ابــــن المقبرة... الجزء الرابع

الكاتب : اكرم عبد الوهاب   المشاهدات : 1,087   الردود : 19    ‏2005-10-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-10-17
  1. اكرم عبد الوهاب

    اكرم عبد الوهاب عضو

    التسجيل :
    ‏2005-10-12
    المشاركات:
    38
    الإعجاب :
    0
    [​IMG]


    QUOTE=Rami83]]


    مقــدمــة لابد منها

    [align=justify]هناك الكثير من الشر في هذا العالم..
    و أنا لهذا سعيد بحق..
    فلولاه لما تذوقنا لذة الخير على الإطلاق..
    منطق غريب لكنه صحيح..!
    قد يتساءل البعض من أنا حتى أتكلم عن الشر و الخير؟
    لا.. لست راهب علم و لا حتى أستاذ فلسفة, بل أنا صحفي بسيط.. نعم بسيط إلى حد لا يُطاق.. بسيط من النوع الذي قد يجد يد مبتورة تحت ملاءة فراشة لسبب من الأسباب, أو ممن قد يفتحون صنبور الحمام ليجدوا دم بدلاً من الماء, و غيرها من تلك الأحداث البسيطة و الرائعة و التي قد تحدث للجميع..!

    أسمي (أكرم عبد الوهاب) .. طبعاً لن أتوقع أن يثير أسمي ذهولك أو إعجابك, أو تلهب كفيك بالتصفيق لمجرد سماعك إياه.. إنني مضطر أن أذكر أسمي هاهنا لا على سبيل التحذلق بل من منطلق إيماني بأنه ليس أسوأ من أن لا تعرف أحداث رواية ما بقدر عدم معرفتك ببطل تلك الرواية.

    لقد عشت – بحكم طبيعة عملي- العديد من المواقف و الأحداث التي يشيب لهولها الولدان, في الحقيقة أعتقد أن أغلب ما مريت به يتعلق بنحسي الأبدي الذي يلازمني على الدوام, و ليس للصحافة يداً فيه, فلو كل صحفي يمر بما مريت به فعالم الصحافة لفي مأزق حقيقي..
    لا أدري لماذا أرى البعض منكم قد بدأ يتململ رغم أنني ما زلنا في المقدمة, لذا سأضطر آسفاً أن أدوس على نرجسيتي الكامنة في رغبتي بالتحدث عن نفسي لأدعوكم معي لنغوص مع بعض في عالمي الذي أتمنى أن يكون ممتعاً, سأحكي لكم اليوم قصة ابن المقبرة, صحيح أن الاسم مثير للهلع, إلا أنها ممتعة بحق.. على الأقل من وجهة نظري.. ماذا عنكم؟.. إجابة هذا السؤال مختبئ خلف السطور القادمة..









    [align=right]1- أول الغيث قطرة...

    [align=right]12/ 7/ 1975م

    [align=justify]لم تمنع حرارة شمس ذلك اليوم التي راحت تلسع الجلود أولئك الحشد من القرويين من المضي قدماً بوجوههم المكتئبة و نظراتهم الحزينة.. أربعة منهم يحملون صندوق صغير و يمشون بشكل جنائزي و تكومت مجموعة من النسوة مرتديات السواد أمام باب الدار الذي أخرج منه الرجال الصندوق الصغير و بدأن بالصراخ و العويل...
    طبعاً الأمر لا يحتاج إلى كثير من الذكاء للقول أن هذه جنازة..
    جنازة طفل بالغالب..
    واصل الرجال مسيرتهم و الحزن يكسو وجوههم...
    و هتافات بتوحيد الله تتردد من كل مكان..

    "الله يرحم إبراهيم.. لقد كان صبي رائع"

    يتعثر أحد الصبية في حفرة وهو يحاول اللحاق برفقائه الذين يركضون إلى لا مكان..

    " لقد كان الأذكى بين أقرانه"

    ينهض ذلك الصبي على ضحكات رفاقه و هو يتمتم بشيء ما..

    "يُقال أنه توفى فجأة دون سابق إنذار"

    أخذ الصبي شيئاً ما من الأرض ليرميهم به بحنق لا يخلو من الاستمتاع, بينما بقية رفاقه يعدون بلا توقف..
    و هكذا انتهت مراسم الدفن ما بين حزن الكبار و لا مبالاة الصغار, ليعود كل شخص لداره و على وجهه علامة الرضاء كونه أكمل واجبة على أكمل وجه.. و لم يدر ببال أحد منهم قط أن ما فعلوه قبل لحظات كان أشنع خطأ يرتكبونه في حياتهم..
    خطأ شنيع للغاية..


    *** *** ***

    [align=right]16/ 7/ 1995م

    [align=justify]ليلة مقمرة.. ثمة كلاب تنبح من طرف القرية.. هدوء.. نباح كلاب أخرى من الطرف الآخر للقرية و كأنها ترد على النباح السابق.. و بهذا الجو الرومانسي و الشاعري و من خلال ضوء القمر الفضي نستطيع أن نلمح ذلك الشخص الذي راح يمشي بتؤدة عائداً لداره.. فلنقترب أكثر لنرى من هو... هاااه أنه (محمد) إذاً.. و من لا يعرف (محمد) الشاب المرح حاضر الفكاهة دوماً.. كان يداعب فمه بعود خشبي صغير محاولاً انتزاع بقايا (القات) من بين ثناياه.. أرتفع صوت الكلاب من جديد.. ماذا دهى هذه المخلوقات؟.. لماذا تنبح بهذه العصبية الليلة بالذات.. واصل (محمد) طريقه.. فجأة سمع ذلك الصوت.. لا لم يكن نباحاً هذه المرة.. بل بكاء.. نعم بكاء يُصدر من مقبرة القرية التي أصبح على مقربة منها.. هنا توقف (محمد) عن المشي و تصلب جسمه في مكانه و كاد قلبه يثب من صدره هلعاً.. فهو يعرف ما معنى بكاء الطفل من مقبرة القرية.. و يعرف كذلك مصير (صفوان) الذي رغب بمعرفة كنه ذلك البكاء.. بل أن أغلب حديث (مجلس القات) اليوم كان يركز على مصير (صفوان) الذي غلبت شجاعته حذرة و الغموض المحيط بمصيره.. و الآن ماذا عليه أن يصنع؟!.. فطريق المقبرة هو الطريق الوحيد لعودته لداره, و هو غير مستعد لدخول المقبرة و البكاء مستمر.. أنتظر لمدة ربع ساعة انقضت كدهر إلا أن صوت البكاء لم يتوقف, و هكذا أيقن أن الانتظار بهذا الجو المسموم دون جدوى, لهذا توكل على الله و واصل سيره و صوت البكاء يرتفع أكثر و أكثر كلما أقترب من المقبرة.. هاهو الآن داخل المقبرة و صوت البكاء يصم أذنيه.. فجأة بدأ بالقهقهة و الضحك بصوت عالي و بدون سبب.. ضحك.. قهقهة.. لقد انفلتت أعصابه بحق.. و أثناء انفلات أعصابه فقد حذره و التفت لتلك المقبرة التي يُصدر منها البكاء.. و هنا توقف عن الضحك الهستيري.. و لم يعد قادراً على الضحك.. و السبب ببساطة هو أن الضحك ليس من الصفات التي تتسم بها الجثث الهامدة.. أتتفقون معي على ذلك؟...


    *** *** ***

    [align=justify]تثاءب (علي) طويلاً كأنه فرس نهر و راح يُمنّي نفسه بليلة طيبة, فلقد كان في غاية الإنهاك, فعملة بالحقل شاق حقاً لكنه راض به على كل حال.. استلقى على فراشه و بدأ خدر النوم يسري في جسده ببطء.. فجأة سمع ذلك البكاء.. بكاء طفل على الأرجح يصدر من مقبرة القرية.. كان البكاء عميق كأنه صادر من بئر إلا أنه مثير للشفقة بحق.. هنا نهض من فراشه و ارتدى (الجنبية) و همّ بالخروج, إلا أن زوجته سدت طريقه متوسلة إليه:
    - أرجوك يا (علي) تجاهل الأمر و عد لنومك!..
    إلا أن (علي) لم يكن مستعد للرضوخ لأي توسل فقال بنوع من العصبية:
    - اتركيني يا امرأة.. سأوقف هذه المهزلة التي تحدث ليلاً في المقبرة..
    تشبثت الزوجة بثوب بعلها و هي تقول بصوت أقرب إلى البكاء:
    - أرجوك أن تتعقل يا (علي).. فإن لم يكن لأجلي, فمن أجل أبنك الوحيد.. كيف سأربيه بدونك.
    - ماذا دهاك يا امرأة؟!.. أنا لن أذهب للقتال بغزوة (أُحد).. كل ما في الأمر هو أنني راغب بمعرفة ذلك الطفل المعتوه الذي يبكي ليلاً من المقبرة..
    - إنه ابن المقبرة.. لماذا لا ترغب بتصديق هذا الأمر؟
    - لأن هذا الأمر يخالف ما جاء به ديننا الحنيف.. أنا لم و لن أصدق أن أي شخص قد يعود بعد موته لينتقم ممن تسببوا بقتله.. هذا هراء.. نعم هراء..
    - ماذا عن (صفوان) هل نسيت ماذا حل به بعدما زار المقبرة ليكتشف السر؟!.. ماذا عن (محمد) هو الآخر؟.. ألم يلاقي مصير الأول؟
    - لقد كان هذا هو قدرهما.. و قدر الله و ما شاء فعل, لكن لن توجد قوة في الكون تستطيع أن تمنعني من اكتشاف هذه الألعوبة القذرة التي تحدث في مقبرة القرية..
    قالها بعصبية حقيقية و هو يدفع زوجته بعيداً عنه بقسوة و يواصل خطاه بثقة نحو المقبرة بينما كانت زوجته تشيعه بنظرات من عيون مملوءة بالدمع, فلقد كانت تشعر أن هذه آخر لحظة ترى فيها بعلها...
    و قد كانت على حق بالفعل..
    ففي الصباح وجد أحد الصبية جثة (علي) هامدة بجانب أحد القبور, و لم يلبث أن يتحول المكان إلى سرك و تزاحم الصغير و الكبير ليرى الجثة.. لم تكن ملامح جثته تختلف عمن سبقوه ذات المصير, فعينيه كانتا مشدوهتين و مذهولتين و وجهه ممتقع بشكل ظاهر بينما يظهر جزء من لسانه الأبيض الجاف ليغطي جزء من شفتيه التي كانتا جافتان تماماً و تملئهما القشور البيضاء.. كل هذه الملامح تدلل أن الوفاة كانت بسبب العطش.. لقد مات (علي) عطشاً في مقبرة القرية.. كيف؟!.. لماذا؟!.. هذا ما لا يعلمه أهل القرية الذين بدءوا يشعرون بالرعب حيال هذا الغموض الذي أحاط بمقبرتهم...
    الغموض القاتل...



    يـــــتبع[/QUOTE]
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-10-17
  3. اكرم عبد الوهاب

    اكرم عبد الوهاب عضو

    التسجيل :
    ‏2005-10-12
    المشاركات:
    38
    الإعجاب :
    0
    الجزء الثاني

    [​IMG]


     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-10-17
  5. اكرم عبد الوهاب

    اكرم عبد الوهاب عضو

    التسجيل :
    ‏2005-10-12
    المشاركات:
    38
    الإعجاب :
    0
    الجزء الثالث

    [​IMG]


    QUOTE=Rami83]]

    [align=right]3- صحفي متحمس...

    [align=justify]تكاثفت السحب في السماء منذرة بهطول أمطار غزيرة, بينما كنت في مكتبي أفكر بوسيلة ما لبدء تحقيقات صحفية حول الجرائم بأنواعها.. و هكذا بدأت بتدوين بعض الملاحظات على مفكرتي:
    * يجب أن أقوّي علاقتي مع أبن عمتي (علي), فعمله كضابط شرطة سيفيدني كثيراً لمعرفة آخر الجرائم حتى أكون بقلب الحدث.
    * سأنظم جدول لتمشيط الأحياء المشبوهة على أمل أن أجد أمامي جريمة تُرتكب (طازة) فيكون لي السبق الصحفي.
    * سأبتاع لي كاميرا جيدة, فطبيعة عملي الجديدة تستلزم وجود كاميرا... ثم أننا لسنا بفلم سينمائي حتى توفر لي الصحيفة مصور خاص.. فهذا الترف لا يليق بالواقع كما هو لائق بالسينما..
    * يجب أن أكون أكثر حذراً في الأيام القادمة.
    * يجب أن أكون أكثر انتباهاً عند طهي طعامي كي أدخل الطعام اللامحروق في قائمة طعامي على سبيل التغيير..

    طبعاً لم أدري ما الذي دفعني لكتابة الملاحظة الأخيرة التي لا تمت بأي صله من قريب أو بعيد لطبيعة عملي الجديد, ربما يعود السبب لنوبة الجوع التي أمر بها الآن, فكما تلاحظون أنني لم أتناول إفطاري بعد...
    و في كافتيريا الصحيفة رحت أتناول إفطاري بنهم شديد.. صحيح إن مزاجي غير رائق بسبب المستجدات في عملي.. لكن ما ذنب المعدة في كل ذلك, فلست ممن يحرمون معدتهم لمجرد أن شيء ما يعكر مزاجهم.. فلأنتهي من إفطاري ثم أستعد براحتي لعملي الجديد..
    و بعد أن انتهيت من إفطاري توجهت إلى مكتبي, لكنني ما أن وصلت حتى أتى العم (حمود) ليخبرني أن المدير يطلبني.. عجباً.. لقاءين في صباح واحد.. أنه ليوم نحسي بحق.. و هكذا تجدونني أتوجه لمكتب مدير التحرير و قرعت الباب حتى سمعت ذلك الصوت الأجش يدعونني للدخول.. فدخلت و كان بانتظاري المدير و شخص آخر يرتدي الملابس اليمنية التقليدية من (جنبية) و (كوت)... الخ و طريقة هندامه و أناقته الزائدة تدلل على أنه أحد أعيان إحدى القرى.. و عندما وصلت بالقرب منهما دعاني المدير للجلوس, فجلست بالكرسي المقابل لذلك الشخص الذي قدمه لي المدير بقوله:
    - الأخ (منصور علي محمد) أحد مواطني قرية (...)..
    غريب حقاً.. إذاً لم يصدق حدسي كونه أحد الأعيان, فلم يكن سوى مواطن عادي.. تباً لعقليتي السخيفة هذه, فهل يوجد قانون يمنع المواطن العادي من التأنق.. حسب علمي لم يصدر قانون كهذا من قبل.. نفضت هذه الخواطر السخيفة و أنا أمد يدي لمصافحة الضيف الذي كاد أن يهشم يديّ الواهنتين بيديه القويتين.. و بعد طقوس التحية المملة من شد لليدين و هز للرأس تكلم المدير أخيراً:
    - في الحقيقة يا (أكرم) لدى الأخ (منصور) قصة عن أحداث غريبة تحدث في قريته منذ أسبوعين.. على العموم ستسمع لها من لسانه..
    بدأ يحكي لي عن تلك الأحداث الغامضة التي حدثت في قريته و التي قراء تموها في الفصل الأول.. لذا أرجو أن تسمحوا لي بقليل من الوقت لسماعها من البداية.. بعد أن انتهى (منصور) من السرد بدأت أشعر بالفخ الذي يحاول مديري - الوغد- إيقاعي به, فتظاهرت بالبراءة و أنا أقول:
    - و بماذا أستطيع أن أفيدكما؟!..
    هنا أنتفض المدير كمن لدغه عقرب و قد غلبه الحماس و راح يلوح بيديه و في عينيه بريق عجيب و يقول:
    - أنه المجد يا (أكرم).. المجد.. أن خبراً كهذا سيكون سبق صحفي غير مسبوق في عالم الجريمة..
    أحسست أن المدير بدأ بنسج خيوطه العنكبوتية و يقودني كالذباب الساذج إليه ببطء, فقلت محاولاً إطفاء شعلة حماسه:
    - ألم يكن من الأولى أن نبلغ الشرطة أولاً, فثلاث جرائم قتل تحدث في قرية واحدة و خلال أسبوعين فقط و القاتل ما زال طليق.. كل هذا و لا يوجد خبر عند الشرطة..!
    هنا تدخل (منصور) بقوله:
    - أن القاتل هو ابن المقبرة فكيف – بالله عليك- سنبلغ الشرطة عن قاتل خفي..
    - لا تحاول أن تقنعني أن ابن مقبرتك هذا هو القاتل.. فأنا لا أجادل في أي شيء يخالف ما تعلمناه من ديننا الحنيف..
    ثم لوحت بيدي بعصبية و أردفت:
    - ثم.. ثم ليس هذا من تخصصكم أنتم.. كل ما عليكم هو إبلاغ الشرطة و الأخيرة ستتكفل بإيجاد الجاني.. هذا هو المنطق.. ثم أخبرني.. هل خضعت تلك الجثث للطب الشرعي؟.. هاه.. هل تم تشريحها لمعرفة سبب الوفاة؟!.. هل تعلم أن التستر على عن جريمة تعتبر جريمة بحد ذاتها يعاقب عليها القانون؟..
    كنت قد تحولت ساعتها إلى قنبلة كلامية و لم يكن ليوقفني عن الكلام إلا قنبلة نووية.. كان مديري مذهول و هو غير مصدق لما سمعه مني.. خاصة و هو لم يرى عصبيتي من قبل, أما (منصور) فكانت حالته أعظم من المدير.. فهو على ما يبدو لم يسمع من قبل عن شيء يدعى " الطب الشرعي".. أنتزع المدير نفسه من حالة الذهول المؤقتة التي طرأت عليه و هو يقول:
    - لا تقسو على الرجل يا (أكرم), فهو ليس المذنب الوحيد.. فأهل القرية قد تعاملوا مع الموقف ككل بعفوية و بساطة لا تخلو من الرهبة..
    و جلس على مقعده و واصل كلامه:
    - في الحقيقة يا (أكرم) أنه بقدر اندهاشي لعصبيتك المفاجئة و التي لم آلفها منك من قبل إلا في غاية السعادة لأنني وجدت فيك كل هذا الحماس الزائد للعمل..
    هااااااااه... هكذا إذاً... لقد بدأ – الخبيث- باستدراجي لشبكته..
    - حسناً, سأقبل بعمل تحقيق صحفي حول تلك الجرائم لكن بشرط..
    - ما هو شرطك؟!..
    - أن نبلغ الشرطة بكل ما جرى في تلك القرية أولاً.. ثم سأحقق لك قدر ما تشاء..
    - لا.. إلا هذا يا (أكرم) .. فلو علمت الشرطة فسنفقد السبق الصحفي, فكل صحفي في المدينة سيكون على علم بالقضية.. لقد شاءت الأقدار أن يأتي (منصور) لصحيفتنا دون أي صحيفة أخرى.. فأرجوك لا تضيع علينا هذا التميز...
    قالها المدير بنوع من التضرع, إلا أن لهجته تحولت بغتة إلى الخبث و هو يردف قائلاً:
    - ثم أنك لا تصدق الأساطير.. إذاً هذه هي فرصتك لتنفي أسطورة "ابن المقبرة" هذه من أساسها, فكل ما عليك هو أن تدخل تلك المقبرة ليلاً أثناء بكاء الطفل لتعرف سر وفاة القرويين الثلاثة..
    كنت في الواقع أخاف المقابر ليلاً, فما بالكم بمقبرة تدور حولها الشكوك بأن فيها طفل يبكي ليلاً و كل من يراه يتوفى.. فلو كنت في وضع آخر لرفضت في الحال, لكن كرامتي هذه المرة تحول عن رفضي, فقلت بتحدي:
    - و ما المانع سأدخل تلك المقبرة و سألقن أبنها – إن كان لها ابن حقاً- درساً لن ينساه..
    و بهذه العبارة أقترب موعدي كثيراً..
    موعدي مع الابن..
    ابن المقبرة...



    يــــــتبع[/QUOTE]
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-10-17
  7. اكرم عبد الوهاب

    اكرم عبد الوهاب عضو

    التسجيل :
    ‏2005-10-12
    المشاركات:
    38
    الإعجاب :
    0
    الجزء الرابع

    [​IMG]


    [align=right]4- ابن المقبرة..

    [align=justify] كانت رحلة شاقة بحق.. فقرية (منصور) لا تتبع محافظة (صنعاء), بل محافظة أخرى لن أذكر اسمها.. و لا تسألوني عن السبب, فأنا أكره الأسئلة التي لا أهمية لها.. على العموم يمكنكم استنتاج تلك المحافظة بسهولة جداً و ذلك إذا استبعدتم محافظة (صنعاء) من بقية محافظات الجمهورية.. و هكذا تصبح الاحتمالات أقل.. هل رأيتم؟.. المسألة بغاية السهولة. :)
    راحت سيارتي تنهب الطريق نهباً, بينما (منصور) جالس بجانبي صامت كمومياء.. و لقد أسعدني ذلك كثيراً.. فالثرثرة هي آخر ما أتمناه هذه اللحظة... استمرت رحلتنا البائسة تحت حر الشمس حوالي أربع ساعات و فجأة تكلم (منصور):
    - أنعطف يميناً..
    فأدرت عجلة القيادة لليمين و بدأت سيارتي التي هي عبارة عن حطام سيارة تصدر أصواتاً غريبة و كأنها تعاتبني لقيادتي لها في طريق وعرة..
    - يساراً..
    - يميناً..
    - يساراً..
    بدأت أشعر بالقلق, فلقد ابتعدنا كثيراً عن المحافظة الرئيسية لتلك القرية, و هذه الطريق تبدو بلا نهاية... أكاد أقسم أنني رأيت هذه الشجرة أكثر من عشر مرات.. هل هذا اختطاف؟؟.. لا أعتقد ذلك فالاختطاف ترف لا يحصل إلا لمليونير أو سياسي أو فتاة و أنا لا أندرج تحت أي قائمة من تلك.. ابتلعت هواجسي السوداء و واصلت القيادة و أنا أتأمل (منصور) من خلال مرآة السيارة, لكن وجه كان خالي من أي تعبيرات, ثم أدرت نظري إلى عداد الوقود فبدأت أشعر بالقلق... مشكلة هؤلاء الصموتين هي أنهم لا يخبرونا بمسافة الطريق إلى قراهم كي نعمل حساب الوقود.. أتعشم أن يكفينا الوقود الموجود في خزان السيارة لمواصلة الرحلة.. و بعد نصف ساعة من السفر و الصمت الذي أصبح يقلقني أكثر مما يسعدني بدت لنا – أخيراً- القرية من بعيد.. كانت كأغلب القرى تمتاز بتقارب الدور من بعضها البعض.. أغلب الدور مبنية بالأسلوب العتيق و تختلط بها قليل من الدور المبنية بالطراز الحديث.. و عند مدخل القرية رأيت صبي يمتطي حماراً و صبي آخر يمشي على قدميه و قد توقفا يرمقاننا إلى أن توارت السيارة من نظرهما... يبدو أن هذه القرية لم تشهد غريب منذ زمن.. أخيراً وصلنا أمام دار (منصور) حيث سأقيم به خلال الفترة القادمة... في الحقيقة لقد كان (منصور) في غاية الكرم معي حتى الآن, رغم أنني بدأت أشك في أمره في البداية إلا أن حدسي لم يكن صائباً – كالعادة- .. لا داعي لوصف دار (منصور) فلست أملك ترف (بلزاك)* في وصف الأشياء.. يكفي أن أقول أنها كانت دار على قدر من النظافة.. أنا الآن منهك للغاية و الليل سيسدل ستارة بعد قليل, لذا اسمحوا لي أن أخلد إلى النوم و في الصباح سنتعرف على القرية مع بعض..
    ارتميت على الفراش كجوال من البطاطس, و رحت أغط بنوم عميق كرضيع بين أحضان أمه.. لكن هذا الرضيع لم يكن بحضن أمه تماماً.. فأنا ممن يشعرون باضطرابات بالنوم عندما أنام في مكان غريب للمرة الأولى.. لهذا تجدونني استيقظ فجأة ليلاً.. بينما الجميع نيام..
    فجأة سمعت ذلك الصوت..
    صوت أقرب لبكاء.. بكاء طفل على الأرجح..
    طبعاً كنت أعرف قصة هذا البكاء و أعرف –دون جهد- من أين يُصدر, فلم أندهش.. بل – صدقوني- أنني ارتعبت ساعتها.. و لا أعتقد أن أحد يلومني على ذلك..
    طبعاً لم أكن أملك الحماس لأخرج خارج الدار لمعرفة كنه البكاء.. فأنا لست ذلك الأحمق الذي يترك هذا الحصن المنيع لمجرد أن أروي فضول لا يرتوي, فليذهب البكاء و الباكي إلى الجحيم.. سأواصل نومي الآن و في الصباح سيكون لنا شأن آخر..



    *** *** ***

    [align=justify] ظلام دامس..
    كلاب تنبح من لا مكان..
    بكاء طفل يُصدر من المقبرة..
    بينما كنت أنا أمشي ناحية المقبرة بتؤدة..
    رغم التحذيرات.. ما زلت أمشي..
    ما زلت أمشي كبطل أسطورة إغريقية يدوس بقدميه كل تنبؤات العرافين ليذهب لمصيره الأسود برضاه..
    هاأنذا الآن في مقبرة القرية..
    أتوجه للمقبرة التي يُصدر منها البكاء..
    يا للهول.. ما الذي أصابني..
    أكاد أختنق.. أن العطش يكاد يقتلني..
    أنه يقتلني بالفعل..
    أني أموت.. أموت..
    "أستاذ (اكرم).. أستاذ (اكرم).. "
    هل يجب أن يموت الشخص و هو يستمع لأسمه..
    "أستاذ (اكرم).. أستاذ (اكرم).. استيقظ أرجوك"
    ما هذا الهراء ؟.. أنني أموت و هذا الصوت يطالبني بالاستيقاظ.. لماذا لا يدعونني أموت بهدوء؟..
    هنا شعرت بذلك الزلزال الذي لم يكن سوى يدي (منصور) تهزني, و هو يطالبني بالاستيقاظ.. إذاً هذا هو سر ذلك الصوت الذي أقتحم كابوسي.. استيقظت و أنا أنظر إليه ببلاهة و العرق يغمر جبيني..
    الحمد لله.. لم أمت بعد..
    - صباح الخير يا أستاذ (اكرم)..
    - صباح النور.. لو تسمح يا (منصور), أريد كوب من الماء..
    - هل هو كابوس..
    هذا ليس وقت إظهار العبقرية, فقلت له بأنفاس متهالكة:
    - نعم.. نعم.. أرجوكِ إليّ بالماء..
    نهض و صب لي ماء من (كوز) كان على إحدى النوافذ.. شربت و حمدت الله كثيراً.. أن فكرة الموت من العطش ليست محببة إطلاقاً.. اللهم نسألك حسن الخاتمة..
    كان (منصور) يرتدي ملابس الخروج.. فعلا ما يبدو أنه قد أستيقظ باكراً, أما أنا فلا أستطيع أن أستيقظ دون ساعة منبهة.. آه كم أشتاق لشقتي..
    نظرت للساعة التي كانت تشير إلى الثامنة إلا ربع.. إن الوقت متأخر بالفعل, نهضت و غسلت وجهي و هممت أن أحمل فرشاة أسناني.. فتذكرت إنني لست في شقتي.. سمعت صراخ (منصور) يدعونني للإفطار.. فتمضمضت على عجل و ذهبت..
    يا لسعادتي.. (هريش) و (سمن بلدي).. إنني حقاً محظوظ, فأنا لم أذق (الهريش) منذ آخر زيارة لأمي قبل حوالي شهرين أو ثلاثة.. فرحت أتناول الإفطار كمن لم يذق الطعام منذ أيام.. و بعد أن انتهينا قال لي (منصور):
    - و الآن ما برنامجك؟..
    - أرجو منك أن تعرفني على قريتك و أن تدعني أقابل (شيخ) قريتكم.. و من ثم سأذهب إلى المقبرة..

    قلتها و أنا أتوقع أن تكون اللحظات القادمة غير قابلة للنسيان..
    و قد كنت على حق..
    تماماً..


    *** *** ***

    يــــتبع



    [align=right]ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    [align=justify]*هونوريه بلزاك (1799- 1850): روائي فرنسي وُلد في مدينة تور الفرنسية, في الفترة الممتدة بين 1816 1819 درس القانون ثم تدرّب لدى المحامي جيونيه دو مورفيل. بعد ذلك انتقل للعمل لدى كاتب العدل باسيه, وتابع في الوقت نفسه دراسة الآداب والفلسفة في السوربون.
    ساهم بلزاك مع مجموعة من رفاقه بكتابة روايات تحت أسماء مستعارة ونُشرت باسم مؤلفات اوراس دوسان أولان الكاملة.
    ما بين 1825 و1827 عرف مرحلة الحصول على الثروة من خلال الأعمال: ناشر ثم طابع فمؤسس مطبعة, ولكنه أفلس بسبب قضية قضائية, فعاد إثر ذلك إلى الأدب.
    قصته “الثوار الملكيون” حققت له بعض الشهرة. ثم كان النجاح الأكبر إثر نشر “فيزيولوجية الزواج”.
    أشتهر بلزاك بأسلوبه في الوصف الذي كان يعتمد على الوصف البليغ و المطول لكل ما يراه..
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-10-17
  9. زهرة سبأ

    زهرة سبأ قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2005-04-17
    المشاركات:
    6,611
    الإعجاب :
    0
    حيا بك اخوي اكرم عبد الوهاب
    جزء روعة

    سرد متقن
    مع كل جزء تبدع

    سلامي لك و للأخ رامي
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-10-18
  11. ISLAND_LOVE

    ISLAND_LOVE قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-12-10
    المشاركات:
    4,799
    الإعجاب :
    0
    استمرت رحلتنا البائسة تحت حر الشمس حوالي أربع ساعات و فجأة تكلم (منصور)

    عرفت المكان

    بعد ذمار

    لان من صنعاء الى هناك 4 ساعات


    سلااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااام

    منتظر بقية القصة على احر من الجمر
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-10-18
  13. حضرمية مغتربة

    حضرمية مغتربة مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-11-05
    المشاركات:
    14,712
    الإعجاب :
    0
    سرد راااااااااائع ولن أقول أكثر من ذلك لاني لن أوفيك حق روعة القصة وسردها
    بانتظار بقية الاجزاء على احر من الجمر :)
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-10-18
  15. الأمير الحاشدي

    الأمير الحاشدي قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2005-01-28
    المشاركات:
    37,736
    الإعجاب :
    3
    اين التكمله مراعيين يا منعاه شوقتنا قوي
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-10-18
  17. 2maged

    2maged قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2005-03-21
    المشاركات:
    5,347
    الإعجاب :
    0
    جميل جدا

    ومشكور اخى على الجهد المبذول
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2005-10-22
  19. الغزال الشمالي

    الغزال الشمالي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-09-15
    المشاركات:
    11,596
    الإعجاب :
    0
    جزء وسرد رائع كما عهدناه من الاجزاء السابقه
    منتظرين بشوق التكمله
    واهلا بك اخي من جديد
     

مشاركة هذه الصفحة