الانفتاح علئ الله ؟؟سورة ( الفلق )

الكاتب : نبض عدن   المشاهدات : 681   الردود : 9    ‏2005-10-14
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-10-14
  1. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    بسم اللّه الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

    الطمأنينة الإيمانية:

    ما نزال نتابع حديثنا عن الشر، ونلتقي بسورة (الفلق)، هذه السورة التي أراد اللّه سبحانه وتعالى من خلالها للإنسان، عندما يواجه المخاوف والتهاويل التي تحيط بالواقع الإنساني، مما يثير في نفسه الإحساس بالخطورة، كالزلازل، والبراكين، والفيضانات، والحروب والأمراض، أو بعض المخلوقات التي قد تتحرّك بالشر تجاهه، حيث لا يملك القوة التي يستطيع من خلالها أن يدافع بها عن نفسه، ولا سيما في الأوضاع الكونية التي تخرج عن قدرته، وعن إرادته، فإن اللّه سبحانه وتعالى أراد للإنسان أن يرجع إلى إيمانه باللجوء إلى ربِّه الذي له القوّة جميعاً، وهو المهيمن على الأمر كله، فلا يملك أحد في الكون أية قدرة أمام قدرته، فيعيش في أجواء هذا الإيمان، ليملأ به نفسه، وليستعين بقوة اللّه تعالى على كل قوة، وليستجير به تعالى، حتى لا يسقط، ولا ييأس أمام كل تهاويل الخوف.

    ومن هنا، جاءت هذه السورة لتؤمّنه من ذلك كله، ليشعر بالتماسك والثبات، فإذا ما أراد أن يواجه أيَّ شيء من مخلوقاته تعالى، فإنه يندفع إليه بروح الثقة؛ لأنه يشعر أن اللّه سبحانه وتعالى معه، تماماً كما حدَّثنا سبحانه عن رسوله(ص) في ليلة الهجرة، حيث قال: {إذ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} (التوبة:40)، فهو(ص) يواجه قوماً يلاحقونه، ويريدون أنْ يقتلوه، ووصلوا إلى الغار، ولم يكن بينه وبينهم إلاّ خطوات، بحيث لو تقدموا قليلاً لأمسكوه، ولكنه كان يعيش الطمأنينة والسكينة، فأيّده سبحانه بالملائكة الذين أحاطوا بتلك المنطقة، {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

    الانفتاح على الله:

    وقد تحدّث القرآن الكريم عن هذه الروح التي تمتلئ بالقوة من خلال انفتاحها على اللّه سبحانه وتعالى، وذلك عندما تحدّث عن المؤمنين الذين كانوا مع رسول اللّه(ص): {الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} (آل عمران:173)، سيقتلونكم، وسيسيطرون عليكم، {فَاخْشَوْهُمْ}، خافوا منهم، ولكن كانت قد امتلأت قلوبهم بالإحساس بقوة اللّه تعالى، فأحسّوا بالأمن من خلال ثقتهم بأنّه تعالى سوف ينصرهم، وسوف يمنحهم قوةً روحية، إضافةً إلى قوتهم الجسدية، وقارنوا بين قوة اللّه سبحانه وتعالى وقوة الناس، {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا}، عندما رأوا أن اللّه تعالى له القوة جميعاً، وأنَّ هؤلاء الناس لا يملكون القوة إلاّ من خلال ما يعطيهم سبحانه من قوة، {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، فلا حاجة بنا إلى أحد.

    وما دمنا في طريق اللّه، وفي خط الجهاد في سبيل اللّه، ومن أجل نصرة دينه، فلن يخذلنا سبحانه، {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} (الآية:174).. عاشوا رضوان الله تعالى وفضله عليهم. {إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ}، بكلّ ما يُسقط الإنسان، ويمنعه من أن يحرِّك قوته، ومن أن يقوّي إرادته، ومن أن يصلِّب موقفه، ليهتز ويمتثل للشيطان، {فَلَا تَخَافُوهُمْ}؛ لأنَّ أولياء الشيطان ينفتحون عليه ولا ينفتحون على اللّه تعالى، ولذلك فهم يبقون في حالة الاهتزاز، لأنهم يعرفون أنه لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، {وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين} (الآية:175) لأني أنا ربكم القهّار الذي له الملك كله، وله الأمر كله. وبذلك يساهم الإيمان في ملء النفس بالقوة والثقة.

    {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} (الفلق:1). (الفلق) هو الشق، فلق الشيء: شقّه، والغالب إطلاقه على الصبح، لأنه هو الذي يفلق الظلام ويشقّه. وهكذا أُريد لسورة (الفلق) أن تجعل الإنسان يشعر بالأمن من كل الطوارئ الخارجية التي يمكن أن تضغط عليه، وأن تأخذ بأسباب الشر في حياته. فهي تعلِّمه أن يستعيذ ويستجير بربِّ الفلق، بهذا الربّ العظيم، الذي يفلق الظلام ويشقّه بقدرته، ليخرج النور من قلبه. فاللّه سبحانه وتعالى عندما جعل الليل أسود، أطلق الفجر من خلال ما يختزنه من نور، ليشقّ قلب الظلام. فأن يستعيذ الإنسان بربّ الفلق، وبهذه القدرة الإلهية التي تجعل الكون مضيئاً ومشرقاً من قلب الظلام، معناها أن اللّه سبحانه وتعالى يستطيع أن يفلق الأمن من قلب الخوف.

    {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} (الآية:2)، من المخلوقات الجامدة، والنامية، والحيّة، وما إلى ذلك، التي يمكن أن تعرض للإنسان بالسوء، {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} (الآية:3)، و(الغاسق) هو الليل، و(وقب) معناه دخل وسيطر. والمعنى، أنّه عندما يقبل الليل، ويمتدّ فيه الكثير من مواقع الخوف، من الحيوانات المفترسة، ومن الناس الذين يكمنون له في الظلام، أو من الحشرات التي يمكن أن تضرّ به، ومن كل الحواجز، والمهاوي، التي يمكن أن يقع فيها، {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} (الآية:4). والنفث هو الإخراج، ولذا نقول نفثات الصدر، أن ينفث الإنسان ما في صدره، أي يخرجه، والمقصود بالنفّاثات الساحرات اللاتي يخدعن الناس.

    {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} (الآية:5)، أي: أستجير بالله من شر الحاسد الذي يبغي على الناس من خلال حسده؛ هذا الحسد الذي يمثل عقدة مستحكمة في النفس، بحيث تتحرّك من موقع الروح الضيقة المختنقة. والحاسد هو الذي يتمنى زوال النعمة عن غيره، وأن تنتقل هذه النعمة إليه، في مقابل الغابط الذي يريد بقاء النعمة للمغبوط، مع طلبه من اللّه أن يعطيه مثلها.

    إنّ هذه السورة تقول للإنسان أن لا يخشى الشر من كل ما حوله، ومن كل من حوله؛ لأن اللّه سبحانه وتعالى، الذي يستجير به، هو ربّ الكون كله، وهو المهيمن على كل مخلوق، فلا يملك أن يسيء أحدٌ إليه إذا لم يرد له ذلك.

    القوة المطلقة

    وهنا ندخل في كل آية من آيات هذه السورة المباركة، حتى يعيش الإنسان آفاقها، وإيحاءاتها، ليقرأها قراءة وعي، وتفكّر، وتدبّر، وحتى يختزن في نفسه كل ما يراد له إثارته من مشاعر الأمن والطمأنينة.

    {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}، أي الصباح الذي يفلق الظلام ويشقه، فينفذ النور إلى داخله، ليخترق الحاجز الذي يحجز الكون عن النور، في نوع من تخييل الصورة الظاهرة.

    وفي هذا المعنى، تنطلق الاستعاذة من وحي القدرة الإلهية، يعني هذه الظاهرة الكونية؛ ظاهرة نفاذ النّور في قلب الظلام الذي يقوم به الله سبحانه، انطلاقاً من القانون الذي فرضه لهذه الظاهرة، حيث إنه يولج النهار في الليل، يدخل النهار في الليل. وهذا هو وحي القدرة الإلهية التي تفلق الظلام ليتحول الكون إلى نور. وبذلك، كما أن اللّه تعالى يفلق الظلام ليدخل فيه النور، فإنه يفلق كل مواقع الشر، لتحوِّل الإنسان إلى مواقع الخير، مما يثيره في النفس من الانفتاح، كما يحدث للنور أن يثير الانفتاح في الكون.

    وهناك رأي آخر في التفسير، يقول إن المراد بالفلق، هو كل ما يفطر عنه بالخلق والإيجاد، فهو يخلق كلَّ شيء، ويوجد كل شيء من قلب العدم، فكما قلنا إنه يُوجِد النور من قلب الظلام، فإنه يُخرِج الوجود من قلب العدم.

    وقيل إنّ (رَبِّ الْفَلَقِ)، هو بئر في جهنم، ولكن هذا تفسير خلاف الظاهر.

    {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ}. كيف يتصور الإنسان ما خلقه اللّه تعالى، حتى يستعيذ به من شر هذه المخلوقات المتحركة في الكون، من الإنس، والجن، والحيوان، وغيرهم، مما يمكن أن يُحدث للإنسان شراً في بدنه، وفي ماله، وفي عرضه، وفي أهله، فيعقِّد له نفسه، وذلك عندما يدخل الخوف في نفسه، من خلال كل تهاويل المخلوقات التي يمكن أن تنتج الشر للإنسان، فيمنعه من الانطلاق في الحركة في خط المسؤولية؛ لأن الخوف والقلق هما من العوامل المؤثرة سلباً في عمق تصوّر الكائن الإنساني وحركته، لأنهما ـ الخوف والقلق ـ قد يتحولان إلى ما يشبه حالة الشلل عن التفكير، ما قد يجعله يتجمّد عن العمل، ويبتعد عن التوحيد والثبات.

    {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}، أي أن يستعيذ الإنسان من شر الليل الذي يدخل الكون بظلامه، ويطبق عليه، وذلك لأن طبيعة الظلام تترك للذين يريدون أن يقوموا بالشر في حياة الناس الحرية في حركتهم، لأن الظلام يغطي حركة كل شخص يحاول أن يعتدي على الآخرين، وبذلك يمنح الظلام هؤلاء الفرصة للقيام بالأعمال العدوانيّة، كما إنه يضعف لدى الآخرين إمكانات الدفاع، لصعوبة كشف حركة المعتدي.

    ولذلك، يستعيذ الإنسان باللّه تعالى من الليل، بمعنى أنّه يستجير به من العناصر التي تثير الخوف في نفسه، مما قد يحدث له، فيفقد الإحساس بالأمن، ويتحول إلى خائف مذعور من كل شبح يتخيله أو يمر أمامه من بعيد أو قريب، ومن كل زاوية يمكن أن يكمن فيها عدوه، ومن كل طريق يمكن أن يختفي فيه قاطع طريق أو قاتل، ممن يجعلون الليل ستاراً لتنفيذ مخططاتهم.

    وهكذا، ينطلق الإيمان بربِّ الفلق القادر القاهر فوق عباده، ليزرع الشعور بالحماية والأمن في نفس الإنسان من كل ذلك.

    {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ}، ما المقصود من النفاثات في العقد؟

    التفسير الظاهري الذي يلتقي عليه المفسرون، هو النساء الساحرات، اللاتي ينفخن في العقد على المسحور، يعني من قبيل شد وربط ما يربطنه من خيوط ونحوها، وينفخن في العقد لتأكيد السحر.

    حقيقة السحر

    والسؤال هنا: هل أن للسحر حقيقة؟ وهل يملك الساحر أن يؤثّر في المسحور، فيترك تأثيراته السلبية على عقله أو جسده، أو على علاقاته؟

    ربما يستدلّ البعض على حقيقة السحر بما ورد في قوله تعالى: {وَلكنَّ الشَيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}، ثمّ يقول تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ } (البقرة:102).

    ولكن القرآن يتابع ذلك، فيتحدث بقوله: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ}، يعني هم لا يملكون الضرر، إلاّ إذا أراد الله تعالى بحكمته أن يوقع الضرر في هذا الإنسان الذي يوجَّه إليه السحر، من دون أن تكون لهم قدرة الضرر الذاتية في هذا المجال.

    وقد أكَّد اللّه سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، وهو يحدثنا عن موسى(ع) عندما واجهه السحرة: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى* قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى* وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} (طه:67-69)، وهذه قاعدة كلية، وهي أن الساحر لا يفلح في إثارة السّحر في أي مكان، ولا يمكن أن يترك أي تأثير في ما يفعله.

    وقال تعالى في موضعٍ آخر، وهو يحكي حقيقة سحر السحرة: {فَلَمّا أَلقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهُم} (الأعراف:116). وفي موضعٍ ثالث، يحدّثنا اللّه سبحانه وتعالى أن حبالهم وعصيّهم لم تتحرك بحركة حقيقية، بل كان ذلك محضُ خيال. قال تعالى: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} (طه:66).

    ولذلك نقول إنّ هذه الآية الكريمة تبين أنّ النفث في العقد، والذي يعتبر مظهراً من مظاهر السحر، لا يمثل حقيقة تأثيرية في الإنسان الآخر، بحيث تُوجد الشر الذي يستعيذ الإنسان منه باللّه سبحانه وتعالى، بل إنها تمثل حالة تخيّلية، بحيث تصبح حالة نفسية تؤثر في النفس وفي التصورات، وتترك تأثيراتها في المشاعر، بمعنى أن الساحر يحاول أن يدخل في نفس المسحور بطريقة إيحائية، لا بطريقة حقيقية تغير الواقع في داخله، أي بطريقة الإيحاء الذاتي أو ما يشبه ذلك.

    ويرى بعض المفسِّرين، أن المقصود بالآية هو تلك الأمور التي يقوم بها بعض ممّن يعتبرهم الناس من السحرة، وقد تكون هذه التصرفات من ألاعيب الشعوذة، فيما يلعب به الكثيرون من النساء والرجال على البسطاء من الناس من الأشخاص المثقلين بأحلامهم وآلامهم ومشاكلهم، بحيث يبحثون لها عن بعض الأجواء الغيبية الغامضة التي لا يجدون لها أي حل، فيخيّل للإنسان أنهم يملكون الغيب الذي يمكنهم من خلاله أن يحلّوا مشاكلهم، فيلجأون إلى مثل هؤلاء المشعوذين الذين يقومون ببعض التهاويل للتأثير في أذهان الناس، من ادّعاء تسخير الجان، أو معرفة بعض أسرار الغيب، أو السيطرة على بعض الأوضاع، أو الوسائل المتحركة لبعض الأوضاع الضاغطة على إرادة الناس. ويرى هؤلاء المفسّرون، أن الشر لا يكون حاصلاً من خلال النفث في العقد، بل من خلال الأجواء التي يثيرها ذلك في الوعي الداخلي للإنسان، بحيث يترك آثاره من خلال الإيحاءات الخفية التي يتقنها هؤلاء بوسائلهم الخاصة. ولذلك، فإن الكثير من الناس الآن يعتقدون بالكتابة، ويذهبون إلى بعض الأشخاص الذين يكتبون، حتى يحببوا شخصاً بشخص، أو حتى يبغّضوا شخصاً بشخص، أو ما إلى ذلك من الأمور.

    وقد جاء في (مجمع البيان) للطبرسي، ما يؤكّد هذه الفكرة، ويوضحها بشكل آخر، حيث قال الطبرسي: "إنما أمر بالتعوّذ من شر السحرة، لإيهامهم أنهم يُمْرِضون ويُصِحُّون، ويفعلون شيئاً من النفع والضرر، والخير والشر، وعامة الناس يصدّقونهم، فيعظم بذلك الضرر في الدين..."

    وقد ذكروا معنى آخر للنفاثات في العقد، وهو ما نقله أيضاً (مجمع البيان) عن أبي مسلم قال: "النفاثات هن النساء اللاتي يملن آراء الرجال ـ يعني يخدعنهم ـ ويصرفنهم عن مرادهم، ويردونهم إلى آرائهن، لأن العزم والرأي يعبر عنهما بالعقد، فعبِّر عن حلها بالنفث، فإن العادة جرت أن من حل عقدة نفث فيها..." ولكن هذا ليس ظاهراً من الآية.

    فإذاً لا نستطيع أن نستفيد من قوله: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} أنّ السحر يمثّل حقيقةً؛ لأن السحر لا حقيقة له في الإسلام، وإنما هو حالة تخيلية أو إيحائية، وما إلى ذلك.

    {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}، ما المراد من شر الحاسد؟

    الظاهر من خلال ما نقرأه من الأحاديث، أن المراد من شر الحاسد، شرّه الخارجي، لأن العقدة التي توجد في نفس الحاسد من المحسود، قد تدفعه إلى أن يبغي عليه، وذلك من خلال الحالة العدوانية التي تعيش في داخل شخصية الحاسد، فيحوّله إلى إنسان عدواني، يعمل على إيقاع الشر بالمحسود والبغي عليه، بحيث يحاول الحاسد التخطيط من أجل إيقاع الشر فيه، كما ورد في الحديث الشريف: ((إذا حسدت فلا تَبْغِ))، أي إذا حسدت، فلا تحاول أن تعتدي على من تحسده، نتيجةً لحالة الحسد.

    وقد ورد عندنا في تصوير شخصية الحاسد، ما يؤكد هذه النتائج السلبية التي قد تحصل من سلوك الحاسد ضد المحسود. ففي الحديث عن النبي(ص): ((ألا إنه قد دبَّ إليكم داء الأمم من قبلكم، وهو الحسد؛ ليس بحالق الشعر، لكنه حالق الدين)). فالحسد يحلق لك دينك، ويبغض لك دينك. وقد ورد أيضاً عنه(ص): ((الحاسد لا يشفيه إلاّ زوال النعمة))، لأن الحاسد رجل مريض، لا يشفى إلاّ إذا زالت النعمة عن المحسود، ولهذا يعمل على زوالها، وقد ورد عنه(ص): ((قال اللّه لموسى بن عمران، يا ابن عمران، لا تحسدن الناس على ما آتيتهم من فضلي، ولا تمدن عينيك إلى ذلك، ولا تتبعه نفسك، فإن الحاسد ساخط لنعمي))، لأنه يقول: كيف أن اللّه أعطى هذا الإنسان ولم يعطني مثلاً ((صادّ لقسمي الذي قسمت بين عبادي)).

    ويتحدث الإمام علي(ع) عن الحالة النفسية لدى الحاسد، فيقول: ((ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد؛ نفس دائم، وقلب هائم، وحزن لازم))، لأنه ما دامت هذه النعمة موجودة لدى المحسود، فإنه يحاول أن يتحرك بطريقة سلبية. وفي كلمة أخرى للإمام علي(ع): ((الحاسد يظهر ودّه في أقواله، ويخفي بغضه في أفعاله، فله اسم صديق، وصفة عدوّ)). ويقول الإمام الباقر(ع) عن الحاسد: ((إنَّ الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب))، لأنه يتحوّل إلى إنسان عدواني ضد المحسود. هذه هي الفكرة الواقعية للحسد.

    وقيل إنَّ الشر ينطلق من نفس الحاسد في التأثيرات التي تتفاعل في شخصية المحسود، أي أنّ الحاسد عندما تنطلق عينه بالمحسود، فإن العين تترك تأثيرها عليه من خلال الإشارات التي تنطلق من الحاسد، فيما يمكن أن يكون لها قوة خفية تؤثر في حياة الإنسان المحسود بطريقة مثيرة غير مفهومة من ناحية المقاييس المادية المعروفة للناس. فلدى الحاسد نوع من أنواع التأثيرات التي تصرع المحسود، إما بزوال النعمة عنه، أو بتأثيرها السلبي عليه.

    وهناك أمر شائع بين الناس، ألا وهو قول إنّ (عين الحاسد تفلق الصخر)، وهذا الكلام ليس واقعياً. ونحن نقول ـ على سبيل الطرفة ـ إنه لدينا الآن بوش وشارون، وغيرهما من الطغاة، فلماذا لا نسلِّط عليهم عدداً من الحاسدين، حتى يهلكوهم، أو نجلب الحاسدين إلى الجيش حتى يسلطوا عيونهم على الأعداء، فتكون سهاماً وقنابل!

    وعلى كلٍّ، فإن اللّه سبحانه وتعالى أراد لنا أن نعوذ به من شر الحاسد إذا حسد، من خلال حالته العدوانية التي توجه إلى المحسود من أجل أن تُسقط نعمته، وقد تسقط إنسانيته. والحمد للّه ربّ العالمين.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-10-14
  3. hassssan

    hassssan عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-01-02
    المشاركات:
    454
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيك وزادك بسطة في العلم

    اخوك//hassssan
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-10-14
  5. نور الدين زنكي

    نور الدين زنكي قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2004-06-12
    المشاركات:
    8,612
    الإعجاب :
    69
    الموضوع طويل و الخط كبير
    فلنساعد زميلتنا في روسيا
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-10-15
  7. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    الف شكر وبارك الله فيك ياصديقي
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-10-15
  9. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    بسم اللّه الرحمن الرحيم

    [grade="00008B FF6347 008000 4B0082 FF1493"]الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

    الطمأنينة الإيمانية:

    ما نزال نتابع حديثنا عن الشر، ونلتقي بسورة (الفلق)، هذه السورة التي أراد اللّه سبحانه وتعالى من خلالها للإنسان، عندما يواجه المخاوف والتهاويل التي تحيط بالواقع الإنساني، مما يثير في نفسه الإحساس بالخطورة، كالزلازل، والبراكين، والفيضانات، والحروب والأمراض، أو بعض المخلوقات التي قد تتحرّك بالشر تجاهه، حيث لا يملك القوة التي يستطيع من خلالها أن يدافع بها عن نفسه، ولا سيما في الأوضاع الكونية التي تخرج عن قدرته، وعن إرادته، فإن اللّه سبحانه وتعالى أراد للإنسان أن يرجع إلى إيمانه باللجوء إلى ربِّه الذي له القوّة جميعاً، وهو المهيمن على الأمر كله، فلا يملك أحد في الكون أية قدرة أمام قدرته، فيعيش في أجواء هذا الإيمان، ليملأ به نفسه، وليستعين بقوة اللّه تعالى على كل قوة، وليستجير به تعالى، حتى لا يسقط، ولا ييأس أمام كل تهاويل الخوف.

    ومن هنا، جاءت هذه السورة لتؤمّنه من ذلك كله، ليشعر بالتماسك والثبات، فإذا ما أراد أن يواجه أيَّ شيء من مخلوقاته تعالى، فإنه يندفع إليه بروح الثقة؛ لأنه يشعر أن اللّه سبحانه وتعالى معه، تماماً كما حدَّثنا سبحانه عن رسوله(ص) في ليلة الهجرة، حيث قال: {إذ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} (التوبة:40)، فهو(ص) يواجه قوماً يلاحقونه، ويريدون أنْ يقتلوه، ووصلوا إلى الغار، ولم يكن بينه وبينهم إلاّ خطوات، بحيث لو تقدموا قليلاً لأمسكوه، ولكنه كان يعيش الطمأنينة والسكينة، فأيّده سبحانه بالملائكة الذين أحاطوا بتلك المنطقة، {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

    الانفتاح على الله:

    وقد تحدّث القرآن الكريم عن هذه الروح التي تمتلئ بالقوة من خلال انفتاحها على اللّه سبحانه وتعالى، وذلك عندما تحدّث عن المؤمنين الذين كانوا مع رسول اللّه(ص): {الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} (آل عمران:173)، سيقتلونكم، وسيسيطرون عليكم، {فَاخْشَوْهُمْ}، خافوا منهم، ولكن كانت قد امتلأت قلوبهم بالإحساس بقوة اللّه تعالى، فأحسّوا بالأمن من خلال ثقتهم بأنّه تعالى سوف ينصرهم، وسوف يمنحهم قوةً روحية، إضافةً إلى قوتهم الجسدية، وقارنوا بين قوة اللّه سبحانه وتعالى وقوة الناس، {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا}، عندما رأوا أن اللّه تعالى له القوة جميعاً، وأنَّ هؤلاء الناس لا يملكون القوة إلاّ من خلال ما يعطيهم سبحانه من قوة، {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، فلا حاجة بنا إلى أحد.

    وما دمنا في طريق اللّه، وفي خط الجهاد في سبيل اللّه، ومن أجل نصرة دينه، فلن يخذلنا سبحانه، {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} (الآية:174).. عاشوا رضوان الله تعالى وفضله عليهم. {إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ}، بكلّ ما يُسقط الإنسان، ويمنعه من أن يحرِّك قوته، ومن أن يقوّي إرادته، ومن أن يصلِّب موقفه، ليهتز ويمتثل للشيطان، {فَلَا تَخَافُوهُمْ}؛ لأنَّ أولياء الشيطان ينفتحون عليه ولا ينفتحون على اللّه تعالى، ولذلك فهم يبقون في حالة الاهتزاز، لأنهم يعرفون أنه لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، {وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين} (الآية:175) لأني أنا ربكم القهّار الذي له الملك كله، وله الأمر كله. وبذلك يساهم الإيمان في ملء النفس بالقوة والثقة.

    {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} (الفلق:1). (الفلق) هو الشق، فلق الشيء: شقّه، والغالب إطلاقه على الصبح، لأنه هو الذي يفلق الظلام ويشقّه. وهكذا أُريد لسورة (الفلق) أن تجعل الإنسان يشعر بالأمن من كل الطوارئ الخارجية التي يمكن أن تضغط عليه، وأن تأخذ بأسباب الشر في حياته. فهي تعلِّمه أن يستعيذ ويستجير بربِّ الفلق، بهذا الربّ العظيم، الذي يفلق الظلام ويشقّه بقدرته، ليخرج النور من قلبه. فاللّه سبحانه وتعالى عندما جعل الليل أسود، أطلق الفجر من خلال ما يختزنه من نور، ليشقّ قلب الظلام. فأن يستعيذ الإنسان بربّ الفلق، وبهذه القدرة الإلهية التي تجعل الكون مضيئاً ومشرقاً من قلب الظلام، معناها أن اللّه سبحانه وتعالى يستطيع أن يفلق الأمن من قلب الخوف.

    {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} (الآية:2)، من المخلوقات الجامدة، والنامية، والحيّة، وما إلى ذلك، التي يمكن أن تعرض للإنسان بالسوء، {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} (الآية:3)، و(الغاسق) هو الليل، و(وقب) معناه دخل وسيطر. والمعنى، أنّه عندما يقبل الليل، ويمتدّ فيه الكثير من مواقع الخوف، من الحيوانات المفترسة، ومن الناس الذين يكمنون له في الظلام، أو من الحشرات التي يمكن أن تضرّ به، ومن كل الحواجز، والمهاوي، التي يمكن أن يقع فيها، {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} (الآية:4). والنفث هو الإخراج، ولذا نقول نفثات الصدر، أن ينفث الإنسان ما في صدره، أي يخرجه، والمقصود بالنفّاثات الساحرات اللاتي يخدعن الناس.

    {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} (الآية:5)، أي: أستجير بالله من شر الحاسد الذي يبغي على الناس من خلال حسده؛ هذا الحسد الذي يمثل عقدة مستحكمة في النفس، بحيث تتحرّك من موقع الروح الضيقة المختنقة. والحاسد هو الذي يتمنى زوال النعمة عن غيره، وأن تنتقل هذه النعمة إليه، في مقابل الغابط الذي يريد بقاء النعمة للمغبوط، مع طلبه من اللّه أن يعطيه مثلها.

    إنّ هذه السورة تقول للإنسان أن لا يخشى الشر من كل ما حوله، ومن كل من حوله؛ لأن اللّه سبحانه وتعالى، الذي يستجير به، هو ربّ الكون كله، وهو المهيمن على كل مخلوق، فلا يملك أن يسيء أحدٌ إليه إذا لم يرد له ذلك.

    القوة المطلقة

    وهنا ندخل في كل آية من آيات هذه السورة المباركة، حتى يعيش الإنسان آفاقها، وإيحاءاتها، ليقرأها قراءة وعي، وتفكّر، وتدبّر، وحتى يختزن في نفسه كل ما يراد له إثارته من مشاعر الأمن والطمأنينة.

    {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}، أي الصباح الذي يفلق الظلام ويشقه، فينفذ النور إلى داخله، ليخترق الحاجز الذي يحجز الكون عن النور، في نوع من تخييل الصورة الظاهرة.

    وفي هذا المعنى، تنطلق الاستعاذة من وحي القدرة الإلهية، يعني هذه الظاهرة الكونية؛ ظاهرة نفاذ النّور في قلب الظلام الذي يقوم به الله سبحانه، انطلاقاً من القانون الذي فرضه لهذه الظاهرة، حيث إنه يولج النهار في الليل، يدخل النهار في الليل. وهذا هو وحي القدرة الإلهية التي تفلق الظلام ليتحول الكون إلى نور. وبذلك، كما أن اللّه تعالى يفلق الظلام ليدخل فيه النور، فإنه يفلق كل مواقع الشر، لتحوِّل الإنسان إلى مواقع الخير، مما يثيره في النفس من الانفتاح، كما يحدث للنور أن يثير الانفتاح في الكون.

    وهناك رأي آخر في التفسير، يقول إن المراد بالفلق، هو كل ما يفطر عنه بالخلق والإيجاد، فهو يخلق كلَّ شيء، ويوجد كل شيء من قلب العدم، فكما قلنا إنه يُوجِد النور من قلب الظلام، فإنه يُخرِج الوجود من قلب العدم.

    وقيل إنّ (رَبِّ الْفَلَقِ)، هو بئر في جهنم، ولكن هذا تفسير خلاف الظاهر.

    {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ}. كيف يتصور الإنسان ما خلقه اللّه تعالى، حتى يستعيذ به من شر هذه المخلوقات المتحركة في الكون، من الإنس، والجن، والحيوان، وغيرهم، مما يمكن أن يُحدث للإنسان شراً في بدنه، وفي ماله، وفي عرضه، وفي أهله، فيعقِّد له نفسه، وذلك عندما يدخل الخوف في نفسه، من خلال كل تهاويل المخلوقات التي يمكن أن تنتج الشر للإنسان، فيمنعه من الانطلاق في الحركة في خط المسؤولية؛ لأن الخوف والقلق هما من العوامل المؤثرة سلباً في عمق تصوّر الكائن الإنساني وحركته، لأنهما ـ الخوف والقلق ـ قد يتحولان إلى ما يشبه حالة الشلل عن التفكير، ما قد يجعله يتجمّد عن العمل، ويبتعد عن التوحيد والثبات.

    {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}، أي أن يستعيذ الإنسان من شر الليل الذي يدخل الكون بظلامه، ويطبق عليه، وذلك لأن طبيعة الظلام تترك للذين يريدون أن يقوموا بالشر في حياة الناس الحرية في حركتهم، لأن الظلام يغطي حركة كل شخص يحاول أن يعتدي على الآخرين، وبذلك يمنح الظلام هؤلاء الفرصة للقيام بالأعمال العدوانيّة، كما إنه يضعف لدى الآخرين إمكانات الدفاع، لصعوبة كشف حركة المعتدي.

    ولذلك، يستعيذ الإنسان باللّه تعالى من الليل، بمعنى أنّه يستجير به من العناصر التي تثير الخوف في نفسه، مما قد يحدث له، فيفقد الإحساس بالأمن، ويتحول إلى خائف مذعور من كل شبح يتخيله أو يمر أمامه من بعيد أو قريب، ومن كل زاوية يمكن أن يكمن فيها عدوه، ومن كل طريق يمكن أن يختفي فيه قاطع طريق أو قاتل، ممن يجعلون الليل ستاراً لتنفيذ مخططاتهم.

    وهكذا، ينطلق الإيمان بربِّ الفلق القادر القاهر فوق عباده، ليزرع الشعور بالحماية والأمن في نفس الإنسان من كل ذلك.

    {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ}، ما المقصود من النفاثات في العقد؟

    التفسير الظاهري الذي يلتقي عليه المفسرون، هو النساء الساحرات، اللاتي ينفخن في العقد على المسحور، يعني من قبيل شد وربط ما يربطنه من خيوط ونحوها، وينفخن في العقد لتأكيد السحر.

    حقيقة السحر

    والسؤال هنا: هل أن للسحر حقيقة؟ وهل يملك الساحر أن يؤثّر في المسحور، فيترك تأثيراته السلبية على عقله أو جسده، أو على علاقاته؟

    ربما يستدلّ البعض على حقيقة السحر بما ورد في قوله تعالى: {وَلكنَّ الشَيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}، ثمّ يقول تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ } (البقرة:102).

    ولكن القرآن يتابع ذلك، فيتحدث بقوله: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ}، يعني هم لا يملكون الضرر، إلاّ إذا أراد الله تعالى بحكمته أن يوقع الضرر في هذا الإنسان الذي يوجَّه إليه السحر، من دون أن تكون لهم قدرة الضرر الذاتية في هذا المجال.

    وقد أكَّد اللّه سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، وهو يحدثنا عن موسى(ع) عندما واجهه السحرة: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى* قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى* وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} (طه:67-69)، وهذه قاعدة كلية، وهي أن الساحر لا يفلح في إثارة السّحر في أي مكان، ولا يمكن أن يترك أي تأثير في ما يفعله.

    وقال تعالى في موضعٍ آخر، وهو يحكي حقيقة سحر السحرة: {فَلَمّا أَلقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهُم} (الأعراف:116). وفي موضعٍ ثالث، يحدّثنا اللّه سبحانه وتعالى أن حبالهم وعصيّهم لم تتحرك بحركة حقيقية، بل كان ذلك محضُ خيال. قال تعالى: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} (طه:66).

    ولذلك نقول إنّ هذه الآية الكريمة تبين أنّ النفث في العقد، والذي يعتبر مظهراً من مظاهر السحر، لا يمثل حقيقة تأثيرية في الإنسان الآخر، بحيث تُوجد الشر الذي يستعيذ الإنسان منه باللّه سبحانه وتعالى، بل إنها تمثل حالة تخيّلية، بحيث تصبح حالة نفسية تؤثر في النفس وفي التصورات، وتترك تأثيراتها في المشاعر، بمعنى أن الساحر يحاول أن يدخل في نفس المسحور بطريقة إيحائية، لا بطريقة حقيقية تغير الواقع في داخله، أي بطريقة الإيحاء الذاتي أو ما يشبه ذلك.

    ويرى بعض المفسِّرين، أن المقصود بالآية هو تلك الأمور التي يقوم بها بعض ممّن يعتبرهم الناس من السحرة، وقد تكون هذه التصرفات من ألاعيب الشعوذة، فيما يلعب به الكثيرون من النساء والرجال على البسطاء من الناس من الأشخاص المثقلين بأحلامهم وآلامهم ومشاكلهم، بحيث يبحثون لها عن بعض الأجواء الغيبية الغامضة التي لا يجدون لها أي حل، فيخيّل للإنسان أنهم يملكون الغيب الذي يمكنهم من خلاله أن يحلّوا مشاكلهم، فيلجأون إلى مثل هؤلاء المشعوذين الذين يقومون ببعض التهاويل للتأثير في أذهان الناس، من ادّعاء تسخير الجان، أو معرفة بعض أسرار الغيب، أو السيطرة على بعض الأوضاع، أو الوسائل المتحركة لبعض الأوضاع الضاغطة على إرادة الناس. ويرى هؤلاء المفسّرون، أن الشر لا يكون حاصلاً من خلال النفث في العقد، بل من خلال الأجواء التي يثيرها ذلك في الوعي الداخلي للإنسان، بحيث يترك آثاره من خلال الإيحاءات الخفية التي يتقنها هؤلاء بوسائلهم الخاصة. ولذلك، فإن الكثير من الناس الآن يعتقدون بالكتابة، ويذهبون إلى بعض الأشخاص الذين يكتبون، حتى يحببوا شخصاً بشخص، أو حتى يبغّضوا شخصاً بشخص، أو ما إلى ذلك من الأمور.

    وقد جاء في (مجمع البيان) للطبرسي، ما يؤكّد هذه الفكرة، ويوضحها بشكل آخر، حيث قال الطبرسي: "إنما أمر بالتعوّذ من شر السحرة، لإيهامهم أنهم يُمْرِضون ويُصِحُّون، ويفعلون شيئاً من النفع والضرر، والخير والشر، وعامة الناس يصدّقونهم، فيعظم بذلك الضرر في الدين..."

    وقد ذكروا معنى آخر للنفاثات في العقد، وهو ما نقله أيضاً (مجمع البيان) عن أبي مسلم قال: "النفاثات هن النساء اللاتي يملن آراء الرجال ـ يعني يخدعنهم ـ ويصرفنهم عن مرادهم، ويردونهم إلى آرائهن، لأن العزم والرأي يعبر عنهما بالعقد، فعبِّر عن حلها بالنفث، فإن العادة جرت أن من حل عقدة نفث فيها..." ولكن هذا ليس ظاهراً من الآية.

    فإذاً لا نستطيع أن نستفيد من قوله: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} أنّ السحر يمثّل حقيقةً؛ لأن السحر لا حقيقة له في الإسلام، وإنما هو حالة تخيلية أو إيحائية، وما إلى ذلك.

    {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}، ما المراد من شر الحاسد؟

    الظاهر من خلال ما نقرأه من الأحاديث، أن المراد من شر الحاسد، شرّه الخارجي، لأن العقدة التي توجد في نفس الحاسد من المحسود، قد تدفعه إلى أن يبغي عليه، وذلك من خلال الحالة العدوانية التي تعيش في داخل شخصية الحاسد، فيحوّله إلى إنسان عدواني، يعمل على إيقاع الشر بالمحسود والبغي عليه، بحيث يحاول الحاسد التخطيط من أجل إيقاع الشر فيه، كما ورد في الحديث الشريف: ((إذا حسدت فلا تَبْغِ))، أي إذا حسدت، فلا تحاول أن تعتدي على من تحسده، نتيجةً لحالة الحسد.

    وقد ورد عندنا في تصوير شخصية الحاسد، ما يؤكد هذه النتائج السلبية التي قد تحصل من سلوك الحاسد ضد المحسود. ففي الحديث عن النبي(ص): ((ألا إنه قد دبَّ إليكم داء الأمم من قبلكم، وهو الحسد؛ ليس بحالق الشعر، لكنه حالق الدين)). فالحسد يحلق لك دينك، ويبغض لك دينك. وقد ورد أيضاً عنه(ص): ((الحاسد لا يشفيه إلاّ زوال النعمة))، لأن الحاسد رجل مريض، لا يشفى إلاّ إذا زالت النعمة عن المحسود، ولهذا يعمل على زوالها، وقد ورد عنه(ص): ((قال اللّه لموسى بن عمران، يا ابن عمران، لا تحسدن الناس على ما آتيتهم من فضلي، ولا تمدن عينيك إلى ذلك، ولا تتبعه نفسك، فإن الحاسد ساخط لنعمي))، لأنه يقول: كيف أن اللّه أعطى هذا الإنسان ولم يعطني مثلاً ((صادّ لقسمي الذي قسمت بين عبادي)).

    ويتحدث الإمام علي(ع) عن الحالة النفسية لدى الحاسد، فيقول: ((ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد؛ نفس دائم، وقلب هائم، وحزن لازم))، لأنه ما دامت هذه النعمة موجودة لدى المحسود، فإنه يحاول أن يتحرك بطريقة سلبية. وفي كلمة أخرى للإمام علي(ع): ((الحاسد يظهر ودّه في أقواله، ويخفي بغضه في أفعاله، فله اسم صديق، وصفة عدوّ)). ويقول الإمام الباقر(ع) عن الحاسد: ((إنَّ الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب))، لأنه يتحوّل إلى إنسان عدواني ضد المحسود. هذه هي الفكرة الواقعية للحسد.

    وقيل إنَّ الشر ينطلق من نفس الحاسد في التأثيرات التي تتفاعل في شخصية المحسود، أي أنّ الحاسد عندما تنطلق عينه بالمحسود، فإن العين تترك تأثيرها عليه من خلال الإشارات التي تنطلق من الحاسد، فيما يمكن أن يكون لها قوة خفية تؤثر في حياة الإنسان المحسود بطريقة مثيرة غير مفهومة من ناحية المقاييس المادية المعروفة للناس. فلدى الحاسد نوع من أنواع التأثيرات التي تصرع المحسود، إما بزوال النعمة عنه، أو بتأثيرها السلبي عليه.

    وهناك أمر شائع بين الناس، ألا وهو قول إنّ (عين الحاسد تفلق الصخر)، وهذا الكلام ليس واقعياً. ونحن نقول ـ على سبيل الطرفة ـ إنه لدينا الآن بوش وشارون، وغيرهما من الطغاة، فلماذا لا نسلِّط عليهم عدداً من الحاسدين، حتى يهلكوهم، أو نجلب الحاسدين إلى الجيش حتى يسلطوا عيونهم على الأعداء، فتكون سهاماً وقنابل!

    وعلى كلٍّ، فإن اللّه سبحانه وتعالى أراد لنا أن نعوذ به من شر الحاسد إذا حسد، من خلال حالته العدوانية التي توجه إلى المحسود من أجل أن تُسقط نعمته، وقد تسقط إنسانيته. والحمد للّه ربّ العالمين.
    [/grade]
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-10-15
  11. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    وهناك أمر شائع بين الناس، ألا وهو قول إنّ (عين الحاسد تفلق الصخر)، وهذا الكلام ليس واقعياً. ونحن نقول ـ على سبيل الطرفة ـ إنه لدينا الآن بوش وشارون، وغيرهما من الطغاة، فلماذا لا نسلِّط عليهم عدداً من الحاسدين، حتى يهلكوهم، أو نجلب الحاسدين إلى الجيش حتى يسلطوا عيونهم على الأعداء، فتكون سهاماً وقنابل!
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-10-29
  13. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    مشاركة: الانفتاح علئ الله ؟؟سورة ( الفلق )



    (عين الحاسد تفلق الصخر)،
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2006-01-14
  15. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    {الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} (آل عمران:173)، سيقتلونكم، وسيسيطرون عليكم، {فَاخْشَوْهُمْ}، خافوا منهم، ولكن كانت قد امتلأت قلوبهم بالإحساس بقوة اللّه تعالى، فأحسّوا بالأمن من خلال ثقتهم بأنّه تعالى سوف ينصرهم، وسوف يمنحهم قوةً روحية، إضافةً إلى قوتهم الجسدية، وقارنوا بين قوة اللّه سبحانه وتعالى وقوة الناس، {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا}، عندما رأوا أن اللّه تعالى له القوة جميعاً، وأنَّ هؤلاء الناس لا يملكون القوة إلاّ من خلال ما يعطيهم سبحانه من قوة، {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، فلا حاجة بنا إلى أحد.
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2006-01-16
  17. ابو احمد 25

    ابو احمد 25 عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2006-01-06
    المشاركات:
    359
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيك وزادك بسطة في العلم

    اخوج

    ابو احمد
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2006-01-19
  19. الباهوت

    الباهوت عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-09-09
    المشاركات:
    799
    الإعجاب :
    0
    نبض عدن موضوع جميل واختيار موفق ولكن النقاش لم يكن واضح المراد منه وخصوصا فيما يتعلق بالعين فالعين حق ولكن ليس معنى ذلك ان الذي يصيب الغير بالعين عنده القدرة على السيطرة بها بحيث يستطيع ان يسلطها على من يريد ولكن هي تأتي فجأة بدون تحكم واسبابها النظرة السيئة والحسودة والمتجهمة من بعض الناس وعين الحسود تبلى بالعمى .
     

مشاركة هذه الصفحة