اتباع الأحكام أم اتباع الأشخاص، ونظرة في مقولة (لحوم العلماء مسمومة

الكاتب : Ameer_1924   المشاهدات : 462   الردود : 0    ‏2005-10-15
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-10-15
  1. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    اتباع الأحكام أم اتباع الأشخاص، ونظرة في مقولة (لحوم العلماء مسمومة)

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه.

    أما بعد،

    إن الإسلام هو الانقياد لله تعالى والالتزام بأوامره بعد الإيمان به وبمن أرسل وبما أنزل.

    وأوامر الله ونواهيه هي منهجه ورسالته التي أنزلها على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهي الإسلام، وجعلها الله تعالى خاتمة الرسالات، عن جابر بن عبد اللّه أنّ عمر بن الخطّاب أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتب فغضب النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: (أمتهوّكون فيها يا ابن الخطّاب؟ والّذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقيّةً لا تسألوهم عن شيءٍ فيخبروكم بحقٍّ فتكذّبوا به أو بباطلٍ فتصدّقوا به والّذي نفسي بيده لو أنّ موسى صلى الله عليه وسلم كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتّبعني)[رواه أحمد] . وحدث أبو يونس عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (والّذي نفس محمّدٍ بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمّة يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ ثمّ يموت ولم يؤمن بالّذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النّار) [رواه مسلم] . وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء هل تحسّون فيها من جدعاء ثمّ يقول (فطرة اللّه الّتي فطر النّاس عليها لا تبديل لخلق اللّه ذلك الدّين القيّم ) ) [رواه البخاري] .

    وقد خاطب الله تعالى برسالة الإسلام الناس جميعاً. فقال تعالى: (يا أيّها النّاس اعبدوا ربّكم الّذي خلقكم والّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون) [البقرة:21] وقال عز من قائل: (يا أيّها النّاس كلوا ممّا في الأرض حلالاً طيّباً ولا تتّبعوا خطوات الشّيطان إنّه لكم عدوٌّ مبينٌ) [البقرة:168] وقال جل وعلا: (يا أيّها النّاس قد جاءكم الرّسول بالحقّ من ربّكم فآمنوا خيراً لكم وإن تكفروا فإنّ للّه ما في السّماوات والأرض وكان اللّه عليماً حكيماً) [النساء:170] وقال: (قل يا أيّها النّاس إنّي رسول اللّه إليكم جميعاً الّذي له ملك السّماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا باللّه ورسوله النّبيّ الأمّيّ الّذي يؤمن باللّه وكلماته واتّبعوه لعلّكم تهتدون) [الأعراف:158] وقال: (قل يا أيّها النّاس قد جاءكم الحقّ من ربّكم فمن اهتدى فإنّما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنّما يضلّ عليها وما أنا عليكم بوكيلٍ) [يونس:108] .

    فوجب على كل من سمع الخطاب أن يفهمه ويؤمن به ويعمل بمقتضاه، ولهذا كان الأصل أن يفهم المسلم الأدلة التشريعية فيعرف الحكم الشرعي المتعلقة به تلك الأدلة ليطبقه ويلتزمه.

    غير أن واقع الخطاب أنه لا بد من وجود القدرة على فهمه لاستنباط الحكم الشرعي منه، وهذه القدرة هي الاجتهاد، والاجتهاد في اللغة هو استفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور مستلزم للكلفة والمشقة. وأما في اصطلاح الأصوليين فهو مخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه.
    والأصل في المسلم أن يكون مجتهداً يفهم الخطاب الشرعي ويستنبط منه الحكم الشرعي، ولذلك قرر الأصوليون للمجتهد شروطاً وهي: أن يكون مسلماً صحيح الفهم عالماً بمصادر الأحكام، من كتاب وسنّة وإجماع وقياس، وبالنّاسخ منها والمنسوخ، عالماً باللّغة العربيّة: نحوها وصرفها وبلاغتها، عالماً بأصول الفقه. والمراد بمعرفة الكتاب معرفة آيات الأحكام، وليس المراد حفظها بل معرفة مواقعها بحيث يستطيع الوصول إليها بيسر وسهولة، ويستطيع معرفة معانيها كذلك. والمراد بمعرفة السّنّة معرفة ما ورد من الأحاديث في الأحكام، وليس المراد حفظها، وإنّما يكفي أن يكون لديه أصل جامع لغالبيّة أحاديث الأحكام يستطيع أن يتعرّف فيه بيسر وسهولة، مواقع كلّ باب منها ليرجع إليه عند الحاجة، ولا بدّ أن يعرف المقبول منها من المردود. واشترطت معرفته بالنّاسخ والمنسوخ، لئلاّ يفتي بما هو منسوخ. واشترطت معرفته بالعربيّة لكي يتمكّن من فهم القرآن والسّنّة على وجههما الصّحيح، لأنّهما وردا بلسان العرب، وجريا على أساليب كلامهم. واشترطت معرفته بأصول الفقه لكي لا يخرج في استنباطه للأحكام، وفي التّرجيح عند التّعارض، عن القواعد الصّحيحة لذلك. وهذه الشّروط إنّما هي للمجتهد المطلق المتصدّي للاجتهاد في جميع مسائل الفقه.

    والمسلمون ليسوا على نفس القدر من الفهم والإدراك والاضطلاع بمعرفة الأدلة السمعية التي تؤخذ منها القواعد والأحكام، ومعرفة وجوه دلالة اللفظ المعتد بها في لسان العرب واستعمال البلغاء، لذلك كان من المتعذر عليهم جميعاً أن يكونوا مجتهدين، فصاروا من حيث أخذ الأحكام مجتهدين ومقلدين.

    ولا يقال أنه لا حاجة لتقليد المجتهد ويكفي النظر في النصوص ومعرفة الحكم الشرعي، لا يقال ذلك لأن النظر في النصوص يحتاج لمعرفة باللغة العربية التي جاءت هذه النصوص عليها، كما يقتضي معرفة الأدلة متقدمها ومتأخرها، فالصحابة عندما اختلفوا في حديث صلاة العصر في بني قريظة مثلاً فإنهم كانوا مجتهدين قادرين على فهم النص واستنباط الحكم الشرعي، فقد روى البخاري عن نافعٍ عن ابن عمر رضي اللّهم عنهما قال: (قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: لا يصلّينّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم العصر في الطّريق فقال بعضهم لا نصلّي حتّى نأتيها وقال بعضهم بل نصلّي لم يرد منّا ذلك فذكر ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فلم يعنّف واحدًا منهم) . ومثلاً إذا ذبح الجزار شاة ذبحاً شرعياً، فخرج من بطنها جنين ميت، فهل يحل أكله دون تذكيته، أو لا يحل إلا بتذكية وذبح غير ذبح أمه؟ وقد ورد في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : (ذكاة الجنين ذكاة أمّه) [رواه الترمذي] مما يفهم منه أن ذبح الشاة يغني عن ذبح جنينها، ولكن لا يمكن أخذ الحكم الشرعي من هذا الحديث دون معرفة طرق روايته وكيف تنطق كلماته، فهذا الحديث مثلاً روي بالرفع والنصب، كما ذكر ابن الأثير في النهاية، فمن رفعه جعله خبر المبتدأ الذي هو ذكاة الجنين فتكون ذكاة الأم هي ذكاة الجنين فلا يحتاج إلى ذبح، ومن نصب كان التقدير عنده: ذكاة الجنين كذكاة أمة، فلما حذف الجار نصب المجرور، أو على تقدير يذكى تذكية مثل ذكاة أمه، فحذف المصدر وصفته، وأقام المضاف إليه مقامه، وقد أخذ بمقتضى الرفع الإمام الشافعي وغيره، وأخذ بمقتضى النصب الإمام أبو حنيفة وابن حزم الظاهري، وكل أيد ما ذهب إليه بما عنده من أدلة.

    وكذلك في قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: عن عبد اللّه بن أبي قتادة عن أبيه قال بينما نحن نصلّي مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجالٍ فلمّا صلّى قال: (ما شأنكم قالوا استعجلنا إلى الصّلاة قال فلا تفعلوا إذا أتيتم الصّلاة فعليكم بالسّكينة فما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فأتمّوا) وجاء في رواية لعبد الرزاق والإمام أحمد (وما فاتكم فاقضوا) وهذا الاختلاف بين الكلمتين فاقضوا و فأتموا أدى إلا اختلاف في أحكام صلاة المسبوق، فعلى الرواية الأولى (فأتموا) فإن المسبوق يعتبر الركعة التي أدركها مع الإمام ركعة أولى بالنسبة إليه، فيتم صلاته تسلسلاً مع ما أدركه من ركعات، وعلى الرواية الثانية (فاقضوا) فإن المسبوق يعتبر الركعة التي أدركها مع الإمام كما صلاها الإمام إن كانت ثانية أو ثالثة أو رابعة، وعليه أن يقضي ما فاته فيصلي الركعة الأولى بعد انتهاء الإمام فيقرأ فيها دعاء الاستفتاح وهكذا، وقد أخذ بالرأي الأول الإمام الشافعي وأخذ بالثاني الإمام أبو حنيفة.

    وقد أجاز الإسلام للمسلم أن يقلد غيره من المجتهدين ليعرف حكم الله تعالى في حقه في المسألة المراد تقليد المجتهد فيها، قال تعالى: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون) [الأنبياء:7] والآية ((وإن كانت وردت في مقام الرد على المشتركين لما أنكروا كون الرسول بشراً، ولكن لفظها عام والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وهي ليست في موضوع معيّن حتى يقال أنها خاصة في هذا الموضوع، فإنها عامة في الطلب ممن لا يعلم السؤال ممن يعلم. إذ هي طلب من المشركين أن يسألوا أهل الكتاب ليعلموهم أن الله لم يبعث إلى الأمم السالفة إلا بشراً، وهذا خبر يجهلونه فطلب منهم أن يسألوا من يعرفه. فالآية تقول: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) فجاءت كلمة فاسألوا عامة، أي اسألوا لتعلموا أن الله لم يبعث إلى الأمم السابقة إلا بشراً، فهو متعلق بالمعرفة وليس متعلقاً بالإيمان. وأهل الذكر وإن كان المشار إليهم في الآية هم أهل الكتاب فإنه جاء الكلام أيضاً عاماً فيشمل كل أهل ذكر. والمسلمون أهل الذكر لأن القرآن ذكر قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزّل إليهم) . فالعالمون بالأحكام الشرعية هم من أهل الذكر سواء أكانوا عالمين علم اجتهاد أم علم تلقٍ. والمقلد إنما يسأل عن الحكم الشرعي في المسألة أو المسائل. وعلى ذلك فإن الآية تدل على جواز التقليد) [الشخصية الإسلامية-الجزء الأول] .

    قال الإمام القرطبي في تفسير الآية: (وقال ابن زيد: أراد بالذكر القرآن; أي فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن; قال جابر الجعفي: لما نزلت هذه الآية قال علي رضي الله عنه نحن أهل الذكر. مسألة: لم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها, وأنهم المراد بقول الله عز وجل: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) أجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق، بالقبلة إذا أشكلت عليه; فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد له من تقليد عالمه, وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا; لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم) .

    وعن الزّبير بن خريقٍ عن عطاءٍ عن جابرٍ قال: خرجنا في سفرٍ فأصاب رجلاً منّا حجرٌ فشجّه في رأسه ثمّ احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصةً في التّيمّم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصةً، وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فمات. فلمّا قدمنا على النّبيّ صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: (قتلوه قتلهم اللّه ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنّما شفاء العيّ السّؤال إنّما كان يكفيه أن يتيمّم ويعصر أو يعصب شكّ موسى على جرحه خرقةً ثمّ يمسح عليها ويغسل سائر جسده) [رواه أبو داود] .
    فالمسلم مأمور أن يلتزم بالحكم الشرعي، فإن كان قادراً على استنباط الحكم الشرعي من خطاب الشارع فعل وكان مجتهداً بذلك، وإلا فإن عليه أن يأخذ الحكم الشرعي من مجتهد لديه القدرة على الاجتهاد.

    وقد قسم الفقهاء التقليد إلى تقليد واتباع وقسموا المقلدين إلى مقلد عامي ومقلد متبع، وفرقوا بينهما أن العامي هو الذي يسأل عن الحكم الشرعي ولا يعرف دليله، لجهله أو عدم قدرته على الفهم، والمتبع هو الذي يأخذ الحكم الشرعي من المجتهد بعد أن يعرف الدليل عليه، إلا أن هذا التقسيم لا يغير من واقع أخذ الحكم الشرعي أنه إما أن يكون اجتهاداً أو تقليداً.

    قال ابن المنظور (تبع الشيء تبعاً وتباعاً في الأفعال وتبعت الشيء تبوعاً: سرت في إثره؛ واتّبعه وأتبعه وتتبّعه قفاه وتطلّبه متّبعاً له وكذلك تتبّعه وتتبّعته تتبّعاً؛ قال القطامي: وخير الأمر ما استقبلت منه، وليس بأن تتبّعه اتّباعاً، وتبعت القوم تبعاً وتباعةً، بالفتح، إذا مشيت خلفهم أو مرّوا بك فمضيت معهم. وفي حديث الدعاء: تابع بيننا وبينهم على الخيرات أي اجعلنا نتّبعهم على ما هم عليه) .

    فالاتّباع في اللّغة بمعنى السّير وراء الغير وبمعنى الائتمام والائتمار والعمل بكلام الغير، وغير ذلك من المعاني. وفي الاصطلاح هو الرّجوع إلى قول ثبتت عليه حجّة، كما أطلقه الفقهاء على المعاني اللّغويّة المذكورة آنفاً في بعض الأبواب، وبنوا عليها أحكاماً.

    وقال الإمام أحمد: الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم من هو من التابعين بخير.

    أما التّقليد لغة: فهو مصدر قلّد، أي جعل الشّيء في عنق غيره مع الإحاطة به.

    ويستعمل التّقليد بمعنى المحاكاة في الفعل، وبمعنى التّزييف، أي صناعة شيء طبقاً للأصل المقلّد. وكلا المعنيين مأخوذ من التّقليد للمجتهدين، لأنّ المقلّد يفعل مثل فعل المقلّد دون أن يدري وجهه. والأمر التّقليديّ ما يفعل اتّباعاً لما كان قبل، لا بناءً على فكر الفاعل نفسه، وخلافه الأمر المبتدع.

    فالتّقليد قبول قول الغير من غير حجّة، كأخذ العامّيّ من المجتهد فالرّجوع إلى قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم ليس تقليداً، والرّجوع إلى الإجماع ليس تقليدا كذلك، لأنّ ذلك رجوع إلى ما هو الحجّة في نفسه.

    ويرى جمهور الأصوليين أن التقليد جائز لأنّ المجتهد فيها إمّا مصيب وإمّا مخطئ مثاب غير آثم، فجاز التّقليد فيها، بل وجب على العامّيّ ذلك، لأنّه مكلّف بالعمل بأحكام الشّريعة، وقد يكون في الأدلّة عليها خفاء يحوج إلى النّظر والاجتهاد، وتكليف العوّام رتبة الاجتهاد يؤدّي إلى انقطاع الحرث والنّسل، وتعطيل الحرف والصّنائع، فيؤدّي إلى الخراب، ولأنّ الصّحابة رضي الله عنهم كان يفتي بعضهم بعضاً، ويفتون غيرهم، ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد. وقد أمر اللّه تعالى بسؤال العلماء في قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون) .

    إلا أن الأئمة العظام كانوا ينهون الناس عن التقليد وذلك لحثهم على أخذ الحكم الشرعي من مظانه، فقد كان أحمد يقول: (لا تقلّدني، ولا تقلّد مالكاً ولا الثّوريّ، ولا الأوزاعيّ، وخذ من حيث أخذوا) .

    وورد في قول لأبي حنيفة وأبي يوسف: (لا يحلّ لأحد أن يقول مقالتنا حتّى يعلم من أين قلنا) .

    ومع هذا فقد كانوا يأخذون من بعضهم، فقد قال الإمام أحمد: (إذا سئلت عن مسألة لم أعرف فيها خبراً أفتيت فيها بقول الشّافعيّ، لأنّه إمام عالم من قريش) .

    فالتقليد هو العمل بقول الغير من غير حجّة. والاتّباع هو الرّجوع إلى قول ثبتت له حجّة، وهو في الفعل: الإتيان بالمثل صورةً وصفةً، وفي القول: الامتثال على الوجه الّذي اقتضاه القول.

    ولذلك لا يقال أن الاتباع محمود والتقليد مذموم، بل قد يكون الاتباع محموداً عندما يكون اتباع أمر الله تعالى، وقد يكون مذموماً عندما يكون اتباع الشيطان والهوى، وقد ذم الله تعالى الاتباع المذموم في عدة آيات وهو التقليد للغير:

    قال تعالى: (إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب ، وقال الّذين اتّبعوا لو أنّ لنا كرّةً فنتبرّأ منهم كما تبرّأوا منّا كذلك يريهم اللّه أعمالهم حسراتٍ عليهم وما هم بخارجين من النّار) [البقرة:167] وقال تعالى: (وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل اللّه قالوا بل نتّبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون) [البقرة:170] وقال: (ولو شئنا لرفعناه بها ولكنّه أخلد إلى الأرض واتّبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الّذين كذّبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلّهم يتفكّرون) [لأعراف:176] وقال: (وتلك عادٌ جحدوا بآيات ربّهم وعصوا رسله واتّبعوا أمر كلّ جبّارٍ عنيدٍ) [هود:59] وقال: (إلى فرعون وملأه فاتّبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيدٍ) [هود:97] وقال: (فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقيّةٍ ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممّن أنجينا منهم واتّبع الّذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين) [هود:116] وقال جل وعلا: (إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطانٌ إلا من اتّبعك من الغاوين) [الحجر:42] وقال: (فخلف من بعدهم خلفٌ أضاعوا الصّلاة واتّبعوا الشّهوات فسوف يلقون غيّاً) [مريم:59] .

    كما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين باتباع صراط الله تعالى ونهاهم عن اتباع أي صراط غيره، قال تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النّصارى حتّى تتّبع ملّتهم قل إنّ هدى اللّه هو الهدى ولئن اتّبعت أهواءهم بعد الّذي جاءك من العلم ما لك من اللّه من وليٍّ ولا نصيرٍ) [البقرة:120] ، (ولئن أتيت الّذين أوتوا الكتاب بكلّ آيةٍ ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابعٍ قبلتهم وما بعضهم بتابعٍ قبلة بعضٍ ولئن اتّبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنّك إذاً لمن الظّالمين) [البقرة:145] ، (فإن حاجّوك فقل أسلمت وجهي للّه ومن اتّبعن وقل للّذين أوتوا الكتاب والأمّيّين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولّوا فإنّما عليك البلاغ واللّه بصيرٌ بالعباد) [آل عمران:20] ، (قل إن كنتم تحبّون اللّه فاتّبعوني يحببكم اللّه ويغفر لكم ذنوبكم واللّه غفورٌ رحيمٌ) [آل عمران:31] ، (ربّنا آمنّا بما أنزلت واتّبعنا الرّسول فاكتبنا مع الشّاهدين) [آل عمران:53] ، (اتّبع ما أوحي إليك من ربّك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين) [الأنعام:106] ، (وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه ولا تتّبعوا السّبل فتفرّق بكم عن سبيله ذلكم وصّاكم به لعلّكم تتّقون) [الأنعام:153] ، (وهذا كتابٌ أنزلناه مباركٌ فاتّبعوه واتّقوا لعلّكم ترحمون) [الأنعام:155] ، (ثمّ جعلناك على شريعةٍ من الأمر فاتّبعها ولا تتّبع أهواء الّذين لا يعلمون) [الجاثـية:18] .

    فاتباع المقلّد هو اتباع للحكم الشرعي وليس اتباعاً لشخص معين، إذ لا قيمة للشخص ولا لرأيه ما لم يكن حكماً شرعياً استنبطه المجتهد من النص بطريقة صحيحة.
    وقد ورد النهي عن الأخذ بالرأي من عند الناس. فقد روى البخاري في صحيحه عن عروة قال حجّ علينا عبد اللّه بن عمرو فسمعته يقول سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: (إنّ اللّه لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعًا ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناسٌ جهّالٌ يستفتون فيفتون برأيهم فيضلّون ويضلّون) أي يفتون برأيهم ولا يبينون الحكم الشرعي كما ينبغي. وفي الحديث عن عرباض بن سارية قال: (صلّى لنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الفجر ثمّ أقبل علينا فوعظنا موعظةً بليغةً ذرفت لها الأعين ووجلت منها القلوب قلنا أو قالوا: يا رسول اللّه، كأنّ هذه موعظة مودّعٍ فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى اللّه والسّمع والطّاعة وإن كان عبدًا حبشيًّا فإنّه من يعش منكم يرى بعدي اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين وعضّوا عليها بالنّواجذ وإيّاكم ومحدثات الأمور فإنّ كلّ محدثةٍ بدعةٌ وإنّ كلّ بدعةٍ ضلالةٌ) [رواه أحمد] وللنسائي: عن جابر بن عبد اللّه قال كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته يحمد اللّه ويثني عليه بما هو أهله ثمّ يقول: (من يهده اللّه فلا مضلّ له ومن يضلله فلا هادي له إنّ أصدق الحديث كتاب اللّه وأحسن الهدي هدي محمّدٍ وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ محدثةٍ بدعةٌ وكلّ بدعةٍ ضلالةٌ وكلّ ضلالةٍ في النّار ثمّ يقول: بعثت أنا والسّاعة كهاتين. وكان إذا ذكر السّاعة احمرّت وجنتاه وعلا صوته واشتدّ غضبه كأنّه نذير جيشٍ يقول: صبّحكم، مسّاكم. ثمّ قال: من ترك مالاً فلأهله ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإليّ أو عليّ وأنا أولى بالمؤمنين) . فمحدثات الأمور بدعة وهي ضلالة أي زيغ عن الحق، والبدعة هي إدخال في الدين ما ليس منه سواء أكان قولاً أم عملاً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردٌّ) .

    وفي بعض كلام ابن القيّم أنّ التّقليد الّذي يرى امتناعه هو (اتّخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشّارع لا يلتفت إلى قول سواه، بل لا إلى نصوص الشّارع، إلا إذا وافقت نصوص قوله. قال فهذا هو التّقليد الّذي أجمعت الأمّة على أنّه محرّم في دين اللّه، ولم يظهر في الأمّة إلا بعد انقراض القرون الفاضلة) .

    وقد نهى الله تعالى عن أخذ آراء الرجال في دين الله تعالى واعتبر ذلك عبادة لهم، قال تعالى: (اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عمّا يشركون) [التوبة:31] قال القرطبي: وقوله (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم) روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه لما بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فر إلى الشام وكان قد تنصر في الجاهلية فأسرت أخته وجماعة من قومه ثم منّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أخته وأعتقها فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم عدي إلى المدينة وكان رئيسا في قومه طيئ وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم فتحدث الناس بقدومه فدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي عنق عدي صليب من فضة وهو يقرأ هذه الآية (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) قال: فقلت إنهم لم يعبدوهم فقال: بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عدي ما تقول؟ أيضرك أن يقال الله أكبر؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله؟ ما يضرك، أيضرك أن يقال لا إله إلا الله فهل تعلم إلهاً غير الله؟ ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق قال: فلقد رأيت وجهه استبشر ثم قال: إن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون. وهكذا قال حذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وغيرهما في تفسير (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) أنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا. وقال السدي: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ولهذا قال تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحداً) أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام وما حلله فهو الحلال وما شرعه اتبع وما حكم به نفذ. لا إله إلا هو ولا رب سواه).

    إن الله لم يأمرنا باتباع مجتهد ولا باتباع إمام ولا باتباع مذهب، وإنما أمرنا بأخذ الحكم الشرعي. أمرنا أن نأخذ ما أتى به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم . وأن ننتهي عما نهى عنه. قال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) . ولذلك لا يصح شرعاً إلا اتباع أحكام الله، لا اتباع الأشخاص.

    وقد يحوز تقليد الشخص لعلمه وتقواه وقدره مكانة في نفوس الناس وذلك كالإمام الشافعي والإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة وغيرهم، إلا أن هذا الفضل الذي يراه الناس فيه لا يعني اتباع آرائه مهما كان مصدرها، إذ لا دخل للفضل والتقوى في اتباع الآراء لأن الاتباع هو لشرع الله وليس للأشخاص، أما الأشخاص فقد يكونون وسيلة لفهم شرع الله لما أعطاهم الله من قدرة وعلم، وفي هذه الحالة يكون مناط اتباعهم هو أن ما يقولونه من الإسلام وليس آراء من غير الإسلام.

    ولذلك جاء تحذير السلف الصالح من اتباع آراء الرجال، وتشددوا في هذا الأمر وكانت مقولتهم دائماً (كل يؤخذ منه ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .

    حكى ابن عبد البر عن معن بن عيسى بإسناد متصل به قال: سمعت مالكاً يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.

    وروي عن الشافعي أن رجلاً سأله فأفتاه فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فقال الرجل: أتقول بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال الشافعي: رح، أرأيت في وسطي زناراً؟ أتراني خرجت من الكنيسة؟ أقول قال النبي صلى الله عليه وسلم وتقول لي أتقول بهذا؟ .

    وسأل رجل مالكاً عن الميقات فأجابه أحرم من عند ما أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الرجل: أحرم قبله (يقصد الاستزادة) فقال له مالك: إني أخاف عليك الفتنة، فقال الرجل: وأي فتنة يا إمام؟ فقال الإمام مالك: فتنة عدم اتباع الرسول عليه السلام، وقرأ: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) .
    لقد ابتلي كثير من أبناء المسلمين اليوم بهذا الاتباع الباطل، فتجدهم يأخذون بكلام عالم أو شيخ لمجرد أنهم علموا فيه قدراً وفضلاً، ولا ينتبهون لما يقوله مما يخالف شرع الله وليس من الإسلام أصلاً، فخرج علينا علماء يقولون بإباحة الربا، وإباحة الخمر للسياحة، وإباحة الصلح مع اليهود، وحرمة العمل لإقامة الخلافة، وجواز تعطيل الحدود الشرعية للمصلحة، وغير ذلك من فنون الافتراء والبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان.

    وإذا كان للعالم فضلاً وقدراً يراه الناس فيه فإن هذا مدعاة لأن يعطي الناس الأحكام الشرعية وفق النصوص الشرعية، لأنه مسئول أمام الله عما يقوله ويفعله.
    قال تعالى: (إنّ الّذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّنّاه للنّاس في الكتاب أولئك يلعنهم اللّه ويلعنهم اللاعنون ، إلا الّذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التّوّاب الرّحيم) [البقرة: 159-160] قال ابن كثير: هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة والهدى النافع للقلوب من بعد ما بينه الله تعالى لعباده في كتبه التي أنزلها على رسله قال أبو العالية نزلت في أهل الكتاب كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ثم أخبر أنهم يلعنهم كل شيء على صنيعهم ذلك فكما أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء والطير في الهواء فهؤلاء بخلاف العلماء فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون وقد ورد في الحديث المسند من طرائق يشد بعضها بعضا عن أبي هريرة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار) والذي في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحداً شيئاً (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) الآية وقال عطاء بن أبي رباح: اللاعنون: كل دابة والجن والإنس وقال مجاهد إذا أجدبت الأرض قال البهائم هذا من أجل عصاة بني آدم *** الله عصاة بني آدم وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة "ويلعنهم اللاعنون" يعني تلعنهم الملائكة والمؤمنون وقد جاء في الحديث (إن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر) وجاء في هذه الآية أن كاتم العلم يلعنه الله والملائكة والناس أجمعون واللاعنون أيضا وهم كل فصيح وأعجمي إما بلسان المقال أو الحال أن لو كان له عقل ويوم القيامة والله أعلم.

    وقال القرطبي: أخبر الله تعالى أن الذي يكتم ما أنزل من البينات والهدى *****. واختلفوا من المراد بذلك; فقيل: أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم , وقد كتم اليهود أمر الرجم. وقيل: المراد كل من كتم الحق; فهي عامة في كل من كتم علماً من دين الله يحتاج إلى بثه; وذلك مفسر في قوله صلى الله عليه وسلم : (من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار) .

    هذه الآية هي التي أراد أبو هريرة رضي الله عنه في قوله: لولا آية في كتاب الله تعالى ما حدثتكم حديثا. وبها استدل العلماء على وجوب تبليغ العلم الحق, وتبيان العلم على الجملة.

    ولا قيمة لتوبتهم ما لم يبينوا ما كتموه من علم.

    ولا يقال أن للعالم قدر ووزن فلا يسأل ولا يناقش، وأن لحوم العلماء مسمومة فلا يجوز التحدث عن العلماء بشيء من النقد، لا يقال ذلك لأن مفاد هذا القول تقديس للعلماء، ومقولة (لحوم العلماء مسمومة) ليست حديثاً ولا شرعاً، وإنما هي مقولة للسبكي رحمه الله تعالى، وقد ذكرها يعقوب الأصغر القراماني قال: (رأيت في رؤياي حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، نقل عنك أنك قلت: لحوم العلماء مسمومة. فمن شمها مرض ومن أكلها مات. أهكذا قلت يا رسول الله؟ قال: يا يعقوب قل لحوم العلماء سموم) [الشقائق النعمانية: 1/39] . كما ذكرها الذهبي في السير: تكلم خلق من التابعين بعضهم في بعض وتحاربوا وجرت أمور لا يمكن شرحها فلا فائدة في بثها ووقع في كتب التواريخ وكتب الجرح والتعديل أمور عجيبة والعاقل خصم نفسه ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ولحوم العلماء مسمومة. [10/94] .

    وهذه المقولة صحيحة في معناها لمن تمعن فيها وأدرك ما تعنيه، بل هي في رأيي من أعظم ما قيل في العلماء من أجل المحافظة على ما يستنبطونه من أحكام أن يستهزأ بها أو يقلل من شأنها.

    والمقولة لو تمعنت فيها أخي الكريم لوجدت أنها وصفت لحوم العلماء بأنها مسمومة، مع إدراك من قالها أن لحم كل مسلم مسموم، (ولا يغتب بّعضكم بعضًا أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه واتّقوا اللّه إنّ اللّه توّابٌ رّحيمٌ) فكل مسلم لحمه مسموم ولا تجوز غيبته والإساءة إليه همزاً أو لمزاً، أما جعل لحوم العلماء مسمومة وإعطاءها قدراً معيناً فذلك لأنهم علماء، إذ أن كونهم علماء يعني أن ما يقولونه كعلماء لا يجوز الاستهزاء به ولا الإنتقاص منه ما دام حكماً شرعياً له فيه دليل أو شبهة دليل وإن خالف الجمهور وإن كان شاذاً.

    وإلا فإن العالم يزل، ويظلم، ويخطئ فهو ليس بمعصوم، وإن أكل مال أحد أو ظلمه جاز للآخر أن يذكره بما فيه، وأن يشتكيه وأن يبين ظلمه ولا يترتب على فعله هذا أي إثم فهو لم يأكل لحمه المسموم.

    ولذلك لا يجوز للمسلم أن ينتقص من عالم اجتهد واستنبط حكماً شرعياً وإن خالف به غيره.

    فكم من عالم أساء الجهلة إليه لأنهم لم يتقبلوا حكماً شرعياً استنبطه هذا العالم من الدليل، وكم من عالم شوه فقهه وادعيت عليه الأكاذيب لحسد أو هوى، وهذا كله حرام لا يجوز، لأن الاستهزاء بما توصل إليه العالم هو استهزاء بالشرع.

    أما العالم الذي يحرف أحكام الله أو يلوي أعناق الأدلة، فيكون بوقاً سيئاً لتشويه أحكام الإسلام فإنه لا بد وأن يبين فعله هذا (مع عدم الحاجة لذكر اسمه) كي يتجنبه الناس ولا يأخذون عنه دينهم، ولا عبرة في هذه الحالة بمقولة (لحوم العلماء مسمومة) فإنها تقال اليوم بقصد خبيث سيء وهو السكوت عن كل ما يفتريه بعض العلماء على دين الله تعالى، إذ حرموا الحلال وأحلوا الحرام، وسكبوا على الناس مادة الخنوع والرضا بأحكام الكفر.

    فليحذر المسلمون من اتباع الأشخاص، وليعلموا أن الله أمرهم بعبادته وليس بعبادة الأشخاص، وأن العلماء مهما كان علمهم وقدرهم فإن هذا لا يجعلهم فوق البشر، وخارج حدود المسائلة، بل هم أكثر الناس مسائلة ومناقشة ومطالبة بالدليل، وأن المخلص التقي النقي منهم من يرجع للحق ويظهر ما عنده من أدلة، ويبين استنباط الحكم الشرعي منها ليتعلم الناس أن أحكام الشرع تؤخذ من أدلة الشرع، وأن المسيء الخائن المحرف هو الذي يهرب من الدليل، ويحرف الأحكام ليرضي بها الأهواء، وهو الذي يبيع دينه بدنياه أو دنيا غيره.

    وليعلم المسلمون أن الإسلام هو الحكم على كل شئ، فما وافقه أخذناه وما خالفه رفضناه وأستغفر الله لي ولكم.


    الشيخ.. ابو الحارث التميمي
     

مشاركة هذه الصفحة