد بن عبد الوهاب ليس مذهب انما مجدد لاهل السنه والجماعه وطعنك في شيخ الاسلام بن تيميه رحمة الله فيدل على ذلك انك ليس من اهل السنه قد تكون من اهل البدع والظلال وكل مانقلت في هذا الباب من رجال غير ثقات
    والاجواب سوف اكتبه لك بعد العيد
    في اصول عقيدت اهل السنه والجماعه
    باالتفصيل
    تحياتي
    هــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــراب
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-11-04
  7. بن مطهر

    بن مطهر عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-23
    المشاركات:
    565
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: أهل السنة والجماعة

    اخي هراب كل عام وانت بخير وفي انتظار ردودك الجميل حول عقيدت اهل السنه والجماعه وليس كم ذكر هذاالقادري المتصوف والله يعينك على الردود

    تحياتي
    بن مـــــــــــــــــــــــــــــــطهر
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-11-06
  9. هراب

    هراب عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-07-27
    المشاركات:
    1,813
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: أهل السنة والجماعة

    دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب وسيرتــه رحمة الله عليــــــــــه

    للشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله-(*)




    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وخيرته من خلقه سيدنا وإمامنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه.
    أما بعد: فيا أيها الإخوان الفضلاء، أيها الأبناء الأعزاء. هذه المحاضرة الموجزة أتقدم بها بين أيديكم تنويرا للأفكار، وإيضاحاً للحقائق، ونصحاً لله ولعباده وأداء لبعض ما يجب علي من الحق نحو المحاضر عنه، وهذه المحاضرة عنوانها: الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب دعوته وسيرته.
    لما كان الحديث عن المصلحين، والدعاة والمجددين، والتذكير بأحوالهم وخصالهم الحميدة، وأعمالهم المجيدة، وشرح سيرتهم التي دلت على إخلاصهم، وعلى صدقهم في دعوتهم وإصلاحهم، وأعمالهم وسيرتهم مما تشتاق إليه النفوس الطيبة، وترتاح له القلوب، ويود سماعه كل غيور على الدين، وكل راغب في الإصلاح، والدعوة إلى سبيل الحق رأيت أن أتحدث إليكم عن رجل عظيم ومصلح كبير وداعية غيور، ألا وهو الشيخ الإمام المجدد للإسلام في الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر من الهجرة النبوية.
    هو: الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي الحنبلي النجدي، لقد عرف الناس هذا الإمام ولا سيما علماؤهم ورؤساؤهم وكبراؤهم وأعيانهم في الجزيرة العربية وفي خارجها، ولقد كتب الناس عنه كتابات كثيرة ما بين موجز ومطول، ولقد أفرده كثير من الناس بكتابات حتى المستشرقين كتبوا عنه كتابات كثيرة، وكتب عنه آخرون في أثناء كتاباتهم عن المصلحين وفي أثناء كتاباتهم في التاريخ، وصفه المنصفون منهم بأنه مصلح عظيم، وبأنه مجدد للإسلام، وبأنه على هدى ونور من ربه، وتعدادهم يشق كثيراً، من جملتهم المؤلف الكبير أبو بكر الشيخ حسين بن غنام الأحسائي، فقد كتب عن هذا الشيخ فأجاد وأفاد وذكر دعوته، وذكر سيرته وذكر غزواته، وأطنب في ذلك وكتب كثيراً من رسائله واستنباطاته من كتاب الله - عز وجل-، ومنهم الشيخ الإمام عثمان بن بشر في كتابه (عنوان المجد)، فقد كتب عن هذا الشيخ، وعن دعوته، وعن سيرته، وعن تاريخ حياته، وعن غزواته وجهاده، ومنهم خارج الجزيرة الدكتور أحمد أمين في كتابه (زعماء الإصلاح)، فقد كتب عنه وأنصفه، ومنهم الشيخ الكبير مسعود عالم الندوي، فقد كتب عنه، وسماه المصلح المظلوم، وكتب عن سيرته وأجاد في ذلك، وكتب عنه أيضاً آخرون، منهم الشيخ الكبير الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني، فقد كان في زمانه وقد كان على دعوته، فلما بلغه دعوة الشيخ سر بها وحمد الله عليها.
    وكذلك كتب عنه العلامة الكبير الشيخ محمد بن علي الشوكاني صاحب (نيل الأوطار) ورثاه بمرثية عظيمة، وكتب عنه جمع غفير غير هؤلاء يعرفهم القراء والعلماء، ولأجل كون كثير من الناس قد يخفى عليه حال هذا الإمام وسيرته ودعوته رأيت أن أساهم في بيان حاله وما كان عليه من سيرة حسنة، ودعوة صالحة، وجهاد صادق، وأن أشرح قليلاً مما أعرفه عن هذا الإمام حتى يتبصر في أمره من كان عنده شيء من لبس، أو شيء من شك في حاله ودعوته، وما كان عليه.
    ولد هذا الإمام في عام ( 1115 ) هجرية هذا هو المشهور في مولده - رحمة الله عليه-، وقيل: في عام ( 1111 ) هجرية، والمعروف الأول أنه ولد في عام (1115) هجرية - على صاحبها أفضل الصلاة وأكمل التحية-.
    وتعلم على أبيه في بلدة العيينة (وهذه البلدة هي مسقط رأسه - رحمة الله عليه-، وهي قرية معلومة في اليمامة في نجد شمال غرب مدينة الرياض بينها وبين الرياض مسيرة سبعين كيلو متراً تقريباً أو ما يقارب ذلك من جهة الغرب) ولد فيها -رحمة الله عليه - ونشأ نشأةً صالحة، وقرأ القرآن مبكراً.
    واجتهد في الدراسة والتفقه على أبيه الشيخ عبد الوهاب بن سليمان (وكان فقيهاً كبيراً وعالماً قديراً، (وكان قاضيا في بلدة العيينة)، ثم بعد بلوغ الحلم حج وقصد بيت الله الحرام، وأخذ عن بعض علماء الحرم الشريف.
    ثم توجه إلى المدينة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام-، فاجتمع بعلمائها، وأقام فيها مدة، وأخذ من عالمين كبيرين مشهورين في المدينة ذلك الوقت، وهما: الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي، أصله من المجمعة، وهو والد الشيخ إبراهيم بن عبد الله صاحب (العذب الفائض في علم الفرائض)، وأخذ أيضاً عن الشيخ الكبير محمد حياة السندي بالمدينة، هذان العالمان ممن اشتهر أخذ الشيخ عنهما بالمدينة، ولعله أخذ عن غيرهما ممن لا نعرف.
    ورحل الشيخ لطلب العلم إلى العراق فقصد البصرة واجتمع بعلمائها، وأخذ عنهم ما شاء الله من العلم، وأظهر الدعوة هناك إلى توحيد الله ودعا الناس إلى السنة، وأظهر للناس أن الواجب على جميع المسلمين أن يأخذوا دينهم عن كتاب الله وسنة رسول الله - عليه الصلاة والسلام-، وناقش وذاكر في ذلك، وناظر هنالك من العلماء، واشتهر من مشايخه هناك شخص يقال له: الشيخ محمد المجموعي، وقد ثار عليه بعض علماء السوء بالبصرة وحصل عليه وعلى شيخه المذكور بعض الأذى، فخرج من أجل ذلك، وكان من نيته أن يقصد الشام فلم يقدر على ذلك؛ لعدم وجود النفقة الكافية، فخرج من البصرة إلى الزبير وتوجه من الزبير إلى الأحساء واجتمع بعلمائها وذاكرهم في أشياء من أصول الدين، ثم توجه إلى بلاد حريملاء، وذلك والله أعلم في العقد الخامس من القرن الثاني عشر؛ لأن أباه كان قاضياً في العيينة، وصار بينه وبين أميرها نزاع فانتقل عنها إلى حريملاء سنة 1139 هجرية فقدم الشيخ محمد على أبيه في حريملاء بعد انتقاله إليها سنة 1139 هجرية، فيكون قدومه حريملاء في عام 1140 هـ أو بعدها، واستقر هناك ولم يزل مشتغلاً بالعلم والتعليم والدعوة في حريملاء حتى مات والده في عام 1153 هجرية فحصل من بعض أهل حريملاء شر عليه، وهم بعض السفلة بها أن يفتك به.
    وقيل: إن بعضهم تسور عليه الجدار فعلم بهم بعض الناس فهربوا، وبعد ذلك ارتحل الشيخ إلى العيينة - رحمة الله عليه - وأسباب غضب هؤلاء السفلة عليه أنه كان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وكان يحث الأمراء على تعزير المجرمين الذين يعتدون على الناس بالسلب والنهب والإيذاء، ومن جملتهم هؤلاء السفلة الذين يقال لهم: العبيد هناك، ولما عرفوا من الشيخ أنه ضدهم وأنه لا يرضى بأفعالهم، وأنه يحرض الأمراء على عقوباتهم، والحد من شرهم غضبوا وهموا أن يفتكوا به، فصانه الله وحماه، ثم انتقل إلى بلدة العيينة وأميرها إذ ذاك عثمان بن محمد بن معمر، فنزل عليه ورحب به الأمير، وقال: قم بالدعوة إلى الله ونحن معك وناصروك وأظهر له الخير، والمحبة والموافقة على ما هو عليه، فاشتغل الشيخ بالتعليم والإرشاد والدعوة إلى الله - عز وجل-، وتوجيه الناس إلى الخير، والمحبة في الله، رجالهم ونسائهم، واشتهر أمره في العيينة وعظم صيته وجاء إليها الناس من القرى المجاورة.
    وفي يوم من الأيام قال الشيخ للأمير عثمان: دعنا نهدم قبة زيد بن الخطاب - رضي الله عنه - فإنها أسست على غير هدى، وأن الله - جل وعلا - لا يرضى بهذا العمل، والرسول - صلى الله عليه وسلم - نهى عن البناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها، وهذه القبة فتنت الناس وغيرت العقائد، وحصل بها الشرك فيجب هدمها، فقال الأمير عثمان: لا مانع من ذلك، فقال الشيخ: إني أخشى أن يثور لها أهل الجبيلة، والجبيلة قرية هناك قريبة من القبر، فخرج عثمان ومعه جيش يبلغ 600 مقاتل لهدم القبة، ومعهم الشيخ - رحمة الله عليه - فلما قربوا من القبة خرج أهل الجبيلة لما سمعوا بذلك لينصروها ويحموها.
    فلما رأوا الأمير عثمان ومن معه كفوا ورجعوا عن ذلك، فباشر الشيخ هدمها لإزالتها فأزالها الله - عز وجل - على يديه - رحمة الله عليه-.
    ولنذكر نبذة عن حال نجد قبل قيام الشيخ - رحمة الله عليه - وعن أسباب قيامه ودعوته:
    كان أهل نجد قبل دعوة الشيخ على حالة لا يرضاها مؤمن، وكان الشرك الأكبر قد نشأ في نجد وانتشر حتى عبدت القباب وعبدت الأشجار، والأحجار، وعبدت الغيران، وعبد من يدعي بالولاية، وهو من المعتوهين، وعبد من دون الله أناس يدعون بالولاية، وهم مجانين مجاذيب لا عقول عندهم، واشتهر في نجد السحرة والكهنة، وسؤالهم وتصديقهم وليس هناك منكر إلا من شاء الله، وغلب على الناس الإقبال على الدنيا وشهواتها، وقل القائم لله والناصر لدينه وهكذا في الحرمين الشريفين وفي اليمن اشتهر في ذلك الشرك وبناء القباب على القبور، ودعاء الأولياء والاستغاثة بهم، وفي اليمن من ذلك الشيء الكثير، وفي بلدان نجد من ذلك ما لا يحصى، ما بين قبر وما بين غار، وبين شجرة وبين مجذوب ومجنون يدعى من دون الله ويستغاث به مع الله، وكذلك مما عرف في نجد واشتهر دعاء الجن والاستغاثة بهم وذبح الذبائح لهم وجعلها في الزوايا من البيوت رجاء نجدتهم، وخوف شرهم، فلما رأى الشيخ الإمام هذا الشرك وظهوره في الناس وعدم وجود منكر لذلك وقائم بالدعوة إلى الله في ذلك شمر عن ساعد الجد وصبر على الدعوة وعرف أنه لا بد من جهاد، وصبر، وتحمل للأذى. فجد في التعليم
    والتوجيه والإرشاد وهو في العيينة، وفي مكاتبة العلماء في ذلك والمذاكرة معهم رجاء أن يقوموا معه في نصرة دين الله، والمجاهدة في هذا الشرك وهذه الخرافات، فأجاب دعوته كثيرون من علماء نجد وعلماء الحرمين، وعلماء اليمن، وغيرهم وكتبوا إليه بالموافقة، وخالف آخرون وعابوا ما دعا إليه وذموه ونفروا عنه وهم بين أمرين، ما بين جاهل خرافي لا يعرف دين الله ولا يعرف توحيد الله، وإنما يعرف ما هو عليه وآباؤه وأجداده من الجهل والضلال والشرك والبدع والخرافات كما قال الله - جل وعلا - عن أمثال أولئك: "إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ" (الزخرف: من الآية23).
    وطائفة أخرى ممن ينسبون إلى العلم ردوا عليه عناداً وحسداً لئلا يقوم العامة: ما بالكم لم تنكروا علينا هذا الشيء؟! لماذا جاء ابن عبد الوهاب وصار على الحق وأنتم علماء ولم تنكروا هذا الباطل؟! فحسدوه وخجلوا من العامة، وأظهروا العناد للحق إيثاراً للعاجل على الآجل، واقتداء باليهود في إيثارهم الدنيا على الآخرة - نسأل الله العافية والسلامة-.
    أما الشيخ فقد صبر وجد في الدعوة وشجعه من شجعه من العلماء والأعيان في داخل الجزيرة، وفي خارجها، وعزم على ذلك، واستعان بربه - عز وجل-، وعكف على الكتب النافعة ودرسها، وعكف قبل ذلك على كتاب الله، وكانت له اليد الطولى في تفسير كتاب الله، والاستنباط منه، وعكف على سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسيرة أصحابه، وجد في ذلك وتبصر فيه حتى أدرك من ذلك ما أعانه الله به وثبته على الحق فشمر عن ساعد الجد، وصمم على الدعوة وعلى أن ينشرها بين الناس ويكاتب الأمراء والعلماء في ذلك وليكن في ذلك ما يكون، فحقق الله له الآمال الطيبة، ونشر به الدعوة، وأيد به الحق، وهيأ الله له أنصاراً ومساعدين وأعواناً حتى ظهر دين الله وعلت كلمة الله، فاستمر الشيخ في الدعوة في العيينة بالتعليم والإرشاد، ثم شمر عن ساعد الجد إلى العمل وإزالة الشرك بالفعل لما رأى الدعوة لم تؤثر في بعض الناس فباشر الدعوة عملياً ليزيل بيده ما تيسر وما أمكن من آثار الشرك.
    فقال الشيخ للأمير عثمان بن معمر: لا بد من هدم هذه القبة على قبر زيد - وزيد بن الخطاب - رضي الله عنه - هو أخو عمر بن الخطاب أمير المؤمنين - رضي الله تعالى عن الجميع-، وكان من جملة الشهداء في قتال مسيلمة الكذاب في عام 12 من الهجرة النبوية، فكان ممن قتل هناك وبني على قبره قبة فيما يذكرون، وقد يكون قبر غيره، لكنه فيما يذكرون أنه قبره - فوافقه عثمان - كما تقدم - وهدمت القبة - بحمد الله - وزال أثرها إلى اليوم - ولله الحمد والمنة - أماتها - جل وعلا - لما هدمت عن نية صالحة، وقصد مستقيم ونصر للحق، وهناك قبور أخرى منها قبر يقال:
    إنه قبر ضرار بن الأوزر كانت عليه قبة هدمت أيضاً، وهناك مشاهد أخرى أزالها الله - عز وجل-، وكانت هناك غيران وأشجار تعبد من دون الله - جل وعلا - فأزيلت وقضي عليها وحذر الناس عنها.
    والمقصود أن الشيخ استمر - رحمة الله عليه - على الدعوة قولاً وعملاً - كما تقدم - ثم إن الشيخ أتته امرأة واعترفت عنده بالزنا عدة مرات، وسأل عن عقلها، فقيل: إنها عاقلة ولا بأس بها، فلما صممت على الاعتراف، ولم ترجع عن اعترافها، ولم تدع إكراهاً ولا شبهة وكانت محصنة، أمر الشيخ - رحمة الله عليه - بأن ترجم فرجمت بأمره حالة كونه قاضياً بالعيينة، فاشتهر أمره بعد ذلك بهدم القبة وبرجم المرأة وبالدعوة العظيمة إلى الله وهجرة المهاجرين إلى العيينة، وبلغ أمير الأحساء وتوابعها من بني خالد سليمان بن عريعر الخالدي أمر الشيخ، وأنه يدعو إلى الله، وأنه يهدم القباب، وأنه يقيم الحدود فعظم على هذا البدوي أمر الشيخ؛ لأن من عادة البادية إلا من هدى الله، الإقدام على الظلم، وسفك الدماء، ونهب الأموال، وانتهاك الحرمات، فخاف أن هذا الشيخ يعظم أمره ويزيل سلطان الأمير البدوي، فكتب إلى عثمان يتوعده ويأمره أن يقتل هذا المطوع الذي عنده في العيينة، وقال: إن المطوع الذي عندكم بلغنا عنه كذا، وكذا!! فإما أن تقتله، وإما أن نقطع عنك خراجك الذي عندنا!! وكان عنده للأمير عثمان خراج من الذهب، فعظم على عثمان أمر هذا الأمير، وخاف إن عصاه أن يقطع عنه خراجه أو يحاربه، فقال للشيخ: إن هذا الأمير كتب إلينا كذا وكذا، وأنه لا يحسن منا أن نقتلك وإنا نخاف هذا الأمير ولا نستطيع محاربته، فإذا رأيت أن تخرج عنا فعلت، فقال له الشيخ: إن الذي أدعو إليه هو دين الله وتحقيق كلمة لا إله إلا الله، وتحقيق شهادة أن محمداً رسول الله، فمن تمسك بهذا الدين ونصره وصدق في ذلك نصره الله وأيده وولاه على بلاد أعدائه، فإن صبرت واستقمت وقبلت هذا الخبر فأبشر فسينصرك الله ويحميك من هذا البدوي وغيره، وسوف يوليك الله بلاده وعشيرته، فقال: أيها الشيخ إنا لا نستطيع محاربته، ولا صبر لنا على مخالفته، فخرج الشيخ عند ذلك وتحول من العيينة إلى بلاد الدرعية، جاء إليها ماشياً فيما ذكروا حتى وصل إليها في آخر النهار، وقد خرج من العيينة في أول النهار ماشياً على الأقدام لم يرحله عثمان، فدخل على شخص من خيارها في أعلى البلد يقال له: محمد بن سويلم العريني فنزل عليه، ويقال: إن هذا الرجل خاف من نزوله عليه وضاقت به الأرض بما رحبت، وخاف من أمير الدرعية محمد بن سعود فطمأنه الشيخ، وقال له: أبشر بخير، وهذا الذي أدعو الناس إليه دين الله، وسوف يظهره الله، فبلغ محمد بن سعود خبر الشيخ محمد، ويقال:
    إن الذي أخبره به زوجته جاء إليها بعض الصالحين، وقال لها: أخبري محمداً بهذا الرجل، وشجعيه على قبول دعوته وحرضيه على مؤازرته ومساعدته وكانت امرأة صالحة طيبة، فلما دخل عليها محمد ابن سعود أمير الدرعية وملحقاتها، قالت له: أبشر بهذه الغنيمة العظيمة! هذه غنيمة ساقها الله إليك، رجل داعية يدعو إلى دين الله، ويدعو إلى كتاب الله، يدعو إلى سنة رسول الله - عليه الصلاة والسلام - يا لها من غنيمة! بادر بقبوله وبادر بنصرته، ولا تقف في ذلك أبداً، فقبل الأمير مشورتها، ثم تردد هل يذهب إليه أو يدعوه إليه؟! فأشير عليه، ويقال: إن المرأة أيضاً هي التي أشارت عليه مع جماعة من الصالحين، وقالوا له: لا ينبغي أن تدعوه إليك، بل ينبغي أن تقصده في منزله، وأن تقصده أنت وأن تعظم العلم والداعي إلى الخير، فأجاب إلى ذلك لما كتب الله له من السعادة والخير - رحمة الله عليه وأكرم الله مثواه-، فذهب إلى الشيخ في بيت محمد بن سويلم، وقصده وسلم عليه وتحدث معه، وقال له: يا شيخ محمد أبشر بالنصرة، وأبشر بالأمن، وأبشر بالمساعدة، فقال له الشيخ: وأنت أبشر بالنصرة أيضاً والتمكين والعاقبة الحميدة، هذا دين الله من نصره نصره الله، ومن أيده أيده الله وسوف تجد آثار ذلك سريعاً، فقال: يا شيخ سأبايعك على دين الله ورسوله وعلى الجهاد في سبيل الله، ولكنني أخشى إذا أيدناك ونصرناك وأظهرك الله على أعداء الإسلام، أن تبتغي غير أرضنا، وأن تنتقل عنا إلى أرض أخرى، فقال: لا أبايعك على هذا... أبايعك على أن الدم بالدم والهدم بالهدم لا أخرج عن بلادك أبداً، فبايعه على النصرة وعلى البقاء في البلد وأنه يبقى عند الأمير يساعده، ويجاهد معه في سبيل الله حتى يظهر دين الله، وتمت البيعة على ذلك.
    وتوافد الناس إلى الدرعية من كل مكان، من العيينة، وعرقة، ومنفوحة، والرياض، وغير ذلك، من البلدان المجاورة، ولم تزل الدرعية موضع هجرة يهاجر إليها الناس من كل مكان، وتسامع الناس بأخبار الشيخ، ودروسه في الدرعية ودعوته إلى الله وإرشاده إليه، فأتوا زرافات ووحدانا.
    فأقام الشيخ بالدرعية معظماً مؤيداً محبوباً منصوراً، ورتب الدروس في الدرعية في العقائد، وفي القرآن الكريم، وفي التفسير، وفي الفقه، وأصوله، والحديث، ومصطلحه، والعلوم العربية، والتاريخية، وغير ذلك من العلوم النافعة، وتوافد الناس عليه من كل مكان، وتعلم الناس علمه في الدرعية الشباب وغيرهم، ورتب للناس دروساً كثيرة للعامة والخاصة، ونشر العلم في الدرعية واستمر على الدعوة،
    ثم بدأ بالجهاد وكاتب الناس إلى الدخول في هذا الميدان وإزالة الشرك الذي في بلادهم، وبدأ بأهل نجد، وكاتب أمراءها وعلماءها، كاتب علماء الرياض وأميرها دهام بن دواس، كاتب علماء الخرج وأمراءها، وعلماء بلاد الجنوب والقصيم وحائل والوشم، وسدير وغير ذلك، ولم يزل يكاتبهم ويكاتب علماءهم وأمراءهم.
    وهكذا علماء الأحساء وعلماء الحرمين الشريفين، وهكذا علماء الخارج في مصر، والشام، والعراق، والهند، واليمن، وغير ذلك، ولم يزل يكاتب الناس ويقيم الحجج ويذكر الناس ما وقع فيه أكثر الخلق من الشرك والبدع، وليس معنى هذا أنه ليس هناك أنصار للدين، بل هناك أنصار، والله - جل وعلا - قد ضمن لهذا الدين أن لا بد له من ناصر ولا تزال طائفة في هذه الأمة على الحق منصورة كما قال النبي - عليه الصلاة والسلام - فهناك أنصار للحق في أقطار كثيرة.
    ولكن الحديث الآن عن نجد، فكان فيها من الشر والفساد والشرك والخرافات ما لا يحصيه إلا الله - عز وجل - مع أن فيها علماء فيهم خير، ولكن لم يقدر لهم أن ينشطوا في الدعوة وأن يقوموا بها كما ينبغي، وهناك أيضاً في اليمن وغير اليمن دعاة إلى الحق وأنصار قد عرفوا هذا الشرك وهذه الخرافات، ولكن لم يقدر الله لدعوتهم النجاح ما قدر لدعوة الشيخ محمد؛ لأسباب كثيرة،
    منها: عدم تيسر الناصر المساعد لهم.
    ومنها: عدم الصبر لكثير من الدعاة وتحمل الأذى في سبيل الله.
    ومنها: قلة علوم بعض الدعاة التي يستطيع بها أن يوجه الناس بالأساليب المناسبة، والعبارات اللائقة، والحكمة والموعظة الحسنة.
    وهناك أسباب أخرى غير هذه الأسباب، وبسبب هذه المكاتبات الكثيرة والرسائل والجهاد اشتهر أمر الشيخ، وظهر أمر الدعوة، واتصلت رسائله بالعلماء في داخل الجزيرة وفي خارجها، وتأثر بدعوته جمع غفير من الناس في الهند وفي أندونيسيا، وفي أفغانستان، وفي أفريقيا وفي المغرب، وهكذا في مصر، والشام، والعراق، وكان هناك دعاة كثيرون عندهم معرفة بالحق والدعوة إليه، فلما بلغتهم دعوة الشيخ زاد نشاطهم، وزادت قوتهم واشتهروا بالدعوة ولم تزل دعوة الشيخ تشتهر وتظهر في العالم الإسلامي وغيره، ثم في هذا العصر الأخير طبعت كتبه، ورسائله، وكتب أبنائه، وأحفاده، وأنصاره، وأعوانه من علماء المسلمين في الجزيرة وخارجها، وكذلك طبعت الكتب في دعوته، وترجمته، وأحواله، وأحوال أنصاره، حتى اشتهرت بين الناس في غالب الأقطار والأمصار، ومن المعلوم أن لكل نعمة حاسداً، وأن لكل داعٍ أعداءً كثيرين، قال الله - تعالى-: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ" (الأنعام:112).
    فلما اشتهر الشيخ بالدعوة وكتب الكتابات الكثيرة، وألف المؤلفات القيمة، ونشرها في الناس، وكاتبه العلماء ظهر جماعة كثيرون من حساده، ومن مخالفيه، وظهر أيضاً أعداء آخرون، وصار أعداؤه وخصومه قسمين:
    قسم عادوه باسم العلم والدين، وقسم: عادوه باسم السياسة ولكن تستروا بالعلم، وتستروا باسم الدين، واستغلوا عداوة من عاداه من العلماء الذين أظهروا عداوته، وقالوا: إنه على غير الحق، وإنه كيت وكيت.
    والشيخ - رحمة الله عليه - مستمر في الدعوة يزيل الشبه، ويوضح الدليل، ويرشد الناس إلى الحقائق على ما هي عليه من كتاب الله وسنة رسوله - عليه الصلاة والسلام - وطوراً يقولون: إنه من الخوارج، وتارة يقولون: يخرق الإجماع، ويدعي الاجتهاد المطلق ولا يبالي بمن قبله من العلماء والفقهاء وتارة يرمونه بأشياء أخرى وما ذاك إلا من قلة العلم من طائفة منه وطائفة أخرى قلدت غيرها واعتمدت عليها، وطائفة أخرى خافت على مراكزها فعادته سياسة وتستتر باسم الإسلام والدين، واعتمدت على أقوال المخرفين والمضللين.
    والخصوم في الحقيقة ثلاثة أقسام:
    علماء مخرفون يرون الحق باطلاً والباطل حقاً، ويعتقدون أن البناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها، ودعائها من دون الله والاستغاثة بها وما أشبه ذلك دين وهدى، ويعتقدون أن من أنكر ذلك فقد أبغض الصالحين، وأبغض الأولياء، وهو عدو يجب جهاده.
    وقسم آخر: من المنسوبين للعلم جهلوا حقيقة هذا الرجل، ولم يعرفوا عنه الحق الذي دعا إليه، بل قلدوا غيرهم وصدقوا ما قيل فيه من الخرافيين المضللين، وظنوا أنهم على هدى فيما نسبوه إليه من بغض الأولياء والأنبياء، ومن معاداتهم، وإنكار كراماتهم، فذموا الشيخ، وعابوا ونفروا عنه.
    وقسم آخر: خافوا على المناصب والمراتب فعادوه لئلا تمتد أيدي أنصار الدعوة الإسلامية إليهم فتنزلهم عن مراكزهم، وتستولي على بلادهم، واستمرت الحرب الكلامية والمجادلات والمساجلات بين الشيخ وخصومه، يكاتبهم ويكاتبونه، ويجادلهم ويرد عليهم، ويردون عليه، وهكذا جرى بين أبنائه وأحفاده وأنصاره وبين خصوم الدعوة. حتى اجتمع من ذلك رسائل كثيرة، وردود جمة، وقد جمعت هذه الرسائل والفتاوى والردود فبلغت مجلدات، وقد طبع أكثرها - والحمد لله-، واستمر الشيخ في الدعوة والجهاد وساعده الأمير محمد بن سعود أمير الدرعية، وجد الأسرة السعودية على ذلك، ورفعت راية الجهاد وبدأ الجهاد من عام 1158 هـ.
    بدأ الجهاد بالسيف، وبالكلام والبيان، والحجة، والبرهان، ثم استمرت الدعوة مع الجهاد بالسيف، ومعلوم أن الداعي إلى الله - عز وجل - إذا لم يكن لديه قوة تنصر الحق وتنفذه فسرعان ما تخبو دعوته وتنطفي شهرته، ثم يقل أنصاره.
    ومعلوم ما للسلاح والقوة من الأثر العظيم في نشر الدعوة، وقمع المعارضين ونصر الحق، وقمع الباطل، ولقد صدق الله العظيم في قوله - عز وجل - وهو الصادق - سبحانه - في كل ما يقول: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ" (الحديد:25) فبين - سبحانه وتعالى - أنه أرسل الرسل بالبينات، وهي الحجج والبراهين الساطعة التي يوضح الله بها الحق، ويدفع بها الباطل، وأنزل مع الرسل الكتاب الذي فيه البيان، والهدى والإيضاح، وأنزل معهم الميزان، وهو العدل الذي ينصف به المظلوم من الظالم، ويقام به الحق وينشر به الهدى ويعامل الناس على ضوئه بالحق والقسط، وأنزل الحديد فيه بأس شديد، فيه قوة وردع وزجر لمن خالف الحق، فالحديد لمن لم تنفع فيه الحجة وتؤثر فيه البينة، فهو الملزم بالحق، وهو القامع للباطل، ولقد أحسن من قال في مثل هذا:


    وما هو إلا الوحي أوحد مرهف
    تزيل ظباه اخدعي كل مائل

    فهذا دواء الداء من كل جاهل
    وهذا دواء الداء من كل عادل


    فالعاقل ذو الفطرة السليمة، ينتفع بالبينة، ويقبل الحق بدليله، أما الظالم التابع لهواه فلا يردعه إلا السيف، فجد الشيخ - رحمه الله - في الدعوة والجهاد، وساعده أنصاره من آل سعود - طيب الله ثراهم - على ذلك، واستمروا في الجهاد والدعوة من عام 1158هـ إلى أن توفي الشيخ في عام 1206هـ فاستمر الجهاد والدعوة قريباً من خمسين عاماً جهاد، ودعوة، ونضال، وجدال في الحق، وإيضاح لما قاله الله ورسوله، ودعوة إلى دين الله، وإرشاد إلى ما شرعه رسول الله - عليه الصلاة والسلام-.
    حتى التزم الناس بالطاعة، ودخلوا في دين الله، وهدموا ما عندهم من القباب، وأزالوا ما لديهم من المساجد المبنية على القبور، وحكموا الشريعة، ودانوا بها، وتركوا ما كانوا عليه من تحكيم سوالف الآباء والأجداد وقوانينهم، ورجعوا إلى الحق.
    وعمرت المساجد بالصلوات، وحلقات العلم، وأديت الزكوات، وصام الناس رمضان، كما شرع الله - عز وجل-، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وساد الأمن في الأمصار، والقرى والطرق والبوادي، ووقف البادية عند حدهم، ودخلوا في دين الله وقبلوا الحق، ونشر الشيخ فيهم الدعوة.
    وأرسل الشيخ إليهم المرشدين، والدعاة في الصحراء والبوادي، كما أرسل المعلمين، والمرشدين، والقضاة إلى البلدان والقرى، وعم هذا الخير العظيم والهدى المستبين نجداً كلها وانتشر فيها الحق، وظهر فيها دين الله - عز وجل-.
    ثم بعد وفاة الشيخ - رحمة الله عليه - استمر أبناؤه، وأحفاده، وتلاميذه، وأنصاره في الدعوة والجهاد، وعلى رأس أبنائه الشيخ الإمام عبد الله بن محمد، والشيخ حسين بن محمد، والشيخ علي بن محمد، والشيخ إبراهيم بن محمد، ومن أحفاده الشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ علي بن حسين، والشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد وجماعة آخرون ومن تلاميذه أيضاً الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، وجمع غفير من علماء الدرعية، وغيرهم استمروا في الدعوة والجهاد ونشر دين الله - تعالى - وكتابة الرسائل وتأليفات المؤلفات، وجهاد أعداء الدين، وليس بين هؤلاء الدعاة وخصومهم شيء إلا أن هؤلاء دعوا إلى توحيد الله وإخلاص العبادة لله - عز وجل - والاستقامة على ذلك، وهدم المساجد والقباب التي على القبور، ودعوا إلى تحكيم الشريعة والاستقامة عليها، ودعوا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود الشرعية. هذه أسباب النزاع بينهم وبين الناس.
    والخلاصة: أنهم أرشدوا الناس إلى توحيد الله، وأمروهم بذلك وحذروا الناس من الشرك بالله ومن وسائله وذرائعه، وألزموا الناس بالشريعة الإسلامية، ومن أبى واستمر على الشرك بعد الدعوة والبيان، والإيضاح والحجة، جاهدوه في الله - عز وجل - وقصدوه في بلاده حتى يخضع للحق، وينيب إليه ويلزموه به بالقوة والسيف، حتى يخضع هو وأهل بلده إلى ذلك.
    وكذلك حذروا الناس من البدع والخرافات، التي ما أنزل الله بها من سلطان، كالبناء على القبور، واتخاذ القباب عليها والتحاكم إلى الطواغيت، وسؤال السحرة والكهنة، وتصديقهم وغير ذلك، فأزال الله ذلك على يدي الشيخ وأنصاره - رحمة الله عليهم جميعاً-، وعمرت المساجد بتدريس الكتاب العظيم والسنة المطهرة، والتاريخ الإسلامي، والعلوم العربية النافعة، وصار الناس في مذاكرة، وعلم، وهدى، ودعوة، وإرشاد، وآخرون منهم فيما يتعلق بدنياهم من الزراعة والصناعة وغير ذلك، علم وعمل، ودعوة وإرشاد، ودنيا ودين، فهو يتعلم ويذاكر، ومع ذلك يعمل في حقله الزراعي، أو في صناعته أو تجارته وغير ذلك، فتارة لدينه، وتارة لدنياه دعاة إلى الله وموجهون إلى سبيله، ومع ذلك يشتغلون بأنواع الصناعة الرائجة في بلادهم، ويحصلون من ذلك على ما يغنيهم عن خارج بلادهم، وبعد فراغ الدعاة وآل سعود من نجد امتدت دعوتهم إلى الحرمين، وجنوب الجزيرة، كاتبوا علماء الحرمين سابقاً ولاحقاً فلما لم تجد الدعوة واستمر أهل الحرمين على ما هم عليه من تعظيم القباب، واتخاذها على القبور، ووجود الشرك عندها، والسؤال لأربابها، سار الإمام سعود ابن عبد العزيز بن محمد بعد وفاة الشيخ بإحدى عشرة سنة توجه إلى الحجاز، ونازل أهل الطائف ثم قصد أهل مكة وكان أهل الطائف قد توجه إليهم قبل سعود الأمير عثمان بن عبد الرحمن المضايفي، ونازلهم بقوة أرسلها إليها الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد أمير الدرعية بقوة عظيمة من أهل نجد وغيرهم، ساعدوه حتى استولى على الطائف، وأخرج منها أمراء الشريف، وأظهر فيه الدعوة إلى الله، وأرشد إلى الحق، ونهى فيها عن الشرك، وعبادة ابن عباس، وغيره مما كان يعبده هناك الجهال والسفهاء من أهل الطائف، ثم توجه الأمير سعود عن أمر أبيه عبد العزيز إلى جهة الحجاز، وجمعت الجيوش حول مكة.
    فلما عرف شريفها أنه لا بد من التسليم أو الفرار فر إلى جدة، ودخل سعود ومن معه من المسلمين البلاد من غير قتال واستولوا على مكة في فجر 1 من شهر محرم من عام 1218هـ وأظهروا فيها الدعوة إلى دين الله، وهدموا ما فيها من القباب التي بنيت على قبر خديجة وغيره، فأزالوا القباب كلها، وأظهروا فيها الدعوة إلى توحيد الله - عز وجل-، وعينوا فيها العلماء والمدرسين، والموجهين والمرشدين، والقضاة الحاكمين بالشريعة.
    ثم بعد مدة وجيزة فتحت المدينة، واستولى آل سعود على المدينة في عام 1220هـ بعد مكة بنحو سنتين، واستمر الحرمان في ولاية آل سعود، وعينوا فيها الموجهين والمرشدين، وأظهروا في البلاد العدل وتحكيم الشريعة، والإحسان إلى أهلها، ولا سيما فقرائهم ومحاويجهم فأحسنوا إليهم بالأموال، وواسوهم، وعلموهم كتاب الله، وأرشدوهم إلى الخير، وعظموا العلماء، وشجعوهم على التعليم، والإرشاد ولم ينزل الحرمان الشريفان تحت ولاية آل سعود إلى عام 1226هـ ثم بدأت الجيوش المصرية والتركية تتوجه إلى الحجاز لقتال آل سعود وإخراجهم من الحرمين، لأسباب كثيرة تقدم بعضها، وهذه الأسباب - كما تقدم - هي: أن أعداءهم، وحسادهم، والمخرفين الذين ليس لهم بصيرة، وبعض السياسيين الذين أرادوا إخماد هذه الدعوة وخافوا منها أن تزيل مراكزهم، وأن تقضي على أطماعهم، كذبوا على الشيخ وأتباعه وأنصاره، وقالوا: إنهم يبغضون الرسول - عليه الصلاة والسلام-؛ لأنهم يبغضون الأولياء، وينكرون كراماتهم، وقالوا: إنهم أيضاً يقولون: كيت وكيت مما يزعمون أنهم ينتقصون به الرسل - عليهم الصلاة والسلام-، وصدق هذا بعض الجهال، وبعض المغرضين، وجعلوه سلماً للنيل منهم والقتال لهم، وتشجيع الأتراك والمصريين على حربهم، فجرى ما جرى من الفتن والقتال، وصار القتال بين الجنود المصرية والتركية ومن معهم وبين آل سعود في نجد والحجاز سجالاً مدة طويلة من عام 1226 هـ إلى عام 1233 هـ سبع سنين كلها قتال ونضال بين قوى الحق وقوى الباطل.
    والخلاصة: أن هذا الإمام الذي هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمة الله عليه - إنما قام لإظهار دين الله، وإرشاد الناس إلى توحيد الله، وإنكار ما أدخل الناس فيه من البدع والخرافات، وقام أيضاً لإلزام الناس بالحق، وزجرهم عن الباطل، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
    هذه خلاصة دعوته - رحمة الله تعالى عليه-، وهو في العقيدة على طريقة السلف الصالح يؤمن بالله وبأسمائه وصفاته، ويؤمن بملائكته ورسله وكتبه وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وهو على طريقة أئمة الإسلام في توحيد الله وإخلاص العبادة له - جل وعلا-، وفي الإيمان بأسماء الله وصفاته على الوجه اللائق بالله - سبحانه - لا يعطل صفات الله، ولا يشبه الله بخلقه، وفي الإيمان بالبعث والنشور والجزاء، والحساب والجنة والنار وغير ذلك.
    ويقول في الإيمان ما قاله السلف إنه قول وعمل يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، كل هذا من عقيدته - رحمه الله - فهو على طريقتهم وعلى عقيدتهم قولاً وعملاً، لم يخرج عن طريقتهم البتة، وليس له في ذلك مذهب خاص، ولا طريقة خاصة، بل هو على طريق السلف الصالح من الصحابة وأتباعهم بإحسان - رضي الله عن الجميع-.
    وإنما أظهر ذلك في نجد، وما حولها ودعا إلى ذلك ثم جاهد عليه من أباه، وعانده، وقاتلهم، حتى ظهر دين الله وانتصر الحق، وكذلك هو على ما عليه المسلمون من الدعوة إلى الله، وإنكار الباطل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولكن الشيخ وأنصاره يدعون الناس إلى الحق، ويلزمونهم به، وينهونهم عن الباطل، وينكرونه عليهم، ويزجرونهم عنه حتى يتركوه.
    وكذلك جد في إنكار البدع والخرافات حتى أزالها الله - سبحانه - بسبب دعوته، فالأسباب الثلاثة المتقدمة آنفاً هي أسباب العداوة، والنزل بينه وبين الناس، وهي:
    أولاً: إنكار الشرك والدعوة إلى التوحيد الخالص.
    ثانياً: إنكار البدع والخرافات كالبناء على القبور واتخاذها مساجد ونحو ذلك كالموالد والطرق التي أحدثتها طوائف المتصوفة.
    ثالثاً: أنه يأمر الناس بالمعروف، ويلزمهم به بالقوة فمن أبى المعروف الذي أوجبه الله عليه، ألزم به وعزر عليه إذا تركه وينهى الناس عن المنكرات، ويزجرهم عنها، ويقيم حدودها، ويلزم الناس الحق، ويزجرهم عن الباطل، وبذلك ظهر الحق، وانتشر، وكبت الباطل، وانقمع، وسار الناس في سيرة حسنة، ومنهج قويم في أسواقهم، وفي مساجدهم، وفي سائر أحوالهم.
    لا تعرف البدع بينهم ولا يوجد في بلادهم الشرك، ولا تظهر المنكرات بينهم، بل من شاهد بلادهم وشاهد أحوالهم وما هم عليه ذكر حال السلف الصالح وما كانوا عليه زمن النبي - عليه الصلاة والسلام - وزمن أصحابه، وزمن أتباعه بإحسان في القرون المفضلة - رحمة الله عليهم-.
    فالقوم ساروا سيرتهم، ونهجوا منهجهم، وصبروا على ذلك، وجدوا فيه، وجاهدوا عليه، فلما حصل بعض التغيير في آخر الزمان بعد وفاة الشيخ محمد بمدة طويلة ووفاة كثير من أبنائه - رحمة الله عليهم - وكثير من أنصاره حصل بعض التغيير جاء الابتلاء، وجاء الامتحان بالدولة التركية، والدولة المصرية، مصداقاً لقوله - عز وجل-: "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" (الرعد: من الآية11) - نسأل الله عز وجل أن يجعل ما أصابهم تكفيراً وتمحيصاً من الذنوب، رفعة وشهادة لمن قتل منهم رضي الله عنهم ورحمهم-.
    ولم تزل دعوتهم - بحمد الله - قائمة منتشرة إلى يومنا هذا، فإن الجنود المصرية لما عثت في نجد، وقتلت من قتلت، وخربت ما خربت، لم يمض على ذلك إلا سنوات قليلة ثم قامت الدعوة بعد ذلك وانتشرت، ونهض بالدعوة بعد ذلك بنحو خمس سنين الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود - رحمة الله عليه - فنشر الدعوة في نجد وما حولها، وانتشر العلماء في نجد وأخرج من كان هناك من الأتراك والمصريين أخرجهم من نجد وقراها، وبلدانها وانتشرت الدعوة بعد ذلك في نجد في عام 1240هـ، وكان تخريب الدرعية والقضاء على دولة آل سعود في عام 1233هـ.
    فمكث الناس في نجد في فوضى، وقتال وفتن بنحو خمس سنين من أربع وثلاثين إلى عام 1239هـ ثم في عام أربعين بعد المائتين وألف اجتمع شمل المسلمين في نجد على الإمام تركي بن عبد الله بن محمد ابن سعود، وظهر الحق وكتب العلماء الرسائل إلى القرى والبلدان، وشجعوا الناس ودعوهم إلى دين الله وانطفأت الفتن التي بينهم بعد الحروب الطويلة التي حصلت على أيدي المصريين، وأعوانهم، وهكذا انطفأت الحروب، والفتن التي وقعت بينهم على أثر تلك الحروب وخمدت نارها، وظهر دين الله، واشتغل الناس بعد ذلك بالتعليم والإرشاد، والدعوة والتوجيه، حتى عادت المياه إلى مجاريها.
    وعاد الناس إلى أحوالهم، وما كانوا عليه في عهد الشيخ، وعهد تلامذته، وأبنائه، وأنصاره رضي الله عن الجميع ورحمهم - واستمرت الدعوة من عام 1240هـ إلى يومنا هذا - بحمد الله-، ولم يزل يخلف آل سعود بعضهم بعضا، وآل الشيخ وعلماء نجد بعضهم بعضا فآل سعود يخلف بعضهم بعضا في الإمامة والدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله.
    وهكذا العلماء يخلف بعضهم بعضاً في الدعوة إلى الله والإرشاد إليه، والتوجيه إلى الحق. إلا أن الحرمين بقيا مفصولين عن الدولة السعودية دهراً طويلاً، ثم عادا إليهم في عام 1343هـ، واستولى على الحرمين الشريفين الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود - رحمة الله عليه - ولم يزالا - بحمد الله - تحت ولاية هذه الدولة إلى يومنا هذا.
    فلله الحمد ونسأل الله عز وجل أن يصلح البقية الباقية من آل سعود ومن آل الشيخ ومن علماء المسلمين جميعاً في هذه البلاد وغيرها، وأن يوفقهم جميعاً لما يرضيه، وأن يصلح علماء المسلمين أينما كانوا، وأن ينصر بالجميع الحق، ويخذل بهم الباطل، وأن يوفق دعاة الهدى أينما كانوا للقيام بما أوجب الله عليهم، وأن يهدينا وإياهم صراطه المستقيم، وأن يعمر الحرمين الشريفين، وملحقاتهما، وسائر بلاد المسلمين بالهدى ودين الحق، وبتعظيم كتاب الله، وسنة نبيه - عليه الصلاة والسلام-، وأن يمن على الجميع بالفقه فيهما، والتمسك بهما، والصبر على ذلك، والثبات عليه، والتحاكم إليهما، حتى يلقوا ربهم - عز وجل-.
    إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، وهذا آخر ما تيسر بيانه، والتعريف به من حال الشيخ ودعوته وأنصاره، وخصومه، والله المستعان وعليه الاتكال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه، والحمد لله رب العالمين.
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-11-06
  11. هراب

    هراب عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-07-27
    المشاركات:
    1,813
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: أهل السنة والجماعة

    ودعوته الجديدة كانت هي (التوحيد) ذلك أنه رأى أثناء إقامته بالحجاز ورحلاته الكثيرة إلى بلاد العالم الإسلامي أن التوحيد قد دخله كثير من الفساد عن طريق قبور الأولياء التي يحج إليها الناس، وتقدم لها النذور، ويعتقد فيها أنها قادرة على النفع والضر، وهي أضرحة لا عد لها ولا حصر، منتشرة في جميع ربوع البلاد الإسلامية، يشد الناس إليها رحالهم، ويتمسحون بها ويتذللون لها، ويطلبون منها جلب الخير لهم ودفع الشر عنهم. ففي كل بلد ولي أو أولياء وفي كل بلدة ضريح أو أضرحة، تشرك مع الله في تصريف الأمور ودفع الأذى وجلب الخير، كأن الله سلطان من سلاطين الدنيا يتقرب إليه بذوي الجاه عنده وأهل الزلفى لديه، وإذا سألتهم عن ذلك أجابوا بما أجاب به المشركون من قبل: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) {الزمر:3} وهؤلاء يقولون ما نتوسل إليهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى أو يقولون: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله) {يونس:18}.
    وليت الأمر اقتصر عند هؤلاء على الأولياء والأضرحة والقبور، بل تعدى ذلك إلى النبات والجماد يتقربون بها إلى الله، فأهل بلدة بالحجاز والكلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب تسمى (منفوحة) يعتقدون في نخلة هناك أن لها قدرة عجيبة: من قصدتها من العوانس تزوجت لعامها. وفي (الدرعية) غار يحج إليه الناس للتبرك، وفي مصر شجرة الحنفي وشجرة مريم وبوابة المتولي يتبرك الناس بها، بل ونعل يسمى نعل الكلشني يعتقدون أن من شرب فيه برئ.
    وهكذا في كل قطر حجر أو شجرة يحج إليها ويتبرك بها، وتصد الناس عن الله مما جعل الشيخ يحاربها ويتصدى لها بكل قوة.

    وأساس آخر يتصل بهذا التوحيد كان يفكر فيه الشيخ وهو التشريع. ذلك أنه رأى الناس والحكومات يهجرون شرع الله ويحتكمون إلى شرائع وقوانين مدنية ما أنزل الله بها من سلطان، فدعا الإمام إلى الاحتكام إلى شرع الله، وإلى فتح باب الاجتهاد الذي كان قد أغلق وكان إغلاقه كما يقول نكبة على المسلمين إذ أضاع شخصيتهم وقدرتهم على الفهم والحكم وجعلهم جامدين مقلدين.
    وهكذا شغل ذهن الشيخ بفكرة التوحيد في العقيدة مجردة من كل شرك، وفكرة التوحيد في التشريع فلا مصدر لها إلا الكتاب والسنة.
    على هذا الأساس بنيت دعوة محمد بن عبد الوهاب وعلى هذا الأساس بنيت جزئيات دعوته وفرعياتها.
    وقد كان الشيخ متأثرًا في دعوته "بابن تيمية" الذي دعا من قبل إلى عدم زيارة القبور والأضرحة، ودعا إلى هدمها، وألف في ذلك الرسائل الكثيرة. وقد عرف الشيخ ابن تيمية عن طريق قراءته لكتبه، فأعجب به مما دعاه أن يعكف على كتبه ورسائله يكتبها ويدرسها، حتى إنه لتوجد في المتحف البريطاني بعض رسائل لابن تيميه مكتوبة بخط محمد بن عبد الوهاب، فكأن ابن تيمية كان إمامه ومرشده وباعث تفكيره والموحي إليه بالاجتهاد والدعوة إلى الإصلاح.
    فقد دعا مثله إلى رفض البدع والتوجه بالعبادة والدعاء إلى الله وحده لا إلى المشايخ والأولياء والأضرحة ولا بواسطة توسل ولا شفاعة، وإن كان لابد من زيارة القبور فللعظة والاعتبار، لا للتوسل والاستشفاع، فالذبح للقبور أو لمن فيها والنذر لها والاستغاثة بها والسجود عندها شرك لا يرضاه الله، وهدم للتوحيد الذي جاء به الإسلام من أساسه.
    وهكذا كانت دعوته حربًا على كل ما ابتدع بعد الإسلام الأول من عادات وتقاليد. فلا اجتماع لقراءة مولد، ولا احتفاء بزيارة قبر، ولا خروج للنساء وراء الجنازة ولا إقامة أذكار يغنى فيها ويرقص، ولا محمل يتبرك به ويتمسح. فكل هذا مخالف للإسلام الصحيح ويجب أن يزول ويجب أن نعود إلى الإسلام في بساطته الأولى وطهارته ونقائه ووحدانيته واتصال العبد بربه من غير واسطة ولا شريك.
    ولا يصلح الإسلام اليوم إلا بما صلح به أوله فلابد من الحياة الإسلامية الأولى حيث التوحيد الصحيح والعزة الحقة.
    ولم ينظر محمد بن عبد الوهاب إلى المدنية الحديثة وموقف المسلمين منها، ولم يتجه في إصلاحه إلى الحياة المادية كما فعل معاصره محمد على باشا وإنما اتجه إلى العقيدة وحدها والروح وحدها. فعنده أن العقيدة والروح هي الأساس وهي القلب إن صلحا صلح كل شيء، وإن فسدا فسد كل شيء.
    وحمل الناس على التوحيد الخالص تطلب جهدًا كبيرًا في الإسلام منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذ يروي المؤرخون وكتاب السيرة أنه كان لأهل الطائف بناية على "اللات" فلما أسلموا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهدمها فطلبوا منه أن يترك هدمها شهرًا لئلا يروعوا نساءهم وصبيانهم حتى يدخلوهم الدين فأبى ذلك عليهم وأرسل معهم المغيرة ابن شعبة وأبا سفيان بن حرب وأمرهما بهدمها.
    وجاء في الحديث أن العرب كانت لهم في الجاهلية شجرة تسمى "ذات أنواط" كانوا يعلقون بها سلاحهم ويعكفون حولها ويعظمونها فسأل بعض المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم ذات أنواط فنهاهم عن ذلك.
    وفي عهد عمر وكأنما استشعر أن بعض الناس أخذوا يحنون إلى بعض العادات الجاهلية عندما رآهم يأتون الشجرة التي تمت تحتها بيعة الرضوان فيصلون عندها ويتبركون بها فما كان منه إلا أن أمر بها فقطعت.
    كما أنه لما رأى كعب الأحبار يخلع نعله ويلمس برجله الصخرة عند فتح بيت المقدس قال له: ضاهيت والله اليهود يا كعب.
    وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك".
    ولكن سرعان ما اتخذ المسلمون قبور الصالحين وغير الصالحين مساجد، وكلما مضى الزمن كثرت أصناف التعظيم للقبور والأضرحة.
    وظهر الدعاة والمصلحون على توالي العصور يحاولون أن يردوا الناس عن هذا ويرجعونهم إلى التوحيد الخالص. فعل ذلك ابن تيميه وفعل ذلك محمد بن عبد الوهاب.
    مصير دعوة ابن عبد الوهاب
    هذا هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب وهذه دعوته التي دعا بها. فماذا كان مصيرها؟
    لمعرفة مصير دعوة الشيخ ومدى تأثيرها لابد أن نتعرف على حال شبه الجزيرة العربية آنذاك، فلقد كانت شبه الجزيرة العربية عندما بدأ محمد بن عبد الوهاب دعوته أشبه شيء بحالتها في الجاهلية؛ كل قبيلة تسكن موضعًا يرأسها أمير منها. فهذا أمير في الأحساء وهذا أمير في عسير وهؤلاء أمراء في نجد.. إلخ ولا علاقة بين هؤلاء الأمراء إلا علاقة الخصومة غالبًا. كما أن الخصومة بين البدو والحضر قائمة، فمن قدر من البدو على خطف شيء من الحضر فعل ومن قدر من الحضر على التنكيل ببدوي فعل. والطرق غير مأمونة والسلب والنهب على أشدهما، وسلطة الخلافة في الآستانة تكاد تكون سلطة اسمية تكتفي بتعيين الأشراف في مكة وإمدادهم ببعض الجنود.
    وقد بدأ محمد بن عبدالوهاب دعوته بدعوة قومه برفق ولين ثم أخذ يدعو أمراء الحجاز وعلماء الأقطار الأخرى حاثا لهم على استنهاض الهمم في مكافحة البدع والرجوع إلى صحيح الإسلام.
    وكان أسلوبه الهادئ في دعوته من أهم أسباب نجاحها، كما أن من أسباب نجاحها أيضًا وقوف "آل سعود" معه. ذلك أنه عندما اضطهد في بلده "العيينة" اضطر أن يخرج منها إلى الدرعية مقر آل سعود، وهناك عرض دعوته على أميرها محمد ابن سعود فقبلها وتعاهدا على الدين الصحيح ومحاربة البدع ونشر الدعوة في جميع جزيرة العرب.
    ولما مات الأمير ومات الشيخ تعاهد أبناؤهما على أن يسيروا سيرة آبائهم في نصرة الدعوة وظلوا يعملون حتى تغلبوا على مكة والمدينة.
    وشعرت الدولة العثمانية بالخطر يهددها بخروج الحجاز من يدها، وهو موطن الحرمين الشريفين اللذين يجعلان لها مركزًا إسلاميًا ممتازًا، تفقد الكثير منه إذا فقدتهما.
    فأرسل السلطان محمود إلى محمد علي باشا في مصر أن يسير جيوشه لمقاتلة الوهابيين، وكما أرسلت الجيوش لمقاتلتهم أرسلت الدعاية في جميع الأقطار الإسلامية للنيل منهم ومن دعوتهم وتكفير مبتدعيها، حمل علماء الإسلام عليها حملات منكرة وألفت الكتب الكثيرة في التخويف منها والتشنيع عليها.
    اهتم الوهابيون بالناحية الدينية وتقوية العقيدة وبالناحية الخلقية ولذلك حيث اسدوا قلت السرقة والفجور وشرب الخمور وأمن الطريق وما إلى ذلك ولكنهم لم يمسوا الحياة العقلية ولم يعملوا على ترقيتها إلا في دائرة التعليم الديني ولم ينظروا إلى مشكلات المدنية الحاضرة ومطالبها.
    فلما تولت حكومة ابن سعود الحاضرة كان لابد أن تواجه هذه الظروف وتقف أمام منطق الحوادث، فاختطت لنفسها طريقًا وسطًا شاقًا وبدأت نشر التعليم المدني إلى جانب التعليم الديني ونظمت الإدارة الحكومية على شيء من النمط الحديث وسمحت للسيارات والطائرات واللاسلكي بدخول البلاد واستعمالها وما إلى ذلك وما أشده عملا. التوفيق بين علماء نجد ومقتضيات الزمن وبين طبائع البلاد ومطالب الحضارة.
    ولم تقتصر الدعوة الوهابية على الحجاز والجزيرة العربية بل تعدتها إلى غيرها من الأقطار الإسلامية وكان موسم الحج ميدانًا صالحًا وفرصة سانحة لعرض الدعوة على أكابر الحجاج واستمالتهم إلى قبولها، فإذا عادوا إلى بلادهم دعوا إليها. فترى في "زنجبار" مثلا طائفة كبيرة من المسلمين يعتنقون هذا المذهب ويدعون إلى ترك البدع وعدم التقرب للأولياء.
    وقام في الهند زعيم اسمه السيد أحمد حجر سنة 1882 آمن بالدعوة الجديدة ودعا إليها في بلاده فنشر هذه الدعوة في "بنجاب" وأنشأ بها شبه دولة وأخذ سلطانه يمتد حتى حدة شمال الهند وأقام حربًا عوانا على البدع والخرافات.
    وكذلك حضر الإمام السنوسي مكة حاجا وشجع الدعوة واعتنقها وعاد إلى الجزائر يبشر بها ويؤسس طريقته الخاصة في بلاد المغرب.
    وفي اليمن ظهر أعلم علمائه وإمام أئمته. الإمام الشوكاني المولود سنة 1172 فسار على نفس النهج وإن لم يتلقه عن ابن عبد الوهاب وألف كتابه القيم "نيل الأوطار" وحارب التقليد ودعا إلى الاجتهاد فثارت من أجل ذلك حرب كلامية شعواء بينه وبين علماء زمانه كان أشدها في صنعاء وألف في ذلك رسالة سماها: القول المفيد في حكم التقليد ودعا في قوة إلى عدم زيارة القبور والتوسل بها.

    هذا وبالله التوفيق
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-11-06
  13. هراب

    هراب عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-07-27
    المشاركات:
    1,813
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: أهل السنة والجماعة

    هذه بعض الأقوال التي ذكرت في الإمام المجدد
    محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وأسكنه فسيح جناته
    هذا العالم الرباني الذي حارب الشرك والجهل بدعوة حنيفية جددت ماكان عليه السلف الصالح ;;

    1 ـ محمد بن اسماعيل الصنعاني
    صاحب (سبل السلام ) بعد أن بلغته دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب قال هذه القصيدة الرائعة :

    سلامي على نجد ومن حل في نجد= وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي
    وقد صدرت من سفح صنعا سقى الحيا= رباها وحياها بقهقة الرعد
    قفي وأسألي عن (عالم حل سوحها= به يهتدي من ضل عن منهج الرشد
    محمد الهادي لسنة أحمد =فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي
    لقد أنكرت كل ((((الطوائف قوله =بلا صدر في الحق منهم ولا ورد))))
    وما كل قول بالقبول مقابل =وما كل قول واجب الرد والطرد
    سوى ما أتى عن ربنا ورسوله =فذلك قول جل ياذا عن الرد
    وأما أقاويل الرجال فإنها =تدور على قدر الأدلة في النقد
    وقد جاءت الأخبار عنه بأنه= يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي
    وينشر جهراً ما طوى كل جاهل= ومبتدع منه ، فوافق ما عندي


    ـ 2 محمد حامد الفقي
    (الوهابية نسبة إلى الإمام المصلح شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب مجدد القرن الثاني عشر
    وهي نسبة على غير القياس العربي والصحيح أن يقال المحمدية لأن اسم صاحب هذه الدعوة والقائم بها هو محمد ، لا عبدالوهاب ، )

    ثم قال بعد كلام :
    (وإن الحنابلة متعصبون لمذهب الامام أحمد في فروعه ككل أتباع المذاهب الاخرى فهم لا يدَّعون لا بالقول ولا بالكتابة أن الشيخ ابن عبدالوهاب أتى بمذهب جديد ، ولا اخترع علما غير ما كان عند السلف الصالح
    وإنما كان عمله وجهده إحياء العمل بالدين الصحيح وإرجاع الناس إلى ما قررره القرآن في توحيد الالوهية والعبادة لله وحده ذلاً وخضوعا ودعاء ونذرا وحلفا وتوكلا وطاعة شرائعه
    وفي توحيد الاسماء والصفات فيؤمن بآياتها كما وردت لا يحرف ولا يؤول ولا يشبه ولا يمثل على ماورد في لفظ القرآن العربي المبين ، وما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما كان عليه الصحابة وتابعوهم والأئمة المهتدون من السلف والخلف رضوان الله عليهم في كل ذلك وأن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لا يتم ذلك على وجهه الصحيح إلا بهذا .


    3ـ د /محمد تقي الدين الهلالي

    لا يخفى أن الإمام الرباني الأواب محمد بن عبدالوهاب قام بدعوة حنيفية جددت عهد الرسول الكريم والأصحاب وأسس دولة(( ذكرت الناس بدولة الخلفاء الراشدين ))


    4 ـ قال خير الدين الزركلي في كتابه ((الاعلام)) :
    محمد بن عبدالوهاب زعيم النهضة الدينية الاصلاحية الحديثة في جزيرة العرب وانتهج منهج السلف الصالح ودعا إلى التوحيد وبنذ البدع وتحطيم ما علق بالإسلام من الأوهام .


    5ــمحمد شيد رضا
    قال في التعريف بكتاب :صيانة الإنسان":
    لم يخل قرن القرن التي كثر فيها البدع من علماء ربانيين عدول يجددون لهذه الأمة أمر دينها …
    ولقد كان الشيخ محمد بن عبدالوهاب من هؤلاء العدول المجددين قام يدعوا إلى تجريد التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده وترك البدع والمعاصي .


    6 ـ طه حسين:
    قال في كتابه المحضارات الأدبية في جزيرة العرب :
    ""…..هذه الحركة الاصلاحية التي أحدثها محمد بن عبدالوهاب شيخ من شيوخ نجد …دعوة قوية إلى الإسلام الخالص النقي المطهر من شوائب الشرك والوثنية "".


    7 ـ قال محمد بن خليل الهراس إن صيانة الشيخ محمد بن عبدالوهاب لكتب الامام ابن تيمية وإحياءه لها تعتبر مفخرة من مفاخر هذا الشيخ الذي ستظل تذكر له بالعرفان والتقدير
    فإن كتب شيخ الاسلام ورسائله كانت مطمورة تحت ركام الإهمال والنسيان لا يسمح لها أهل البدع والإلحاد أن ترى النور ولا أن تقو بدورها الخطير في توجيه العالم الإسلامي نحو الطريق الصحيح
    بل كثيرا ما يحذرون من قراءتها ويقرنونها بكتب الفلاسفة في جوار الاستنجاء بها
    فلما قامت حركة الامام المباركة أخذت تظهر ما نسي وتنشر بها الحق والسنة المطهرة .


    8 ــ قال أبو السمح عبدالظاهر المصري :

    إسفي على الشيخ الإمام محمد =حبر الأنام العالم الرباني
    علم الهدى بحر الندى مفني العدا= من شن غارته على الأوثان
    من قام في نجد مقام نبوة= يدعو إلى الإسلام والإيمان
    حتى غدت نجد كروض مزهر= فنال في ظلل من العرفان
    أحيا لنا الدين الحنيف كما أتى= وأقامه بالسيف والبرهان
    برهانه القرآن والسنن التي= تروي عن سيد الأكوان
    كما حارب الشرك الخبيث وأهله= وأذاقهم في الحرب كل هوان
    وأبان توحيد العبادة بعدما =درست معالمه من الأذهان

    9ــ عباس محمود العقاد
    من كتاب الإسلام في القرن العشرين :
    وظاهرة من سيرة محمد بن عبدالوهاب أنه لقي في رسالته عنتاً فاشتد كم يشتد من يدعو غير سميع ،
    ومن العنت إطباق الناس على الجهل والتوسل بما لا يضر ولا ينفع … وقد غبر على البادية زمان يتكلمون فيه على التعاويذ والتمائم وأضاليل المشوعذين والمنجمين ويدعون السعي من وجوه توسلاً بأباطيل السحرة
    وكان من أثر الدعوة الوهابية أنها صرفتهم عن ألوان البدع والخرافات .


    10 ـ علي الطنطاوي في كتابه [الشيخ محمد بن عبدالوهاب ] :

    "…… قدر له له أن يكون أحد الذين اخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم يبعثون ليجددوا لهذه الأمة دينها ،
    بل لقد كان أحق بهذا الوصف من كل من وصف به في تاريخنا فقد حقق على يديه عودة نجد إلى التوحيد الصحيح والدين الحق ……"


    11 ـ د / وهبه الزحيلي قال:
    جهر ابن عبدالوهاب بدعوته سنة 1143 هـ 1730 م فأمر المعروف ونهى عن المنكر
    فكانت دعوته الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم الإسلامي كله وقد وجه اهتمامه لمسألة التوحيد التي هي عماد الإسلام والتي دخلها الفساد لدى كثير من الناس ""


    12 مناع القطان
    بعد أن ذكر سوء الحالة الدينية والسياسية في نجد قال :

    ومض في الأفق بريق الأمل ، وأراد الله ان يزيح الغمة ويعيد للأمة صفاء عقيدتها ويخلصها من أوضار الشرك والجهالة ويبدد غيوم اليأس والقنوط
    فارتفع صوت يردد كلمة التوحيد التي بعث الله بها الرسل "لا إله إلا الله " يحي في النفوس العقيدة الخالصة ويدعوها إلى نبذ البدع والخرافات ويستقي لها من نبع الإسلام الصافي ومورده العذب القرآن والسنة وما كان عليه السلف
    كان هذا الصوت صوت الشيخ محمد بن عبدالوهاب الذي تجاوبت أصداؤه في ربوع نجد وفي ديار الإسلام ".

    13 ـ من شعر ملا عمران
    إن كان تابع أحمد متوهبا = فأنا المقر بأنني وهابي
    أنفي الشريك عن الإله فليس لي= رب سوى المتفرد الوهاب
    لا قبة ترجى ولا وثن ولا= قبر له سبب من الأسباب
    كلا ولا حجر ولا شجر ولا= عين ولا نصب من الأنصاب
    والابتداع وكل أمر محدث= في الدين ينكره أولو الألباب
    وأعوذ من جهمية عنها عنت= بخلاف كل مؤول مرتاب
    والاستواء فإن حسبي قدوة= فيه مقال السادة الانجاب
    الشافعي ومالك وأبي حنيفة= وابن حنبل التقي الأواب
    ((((((((وبعصرنا من جاء معتقدا به =صاحوا عليه مجسم وهابي)))))))
    جاء الحديث بغربة الإسلام =فلبيك المحب لغربة الأحباب
    فالله يحمينا ويحفظ ديننا =من شر كل معاند سباب
    ويؤيد الدين الحنيف بعصبة= متمسكين بسنة وكتاب
    لا يأخذون برأيهم وقياسهم= ولهم إلى الوحيين خير مآب
    قد أخبر المختار عنهم أنهم= غرباء بين الأهل والأصحاب
    سلكوا طريق السالكين إلى الهدى= ومشوا على مناهجهم بصواب
    نفر الذين دعاهم خير الورى= إذ لقبوه بساحر كذاب
    مع علمهم بأمانة وديانة =فيه ومكرمة وصدق جواب
    صلى عليه الله ماهب الصبا= وعلى جميع الآل والأصحاب


    14-قال العلامة الكبير المحديث الفقيه المعروف
    محمد بشير السهسواني في كتابه الذائع الصيت [صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان )
    وهذا الكتاب وضع للرد على الهالك زيني دحلان الذي افترى على الإمام الشيخ محمد بن عبدالوهاب
    وقد انتشر هذا الكتاب في العالم الإسلامي وقل من لم يقرأه ولقد طبع طبعات عديده منها ثلاث طبعات للنسخة التي حققها واهتم بها أيما اهتمام االعالم المعروف صاحب المنار محمد رشيد رضا ومن طبعته الثالثة ننقل هذا الكلام عن الشيخ محمد بشير
    ومن ضمن أقواله العديدة :

    [فالله دره من جهبذ عالم ، وداع إلى التوحيد قائم وناصح لله ملازم ومجدد لتلك المشاهد السنية والمعالم ومحي لآثار سلفية لم يبق منها سوى الأطلال والمراسم
    ومميت لبدع رفضية شابهت المجوسية ،وأمور شركية اعتقدها أكثر البرية أمورا حسنة دينية فاقاموا بها أعيادا ومواسم وعكفوا عليها والأغلب لها سائم
    فانتدب هذا الإمام الذي أضحى الحق بهديه مشرقا باسم ، والباطل بحججه مظلما سادم
    مناديا على رؤس العالم بإخلاص العبادة وتنكير الإشراك والمظالم
    وإبطال دعوة غير الله من نبي وولي وظالم وحاكم فلم يخف في الله لومة لا ئم حتى نال من مولاه المنح العظائم والعاطايا الكرام الجسائم ..


    15ـ مسعود الندوي ألف كتابا سماه
    (((( محمد بن عبدالوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه ))))
    ترجمه عبدالعليم البستوى مراجعة وتقديم د / محمد تقي الدين الهلالي ص165 :

    إن من أبرز الأكاذيب على دعوة شيخ الإسلام تسميتها بالوهابية
    ولكن أصحاب المطامع حاولوا من هذه التسمية أن يثبتوا أنها من دين خارج عن الإسلام
    واتحد الانجليز والأتراك والمصريون فجعلوها شبحاً مخيفاً بحيث كلما قامت أي حركة إسلامية في العالم الإسلامي في القرنين الماضيين ورأي الأروبيون فيها خطر على مصالحهم ، ربطوا حبالها بالوهابية النجدية وإن ناقضها .


    16ـ وألف الشيخ أحمد بن حجر قاضي المحكمة الشرعية الأولى بقطر كتاب سماه
    (((نقض كلام المفترين ))
    ومما قاله: (( ونسبوا إلى الشيخ وإلى أتباعه أنهم لا يجعلون للرسول صلى الله عليه وسلم حرمة بل يقول أحدهم عصاي خير من الرسول
    ولا يرون للعلماء والصالحين مقاما وينكرون شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ويحرمون زيارة قبره وقبور سائر المؤمنين
    ولا يرون الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يعتنون بكتب الأئمة بل يحرقونها ويتلفونها ولا يرون تقليدهم جائز
    ويكفرون المسلمين من قرون عديدة سوى من كان على معتقدهم إلى غيرذلك من المزاعم

    والجواب :

    أن هذه الأشياء المنسوبة إليهم كلها كذب لا نصيب له من الصحة أبدا وهذه كتبهم مطبوعة تباع وتوزع فمن أراد أن يعرف كذب هذه المزاعم فيلقرأ كتبهم }}}


    17ـ السلطان سيدي محمد بن عبدالله العلوي
    نقل عنه أنه يقول[ إني مالكي المذهب وهابي العقيدة ]
    تاريخ افريقيا الشمالية للمؤرخ الفرنسي شارلي جوليان ج2/ص311


    18ـ العلامة العراقي محمد بهجت الاثري من كتاب (( محمد بن عبدالوهاب داعية التوحيد والتجديد في العصر الحديث)) ومما قال عن اللقب المفترى ::

    وماذلك اللقب (الوهابية ) إلا من وحي أعداء الإسلام الذين يظنون أن العالم الإسلامي قد صار جثة هامدة لا حراك بها ولابد أن تكون الدول الاستعمارية هي الوارثة لأرضه وكنوزه

    فوضعت هذه الدعوة الجديدة التي انبعثت من قلب جزيرة العرب مدوية لجمع شمل المسلمين وإنقاذهم من المهالك

    فنبزتها (الدول الاستعمارية ) بالوهابية وأذاعت هذا النبز الأنباء الذائعة الشهرة فتلقفته الاسماع

    وراق للدولة العثمانية هذا النبز فأجرته على ألسنة الدروايش ومرتزقة طعام التكايا والزوايا من تنابلة السلطان
    وأفرطت في إلقاء الشبهات عليه وتشويهه سيما بعد استفحال شانه وقيام الدولة العربية الاسلامية في جزيرة العرب على أساسه وقواعده ..) ص16 ـ17


    19 ـ الشيخ محمود شكري الآلوسي العراقي ألف كتاب عن تارخ نجد يشيد فيه بالدعوة وكذلك ألف كتابا في الرد على الهالك النبهاني يفند فيها إفترءاته وأباطيله


    20-وكذلك الشيخ أحمد بن سعيد البغدادي العراقي في كتابه نديم الأديب .

    21 ـ وجمال الدين القاسمي
    22 ـ والشيخ عبدالرزاق البيطار
    23ـ والشيخ طاهر الجزائري
    24 ـ والشيخ محمد كامل القصاب حيث نشر دعوة الشيخ في الشام مما حدا بالسلطات العثمانية أن تحيل عميد الحركة إلى القضاء
    25 ـ ومحمد كرد علي
    26 ـ وشكيب أرسلان
    27 ـ وأمين سعيد في [سيرة الإمام محمد بن عبدالوهاب]
    28 ـ ومحمد جميل بيهم
    29 ـ وعمر أبو النصر من مصر
    30ـ وعبد المتعال الصعيدي في كتابه [المجددون]
    31 وعبدالعزيز بكر في [الادب العربي وتاريخه]
    32 ـ ومصطفى الحفناوي
    33 ـ والدكتور أحمد أمين في زعماء الإصلاح
    34ـ ومحمد قاسم في تاريخ أوربا
    35 ـ وعبدالكريم الخطيب في [محمد بن عبدالوهاب ]
    36 ـ ومحمد ضياء الدين في [مجلة الإرشاد الكويتية رجب عام 1373 ـ
    37 ـ والدكتور محمد بن عبدالله ماضي في [حاضر العالم الإسلامي ]
    38 ـ وأحمد حسين في [مشاهداتي في جزيرة العرب ] بعد أداءه فريضة الحج عام 1948م
    39ـ ومحمد جميل غازي في كتابه[مجدد القرن الثاني عشر ]
    40 ـ ومسلم الجهني في[أثر حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في العالم الإسلامي ]

    وغيرهم وغيرهم في الماضي والحاضر مما يطول ذكره
    وفي الختام يتبين أن الفئة الوحيدة التي عادت الشيخ هي
    من تهدد دعوة الشيخ مصالحهم وامتيازاتهم
    مثل أشياخ الصوفية فدعوة الشيخ ستزيل ميزاتهم ومصالحهم العائدة من خداع الجهلة
    وأرباب العقائد الفاسدة المسيطرين على مقاليد الأمور بتلك العقائد
    وأصحاب السلطة أولئك الذين يخافون من تحرير المسلمين من الخرافات والجهالات
    لآن من وسائل السيطرة على الشعوب التخلف والجهل وهنا يظهر الاربتاط الوثيق بين مصالح الصوفية والسلاطين كل منهما يستفيد من بقاء تلك الخرافات

    والنصارى المسعتمرين حيث أنهم رأوا الدعوة تبث في روح اتباعها حماس الاسلام الاول الذي فتح به المسلمون مشارق الارض ومغاربها
    لذا تكاتف هؤلاء ضد الدعوة فعملوا ما عملوا فهل نظن بعد ذلك إلا أن تتشوه الدعوة وترمى بالاباطيل

    أولئك من حاربوا الدعوة أما البقية الباقية ممن لم تتلوث نفوسهم ولا قلوبهم بالبدع والخرافات فقد أنصفوا الدعوة وذكروها بكل خير تستحقه.

    وصلى الله وسلم علي نبينا محمد .
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-11-06
  15. abo khalifa

    abo khalifa قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2004-03-27
    المشاركات:
    7,032
    الإعجاب :
    12
    مشاركة: أهل السنة والجماعة

    أشكرك أخي هراب على هذه الردود والدلائــل التي جلبتها لنــا ضد المتصوفين الذين يسيئون للأمام شيخ الأسلام بن تيمية وشيخ محمد بن عبدالوهاب المجدد لعقيدة أهل لاسنه و الجماعه في القرن الثاني عشر رحمة الله وأسكنه فسيح جناتـــه
     

مشاركة هذه الصفحة