دروس ميسرة في علم مصطلح الحديث

الكاتب : Ameer_1924   المشاهدات : 996   الردود : 12    ‏2005-10-30
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-10-30
  1. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    (1)

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين، وبعد،

    نبدأ بحول الله تعالى وعونه دروسا متسلسلة ميسرة سهلة في علم مصطلح الحديث، لملء بعض الفراغ الموجود عند بعض الأخوة الكرام في هذا الموضوع. سيكون الاعتماد على (المنظومة البيقونية) الحاوية لأربع وثلاثين بيتا، وسيكون الشرح مبسطا للمصطلحات الموجودة في المنظومة، مع الاستئناس بكتاب (تيسير مصطلح الحديث) للدكتور محمود الطحان. نسأل الله تعالى التوفيق والسداد.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-10-30
  3. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: دروس ميسرة في علم مصطلح الحديث

    مقدمة:

    يطلق على (علم مصطلح الحديث) اسم (علوم الحديث) أو (أصول الحديث)، وكلها تفيد نفس العلم. وأسس هذا العلم موجودة في القرآن والسنة: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)، الحجرات 6، (نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلَّغ أوعى من سامع)، الترمذي: حسن صحيح، (نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)، الترمذي: حسن، أبو داوود وابن ماجه وأحمد.

    ذكر ابن سيرين في مقدمة صحيح مسلم: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم).

    أول من أفرد هذا العلم بالتصنيف هو القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، المتوفي سنة 360 هـ في كتابه (المحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي). ثم جاء (معرفة علوم الحديث) للحاكم النيسابوري: 405 هـ، (المستخرج على معرفة علوم الحديث) للأصبهاني: 430 هـ، (الكفاية في علم الرواية) للخطيب البغدادي: 463 هـ، وهو من أفضل الكتاب في هذا العلم، (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) للخطيب البغدادي أيضا، (الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع) للقاضي اليحصبي: 544 هـ، (ما لا يسع المحدِّث جهله) للميانجي: 580 هـ، (علوم الحديث) المعروف بـ (مقدمة ابن الصلاح)، للشهرزوري المعروف بابن الصلاح: 643 هـ، (التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير) للنووي: 676 هـ، (نظم الدرر في علم الأثر) المعروف بـ (ألفية العراقي) لزين الدين العراقي: 806 هـ، (نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر) للحافظ العسقلاني: 852 هـ، (فتح المغيث في شرح ألفية الحديث) للسخاوي: 902 هـ، (تدريب الرواي في شرح تقريب النواوي) للسيوطي: 911 هـ، (المنظومة البيقونية) للبيقوني: 1080 هـ، وأخيرا (قواعد التحديث) للقاسمي: 1332 هـ.

    كما أسلفنا، ستكون المنظومة البيقونية عماد هذه الدروس الميسرة بحول الله تعالى، وقد صنفها عمر بن محمد البيقوني المتوفي سنة 1080 هـ رحمه الله.

    ولعل من الجدير ذكره هو أن مصنف الخطيب البغدادي (الكفاية في علم الرواية) يعتبر من أفضل المصنفات وأكثرها قبولا في هذا العلم .
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-10-30
  5. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: دروس ميسرة في علم مصطلح الحديث

    المتن الكامل للمنظومة البيقونية

    بسم الله الرحمن الرحيم

    أبدأُ بالحمدِ مُصَلِّياً على ** مُحمَّدٍ خَيِر نبيْ أُرسِلا
    وذِي مِنَ أقسَامِ الحديث عدَّة ** وكُلُّ واحدٍ أتى وحدَّه
    أوَّلُها ‏(‏الصحيحُ‏)‏ وهوَ ما اتَّصَلْ ** إسنادُهُ ولْم يُشَذّ أو يُعلّ
    يَرْويهِ عَدْلٌ ضَابِطٌ عَنْ مِثْلِهِ ** مُعْتَمَدٌ في ضَبْطِهِ ونَقْلِهِ
    وَ‏(‏الَحسَنُ‏)‏ الَمعْرُوفُ طُرْقاً وغَدَتْ ** رِجَالُهُ لا كالصّحيحِ اشْتَهَرَتْ
    وكُلُّ ما عَنْ رُتبةِ الُحسْنِ قَصْر ** فَهْوَ ‏(‏الضعيفُ‏)‏ وهوَ أقْسَاماً كُثُرْ
    وما أُضيفَ للنبي ‏(‏الَمرْفوعُ‏)‏ ** وما لتَابِعٍ هُوَ ‏(‏المقْطوعُ‏)‏
    وَ‏(‏الُمسْنَدُ‏)‏ الُمتَّصِلُ الإسنادِ مِنْ ** رَاويهِ حتَّى الُمصْطفى ولْم يَبِنْ
    ومَا بِسَمْعِ كُلِّ رَاوٍ يَتَّصِلْ ** إسْنَادُهُ للمُصْطَفى فَـ‏(‏الُمتَّصِلْ‏)‏
    ‏(‏مُسَلْسَلٌ‏)‏ قُلْ مَا عَلَى وَصْفٍ أتَى ** مِثْلُ أمَا والله أنْبأنِي الفَتى
    كذَاكَ قَدْ حَدَّثَنِيهِ قائِماً ** أوْ بَعْدَ أنْ حَدَّثَنِي تَبَسَّمَا
    ‏(‏عَزيزٌ‏)‏ مَروِيُّ اثنَيِن أوْ ثَلاثهْ ** ‏(‏مَشْهورٌ‏)‏ مَرْوِيُّ فَوْقَ ما ثَلاثَهْ
    ‏(‏مَعَنْعَنٌ‏)‏ كَعَن سَعيدٍ عَنْ كَرَمْ ** ‏(‏وَمُبهَمٌ‏)‏ مَا فيهِ رَاوٍ لْم يُسَمْ
    وكُلُّ مَا قَلَّت رِجَالُهُ ‏(‏عَلا‏)‏ ** وضِدُّهُ ذَاكَ الذِي قَدْ ‏(‏نَزَلا‏)‏
    ومَا أضَفْتَهُ إلى الأصْحَابِ مِنْ ** قَوْلٍ وفعْلٍ فهْوَ ‏(‏مَوْقُوفٌ‏)‏ زُكِنْ
    ‏(‏وَمُرْسلٌ‏)‏ مِنهُ الصَّحَابُّي سَقَطْ ** وقُلْ ‏(‏غَريبٌ‏)‏ ما رَوَى رَاوٍ فَقَطْ
    وكلُّ مَا لْم يَتَّصِلْ بِحَالِ ** إسْنَادُهُ ‏(‏مُنْقَطِعُ‏)‏ الأوْصَالِ
    ‏(‏والُمعْضَلُ‏)‏ السَّاقِطُ مِنْهُ اثْنَانِ ** ومَا أتى ‏(‏مُدَلَّساً‏)‏ نَوعَانِ
    الأوَّل الإسْقاطُ للشَّيخِ وأنْ ** يَنْقُلَ مَّمنْ فَوْقَهُ بعَنْ وأنْ
    والثَّانِ لا يُسْقِطُهُ لكنْ يَصِفْ ** أوْصَافَهُ بما بهِ لا يَنْعَرِفْ
    ومَا يَخالِفُ ثِقةٌ فيهِ الَملا ** فـ‏(‏الشَّاذُّ‏)‏ و‏(‏الَمقْلوبُ‏)‏ قِسْمَانِ تَلا
    إبْدَالُ راوٍ ما بِرَاوٍ قِسْمُ ** وقَلْبُ إسْنَادٍ لمتنٍ قِسْمُ
    وَ‏(‏الفَرَدُ‏)‏ ما قَيَّدْتَهُ بثِقَةِ ** أوْ جْمعٍ أوْ قَصِر على روايةِ
    ومَا بعِلَّةٍ غُمُوضٍ أوْ خَفَا ** ‏(‏مُعَلَّلٌ‏)‏ عِنْدَهُمُ قَدْ عُرِفَا
    وذُو اخْتِلافِ سنَدٍ أو مَتْنِ ** ‏(‏مُضْطربٌ‏)‏ عِنْدَ أهْلِ الفَنِّ
    وَ‏(‏الُمدْرَجاتُ‏)‏ في الحديثِ ما أتَتْ ** مِنْ بَعْضِ ألفاظِ الرُّوَاةِ اتَّصَلَتْ
    ومَا رَوى كلُّ قَرِينٍ عنْ أخهْ ** ‏(‏مُدَبَّجٌ‏)‏ فَاعْرِفْهُ حَقًّا وانْتَخِهْ
    مُتَّفِقٌ لَفْظاً وخطاً ‏(‏مُتَّفقْ‏)‏ ** وضِدُّهُ فيما ذَكَرْنَا ‏(‏الُمفْتِرقْ‏)‏
    ‏(‏مُؤْتَلِفٌ‏)‏ مُتَّفِقُ الخطِّ فَقَطْ ** وضِدُّهُ ‏(‏مُختَلِفٌ‏)‏ فَاخْشَ الغَلَطْ
    ‏(‏والُمنْكَرُ‏)‏ الفَردُ بهِ رَاوٍ غَدَا ** تَعْدِيلُهُ لا يْحمِلُ التَّفَرُّدَا
    ‏(‏مَتُروكُهُ‏)‏ مَا وَاحِدٌ بهِ انفَردْ ** وأجَمعُوا لضَعْفِه فَهُوَ كَرَدّ
    والكذِبُ الُمخْتَلَقُ المصنُوعُ ** علَى النَّبيِّ فذَلِكَ ‏(‏الموْضُوعُ‏)‏
    وقَدْ أتَتْ كالَجوْهَرِ المكْنُونِ ** سَمَّيْتُهَا‏:‏ مَنْظُومَةَ البَيْقُوني
    فَوْقَ الثَّلاثيَن بأرْبَعٍ أتَتْ ** أقْسامُهَا ثمَّ بخيٍر خُتِمَتْ
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-10-30
  7. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: دروس ميسرة في علم مصطلح الحديث

    2)


    تعريفات:


    علم المصطلح: علم بأصول وقواعد يعرف بها أحوال السند والمتن من حيث القبول والرد.

    موضوع علم المصطلح: السند والمتن من حيث القبول والرد.

    السند: لغة: المعتمَد، وسمي كذلك لأن الحديث يستند إليه ويعتمد عليه، اصطلاحا: سلسلة الرجال الموصلة للمتن.

    المتن: لغة: ما صلب وارتفع عن الأرض، اصطلاحا: ما ينتهي إليه السند من كلام.

    المسنَد (بفتح النون): لغة: اسم مفعول من أسند الشيء إليه بمعنى عزاه ونسبه له، اصطلاحا: له ثلاث معان: الأول: كل كتاب جمع فيه مرويات كل صحابي على حدة، الثاني: الحديث المرفوع المتصل سندا، الثالث: أن يراد منه (السند) فيكون بهذا مصدرا ميميا.

    المسنِد (بكسر النون): لغة: هو من يروي الحديث بسنده، سواء أكان عنده علم به، أم ليس له إلا مجرد الرواية.
    ثمرة علم المصطلح: تمييز الصحيح من السقيم من الأحاديث.

    الحديث: لغة: الجديد أو المتطور، اصطلاحا: ما أضيف لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة.

    الخبر: لغة: النبأ، اصطلاحا: فيه ثلاث أقوال: الأول: مرادف للحديث، فمعناهما واحد، الثاني: مغاير للحديث: فالحديث ما جاء عن رسول الله والخبر ما جاء عن غيره، الثالث: أعم من الحديث: فالحديث ما جاء عن رسول الله والخبر ما جاء عنه وعن غيره، فيكون الحديث حالة خاصة من الخبر، وهي الحالة التي ينتهي السند فيها إلى رسول الله. لذلك عند قول أحدهم لكلمة (الخبر) لا بد من سؤاله عن قصده من الكلمة إذا لم يكن قوله واضحا مزيلا للبس. ولعلي أميل إلى القول الثالث، لأن اتفاقه مع المعنى اللغوي يزيل الإشكال، والله أعز وأعلم.

    الأثر: لغة: بقية الشيء، اصطلاحا: فيه قولان: الأول: مرادف للحديث، فمعناهما واحد، الثاني: مغاير للحديث، فهو ما أضيف للصحابة والتابعين من أقوال أوأفعال. لذلك عند قول أحدهم لكلمة (الأثر) لا بد من سؤاله عن قصده من الكلمة إذا لم يكن قوله واضحا مزيلا للبس. ولعلي أميل إلى القول الثاني لسببين: الأول: لأن الحديث ليس بقية ولكنه أصل، فيكون القول الثاني أقرب إلى المعنى اللغوي من القول الأول، فأقوال وأفعال الصحابة والتابعين ليست أصلا، إلا ما ندر من إجماع الصحابة الذي هو في واقعه كشف لحكم شرعي خفي علينا ولم يخف على مجموع الصحابة، الثاني: لأن القول بمغايرته للحديث يضفي صفة مستقلة على أقوال وأفعال الصحابة والتابعين، وهذا يسهل الفهم ويزيل اللبس. إلا أنه لا حرج من القول مثلا: جاءنا في الأثر عن سيد البشر، فهذه الجملة واضحة مفهمة أن الأثر هنا مرادف للحديث، ولا مجال للبس، والله أعز وأعلم.

    الإسناد: له معنيان: الأول: عزو الحديث إلى قائله مسنَدا، الثاني: سلسلة الرجال الموصلة إلى المتن، وهو بهذا المعنى مرادف للسند.

    المحدِّث: هو من يشتغل بعلم الحديث رواية ودراية، ويطلع على الكثير من الروايات وأحوال رواتها.

    الحافظ: فيه قولان: الأول: مرادف للمحدِّث، الثاني: أرفع درجة من المحدِّث، بحيث يكون ما يعرفه في كل طبقة أكثر مما يجهله. ولعلي أميل إلى القول الثاني لأن كلمة حَفَظَ مغايرة لكلمة حَدَّثَ في اللغة، وتفيد درجة أرفع من حيث القدرة على التحديث بدون الرجوع إلى الورق، بينما لا يوجد مانع في اللغة من أن يكون المحدِّث قارئا لما على الورق، والله أعز وأعلم.

    الحاكم: هو من أحاط علما بجميع الأحاديث حتى لا يفوته منها إلا اليسير.

    علم الحديث رواية: يبحث عما يُنقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه من أقواله وأفعاله وأحواله، فهو يبحث فيما يُنقل ولا يبحث في النقل. فإذا جاءنا حديث عن رسول الله فإننا نبحث فيه هل هو قول أو فعل أو حال‏؟‏ وهل يدل على كذا أو لا يدل‏؟‏ فموضوعه البحث في ذات رسول الله وما يصدر عن هذه الذات من أقوال وأفعال وأحوال، ومن الأفعال الإقرار، فإنه يعتبر فعلاً، وأما الأحوال فهي صفاته كالطول والقِصَر واللون، والغضب والفرح وما أشبه ذلك‏.‏

    علم الحديث دراية‏:‏ علم يُبحث فيه عن أحوال الراوي والمروي من حيث القبول والرد‏: هل هذا الراوي مقبول أم مردود‏؟‏ هل هذا المروي مقبول أم مردود‏؟‏

    فقبول الراوي لا يستلزم قبول المروي، لأن السند قد يكون رجاله ثقاة عدولا لكن قد يكون المتن شاذا أو معللا، فحينئذ يكون هناك حرج في قبوله‏.‏ كما قد لا يصل رجال السند إلى حد القبول والثقة، ولكن الحديث نفسه يكون مقبولا وذلك لأن له شواهد من الكتاب والسنة.

    إذن فائدة علم مصطلح الحديث هي‏ معرفة ما يُقبل وما يرد من الحديث‏.‏ وهذا مهم بحد ذاته؛ لأن الأحكام الشرعية مبنية على عدة مسائل منها ثبوت الدليل وعدمه، وصحته وضعفه‏.‏


    يتبع بحول الله...
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-10-31
  9. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: دروس ميسرة في علم مصطلح الحديث

    (3)

    قال البيقوني رحمه الله:

    البيت الأول: أبدأُ بالحمدِ مُصَلِّياً على ** مُحمَّدٍ خَيِر نبيْ أُرسِلا

    بيت الشعر واضح، إلا أنه لا بأس من الوقوف على معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وصحبه. فهو‏ طلب الثناء عليه من الله تعالى، وهذا ما إذا وقعت الصلاة من البشر، أما إذا وقعت من الله تعالى فلعل المعنى الراجح هو ثناء الله تعالى عليه في الملأ الأعلى، وأما من قال إن الصلاة من الله تعالى تعني الرحمة، فالظاهر أن هذا القول مرجوح، لقوله تعالى‏:‏(‏أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ‏)‏، البقرة 157، ولو كانت الصلاة بمعنى الرحمة، لكان معنى الآية:‏ أولئك عليهم رحماتٌ من ربهم ورحمة، وهذا لا يستقيم لأن الأصل في الكلام التأسيس؛ والقول بأن المعنى هو: رحمات من ربهم ورحمة، صار عطف مماثل على مماثل‏.‏


    قال البيقوني رحمه الله:

    البيث الثاني: وذي من أقسامِ الحديث عدَّه ** وكلُّ واحدٍ أتى وحَدَّه

    أقسام الحديث هنا يُقصد منها علم الدراية،
    وعده هنا يقصد منها أن العدد ليس بالكثير،
    وكل واحد أتى وحده يقصد منها البيقوني أنه جاء بكل واحد من هذه الأقسام،
    إذ أن الحد هو التعريف بالشيء، ويشترط به أن يكون جامعا مانعا، أو كما يقول البعض: مطردا منعكسا، فلا يدخل فيه من غير المحدود شيء، ولا يخرج منه شيء من المحدود. فالحد هو التعريف، وهو الوصف المحيط بموصوفه، المميز له عن غيره، ولا بد أن يكون جامعا مانعا.

    نبدأ بحول الله أقسامَ الحديث بالحديث الصحيح في الدرس المقبل،

    يتبع بحول الله...
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-11-01
  11. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: دروس ميسرة في علم مصطلح الحديث

    (4)

    قال البيقوني رحمه الله:

    البيث الثالث: أوَّلُها الصَّحيحُ وهوَ ما اتّصَل ** إسنَادُهُ ولَم يُشذّ أو يُعَل

    بدأ أقسام الحديث بـ (الصحيح)،

    والصحيح: لغة: ضد السقيم، وهو حقيقة في الأجسام مجاز في الحديث وسائر المعاني. اصطلاحا: ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة. إذن نرى بوضوح أن بيتي الشعر الثالث والرابع جمعا المعنى الإصطلاحي للحديث الصحيح.

    إذن قوله (ما اتصل إسناده)، أي أن كل راوي أخذ عمن فوقه من أول السند إلى منتهاه، فمثلا هناك تابع التابعي، وهناك التابعي، وهناك الصحابي، وهناك رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه. لو أخذ تابع التابعي عن التابعي، وهذا بدوره أخذ عن الصحابي، وهذا بدوره أخذ عن رسول الله، فهذا سند متصل، أما إذا أخذ تابع التابعي عن الصحابي الذي أخذ عن رسول الله، فهذا سند منقطع لأن التابعي سقط منه، فهذا لا يكون حديثا صحيحا، ولكن له تصنيف آخر سيأتي السياق عليه في قابل الكلام بحول الله.

    وقوله (لم يشذ) يعني أنه يشترط في الحديث حتى يكون صحيحا أن لا يكون شاذا.
    الشذوذ: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، قيل إما في العدد، أو في العدالة‏، أو في الضبط.

    فمثلا لو جاء الحديث بسند متصل لكنه شاذ، بحيث يكون مخالفا لرواية أخرى، هي أرجح منه في العدد أو العدالة أو الضبط، فإنه لا يعتبر حديثا صحيحا ولو كان الذي رواه عدلا، ولو كان السند متصلا، بسبب شذوذه‏.‏

    والشذوذ‏:‏ قد يكون في حديث واحد، وقد يكون في حديثين منفصلين، يعني أنه لا يشترط في الشذوذ أن يكون الرواة قد اختلفوا في حديث واحد، بل قد يكون الشذوذ آت في حديث آخر، مثاله‏:‏ ما ورد في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلّم نهى عن الصيام إذا انتصف شعبان، والحديث لا بأس به من حيث السند، لكن ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلّم في صحيحي البخاري ومسلم أنه قال‏: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه) فإذا أخذنا بالحديث الثاني الوارد في الصحيحين قلنا إن فيه دلالة على أن الصيام بعد منتصف شعبان جائز ولا شيء فيه، لأن النهي حُدد بما قبل رمضان بيوم أو يومين، وإذا أخذنا بالأول نقول إن النهي يبدأ من منتصف شعبان، فأخذ أحمد بن حنبل، مثلا، بالحديث الوارد في الصحيحين وهو النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وقال إن حديث السنن حديث شاذ، لأنه مخالف لما هو أرجح منه وهو الذي في الصحيحين‏.

    ولو أن رجلا ثقة عدلا روى حديثا على وجه، ثم رواه رجلان مثله في العدالة على وجه مخالف للأول، يكون الحديث الأول شاذا، فلا يكون صحيحا وإن رواه العدل الثقة. ولو روى إنسان حديثا على وجه، ورواه إنسان آخر على وجه يخالف الأول، وهذا الثاني أقوى في العدالة أو في الضبط، يكون الأول شاذا، وهكذا، فمالمسألة ليست متروكة على عواهنها كما نرى.

    قوله ‏(‏أو يعل‏) يعني أنه يشترط في الحديث حتى يكون صحيحا أن لا يكون معلولا.
    العلة: سبب غامض خفي يقدح في صحة الحديث، مع أن الظاهر السلامة منه.
    ‏لكن هناك شرط زائد على ما قال البيقوني وهو أن لا يُعل الحديث بعلة قادحة، لأن الحديث قد يُعل بعلة لا تقدح فيه.

    والعلة القادحة اختلف فيها العلماء اختلافا كثيرا، وذلك لأن بعض العلماء قد يرى أن في الحديث علة توجب القدح فيه، وبعضهم قد لا يراها علة قادحة.

    ومثاله‏:‏ لو أن شخصا ظن أن هذا الحديث مخالف لما هو أرجح منه لقال‏:‏ إن الحديث شاذ، ثم لا يقبله، فإذا جاء آخر وتأمل الحديث وجد أنه لا يخالفه، فبالتالي يحكم بصحة الحديث، لأن أمر العلة أمر خفي، فقد يخفى على الإنسان وجه ارتفاع العلة فيعلله بهذه العلة، ويأتي آخر ويتبين له انخفاض العلة فلا يعلله‏. لذلك جاء قيد أن تكون العلة قادحة، والعلة القادحة هي التي تكون في صميم موضوع الحديث، أما التي تكون خارج موضوعه فهذه لا تكون علة قادحة‏.

    مثال قصة بعير جابر - رضي الله عنه - الذي اشتراه منه رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه، حيث اختلف الرواة في ثمن هذا البعير، هل هو أوقية، أو أكثر، أو أقل، فهذا الخلاف لا يعتبر علة قادحة في الحديث، لأن موضوع الحديث هو‏:‏ شراء رسول الله الجمل من جابر واشتراط جابر أن يحمله الجمل إلى المدينة، وهذا الموضوع لم يتأثر ولم يُصب بأي علة تقدح فيه، وغاية ما فيه أنهم اختلفوا في مقدار الثمن، وهذه ليست بعلة قادحة في الحديث‏ لأنها ليست في موضوعه.

    ومن العلل القادحة‏:‏ أن يروي الحديث إثنان، أحدهما يرويه بصفة النفي، والاخر يرويه بصفة الإثبات، وهذا لا شك أنها علة قادحة، وسيأتي الكلام عليه في الحديث المضطرب بحول الله.

    يتبع بحول الله...
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-11-01
  13. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: دروس ميسرة في علم مصطلح الحديث

    (4)

    قال البيقوني رحمه الله:

    البيث الثالث: أوَّلُها الصَّحيحُ وهوَ ما اتّصَل ** إسنَادُهُ ولَم يُشذّ أو يُعَل

    بدأ أقسام الحديث بـ (الصحيح)،

    والصحيح: لغة: ضد السقيم، وهو حقيقة في الأجسام مجاز في الحديث وسائر المعاني. اصطلاحا: ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة. إذن نرى بوضوح أن بيتي الشعر الثالث والرابع جمعا المعنى الإصطلاحي للحديث الصحيح.

    إذن قوله (ما اتصل إسناده)، أي أن كل راوي أخذ عمن فوقه من أول السند إلى منتهاه، فمثلا هناك تابع التابعي، وهناك التابعي، وهناك الصحابي، وهناك رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه. لو أخذ تابع التابعي عن التابعي، وهذا بدوره أخذ عن الصحابي، وهذا بدوره أخذ عن رسول الله، فهذا سند متصل، أما إذا أخذ تابع التابعي عن الصحابي الذي أخذ عن رسول الله، فهذا سند منقطع لأن التابعي سقط منه، فهذا لا يكون حديثا صحيحا، ولكن له تصنيف آخر سيأتي السياق عليه في قابل الكلام بحول الله.

    وقوله (لم يشذ) يعني أنه يشترط في الحديث حتى يكون صحيحا أن لا يكون شاذا.
    الشذوذ: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، قيل إما في العدد، أو في العدالة‏، أو في الضبط.

    فمثلا لو جاء الحديث بسند متصل لكنه شاذ، بحيث يكون مخالفا لرواية أخرى، هي أرجح منه في العدد أو العدالة أو الضبط، فإنه لا يعتبر حديثا صحيحا ولو كان الذي رواه عدلا، ولو كان السند متصلا، بسبب شذوذه‏.‏

    والشذوذ‏:‏ قد يكون في حديث واحد، وقد يكون في حديثين منفصلين، يعني أنه لا يشترط في الشذوذ أن يكون الرواة قد اختلفوا في حديث واحد، بل قد يكون الشذوذ آت في حديث آخر، مثاله‏:‏ ما ورد في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلّم نهى عن الصيام إذا انتصف شعبان، والحديث لا بأس به من حيث السند، لكن ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلّم في صحيحي البخاري ومسلم أنه قال‏: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه) فإذا أخذنا بالحديث الثاني الوارد في الصحيحين قلنا إن فيه دلالة على أن الصيام بعد منتصف شعبان جائز ولا شيء فيه، لأن النهي حُدد بما قبل رمضان بيوم أو يومين، وإذا أخذنا بالأول نقول إن النهي يبدأ من منتصف شعبان، فأخذ أحمد بن حنبل، مثلا، بالحديث الوارد في الصحيحين وهو النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وقال إن حديث السنن حديث شاذ، لأنه مخالف لما هو أرجح منه وهو الذي في الصحيحين‏.

    ولو أن رجلا ثقة عدلا روى حديثا على وجه، ثم رواه رجلان مثله في العدالة على وجه مخالف للأول، يكون الحديث الأول شاذا، فلا يكون صحيحا وإن رواه العدل الثقة. ولو روى إنسان حديثا على وجه، ورواه إنسان آخر على وجه يخالف الأول، وهذا الثاني أقوى في العدالة أو في الضبط، يكون الأول شاذا، وهكذا، فمالمسألة ليست متروكة على عواهنها كما نرى.

    قوله ‏(‏أو يعل‏) يعني أنه يشترط في الحديث حتى يكون صحيحا أن لا يكون معلولا.
    العلة: سبب غامض خفي يقدح في صحة الحديث، مع أن الظاهر السلامة منه.
    ‏لكن هناك شرط زائد على ما قال البيقوني وهو أن لا يُعل الحديث بعلة قادحة، لأن الحديث قد يُعل بعلة لا تقدح فيه.

    والعلة القادحة اختلف فيها العلماء اختلافا كثيرا، وذلك لأن بعض العلماء قد يرى أن في الحديث علة توجب القدح فيه، وبعضهم قد لا يراها علة قادحة.

    ومثاله‏:‏ لو أن شخصا ظن أن هذا الحديث مخالف لما هو أرجح منه لقال‏:‏ إن الحديث شاذ، ثم لا يقبله، فإذا جاء آخر وتأمل الحديث وجد أنه لا يخالفه، فبالتالي يحكم بصحة الحديث، لأن أمر العلة أمر خفي، فقد يخفى على الإنسان وجه ارتفاع العلة فيعلله بهذه العلة، ويأتي آخر ويتبين له انخفاض العلة فلا يعلله‏. لذلك جاء قيد أن تكون العلة قادحة، والعلة القادحة هي التي تكون في صميم موضوع الحديث، أما التي تكون خارج موضوعه فهذه لا تكون علة قادحة‏.

    مثال قصة بعير جابر - رضي الله عنه - الذي اشتراه منه رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه، حيث اختلف الرواة في ثمن هذا البعير، هل هو أوقية، أو أكثر، أو أقل، فهذا الخلاف لا يعتبر علة قادحة في الحديث، لأن موضوع الحديث هو‏:‏ شراء رسول الله الجمل من جابر واشتراط جابر أن يحمله الجمل إلى المدينة، وهذا الموضوع لم يتأثر ولم يُصب بأي علة تقدح فيه، وغاية ما فيه أنهم اختلفوا في مقدار الثمن، وهذه ليست بعلة قادحة في الحديث‏ لأنها ليست في موضوعه.

    ومن العلل القادحة‏:‏ أن يروي الحديث إثنان، أحدهما يرويه بصفة النفي، والاخر يرويه بصفة الإثبات، وهذا لا شك أنها علة قادحة، وسيأتي الكلام عليه في الحديث المضطرب بحول الله.

    يتبع بحول الله...
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-11-02
  15. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: دروس ميسرة في علم مصطلح الحديث

    (5)

    قال البيقوني رحمه الله:

    البيت الرابع: يَرْويهِ عَدْلٌ ضابِطٌ عَن مثله ** مُعْتَمَدٌ في ضَبْطِهِ ونَقْلِهِ

    وهنا يواصل شرح الحديث (الصحيح) وذكر شروطه.

    عدالة الرواة: كل راو من رواته مسلم بالغ عاقل غير فاسق وغير مخروم المروءة.
    ضبط الرواة: كل راو من رواته تام الضبط. والضبط إما ضبط الصدر وإما ضبط الكتاب.

    فقوله‏:‏ ‏(‏يرويه عَدْل‏)‏ يعني أنه لابد أن يكون الراوي عَدْلا. والعَدْل هو من لا يظهر عليه الفسق، فمن كان فاسقا ظاهر الفسق لا تقبل شهادته، ومن لم يكن ظاهر الفسق تقبل شهادته. وقد اختلف العلماء كثيرا في تعريف العَدْل، إلا أن الأوْلى أن يقال أن العَدْل هو من كان منزجرا عما يعتبره الناس خروجا عن الاستقامة.

    فالعدالة اشترِطت في شهادة المسلم واشترِطت في شهادة الكافر بلفظ واحد من غير تمييز، قال تعالى (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) فقال ذوي عدل من المسلمين أو ذوي عدل من غير المسلمين، فالعدالة منفصلة عن الإسلام، وقد يتسم المسلم بها وقد لا يتسم، وقد يتسم الكافر بها وقد لا يتسم. فمن كان منزجرا عما يعتبره الناس خروجا عن الاستقامة كان عدلا، لأنه ممن قام في النفوس أنه مستقيم، ومن عرف بالجرأة على الحرام أو المجاهرة بالمعصية أو كان غير مبال بها، أو معروفا بعدم الاستقامة، كان فاسقا. فالعَدْل يقابله الفاسق والعدالة يقابلها الفسق. والفاسق هو من كان غير منزجر عن الحرام أو من كان معروفا بعدم الاستقامة، والعدل هو من كان منزجرا عن الحرام أو من لم يعرف عنه عدم الاستقامة. ويؤيد هذا قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) فإن مفهوم عدم قبول خبر الفاسق قبول خبر العَدْل، أي إن جاءكم غير فاسق، أي عَدْل، فلا تتبينوا بل اقبلوا. ورفض خبر الفاسق دليل على أن كونه غير فاسق أي عَدْلا شرط في قبول شهادته، والرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تعتبر ضرب من ضروب الشهادة، إذ يشهد صاحبها أنه سمع الحديث عن الراوي الذي فوقه، وعدالة الصحابة لا يُبحث فيها لأنها متحققة فيهم كافة. والأصل في المسلم أن يكون عَدْلا حتى يثبت عليه الفسق، لأن اعتناق الإسلام يجعل الأصل في معتنقه أن يكون عَدْلا، كتب عمر إلى أبي موسى "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجرباً عليه شهادة زور أو مجلوداً في حد أو ضنيتاً في ولاء أو قرابة" أي أن الأصل في المسلم العدالة وما جاء على الأصل لا يطلب البينة عليه بل البينة إنما شرعت لإثبات خلاف الأصل، وعليه لا يسأل عن المسلم هل هو عَدْل أم لا، لأن الأصل في المسلم أن يكون عَدْلا، فإذا طعن أحدهم بمسلم، فعلى الطاعن أن يثبت دعوى عدم عدالته أي دعوى أنه فاسق.

    وقوله ‏(‏ضابط‏)‏‏، هو الذي يحفظ ما روى تحملا وأداء. ولعل هذا في حالة حفظ الصدر، أما حفظ الكتاب فالمسألة مرتبطة بحسن التدوين.

    التحمل: أن يكون نبيها يقظا عند تحديث الشيخ للحديث، فلا تكاد تخرج كلمة من فم الشيخ إلا وقد ضبطها وحفظها. الأداء‏:‏ أن يكون قليل النسيان، بحيث أنه إذا أراد أن يحدث بما سمعه من الشيخ، أداه كما سمعه تماما، فلابد من الضبط في الحالين في حال التحمل، وحال الأداء‏.

    وضد الضبط هو‏:‏ أن يكون الإنسان لديه غفلة عند التحمل، أو أن يكون كثير النسيان عند الأداء‏. ولا يقال أن لا ينسى؛ لأن اشتراط أن لا ينسى، يفضي إلى عدم أخذ عُشر ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلّم، ولكن المراد ألا يكون كثير النسيان، فإن كان كثير النسيان فإن حديثه لا يكون صحيحاً، لماذا‏؟ لاحتمال أن يكون قد نسي، والناس يختلفون في هذا اختلافا كبيرا، لا عند التحمل ولا عند الأداء، فبعض الناس يرزقه الله فهما وحفظا جيدا، فبمجرد ما أن يسمع الكلمة، إلا وقد تصورها، وقد حفظها وضبطها تماما وأودعها الحافظة عنده، على ما هي عليه تماماً، وبعض الناس يفهم الشيء خطأ ثم يُودع ما فهمه إلى الحافظة‏.‏

    وكذلك النسيان فإن الناس يختلفون فيه اختلافا عظيما، فمن الناس من إذا حفظ الحديث استودعه تماما كما حفظه، لا ينسى منه شيئا، وإن نسي فهو نادر، ومن الناس من يكون بالعكس‏. أما الأول‏:‏ فمعروفٌ أنه ضابط‏.‏ أما الثاني‏:‏ وهو كثير النسيان فليس بضابط، ولكن يجب عليه تعاهد ما تحمله أكثر مما يجب على الأول، لأنه إذا لم يتعاهده فسوف يُنسى ويضيع‏.

    فلا بد أن يكون الراوي متصفا بالعدالة والضبط، ويرويه عمن اتصف بالعدالة والضبط‏.‏ فلو روى عدل عن فاسق، فلا يكون حديثه صحيحا، وكذا إذا روى إنسان عدل جيد الحفظ، عن رجل سيء الحفظ، كثير النسيان، فإن حديثه لا يقبل، ولا يكون صحيحا، لأنه لم يروه عن رجل ضابط مثله‏.

    أخيرا، في مبحث (الحديث الصحيح)، ما هي أصح كتب السنة‏؟ الجواب‏:‏ الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم تعتبر أصح الأحاديث، فمثلا في بلوغ المرام يقول الحافظ عقب الحديث‏:‏ متفق عليه، يعني رواه البخاري ومسلم‏. ثم ما انفرد به البخاري، لأن شرط البخاري أقوى من شرط مسلم، وهو ثبوت اللقاء بين الراوي ومن روى عنه، بخلاف مسلم الذي اشترط المعاصرة دون الملاقاة، فكان شرط البخاري أشد وأقوى، فلذلك قالوا‏:‏ إن صحيح البخاري أصح من صحيح مسلم‏.

    قال الناظم‏: تشاجرَ قومٌ في البخاري ومسلم لدَي وقالوا‏:‏ أي ذَينٍ تَقَدمُ؟ فقلتُ: لقد فاقَ البخاريُّ صحةًكما فاق في حُسنِ الصناعةِ مسلمُ يعني أن مسلماً في الترتيب، وسياق طرق الحديث، أحسن من البخاري، لكن من حيث الصحة فالبخاري يفوق مسلماً‏. وفي بحث الحديث يهمنا الصحة أكثر مما يهمنا التنسيق وحسن الصناعة.

    فمراتب الحديث الصحيح سبعة وهي‏:
    1. ما اتفق عليه البخاري ومسلم‏،
    2. ما انفرد به البخاري‏،
    3. ما انفرد به مسلم‏،
    4. ما كان على شرطهما‏.‏ وأحياناً يعبرون بقولهم‏:‏ على شرط الصحيحين، أو على شرط البخاري ومسلم‏،
    5. ما كان على شرط البخاري‏،
    6. ما كان على شرط مسلم‏،
    7. ما كان على شرط غيرهما‏.

    يتبع بحول الله...
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-11-02
  17. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: دروس ميسرة في علم مصطلح الحديث

    (5)

    قال البيقوني رحمه الله:

    البيت الرابع: يَرْويهِ عَدْلٌ ضابِطٌ عَن مثله ** مُعْتَمَدٌ في ضَبْطِهِ ونَقْلِهِ

    وهنا يواصل شرح الحديث (الصحيح) وذكر شروطه.

    عدالة الرواة: كل راو من رواته مسلم بالغ عاقل غير فاسق وغير مخروم المروءة.
    ضبط الرواة: كل راو من رواته تام الضبط. والضبط إما ضبط الصدر وإما ضبط الكتاب.

    فقوله‏:‏ ‏(‏يرويه عَدْل‏)‏ يعني أنه لابد أن يكون الراوي عَدْلا. والعَدْل هو من لا يظهر عليه الفسق، فمن كان فاسقا ظاهر الفسق لا تقبل شهادته، ومن لم يكن ظاهر الفسق تقبل شهادته. وقد اختلف العلماء كثيرا في تعريف العَدْل، إلا أن الأوْلى أن يقال أن العَدْل هو من كان منزجرا عما يعتبره الناس خروجا عن الاستقامة.

    فالعدالة اشترِطت في شهادة المسلم واشترِطت في شهادة الكافر بلفظ واحد من غير تمييز، قال تعالى (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) فقال ذوي عدل من المسلمين أو ذوي عدل من غير المسلمين، فالعدالة منفصلة عن الإسلام، وقد يتسم المسلم بها وقد لا يتسم، وقد يتسم الكافر بها وقد لا يتسم. فمن كان منزجرا عما يعتبره الناس خروجا عن الاستقامة كان عدلا، لأنه ممن قام في النفوس أنه مستقيم، ومن عرف بالجرأة على الحرام أو المجاهرة بالمعصية أو كان غير مبال بها، أو معروفا بعدم الاستقامة، كان فاسقا. فالعَدْل يقابله الفاسق والعدالة يقابلها الفسق. والفاسق هو من كان غير منزجر عن الحرام أو من كان معروفا بعدم الاستقامة، والعدل هو من كان منزجرا عن الحرام أو من لم يعرف عنه عدم الاستقامة. ويؤيد هذا قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) فإن مفهوم عدم قبول خبر الفاسق قبول خبر العَدْل، أي إن جاءكم غير فاسق، أي عَدْل، فلا تتبينوا بل اقبلوا. ورفض خبر الفاسق دليل على أن كونه غير فاسق أي عَدْلا شرط في قبول شهادته، والرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تعتبر ضرب من ضروب الشهادة، إذ يشهد صاحبها أنه سمع الحديث عن الراوي الذي فوقه، وعدالة الصحابة لا يُبحث فيها لأنها متحققة فيهم كافة. والأصل في المسلم أن يكون عَدْلا حتى يثبت عليه الفسق، لأن اعتناق الإسلام يجعل الأصل في معتنقه أن يكون عَدْلا، كتب عمر إلى أبي موسى "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجرباً عليه شهادة زور أو مجلوداً في حد أو ضنيتاً في ولاء أو قرابة" أي أن الأصل في المسلم العدالة وما جاء على الأصل لا يطلب البينة عليه بل البينة إنما شرعت لإثبات خلاف الأصل، وعليه لا يسأل عن المسلم هل هو عَدْل أم لا، لأن الأصل في المسلم أن يكون عَدْلا، فإذا طعن أحدهم بمسلم، فعلى الطاعن أن يثبت دعوى عدم عدالته أي دعوى أنه فاسق.

    وقوله ‏(‏ضابط‏)‏‏، هو الذي يحفظ ما روى تحملا وأداء. ولعل هذا في حالة حفظ الصدر، أما حفظ الكتاب فالمسألة مرتبطة بحسن التدوين.

    التحمل: أن يكون نبيها يقظا عند تحديث الشيخ للحديث، فلا تكاد تخرج كلمة من فم الشيخ إلا وقد ضبطها وحفظها. الأداء‏:‏ أن يكون قليل النسيان، بحيث أنه إذا أراد أن يحدث بما سمعه من الشيخ، أداه كما سمعه تماما، فلابد من الضبط في الحالين في حال التحمل، وحال الأداء‏.

    وضد الضبط هو‏:‏ أن يكون الإنسان لديه غفلة عند التحمل، أو أن يكون كثير النسيان عند الأداء‏. ولا يقال أن لا ينسى؛ لأن اشتراط أن لا ينسى، يفضي إلى عدم أخذ عُشر ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلّم، ولكن المراد ألا يكون كثير النسيان، فإن كان كثير النسيان فإن حديثه لا يكون صحيحاً، لماذا‏؟ لاحتمال أن يكون قد نسي، والناس يختلفون في هذا اختلافا كبيرا، لا عند التحمل ولا عند الأداء، فبعض الناس يرزقه الله فهما وحفظا جيدا، فبمجرد ما أن يسمع الكلمة، إلا وقد تصورها، وقد حفظها وضبطها تماما وأودعها الحافظة عنده، على ما هي عليه تماماً، وبعض الناس يفهم الشيء خطأ ثم يُودع ما فهمه إلى الحافظة‏.‏

    وكذلك النسيان فإن الناس يختلفون فيه اختلافا عظيما، فمن الناس من إذا حفظ الحديث استودعه تماما كما حفظه، لا ينسى منه شيئا، وإن نسي فهو نادر، ومن الناس من يكون بالعكس‏. أما الأول‏:‏ فمعروفٌ أنه ضابط‏.‏ أما الثاني‏:‏ وهو كثير النسيان فليس بضابط، ولكن يجب عليه تعاهد ما تحمله أكثر مما يجب على الأول، لأنه إذا لم يتعاهده فسوف يُنسى ويضيع‏.

    فلا بد أن يكون الراوي متصفا بالعدالة والضبط، ويرويه عمن اتصف بالعدالة والضبط‏.‏ فلو روى عدل عن فاسق، فلا يكون حديثه صحيحا، وكذا إذا روى إنسان عدل جيد الحفظ، عن رجل سيء الحفظ، كثير النسيان، فإن حديثه لا يقبل، ولا يكون صحيحا، لأنه لم يروه عن رجل ضابط مثله‏.

    أخيرا، في مبحث (الحديث الصحيح)، ما هي أصح كتب السنة‏؟ الجواب‏:‏ الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم تعتبر أصح الأحاديث، فمثلا في بلوغ المرام يقول الحافظ عقب الحديث‏:‏ متفق عليه، يعني رواه البخاري ومسلم‏. ثم ما انفرد به البخاري، لأن شرط البخاري أقوى من شرط مسلم، وهو ثبوت اللقاء بين الراوي ومن روى عنه، بخلاف مسلم الذي اشترط المعاصرة دون الملاقاة، فكان شرط البخاري أشد وأقوى، فلذلك قالوا‏:‏ إن صحيح البخاري أصح من صحيح مسلم‏.

    قال الناظم‏: تشاجرَ قومٌ في البخاري ومسلم لدَي وقالوا‏:‏ أي ذَينٍ تَقَدمُ؟ فقلتُ: لقد فاقَ البخاريُّ صحةًكما فاق في حُسنِ الصناعةِ مسلمُ يعني أن مسلماً في الترتيب، وسياق طرق الحديث، أحسن من البخاري، لكن من حيث الصحة فالبخاري يفوق مسلماً‏. وفي بحث الحديث يهمنا الصحة أكثر مما يهمنا التنسيق وحسن الصناعة.

    فمراتب الحديث الصحيح سبعة وهي‏:
    1. ما اتفق عليه البخاري ومسلم‏،
    2. ما انفرد به البخاري‏،
    3. ما انفرد به مسلم‏،
    4. ما كان على شرطهما‏.‏ وأحياناً يعبرون بقولهم‏:‏ على شرط الصحيحين، أو على شرط البخاري ومسلم‏،
    5. ما كان على شرط البخاري‏،
    6. ما كان على شرط مسلم‏،
    7. ما كان على شرط غيرهما‏.

    يتبع بحول الله...
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2005-11-04
  19. القيري اليماني

    القيري اليماني قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-11-17
    المشاركات:
    2,972
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: دروس ميسرة في علم مصطلح الحديث

    دروس طيبة تابع بارك الله فيك وأثابك الله من فضله
    فهذه هي أمة السند ولا فخر
     

مشاركة هذه الصفحة