هذا هو الإسلام .. بقلم د‏.‏ محمد سيـد طنطاوي

الكاتب : ابــو الـخيــر   المشاهدات : 446   الردود : 0    ‏2005-10-27
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-10-27
  1. ابــو الـخيــر

    ابــو الـخيــر قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-10-21
    المشاركات:
    3,549
    الإعجاب :
    0
    هذا هو الإسلام
    عن الجريمة والعقوبة
    بقلم : فضيلة الإمام الأكبر
    د‏.‏ محمد سيد طنطاوي
    شيخ الأزهر الشريف

    قص الله علينا ـ سبحانه ـ جانبا من المحاورات التي دارت بين الأخوين قابيل وهابيل فقال‏:‏ قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين‏.‏

    أي‏:‏ قال قابيل متوعدا أخاه هابيل‏,‏ لأقتلنك بسبب قبول قربانك دون قرباني‏.‏

    فأنت تري أن هذا الأخ الظالم قد توعد أخاه بالقتل الذي هو جريمة من أشنع الجرائم‏,‏ دون أن يقيم للأخوة التي بينهما وزنا‏,‏ ودون أن يهتم بحرمة الدماء‏,‏ وبحق غيره في الحياة‏.‏

    والذي حمله علي ذلك هو الحسد لأخيه علي مزية القبول‏,‏ وقد أكد تصميمه علي قتله لأخيه بالقسم المطوي في الكلام‏,‏ والذي تدل عليه اللام ونون التوكيد الثقيلة‏.‏

    أي‏:‏ والله لأقتلنك بسبب قبول قربانك‏,‏ وعدم قبول قرباني‏.‏

    وهنا يقص علينا القرآن الكريم ما رد به الأخ البار التقي وهو هابيل علي أخيه الظالم الحاسد وهو قابيل فيقول‏:‏ قال إنما يتقبل الله من المتقين‏.‏

    أي‏:‏ قال هابيل لأخيه قابيل ناصحا ومرشدا‏:‏ إنما يتقبل الله الأقوال والأعمال والصدقات من عباده المتقين الذين يخشونه في السر والعلن‏,‏ وليس من سواهم من الظالمين الحاسدين لغيرهم علي ما آتاهم الله من فضله من نعم ومنن‏,‏ فعليك‏,‏ إذا أردت أن تقبل صدقتك‏,‏ أن تكون من المتقين الذين يخلصون أقوالهم وأعمالهم وعبادتهم لله ـ تعالي ـ وحده‏,‏ والذين يتنزهون عن رذيلة الحقد والحسد‏...‏

    ثم انتقل هابيل من وعظ أخيه بتطهير قلبه‏,‏ إلي تذكيره بحقوق الأخوة وما تقتضيه من بر وتسامح‏,‏ فقال ـ كما ذكر القرآن عنه ـ‏:‏ لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين‏.‏

    والمعني‏:‏ قال هابيل لأخيه قابيل والله لئن مددت إلي يدك بالقتل ظلما وحسدا‏,‏ فإني أنا لن أقابل فعلك بمثله‏,‏ حتي ولو كنت قادرا علي ذلك‏,‏ لأن القتل ـ وخصوصا إذا كان بين الإخوة ـ جريمة منكرة نهي الله ـ تعالي ـ عنها نهيا شديدا‏,‏ وإني أخاف الله ـ تعالي ـ رب العالمين من أن أفعل ما نهاني عن فعله‏.‏

    والمتدبر في كلام الأخوين يري أن قابيل قد أكد تصميمه علي قتل أخيه هابيل بجملة قسمية وهي قوله‏:‏ لأقتلنك أي‏:‏ والله لأقتلنك‏.‏

    ويري أن هابيل قد أكد نفوره من القتل ـ أيضا ـ بجملة قسمية‏,‏ وهي قوله‏:‏ لئن بسطت‏.‏

    أي‏:‏ والله لئن مددت يدك إلي بالقتل‏,‏ فلن أقابل عدوانك بمثله‏.‏

    وبذلك يظهر الفرق الشاسع بين الأخوين في الأخلاق والسلوك والطباع‏.‏

    قال الإمام الألوسي ـ رحمه الله ـ‏:‏ قيل‏:‏ كان هابيل أقوي من قابيل‏,‏ ولكنه تحرج عن قتله واستسلم له خوفا من الله ـ تعالي ـ وتحريا لما هو الأفضل والأكثر ثوابا‏,‏ وهو كونه مقتولا لا قاتلا‏.‏

    وقد أكد هابيل خوفه من الله ـ تعالي ـ بإن المؤكدة للقول‏,‏ وبذكره له ـ سبحانه ـ بلفظ الجلالة‏,‏ المشعر بأنه هو وحده صاحب السلطان‏,‏ وبوصفه له ـ عزوجل ـ بأنه رب العالمين‏,‏ أي‏:‏ منشئ الكون ومن فيه وما فيه‏,‏ وصاحب النعم التي لا تحصي علي خلقه‏.‏
     

مشاركة هذه الصفحة