القومية في الميزان

الكاتب : Ameer_1924   المشاهدات : 563   الردود : 9    ‏2005-10-15
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-10-15
  1. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم


    القومية في الميزان

    تعيش الشعوب الإسلامية أجواء معركة شاملة ضد التخلف والانهيار وتحاول التحرك سياسيا واجتماعيا ضد سيطرة الاستعمار الغربي الذي بسط نفوذه عليها ما يزيد على قرنين من الزمن وجعلها مسرحا لإمامته الفكرية وقيادته بعد ان نجح في القضاء على الرسالة الأصلية ومنهج الحياة التي كانت الأمة الإسلامية المؤلفة من تلك الشعوب تحمله مصباح هداية ونورا يهدي سائر البشر قرونا متطاولة من الزمن.

    ولكن بالرغم من إحساس الكثير من أبناء هذه الأمة بالواقع الأليم الذي يعيشونه من تقسيم بلادهم وسيطرة أعدائهم عليهم ،وبالرغم من الذلة المخيمة عليهم ووجود الرغبة الأكيدة لديهم في الحياة الكريمة والرغبة في العودة إلى تبوّء مقعد الصدارة بين شعوب الأرض وتولي قيادة الحضارة البشرية مرة أخرى،إلا ان القلائل منهم يدرك المنهج الصحيح أو القواعد الأساسية التي تبنى عليها النهضة الحقيقة ،واقل القليل يدرك الأنظمة السليمة التي يتوصل بها لذلك. وصار أغلبهم يطرح شعارات عامة ومناهج غامضة ويتبنى أهدافا مبهمة مثل :التحرر من الاستعمار،تحرير الأرض ،حقوق الشعب والاستقلال... ألخ،

    دون تحديد لواقع الاستعمار أو حقيقة حقوق الشعب ودون إدراك لمعنى الاستقلال ومن غير اتخاذ قاعدة فكرية أساسية كمقياس للأفكار والأعمال مما ساعد على استمرار تضليل الأمة وبقاء إرادتها بيد أعدائها .

    ولعل من أبرز الأفكار التي طرحت كعقيدة وقاعدة للنهضة وأساس للتنظيم الاجتماعي في بلاد العرب فكرة القومية التي قام عليها عدد من التكتلات السياسية والاجتماعية وثار حولها الكثير من الجدل والنقاش من غير ان يدرك جمهرة الناس واقعها وحقيقتها .ومن ثم انقسم الناس حولها ما بين مغالٍ في عدواتها حتى يصل إلى حد غمط الشعب العربي وسلبه جميع ما حباه الله به من خصائص جبلية ،وبين آخرين غلب عليهم حب قومهم حتى شط بهم الفكر فصاروا لا يدركون الفرق بين الانتماء إلى الشعب العربي لغة ونسبا وبين القومية كدعوة فكرية ومنهج سياسي .

    وقد تشعب هؤلاء (القوميون)إلى من يتطرف ويتبنى العلمانية وهو بذلك يعادي الإسلام صراحة ،وإلى من يحتفظ بجوهر الفكرة القومية مع صبغها بالصبغة الإسلامية .وفي هذه المقالة توضيح للأفكار المتعلقة بالقومية حتى يدرك القاريء الكريم الصواب بشان ذلك .ولعل ذلك يعيد من يحمل بعض الأفكار الخاطئة المتعلقة بالقومية إلى الحق خاصة وان في كل إنسان قابلية العودة إلى الرشد بعد الغي والاهتداء بعد الضلال.

    العرب واللغة العربية

    إن المعلوم لكل واحد أن العرب شعب من شعوب الجنس البشري ينحدر من سلالات معينة ويستوطن بلادا يتكلم أغلب أهلها بلسان واحد هو اللسان العربي.وهم بذلك لا يختلفون عن سائر البشر،إلا أنهم يتميزون بخصائص ومزايا جبلية منها المحمود ،كالغيرة والدفاع عن الشرف ونصرة المظلوم الضعيف ورعاية شؤون الغير وتحمل الأذى في سبيل المبدأ وعدم الرضى بالضيم ،ومنها المذموم كسرعة الغضب والأخذ بالثأر والعصبية والهوى ولو على الباطل .وكان العرب يعيشون على الغزو ويألفون الحروب فوُجدت لديهم الخشونة والطبيعة العسكرية.وقد اختارهم الله رب العالمين عند ظهور الإسلام لحمل رسالته إلى الناس والله سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته ،فكان في خصائصهم ما أهلهم لحمل الرسالة بطريقتها التي أنزلها الله وهي الجهاد ،أي القتال والتضحية بالأرواح من أجل نشر دعوة الإسلام.ولقد هذب الإسلام نفوسهم وطهرها، فزاد في خصالهم المحمودة وأزال عنهم الاصرار والأغلال التي كانت عليهم وأبدل أخلاق الجاهلية بأخلاق الإسلام فكانوا بذلك خير أمة أخرجت للناس.ولكن هذا مشروط بقبولهم الإسلام وحملهم إياه إلى باقي الأمم يقول تعالى وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ.

    ولا يستطيع عاقل أن يخالف أن اجتباء الله للعرب من دون الناس وإنزال كتابه بلسانهم هو فضل عظيم من الله سبحانه وتعالى لهم ونعمة كبرى أنعمها عليهم .لذلك كان تعلم اللسان العربي لازم لكل مسلم يريد الاجتهاد في فقه دينه لكون كتاب الله سبحانه وسنة نبيه المطهرة بهذه اللغة،وأصبح فرضا على كل مسلم أن يحفظ من كتاب الله ما يلزمه للقيام بفرائض الشرع من صلاة وتلاوة للقرآن الكريم.

    واللغة العربية هي وحدها لغة الإسلام وهي وحدها اللغة التي ينبغي أن تستعملها الدولة التي تقوم على تطبيق أحكام الإسلام وحمل رسالته ،لأن القرآن الكريم أنزل باللغة العربية .فاللغة العربية هي لغة الإسلام لأنها لغة القران .والقران الكريم هو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم .

    وإعجازه هو في تعبيره بهذا اللفظ العربي عن المعاني والأحكام ،أي بعربية اللفظ والأسلوب .فالإعجاز واقع في لفظ القران وفي معناه ولا ينفصل أحدهما عن الآخر .

    ومحل التحدي للبشر هو أن يأتوا بمثل هذا القرآن،أي أن يأتوا بمثل هذه المعاني والأحكام التي جاء بها القرآن وبنفس إعجاز الأسلوب واللفظ العربي .فكون القرآن باللغة العربية هو أصل في الإعجاز وجزء جوهري منه غير قابل للانفصال .ولذلك لا يكون القرآن قرآنا إلا باللغة العربية،فلذلك لا تجوز ترجمته لأنه إذا غُيِّر خرج عن نظمه فلم يكن قرآنا ولا مثله .وإنما تجوز ترجمة معاني القرآن وتفسيراته. وذلك لأن الله تعالى يقول إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ،ومعنى ذلك أنه إذا لم يكن عربيا فليس بقرآن.والمسلم يتعبد بلفظ القرآن ،فلا تصح صلاة بغيرها لقوله تعالى  فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ،فمعنى قراءة القران أي قراءة ألفاظه ،ولذلك فلا تصح صلاة بغيرها ،أي لا يجوز أن يقرأ المسلم القران في صلاته بغير اللغة العربية .

    واللغة العربية يجب أن تكون لغة دولة الإسلام كذلك ،لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كتب إلى الملوك بهذه اللغة ولم يترجمها إلى لغاتهم مع إمكانه ذلك ،مما يدل على أنها لغة الدولة التي تقوم على الإسلام.ولهذا كان من الواجب على جميع المسلمين أن يتعلموا هذه اللغة حتى يتمكنوا من القيام بفرائض دينهم وتطبيق أحكامه ،يقول الإمام الشافعي في رسالته الشهيرة في الأصول (إن الله تعالى فرض على جميع الأمم تعلم اللسان العربي بالتبع لمخاطبتهم بالقرآن والتعبد به).

    واللغة العربية أيضا هي من ضروريات الاجتهاد في الشريعة الإسلامية ،وهو استنباط الأحكام من النصوص الشرعية وهو فرض على المسلمين في كل مكان وزمان .فمن شروط المجتهد معرفته الأدلة السمعية من قرآن وسنة التي هي باللغة العربية ،كذلك يجب عليه أن يعرف دلالة الألفاظ المستخدمة في لسان العرب معرفة البلغاء.وهذا لا يمكن أن يحصل إلا بتعلم اللغة العربية.ولهذا يجب أن تكون اللغة العربية هي لغة المسلمين فلا يجوز أن تحل محلها أي لغة أخرى لا فارسية ولا تركية ولا غيرها.ولذلك أيضا لا يصح للمرء أن يغض من شأن العرب أو من لغتهم لأن ذلك هو غمط للحق ومحاولة لطمس الحقائق الملموسة.إلا أن إدراك ذلك كله بشان الشعب العربي واللغة العربية أمر يختلف تماما عن أمر القومية العربية كدعوة فكرية سياسية وكرابطة بين الناس .فهذه الدعوة تخالف كل ذي عقل ولب سليم، وهي بهذا لا تختلف عن الدعوى لأي قومية أخرى سواء كانت عربية أو فارسية أو تركية أو غيرها،فهي فاسدة ومخفقة عقلا وشرعا وواقعها يشهد بذلك كما سيتضح في هذا البحث .


    http://www.hizb-ut-tahrir.info/arabic/index.php/main/index

    يتبع ان شاء الله
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-10-16
  3. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    القومية في الميزان

    (عقلا وشرعا)

    من المعلوم لدى كل مفكر أن الناس عندما ينحط فكرهم تنشأ بينهم روابط منخفضة وضيعة نابعة عن غريزة البقاء الموجودة لدى جميع المخلوقات.وتأخذ هذه الروابط المظهر العاطفي دائما،فهي بذلك عرضة للتغيير والتبديل .وتوجد هذه الرابطة في الحيوانات والطيور كما هي موجودة في بني الإنسان .وهذه الروابط تكون غالبا مؤقتة تظهر في حالة الدفاع أو الاعتداء ،أما في حالة الاستقرار وهي الحالة الأصلية لبني الإنسان فإن هذه الروابط لا يكون لها أي وجود .

    وأبرز مثال لهذه الروابط رابطة الوطنية ورابطة القومية .فهذه الروابط لا تجعل للإنسان الذي حباه الله بالعقل إختيارا فيمن يرتبط بهم ولا تصلح لصهر طاقات الشعوب المختلفة في بوتقة واحدة كي يسير المجتمع البشري في طريق النهوض والتقدم.

    والرابطة القومية بالذات تنشأ عندما يكون فكر المرء ضيقا لا يعدو ما حوله ،حيث يوجد لدى الإنسان مظهر حب السيادة لنفسه وأسرته والذي يتسع حتى يشمل حب السيادة لقومه في وطنه أولا ،حتى إذا تحقق ذلك سعى لسيادة قومه على غيرهم .لذلك تنشأ عن هذه الرابطة المخاصمات والنزاعات من غير هدف سام يسعى لتحقيقه بل لهدف سيادة جنس أو شعب على غيره من البشر دون مبرر ،ويغلب على أهلها العصبية والهوى ونصرة بعضهم على غيرهم بالحق أو بالباطل .

    وما أصاب العالم من دمار وويلات خلال الحرب العالمية الثانية إنما هو دليل على خطورة هذه الرابطة على البشر ودليل على ضررها البالغ .فالرابطة الصحيحة للبشر هي الرابطة التي يكون لعقل الإنسان فيها إختيار ولا تكون مفروضة عليه فرضا من غير أن يملك لها جلبا أو دفعا ،وذلك لا يكون إلا بالعقيدة التي يتوصل إليها الإنسان بعقله وبالنظم التي تنبثق عن هذه العقيدة.

    وهذه هي الرابطة التي تليق بالإنسان وترفعه عن مستوى الحيوانات والطيور.فوجود عقيدة نابعة عن الغريزة دون أن يتوصل إليها بالعقل كالعقيدة القومية يجعل الجماعات البشرية تعيش كقطعان البهائم يجمعها مظهر القطيع،وتجعل المرء يندفع إلى من حوله لمجرد كونهم قومه أو بني جنسه دون هدف أو غاية , ولا تجعل له إختيارا فيمن يرتبط بهم أو يحامي عنهم .كما أن عدم وجود نظم تنبثق عن العقيدة يؤدي إلى النزاع والتنافر عند معالجة مشاكل الحياة لاختلاف مصادر النظم.

    فالرابطة القومية فاسدة عقلا لهذه الأسباب ,فهي:

    أولا : غير عقلية وليس للإنسان خيار في قبولها أو رفضها , بل هي مفروضة عليه فرضا,حيث أن الإنسان لم يختر لنفسه نسبه أو جنسه أو شعبه. ولذلك فهي لا تصلح لتوحيد بني البشر المختلفي الأجناس والأوطان والألوان للسير بالجنس البشري في طريق الرقي فهي بذلك لا تعتبر رابطة إنسانية .

    ثانيا: رابطة مؤقتة تظهر عند الاعتداء على القوم والوطن .أما في حالة الاستقرار والطمأنينة فتختفي لانشغال أهلها بالنـزاع والخصومة فيما بينهم كما هو مشاهد .ولذلك فهي عرضة باستمرار للتغيير والتبديل ولا تصلح لربط البشر لأن الرابطة الصحيحة ينبغي أن تكون دائمية لا تنفصم عراها سواء في حالة الاضطراب أو الاستقرار.

    ثالثا: رابطة تؤدي إلى التطاحن بين الجماعات البشرية بهدف سيادة جنس على آخر وجماعة على أخرى بغير سبب وبغير أن توجد إمكانية لتوحيد تلك الأجناس أو الجماعات باعتناقها عقيدة واحدة وإنضوائها تحت لواء واحد كما يحصل في الروابط العقلية التي يعتنقها الإنسان باختياره.

    رابعا:رابطة لا تحمل أنظمة للحياة منبثقة عنها .ولذلك يحصل التطاحن بين أتباعها عند معالجة مشاكل الحياة . فلا يعرفون نظاما يجتمعون عليه في الحكم أو الاقتصاد أو الاجتماع أو غير ذلك .فأنظمة حياتهم كالثوب المرقع بالألوان المختلفة , ويصبح الناس تحت حكم دعاة القومية كحيوانات المعامل تجرى عليهم التجارب المختلفة في كل يوم .والمتأمل لحال بلاد المسلمين منذ أن تولى قيادتهم هؤلاء يجد هذا واضحا , حيث يجد أنظمة مهلهلة متنافرة , فهذا قومي إشتراكي , وهذا رأسمالي وذلك علماني , مع أنهم جميعا يدعون للقومية كرابطة فيما بينهم .

    وأما من الناحية الشرعية فجميع التعاليم الإسلامية تبين أن الرابطة بين المسلمين يجب أن تكون رابطة العقيدة الإسلامية ولا شيء غيرها , وأنه يحرم على المسلم التفاخر على أساس القوم أو اللون أو الجنس.فمن الآيات الدالة على أن رابطة المسلم هي الإسلام ولا شيء سواه قوله تعالى" لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ",وقوله تعالى :" وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء " ,وقوله تعالى " قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ " .

    ومن الأحاديث النبوية الشريفة ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله قال:كنا في غزوة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار,فقال الأنصاري:يا للأنصار ,وقال المهاجرين : يا للمهاجرين ,فسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"دعوها فإنها منتنة ".

    فقوله عليه الصلاة والسلام"دعوها"أمر صريح بتركها وبتحريم النداء بهذه الرابطة ودل على أن فاعل ذلك كأنه يتعاطى المنتن, ولا شك أن المنتن خبيث , ولقد كرمنا الله بأن جعل ديننا يحرم الخبائث. وفي صحيح مسلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لهم عند ذلك "ما بال دعوى الجاهلية", وفي رواية أخرى"أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم". فالنداء بالانتساب لقوم من دعوى الجاهلية, وقد قال عليه الصلاة والسلام "ليس منا من دعى بدعوى الجاهلية".

    وكذلك من الأحاديث التي تنهى عن النداء بنداء القومية والعصبية قوله عليه الصلاة والسلام (لينتهين أقوام عن الفخر بآبائهم أو ليجعلنهم الله أهون عليه من الجعل )،وقوله (لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود ،الناس كلهم سواسية كأسنان المشط ،كلكم لآدم وآدم من تراب )،وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان قوله عليه السلام (من تعزى عليكم بعزاء الجاهلية فأَعِضوه بِهُنَّ أبيه ولا تكنوا) أي أمر ان يقال للداعي بنداء العصبية:اعضض هن أبيك،أي فرجه ولا يكنى عن ذلك مما يدل على قبح النداء بهذه الرابطة وشدة بغض النبي عليه الصلاة والسلام لها.

    فكل هذه الآيات والأحاديث تدل على أن رابطة القوم أو الجنس لكي يسود شعب أو جنس على غيره من البشر أمر بعيد تماما عن تعاليم الشريعة المطهرة،وذلك للتعارض التام بين دين الإسلام كدعوة للبشر كافة وبين الفكرة القومية الضيقة المحصورة على أفراد الجنس الواحد أو القوم الواحد .ومن العبث أن يحاول أحد التوفيق بين القومية كرابطة وبين الإسلام ،أو أن يصبغ القومية بصبغة إسلامية لكونهما على طرفي نقيض ،فلا يمكن أن يجتمع شرع الله المخاطب به كل البشر والذي ينضوي تحت لوائه كل قوم وجنس والدعوة للقومية الفاسدة الداعية لسيادة جنس من الناس على غيرهم بلا حق .

    فالرابطة الصحيحة لكل إنسان ولجميع البشر هي رابطة الإسلام وهي العقيدة الإسلامية وسائر الأحكام الشرعية المنبثقة عنها.فالعقيدة الإسلامية عقيدة جرى التوصل إليها بالعقل،وذلك بالنظر في آيات الله ومخلوقاته المبثوثة في هذا الكون للوصول إلى الإدراك الجازم بوجود الخالق سبحانه وتعالى،ثم بالنظر في رسالة الإسلام وتعاليمه وإعجاز القرآن الكريم لكي يدرك جزما أن محمدا عليه الصلاة والسلام – الذي جاء بهذه المعجزة- هو رسول للبشر حقا .

    ومتى التزم الإنسان بهذه الرابطة المبدئية بدخوله في دين الإسلام يصبح كل من قبلها والتزم بها أخا له في السراء والضراء وفي الخير والشر (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)،ويصبح كل من نبذ هذه العقيدة وتعاليمها عدوا له ولو كان أقرب قريب (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الآية .فهذه الرابطة تصهر الشعوب المختلفة في أمة واحدة تحمل رسالتها إلى العالم ،وهذا ما حدث في تاريخ الإسلام ،إذ صهرت هذه العقيدة الإسلامية والأحكام الشرعية المنبثقة عنها شعوب العرب والبربر والكُرد والتُرك وأوجدت منهم هذه الأمة المسلمة التي كانت زهرة الدنيا وقبلة الناس مئات السنين .

    يتبع ان شاء الله
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-10-17
  5. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    نشأة القوميات في بلاد الإسلام

    يجد المتتبع للتاريخ الحديث أن الحركة القومية ابتدأت بالظهور في بلاد المسلمين عندما بدأت الدول الكبرى الكافرة في الصراع للقضاء على الدولة العثمانية - دولة الخلافة الإسلامية- ولإقتسام البلاد الخاضعة لسلطانها .

    وحيث أن الدول الكبرى كانت تعلم أن الإسلام هو السبب في وحدة الشعوب المختلفة المتكونة منها الدولة العثمانية ،فقد بدأت هذه الدول تسعى للقضاء على الإسلام في معترك الحياة وفي العلاقات بين الناس وذلك عن طريق إثارة النعرات القومية ونشر الثقافة والأفكار الغربية .

    وكان نشاط الدول الكبرى ،وبالذات انجلترا وفرنسا وروسيا ،مركزا عن طريق سفاراتها في بلاد المسلمين وخاصة في إستنبول التي إتُخذت كمركز رئيسي لضرب الدولة العثمانية في قلبها ،وفي بيروت التي إتُخذت كمركز لضرب الدولة في ملحقاتها التي يسكنها مسلمون ناطقون باللسان العربي .

    أ- في تركيا:

    أما في استنبول فقد قامت الدول الكافرة بأعمال عديدة كان أفظعها إنشاء (جمعية الاتحاد والترقي أو تركيا الفتاة ) والتي قام بإنشائها مجموعة من شباب الأتراك الذين أمعنوا وتشبعوا بدراسة الثورة الفرنسية.وقد تأسست هذه الجمعية في باريس ،وكان زعيم هذه الجمعية أحمد رضا بيك ،وهو من الشخصيات البارزة لدى الناس .وكانت فكرته نقل الحضارة الغربية إلى بلاده تركيا .

    وتأسست للجمعية بعد ذلك فروع أخرى في برلين وسلانيك وإستنبول ،وقد نجحت هذه الجمعية في ضم العديد من الضباط المتعلمين ومن أصحاب النفوذ القوي في الجيش وكذلك بعض رجال الحكم من وزراء الدولة السابقين وحتى بعض المشايخ في أول الأمر .

    وكان مركز باريس أكثرها تنظيما .وكان يعمل على توجيه المراكز الأخرى بالنظريات والآراء الغربية .وكانت المحافل الماسونية ،وعلى الأخص المحفل الإيطالي في سلانيك،ترحب بأعمال هذه الجمعية حتى أن كثيرا من جلساتها كانت تعقد في هذه المحافل .

    وكان الكثير من أعضاء هذه المحافل الماسونية مندمجين في هذه الجمعية .

    وكانت الدول الغربية الكافرة تقوم بمساعدة هذه الجمعية في توسيع دائرة نشاطها وإمدادها بالتوجيهات اللازمة لذلك .يقول الحصري في كتابه (البلاد العربية والدولة العثمانية)،"بعد سنة 1905م وجدت جمعية الاتحاد مجالا واسعا لعملها في ولايات مناستر و قوصوة وسلانيك بسبب المراقبة الدولية التي تأسست فيها تحت إدارة الدول الأوروبية ".ويقول توفيق برو ،أحد مؤرخي العثمانيين عن كتابz.n. zeine والذي أسمه( arab,Turkish Relation)"إن هذه الجمعية كانت ترسل رسائلها عن طريق مكاتب البريد الأجنبية العاملة في الدولة والتي حصلت الدول الأوروبية على امتياز إقامتها من أجل مخابراتها الخاصة".

    ويقول توفيق برو أيضا "إن ملتقى رؤساء جمعية الاتحاد والترقي كان في سفارة فرنسا ،وكان المسيو أندريه –الترجمان الأول للسفارة الروسية في الأستانة-المشير الرئيسي لهم ".

    وهكذا وبمعاونة الدول الغربية استطاعت الجمعية أن تضاعف عدد أعضائها وتهيئ الأجواء لوصولها إلى الحكم ،وقد تم ذلك بالفعل بانقلاب سنة 1908م ضد السلطان عبد الحميد .وبعد تولي أعضاء الجمعية سدة الحكم في البلاد سارعوا إلى تسليم زمام الأمور إلى المتضلعين بالقوانين والأفكار الغربية حتى صارت لهم اليد العليا في البلاد .

    يقول محمد جميل بيهم في كتاب(فلسفة التاريخ العثماني) "عمدت جمعية تركيا الفتاة إلى إسناد الصدارة العظمى لكامل باشا لحنكته السياسية ولثقة الدول فيه وخاصة إنجلترا ،وأعلنوا أنهم سيكلفون مستشارا فرنسيا لإصلاح المالية وآخر إنجليزيا لإصلاح البحرية وثالثا ألمانيا لإصلاح الجيش البري".


    وقد عمدت جمعية تركيا الفتاة فور وصولها إلى الحكم في مباشرة سياسة التتريك وبعث الفكر القومي بين الناس ،وبذلك وصلت فكرة القومية التي اتخذها الغرب أداة لهدم الخلافة إلى الحكم متمثلة بهذه الجمعية وأعضائها الذي يرون أن الإسلام غير صالح للعصر ويرون أن الإصلاح يتم بالحضارة الغربية وأفكارها ويرون المحافظة على القومية التركية حتى جعلوا الولاء لها فوق كل ولاء وصاروا يفضلون التركي على غيره وتركيا على سائر البلاد.

    وكانت سياسة التتريك التي مارسها أعضاء الجمعية تبدو في معظم الأحيان متعمدة لإثارة المسلمين من القوميات الأخرى في الدولة.فقد عمد بعضهم إلى الدعوة للقومية الطورانية أمثال يوسف طجورة الذي درس في روسيا في جامعة لورنبورغ ثم في باريس ثم رجع بعد الانقلاب الدستوري إلى الأستانة وانغمس في العمل السياسي مع أعضاء جمعية تركيا الفتاة .

    وكان من آرائه تشكيل دولة قومية في الأناضول وأسس جمعية (ترك درنكي)التي عملت على نشر الدعوة الطورانية ،وكان من القائمين بالبحوث العلمية فيها نخبة من المستشرقين الذين عكفوا على اكتشاف كل ما يتعلق بالشعب التركي قبل الإسلام من خصائص عرقية وعادات قديمة كعبادة الذئب الأغبر...ألخ يقول وليم بولك احد مؤرخي تلك الفترة"عندما وصل أنصار تركيا الفتاة إلى السلطة مارسوا سياسة التتريك على نحو لم يحاوله أي حاكم عثماني من قبل ،فبدأت المدارس تعلم اللغة التركية وتؤكد عظمة الأتراك.."وكذلك شجعت الجمعية الكتب الإلحادية التي غايتها محو الإسلام وتتريك العناصر المقيمة في الدولة،ومن ذلك الكتاب الذي ألفه جلال نوري بك واسمه (تاريخ المستقبل)حيث يقول فيه،"إن المصلحة تقضي بإكراه السوريين على ترك أوطانهم وأن بلاد العرب يجب تحويلها إلى مستعمرات تركية".

    وبذلك كانت هذه الجمعية أفظع عمل قامت به الدول الغربية لضرب الإسلام ودولة الخلافة .وقد كانت نتائج ذلك العمل عاجلة،ففور وصول الجمعية إلى الحكم بدأ معول الهدم يعمل في جسم الدولة ويحفر بين رعاياها خندقا عميقا لا يتأتى أن ينعقد فوقه جسر،وذلك لأن القومية هو أخطر عامل يفصل بين الشعوب ويوجد بينها العداوة والبغضاء.


    ولقد أدت هذه السياسة التي اتبعتها جمعية تركيا الفتاة إلى تنبيه الفكرة القومية في سائر الشعوب المسلمة.فقد قام الألبان في الأستانة وألّفوا لهم جمعية،وأعقبهم الشركس والكُرد.وقام العرب بتأليف جمعية الإخاء العربي ،ولكن جمعية الاتحاد والترقي تعصبت ضد العرب بشكل خاص،فحلوا جمعية العرب هذه واتبعوا سياسة التمييز العنصري في الجيش ومنعوا الضباط العرب من الالتحاق بالبعثات ،وصاروا يتعمدون إرسال ولاة أتراك للبلاد العربية ،وكان اختيارهم للولاة دائما ممن لا يعرفون العربية،وأخذت صحفهم تهاجم العرب ،فعلى سبيل المثال جاء في جريدة(اقدام)بتاريخ فبراير1910م مقالة لضابط تركي يقول فيها عن أهل اليمن،"أنهم يعبدون المال"مما هيج الطلبة العرب في الأستانة وجعلهم يهاجمون مقر الجريدة.

    ثم قامت جمعية الاتحاد والترقي بجعل اللغة التركية اللغة الرسمية للدولة بدلا من اللغة العربية،وقد بلغ من تنكر رجال الجمعية للغة العربية أن سفير الدولة العثمانية في واشنطن سنة1909م نشر إعلانا حظر فيه على رعايا الدولة العثمانية المقيمين في أمريكا مخاطبة السفارة بغير اللغة التركية مع علمه أن رعايا الدولة هناك لا يقل عددهم عن نصف مليون شخص وليس بينهم رجل واحد يعرف التركية.

    كذلك عمد رجال تركيا الفتاة إلى إبعاد العرب عن جميع المناصب الكبيرة في الدولة .ففي الحكومة التي تكونت بعد حرب البلقان كان وزراؤها من الأتراك والأرمن ثلاثة من اليهود هم مازلياج أفندي وبنساريا الفلافي وجاويد بك من يهود الدونمة ،ولم يكن هناك مقعد لوزير عربي واحد.


    كل ذلك أدى إلى تفشي العنصرية بين العرب والترك،ونبه الشعور القومي في المسلمين الخاضعين للدولة،فأصبحت الشعوب المسلمة من عرب وألبان وشركس وأكراد تنظر إلى الأتراك كأجانب .وتحول الولاء بذلك عن الإسلام إلى القومية وإلى الوطن .وجر ذلك العرب والترك إلى محاربة كل ما يحويه الإسلام من تعاليم تمس القومية والوطن.وصار المقياس لدى ساسة البلاد هو القومية وليس الإسلام.

    وهكذا أثمرت أساليب إثارة النعرة القومية في عصامة الدولة،ونجحت الدول الغربية الكافرة أعظم نجاح في ضرب المسلمين هذه الضربة الفظيعة المدمرة ،وحققوا أهم أهدافهم بإبعاد المسلمين عن الرابطة الحقيقية التي لم يكونوا يعرفون غيرها وهي رابطة الإسلام. وهكذا كانت القومية لدي شعوب العرب والترك والفرس وستظل إسفينا يفرق وحدة المسلمين ويبعدهم عن مبدئهم وشريعة ربهم.

    يتبع ان شاء الله
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-10-17
  7. مزحاني حر

    مزحاني حر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-25
    المشاركات:
    2,069
    الإعجاب :
    0
    غير العنوان إلى القومية بميزان الوهابية
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-10-18
  9. ابن عُباد

    ابن عُباد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-06-04
    المشاركات:
    22,761
    الإعجاب :
    1
    السلام عليكم
    أخي امير حياك الله
    الحقيقة الموضوع جميل جدا
    ياليت الجميع يطلع عليه ويقرأة بتدبر
    فعلا كلام جميل وحجة مقنعة للخرج من هذا الضيق
    الذي يدعو إليه البعض وهو القومية
    بعد أن اكرمنا الله بالإسلام وهو الرابط الذي يربطنا بالله سبحانه
    ويربطنا بالبشر على مختلف ألوانهم واجناسهم
    وعلى اساس هذا الدين تكون العلاقة وصلة القربا .

    شكرا أخي لموضوعك الهادف
    وجزاك الله خير
    وصوم متقبل إن شاء الله..

    مع خالص تحيتي ....
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-10-18
  11. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0

    حبذا لو تحدد اين يكمن الاشكال في المقال أعلاه, حتى نناقشه بشكل موضوعي, بناءا على الفهم الصحيح من الكتاب و السنة.
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-10-18
  13. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0

    اخي ابن عباد, و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته
    وحياك الله وبياك وابقاك نبراسا للحق

    و جزاك الله خيرا
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-10-18
  15. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    ب-في بلاد العرب:

    أما مركز بيروت من بلاد الشام فقد كانت الخطة التي وضعت له هو تخريج الشباب المعادي للإسلام للتأثير على أفكار عامة المسلمين على المدى الطويل.وقد كانت وسيلة الدول الغربية الكافرة لنشر الأفكار الغربية وبعث الفكرة القومية في هذه البلاد هو عن طريق الغزو الثقافي التبشيري باسم العلم.

    وقد جعلوا هذا الغزو الثقافي يأتي عن طريق التبشير حتى يكسبوا النصارى من أهل البلاد ليكونوا مطية لهم تحمل ثقافتهم الغربية وتثير شكوك المسلمين في دينهم،وكذلك لإشعال نار الفتنة بين أهل البلاد من مسلمين ونصارى ،بالرغم من عيشهم قرونا طويلة في دعة وامن ،حتى يكون في ذلك ذريعة لتدخلهم لبسط نفوذهم وتركيزه في البلاد.ولقد بدأ الكفار الغربيون العمل الثقافي والسياسي في بيروت بعد دخول إبراهيم باشا بلاد الشام وقيامه بتطبيق برنامج للتعليم مستوحى من برنامج التعليم المصري المأخوذ من برامج التعليم الفرنسية،فكان في هذا فرصة للمبشرين للمساهمة في الحركة العلمية ظاهرا والعمل في الباطن لتحقيق أهداف الدول الغربية الكافرة.وحين انسحب إبراهيم باشا من بلاد الشام سنة 1840م وبعد دخول الدول الغربية عسكريا قوي نفوذ المبشرين واشتد ساعدهم،فنشطوا في إنشاء الجمعيات التي تعمل لنشر ثقافة الغرب متسترة تحت ستار تشجيع الحركة العلمية .

    وكانت بداية العمل تأسيس (جمعية الفنون والعلوم)التي تولى رعايتها اثنان من نصارى العرب هم بطرس البستاني ونصيف اليازجي إلى جانب الكولونيل تشرشل من الإنجليز،وايلي سميث وفان ديك من الأمريكان.

    ولكن هذه الجمعية لم تلق لها قبولا بين الناس ولم يدخلها أحد من المسلمين ولا من الدروز.وفي سنة 1850م تأسست جمعية أخرى باسم(الجمعية الشرقية)أسسها اليسوعيون تحت رعاية القسيس الفرنسي هنري دوبرونير.وكان أعضاؤها كذلك كلهم من النصارى.وفي سنة1857م تأسست جمعية أخرى ولكن بأسلوب جديد،حيث لم يكن بين أعضائها أجانب مطلقا وكان كل مؤسسيها من العرب،فضمت بعض المسلمين وبعض الدروز بوصفهم عربا،وكان في إدارتها عدد من الشخصيات البارزة،وكان يتولى رعاية الفكرة وإدارة الجمعية نصرانيان هما إبراهيم اليازجي وابن بطرس البستاني.وفي سنة1866م أسس الأمريكان (الكلية البروتستانتية) ،المعروفة اليوم باسم (الجامعة الأمريكية)،والتي عملت على بث الثقافة الغربية وأفكارها في الآلاف من أبناء المسلمين.

    ولقد أدى نجاح الجمعيات العربية إلى تشجيع الدول الغربية الكافرة على العمل المباشر لإثارة النعرة القومية والنزعة الاستقلالية وليس تحت ستار العلم .فقد تأسست سنة 1875م في بيروت (الجمعية السرية).وكان جميع الذين قاموا بإنشائها شبان نصارى تلقوا العلم في الكلية البروتستانتية.

    وكان من أهداف هذه الجمعية استقلال سوريا ومن ضمنها لبنان عن الدولة العثمانية.وأخذت هذه الجمعية تركز نفسها على أساس فكرة سياسية هي فكرة القومية العربية .وكان قناصل الدول الغربية يشرفون عليها ويقومون بتوجيهها ،وقد اتضح ذلك من تقاريرهم التي كانوا يرسلونها لدولهم عن نشاط الجمعية وخاصة القنصلان البريطاني والفرنسي في بيروت ودمشق .

    يذكر محمد جميل بيهم أحد مؤرخي الدولة العثمانية"كانت وجهات نظر البيروتيين مختلفة لوجود فئة ذات وزن حريصة على التخلص من الحكم العثماني وتعمل بالاتفاق مع فرنسا في جمعية سرية، قنصل فرنسا أحد أعضائها ".

    وأخذت هذه الجمعية تدعو إلى العرب والعروبة وتثير العداء ضد الدولة العثمانية وتسميها الدولة التركية .وكان تحريض الدول الغربية الكافرة للقوميين العرب واضحا حتى لمؤرخي القومية العربية أنفسهم ،يقول أنيس صائغ في كتابه(الهاشميون والثورة العربية الكبرى)،"أخذت فرنسا تحرض الناقمين على السلطة في البلاد العربية وبوجه خاص في لبنان"ويقول محمد جميل بيهم في كتابه (قوافل العروبة ومواكبها)،"إن قسما من تلك الثورات ضد العثمانيين كان من عمل الدول الأجنبية أو بإيعازها".

    وأخذت الحركات القومية بعد ذلك تنتشر والنعرات القومية تبث خاصة في دمشق وبغداد وجدة والقاهرة ،وكان التوجيه دائما من الدول الغربية الكافرة .ففي لندن قام لويس الصابونجي سنة1881م بإصدار جريدة تحمل اسم(الخلافة)وإصدار مجلة اسمها (الاتحاد العربي)،وكان يعتمد في إصدارهما على أموال بريطانية .

    وفي نفس العام أصدر خليل غانم جريدة(البصير)في باريس وكانت تغذيها الأموال الفرنسية .وفي سنة 1904م ألف نجيب عازوري أحد النصارى العرب جمعية في باريس أسماها (عصبة الوطن العربي)،كذلك أصدر كتابا بالفرنسية سماه (يقظة الأمة العربية)مجد فيه الدول الغربية فرنسا وبريطانيا،كذلك أسس جريدة (الاستقلال العربي).وكانت جمعيته ترسل نداءات ضد الدولة العثمانية تدعو لتحرير سوريا والعراق.

    وكانت دعوته تتلخص بفصل الدين عن الدولة واستقلال العرب،وقد تعاون مع إنجلترا وفرنسا لتحقيق ذلك،كما عبر عن ذلك نور الدين حاطوم –أحد كتاب القومية العربية-عند تحدثه عن مشاريع نجيب عازوري الذي كان يقول "كان الأمل في إنجلترا وفرنسا وفي هذه الأخيرة خاصة لما لها من تعاليم حرة ".

    ويذكر إلياس مرقص في كتابه (نقد الفكر القومي) عن نجيب عازوري"أنه عارض في استقلال مصر عن بريطانيا وأسس في مصر حزبا صغيرا بالتعاون مع الدولة المحتلة"وفي سنة 1913م عقد مؤتمر للقوميين العرب تحت رعاية فرنسا.ويقول الزهراوي أحد زعمائه فيه "إن الرابطة الدينية عجزت دائما عن إيجاد الوحدة السياسية"وكان هذا المؤتمر إعلانا واضحا بانحياز القوميين إلى الدول الإستعمارية ضد دولة الخلافة العثمانية ،حيث كان المؤتمر يدعو لتحرير الولايات العربية الخاضعة للإستعمار الغربي .

    ويقول الزهراوي رئيس ذلك المؤتمر "ان المؤتمر ليس له علاقة بولايات العرب غير العثمانية".ويقول اسكندر عمون أحد أعضاء ذلك المؤتمر "إن الدول العظمى لا تريد بنا سوءا بل تريد إصلاح أمورنا ".

    ثم ختم ذلك المؤتمر أعماله بتوجه وفد منه إلى وزارة الخارجية الفرنسية لشكر فرنسا على عطفها على مطالب المؤتمر.وقد ثبت انحياز دعاة القومية للدول الاستعمارية عندما وجد جمال باشا والي سوريا لدى بعض شباب العرب وثائق تثبت بشكل قاطع خيانتهم في قنصلية فرنسا بدمشق وتعاملهم بأوامر إنجلترا وفرنسا مما أدى إلى إعدامهم سنة1916م.

    وفي سنة 1916م عشية الحرب العالمية الأولى قامت ما يسمى بالثورة العربية الكبرى بتوجيه بريطانيا بقيادة رجال مخابراتها.وقد كان من زعماء هذه الثورة أمثال الحسين بن علي وغيره من يعتبر نفسه موظفا لدى الحكومة البريطانية ،حيث يقول الحسين بن علي في أحد رسائله لمكماهون أحد رجال الحكومة البريطانية "ولست أرى حاجة لأَلْفت نظركم أن خطتنا هي أضمن لمصالح بريطانيا من خطة بريطانيا لمصالحنا"،ويقول في رسالة أخرى "وبالاختصار نحن ثابتون بإخلاصنا ونصرح بكل تأكيد بتفضيلنا لكم على الجميع كنتم راضين عنا كما قيل أو غاضبين".

    والقاريء لتاريخ الثورة العربية الكبرى يجد حقائق مذهلة عن تواطؤ قادتها مع الإنجليز وعن تخليهم عن إخوانهم المسلمين ،يقول أنيس صائغ في كتابه(تطور المفهوم القومي عند العرب)،"ويفهم من يطالع تصريحات الحسين بن علي أن المقصود بالأمة عرب الحجاز،والمقصود بالوطن شبه الجزيرة العربية".

    ويقول الحسين بن علي في إحدى رسائله لمكماهون أيضا"أنه ليس بالمستطاع إقناع الشعب العربي بالتنازل عن القطر العراقي.

    وإنما رغبة في تسهيل الاتفاق،نوافق على ترك الأراضي التي تحتلها الجيوش البريطانية تحت إدارة الإنجليز لمدة قصيرة لقاء مبلغ من المال كتعويض عن مدة الاحتلال.وأَدَعُ تقدير المبلغ المذكور إلى حكمة الحكومة البريطانية وعدلها".وكان واضحا لكل المشاركين في تلك الثورة المزعومة ما ستنتج عنه من تقسيم أراضي المسلمين بين الدول الكافرة حيث يقول لورنس في كتابه(أعمدة الحكمة السبعة)،"لقد كنت أؤمن بالحركة العربية إيمانا عميقا وكنت واثقا قبل أن أحضر إلى الحجاز أنها هي الفكرة التي ستمزق تركيا شذر مذر"وكان مندوب الحسين بن علي في القاهرة قد أبلغه في رسالة بتاريخ 27ابريل سنة1917م ،والتي لا تزال محفوظة في جامعة ييل(Yale) الأمريكية بتفاصيل اتفاقية سايكس بيكو بين فرنسا وبريطانيا والتي تنص على تقسيم بلاد العرب بين الدولتين الاستعماريتين،فما كان من الحسين بن علي إلا أن حذره من التحدث في الموضوع مما دفع سائر العرب المشاركين في الثورة إلى إتهامه بالتواطؤ مع الدول الكبرى لتقسيم البلاد كما ذكر ذلك صاحب كتاب(الهاشميون والثورة العربية الكبرى).

    وأما عن تسليم فلسطين لليهود من قبل رجالات الثورة فيكفي في ذلك اتفاق فيصل بن الحسين مع وايزمان والذي عقد سنة1919م ويحتوي على 11بندا وينص على اتفاق الطرفين لتنفيذ وعد بلفور وتسهيل هجرة اليهود،وقد ذكر ذلك أنيس صائغ صاحب كتاب(الهاشميون..)حيث يقول"ان المصادر تبرهن على صدق ادعائها باتفاقيات فيصل مع الصهاينة في العقبة ولندن وباريس بين 1918م إلى 1920م ،حيث رحبت الأوساط الصهيونية بجلوسه على عرش سوريا ثم العراق ".

    ويقول وليم بولك "انه خلال زيارة فيصل لبريطانيا في حفل عشاء أقامه لورد روتشيلد ،قال فيصل: ان أهداف دكتور وايزمن هي أهدافنا..".وبالرغم من وضوح كل هذه الخيانات لا يزال دعاة القومية المعاصرون يبجلون هذه الثورة حيث يقول ساطع الحصري،المتلقب بفيلسوف القومية العربية"ان الثورة العربية قامت لاستقلال الدول العربية ".

    وكانت المادة التاسعة من دستور حزب البعث تنص على ان "راية الدولة العربية هي راية الثورة العربية الكبرى التي انفجرت عام 1916م لتحرير الأمة العربية".وليس في ذلك غرابة فكل دعاة القومية ينهلون من نفس المنهل ،فهم أخوة لعلات،أمهاتهم شتى إلا ان أباهم واحد هو الدول الغربية الكافرة.

    يتبع ان شاء الله
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-10-20
  17. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    لقد قامت هذه الثورة المزعومة بمحاربة الدولة العثمانية وتعاملت مع دول الحلفاء الكافرة ضد دولة الخلافة،ومع انه لم يكن لها اثر يذكر في تقرير مصير الحرب ،إلا ان هدف انجلترا كان واضحا من ورائها وهو قصم ظهر الدولة العثمانية بان يمنع السلطان العثماني من تأليب المسلمين تحت شعار الجهاد لمحاربة الحلفاء الكفار فيزيلوا بذلك خطر العصيان الديني من الشعوب الإسلامية في مستعمراتها كالهند وغيرها.

    ثم يتم بعد ذلك القضاء نهائيا على دولة الخلافة وفتح الباب على مصراعيه أمام دول الغرب الكافرة لاحتلال بلاد الإسلام وهذا ما حصل فعلا ،حيث مزقت بلاد المسلمين شر ممزق بين الدول الكافرة وسلمت أرض فلسطين المباركة لقمة سائغة لليهود.

    وبالإضافة إلى هذه الجمعيات والأحزاب والثورات ،قامت الدول الغربية الكافرة بإبراز دعوات توجه الناس إلى اللغة العربية بقصد صرفهم عن الإسلام إلى ما يسمى بالعروبة .وقد حمل لواء هذه الدعوات نصارى العرب أيضا مع بعدهم عن إدراك اللغة العربية لعدم تذوقهم بلاغة القرآن .وكان حملة لواء هذه الدعوات ومعظمهم من العاملين في البعثات التبشيرية يتناقشون في إحياء الأدب القديم والعودة باللغة العربية الفصحى إلى صفاتها الأولى ،وكان من أبرزهم نصيف اليازجي والقسيس لويس شيخو.

    وأخذت منذ ذلك الحين تصدر الكتب والمؤلفات عن أفكار الحضارة العربية .وهكذا اكتسحت البلاد موجة قوية نحو العرب والعروبة مع إعراض متزايد عن الإسلام وما أمر به من جعل الأخوة قائمة على أساس العقيدة الإسلامية.

    ويلاحظ المتتبع للدعوة لاستقلال العرب في أواخر أيام الدولة العثمانية ان بعضا من الجمعيات والحركات التي قامت على يد مسلمين أو دروز لم تكن تدعو للقومية العلمانية التي حمل لواءها في الغالب نصارى العرب ،بل كان الكثير من رجالها يدعو للاحتفاظ بالإسلام كرابطة تجمع بين الشعوب الإسلامية في نفس الوقت الذي كانوا يدعون فيه إلى استقلال العرب عن سائر عناصر الدولة .

    وكان هذا الموقف ناتجا إما عن خداع من قادة هذه الدعوات لاستقطاب عامة المسلمين ،الذي كانوا يرون الاحتفاظ بالخلافة والذود عنها أمرا أوجبه الإسلام ،وإما نتيجة لجهل وعدم إدراك هؤلاء القادة لواقع دولة الخلافة من حيث كونها دولة إسلامية نظامها وحدة فعلية وليس اتحادا رمزيا بين الشعوب المسلمة التي تعيش تحت سلطانها،وكذلك لعدم إدراكهم لمناقضة التشريع الغربي للأحكام الشرعية المتعلقة بأنظمة الحكم نتيجة للتضليل الفكري الذي ساد في الأذهان في تلك الفترة.وكان من ابرز الدعاة لهذه الفكرة دعاة(الجامعة الإسلامية)أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وشكيب أرسلان ومصطفى كامل ورفاعة الطهطاوي وغيرهم ممن كان يرى الاحتفاظ بالخلافة مع إعطاء الشعوب الإسلامية نوعا من الاستقلال الذاتي تمارس به الحكم تحت إطار الرابطة الإسلامية وكان منهم أيضا عزيز المصري الذي أسس (جمعية_العهد) والتي كان من أهدافها جعل دولة الخلافة دولة اتحادية بالنسبة للعالم الخارجي وعدة دول مستقلة بالنسبة لشعوبها ،ويكون السلطان العثماني رئيسا رمزيا لها كما هو الحال في انجلترا.

    وقد أدى موقف كل من دعاة الجامعة الإسلامية أو دعاة الانفصال إلى إضعاف موقف دولة الخلافة أمام شعوبها المسلمة وأدى إلى صرف الأذهان عن كون المسلمين أمة واحدة من دون الناس بصرف النظر عن أجناسهم ولغاتهم، تجمعهم بالإضافة إلى العقيدة الإسلامية دولة الخلافة التي تقيم أحكام الإسلام وأنظمته وتحمله إلى سائر الأمم والشعوب.ولذلك كان دعاة الجامعة الإسلامية والانفصال وبالرغم من كونهم يحملون راية إسلامية في الظاهر كانوا في الحقيقة معول هدم خطير لدولة الخلافة استخدمته الدول الكافرة لتحقيق أهدافها دون إدراك الكثير منهم لذلك .

    الحركات القومية العربية بعد الحرب العالمية الثانية

    في بلاد الشام :

    لعل أول ما يدركه الباحث في تاريخ القومية العربية هو الدور الكبير الذي قام به نصارى الشام لحمل لواء لقومية في تلك البلاد ،وبالذات نصارى لبنان وخاصة الموارنة منهم .والحقيقة ان تاريخ الكثير من هؤلاء حافل بمؤامراتهم وتعاونهم مع الغزاة من دول الكفر ضد المسلمين من أهل البلاد .فقد ثار الموارنة قديما ضد الخلافة الأموية ،ولولا تدخل الإمام الأوزاعي لقام الخليفة الأموي بإجلائهم .

    وفي أيام الحروب الصليبية تعاونوا مع الجيوش الصليبية ضد المسلمين.وأخيرا عندما بدأت الدول الغربية الكافرة زحفها على بلاد الإسلام،كان هؤلاء أول المعاونين لهم في حمل لواء القومية والدعوة للحضارة الغربية .وقد أدركت الدول الكافرة أهمية الدور الذي يمكن ان يقوم به هؤلاء الكفار من أهل الشام ،فعملت بعد سيطرتها على بلاد المسلمين على إنشاء كيانات عميلة تكون السيطرة فيها لغير المسلمين حتى تكون جسورا دائمة للحضارة الغربية الكافرة.فقد قاموا بإنشاء دولة اليهود في فلسطين لتكون جسرا للغرب عن طريق القوة العسكرية والإرهاب.

    وعندما احتلت فرنسا سوريا بموجب معاهدة سايكس بيكو ،قامت بفصل الجزء الساحلي من سوريا وأطلقت عليه اسم (لبنان)،وجعلت الموارنة قادة له ،الذين ابدوا استعدادا غير مشروط لان يكونوا باستمرار مطية للدول الكافرة .

    يقول ادوارد عطية،احد أوائل القوميين النصارى،"لما زارت المدمرة الفرنسية جون فيرى مرفأ بيروت وجونية سنة 1912م ،اخذ الحماس بمجامع القلوب وانطلقت الهتافات مدوية بحياة فرنسا حامية المسيحيين).وما يقوم به اليوم حزب الكتائب الصليبي والمارقين من جماعة سعد حداد من جرائم وخيانات ليؤكد هذه الحقيقة .فقد استخدمت الدول الغربية الكافرة هؤلاء النصارى لإنشاء وتشجيع الأحزاب القومية العلمانية بعد القضاء على الخلافة العثمانية،وذلك لضمان استمرار تضليل المسلمين والحيلولة بينهم وبين رجوعهم إلى الرابطة الحقيقية بينهم-رابطة الإسلام-ومن اشهر الأحزاب التي قامت في بلاد الشام بعد الحرب العالمية الثانية على الأساس القومي (الحزب القومي السوري)و(وحزب البعث العربي).

    ولفظاعة التدمير الذي أحدثه هذان الحزبان سنتعرض لتاريخهما فيما يلي باختصار.

    يتبع ان شاء الله
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2005-10-22
  19. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    أولا:الحزب القومي السوري

    تأسس الحزب القومي السوري على يد أنطون سعادة وهو أرثوذكسي من اصل يوناني.وقد عاد أنطون سعادة إلى لبنان مع والده من المهجر قبل الحرب العالمية الثانية حيث قام بإنشاء الحزب الذي كان يقوم على أساس فكرة القومية السورية،والتي حددها من الفرات إلى قناة السويس مع جزيرة قبرص.ويعرف أنطون سعادة القومية السورية بأنها الأرض فحسب،مع استبعاد اللغة والجنس والدين.

    ولعل الذي دفعه إلى هذا التعريف هو محاولة احتواء اليهود الذين بدأت هجرتهم إلى فلسطين في تلك الفترة.وكان نظام الحزب يقوم على أساس فكرة العلمانية مع عداء واضح للأديان وخاصة الإسلام ،الذي كان أنطون يسمي أتباعه (المحمديين).

    أما من حيث مظهر الحزب فقد كان يقوم على نموذج الأحزاب الفاشية القائمة في ايطاليا وألمانيا في تلك الفترة .وكان غالبية المنضمين إلى الحزب هم من طائفة الأرثوذكس التي ينتمي إليها سعادة.وفي سنة 1938م غادر سعادة لبنان إلى البرازيل حيث أمضى أعوام الحرب هناك،ثم عاد إلى لبنان سنة1947م ليتم ما بدأه .

    وفور عودته بدأ الصدام بين أتباعه وبين الطوائف النصرانية الأخرى كحزب الكتائب ،الذي كانت الدولة اللبنانية تسنده،مما أدى إلى فراره إلى سوريا سنة 1949م .وكان يحكم سوريا آنذاك حسني الزعيم الذي وصل إلى الحكم عن طريق انقلاب دبرته المخابرات الأمريكية ، فحاول سعادة الاستفادة من الوضع ،إلا ان أمله خاب فقد قام حسني الزعيم بتسليمه إلى السلطات اللبنانية التي قامت بإعدامه فورا .

    وبعد وفاة أنطون سعادة تولى رئاسة الحزب جورج عبد المسيح ،الذي كرر محاولة الاتصال بأمريكا مرة أخرى،مما أدى إلى قيام السلطات السورية بإجراء تحقيقات واسعة عن الحزب في ابريل سنة1955م.

    وأسفرت التحقيقات عن اتهام أعضاء الحزب بالتجسس على نشاط الحركات الإسلامية والأحزاب الشيوعية لحساب سفارة أمريكا في دمشق.وتم القبض على الكثير من أعضاء الحزب بعد ان قام احدهم باغتيال احد ضباط الجيش السوري إلا ان زعيم الحزب فر إلى لبنان .

    وازداد نشاط الحزب في لبنان خلال أيام كميل شمعون الذي جعل نشاطهم قانونيا في لبنان لأنهم قاموا بتأييده في صراعه خلال الحرب الأهلية اللبنانية سنة1958م .ولكن شعبية الحزب بدأت في الانحسار نظرا لانتشار أفكار القومية العربية .

    وفي نهاية سنة 1961م قام الحزب السوري بآخر محاولة له حين حاول القيام بانقلاب في لبنان للوصول إلى الحكم.وكان الحزب في هذه الفترة قد انقسم على نفسه ،حيث ظهر جناح آخر في الحزب تولاه عبد الله سعادة احد أقارب أنطون والذي اخذ يسير في ركاب الإنجليز.وكان المقرر ان يقوم الانقلاب في 31ديسمبر سنة1961م في فترة عطلة راس السنة ،ولكن السلطات وعشرين فردا من أعضاء الحزب .

    وفي 2فبرايرسنة1962م جرى اعتقال ما يزيد على 2437عضوا من أعضاء الحزب، وحظر نشاط الحزب مرة أخرى،وأسفرت التحقيقات التي ذكر بعضها في الصحف اللبنانية عن قيام المخابرات الإنجليزية والأردنية بمساعدة الانقلاب.وبالفعل فقد اعترف عبد الله سعادة أثناء استجوابه بأنه تلقى مساعدات من المخابرات الأردنية.

    ونقلت جريدة (الأنوار)اللبنانية الصادرة في 9فبرايرسنة1962م اعترافات عبد الله الأشقر احد قادة الحزب والذي جاء فيها انه قام بالاتصال بالكولونيل برلانج من المخابرات البريطانية في منزل فؤاد لاهود احد ضباط الجيش اللبناني .

    وأكدت هذه الاعترافات تصريحات وزير الداخلية اللبناني كمال جنبلاط حيث ذكر في صحيفة (الجريدة)الصادرة في 5ينايرسنة1962م انه كان من المقرر ان توجد مدمرة بريطانية في المياه الإقليمية اللبنانية ليلة الانقلاب وتقوم القوات الإنجليزية بالنزول إلى الشط اللبناني لمساعدة الانقلابيين في حال نجاحهم .

    وبعد فشل هذه المحاولة انحسر نشاط الحزب وخفت صوته حيث انه بعد انكشاف أمره لم يعد فيه ما يغري الدول الكافرة بالاعتماد عليه للوصول إلى الحكم،خاصة مع ظهور أحزاب قومية أخرى تقوم بنفس ذلك الدور.

    ومع ذلك فإلى الآن لا يزال هذا الحزب يقوم بحمل رسالة الكفار في بلاد المسلمين والترويج لأفكار الكفر بينهم

    يتبع ان شاء الله
     

مشاركة هذه الصفحة