القمة‏...‏ وأزمة الضمير العربي‏

الكاتب : أبو الفتوح   المشاهدات : 522   الردود : 0    ‏2002-03-27
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-03-27
  1. أبو الفتوح

    أبو الفتوح مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-12-25
    المشاركات:
    7,833
    الإعجاب :
    31
    !‏

    جريدة الأهرام 27/03/2002

    بقلم‏:‏ صلاح الدين حافظ
    يمكن للقمة العربية التي تجتمع اليوم في بيروت‏,‏ أن تصبح قمة تاريخية بالمعني الحرفي الدقيق‏,‏ وليس بالمعني الاستهلاكي‏.‏
    ويمكن ألا تكون‏..‏
    في الحالة الأولي هناك شروط يجب توافرها‏,‏ أما الحالة الثانية فلا تهم الشروط أو تنفع‏,‏ بعدما أدمنا أوضاعا عربية تعيسة‏,‏ تجتمع من أجلها القمم وتنفض دون عقد أو حل‏,‏ رغم ضجيج الاعلام الرسمي وصخب الخطاب الدعائي‏,‏ صوت بلا صدي ولا أثر‏..‏
    نعم‏,‏ يمكن أن تصبح قمة بيروت تاريخية بالمعني الحرفي الدقيق‏,‏ لو هي أقدمت علي اتخاذ مواقف محددة تجاه القضية الجوهرية التي تشغلها وتشغلنا‏,‏ ونعني قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي‏,‏ وفلسطين في قلبها والمقاومة ضميرها‏..‏
    ويمكن أن يحدث ذلك لو شنت القمة العربية هجوما حاسما وقويا علي السلام العادل والتسوية الشاملة‏,‏ ليس من خلال بيانات عامة تعودنا سماعها أو كلمات فضفاضة أدمنا مضغها‏,‏ ولكن عبر تحديد أكثر للموقف العربي الجماعي ـ إن أمكن ـ أو الموقف العربي الغالب ـ إن تعذر الاجماع ـ يقول للعالم هذه هي مفاهيمنا للسلام العادل‏,‏ وهذه هي شروطنا للتسوية الشاملة‏,‏ وهذه هي مواقفنا من العدوان والعنف الإسرائيلي‏.‏
    نقول ذلك ونحن نعرف أن القمة مجتمعة في أجواء ملبدة بالغيوم والضغوط الرهيبة‏,‏ لبحث واقرار مبادرة عربية مبنية علي مبادرة ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز‏,‏ القائمة علي معادلة الانسحاب الإسرائيلي إلي حدود‏5‏ دونيو‏1967‏ مقابل التطبيع ـ أو السلام ـ الشامل مع إسرائيل‏,‏ واعتراف كل الدول العربية بها اقرارا والتزاما وتوقيعا‏!‏
    ولم يعد خافيا أن أطوافا عربية كثيرة تشككت في البداية في مضمون هذا الطرح وتوقيته‏,‏ وأن أطرافا أخري وجدت فيه ثقوبا وعيوبا عديدة سعت إلي سدها ومعالجتها واستكمال ماتراه ضروريا‏,‏ ليرضي كل الأطراف العربية المراد منها التزام جماعي بالسلام والتطبيع مع إسرائيل‏.‏
    ونتيجة لمشاورات الأيام الماضية واتصالات العواصم العربية‏,‏ وضعت صياغة جديدة للمبادرة السعودية‏,‏ ترضي الأطراف المتشككة أو الناقدة‏,‏ لكي تدخل القمة في صيغة موحدة وتلقي بالتالي موافقة اجماعية‏,‏ إن أمكن ذلك‏!!‏
    لكن‏...‏ هل تمضي الأمور بهذه البساطة‏...‏ أي هل ستصدر القمة مبادرة عربية جماعية قائمة علي المرتكز السعودي بعد التعديل والتطوير والتنقيح‏,‏ وهل ستلتزم كل الدول العربية بها‏,‏ وهل في هذه الحالة ستقبل بها إسرائيل‏,‏ وتتحمس لها أمريكا وتضغط علي إسرائيل لتنفيذها؟‏!‏
    ‏***‏
    نحسب أن في الأمور أمورا‏,‏ وإليكم بعض الأسباب‏:‏
    ‏(1)‏ تجتمع القمة العربية في ظروف بالغة الحرج‏,‏ وفي مساحة جغرافية لدولة شديدة الحساسية‏,‏ تقع مباشرة علي خط النار مع العدو المتربص‏...‏ فإن كانت بسالة المقاومة الوطنية اللبنانية قد أجبرت جيش هذا العدو علي الانسحاب بليل من الجنوب اللبناني بعد سنوات طوال من الاحتلال الإسرائيلي والاستنزاف اللبناني‏,‏ فإن المقاومة الوطنية الفلسطينية‏,‏ قد قلبت الأوضاع في المنطقة رأسا علي عقب‏,‏ ربما سيرا بشكل من الأشكال علي خطي شقيقتها المقاومة اللبنانية‏,‏ رغم كل الفوارق في القوي وموازينها‏..‏
    فعلي مدي الشهور الأخيرة طورت الانتفاضة الفلسطينية من وسائل وأسإليب مقاومتها لجيش الاحتلال‏,‏ عندما انفلت عدوان هذا الجيش مستغلا تفوقه العسكري المطلق مكتسحا المدن والقري والمخيمات‏,‏ معملا القتل والاعتقال والتخريب والتدمير وحرق الزرع والضرع‏,‏ علي الطريقة النازية أيام الحرب العالمية الثانية‏.‏

    لكن بسالة المقاومة الفلسطينية قلبت المعادلة ـ رغم فارق الامكانات ـ وأدمت جسد الوحش المنفلت‏,‏ وأفزعت عياله الذين كانوا يتوهمون الأمن الكامل في ظل الوحش الكاسر‏...‏ ونحسب أن مافعلته المقاومة الفلسطينية أفزع الجميع‏,‏ إسرائيليين وأمريكيين وأوروبيين‏,‏ وعربا أيضا‏,‏ حيث لم يكن أحد يتوقع لهذه المقاومة أن تصمد وتقاتل وتضرب في عمق إسرائيل الآمن في كل ساعة وفي أي لحظة وبكل جسارة‏.‏
    فهل سيلقي هذا الوضع الجديد بظلاله علي مائدة القمة العربية‏,‏ وكيف ستعالجه‏,‏ بدعمه وتشجيعه سلاحا من أسلحتها في هجوم السلام‏,‏ أم علي النقيض ستعالجه بدفنه وتشييعه كمدا‏,‏ كما يريد كثيرون خوفا من عدواه سريعة الانتقال‏,‏ واستجابة للضغوط الخارجية قوية التأثير‏!!‏
    ‏(2)‏ تجتمع القمة العربية وحولها وفوقها ضغوط هائلة‏,‏ خصوصا من الولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ تطلب وتلح وتصر علي انتزاع مبادرة عربية تحظي باجماع عربي والتزام شامل‏,‏ تصل ورقة ضغط علي إسرائيل ـ كما تقول أمريكا ـ بينما الحقيقة ورقة إغراء لإسرائيل لكي تقبل السلام مع العرب‏,‏ عبر مسالك المفاوضات الطويلة والمساومات الكثيرة‏,‏ التي تستغرق سنوات وعقودا مديدة‏..‏
    الضغط الأمريكي يقوم علي نظرية أن حكومة إسرائيل الحإلية برئاسة شارون‏,‏ تؤمن بالحلول العسكرية للصراع‏,‏ والولايات المتحدة لا تستطيع أن تمارس ضغوطا ملزمة علي حكومة منتخبة ديمقراطيا في بلد صديق‏,‏ ورغم المعارضة الخجولة لتصعيد العدوان الإسرائيلي علي الشعب الفلسطيني المدني بحجة انه رد علي العمليات الإرهابية التي تشنها المقاومة الفلسطينية‏,‏ إلا أن أمن إسرائيل يظل قضية أمن قومي أمريكي وفقا للالتزام التاريخي‏.‏
    لذلك ـ تقول أمريكا ـ علي القادة العرب تقديم إغراء شديد الجاذبية‏,‏ يدفع صقور إسرائيل للجري وراءه‏,‏ ويعطي أمريكا ورقة ضغط جديدة عليهم‏,‏ وساعتها إما ان يلين موقف شارون وحكومته فيدخل في تفاوض جدي حول المبادرة ـ الاغراء‏,‏ وإما يرفضها فتنقلب الأغلبية الشعبية عليه وتسقط حكومته‏,‏ مفسحة الطريق امام حكومة أخري‏,‏ تقبل الالتزام العربي الجماعي بالسلام والتطبيع‏,‏ وتدخل في مفاوضات مباشرة‏..‏
    ‏(3)‏ بصرف النظر عن هذا وذاك‏,‏ فإن القمة العربية تجتمع‏,‏ وفي خلفية قادتها‏,‏ هذا الدوي الغاضب في الشارع العربي من مغربه إلي مشرقه‏,‏ الغاضب ليس فقط علي وحوش إسرائيل النازيين‏,‏ بل الغاضب أساسا من حالة الصمت العربي الذي طال ـ وكأنما يعطي إسرائيل فرصة كاملة للاجهاز علي الفلسطينيين بشرا وحجرا‏.‏
    ومكمن الغضب وبؤرته في العقل والوجدان الشعبي العربي وضميره المؤرق‏,‏ تلك المفارقة المتناقضة حقا‏,‏ مابين القدرة الفذة والمتجددة لأفراد المقاومة الفلسطينية محدودي العدد والعدة‏,‏ علي إيذاء الوحش الإسرائيلي وإدماء جسده الفظ‏,‏ وبين استكانة العواصم العربية بكل قدراتها وأموالها وأسلحتها وجيوشها وإعلامها‏,‏ ففي الحالة الأولي جرؤت المقاومة علي بذل الروح والتضحية بالنفس‏,‏ فغرست أنيابها في اللحم الإسرائيلي بأكثر مما فعلت بعض الجيوش‏,‏ وفي الحالة الثانية توارت الشجاعة العربية وراء أستار الصمت اللاهي أو المتلاهي‏!‏
    ‏***‏
    ‏(4)‏ هنا بالضبط تكمن أزمة الضمير التي تقلق الكثيرين‏,‏ وتؤرق ليلهم قبل وبعد نهارهم‏,‏ أزمة الضمير الذي صمت وتهرب وتخفي تاركا الجزارين يذبحون الأطفال ويدوسون النساء بالدبابات‏,‏ بعدما اغتالوا الرجال وطاردوهم في الجبال‏!‏
    وبقدر ما أن أزمة الضمير هذه تؤرق كل مواطن عربي‏,‏ فهي حتما تطل برأسها علي القمة العربية وتحلق في قاعة اجتماعاتها ببيروت‏,‏ لا لتلقي السلام‏,‏ ولكن لتحذر من الاستسلام للاغواء الأمريكي والاغراء الإسرائيلي‏,‏ بحجة أن علي العرب المبادرة بالسلام لأنهم في الموقف الأضعف‏,‏ وعلي إسرائيل بعد ذلك أن تبحث وتناقش وتفاوض وتساوم‏,‏ ثم تقبل أو لا تقبل علي الاطلاق‏..‏
    وهنا يعود السؤال الذي طالما طرحناه هو‏,‏ ماذا بعد أن يلتزم العرب جميعا بالتطبيع أو السلام مع إسرائيل‏,‏ عبر وثيقة ترضي غرور البعض هنا أو هناك‏,‏ هل تحصل لنا أمريكا علي التزام اسرائيلي مقابل‏,‏ بالجلاء عن كل الأراضي العربية التي احتلتها عقب عدوان‏1967‏ في فلسطين وسوريا وجنوب لبنان‏,‏ وهل تقبل بتطبيق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة خصوصا قرارات‏194,‏ و‏242,‏ و‏338,‏ و‏425,‏ وصولا حتي للقرار المائع الأخير رقم‏1397,‏ وهل تقبل بإعادة القدس وحق عودة اللاجئين إلي ديارهم‏,‏ التي طردتهم هي منها عبر الحروب المتتابعة‏!‏
    ‏(5)‏ ومن حق المتأمركين والمتأسرلين‏,‏ أن يقفزوا الآن في وجوهنا‏,‏ قائلين هل تريدون الحرب وتدعون القمة إلي اعلانها‏,‏ وهل تقدرون علي أعبائها‏,‏ إلي غير ذلك من الأسئلة الخائبة والحجج البالية‏,‏ التي صارت مضغة في أفواههم يدارون بها بلادة منطقهم وضعف حجتهم‏..‏
    وعليهم نرد‏,‏ إننا لا ندعو للحرب ولكننا نرفض الاستسلام‏,‏ ونطلب السلام الحقيقي العادل الشامل ـ وليس الطوباوي ـ بل الواقعي الذي أقرته الأمم المتحدة ذاتها‏,‏ ولا نعادي إسرائيل لأن فيها يهودا‏,‏ ولكننا نعاديها لأنها دولة استعمارية عنصرية مغتصبة لحقوقنا‏,‏ ولا نكره أمريكا نكره سياستها ونختلف مع توجهاتها وانحيازاتها لإسرائيل‏.‏
    وتأسيسا علي ذلك فإننا نتمني أن تتبني القمة العربية موقفا يعيد للمعادلة توازنها‏,‏ مثلما فعلت المقاومة الفلسطينية في حدها الأدني‏,‏ ونتمني أن تبادر القمة بهجوم قوي حقيقي علي السلام العادل الشامل‏,‏ ونتمني ألا تسقط في الفخاخ الكثيرة المنصوبة علي الطريق باسم السلام الذي يغري شارون بمجرد التفكير في الجلوس إلي مائدة المفاوضات‏,‏ فليس هذا ـ ولن يكون ـ ثمنا لرأس الانتفاضة وتضحيات المقاومة وبسالتها‏..‏
    ونتمني أخيرا‏...‏ أن تستذكر القمة دروس التاريخ وعلوم الصراع وتجارب الحرب والسلام‏,‏ فإن كانت التجربة الفيتنامية خلال الحرب الطويلة ضد أمريكا ذاتها قد نسيت قليلا بحكم تباعد السنين‏,‏ فإن التجربة الجنوب إفريقية خلال الصراع الطويل والمرير ضد نظام الفصل العنصري لاتزال ماثلة للعيان حاضرة في الأذهان‏,‏ أما التجربة الجزائرية فهي الأقرب لنا‏,‏ حيث رفع الكل شعار‏:‏ تفاوض وقاوم‏..‏

    وخلاصة هذه وتلك وعبرتها الرئيسية‏,‏ أن الوصول إلي السلام له ألف طريق وألف وسيلة‏,‏ وأن المقاومة الصلبة والتضحيات الشجاعة‏,‏ لا تتناقض مع التفاوض بل هي رافد رئيسي له‏,‏ وقد ظلت القاعدة ثابتة وهي المزاوجة بين المقاومة والمفاوضة‏,‏ هذا وإلا خضعنا للمفهوم الشاروني المسنود بالضغط الأمريكي‏,‏ المطالب بوقف العنف والإرهاب الفلسطيني أولا‏,‏ ثم البحث عن عقد هدنة أمنية‏,‏ قد تصمد بعض الوقت‏,‏ أو قد لا تصمد اطلاقا إذا انطلقت رصاصة من بندقية‏,‏ أو حتي حجر من يد طفل يائس‏,‏ مزقت الدبابات أسرته ومستقبله‏,‏ وتركته قنبلة بشرية جاهزة للانفجار عند أول احتكاك‏,‏ مثلما تركته عنوانا لأزمة الضمير‏,‏ إن بقي هناك ضمير يستدعي أزمة من أي نوع‏!!‏
    ‏***‏
    ‏**‏ خير الكلام‏:‏ يقول أبو العلاء المصري‏:‏
    تماجد القوم والألباب مخبرة ............... أن ليس في هذه الأجيال أمجاد
     

مشاركة هذه الصفحة