إلى الأخت رمال الصحراء و كل الأعضاء... هذا هو الزبيري

الكاتب : عبد الكريم محمد   المشاهدات : 749   الردود : 2    ‏2005-10-20
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-10-20
  1. عبد الكريم محمد

    عبد الكريم محمد عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-07-26
    المشاركات:
    731
    الإعجاب :
    0
    [align=right]أثارني ما قرأته في رد الأخت العزيزه ... رمال الصحراء في ردها في موضوع نشيد الزبيري من أنها لم تكن تعرف من هو الزبيري حتى بحثت عنه عبر محرك البحث جوجل وكل ما يحويه جوجل عن الزبيري ليس إلا نزراً يسيراً
    فمن هو يا ترى المسؤل عن طمس ذكرى عمالقة اليمن وصانعوا مجده من ذاكرة الأجيال
    أنا لا ألوم الأخت رمال الصحراء ولا غيرها ولكن نحن في اليمن ندفن عظماءنا بقصد وبدون قصد
    بعضنا يتعمد دفن هذه الذكرى مع سبق الإصرار والترصد حتى يبقى اسمه هو ولا غيره ولو استطاع ان يمحو من ذاكرتنا اسم ( سام بن نوح ) عليه السلام باني مدينة صنعاء الأول ووضع اسمه لفعل
    البعض الآخر يساهم بدون قصد في ذلك فلا يبحث ولا يطلع وفي الأخير نحن جميعاً مسؤلون
    لم يمضي من الوقت منذ أن سقط أبو الأحرار شهيداً غير 40عام أي أن هنالك من معاصريه الكثير من الأحياء بل وتلامذته وأسرته ونجد أن قطاعاً كبيراً من جيل الشباب لا يذكر هذا العملاق
    لا أحب أن أطيل عليكم ولكن هنا سأنقل لكم كلاماً عن الزبيري كتبه الدكتور عبد العزيز المقالح كمقدمه لديوان الزبيري الشعري
    يقول المقالح
    (( ليس الزبيري شاعراً فحسب ولا هو مناضل فحسب بل هو كذلك صحفي وزعيم وطني وروائي وكاتب وشهيد لذلك فقبل محاولة الكتابة عنه لا بد أن يثور السؤال أو الأسئلة التالية ::
    ماالذي يمكن أن يستحضره الذهن حين يتذكر الزبيري؟.. هل تاريخ أول معارضه لحكم الإمامة في اليمن ثم انقلاب 1948 أم تاريخ أول عمل صحفي حر في اليمن ثم انقلاب 1955؟
    هل كتابة أول عمل روائي أم ثورة 26 سبتمبر 1962؟ ... ثم ذلك الجسد المضرج بالدم بعد رحلة الكفاح الطويل؟!
    كل هذا لا بد أن يستحضره الذهن قبل محاولة الكتابةعن الزبيري... فمن أين تكون البداية ))
    انتهى كلام المقالح
    الزبيري له العديد من الدواوين الشعرية ( ثورة الشعر & صلاة في الجحيم)
    وترجم إلى العربية العديد من قصائد شاعر الإسلام الكبير محمد اقبال
    له رواية رائعة هي ( مأساة واق الواق) ولكن للأسف الشديد اذا بحثت في السوق لا تكاد تجدها لكن حظي كان حسناً فوجدت نسخةً منها على بسطة من بسطات التحرير للكتب القديمه وباعها لي ذلك البائع بثمنٍ بخس ولو طلب مني ما طلب لكنت أعطيته ولكنه لا يعرف قيمتها مثلما لا تعرف قيمتها دور النشر التي تشارك كذلك وبدون قصد في دفن تاريخنا
    كان الزبيري شخصيةً اسلامية كبيرة وعالمية
    فقد كان يشغل منصب المسؤل عن العلاقات الخارجية في تنظيم الإخوان المسلمين وكان من المقربين لمؤسس حركة الإخوان المسلمين الشهيد حسن البنا
    كان له صداقات واسعه على مستوى العالم الإسلامي ومن تلك الصداقات علاقته مع الشاعر العربي السوري الكبير وسفير سوريا في باكستان المرحوم عمر بهاء الدين الأميري وبنهما مراسلات شعرية دون بعضها الزبيري رحمه الله في ديوانه ثورة الشعر وقد ذكر ذلك الشاعر الأميري في إحدى لقاءاته مع التلفزيون اليمني في نهاية الثمانينات أو بداية التسعينات على ما أذكر قبل وفاته بفترة قصيره رحمه الله
    كان الزبيري على علاقة وطيده بالرئيس جمال عبد الناصر لكنها تأزمة بسبب دستور اليمن وكان لموقف الزبيري الدور في أن الرئيس جمال عبد الناصر قام بتعديل مواد الدستور بخط يده استجابةً لرغبة الزبيري التي لم يكن أحد يستطيع أن يعارضها حتى ولو كان عبد الناصر نفسه وذلك لمكانة الزبيري في قلوب الشعب
    ثار الزبيري مرةً أخرى ضد فساد الثوار وانحراف الثورة عن مسارها وقال قصيدته السينية المشهورة ( الفرس والميدان ) وخرج داعياً قبائل اليمن إلى التوحد وأعلن تأسيس حزب الله وجاء عبد الحكيم عامر نائب الرئيس المصري ليفاوضه وعقد الزبيري مؤتمر عمران حضره وجهاء اليمن قاطبة وفوضوا الزبيري في أن يختار هو رئيساً للوزراء ولم يكن لقائد القوات المصرية حينذاك إلاأن يرضخ ويوافق على تفويض الزبيري في أن يختار لليمن حكامها
    عند ذلك شعرت جهات عديده داخلية وخارجية في أن الزبيري سحب البساط من تحت أقدامها واتفق الأعداء وتوحد المختلفون من ملكيين وجمهوريين ومصريين على نهش لحم أمل اليمن ورمزها وعنوانها فقتلوه واحتشدت القبائل والقت القبض على القتله وسلمتهم لقادة الثوره وألقوهم في السجن وسهلوا لهم الهروب ليواروا الحقيقة الثراء مع جثمان الشهيد الطاهر
    كان تلفزيون اليمن يحتفي بذكرى استشهاده ويذكرنا دائماً به وينقل بعض خطبه التي تهز الوجدان ولكن في الفترة الأخيره صمت التلفزيون والإذاعة عن ذلك صمت القبور لا ندري ما السبب ولا من المسؤل
    مهما تكلمنا عن الزبيري لن نفيه حقه

    هنالك بعض الكتابات والمحاضرات عن الزبيري
    منها

    محاضرات مسجلة على شريط كاسيت لتلميذ الزبيري ورفيقه في رحلته وشاهد على استشهاده الشيخ عبد المجيد الزنداني
    كتاب ( التاريخ يتكلم ) لتلميذ الزبيري ورفيقه في رحلة تأسيس حزب الله وشاهد على استشهاده أيضاً سفير اليمن السابق في باكستان الاستاذ عبد الملك الطيب

    هذه خواطر أثارها في نفسي ما قراته للأخت الفاضله رمال الصحراء وأرجو أن لا ينقل هذا الموضوع إلى مكان آخر وكما أرجو أن نفتح نافذةً نسميها نافذة الزبيري نحاول أن نضمن فيها أعماله رحمه الله وما قيل عنه وما كتب عنه
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-10-20
  3. سامر القباطي

    سامر القباطي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2004-02-03
    المشاركات:
    1,894
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيك اخي الكريم على ما اثريتنا به
    ودعني أضيف نقلا من بعض المواقع


    محمد محمود الزبيري, ليس شاعراً فحسب, بل هو مناضل وزعيم وطني وثائر وشهيد.



    ورجال الفكر وأرباب الأقلام يأتون عادة في طليعة الدافعين إلى الثورات: والممهدين لها, فهم الذين يبصّرون الشعوب بحقوقهم, ويدافعون عن هذه الحقوق. وهم الذين يتعاطفون مع الشعوب في كل ما ينزل بهم من سوء; لأنهم منهم, وهم الذين يتصدون للحكام الجائرين, ويظهرونهم على حقيقتهم, حتى لا يطول أمد انخداع الشعوب فيهم. ثم هم بكل هذا وبغير هذا يمهدون للثورات, إذا كان لا بد منها, طريقها المحتوم.

    والكلمة التي تنزل على قلوب الشعوب المقهورة برداً وسلاماً, وعلى نفوسهم عزماً وإصراراً, وعلى جراحهم بلسما وشفاءً, هي الكلمة نفسها التي تنفذ إلى أعماق أعماق الطغاة المستبدين براكين متفجرة, وزلازل مدمرة.

    هذه الكلمة التي أودعها الله كل هذه القوى والأسرار, هي السلاح الذي يحمله رجال الفكر وأرباب الأعلام, وما أكثر الصور التي تبدو, أو تتجسّد فيها بين مقروءة ومسموعة!

    ولكن هذه الكلمة الإلهية التي لها كل هذه القوى والأسرار لم تستطع - وقد تلقاها رجال الفكر في اليمن - أن تعبر عن نفسها إلا في صورة واحدة مسموعة, هي صورة الشعر!

    أجل كانت الكلمة الشاعرة هي الوسيلة الكبرى لتوعية الشعب اليمني قبل الثورة; وذلك لانعدام ما عداها من الوسائل التي تتخذها الكلمة سبيلا إلى الناس مقروءة أو مسموعة!

    ومع ذلك فقد لعبت الكلمة الشاعرة دوراً أساسياً في هز روح الشعب اليمني وإيقاظه وتحريكه, كما كان لها المحل الأول في توعيته الثورية, وتوجيهه صوب هدفه لتحقيق وجوده كإنسان. فالشعب العربي اليمني, بطبيعته يحب الشعر, ويطرب له, ويترنم به. ورب بيت واحد من الشعر لمس قلبه, كان عنده أقوى أثراً وأشد وقعاً من مضمون مقال أو خطاب أو كتاب!

    من أجل ذلك عرف رجال الفكر من أحرار اليمن وثواره, كيف يدخلون عليه من الباب الذي يفضله ويؤثره, وبأية لغة يتحدثون إليه حتى يفهمهم ويستجيب إلى دعوتهم.

    وقد عرف اليمن في مراحل نضاله السياسي الذي توج أخيراً بالثورة على الإمامية وإعلان الجمهورية - كثيراً من أبنائه الشعراء الذين قدموا له ملاحم رائعة من الشعر الثوري. وتحمّلوا في سبيل تحريره وانطلاقه أبشع ألوان العذاب والغدر والانتقام.

    وقصص أولئك الشعراء الأبطال باهرة رائعة; لما اشتملت عليه من معاني الولاء والوفاء, والبذل والفداء, والتضحية والإبداع, وهي في تاريخ اليمن الثوري الحديث - بلا شك صفحات فخار, ومصدر إلهام للأجيال القادمة!

    من أولئك الأبطال - مثلاً - عبد الله البردوني الشاعر الضرير : عذبه الأئمة وسجنوه مرات عديدة بسبب شعره الثوري, ومع ذلك ظل ثائراً متمرداً حتى شهد الثورة فغنّى - وما زال يغني بانتصاراتها حتى توفي في مطلع شهر أيلول عام 1999م. ومنهم, علي عبد العزيز نصر: وقد اضطر من شدة الاضطهاد أن يهاجر الى عدن , حتى إذا قامت الثورة عاد إلى صنعاء, لقد كان هذا الشاعر الموهوب ينشر قصائده الثورية في الصحف العدنية« اليمن الجنوبية فيما بعد« فتحدث دوياً هائلاً, وكان اليمنيون من شدة إعجابهم بها يحفظونها ويتناقلونها, ويترنمون بها, فتأخذ بمجامع ألبابهم, وتلهب مشاعرهم وخواطرهم.

    ومنهم أحمد المطاع : شاعر أسهم في ثورة 1948 إسهاماً إيجابياً فعالاً, ولكن الحكام الطغاة, تمكنوا منه فأعدموه, ومثلوا بجثته انتقاماً لاشتراكه في الثورة!

    ومنهم أحمد الوريث: ويعد من أكبر المفكرين اليمنيين نثراً وشعراً, وقد حاول الإمام يحيى أن يستميله إليه, فلما أبى بيع نفسه ومبدئه, أوعز الإمام إلى بعض رجاله فدسّوا له السمّ فمات مسموماً, ومنهم غير هؤلاء كثيرون وكثيرون.

    ثم منهم محمد محمود الزبيري: الشاعر الثوري الرائد موضوع دراستنا.

    فمن هو الزبيري? وما ترجمة حياته والظروف التي نشأ فيها? وما هو الجديد في شعر هذا الشاعر الوطني المناضل?

    ولد شاعرنا »محمد ا لزبيري« عام 1337 هـ. الموافق 1919م, وهو العام نفسه الذي دخل فيه الإمام يحيى صنعاء, ولم يستمر فرح الأسرة طويلاً, فقد توفي الوالد محمود عام 1347هـ وشاعرنا ما زال طفلاً لم يتجاوز العاشرة, وهكذا نشأ يتيماً, يرعاه ابن عمه عبد الله لطف الزبيري, وذلك اعترافاً بجميل والده الذي رعاه في صغره(1).

    درس الزبيري في بداية حياته بكتّاب, ثم درس فترة بالمدرسة العلمية, إلا أنه تركها ليتفرغ للدراسة بجامع صنعاء الكبير, لكنه سافر إلى القاهرة للدراسة بكلية دار العلوم(2).

    برزت موهبة الزبيري الشعرية والنثرية منذ سن مبكرة من عمره, وكان أول ما نشر له مطبوعاً قصيدة شعرية مع مقدمة نثرية نختار منها هذه الأبيات:

    والمجد معشوق الأنام وإنما يحظى به ذو الجد والإتقان

    والعلم إن لم ينتشر بين الورى فبقاؤه وذهابه سيّان

    إن التأني في الشيوخ فضيلة لكنه عار على الشبان

    العلم في الدنيا خلود سيادة وعلا وفي الأخرى خلود جنان(3)

    عن هذه المرحلة من حياته يقول الزبيري:

    »مهما يكن ممن أمر, فإن الشعر هو الذي أخرجني من القمقم, وقادني إلى غمار الحياة الواسعة الزاخرة بالمفارقات والمتناقضات, وقد يكون الشعر كما أتصور يعني الصدق الموضوعي, والذات منها الأعماق ومنها السطح, وإذا كانت الحرب خدعة, فالشعر أحياناً سلاح من أسلحة الحرب, ولا بأس في ميدان الصراع أن تكون الخدعة سلاحاً شاعراً(4)...«

    والزبيري, بالإضافة إلى كونه شاعراً, فهو ذو عقيدة سياسية, عقيدة ترمي إلى العمل الإيجابي بالقول والفعل, من أجل قضية الإنسان المواطن: حرية وكرامة, ومن أجل تحطيم القيود التي تحرمه الحركة, وكل السدود التي تحول دون تقدمه وإبداعه في الحياة لنفسه وللإنسانية.

    ووفاؤه لعقيدته السياسية هذه, فرض عليه فيما فرض أن يتقدم جريئاً إلى المعركة, وأن يدافع مستميتاً, وهل هناك مطلب أجل وأشرف من أن يدافع الإنسان المؤمل المفكر حفاظاً على شرف وطنه, واسترداداً لحرية قومه وحقوقهم السياسية? وهل هناك ما هو أبقى للإنسان من أن يعمل على إيقاظ شعبه المغلوب على أمره من سباته العميق, وأن يبصره بما يعيش فيه من واقع رهيب, حتى يثور على أعداء الإنسانية, ثم يمارس نشاطه في الحياة كسائر الشعوب الطليقة المنطلقة!

    ولماذا يدافع? وهل هناك قيم أسمى من هذه القيم الوطنية والإنسانية تفرض على الأحرار أن يدافعوا عنها? ليس السؤال في مثل هذه المواقف لماذا يدافع الأحرار? ولكن السؤال هو : لماذا لا يدافعون?

    وقد فعل الشاعر فدافع. أجل .. عاش حياته مدافعاً عن معتقداته الوطنية والإنسانية, وشارك في كل أحداث وطنه السياسية, وتحمل عن رضا وإيمان, كل ما أصابه من اضطهاد وتعذيب, ونفي وتشريد!

    وفي سبيل عقيدته أيضاً شهر قلمه المرهف سيفاً مصلتاً على رقاب أعداء الشعب اليمني حتى تحقق النصر أخيراً لهذا الشعب العربي بثورته الرائعة: تلك الثورة التي ظهرت إلى الوجود اليمني والعربي في اليوم السادس والعشرين من أيلول 1962 بزعامة الرئيس عبد الله السلال.

    وإذا تصفحنا دواوين الشعراء المعاصرين في أي جزء من أجزاء الوطن العربي: فإننا - ولا ريب - نلتقي في كل ديوان منها بصفحات مشرقة من الشعر القومي تختلف من ديوان إلى آخر كماً ونوعاً.

    ولكن, قلما نجد بين شعرائنا المعاصرين من وقف كل إنتاجه أو معظمه على الشعر القومي السياسي, كما فعل الزبيري في ديوانه - ثورة الشعر -

    وعن ذلك يحدثنا الشاعر بقوله: - وشعري أو معظمه تطغى عليه السياسة, سواء ما كان منه مدحاً, وما كان رثاء, وما كان ثورة وما كان شكوى« أو ما كان شيئاً من ذلك, وهذا هو منطق الواقع, فإن حياتي كلها ليست حياة شخصية منعكسة عن ا لحياة العامة بأي حال من الأحوال(4).

    وطغيان السياسة ليس قاصراً على شعره, إنما هو اتجاه عام عنده يتعداه إلى كل إنتاجه الأدبي: شعراً ونثراً, وشاهدنا على ذلك ديوانه وكتبه الأخرى مثل كتابه الخدعة الكبرى, وكتاب مأساة واق الواق.

    - مفهوم الشعر عنده إذن مفهوم سياسي, وما أظنه في المرحلة التي عاشها وشارك فيها من تاريخ وطنه كأن يستطيع أن يكثر من الشعر في أي غرض آخر غير السياسة. وإلا فكيف تأتى له وهو الشاعر الوطني الغيور أن يغني للحب أو للطبيعة, أو لغير ذلك من أغراض الشعر, وهو يرى كل يوم من مآسي شعبه ما لم تنكب به الانسانية في أحلك عصر من عصورها?

    ولعل خير ما يلخص مذهب الشاعر ومفهومه للشعر قوله من قصيدة يحن فيها إلى وطنه وهو في منفاه :

    أصبو إلى أمتي حبا, وأبعثها بعثاً, وابني لها بالشعر بنيانا

    أصوغ للعمى منه أعينا نزعت عنهم وأنسجه للصمّ آذانا

    وما حملت يراعي خالقاً بيدي إلا ليصنع أجيالاً وأوطانا

    يخاله الحكم السفاح مقصلة في عنقه ويراه الشعب ميزانا

    فهاك يا أمتي روحاً مدلهة عصرتها لخطاك الطهر قربانا

    كأساً من الشعر لو تسقى الشموس بها ترنحت ومشى التاريخ سكرانا(5)

    ولم تكن وطنيات الزبيري - صيحة في واد, فقد هزت الأوضاع البلاد, وكانت ردود الفعل العاجلة عند الحاكمين, أن أصدر الإمام يحيى أمره إلى جنوده بهدم جميع المنازل السكنية لعائلات الوطنيين وفي مقدمتها منزل الزبيري, غير أن ذلك التصرف لم يوهن من عزيمة الشاعر الوطني, فهموم الوطن أكبر من الهموم الشخصية, لذلك فقد تجاوز الزبيري همه الخاص الى الهم الكبير - الهم العام - همِّ الوطن فتراه يقول :

    بني اليمن الميمون إن عليكم فرائض لم تنفك منكم على الكتف

    وأحسنتموا بالمستبدين ظنكم وهم داؤكم لو تعلمون الذي يشفي?

    أقمتم إماماً للتقدم في الدنى فكان إماماً للتقدم في النسف

    وأخرجتموه ينظر الكون مشرقا فزج بكم مستحسناً ظلمة الكهف

    على أنني من عدله الدهر يائس وفي أهله من غبرة الدهر ما يكفي(6)



    ويغادر الزبيري اليمن إلى عدن, ويكون هناك حركة الأحرار تحمل اسم »حزب الأحرار« ثم صار اسمها الجمعية اليمانية الكبرى, ثم ظهرت من جديد حركة الأحرار بعد حركة 1948 في عدن ثم في مصر تحمل اسم الاتحاد اليمني, فالجمعية اليمنية الكبرى من جديد. ويؤلف الزبيري قصيدته المشهورة التي مطلعها:



    سجل مكانك في التاريخ يا قلم فها هنا تُبعث الأجيال والأمم(7)



    والزبيري يمني صميم, فكما نشأ يتيماً على شيء من الشظف والقلة, فقد بدأ حياته طالب علم ينحو منحى الصوفية في روحانياتهم وعزوفهم عن الحياة المادية.

    ولم ينتزعه من أجواء الصوفية غير عشقه للشعر, حتى إذا تهيأت له أدواته, من علم وثقافة وتجربة, وجد نفسه أمام قوتين غير متكافئتين : قوة الشر ممثلة في حكم الأئمة, وقوة الخير ممثلة في قلة من شباب اليمن الأحرار وهبوا حياتهم للوطن.

    وكان طبيعياً أن ينضم الشاعر إلى قوة الخير, إلى هذه القوة التي ينتمي أفرادها إلى بيئتهم ومجتمعهم, وعواملهم الوراثية ومجتمعهم.

    وقد مرت ممارسة هذه التجربة في أطوار انتهت بهم إلى اليقين الثوري. ثم بهم وبالشعب أخيراً إلى الثورة. وقد أدت هذه الحركة أخيراً في سنة 1948 إلى مصرع الإمام يحيى وبعض بنيه ورجاله, ثم الى فشل الحكم الثوري الدستوري, ثم إلى حكم الإمام أحمد الرهيب.

    وعندما ظهر الإمام أحمد على مسرح الحكم استطاع في أول الأمر أن يخدع الفئة الواعية من الشعب بظواهر تصرفاته, كإطلاق سراح السجناء, كما استطاع أن يخدعهم بألغاز تصريحاته الرمزية التي توحي بالتذمر من حكم أبيه. ولكن سرعان ما انقلب الإمام أحمد إلى طبيعته.

    وهكذا انتهت تجربة الشباب الأحرار مع الإمام أحمد إلى النهاية التي انتهت اليها تجربتهم مع أبيه, وبذلك تمت عناصر اليقين الثوري. وآثر هؤلاء الشباب أن يتمردوا.

    وقبل أن ينطلق الزبيري بشعره على طريق الثورة, وخاصة بعد أن تمت له ولرفاقه كل عناصر اليقين الثوري, نراه يستهل العمل الثوري بوضع المادة الأولى في دستور الكفاح الشعبي, حتى تكون منطلقاً ومبدأ له ولكل من اختار مثله طريق الشرف والجهاد, في هذه المادة يحدد الشاعر في قصيدة مفهوم الكفر والإيمان بالوطن وكأني به في الوقت ذاته يريد لهذه القصيدة أن تكون شعار الثوار, ونشيد الأحرار فيقول :



    كفرت فعزمتي الصامدة وقدسيّة الغضبة الحاقدة

    وأنات قلبي تحت الخطوب وأحلامه الحية الصاعدة

    وعمر, شباب نذرت به لشعبي وأهدافه الخالده

    وبالشهداء , وأرواحهم تراقبني من علٍ شاهده

    إذا أنا أيدت حكم الطغاة وهادنتهم ساعة واحدة(8)

    ويتلفت الشاعر حوله فيرى الشعب يائساً جائعاً عاثراً في شقائه, وعلى الرغم من قيام الأحرار بالثأر له, فإنه لا ينهض بالثورة مع تهيّء دواعيها, فلا يملك إلا أن يخاطبه في عجب :

    يا أيها البائس الخميص بامتى تنهض من كبوة الشقاء المديد?

    قد غدوناك من دماء البهاليل, ومن أكبد الملوك الصيد !

    فلماذا تراك نضوا كما كنت? فهل أنت طامع في المزيد ?(9)

    وفي صورة ثانية يصور حال العزلة الطويلة المفروضة على الشعب اليمني ويعجب كيف يشجع الحكام شعوبهم على استمرار العيش الذليل. في هذه الصورة يقول :

    ظل في العزلة الطويلة حتى كاد يدعي الورى فقدانه!

    وتناسى ذوو الوشيجة قرباه, أينسى - عفواً - أخ إخوانه?

    زعموا أنه بعيد .. ولو مات, لديهم ما شيعوا جثمانه !

    ودعاهم قحطان يصرخ من هول, الأفاعي .. فشجعوا افعوانه

    ليت شعري ما بالهم أعرضوا عنه وداسو دموعه الهتّانه?

    أتواصوا بمحوه من على الأرض, أم استصغروا على الأرض شانه(10)

    والشاعر الزبيري لا يقف بشعره عند حدود اليمن, وما يضطرب في داخله من صراع بين الحق والباطل, والخير والشر, والعدل والظلم, والحرية والاستعباد, إنما نراه بالإضافة إلى كفاحه السياسي في الميدان الداخلي يعبر الحدود إلى حيث يشرق ويغرب في أرجاء الوطن الكبير, منفعلاً بأحداثه معبراً عنها بشعره. وعلى سبيل المثال تهزه ثورة العراق الأولى فيحيي ميلادها بقصيدة منها :

    صيحة الشعب في بلاد الرشيد أشعليها ناراً وثوري وزيدي

    ازحفي كالطوفان يا ثورة الشعب إلينا .. ودمدمي كالرعود

    طهري جونا من الموت والصمت, وهزي لنا بقايا لحود

    إخوة نحن في القيود ... فهيا لنكن إخوة بخلع القيود

    فالطغاة الأولى أغصّوكم الريق بقايا همو لنا في الوريد

    هم حبال للشنق ترعب بغداد وتبدو عريانة للشهود

    وهم عندنا أراقم .. تخفي السُّمَ في لينها الجميل الودود (11)

    وحول تخاذل العرب عن نصرة شعب فلسطين تراه يندد بهذا التخاذل فيقول :

    يا قادة العرب والإسلام قاطبةً قوموا فقد طال بعد الصبح نومكُمُ

    شيدوا لنا في سموات العلى حرما ُطوِّفُ حول ثُريّاه ونستلمُ

    وكيف نخشى الردى والموت شيمتنا ونحن قوم على الآجال نزدحم

    إذا تناسى الأعادي هول نجدتنا جئناهُمُ بقلوب ملؤها نقمُ

    وللعروبة أهداف مقدسة تقضي السماء بها واللوح والقلم

    ووثبة حرة عليا تؤيدها مشيئة الله والأقدار والقسم

    وأنفس إن تزد همّا تزد همما وإن تذق ألماً. ينهض بها الألم(12)

    ومن الأعمال التي قام بها الزبيري بعد الثورة, قيامه برئاسة وفد بلاده الى بعض الدول العربية لشرح الموقف, وشرح أهداف الثورة, ومن الأعمال التي تولاها عضوية مجلس الرئاسة, كما تولى وزارة المعارف فأظهر نشاطاً كبيراً ونزاهة نادرة وفي عهده تم ادخال المنهج العصري, وقد طالب بإنصاف المعلم اليمني الذي عانى في العهد الإمامي صنوف الفقر والإهمال(13)

    وحينما انتكست الثورة, دعا الزبيري الى السلام والحب والعودة إلى الله والأرض والبناء, وكانت قلوب الطيبين في بلاده تشيعه بقلق وإشفاق في رحلاته حتى استقر بمنطقة (برط) وكان الملكيون قلقين من تحركاته هذه, وتوغله السلمي في مناطق نفوذهم مما يهدد بانتهاء سطوتهم, وكانوا ينتظرون الفرصة التي يتخلصون فيها منه, وكان الانتهازيون من الجمهوريين يشاركون الملكيين خوفهم من الزبيري; لأن بقاءه يعني فضح نواياهم, وإسقاط كراسيهم وانتهاء مغانمهم. وفي يوم الخميس بتاريخ 31 آذار 1965 انطلقت رصاصات مجهولة لتصيب قلب الزبيري المليء بحب بلاده ... وبينما كانت إذاعة الملكيين تذكر أن الملكيين ليسوا هم قتلة الزبيري ويتهمون الجمهوريين بذلك, كانت إذاعة الجمهوريين في صنعاء تتهم الملكيين بأنهم هم الذين قتلوه. وهكذا يكتنف الغموض سر هذا الحادث الخطير!(14)

    وفي استشهاد الزبيري يرثيه الشاعر البردوني بقصيدة جاء فيها :

    أهنا الزبيري المضرج ? بل هنا شعب قتيل

    من ذا انطوى علم خيوط نسيجه الألم البتول

    في كل خفق منه"جبريل" وفي فمه رسول (15)

    تحية للزبيري شاعر اليمن الثائر ولرفاقه الأحرار من شهداء وأحياء ....
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-10-20
  5. سامر القباطي

    سامر القباطي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2004-02-03
    المشاركات:
    1,894
    الإعجاب :
    0

مشاركة هذه الصفحة