العولمة تضع حداً لعذرية التراب اليمني

الكاتب : نمشة   المشاهدات : 566   الردود : 3    ‏2005-10-19
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-10-19
  1. نمشة

    نمشة عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-06-18
    المشاركات:
    1,007
    الإعجاب :
    0
    بقلم: ناجح شاهين*
    عندما كنت في اليمن منذ ما يزيد على عشر سنوات وقعت بسرعة كبيرة ضحية السحر اليمني. ولا بد أنني ما زلت حتى اليوم أتوهم أنني ما زلت مريضاً بتلك الروح الثائرة، التي تخفي في داخلها وداعة وطيبة عز نظيرها. كانوا يستغربون في سذاجة ممزوجة بالطيبة أننا لم نحرر فلسطين بعد، وعندما اكتشفوا أنني لا أعرف شيئاً عن عالم الأسلحة، أبدوا الكثير من الاستغراب. من جانبي كنت مأخوذاً بطريقتهم في الحياة إلى حد تام. وأذكر أنني وصفت التجربة للشاعر اليمني المرحوم توفيق الزكري بالقول:" إنك تعيش الحلم العربي البكر على الأرض العربية العذراء التي لم يمسها احتلال من قبل." وذلك الأمر ينطبق خصوصاً على الشمال اليمني الذي استعصى على الفتوحات إلى حد عدم الخضوع لأي حكم كان أجنبياً أم عربياً. وفي هذا السياق نذكر أن الدول الأموية والعباسية والعثمانية، ثم الاستعمار الإنجليزي الحديث قد وقفوا جميعاً عند جبال عسير لا يقدرون على اجتيازها.

    لهذا كله ظل اليمن السعيد سعيداً على طريقته الخاصة مع بعض الشح وحياة الكفاف. وواصل الثريد والعصيدة وبنت الصحن والسلتة وغيرها من المأكولات المعتمدة على دقيق القمح والعسل والسمن البلدي حضوره. نفس المأكولات التي تناولها العرب أيام الجاهلية وصدر الإسلام ما زالت تباع في المطاعم الشعبية -كأن في اليمن مطاعم ليست شعبية.

    يمتاز اليمن بطبيعة متنوعة جداً من الجبال الخضراء كما أوروبا بالذات وهو حال لواء "إب" الأخضر إلى عدن - الخليج بحرارتها اللافحة ورطوبتها الدبقة إلى موانئ البحر الأحمر وسهوب الموكلا. بلاد تمتد وتمتد يجوبها رجال "القبايل" و"الحسينيون" الذين لا يعرفون معنى حني الهامة. ولعل العربي المصري من الجيل السابق يتذكر كيف التبس على بعض اليمنيين أنه جاء يساند ثورتهم فحاربوه في البدء دون هوادة باعتباره أجنبياً.

    تعرض جنوب اليمن لما تعرض له العرب جميعاً من الاضطرار إلى دفع فاتورة الرأسمالية في مرحلة توسعها الإمبريالي، ولا بد أن السيطرة على اليمن لم تكن أمراً هيناً. ولعل ما زاد في صعوبة ذلك أن بنية النظام الاجتماعي -الاقتصادي اليمني القائم على خليط من الرعي البدوي والزراعة القبيلية لم تتفكك بسبب من عدم نجاح الاستعمار في دخول عمق اليمن وبقائه في الساحل الجنوبي مما مكن اليمنيين الخبراء في استعمال السلاح الفردي من شن حرب عصابات تكللت بالاستقلال.

    كان الشمال ما زال يخضع لحكم الأئمة. وفي الخمسينات يقوم الإمام بإطلاق الجان فيختبئ الناس في البيوت ويدهنون أجسادهم بالقطران لطرد الأرواح الشريرة. وفي بيئة كهذه قاد السلال الثورة التي أنتجت حكماً جمهورياً مدعوماً من مصر الناصرية. وفي الجنوب تأسست ديمقراطية شعبية يسارية في حدود 1967 تحولت تدريجيا نحو الاشتراكية. وسخر البعض من الاشتراكية اليمنية خصوصاً بعد قتل الحلم بأيدي الرفاق سنة 1986، لكنني على الرغم من ذلك شاهدتهم في عدن سنة 1991 يتغنون بأيام الاشتراكية الحلوة النظيفة التي توفر الحياة الكريمة للجميع. ومع حنينهم إلى أمسهم الاشتراكي فإنهم كانوا يحسون بالكثير من العزاء لأن دولة الوحدة اليمنية ستجلب القوة والمنعة والرفاه والازدهار، خصوصاً بعد أن ثبت وجود النفط بكميات تجارية. في تلك السنة بالذات تم تدمير العراق بعد دخوله الكويت وما تلا ذلك. وبكى اليمنيون بغداد بدموع سخينة. كان ما حدث لبغداد أشبه بالكابوس.

    لم يدرك اليمني الغارق في أحلام الوحدة حد الثمالة أن النظام العربي الرسمي قد تفكك بالفعل، وأن الدولة القطرية قد أنهت خدماتها. وأن المطلوب في عصر ما بعد القطبين هو دويلات طوائف وكانتونات ينقسم إليها كل قطر عربي، خاصة الكبيرة منها كالعراق ومصر والسودان ..الخ وقد فاجأتهم هزيمة العراق وهم يعيشون أوهام الوحدة والقوة في عزلتهم المتصلة عن العصر. لكن من المؤكد أن اليمني الذي لم يتمثل جيداً ما جرى للعراق ما كان ليصدق أن اليمن يمكن أن تطاله اليد الأمريكية بأي شكل من الأشكال. وفي تلك اللحظات كانوا يسهبون في توضيح وعورة الأرض اليمنية التي تجعلها غير قابلة لاستقبال أي غاز مهما كان جبروته -ولم يكن مثال تورا بورا قد تجسد بعد- لكن تجربة أفغانستان غيرت كل شيء. أما وقد تحقق للعم سام ما أنجزه ضد طالبان الذين بلغت ميزانيتهم السنوية مائة مليون دولار -معظمها تبرعات من أسامة بالذات- بينما ثمن الطائرة الواحدة من نوع بي 52 سبعمائة مليون. أما وقد حصل ذلك فقد تغيرت شروط اللعبة.

    وعلى الرغم من أن اليمن -على طريقة قناة الجزيرة- يدق طبول الحرب ضد إسرائيل دعماً للانتفاضة الفلسطينية، فإنه مثلما أوضح حسني مبارك إنما يفعل ذلك لأن يده في الماء لا في النار. وقد بين الرئيس المصري أنه قد مل من النفاق السياسي الذي تمارسه الجزيرة على صعيد الإعلام ويمارسه رئيس اليمن علي عبد الله صالح على صعيد الدول، خصوصاً فيما يتعلق بالموضوع الفلسطيني الذي يتصف بجاذبيته الشديدة لدى الجماهير العربية. وغمز مبارك من قناتهما ملمحاً إلى علاقات سرية ونصف علنية تربطهما بإسرائيل. والواقع أن اليمن من هذه الناحية لا يبذل الكثير من الجهد للذب عن نفسه. وكما يرى بعض الظرفاء فإنه حتى لا يحاول أن يزيح العلامة التجارية "صنع في إسرائيل" عن البضائع التي تضج بها السوق اليمنية هذه الأيام. ومنذ موضوع انفجار عدن الذي قتل فيه عام 1998 سبعة عشر جندياً أمريكيا من أفراد البحرية والرئيس اليمني المغرم بإطلاق التصريحات النارية ضد إسرائيل لا يألو جهداً في استرضاء الإدارة الأمريكية. ولعل اليمني العادي اليوم قد بدأ يحس بالتعاسة وهو يرى إلى بلاده وقد تحولت لأول مرة إلى مرتع خصب لنشاط المخابرات الأمريكية سي.آي.ايه وزميلتها الفدرالية ف.بي.آي. وهكذا يشاهد اليمني الأرض تميد من تحت قدميه وأبناء بلده يقتلون في انفجارات غامضة يستشعر غريزياً مصدرها لكنه لا يعرف ماذا يفعل على وجه الدقة والضبط.

    لن تنفع شجاعة اليمني ولا بساطته وصفاء سريرته وروح إقدامه الرائعة في مواجهة قوة لاقبل له بها. ولا بد أنه سيضطر إلى التخلي عن السلتة والعصيدة و..الخ لمصلحة الماكدونالدز والكنتاكي. إنه في الواقع سيتخلى عن تلك الأصالة الثقافية والأخلاقية والاقتصادية لأنه سيصبح جزءاً من عالم معولم على الطريقة الأمريكية وستدخله "حداثة" المخابرات في صحبة الكوكاكولا والمارلبورو. أما حكومة بلاده نصف الأمية فإنها قد بدأت بالفعل في الدوران في فلك المصالح الأمريكية وتعلمت لعبة سبق لأنظمة أخرى في بلادنا أن أتقنتها: نعني أن تقول شيئاً عن المقاومة والتحرير وتفعل عكسه على صعيد تقديم فرائض الطاعة والولاء الأمني ودفع الجزية لهولاكو المعاصر.

    لعل ما تمتع به اليمن من استقلالية غطت عصوراً وعصور أن تشكل مدخلاً لتجاوز حالة القطرية إلى اجتراح معجزات وحدوية تمثل على الأرجح الطريقة الوحيدة لمقاومة خضوع اليمن للاستعمار لأول مرة في تاريخه. ولا بد أننا في هذه البلاد نخضع لقدر من نوع معين: أن نواجه الإمبراطورية بدءاً بالرومان والفرس مروراً بالتتار وانتهاء بأكبر إمبراطوريات الشر شراً؛ إمبراطورية الرجل الأبيض في هذا العصر الأمريكي السعيد.


    *الكاتب محاضر في الفلسفة في كلية العلوم التربوية- رام الله.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-10-26
  3. هراب

    هراب عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-07-27
    المشاركات:
    1,813
    الإعجاب :
    0
    الموضوع ممتاز في القمة وشكرش على المجهود في العمل الرايع والجيد
    تحياتي الكي خاصه
    هراب
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-10-26
  5. علي الورافي

    علي الورافي عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-10-25
    المشاركات:
    935
    الإعجاب :
    0
    مقال جيد تشكر عليه يا اخت نمشه
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-10-26
  7. يمن الحكمة

    يمن الحكمة مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2004-07-16
    المشاركات:
    12,156
    الإعجاب :
    0
    شكرا نمشة موضوع ممتاز يشرح عواطف اليمنين وتقلبهم
    وايضا يعرى بعض المواقف لمن لا زال يذرف دموع التماسيح على ماض بغيض ولبن مسكوب او عسكل مسكوب اشتراكيةوامامية
    ولك الله يا وطن
    خواتم مباركة
     

مشاركة هذه الصفحة