الوقت في الإسلام

الكاتب : عبدالكريم   المشاهدات : 389   الردود : 0    ‏2005-10-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-10-24
  1. عبدالكريم

    عبدالكريم عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2002-06-19
    المشاركات:
    613
    الإعجاب :
    0
    الوقت هو حكم الله الذي وضعه ليكون “ظرف زمان” للعبديؤدي فيه التكليفات الشرعية التي يتعين عليه أن يقوم بها، وهو من قبيل خطاب الوضع، أي الأحكام التي وصفها الشارع سبحانه لكي يرتب على وصفها أحكاما شرعية تكليفية مطلوبة، مثل الركن أو الشرط، أو المانع أو العلامة أو السبب كما في الوقت، فإن وقت الصلاة إذا حل، يترتب عليه شغل ذمة العبدبأن يؤدي ما كلفه الشارع به من وجوب أداء صلاة الفرض الذي دخل وقته، وقبل دخوله تكون الذمة بريئة، وكذلك حلول شهر رمضان، فإنه يمثل سببا لشغل ذمة المكلفين بالصيام إعمالا لقول الله تعالى: “فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشهْرَ فَلْيَصُمْهُ” وكذلك دخول وقت الحج في حق القادر المستطيع، فإنه يترتب عليه أن تشغل ذمته بأداء فريضة العمر، وإذا كان دخول الوقت يمثل حكما شرعيا وضعه الله تعالى ليترتب عليه حكم تكليفي، هو شغل الذمة بأداء المطلوب في مجال العبادات، فإنه يعتبره كذلك سببا في مجال المعاملات، لكنه سبب اتفاقي بين الناس، فالدائن الذي يتفق مع مدينه على أن يؤدي له ما عليه من الدين في وقت معين، يكون ذلك الاتفاق سببا لإلزامه بالوفاء عند حلول هذا الوقت، فإذا لم يؤد ما عليه اختيارا، فإنه يجبر على أن يوفي به جبرا واضطرارا بواسطة القوة الجبرية التي تقع على عاتقها إلزامه بأن يؤدي ما عليه للدائن، بل إن الوقت قد يكون سببا لأحداث كبرى في حياة الإنسان وبمقتضاه يتم حسابه وفقا لتاريخ تلك الأحداث، وذلك كما في واقعة الميلاد مثلا وكما في واقعة الوفاة، فإن هذين التاريخين يمثلان حدا فاصلا في حياة الإنسان، وذلك لاكتسابه جميع الحقوق المرتبطة بالإنسان سواء أكانت مالية أم غير مالية، وسواء كانت حقوقا شخصية أم حقوقا عينية، عند مولده، وانتقال ما في ذمته من الأموال إلى ورثته عند وفاته، وكذلك ما عليه من الديون حتى نقضي عنه من ماله الذي خلفه، وبناء على القاعدة الفقهية التي تقضي بأنه “لا تركة إلا بعد سداد الديون”، ومن ثم يبدو أن للوقت أهمية شرعية كبرى لبدء الحياة ونهايتها وما يتوسط البداية والنهاية من الحقوق والالتزامات، أو التكليفات والامتيازات على مستوى الأفراد بل وعلى مستوى الحياة كلها، فإن لها بداية، كما أن لها نهاية يقدر الله فيهما بخلقه ما يريده، ويجري عليهم فيهما ما يشاؤه.
    وللوقت مهمة أخرى في حياة الناس، حيث يمثل مظهر قدرة الله في إفناء الخلق، وعجزهم وضعفهم أمام قهر الزمن، فإن الزمان يصنع بهم ما لا يقدرون على إخفائه في ابدانهم ووجوههم، وكل مظاهر حياتهم، كما أنه يصنع بأعتى الكائنات ما لا تقوى على رده، ولا تقدر على هزيمته، فترى الحديد الصلد القوي أمام عاتبات الزمن كماً من الصدأ، أو قدرا من التراب، ولهذا كان الوقت مظهرا من مظاهر قدرة الله التي تؤكد لهم بالعين الناظرة أنه هو القاهر فوق عباده، وأنهم أمام قوته وقهره وجبروته لا يملكون حيلة، ولا يستطيعون سبيلا، وإذا كان شأنهم كذلك، مع الزمن الذي هو مخلوق الله سبحانه وتعالى فما بالهم بالله الذي خلق الزمن وخلقهم، وخلق العالمين جميعا، وفي هذا ما يدعوهم إلى الإيمان ويشعرهم بالحاجة إلى لطف الواحد الديان.
    ولما كان الوقت هو وعاء الأحكام الشرعية وسبب التكليفات بها، فقد صاغ الله كونه على النحو الذي يؤدي إلى تنظيم هذا الوقت وتقسيمه إلى أجزاء تتوزع عليها التكليفات الشرعية التي انطوى عليها شرعه الحنيف، والتي تحتاج إلى أجزاء اليوم، واليوم والأسبوع والشهر والعام، حتى يستطيع العباد أن يقوموا بها خير قيام، وأن يؤدوا مهمة العبادة التي خلقهم لها حين قال سبحانه: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِن وَالْإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ”، وأرشد عباده إلى أن الكيفية التي خلق بها كونه غايتها أن يقوم الناس بواجب عبوديتهم له على خير وجه، وأن يشكروه على نعمائه بهم حين سخر لهم هذا الكون ليكون مساعدا لهم على قيامهم بالفرائض والواجبات وكل المطلوبات التي كلفهم بها ولتتعاضد الآيات الكونية مع الآيات المتلوة في تيسير مهمة العبادة، وذلك في أكثر من موضع في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى: “إِن فِي خَلْقِ السمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الليْلِ وَالنهارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ. الذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكرُونَ فِي خَلْقِ السمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبنَا مَا خلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النارِ. رَبنَا إِنكَ مَن تُدْخِلِ النارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ. ربنَا إِننَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبكُمْ فَآمَنا رَبنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفرْ عَنا سَيئَاتِنَا وَتَوَفنَا مَعَ الأبْرَارِ”.
    فقد بين الله سبحانه في هذا القول الكريم، أن مطلوبه من الذكر الدائم المستغرق لكل صنوف العبادات التي يؤديها الإنسان على أي وضع يكون عليه، والتي تشمل حالات قيامه وقعوده ونومه، وفعله وقصده، وسكونه وحركته مرتبط بالزمان فإن حكم الله معه في كل حال لا يتركه لحظة، ولا يغادره قيد أنملة، وصدق الله العظيم حين قال: “فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرةٍ شَرّاً يَرَهُ”، وقد يكون من المفهوم لكثير من الناس أن حكم الله مع الإنسان في حال يقظته مما ورد في النص الكريم مختصا بحالتي القيام والقعود، فإن الإنسان في هذين الوضعين، يكون يقظا يؤدي عملا مطلوبا، فيكف يكون معه وهو على حينه في حال النوم أو في غير حاله؟، والإجابة عن هذا التساؤل سهلة ميسورة يدركها الإنسان بنفسه، أو يلمسها فيما ورد التكليف به في حال النوم التي يكون الإنسان فيها ملقى على جنبه، ومنها أن يكون نومه في مكان حلال، وأن يذكر ربه على نحو ما أشارت إليه السنة، وأن يحرر وصيته، وأن يأتي أهله، فإنه إذا جاء أهله كتبت له صدقة، كما قال صلى الله عليه وسلم : “وفي بضع أحدكم صدقة، فقال رجل: أيأتي احدنا زوجته ويكون له أجر؟، فقال له عليه السلام: أرأيت إن أتى امرأة في الحرام أما يكون على وزر؟” وأن يحذر الاختلاط بهم عند النوم، وأن يفرق بين أبنائه في المضاجع إذا بلغوا سن الخشية، وذلك بعض من كل يشتمل على فروع فقهية تبين حكم الله الملازم للإنسان حال نومه، وبما لا يقدر معه على الفكاك أو الهرب.
    وقد جعل الله الزمان أساسا للمسؤولية والجزاء من جهة ما يؤدي فيهما من عمل، وما يفعل فيهما من طاعة أو معصية، وذلك في قوله تعالى: “وَجَعَلْنَا الليْلَ وَالنهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ الليْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً من ربكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُل شَيْءٍ فَصلْنَاهُ تَفْصِيلاً وَكُل إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً منِ اهْتَدَى فَإِنمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَل فَإِنمَا يَضِل عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنا مُعَذبِينَ حَتى نَبْعَثَ رَسُولاً”، فقد ربط الله تعالى بين مرور الأيام وتواتر الليل والنهار، وبين ما كلف به العباد من السعي والعمل والعبادة، وبيّن أن المسؤولية عما يصدر من العمل خيرا أو شرا مبنية على ذلك، وأن المسؤولية شخصية ولن يحمل أحد عن غيره ذرة منها.
    وقد قرن الله التكليفات بالوقت، وجعلها مرتبطة به ارتباطا يتوقف إتيانها عليه في العبادات والمعاملات وغيرهما، وأشارت مصادر التشريع إلى ذلك، فقال سبحانه عن الصلاة: “إِن الصلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً موْقُوتاً” وبمقتضى ذلك النص الكريم صار لكل فرض وقت، كما صارت للنوافل أوقات يستحب أن تؤدى فيها، وفي الزكاة يقول النبي صلى الله عليه وسلم : “لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول”، وفي الصيام يقول الله تعالى: “فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشهْرَ فَلْيَصُمْهُ”، وفي الحج يقول الله تعالى: “الْحَج أَشْهُرٌ معْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِن الْحَج فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَج” وفي الوفاء بالمعاملات والحقوق في وقتها قال الله تعالى: “يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ”، وقال سبحانه: “وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِن الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً”، ومن الوفاء بالعهد احترام الوقت.
    ويوم القيامة حين ينتهي التكليف ويبدأ الحساب لن يكون هناك وقت ولهذا يقول الله تعالى: “إِذَا الشمْسُ كُورَتْ”، أي لف ضوؤها فلا يكون هناك نهار كالمعهود في الدنيا، حيث ستبدل الأرض غير الأرض والسما
     

مشاركة هذه الصفحة