كتاب (( اليمن الجنوبي )) ، وثيقة تاريخية هامة للغاية لكل مهتم بتاريخ المنطقة .

الكاتب : ابو ملاك   المشاهدات : 2,169   الردود : 11    ‏2005-10-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-10-12
  1. ابو ملاك

    ابو ملاك عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-01-17
    المشاركات:
    483
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    إلى السادة الأفاضل في المجلس اليمني ، كل عام و انتم بخير ، و بعد :

    هذا الكتاب صدر باللغة الإنجليزية قُبيل استقلال اليمن الجنوبي و هو يمثل وثيقة تاريخية هامة للغاية ، و على الرغم من مضي عقود على تلك الأحداث التي يستعرضها الكتاب ، إلا أننا نرى مشاهدها تتكرر اليوم في عدة أجزاء من الوطن العربي ...! لذلك انشر لكم هنا أجزاء من ذلك الكتاب ، و بالتحديد ( المُلحق ) الذي يستعرض الأحداث التي سبقت استقلال اليمن الجنوبي ، عسى أن ينال اهتمامكم بالنقد و النقاش الجاد و الهادف . أخوكم / أبو ملاك
    الكتاب بعنوان :

    (( اليمن الجنوبي ))

    سياسياً و اقتصادياً و اجتماعياً

    المؤلف : الدكتور / محمد عمر الحبشي

    ترجمة :
    الدكتور الياس فرح
    الدكتور خليل احمد خليل

    كلمة الناشر :

    هذا الكتاب ( اليمن الجنوبي : سياسياً و اقتصادياً و اجتماعياً ) هو الأول من نوعه ، و هو يلقي أضواء كاشفة على جميع نواحي الحياة في هذه الجمهورية الجديدة التي قامت حديثاً . و لا يمتاز هذا الكتاب بوفرة معلوماته فحسب ، بل يمتاز أيضا بدقة المعلومات و شمولها . إنه كتاب هام عن منطقة عربية بدأت تحتل دوراً هاماً في الحياة السياسية العربية .

    دار الطليعة للطباعة و النشر
    بيروت
    آذار ( مارس ) 1968م

    .......................

    ( مُلحق )

    الأحداث السياسية في فترة 1965 ـ 1967 م


    [align=right]إن ميزة هذه الفترة الأكثر بروزاً هي بدون شك الاتساع الذي أخذته الحركة الوطنية للتحرر مُعرِضة بذلك سياسة المملكة المتحدة في اليمن الجنوبي للفشل و مُبعدة قادة الاتحاد التقليديين . و قد آل النظام القائم إلى الزوال دون أدنى أسف .

    1 ـ مؤتمر لندن في شهر ( أغسطس ) 1965 م .


    في محاولة أخيرة لإنقاذ البناء الذي شُيد سنة 1959 من قبل المحافظين ، دعا العماليون في شهر أغسطس 1965 إلى عقد مؤتمر جديد في لندن ، اشترك فيه بالإضافة إلى البريطانيين و الزعماء التقليديين ، ممثلون عن حكومة عدن و سلطنات حضرموت و قادة حزب الشعب الاشتراكي و رابطة الجنوب العربي .

    و كان الاجتماع يرمي إلى البحث عن الوسائل التي يمكن بواسطتها التقريب بين مواقف الأحزاب و الفئات المتنازعة محلياً بقصد تشكيل ( حكومة اتحاد وطني ) كانت المملكة المتحدة تنوي تسليمها السلطة في وقت لاحق . و كان قد ظهر على الفور أن الخلافات كانت بالغة العمق و أن المواقف متباعدة جداً حتى يكون ثمة أمل بالتوصل إلى حل تقبله كل الأطراف . كان العماليون و أصدقائهم يريدون في الحقيقة أن يبقى النظام الاتحادي كما هو بينما كان ممثلو المعارضة يطالبون بإصلاحات دستورية تتعارض مع مصالح الطرف الأول . و نظراً لعدم التمكن من إيجاد مجال للتفاهم لم يكن على الحكومة البريطانية إلا أن تتقبل مرة أخرى فشل مجهودها .

    و في عدن ، دخلت الأزمة التي تعيش منذ عدة سنوات ، في مرحلة جديدة من التوتر ؛ فالحكومة العدنية التي كان يرأسها في تلك الفترة عبد القوي مكاوي ، عرفت تحولاً وطنياً واضحاً و رفضت مراعاة الاغتياظات البريطانية التي سببها الإرهاب . و بالرغم من شكوى علنية تقدم بها المندوب السامي ، أمتنع المكاوي عن إدانة الهجمات و الاعتداءات المرتكبة ضد الرعايا البريطانيين و بالأخص اغتيال رئيس المجلس التشريعي .

    منذ ذلك الحين كانت أيام وزارة مكاوي معدودة . فبالاتفاق الضمني مع لندن أتخذ المندوب السامي في شهر سبتمبر 1965 القرار الخطير القاضي بتعليق دستور عدن ، و بتنحية حكومة مكاوي .

    كان ذلك الأمر نهاية حقبة و بداية عهد جديد ستكون ميزته الأساسية التقدم المظفر للقوى الوطنية .



    2 ـ نشأة جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل Flosy :

    بالرغم من المقدرة على المقاومة بالقوة ، كان عبد القوي مكاوي و قادة حزب الشعب الاشتراكي لا يزالون يتحاشون اللجوء إلى القوة . في الحقيقة كانوا يحتفظون بأمل جر لندن إلى التعقل و الحكمة عن طريق الضغط و العمل السياسيين بالضبط . و لهذه الغاية ، جزئياً ، تم إنشاء منظمة التحرير سنة 1965 . و أما السبب الخفي الذي أدى إلى إنشاء هذه المنظمة ثم إلى إنشاء ( جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ) فقد كان ، مع ذلك ، رغبة قادة حزب الشعب الاشتراكي في إنقاذ الجامعة النقابية ( المؤتمر العمالي العدني ) التي قوضتها جدياً ( الجبهة القومية للتحرير ) التي توصلت سنة 1965 إلى كسب ست نقابات من أقوى نقابات المنطقة إلى جانبها .

    كانت منظمة التحرير تطمح منذ البدء إلى تجميع كل أحزاب المعارضة في داخلها . و قد نجحت في ذلك نجاحاً واسعاً في الظاهر على الأقل ، لان هذه الأحزاب ، باستثناء رابطة الجنوب العربي ، قد أُعجبت بضرورة التجمع و الانضواء ، حتى بضرورة الانصهار في منظمة واحدة تدعى من الآن فصاعداً ( جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ) . كذلك وافقت رابطة الجنوب العربي على مبدأ الاتحاد لكنها رفضت أن تنحل في جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل .
    إلا أن الحدث الأكثر أهمية و بروزاً كان دخول ( الجبهة القومية للتحرير ) في المنظمة الجديدة . و حسب أقوال بعض المراقبين ، يمكن أن يكون الدخول قد فرضه عليها مع ذلك بعض زعمائها الذين كانوا قرروا ، بمبادرتهم الخاصة ، إلزام ( الجبهة القومية للتحرير ) بدون استشارة قيادتها العليا . كذلك لم يكن هذا السراب من التعليل مقبولاً تماماً . فلم تلبث المنازعات أن ظهرت بجلاء .
    كان قادة منظمة التحرير السابقة المتمرسين في العمليات السياسية و الميالين قليلاً إلى النضال المسلح الذي كانت ( الجبهة القومية للتحرير ) تقوده منذ اكتوبر1965 ، يريدون أن يكونوا رجال سياسة قبل كل شيء ، بينما كان قادة ( الجبهة القومية للتحرير ) يعتبرون أنفسهم كرجال فعل و عمل . هكذا كان مفهوم العمل الثوري الذي ينبغي الشروع به لتحرير البلد من النير الاستعماري يختلف كلياً من جماعة لأخرى .

    في البداية كان القادة الوطنيون يبذلون جهودهم للهيمنة على الخلافات نظراً لما تقتضيه الأحوال . غير أن اختيارات و أمزجة مختلف الأطراف المعنية كانت متعارضة لدرجة أن التحالف العدني كان يعاني بشدة يقول زعماء ( الجبهة القومية للتحرير ) أنهم كانوا ينوون ليس فقط تحرير البلد و إنما تصفية الماضي أيضاً ، بينما كان زعماء ( جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ) يعطون الأولوية ، على ما يبدو ، للتحرير السياسي . بعبارة أخرى ، كانت الخلافات تدور حول السياسة التي ينبغي نهجها ، بعد طرد الاستعمار و الرجعية أكثر مما كانت تدور حول نضال التحرير بمعناه الحقيقي . و تبدو هذه الخلافات كأنها تعبر دوماً عن الفرق الذي يفصل زعماء المنظمتين الوطنيتين المتنازعتين .
    لكل هذه الأسباب فسخ التحالف الذي جرى في 13 يناير 1966 في ديسمبر من السنة ذاتها . استعادت ( الجبهة القومية للتحرير ) حرية عملها و كثفت نشاطها العسكري في مناطق البلد الداخلية و الأعمال الإرهابية في المراكز الحضرية . و في نفس الوقت قوت و وطدت أوضاعها في الجيش و الشرطة و النقابات و في صفوف المثقفين الشبان ، و ازداد تأصلها في الأرياف . و مع تبني هذا الخط القاسي عرفت الحركة الثورية تحولاً حاسماً .
    أما ( جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ) فقد أناطت نفسها بقيادة عسكرية مستقلة ( المنظمة الشعبية ) عهد اليها برعاية النضال المسلح ، و بمكتب سياسي يقع العمل السياسي على عاتقه . و قد ضاعفت مجهودها على الصعيد الداخلي و بذلت نشاطاً دبلوماسياً واسع النطاق في الخارج و بالأخص في هيئة الأمم المتحدة .



    3 ـ بعثة هيئة الأمم المتحدة

    كانت مشكلة اليمن الجنوبي ، منذ عدة سنوات ، تطرح بانتظام أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة . و قد بحثتها الجمعية العامة مرة أخرى في دورتها السنوية لعام 1966 . و في نهاية تلك المناقشات ، صوتت الجمعية العامة على قرار يطلب من الأمانة العامة إرسال بعثة خاصة إلى عدن لدرس رغبات السكان و للتشاور حول إجراءات حصول البلد على الاستقلال . و وعدت المملكة المتحدة بالتعاون مع البعثة .
    و في شهر مارس 1967 ، توقف أعضاء البعثة الثلاثة ، و هم في طريقهم إلى عدن ، في لندن و القاهرة و جدة للاتصال بالسلطات الرسمية و بممثلي المعارضة . استقبلتهم القاهرة استقبالاً بارداً . و كانت ( جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ) و ( الجبهة القومية ) تتهمان البعثة علناً بأنها تلعب لعبة الاستعمار و الرجعية و قررتا تجاهل وجودها في عدن . و لدى وصولها إلى منطقة عدن قامت الجبهتان بموجة اضرابات و مظاهرات و صعّدتا الأعمال الإرهابية ضد الجيوش الإنجليزية حتى تظهر للبعثة عداء السكان لها و تبرهنا لها على قوتهما .

    من جهة أخرى كانت ( جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ) تطالب ، قبل البدء بأية محادثات ، باعتراف البعثة بها كممثل وحيد لشعب اليمن الجنوبي . و أما ( الجبهة القومية ) التي لم تكن تنعت نفسها بتفرد كهذا ، فقد قاطعت البعثة و رفضت كل مزاعم ( جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ) . و خلال الإقامة القصيرة لممثلي هيئة الأمم المتحدة في عدن ، كان خط قيادتها فطناً حقاً و لكنه صارم .
    أخيرا لم تكن رابطة الجنوب العربي ، التي كان موقفها مشبوهاً و ضعيفاً منذ تفجير القنابل في حضرموت ، في وضع يسمح لها بمجابهة التيار المعادي للبعثة و حتى بالإعراب عن وجهات نظرها لأعضاء البعثة . و بكل وضوح ، تجاوزتها الأحداث تجاوزاً كاملاً .

    من الجانب البريطاني بذلت سلطات عدن كل ما في وسعها لعزل ممثلي هيئة الأمم المتحدة ، بقصد إفشال مهمتهم . و كان التكتيك المتبع يقوم على جعل المنظمة الدولية تعترف بعدم مقدرتها على حل المشكلة و على جرها للاعتراف بشرعية النظام الاتحادي . و مع ذلك لم تخف نوايا هذا التكتيك على أعضاء البعثة و لا على الوطنيين . فأماط أعضاء البعثة و الوطنيون اللثام ، بنجاح ، عن مؤامرة السلطات الاستعمارية .

    و بالتالي ، تنبهت البعثة بسرعة إلى أن وعود حكومة لندن و نواياها الحسنة كانت كاذبة . و أعطي لها الدليل على ذلك عندما قامت السلطات الاتحادية ، الخاضعة مع ذلك للمندوب السامي ، بمنع رئيس البعثة من الظهور على شاشة التلفزيون ليتحدث إلى السكان و إلى ممثليهم الفعليين ، و منع قراره و بيانه بحجة أنه تجاهل الحكومة الاتحادية . عندئذ قام بمسعى آخر لدى المندوب السامي للأذن للبعثة بذلك ، غير أن هذا الأخير رفض أن يتدخل . فأنذرته البعثة بنتائج رفضه غير أن الإنذار لم يؤخذ بعين الاعتبار . و لم يكن أمامها آنذاك إلا أن تغادر عدن . و قد أثار سفرها المفاجئ ضجة كبيرة في العالم . و قد ضايقت الفضيحة حكومة ويلسون التي وجدت في شخص المندوب السامي المسؤول كبش محرقة ممتازاً . و مع ذلك فهو لم يقم إلا بتنفيذ الأوامر التي تلقاها . و هكذا تمكنت الوزارة من إنقاذ ماء وجهها .

    كان يظن في البداية أن لندن تتظاهر بالرد لتغرر بالرأي العام البريطاني و العالمي فقط ، في الحقيقة كانت عازمة فعلاً على وضع حد نهائي لمشكلة اليمن الجنوبي .


    4 ـ سياسة لندن منذ سفر البعثة المفاجئ .


    في شهر أبريل سنة 1967 ، قامت لندن بتعيين اللورد شاكلتون ليتفحص الوضع عن كثب ، و في شهر مايو تم تعيين مندوب سامي جديد ليقوم بتنفيذ التوجيهات المعطاة له . و المندوب السامي السير هامفري تريفليان هو دبلوماسي محترف يعرف العالم العربي معرفة جيدة .

    مشاهداً فشل سياسة حكومته ، أوصى المبعوث الخاص بتزايد و اضطراد المسار الاستقلالي ، نظراً لان قاعدة عدن لم تعد لها أهمية بالنسبة لإنجلترا منذ أن تقرر الجلاء عنها في شهر فبراير 1967 . و أسرعت لندن في تبني توصيات الوزير المكلف و أعطيت الأوامر للسير هامفري تريفليان لوضع حد ، في أسرع وقت ممكن و بكل الوسائل ، للوجود البريطاني في اليمن الجنوبي . و أول قرار جرى اتخاذه كان تحديد تاريخ استقلال البلد . و قد تم اختيار التاسع من يناير 1967 كيوم حصول اليمن الجنوبي على السيادة الدولية .
    من الآن فصاعداً ، ستمضي الأحداث السياسية في الاضطراد على وتيرة غير معتادة . فقد تفكك النظام الاتحادي على أثر تمرد 20 يونيو 1967 . و كمحاولة أولى ، أشار المندوب السامي على المجلس الاتحادي الأعلى أن يعين حسين بيومي ، وزير الإعلام ، لتشكيل حكومة جديدة ينبغي عليها أن تظم عناصر يتقبلها الوطنيون . و كانت مهمة كذلك معرضة للفشل مسبقاً لأنه لم يكن من الوارد أن يؤيد الوطنيون حكومة تترأسها شخصية من النظام الاتحادي . و من جهة أخرى ، عندما قدم بيومي لائحته ، رفضها المجلس الأعلى دونما تردد لأنها كانت تظم شخصيات جامحة لا يوافق عليها حتى الزعماء التقليديين دون أن نتحدث عن موافقة المنظمات الوطنية عليها .

    و للنطق بالحقيقة ، لم يكن رفض التشكيلة في الواقع سوى السبب الظاهري لفشل مهمة بيومي ، كان السبب الحقيقي هو الاقتراح الذي قدمه بيومي مع موافقة البريطانيين إلى سلاطين لحج و الفضلي و الدول و الإمارات الأكثر اقتراباً من عدن . لقد اقترح عليهم ، في الحقيقة ، إنشاء دولة موحدة تضم بالإضافة إلى عدن ، سلطنتي العوذلي و الفضلي . و ليجعل مشروعه جذاباً أكثر ، أعلمهم أن الحكومة البريطانية كانت مستعدة للاعتراف بالدولة الجديدة و لإناطتها بمساعدة مالية و عسكرية . بعبارات أخرى ، طلب منهم أن يعلنوا انسحاب إماراتهم من الاتحاد ، و ضمن لهم دعم المملكة المتحدة سياسياً و مالياً . و عندما أطلع القادة الآخرون في الاتحاد على هذه المؤامرة الموجهة ضدهم ألغوا تكليف بيومي و شهّروا به علناً . إلا أن إجهاض هذا المشروع ذي الإيحاء البريطاني ورطهم .

    و أتاح وصول بعثة الأمم المتحدة إلى جنيف في شهر أغسطس فرصة ممتازة أمام المندوب السامي ليتخلص بصورة نهائية من الزعماء التقليديين المضايقين . و بناء على طلبه سافرت أكثريتهم إلى سويسرا لمقابلة أعضاء البعثة . و بعد أن استمعت البعثة إليهم سافرت إلى بيروت و القاهرة على أمل التمكن من رؤية ممثلي ( الجبهة القومية للتحرير ) و ( جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ) . و وافقت الأخيرة التي بدأت تظهر دلائل ضعفها ، على مقابلة البعثة بينما أنكرت ( الجبهة القومية ) حق البعثة في مناقشة مشكلة اليمن الجنوبي . عندئذ توجب على البعثة أن تعود إلى نيويورك لتقدم تقريرها إلى الأمانة العامة لهيئة الأمم المتحدة .

    و في البلد ، سلكت الأحداث منحى دراماتيكياً . ففي عدن تدهور الوضع بسرعة و بدأت ( الجبهة القومية ) في داخل البلد بزحفها على الإمارات . و في آخر لحظة أستنفر المجلس الأعلى الجيش لإنقاذ الاتحاد من الفوضى ، فرفض الجيش أن يتدخل و رد بجفاء طلب رئيس المجلس الأعلى الذي طلب منه ، أن يتسلم السلطة بلا شرط و لا استثناء . و لم يلبث النظام الاتحادي أن سقط تاركاً وراءه فراغاً كاملاً و مطبقاً .

    و علمت الحكومة البريطانية بهزيمة السلطة الاتحادية فتوجب عليها أن تعترف رسمياً في بيان مهم ، بالقوى الوطنية كالممثل الوحيد لشعب اليمن الجنوبي . و في نفس الوقت دعا المندوب السامي الزعماء الوطنيين إلى التباحث حول شروط تسلم السلطة . و حسب مصادر مطلعة بوجه عام ، نبههم إلى أنهم إذا لم يعزموا على إجراء المباحثات المطلوبة خلال شهرين من 3 سبتمبر إلى 3 نوفمبر 1967 ، فان حكومته ستتخذ الإجراءات اللازمة . إلا أنهم منحوا مهلة أسبوع للتفكير قبل أن تتخذ تلك الإجراءات .

    و تعني لندن ، على ما يبدو ، بالقوى الوطنية الجبهة القومية للتحرير و جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل . و أما نداء المندوب السامي فقد اعتبر بوجه عام موجهاً لزعماء المنظمتين . و في كل حال ستحاول كل منظمة من الآن فصاعداً أن تقوي وضعها محلياً على حساب المنظمة الأخرى في اغلب الأحيان ، بقصد التباحث انطلاقاً من وضع قوي . و في هذا السباق مع الزمن ، توصلت ( الجبهة القومية للتحرير ) التي سبقت جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل منذ شهر يوليو في وقت قياسي إلى نشر نفوذها على معظم دول الإمارات في الاتحاد و كذلك على حضرموت .

    و استجابة لرضا السلطات الاستعمارية و العسكرية البريطانية ، أدى هذا التسابق إلى اصطدامات دموية بالأخص في لحج و دار سعد و الشيخ عثمان التي صارت أخيرا تحت إشراف الجيش العربي .

    نُصّب الجيش بادئ ذي بدء حكماً بالرغم عنه ، ثم ظهر كقوة ثالثة . و هكذا تم دخوله إلى المسرح السياسي ، الأمر الذي يعرضه لمخاطر الانقسام و يجعل منه هدفاً سهل المنال من قبل هجومات و انتقادات الفئات الأولى و الفئات الأخرى .

    كانوا يقولون أنه كان من الأفضل أن يظل الجيش بعيدا عن المشاحنات السياسية و الصراعات التحيزية . و لكن هل كان للجيش أن يختار في الواقع ؟ و في اختلاطها ، سارعت السلطات البريطانية في إخلاء المدن و القرى التي جلت عنها جيوشها ، أمام الجيش الوطني . و كان على الجيش عندئذ أن يعمل على استتباب الأمن في هذه المراكز المعرضة كثيرا للإرهاب و الرعب . و كيف كان يمكنه رفض القيام بهذه المسؤولية الأولية . فبانتظار عقد المصالحة الوطنية ، كان الجيش وحدة ، في الحقيقة ، في وضع يسمح له بمواجهة المشاكل التي كان يطرحها استتباب الأمن . و كان الوطنيون ، مع وعيهم لخطورة وضعهم ، لا يبحثون من جهة أخرى عن التعارض معه حتى يتجنبوا إراقة الدماء و يوفروا على المواطنين آلاما إضافية لا تجدي .


    ..... يتبع .....
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-10-14
  3. ابو ملاك

    ابو ملاك عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-01-17
    المشاركات:
    483
    الإعجاب :
    0
    [align=justify][align=right]5 ـ صعود الجبهة القومية للتحرير Nlf

    تأسست الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل في 14 أكتوبر 1963 ، و كانت المحرك الحقيقي للتمرد المسلح في قبائل ردفان و لإحداث الثورة بوجه عام .

    و حتى نشأة ( جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ) كانت ( الجبهة القومية للتحرير ) تتمتع بدعم الجمهورية العربية المتحدة التي كانت تقدم لها مساعدة مادية لا تُقدّر . و منذ ذلك الحين سيتجه تأييد الجمهورية العربية المتحدة إلى جانب ( جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ) وحدها . و أخذت ( الجبهة القومية للتحرير ) تبتعد قليلاً عن القاهرة غير أنها حرصت على عدم قطع علاقتها مع مصر و على عدم مهاجمتها .

    و أدى تبدل التحالفات إلى إضعاف وضعية ( الجبهة القومية للتحرير ) بالأخص في الخارج حيث يتمتع خصمها بشهرة واسعة . مع ذلك ، عرفت ( الجبهة القومية للتحرير ) أن تعوض عن هذه الخسارة بتقوية وضعها في الداخل . و منذ عام 1965 ، نجحت في التغلغل في الحركة النقابية و في الجيش . و يعود صعودها إلى هذه السنة بالضبط . و حتى عام 1966 كان تقدمها بطيئاً و لكنه متواصل . غير أن عام 1967 كان حاسماً . فتمرد الجنود و الشرطة الذي حدث في 20 يونيو 1967 و الذي جعل ( الجبهة القومية للتحرير ) و جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل تسيطران على مدينة كريتر طيلة أسبوعين تقريباً ، قوى مجدداً نفوذ ( الجبهة القومية للتحرير ) . غير أن إخلاء العائلات المسيطرة ، فجأة عن اقطاعاتها منذ شهر أغسطس هو الذي فرض ( الجبهة القومية للتحرير ) بصفة نهائية و جعل منها المتباحث الأكثر قوة مع الحكومة البريطانية .

    كما كان ينتظر ، أثار صعود ( الجبهة القومية للتحرير ) المفاجئ الصاعق تعليقات و توقعات مغرضة لا تعد . فقد اشتبه أولاً بالجبهة القومية للتحرير ، ثم اتهمت علناً بالتعاون و بالتآمر مع السلطات الاستعمارية . و كانت هذه الحملة ترمي إلى التشكيك بالجبهة القومية للتحرير أمام السكان و العالم العربي و إلى إذكاء الحرب الأهلية ؛ و هكذا ألقت زيتاً على النار .

    و في الحقيقة يمكن تفسير سقوط الأنظمة الإقطاعية و اعتباراً من ذلك التقدم المظفر الذي أحرزته ( الجبهة القومية للتحرير ) في داخل البلد بالأمور التالية :

    ( أ ) ـ عندما قرر البريطانيون سحب جيوشهم من داخل البلد في بداية عام 1967 ، حكموا بالموت الأكيد على أنظمة الأمراء . فقد تخلى عن الأمراء أصدقاؤهم الإنكليز كما تخلت عنهم قبائلهم الخاصة بهم . هكذا سقطت إماراتهم كأوراق الخريف بلا قتال تقريباً .

    ( ب ) و أما رفض الجيش الاتحادي إغاثة الأنظمة الأميرية المهلهلة ، فلم يكن أمرا مفاجئاً لان وضع الأمراء و الشيوخ كان قد أصبح غير مقبول و لان قسماً كبيراً من الضباط كان يعطف على الحركة الوطنية .

    ( ج ) ـ أخيراً ، ثمة حدث مهم يستحق الذكر هنا . و المقصود بذلك هو التنظيم المرموق في ( الجبهة القومية للتحرير ) و تأصلها الصلد في الأرياف . إن فعالية و نفاذ جهازها هي التي كونت و لا تزال تكون قوة الجبهة .

    و هكذا ، فمن جلي الأمور هو أننا لا نستطيع أن نتجاهل هنا الإشراف شبه الفعلي الذي تمارسه ( الجبهة القومية للتحرير ) على القسم الأعظم من اليمن الجنوبي . بفضل هذا الإشراف ، خضع البلد ، لأول مرة في التاريخ ، لسلطة واحدة .


    6 ـ تأثير النكسة العربية في حزيران 1967 على تطور الوضع في اليمن الجنوبي .

    إن مؤتمر القمة العربي الذي عقد في الخرطوم في شهر أغسطس 1967 قد كرس انتصار الاعتدال العربي ؛ و كان المؤتمر أحدى النتائج لنكسة حزيران التي ضربت الحركة التقدمية في الشرق الأوسط .
    و قد تضررت الجمهورية العربية المتحدة تضرراً خطيراً من العدوان الإسرائيلي فأصبحت مجبرة على التعاون مع الأنظمة المعتدلة ، و مقابل المساعدة المالية من العربية السعودية و الكويت و ليبيا توجب عليها أن تنسحب من جهات متعددة . و من بين الدلائل الكبرى لهذا الانسحاب ، لن نذكر هنا سوى بالدلائل المتعلقة مباشرة بالجنوب العربي . فمن جهة انسحاب القوات المصرية اللا مشروط تقريباً من اليمن ( اتفاق جمال عبد الناصر ـ و فيصل ) و من جهة أخرى المجهود الذي تبذله جامعة الدول العربية في سبيل المصالحة الوطنية في اليمن الجنوبي . إن نهاية الوجود العسكري المصري و محاولة التنظيم العربية كان لهما نتائج تتعارض مع أوضاع القوى الوطنية في الجنوب اليمني .


    ( أ ) المجهود الذي بذلته الجامعة العربية في سبيل المصالحة :

    تحت ضغوطات مجتمعة من جانب الجمهورية العربية المتحدة و العربية السعودية ،عينت الجامعة العربية في سبتمبر 1967 ، لجنة خاصة مؤلفة من خمسة أعضاء مهمتها درس الوسائل لتحقيق الوحدة الوطنية في اليمن الجنوبي . و أخذت اللجنة الوطنية على عاتقها الاستماع لكل الأحزاب و الفئات بما في ذلك الأمراء المخلوعين ، و العمل بغية تشكيل حكومة اتحاد وطني .

    و بالطبع كانت العناصر المعتدلة و التقليدية التي تحميها العربية السعودية و التي كانت تقدم لها الجامعة العربية آخر خط في البقاء ، هي أول من سافر إلى القاهرة . و اتخذت ( جبهة تحرير جنوب اليمن ) موقفاً تصالحياُ و وافقت على الاشتراك في محادثات اللجنة الخاصة . و أما الجبهة القومية للتحرير فقد رفضت بتاتاً توسط الجامعة العربية الذي اعتبرته ، بحق ، مؤامرة موجهة لحرمانها من النصر . بالإضافة إلى ذلك فقد كانت مستعدة كحد أقصى لمقابلة زعماء جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ، و لهذا السبب لم تحقق أعمال اللجنة الخاصة أدنى تقدم . ومن جهة أخرى أدى فتح باب المحادثات بين جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل و بين الجبهة القومية للتحرير إلى وقف تلك الأعمال .


    ( ب ) أفول نجم جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل :

    كانت جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل قد بدأت تفقد سرعتها و تطورها منذ يونيو 1967 ؛ فضعف الجمهورية العربية المتحدة الناجم عن الحرب العربية الإسرائيلية و التقدم الهام الذي حققته الجبهة القومية للتحرير في داخل البلد ، وجها لجبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ضربة قاسية ، و عبثاً حاولت جبهة التحرير أن تستعيد توازنها لأن الأوان قد فات .

    في الحقيقة كانت جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل تبحث عن الاستيلاء على الدول الأميرية غير المتحررة بعد . فاصطدمت بالجبهة القومية للتحرير في إمارات الضالع و لحج و توصلت فقط إلى نشر نفوذها على بعض القبائل العوذلية . و في سلطنتي الواحدي و الكثيري أعلنت العناصر التقليدية حتى تكون في مأمن من هجمات الجبهة القومية للتحرير ، انتمائها إلى جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل دون أن تكون مع ذلك من الأنصار المقتنعين بهذه الأخيرة . و حصلت الاصطدامات الخطيرة في عدن و بالأخص في القرى و الضواحي . سقطت عدن الصغرى في أيدي الجبهة القومية و المنصورة تحت إشراف جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل بينما كان الشيخ عثمان عرضة لتقسيم حقيقي بين المنظمتين .

    سببت هذه الاصطدامات الحزن المبرح العام و استاءت منها كل قطاعات السكان بالإجماع . و شرع رجال الدين و العسكريون بمساعي عديدة لدى الزعماء الوطنيين و الرئيس جمال عبد الناصر لوقف التصادم الأخوي القاتل . و في هذه الظروف المأساوية
    وافقت المنظمتان على إجراء محادثات فيما بينهما .


    7 ـ محادثات القاهرة :

    بعد أن فشلت جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل ( جبهة التحرير ) في تصحيح الوضع لصالحها ، توجب عليها أن تلين مواقفها السابقة . فقد انقطعت عن اعتبار نفسها الممثل الوحيد لشعب اليمن الجنوبي و تخلت عن مشروعها الرامي إلى تشكيل حكومة في المنفى . و عدا عن ذلك ، ظهرت موافقة على بعثة هيئة الأمم المتحدة و على اللجنة الخاصة الموفدة من قبل الجامعة العربية . باختصار ، أعطت عدة دلائل على ضعفها . إلا انه ظل بيدها عدد لا ينكر من المقومات أهمها : جهازها العسكري و نفوذها في عدن و تأييد الجمهورية العربية المتحدة و العطف الدولي من جهة أخرى .

    و هكذا كانت أوضاع الجبهتين غير متعادلة عشية بدء المحادثات في القاهرة . كان ميزان القوى يميل بكل وضوح لصالح الجبهة القومية للتحرير . أن حالة الدونية هذه التي كانت فيها جبهة التحرير ستضغط بثقل على المحادثات .


    ( أ ) ـ بدء المباحثات .

    بدأت المباحثات في أول أكتوبر بحضور عبد القوي مكاوي و قحطان الشعبي الأول رئيس وفد جبهة التحرير و الثاني رئيس وفد الجبهة القومية . و كانت النقاط التي ينبغي على الموفدين مناقشتها تدور حول :

    ـ تشكيل حكومة مؤقتة ،

    ـ وضع دستور مؤقت أيضاً ،

    ـ و وضع برنامج عمل .

    منذ البداية ، أحيطت المحادثات بتكتم شديد . و كان يظن أنها ستكون قصيرة جداً و حاسمة بسبب استمرار التوتر المحلي . و خاب أمل الجميع ، لأنهم ظلوا يتباحثون طيلة أسبوعين تقريباً بدون أية نتيجة مجدية .

    و خلال ذلك الوقت استولت الجبهة القومية على حضرموت و هددت إمارتي العولقي و الواحدي اللتين كانتا قد أعلنتا ، مع ذلك ، ولاءهما لجبهة التحرير . غير أن الجبهة القومية قررت تحرير هذه الدول لأنها كانت تعتبرها كآخر بؤر مقاومة لدى الإقطاعيين .

    و في هذا الجو المتوتر أذاع الضباط المنتمون إلى جبهة التحرير بياناً شهيراً في 20 أكتوبر يتهمون فيه السلطات البريطانية و بعض رفاقهم في الجيش بمعاونة الجبهة القومية لخنق مقاومة أنصار جبهة التحرير . و بهذا التغير المفاجئ حصل ما لا يمكن إصلاحه . فالجيش الذي تعرض بذلك لتناقضات السياسة انقسم إلى كتلتين متخاصمتين . و شبت حرب بيانات تتهم الجبهة القومية و جبهة التحرير بعضهما البعض بهجومات و استثارات مقصودة ، بينما كان زعماء الجبهتين في القاهرة يظهرون سكوتاً مدهشاً . و استمرت الوضعية الداخلية في التدهور . و كان من الضروري فرض قرار طارئ لتخفيف التوتر و للإجابة على المندوب السامي الذي يكاد إنذاره أن ينتهي .

    أعلنت لندن ، لإخضاع الزعماء الوطنيين ، أنها ستذيع بياناً هاماً جداً في 2 نوفمبر . و كانت ردة فعل الزعماء الوطنيين سريعة للغاية ؛ فقد أعلنوا في 1 نوفمبر اتفاق أولي و لكنهم لم يعطوا أي توضيح بشأن محتواه . غير أن المحادثات دخلت في طورها الأخير ؛ و قد استقبل الاتفاق في عدن بسرور عظيم .

    و في 2 نوفمبر أعلن وزير الخارجية في مجلس العموم ان حكومته قد قررت تقديم تاريخ استقلال اليمن الجنوبي هذا ، إلى نهاية نوفمبر 1967 بدلاً من 9 يناير 1968 . و أدى إعلان رحيل البريطانيين القريب إلى تصعيد التوتر من جديد .


    ( ب ) ـ تدهور الوضعية .

    في ليلة الثاني من نوفمبر عادت المنازعات بعنف في عدة أماكن من عدن و أدت إلى سقوط بضع عشرات من الضحايا . و هيمن الخوف و اليأس على العائلات في الشيخ عثمان ، و بسرعة دب الهلع في باقي عدن حيث دارت معارك ضارية . و تدخل الجيش ، دونما نجاح ، للتوصل إلى توقف المعارك و أخيرا اضطر للأمر بوقف إطلاق النار على الفور و فرض منع التجول في المناطق المضطربة .

    و في 4 نوفمبر وجه زعماء الجبهة القومية و جبهة التحرير نداء مؤثراً من القاهرة إلى أنصارهم يدعونهم فيه إلى وقف الاقتتال . و بعد هدنة دامت بضع ساعات ، عادت الصدامات إلى الظهور برعب ، و كانت نتيجتها تسميم الجو أكثر مما كان عليه . و اتهمت الجبهة القومية جبهة التحرير بانتهاك وقف إطلاق النار و طلبت من وفدها في القاهرة أن يوقف المباحثات و أن يعود إلى البلاد .

    على اثر هذه الأحداث الدامية ، حمل الجيش جبهة التحرير مسؤولية الرجوع إلى المخاصمات . بناء على ذلك ، قرر المندوب السامي في 6 نوفمبر الاعتراف بالجبهة القومية كممثل شرعي وحيد للشعب اليمني الجنوبي بينما كان يعتبر ، قبل أسبوع فقط ، الجبهة القومية و جبهة التحرير هما الممثلان للشعب . و في ذات الوقت طلب الجيش من الجبهة القومية و من الحكومة البريطانية أن تبدءا المحادثات في اقصر فترة . إن موقف الجيش قد حل الصراع بشكل نهائي لصالح الجبهة القومية و تسبب هكذا في إفشال مباحثات القاهرة التي أصبحت غير مجدية و متجاوزة . و بادرت جبهة التحرير إلى اتهام الجبهة القومية بالتآمر مع المملكة المتحدة و مع الجيش .

    خلف كل هذه الأحداث و الاصطدامات نجد بكل تأكيد الصراع من اجل السلطة في عدن و الرغبة في التباحث مع لندن بوضع قوي . و بالتالي ، كان من الجلي أن المنظمتين كانتا تعتمدان قليلاً على مباحثات القاهرة و تعطيان أهمية رئيسية للاستيلاء على عدن .

    هيمنت الجبهة القومية على كل البلد تقريباً و وجدت أنه من غير الطبيعي أن تفلت عدن من نفوذها . و أما جبة التحرير فقد كانت عدن بالنسبة إليها ذات أهمية حياتية . فالإشراف على منطقة عدن كان أهم بكثير من السيطرة على مناطق البلد الداخلية . و هكذا كان الاستيلاء على عدن مسألة حياة أو موت بالنسبة لجبهة التحرير .

    و بعد عدة أيام من المعارك الطاحنة خسرت جبهة التحرير معركة عدن ؛ و على الفور بدأت مطاردة أتباعها و مناضليها . و تبع ذلك تطهير الجيش و الشرطة و الإدارة .


    8 ـ سقوط النظام الاستعماري :

    إذن خرجت الجبهة القومية منتصرة من التصارع الدموي الذي دام من 1 إلى 6 نوفمبر ؛ و بسقوط عدن صار البلد كله تقريباً تحت إشرافها ؛ و سقط النظام الاستعماري كقلعة من الورق . إن وجود المندوب السامي و توقف الجيوش هما ظواهر السلطة الاستعمارية الوحيدة و الأخيرة . و أما الإدارة البريطانية فقد تلاشت بسرعة .

    بحثت الجبهة القومية ، بسرعة ، عن سد الفراغ و ذلك بحلولها محل السلطة الاتحادية في عدن و في داخل البلد .

    و لأول مرة في التاريخ الاستعماري تتخلى المملكة المتحدة عن القيام بمسؤولياتها . و في فلسطين بالذات كان ينبغي عليها أن تبقي سلطتها حتى يوم الرحيل النهائي . إن حلول سلطة الجبهة القومية مكان النظام الاستعماري تستحق أن يشار إليها بشدة . فلم تقبل السلطة الاستعمارية في أي مكان من العالم ، بأن تقوم بتلاش و اختفاء مماثل قبل تسليم السلطة و إعلان الاستقلال . و مع ذلك هذا هو ما حدث في اليمن الجنوبي . و في هذه الظروف إذا كان للمباحثات بين الحكومة البريطانية من جهة و بين الجبهة القومية من جهة أخرى ، المقررة في 20 نوفمبر في جنيف ، لها معنى ما ، فهو إناطة الدولة اليمنية الجنوبية بصلاحيات السيادة الخارجية و تحديد مقدار المساعدة المالية البريطانية للدولة المستقلة الجديدة .

    و كل شيء يبدو مشيراً إلى أن البلد سيحصل في 30 نوفمبر على الاستقلال في الصفاء و الوحدة . مع ذلك ، سيطرح الحصول على الاستقلال مشاكل بالغة التعقيد تستلزم وقتاً طويلاً لحلها . و لا يمكن لتغير و لو جزئي في البنى الموروثة من الماضي و لإنشاء بنى جديدة أن يتم دفعة واحدة نظراً لأن ظروف الانطلاق ستكون غير مواتية بصفة خاصة .


    عدن ـ في تشرين الثاني ، ( نوفمبر ) 1967
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-10-19
  5. ابو ملاك

    ابو ملاك عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-01-17
    المشاركات:
    483
    الإعجاب :
    0
    [align=right]( الفصل الخامس )

    حركة التحرر الوطني


    إن النضال المعادي للاستعمار ، لم يأخذ شكله المنظم في اليمن الجنوبي إلا بعد الحرب العالمية الثانية . فقد اشتعلت الحركة الوطنية بعد الحرب في أنحاء مختلفة ما تزال تحت السيطرة الاستعمارية .

    و هذه الفترة تقابل الفترة التي قامت فيها جامعة الدول العربية و ظهرت فيها ملامح اليقظة القومية في الوطن العربي ، و
    أصبحت فيها قوى المعسكر الاشتراكي في ازدياد .

    فعلى الصعيد المحلي ، رافق نهضة عدن من الناحية الاقتصادية ، اشتداد النشاط السياسي و الثقافي . و بدأت الأفكار الجديدة تغزو البلاد بسرعة كبيرة .

    و قد كان لهذه العوامل المختلفة أثر هائل على الوضع الاجتماعي و السياسي في اليمن الجنوبي و في اليمن . و قد كانت محاولة الانقلاب ضد الحكم المطلق الذي يتصدره الإمام يحيى في اليمن عام 1948 أول صدى لانعكاس الحوادث الخارجية على الوضع الداخلي في المنطقة . و على الرغم من فشل هذه المحاولة ، فإنها اعتبرت أول مواجهة جدية بين الرجعية المسيطرة و بين النزعة القومية ، و كان من نتائجها المباشرة تنبه الطليعة المثقفة في المستعمرة و شعورها بانتمائها إلى العائلة اليمنية الكبرى و إلى القومية العربية . و قد أكد هذا الشعور استقرار المحرض الأول على الانقلاب الفاشل ( حزب اليمن الحرة ) في عدن .

    و قد كانت السلطات البريطانية تأمل في أن تتخذ من هذه الحركة وسيلة لمحاربة الإمام الجديد و الضغط عليه . إلا أن هذه المنظمة خيبت أملها و لعبت على العكس دوراً رائداً في حركة تحرير اليمن الجنوبي ، و ساهمت في تشكيل الخميرة الأولى للنزعة الوطنية المعادية للاستعمار .

    نشأة الحركة الوطنية :

    كانت ثورة الأمير الكثيري المسلحة ابن عبدات (1) ضد السلطات المحلية و البريطانية أثناء الحرب العالمية إعلانا عن ولادة حركة وطنية في حضرموت .

    إلا انه على الرغم من كونه قد نجح في إثارة قسم من القبائل عام 1945 ، فقد أخذت حركته منذ البدء شكل تيار معزول و محدود النطاق . فقد كان للتكوين العشائري للمجتمع و لتخلف السكان أثرهما في خنق آثار هذه الحركة و عدم شمول تأثيرها باقي أنحاء البلاد . يضاف إلى ذلك عدم وجود وسائل مواصلات و اتصال في ذلك الحين من شأنها أن تشجع انتشار الشعور الوطني بدلاً من العزلة و التقوقع و التجزئة . لذلك لم يحتاج الإنجليز في مثل هذه الشروط إلى بذل عناء كبير في سبيل خنق هذه الاندفاعات الوطنية في مهدها .

    و كان لا بد أن يأتي عام 1948 حتى تشتعل جذوة الوطنية من جديد في عدن هذه المرة . و الحقيقة أنه ما من شيء قبل ثورة اليمن ، كان يدعو إلى التنبؤ بأن عدن سوف تصبح مركز الاندفاعات الوطنية . فمنذ تلك الحادثة الرئيسية التي هزت الجزيرة العربية ، بدأت عدن تلعب دور قيادة الصراع المعادي للاستعمار و المعادي للإقطاع . و عندئذ ولدت حركة وطنية بكل ما في الكلمة من معنى في المنطقة . و استفادت من الانحسار الخجول للنظام الاستعماري بدءاً من عام 1947 و إنشاء المجلس التشريعي و سن القانون الذي اعترف بحرية التجمع و لعدة أسباب ، منها سياسية و منها اقتصادية ، انقسمت الحركة الوطنية منذ البدء إلى عدة اتجاهات تنتمي جميعها إلى القومية العربية .

    و قد لعب المثقفون دور المحرك الرئيسي للحركة الوطنية ، و كانوا من وراء ذلك يهدفون إلى غايتين أساسيتين :

    1 ـ تربية المواطنين العرب تربية سياسية و اجتماعية .

    2 ـ تحرير البلاد .

    و كانوا في غالبيتهم صحفيين و أساتذة و خريجي جامعات ، تلقوا تعليمهم في الخارج ، و كانت الصحافة و النوادي و الجمعيات و الرابطات بمثابة منابر لهم . و عنها انبثقت الأحزاب و النقابات العمالية فيما بعد .

    و لقد ركزت الصحافة المحلية على العامل الاقتصادي بسبب النهضة التجارية في المنطقة . و قد مارست الصحف المتطرفة أمثال صحيفة النهضة و صحيفة الفضول ، عملية تربية اجتماعية عن طريق نشر الموضوعات الخاصة بالعمال و بأرباب العمل . و ما لبثت الصحف المعتدلة الموالية للإنجليز أن سلكت نفس المسلك أمثال صحف فتاة الجزيرة ، و القلم ، و العدني . و قد استخدمت السلطات هذه الزمرة الأخيرة من الصحافة من اجل إجهاض الحركة والحيلولة دونها و دون التزام خط تقدمي . إلا أن خط الحركة الوطنية الصاعد لم يكن يقبل التراجع أو النكوص . و بفضل هذه الحركة الوطنية بدأ الوعي الاجتماعي و السياسي و الحس المدني و الحضاري ينمو بين سكان المدن . و قد بدأت حملة التوعية بقسم من المثقفين لتشكيل طليعة تتولى هي نفسها نشر الأفكار و الشعارات بين جماهير العمال الأميين بوجه عام . أما ما يتعلق بالعمل العمالي الصرف فقد كانت نوادي المثقفين و المغتربين العائدين إلى البلاد هي مراكز الانطلاق الرئيسية (2) .

    إن ظهور النوادي و الجمعيات و ازدهارها ، قد أعطى للحياة السياسية طعماً جديداً . فالطبقة المثقفة كانت تلتقي داخل المنظمات الرياضية و الثقافية و الفنية و في العديد من جمعيات الإحسان ، لتناقش قضايا المنطقة و مصيرها في المستقبل . و كانت هذه المراكز تجمع بين أشخاص أتوا من شتى آفاق المعمورة و من مختلف الأوساط ، تشغلهم جميعاً دراسة القضايا القومية و المسألة الوطنية . و أهم هذه المؤسسات في المستعمرة كانت :

    ـ النادي العدني ، الجمعية الإسلامية ، الجمعية العدنية ، الاتحاد اليمني .

    أما في المحمية ، فقد كانت :

    ـ جمعية الإحسان الحضرمية ، النادي الشعبي في لحج .. الخ .

    و كان المغتربون يترددون بدورهم على هذه النوادي و الجمعيات و كانوا يتحدثون عن الأحداث التي عاشوها خلال اغترابهم ، و كان بعضهم ممن أتوا من الشرق الأقصى قد شاركوا في الحركات الوطنية و الحركات الثورية في اندونيسيا و ماليزيا . و على سبيل المثال لعب المغتربون الحضرميون في جاوا دوراً سياسياً ذا طابع إصلاحي وحدوي (3) .

    و قد كان ثمة مركزان من مراكز الاغتراب قد لعبا دوراً هاماً في تكوين الحركة الوطنية في اليمن الجنوبي هما : اندونيسيا و انجلترا .

    ففي اندونيسيا كانت الجالية الحضرمية على احتكاك بالحزب الوطني الاندونيسي كما كانت على اتصال بالأحزاب اليسارية و بمختلف الأحزاب ذات الطابع الإسلامي . و كانت هذه الجالية تملك أفكاراً نيّرة متقدمة . إلا أنها ما لبثت أن كانت أول ضحايا الحركة الوطنية في اندونيسيا . فأضطر قسم كبير منهم إلى العودة إلى اليمن الجنوبي حيث شكلوا مجموعة نشيطة لها تأثير في الحركة الوطنية . ثم انضم إليهم المثقفون الذين تلقوا علومهم في جامعات البلاد العربية .

    أما في إنجلترا ، فالمهاجرون كانوا يتمركزون بأعداد وفيرة في منطقة كارديف حيث كانوا يعملون بحارة أو عمالاً . و تبعاً لذلك نشأ احتكاك بينهم و بين الأوساط العمالية الإنجليزية أي مع حزب العمال و مع أفكاره السياسية ذات الطابع المعتدل و الليبرالي ، و مع الحركة النقابية . و قد ساهم العائدون من هذه المراكز مع العائدين من الشاطئ الفرنسي للصومال ( جيبوتي ) ، في تكوين الحركة النقابية في اليمن الجنوبي التي بدأت تتبلور منذ عام 1946 . و قد استمر تطورها على الصعيدين الاجتماعي و السياسي دون أن تصطدم بعقبة جديدة حتى عام 1952 . فقد مرت بالوطن العربي حادثة رئيسية ، هي قيام الثورة المصرية .

    و قد ترك نجاح هذه الثورة و انتشار تأثيرها في الخارج أثراً كبيراً على مجرى الأمور . فكان من النتائج المباشرة لهذا كله أن دخلت الحركة النقابية في منعطف حاد . فقد أخذ الوضع السياسي شكله الواضح في اليمن الجنوبي ، و شهدت الموجة الوطنية تصدعاً حاسماً بين المحافظين و بين التقدميين . و منذ ذلك الحين أخذ كل تيار طريقه المعاكس للآخر .

    فعلى النقيض مما حصل في عدد كبير من المستعمرات في القديم حيث كانت وحدة القوى الوطنية مسيطرة طيلة مرحلة التحرير ، نجد أن اختلاف الاتجاهات حال دون شعور التيارات المختلفة بالرابطة التي تجمعها على صعيد واحد و هي : وحدة الصراع ضد الاستعمار .

    لذلك اتصفت الحركة الوطنية في اليمن الجنوبي بالانقسام و التشتت في الزمان و المكان . و كان ذلك سبباً من أسباب ضعفها . و يبدو في الظاهر إن تفسير هذه الظاهرة يمكن أن يتم بالرجوع إلى نقص الوعي السياسي لدى الجماهير و لدى القادة ، أو بالخصومات الشخصية . إلا أن المسألة في الحقيقة هي أعقد من ذلك . فاختلاف الأصول الاجتماعية لرواد الحركة الوطنية و عناصرها هو العامل الرئيسي . فالاختلافات من جهة ، كانت تدور حول مفهوم الصراع و وسائله . و من جهة أخرى كانت تدور حول الأهداف النهائية التي يسعى إليها كل فريق .

    فالبعض كانوا يقبلون بالتعاون مع السلطة الاستعمارية ، و البعض الآخر يلتزم موقف الرفض الحاسم للتعاون و موقف النضال الدائم من أجل تحرير البلاد في أقصر فترة ممكنة . و بقي هذان الاتجاهان المتعارضان متلازمين في عدن ، أما بالنسبة للمحمية ، فقد بقي التياران بعيدين عنها بحكم عدم وجود ارتباط بين المستعمرة و المحمية يسهل عملية الانتشار تلك .

    و هكذا يبدو انه من المنطق أن نتكلم عن تيارات بدلاً من الكلام عن حركة واحدة منسجمة . و منذ عام 1952 – 1953 ، يمكن أن نميز من خلال ما كان يطرح من تعليقات في الصحافة العدنية ، وجود تيارين للرأي العام : أحدهما يطالب بالحكم الذاتي ، و الآخر يطالب بالتحرر الكامل .

    إن التيار الأول ، أي التيار المعتدل الذي يعمل من أجل الحصول على الاستقلال الذاتي ، هو في الواقع تيار الأقلية ، لأنه يتشكل من الأجانب مواليد عدن ، أي خليط من الأجناس ، يشكل العنصر العربي الغالبية فيه ، و تدعمه الجاليتان الهندية و الصومالية التي تتألف من حوالي عشرين ألف شخص .

    و كانت الرابطة العدنية التي أنشئت عام 1950 هي الوجه السياسي لهذا التيار . و كانت مطاليبها تقتصر على الإصلاحات الاجتماعية ، و على إنشاء مجلس تشريعي منتخب . و كانت تعتبر الاستقلال الذاتي مطلباً يجب أن يتم تحقيقه في عدن على مراحل و ضمن إطار الكومنولث . أما فيما يتعلق بالإطار العام للبلاد ، فقد كانت تنادي بتعزيز الأواصر بين عدن و المحمية ، إلا
    أنها كانت ترى بأن المحمية يجب أن تحتفظ بنظام الحماية .

    أن وجهات النظر الانفصالية التي كانت تبشر بها الرابطة العدنية ، كانت تأتلف تماماً مع نظر الإدارة البريطانية خلال أعوام 1950 -1954 . لذلك كانت تلقى منها تأييداً و مساعدة مالية .

    إلا أن هذا المفهوم الممالئ للإنجليز كان يشجب و يقاوم مقاومة عنيفة من قبل التيار المعاكس الذي كان يرفض مبدأ التطور البطيء لأنه يعتبره منطلقاً رجعياً و وسيلة لتثبيت النظام الاستعماري . كما كان يرى فيه عاملاً يهدد استمرار حركة التحرر الوطني و حيويتها .

    إن التيار الوطني التقدمي كان هو التيار المهيمن في أوساط الشعب العربي الذي يمثل ثلثي سكان المستعمرة . و كانت مطاليبه عام 1952 تلخص فيما يلي :

    1- إلغاء الوضع الخاص بعدن كمستعمرة تابعة للعرش ، و جعلها عاصمة للمحمية .
    2ـ توحيد دول الأمراء .
    3- إنشاء مجالس محلية منتخبة و مجلس اتحادي في عدن .
    4 ـ الاستقلال الذاتي و دستور جديد للدولة الاتحادية الجديدة .
    5 ـ الإصلاحات الاجتماعية .

    و عناصر هذا التيار تتألف من أعضاء الروابط و المنظمات القومية . و كان له صحيفتان تعبران عن مواقفه هما : النهضة و الفضول . و كان أنصار هذا التيار يُتهمون من قبل الإنجليز بالمشاغبين و المتطرفين . و كانت هذه الاتهامات مبرراً لملاحقتهم . و كان اعتقالهم يُبرر رسمياً بصيغة تقليدية : الإخلال بالأمن الداخلي للمحمية عن طريق نشر مقالات تمس الأمراء المناهضين لفكرة الاتحاد التي يطرحها الوطنيون . و الحقيقة هي أن السلطات الاستعمارية كانت تحاول أن تمنع فكرة دمج عدن بالمحمية من الانتشار ، و تقوم باعتقال كل من يبشر بها في تلك الفترة . فحتى عام 1953 لم تكن سلطة الحماية تفكر بأكثر من توحيد الأمارات في ظل اتحاد فدرالي يستبعد عدن و يبقي عليها كمستعمرة . و كانت تأمل بطرح فكرة الاتحاد الفدرالي بالنسبة للأمارات ، أن تستميل بعض العناصر الوطنية من جهة و أن تؤمن مستقبل الزعماء المحليين ثانية .

    و مع ذلك فقد فشل مخطط التجميع الذي رسمته لندن لأنه لم يكن يلبي شروط التيار التقدمي . و عندئذ أخذت السياسة الإنجليزية منحىً مكشوفاً في تأييد التيار المعتدل مع تصميم على تحطيم مقاومة خصومه . و منذ عام 1954 تأسست صحيفة جديدة سميت ( صحيفة الفجر ) و بدأت المرحلة الأولى من مخطط التيار التقدمي في مقاومة الاستعمار .

    .......................................

    (1) البكري ( حضرموت و المدن ) ص 168 .

    (2) مجلة أفريقيا و آسيا ، العدد 44 ، باريس 1958 .

    (3) فانسان مونتيل ( العرب ) ، باريس ، 1959 ، ص 18 .
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-10-21
  7. ابو ملاك

    ابو ملاك عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-01-17
    المشاركات:
    483
    الإعجاب :
    0
    [align=right]الصراع المعادي للاستعمار :

    لقد اشتد الصراع المعادي للاستعمار مع ظهور طبقات اجتماعية جديدة تتطلع إلى المزيد من الحرية و من المكتسبات الاجتماعية و الاقتصادية . فمقابل البرجوازية التجارية ، قامت فئة من المثقفين المطبوعة بالأفكار التقدمية . و على الرغم من قلة عددهم فقد أرسوا دعائم التنظيمات السياسية في البلاد . و قد تلقوا دعم الطبقة العاملة الناشئة التي بدأت نواتها تتكون خلال الفترة ما بين عامي 1952 ـ 1954 ، مع إنشاء شركة مصفاة البترول البريطانية في عدن الصغرى .

    إن هذه الطبقة الجديدة التي كان عددها ما يزال محدوداً ، استطاعت أن تفرض نفسها بسرعة ، و أن تغدو خلال بضع سنوات قوة سياسية طليعية . و كانت تعرف سياسياً باسم ( مؤتمر نقابات عمال عدن ) . و بفضل هذه المساندة التي لعبت دوراً حاسماً في السنوات التالية تعززت قوى التيار الوطني و تحول إلى حركة تحرير وطني بكل معنى الكلمة . و قد انضافت إلى قوة التيار الوطنية قوة أخرى تتمثل في القومية العربية التي تحرك بعمق كل طبقات الشعب . أن الفترة 1952 ـ 1954 ، تشكل مرحلة الانطلاق في هذا الصراع لسببين رئيسيين :

    1 ـ فهي الفترة التي شهدت نشوء طلائع التنظيمات السياسية و النقابية .

    2 ـ و هي الفترة التي تتفق و قيام حوادث الاصطدامات الكبرى بين الحركة الوطنية و بين الاستعمار البريطاني و حلفائه .

    و الواقع أن عدة تجمعات سياسية و أيدلوجية ولدت خلال هذه الفترة . و قد بقيت مشتتة مبعثرة طيلة مرحلة الانتقال من الإدارة المباشرة إلى الاستقلال الذاتي الداخلي .

    و قد عرفت السلطات الاستعمارية كيف تبقي على الانقسام بين القوى ، و كيف توسع رقعة الخلاف و الشقة فيما بينها . و بتأثير تدخلها من جهة و تضافر الحوادث في الشرق الأوسط عام 1956 ( السويس ) و عام 1958 ( اتحاد سورية و مصر ، و ثورة العراق ) فقد عرف التياران على السواء تطورات عميقة في داخلهما . فكلاهما اخذ يعمل على التكيف مع الظروف الجديدة حتى يكسب الشعب إلى جانبه . إلا أن هذا السباق الذي كان مصحوباً بالمزايدات و بالديماغوجية ، قد عرّض التيار المعتدل لنكسات قاسية ، رغم دعم السلطات له .

    و فد اندفع قسم من القادة الشبان إلى الانفصال عن الرابطة الإسلامية بعدما لاحظوه من جمودها و عدم فعاليتها ، و أنشأوا عام 1950 رابطة أبناء الجنوب العربي (1) ، التي أصبحت تشكل مع الرابطة العدنية المنظمة الكبيرة الثانية في عدن . و أصبحت الرابطة على رأس الحركة الوطنية المعادية للاستعمار . و كانت تحظى بتأييد حزب اليمن الحرة ، و عدة منظمات اجتماعية و ثقافية . و تحت إلحاحها و تحريضها ، تشكلت عام 1953 أولى النقابات العمالية و نقابات المستخدمين . و لهذا السبب أخذت الحركة النقابية منذ البدء طابعاً سياسياً .

    و كلما ازدادت وطأت المطاليب الوطنية وضوحاً و دقة ، كلما أدرك الإنجليز أن اهتمامهم بتنفيذ مطاليب التيار المعتدل يضع بين أيديهم كفة معادلة في وجه المتطرفين . و على هذا الأساس أيدوا ( الاتحاد العدني ) ، و كانوا يطمحون من وراء ذلك إلى إنشاء قاعدة ثابتة للتيار المعتدل و تحويل أنظار الشبيبة العدنية عن التيار التقدمي الذي أصبح قوة ذات شأن و خطر .

    أما القوى الوطنية فقد كانت تجمع النوادي و الروابط و النقابات . و هي عبارة عن مجموعات منظمة نشيطة تضيق ذرعاً بالنظام الاستعماري و تقف كتلة واحدة في وجهه . وتجدر الإشارة إلى أن برنامجها قد خضع لتبدلات عميقة ، كما يبدو من خلال الصحف التقدمية ( الفجر ، البعث ، الجنوب ، العربي ) و يتلخص هذا البرنامج على الشكل التالي :

    1 ـ الدعوة الملحة إلى وحدة النوادي و التجمعات الوطنية .

    2 ـ الدعاية لاتحاد اليمن الجنوبي كما تتصوره الحركة الوطنية ، لدى زعماء القبائل .

    3 ـ الدعوة إلى الوطنية و إلى القومية العربية و إلى التخلي عن الروح العشائرية .

    4 ـ خلق حركات تعبئ الرأي العام للضغط على الإدارة البريطانية من أجل تطوير تعليم العربية و من اجل فرضها كلغة رسمية محل اللغة الإنجليزية ( على سبيل المثال : في عام 1955 هدد سائقو التاكس بالإضراب إذا لم يصبح استعمال الحروف و الأرقام العربية إلزامياً على لوحات السيارات ) .

    5 ـ تمجيد القومية العربية في جميع أشكالها و خاصة مصر رائدة القومية العربية .

    إن إحدى المظاهر البارزة لهذه الدعاية التي لفتت نظر ( ت . برنيي ) (2) هي عدم وجود مكان بارز للدين فيها . و أنها تحمل اسم القومية العربية . إن التطور الذي حصل على الصعيد الفكري بين هذا البرنامج و بين برنامج عام 1952 ، تطور واضح و كبير . فقد أصبح التركيز على الوحدة ، و على القومية العربية و على النزعة الوطنية المعادية للقبيلة و للاستعمار . و تجاوزت الحركة الوطنية الصراعات الحزبية و المحلية ، و ارتفعت الأصوات المطالبة بالقضايا السياسية و الاجتماعية . و أصبحت الإدارة الاستعمارية تصطدم بضغط الجماهير و تجد نفسها أمام ( جبهة وطنية موحدة ) تجمع القوى الوطنية ، لا أمام حزب معارض واحد . و قد كان تحالف تلك القوى و عدم توحيدها ، عاملاً في ازدياد قوتها و بأسها . إلا انه في الوقت نفسه كان يشكل عامل ضعف بالنسبة إليها .


    الجبهة الوطنية الموحدة :


    لقد قامت هذه الجبهة في نوفمبر 1955 قُبيل الانتخابات التشريعية التي جرت في 15 يناير , و قد نجحت هذه الجبهة في كسب التأييد المعنوي لقسم من التجار العرب في عدن ، بالإضافة إلى الدعم المادي للتجمعات التقليدية . إلا أن العنصر الجديد حقاً هو دخول بعض الأمراء بشكل جزئي و خجول . و ذلك بفضل مشاركة بعض قادة ( رابطة أبناء الجنوب العربي ) التي كانت تتمتع بسمعة عالية في الجبهة الوطنية الموحدة .

    و قد وضع هذا التحالف بين القوى الوطنية لنفسه برنامجاً مؤلفاً من النقاط الثلاث التالية :

    1 ـ تفشيل انتخابات 1955 و مشروع الاتحادات .

    2 ـ تشجيع المطالب العمالية .

    3 ـ انتهاج خط سياسي موحد .

    و الواقع أن الجبهة وقفت حائلاً دون نجاح سياسة ( السير نحو الحكم الذاتي ) و ذلك عن طريق تنظيم حملة لمقاطعة الانتخابات . و لم يبق في المعركة الانتخابية سوى الإدارة البريطانية و المرشحين الذين ينتسبون إلى الاتحاد العدني . و هكذا باءت الانتخابات بفشل ذريع .

    أما المشروع الاتحادي الذي طُرح من جديد عام 1956 ، فلم يكن حظه في النجاح أوفر من حظ مشروع 1954 ، و ذلك بسبب وعي و يقظة القوى الوطنية .

    و على صعيد المطاليب العمالية ، كانت النقابات تطالب بحق الإضراب و بضمان العمل و بصندوق للبطالة ، و بالتقاعد و برفع الأجور ، و تحديد حد أدنى مكفول للأجور . و كانوا يحتجون ضد التشريع الذي يشجع الهجرة إلى عدن في البلدان التابعة للكومنولث . و كانت السلطات البريطانية تدّعي من جهتها بأن تدفق الشغيلة اليمنيين يشكل تهديداً للعدنيين الذين يسعون وراء العمل ، ناسية باقي الفئات من المهاجرين المتدفقين على عدن من بلاد تحت إشراف الإدارة البريطانية . و قد دعمت الجبهة النقابات دعماً كلياً ضد إدخال الأيدي العاملة الأجنبية . و قد نظمت الجبهة بالاشتراك مع النقابات سلسلة من الاضرابات ذات طابع مهني و سياسي عام 1956 ، كانت الأولى من نوعها في تاريخ اليمن الجنوبي . و قد وجدت السلطات البريطانية نفسها تجاه شمول حركة الاحتجاجات مدفوعة إلى معالجة شكوى الطبقة العاملة بتفهم . و هكذا حصل عمال و مستخدمو الطيران المدني على زيادة في مرتباتهم . و اتخذت تدابير لحماية العمال العرب من تدفق العمال المهاجرين . و منع استيراد اليد العاملة الأجنبية . و سويت أجور المؤسسات الخاصة . و على وجه الأجمال فقد كانت حصيلة تجربة القوة جيدة و خصبة .

    و قد وضعت الجبهة الوطنية الموحدة لنفسها هدفاً نهائياً إنشاء جمهورية للساحل اليمني ذات طابع مركزي تتألف من المحميتين و من اليمن . و تكون عدن هي العاصمة مؤقتاً بانتظار سقوط الحكم الملكي في صنعاء .

    و كانت الجبهة تعتبر الطريق الموصلة لهذا الهدف تمر بمراحل ثلاث :

    1 ـ توحيد السلطنات في دولة واحدة تحكم من عدن من قبل مجلس منتخب بواسطة الاقتراع العام .
    2 ـ تخلي الإنجليز عن المستعمرة .
    3 ـ ضم اليمن فيما بعد و إعلان الجمهورية .

    غير أن الجبهة ما لبثت مع الأسف أن تصدعت بتأثير التنافس الشخصي و الخصومات قبل أن تحقق برنامجها . و الحقيقة هي أن الجبهة لم تتمكن من امتصاص التجمعات التي وحدتها في وقت ما . و مع ذلك استطاعت رغم كيانها المهدد أن تحقق انتصارات هامة جداً لمجرد كونها تحالفاً للقوى التقدمية . فقد كانت منظمة كفاح ، و قد وصل تأثيرها حتى للمعتدلين الذين وجدوا أنفسهم مرغمين على إعادة النظر في مواقفهم حتى لا يتهموا بالتخاذل و بالتخلي عن الشعب . كما كان من نتائج عملها اضطرار الإنجليز و إجبارهم على إعادة النظر في سياستهم .


    القوى المحافظة :

    يمكن اعتبار ( الرابطة العدنية ) و ( الاتحاد العدني ) لسان حال القوى المحافظة . و بقدر ما كانت الجبهة الوطنية المتحدة تجمعاً هجومياً غير متبلور التنظيم و الكيان ، كانت الرابطة العدنية تجمعاً دفاعياً يمثل :

    1 ـ البورجوازية العدنية و الطبقة التجارية الهامة المؤلفة بالدرجة الأولى من الآسيويين و الأوروبيين و بعض التجار العرب .

    2 ـ قسماً كبيراً من جهاز موظفي الدولة ، و من الموظفين في المؤسسات الأجنبية .

    و دعم هاتين الفئتين للرابطة يعود إلى دوافع سياسية و اقتصادية . فعلى الصعيد السياسي لم يكن العدنيون غير العرب بوجه خاص ، بمستعدين لوضع شؤون المستعمرة بين أيدي رجال الحركة الوطنية . و كانوا يتطلعون إلى نوع من الاستقلال الذاتي الداخلي داخل إطار العائلة البريطانية .

    أما على الصعيد الاقتصادي و الاجتماعي ، و هو العامل الأشد تأثيراً ، فقد كانت الطبقة التجارية مذعورة من اتساع نطاق المطالب العمالية و الاضرابات . فقد شل الإضراب العام الذي قادة اتحاد نقابات عمال عدن عام 1956 الحياة الاقتصادية في عدن خلال ستة اشهر . و كان عبئاً تحملت نتائجه البيوتات التجارية الكبرى . و أكثر من ذلك كانت أوساط الأعمال تربط مصير الاقتصاد بالوجود البريطاني . و بالتالي كانت ترغب في بقائه أطول مدة ممكنة لأن ذلك يتفق مع مصالحهم .

    و من جهة ثانية ، كان الموظفون و المستخدمون في البيوتات الهندية و الأوروبية ، و معظمهم من الأجانب ، يخشون من فقدان وظائفهم إذا ما انتقلت السلطة إلى أيدي العناصر العربية .

    إن هذه المواقف النابعة من المصلحة الخاصة الأنانية التي لا تحسب حساباً لشيء آخر ، كانت تخص الأوساط التي تهتم برفاهها لا بتطور البلاد و تقدمها . و كان لا بد بطبيعة الأمر أن ينشأ تقارب بين الإدارة البريطانية و بين هؤلاء المعتدلين . و عندما شعر هؤلاء بأن الأحداث قد تجاوزتهم ، حاولوا أن يُدخلوا في برنامجهم الإصلاحات الاجتماعية ، و مشروع الاتحاد مع الاستقلال الذاتي الداخلي الذي ينادي به خصومهم . و لكن في حين أن خصومهم كانوا يعتبرون الاستقلال الذاتي خطوة أولى نحو الاستقلال الكامل ، كانوا هم يعتبرونه الغاية النهائية . كما كان المحافظون يطالبون بالأمور التالية بصورة مستقلة بعضها عن بعض :

    ـ الحكم الذاتي بالنسبة إلى عدن ،

    ـ وحدة المحمية ،

    ـ جمع المستعمرة المستقلة ذاتياً مع المحميات داخل اتحاد ،

    ـ إدخال الاتحاد ضمن الكومنولث .

    تلك هي الوحدة الممكنة في نظر هؤلاء . و بتعبير آخر ، يمكن أن نقول بأن التقدميين كانوا يريدون وحدة مركزية ، أما المعتدلون فكانوا يرغبون باتحاد فدرالي فقط . و كانت انجلترا تشاطر المعتدلين وجهة نظرهم . فقد تأثرت بما للجبهة الوطنية المتحدة من جماهيرية أي من صوت مسموع لدى الجماهير ، لذلك لم تتردد في تبني البرنامج الإصلاحي و الفدرالي للرابطة العدنية .

    على أن ثمة خلافاً هاماً كان يقوم بين السلطات الإنجليزية و بين المحافظين المعتدلين ، يتعلق بالأسباب العسكرية . فالسلطات البريطانية كانت تتمسك بالاحتفاظ بعدن نهائياً خارج الدولة الجديدة . الأمر الذي ما كان في وسع المحافظين الموافقة عليه خوفاً من الاتهام بالتخلي عن جزء من أرض الوطن .

    و قد استمر الإنجليز في التمسك بوجهة نظرهم ، رغم أنها تضعف من جانب حلفائهم . و قد عوّض الإنجليز على هؤلاء الحلفاء بالمزيد من الدعم المعنوي و الدعم المالي . و قد دفع اضطراب الأمور بسبب هذا التعنت إلى مجموعة من التدابير القمعية : كإعلان حالة الطوارئ و إصدار مجموعة من القوانين .


    ..............................
    (1) محمد الجفري ( حقائق عن جنوب الجزيرة العربية ) القاهرة 1956 ص 52
    (2) مجلة افريقيا و آسيا ، العدد 44 .

    ..............................

    [align=left] .... يتبع .....
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-10-24
  9. ابو ملاك

    ابو ملاك عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-01-17
    المشاركات:
    483
    الإعجاب :
    0
    و كان إعلان حالة الطوارئ بمثابة إعلان عن عزم السلطات الاستعمارية على القضاء على الجبهة الوطنية . و قد عبّرت السياسة التي طبقتها عن هذا الإصرار ، أي سياسة إبعاد العناصر الوطنية و تعزيز جهاز المراقبة في سلطات البوليس .

    أما القوانين التي تم إصدارها نتيجة لإعلان حالة الطوارئ فتتعلق بمراقبة الصحافة و بتخويل السلطة صلاحية مصادرة و توقيف كل صحيفة . كما يتعلق بعضها الآخر بحرمان الجالية اليمنية من حق التصويت ، بالإضافة إلى قوانين تحرّم تقديم أية مساعدة للجبهة الوطنية .

    و إلى جانب هذه السياسة العنيفة ، عملت السلطات على دعم الرابطة العدنية دعماً متزايداً ، كما أنها ضغطت على أرباب العمل لدفعهم إلى تلبية مطالب العمل قدر الإمكان . إلا أن النقطة الأهم في هذه المواجهة ، هو طرح السلطات البريطانية لاحتمال انضمام اليمن إلى الدولة الاتحادية التي سيكون على رأسها ملك اليمن . و قد كانت السلطات البريطانية تهدف من وارء ذلك إلى إحداث انقسام داخل الجبهة الوطنية ، لأن القسم الأعظم من الجبهة كان ضد هذا الاحتمال و يرفض أن تكون أسرة حميد الدين و السلالة الزيدية و لو على رأس دولة اتحادية تضم اليمن . هذا علماً بأن السلطات الإنجليزية لم تكن بشكل من الأشكال تقف موقفاً مشجعاً لمثل هذه الاحتمالات .

    و الخلاصة ، فإن الأمر انتهى بحدوث انقسام داخل الجبهة بين الجناح اليساري الذي تدعمه النقابات و الذي استولى على قيادة الجبهة ، و بين الجناح اليميني الذي أصبح ممثلاً برابطة أبناء الجنوب العربي و الذي انسحب من الجبهة .
    بهذا الانقسام دخلت الحركة الوطنية في أخطر أزمة عرفتها . و إذا كانت الحركة الوطنية قد احتفظت رغم ذلك بحيويتها و نشاطها ، إلا أنها أخفقت في إعادة الالتحام إلى صفوفها . و كان ذلك طبعاً مبعث سرور لخصومها .


    أزمة الحركة الوطنية :

    لم يعمّر تحالف الجهات المعادية للاستعمار سوى أقل من ستة أشهر ، أي تماماً الوقت اللازم لمجابهة الاستفتاء الذي نظمته السلطات الاستعمارية . فمنذ شهر مارس 1956 ، بدأت انقسامات خطيرة تظهر داخل الجبهة الوطنية الموحدة . فقد اتهمت النقابات ذات التابعية اليمنية ، رابطة أبناء الجنوب العربي ، بأنها تعمل على وضع النقابات تحت إشرافها المباشر و المطلق . كما اتهمت من قبل تجمعات يمنية أخرى بالعمل من أجل فصل عدن و محميتها و محميتها عن الوطن الأم في الشمال ، و إنشاء جمهورية انفصالية في اليمن الجنوبي .

    و اتهمت الرابطة بدورها هؤلاء و أولائك بأنهم يريدون أن يقسموا الحركة الوطنية و أن يدفعوا بها ضمن اتجاه موال لليمن .
    و قد كانت لهذه الاختلافات نتائج ثقيلة الوطأة . و أخذ الخلاف طابعاً سياسياً عندما شكلت النقابات بتاريخ 3 مارس 1956 اتحاد نقابات العمال العدني ، و أعطت لهذا الاتحاد النقابي الكبير طابعاً اجتماعياً و سياسياً و عندما صدر بتاريخ 22 مارس 1956 عن رابطة أبناء الجنوب العربي تصريح مطول يشدد على شخصية الجنوب و على حقه في الاستقلال .

    و كان ذلك بمثابة الطلاق بين القوتين الوطنيتين ، هذا الطلاق الذي انتهى فيما بعد إلى حل الرابطة بينهما بعد أن يئس كل فريق من امتصاص الفريق الآخر .

    و قد استطاع اتحاد النقابات بفضل تنظيمه و تماسكه أن يسيطر بسرعة على المسرح السياسي في المستعمرة . و أن تجتمع من حوله معظم القوى الوطنية عدا رابطة أبناء الجنوب العربي . و قد كان للاضطراب العام الذي بدأ في مارس و انتهى في نوفمبر من عام 1956 و للنجاح الكبير الذي انتهى إليه ، فضل في اتساع شهرته و ازديادها . و كان من الطبيعي نظراً لفشل التشكيلات السياسية التقليدية و إفلاسها ، أن تصبح الحركة النقابية محور النضال السياسي ضد الاستعمار .

    لقد كان انغمار الطبقة العاملة في العمل السياسي شيئاً نابعاً من طبيعة الأمور ، و ليس فيه ما يدعو للدهشة . فالنقابات العمالية في كثير من البلاد المتخلفة تبدو و كأنها القوى الوحيدة التي تتمتع بسند شعبي ملحوظ و بتنظيم قوي فعال . و هذا الواقع ينطبق على عدن أكثر من أي بلد آخر . فالحركة العمالية كان لها النصيب الأكبر في الكفاح ضد الاستعمار .

    و في نفس الوقت الذي كان فيه اتحاد النقابات يشق طريق الصعود ، كانت رابطة أبناء الجنوب العربي تعاني من أزمتها الحادة بسبب انسحاب قسم من إطاراتها العليا و تفكك قيادتها . و هكذا بعد أن كانت رابطة أبناء الجنوب العربي المحرك الرئيسي للحركة الوطنية و العنصر البارز في الجبهة الوطنية المتحدة ، غرقت في تعقيدات ظروف التجزئة الإقليمية . و دفعتها شكوكها بشأن اليمن إلى تبني مواقف أعطيت صفة الانفصالية من قبل عدد كبير من قادتها أنفسهم . و بعض هؤلاء القادة استنكروا علناً ذلك و لجأوا إلى المنظمة المقابلة . و في عام 1958 لجأ رئيسها و أمينها العام إلى القاهرة تاركين ورائهما في عدن منظمة هزيلة إلى درجة لم يعد الإنجليز يحسبون لها أي حساب . أما في الخارج فقد تحولت ( رابطة أبناء الجنوب العربي ) إلى مجرد ( رابطة الجنوب العربي ) . و عند إعلان قيام الجمهورية العربية المتحدة ، ثم ( الدول العربية المتحدة ) ، حاولت الرابطة أن تعدل ميثاقها و أن تدخل فيه فقرات خاصة بالوحدة العربية و بالعلاقة بين جنوب و شمال الساحل اليمني ، و أن ترفض القومية اليمنية .

    و عندما تقرر ضم عدن إلى الاتحاد ، حاول الإنجليز جس نبض قادة الرابطة في المنفى للعودة و تشكيل الحكومة الاتحادية . إلا إنهم رفضوا هذا العرض و فضلوا الالتحاق بالمعارضة مع الإبقاء على مسافة ما بينها و بينهم .

    و بعد ثورة اليمن الجمهورية ، حاولوا أيضاً تعديل برنامجهم و موقفهم الغامض إلا أن المحاولة جاءت متأخرة . فالرابطة على الرغم من أنها استعادت بعض نشاطها ، إلا انه كان يلزمها وقت طويل و بذل جهد أكبر حتى تنهض من كبوتها و تحول الوضع إلى مصلحتها .


    الحركة النقابية :


    لقد قام اتحاد نقابات عمال عدن عام 1956 بعمل مزدوج : فمن جهة اهتم بالمسائل الاجتماعية التي تشغل العمال ، و نجح في الحصول على اعتراف شرعي بالنقابات و بحقوقها . و من جهة ثانية أخذ الاتحاد اتجاهاً سياسياً مرناً و أصبحت الجبهة الوطنية الموحدة قاعدته الناطقة باسمه . و بعد فشل العدوان الثلاثي على السويس شددا مواقفهما و كسبا الجو على حساب الرابطة العدنية التي تواطأت مع الإنجليز .

    و منذ عام 1957 أصبح الاتحاد اكبر منظمة شعبية في عدن . و أصبح له صحيفة ناطقة باسمه ( العامل ) كانت تنشر أسبوعياً مقالات مطولة حول الوضع الداخلي في الجنوب و الشمال . و قام الاتحاد بحملة عنيفة ضد الهجرة و ضد غلاء المعيشة عام 1958 . و عندما قررت السلطات في أغسطس 1960 أن تسن تشريعاً جديداً يمنع الإضراب و يفرض التحكيم في خصومات العمل ، شجبت صحيفة العامل بجرأة الترتيبات الجديدة . و على أثر الاصطدامات الدامية بين المضربين المتظاهرين و بين الشرطة ، أُغلقت الصحيفة و لوحق جهاز التحرير المؤلف في غالبيته من النقابيين ، بتهمة التحريض على مخالفة النظام . و بفضل انتساب المنظمة إلى اتحاد نقابات العمال العرب و الاتحاد الدولي ، استفادت من تضامن المنظمات العمالية في آسيا و أفريقيا و أمريكا . و علقت الصحيفة الأسبوعية الفرنسية ( النوفيل أوبسر فاتور ) على تلك الحوادث في عددها بتاريخ 7 سبتمبر 1960 بقولها :

    ( في عدن ، ينظم العمال اضراباً عاماً للاحتجاج على التعديات على الحرية النقابية ، مطالبين إنهاء الإدارة البريطانية و تنظيم استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة ) .

    و على الصعيد السياسي ، ركز الاتحاد مع الجبهة جهودهما على إزالة الاستعمار في عدن و على تحرير اليمن من النظام الملكي . و كانت دعايتهم تطالب بدمج الجنوب مع الشمال . و بقدر ما كانت تلك الدعاية تحقر الإنجليز بقدر ما كانت تسبب القلق للسلالة الزيدية التي كانت تريد أن تجنب البلاد موجة الاضطرابات التي أثارها الوطنيون في المستعمرة .

    مع نهاية المعركة الانتخابية عام 1959، تصدع التحالف الواهي الذي كان يجمع القوى التقدمية . و أخذت الجبهة موقفاً يختلف عن موقف الاتحاد الذي انعطف انعطافاً واضحاً نحو اليسار عام 1960 . و أصبح الاتحاد المركزي للنقابات في نظر الكثيرين من أبناء الجنوب المجسد الحقيقي ( للقومية اليمنية ) . و من هذه الزاوية بدأ يتعرض للنقد الشديد .

    إلا أن الذي يجب أن يقال ، هو أن الاتحاد حاول عدة مرات أن يذيب مختلف الأحزاب الوطنية في بوتقة واحدة تحت رعايته ، إلا انه لم يصادف إلا نجاحاً جزئياً و خاصة لدى الروابط التي تهيمن عليها العناصر ذات الأصل اليمني . و ضمن هذا الاتجاه قاد عملية تشكيل الاتحاد الشعبي عام 1958 و الاتحاد الوطني اليمني عام 1959 و التجمع الوطني عام 1960 و تجمع المنظمات الوطنية و الشعبية عام 1961 . و ساهم مساهمة فعالة في مؤتمر القاهرة الذي اجتمع عام 1961 و 1962 و ضم ممثلين عن (3):

    ـ النقابات العدنية ،

    ـ حركة القوميين العرب ،

    ـ الاتحاد اليمني ،

    ـ حزب البعث العربي الاشتراكي ( فرع اليمن الجنوبي ) .

    و قد حاول المؤتمرون أن يخلقوا جبهة وطنية جديدة إلا أنهم لم ينجحوا في ذلك . لذلك قرر الاتحاد المركزي للنقابات عشية مؤتمر لندن في يوليو 1962 تأسيس حزب جماهيري . و هكذا تم نشوء ( حزب الشعب الاشتراكي ) . و خلال ذلك كانت الجبهة الوطنية الموحدة قد زالت و لم يبق لها وجود . و قد قام ( حزب الشعب الاشتراكي ) بحملة عنيفة ضد المشروع الاتحادي الذي طرحته السلطات . و على الرغم من التدابير القمعية ، نجح في تعبئة الرأي العام الداخلي و الخارجي ضد السياسة الإنجليزية . إلا أنه فشل في تجميع قوى المعارضة من حوله ، بل و زاد في خصومتها له .


    الاتجاهات الراهنة :

    الخلاصة إننا نستطيع أن نميز على ضوء الاختلافات التي رافقت الكفاح الخصب الذي امتد على عشر سنوات ، الاتجاهات الخمسة التالية :

    1 ـ الإقليمية الضيقة : التي يحرص عليها العدنيون المحافظون و غالبية الأمراء . و هي تقوم على المحافظة على التجزئة المحلية . و قد كانت السلطات الاستعمارية في البدء تشاطرهم وجهة نظرهم . إلا أن هذه السلطات بدأت تدرك مع تطور الوضع العربي خطر النزعة الانفصالية و التشتت . فأعادت النظر في سياستها و بدأت بتشجيع تجميع الإمارات داخل اتحاد فدرالي ، ثم بتشجيع ضم عدن إلى الاتحاد من أجل إجهاض الاتجاهات الفكرية و تزوير الاندفاعات الوطنية .


    2 ـ الإقليمية الواسعة : و قد كانت خلال فترة من العمل الوطني تتمتع بتأييد جميع القوى التقدمية . و هذه الإقليمية الواسعة تتجاوز حدود عدن و محميتها لتضم الساحل العربي بما في ذلك اليمن . و هي تعتمد في نظرتها على منطلقات جغرافية و تاريخية و بشرية عرقية .


    3 ـ النزعة الوطنية اليمنية : التي كانت تجعل من اليمن محور العمل الوطني و تعترف له بالأولوية و بالقيادة . و كانت هذه النزعة تلقى تأييدا من قسم من العمال و من صغار التجار و من الطليعة المثقفة الذين ينحدرون من أصول يمنية . كما كان ( حزب الشعب الاشتراكي ) رائد هذه النزعة . الأمر الذي أثار شكوك العناصر الجنوبية التي كانت تمثلها رابطة الجنوب العربي ، و التي كانت ترفض رفضاً قاطعاً إلحاق الجنوب باليمن ، و تقول بالتقارب بينهما شرط رفع فكرة الإلحاق . و قد أعطت هذه العناصر المجال لنشوء حركة وطنية خاصة بالجنوب .


    4 ـ النزعة الوطنية الجنوبية : و هي تعمل على جعل عدن و محميتها كياناً مستقلاً ذا سيادة . و قد كانت هذه النزعة تجد في رابطة الجنوب العربي حليفاً لها ، كما كانت تعتمد على تأييد البرجوازية الوطنية الناشئة و على قسم من المثقفين و على السلاطنة . و كانت انجلترا تدعم هذه النزعة سراً ، و كانت تستعد لوضع السلطة في يدها يوماً ما ، لأنها كانت تتخذ منها وسيلة لمقاومة القومية اليمنية و القومية العربية .


    5 ـ القومية العربية : إن شعب اليمن الجنوبي شديد الحساسية للقومية العربية . و باستثناء أصحاب النظرة الإقليمية الضيقة ، تشكل القاسم المشترك لجميع الاتجاهات الأخرى بدرجات و نسب متفاوتة تتراوح بين رفع الشعار و بين الالتحام الكلي بحركة القومية العربية .


    إن لكل اتجاه من الاتجاهات السابقة أشياعه و جهاز دعايته الذي تتولاه الأحزاب السياسية . و هذه الأحزاب السياسية تنتشر بين الجماهير دون أن تعلن عن برامج محددة ، و تطغى عليها اللفظية أي لغة الشعارات ، و هي حسب التعبير الماركسي ( أحزاب البرجوازية الصغيرة ) .


    ..............................
    (3) قحطان الشعبي ( الاستعمار البريطاني و معركتنا في الجنوب اليمني المحتل ) القاهرة 1962​
    .............................

    .................... يتبع .......................​
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-10-30
  11. ابو ملاك

    ابو ملاك عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-01-17
    المشاركات:
    483
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: كتاب (( اليمن الجنوبي )) ، وثيقة تاريخية هامة للغاية لكل مهتم بتاريخ المنطقة .

    الفصل السادس


    الأحزاب السياسية



    إن الأحزاب السياسية في الغرب تقوم بوجه عام بشكل رئيسي على المصالح المحددة تحديداً واضحاً للزمر الاجتماعية . و في معظم بلدان العالم الثالث ، و في العالم العربي بوجه خاص ، توجد مثل هذه الأحزاب ، إلا أنها تبدو دونها تبلوراً . فالسياق التاريخي لهذه البلاد يجعل مفهوم الحزب القائم على أساس الطبقات الاجتماعية المتميزة شيئاً لا يتفق مع الواقع الداخلي لهذه البلاد ، لا سيما في اليمن الجنوبي .

    فقد لاحظنا من خلال الفصول السابقة أن الرأي العام في اليمن الجنوبي ينقسم إلى اتجاهات و زمر غير مستقرة و غير ثابتة . لأن الشعب في غالبيته ما يزال يعيش ضمن وسط عشائري تتشكل على هامشه الطبقات الاجتماعية الجديدة التي لم تأخذ بعد طابعاً محدداً . بالإضافة إلى ذلك ، فان الشعب تنقصه التربية السياسية و المدنية . فالفئات الهامشية المتمركزة في المدن و خاصة في مستعمرة عدن وحدها تملك ثقافة أولية من هذا النوع بفضل تعميم التعليم و بفضل الصحافة و المذياع و الدعاية الوطنية

    فلا مجال إذن إلى القول بأن هناك وعياً طبقياً أو حساً سياسياً متطوراً لدى الشعب و خاصة في المحمية . صحيح أننا نعثر في عدن على منظمة عمالية نشيطة كانت مصدر نشوء تنظيم سياسي عل صورة قاعدته الاجتماعية التي لا شك في أنها بروليتارية و فلاحية ، إلا أنها دوماً ذات أصول قبلية عشائرية . كما كان لظروف الكفاح المعادي للاستعمار أكثر مما كان لوجود وعي طبقي حقيقي الفضل في حدوث تلك التغيرات المفاجئة .

    و هذه الملاحظة تصح أيضاً على باقي التنظيمات التي تهيمن على المسرح السياسي . فداخل الأحزاب السياسية لا نعثر على عنصر اجتماعي خاص ، بل نجد أنفسنا أمام عدة فئات اجتماعية داخل الحزب الواحد . فالنضال من اجل الاستقلال لا يمكن أن يكون من صنع طبقة اجتماعية واحدة . بل هو من صنع شعب بأكمله .

    و هكذا يمكن أن نتساءل فيما إذا كانت توجد أحزاب بالمعنى الصحيح في اليمن الجنوبي ؟

    إذا أخذنا بعين الاعتبار المقياس الأوروبي ، أي الصيغة التقليدية للأحزاب في البلاد الديمقراطية الرأسمالية ، وجدنا أن اليمن الجنوبي يعيش مرحلة ما قبل نشوء الأحزاب . أما إذا نظرنا إلى الوسط الاجتماعي الخاص باليمن الجنوبي و نظرنا نظرة اشمل إلى الواقع العربي بشكل عام ، كان جوابنا إيجابياً . و هذا لا يمنع من القول بأن عدن و محميتها ما تزال في المرحلة الأولى من مراحل التطور ، و أن الخط الفاصل بين المجموعات المنظمة و الأحزاب السياسية بالمعنى الدقيق للكلمة ، ما يزال فيها سابقاً لأوانه . فالمعيار الرئيسي الذي يميز بينهما هو وجود ( المنظمة ) . فالحقيقة أن أي تشكيل مزود بجهاز سياسي منظم و ببرنامج ، يستطيع أن يعتبر نفسه قائماً كحزب . و في اليمن الجنوبي توجد عدة تجمعات تطالب بهذا الحق . و هي تطلق على نفسها صفة الحزبية و تعمل على أساس أنها أحزاب .

    و سنقف من هذه الأحزاب على أربعة تعتبر أهمها . لأن ما تبقى هي في الحقيقة تجمعات صغيرة ، أما فيما يتعلق بالبرنامج ، فهناك خطوط عامة و ليس هناك برامج محددة و متناسقة . أما فيما يتعلق بالتركيبات الاجتماعية ، فهناك إلى جانب البرجوازية الوطنية و الأجنبية ، الموظفون الوطنيون ، و المثقفون ، و العمال و القبائل .

    حزب المؤتمر الشعبي :

    لقد نشأ هذا الحزب عن الرابطة العدنية ، و هو يعتبر نفسه الوريث الطبيعي لها . و هو يتميز بطابعه ( العائلي ) بحكم سيطرة عائلة ( لقمان ) عليه . و هذه الأسرة ( التي تعتبر مؤسسة لهذا الحزب ) تملك صحفاً ثلاثاً : ( فتاة الجزيرة ) ، ( القلم العدني ) ، و ( يوميات عدنية ) . و قد حمل هذا الحزب لواء الدفاع عن ( الكيان العدني ) . أما برنامجه ، فقد عرض عرضاً غامضاً في نشرة للدعاية تحت عنوان : ( أهذا كتاب أبيض ) . و كاتب هذه النشرة (1) ، و هو احد قادة الحزب ، يعتبر نفسه ناطقاً باسم شعب عدن . و يتحدث عن التقدم الذي حصل في المستعمرة و عن تأخر محميتها ، و عن التمييز السياسي بين شطري البلاد ، و عن عدم التكافؤ في التطور الاقتصادي فيما بينهما . ثم يشجب باسم الوحدة الإقليمية لعدن ، عملية انتزاع جزر البريم و كوريا موريا . و ينتقد الطريقة التحكمية التي تمت بواسطتها عملية إدخال عدن في اتحاد الجنوب العربي . و لا يمنعه ذلك من استخلاص نتيجة تؤكد على ضرورة مساعدة عدن الفنية لمحميتها الفقيرة .

    و هكذا فإن برنامج حزب المؤتمر الشعبي يعارض الحل الفدرالي لأنه في زعمه ينتزع من العدنيين حقوقهم و يعيق سيرهم نحو الديمقراطية ، و لأنه يخشى أن يعطل الحل الفدرالي فرص حصول عدن على استقلالها . لذلك فإن حزب المؤتمر الشعبي يطالب بما يلي :

    1 ـ بانتخابات تشريعية عامة تقتصر على المستعمرة .

    2 ـ تشكيل حكومة وطنية عدنية مسؤولة أمام المجلس التشريعي المنتخب .

    3 ـ بحصر مهمة هذه الحكومة في نقطتين رئيسيتين : تطبيق حق تقرير المصير و إعلان الاستقلال .

    و بكلمة أخرى ، يطالب الحزب بدولة عدنية تتمتع بالسيادة الكاملة تصبح عضواً في الكومنولث . و شعاره المألوف ( عدن للعدنيين ) أما موضوع الاتحاد فلا يأتي إلا بعد أن يتحقق هذا الهدف ، و عندئذ تفاوض عدن المستقلة الاتحاد الذي يكون بدوره قد استكمل سيادته من اجل الاندماج ضمن صيغة مرنة كونفدرالية . أن حزب المؤتمر الشعبي ينطلق من إطار التجزئة ، لذلك فهو يلقى دعماً من عناصر الأقلية العدنية ذات الأصول الأجنبية التي تخشى من طغيان العناصر العربية ، و التي تتجمع في عدة منظمات و جمعيات لتأمين حماية مصالحها . و هي مدعومة من البيوتات التجارية الأوروبية و الهندية التي تمول نشاطها من أجل إعاقة نشاط البرجوازية الوطنية التي تحاول استبعاد الرأسمال الأجنبي .

    و قد بقيت السلطات الإنجليزية تساند نشاط الأقلية حتى عام 1961 ، حيث تبين لها أن التجزئة التي تعمل الأقلية على تثبيتها ، لم تعد شعاراً واقعياً . ثم جاءت الضرورات الستراتيجية و مقتضيات السياسة العليا الخارجية ، لتحدث تحولاً في موقف هذه السلطات . و كان الحزب الوطني الاتحادي الوليد الثاني للرابطة العدنية و المستفيد الأكبر من هذا التحول .


    الحزب الوطني الاتحادي :

    أمام اللغط الذي كان يصدر عن العناصر العدنية المعادية لدمج عدن ، لم تتردد السلطات البريطانية في خلق حزب جديد مؤيد للسياسة البريطانية . و قد كانت ولادة الحزب الوطني الاتحادي في الحقيقة تعبيراً عن رغبة الإنجليز في إسباغ مظهر شرعي على الدمج . و قد كان زعماء هذا الحزب هم الذين وقعوا اتفاقيات لندن ، و شكلوا أول حكومة مستقلة في دولة عدن .

    كان برنامج الحزب الوطني الاتحادي يتطابق تماماً مع برنامج وزارة المستعمرات . فقد نادى بتعاون وثيق مع الأمراء و بالمحافظة على المصالح الاقتصادية و الحربية لبريطانيا العظمى . إلا أنه كان خلال المفاوضات مركز على التفاوت الاقتصادي بين عدن و المحمية ، و يعتبر التفاوت نتيجة لتمايز التطور الدستوري بينهما . و هكذا استطاع أن يحمل الأمراء على قبول مبدأ اعتبار عدن كياناً خاصاً داخل إطار اليمن الجنوبي السياسي و الاقتصادي الذي يشكل مجالاً حيوياً أكثر اتساعاً . كما انه طالب بتطمين العدنيين الأجانب بحيث أن يكون الدمج مصحوباً بشروط تضمن لهم حقوقهم . و حصل لعدن على تمثيل قوي داخل المؤسسات الفدرالية . و على عكس حزب المؤتمر ، رفض الحزب الوطني الاتحادي ان يتبنى فكرة حصول المستعمرة على الاستقلال . و كان يرد على أصحاب هذه الفكرة بأن عدن ما تزال دون مستوى القدرة على تشكيل دولة ذات سيادة . و يضيف إلى ذلك بأن هذه الدولة لن تصمد طويلاً أمام هجمات القوى الوطنية ، و أن اتحاد الجنوب العربي بدون عدن ، لا بد أن يتفكك سريعاً . فلإنقاذ عدن و الاتحاد معاً من الوطنية المتطرفة لا بد من دمجهما . و هنا تظهر المطابقة بين دعوى الحزب و بين المخطط البريطاني .

    إن الحزب الوطني الاتحادي منظمة ممالئة للإدارة الاستعمارية ، و هو إلى جانب الدعم المالي الضخم الذي يأتيه من قبل السلطات يحظى بدعم رجال الأعمال الطامحين إلى الحصول على عقود تجارية مع الحكومة الاتحادية و مع الزعماء المحليين . و كذلك بتأييد قسم من جهاز الموظفين الرسميين و قسم من العدنيين العرب .

    و بصورة عامة ، يمكن تصنيف الحزب الوطني الاتحادي مع حزب المؤتمر الشعبي ، كممثلين للقطاع المؤيد للملكة المتحدة رغم اختلاف موقفهما نسبياً . فالحقيقة أن تخلي السلطة عن حزب المؤتمر ليس إلا ظاهرياً . فالعالم كله يعرف بأن السلطة تدعمه بصورة خفية ، و بأن الولايات المتحدة الأمريكية تقدم له مساعدة كبيرة . فالانجلو ساكسون يريدون أن يجعلوا من هذا الحزب أداة للضغط على الوطنيين لإرغامهم على التسليم بموضوع القواعد .

    ربما أن الأحزاب التقدمية لا مقاعد لها في المجلس ، فإن حزبي المؤتمر و الوطني الاتحادي ، كانا يمنيان النفس بأن يلعبا دور حزب السلطة و حزب المعارضة . و كان البريطانيون يغتبطون و يعتزون برؤية صورة مصغرة لمجلس العموم تتجسد في المجلس التشريعي ، و يعتبرون ذلك دليلاً على نجاح سياستهم في إنهاء الاستعمار . و الغريب في الأمر ، أن قسماً كبيراً من الرأي العام الإنجليزي كان يعتقد على ما يبدو بهذه الأسطورة ـ المهزلة ـ و أقل ما يمكن أن يقال بهذا الشأن هو أن هذا الجانب من الرأي العام كان ضحية دعاية فارغة موغلة في الادعاء . و يكفي للدلالة على ذلك التذكير بأن المجلس التشريعي قد تم انتخابه من قبل 26 في المئة فقط من مجموع الناخبين . و أنه ليس من المنطق في شيئ أن يُعترف له بأي صفة تمثيلية ، طالما أن 74 في المئة من الناخبين قد امتنعوا عن التصويت من اجل شجب هذه الصفة التمثيلية . و هنا تكمن قوة الأحزاب الوطنية ( رابطة الجنوب العربي و حزب الشعب الاشتراكي ) التي حاول الإنجليز أن يكتموا أصواتها بواسطة التدابير القمعية البوليسية القاسية . و لكن على الرغم من ذلك ، نجحت الأحزاب الوطنية في أن تشل القوى الممالئة للإنجليز . و هذا هو السر الذي جعل بريطانيا تعتمد على الأمراء المحليين الرجعيين الذين جعلتهم يشكلون جبهة في محاولتها تحطيم المقاومة الوطنية أكثر من اعتمادها على منظمات قيد التلاشي السريع كحزب المؤتمر و الحزب الوطني الاتحادي .


    رابطة الجنوب العربي :

    لقد عارضت رابطة الجنوب العربي المشروع الاتحادي البريطاني و الكيان العدني منذ البدء ، و حرضت عام 1957 ـ 1958 سلطان لحج و نقيب يافع السفلى ، على رفض المخطط الذي رسمته وزارة المستعمرات لتجميع الإمارات . و كان من نتائج ذلك إبعاد قيادة الرابطة و إزاحة الأمراء المتصلبين في موقفهم عن مناصبهم . و قد حاولت الرابطة في نوفمبر 1958 أن تنشئ حكومة في المنفى بمساعدة البلاد الشقيقة . إلا أن المحاولة باءت بالفشل نظراً لمعارضة اليمن (2) .

    لقد أخذت رابطة الجنوب العربي على اتحاد الجنوب العربي طابعه المعادي للقومية العربية و كونه لم يأت نتيجة استشارات . فهو في نظر الرابطة مناورة هدفها الإبقاء على السيطرة البريطانية و على حالة التجزئة المصطنعة في البلاد و هي تعتبر مؤسسي الدولة الاتحادية مجرد موظفين مأجورين للسلطات البريطانية و بالتالي فإنها لا تعترف لهم بأي أهلية حقوقية تخولهم صلاحية عقد معاهدات تحدد مصير البلاد .

    و الخلاصة ، فإن اتفاقيات 1959 و 1962 ليست لها صفة شرعية في نظر الرابطة ، لأن المفاوضين لم يكونوا ممثلين ، و لأن تكافؤ القوى كان مفقوداً .

    أما برنامج الرابطة فينص على اعتبار عدن و محميتها تشكلان كياناً واحداً غير قابل للقسمة . كما ينص مقابل الدولة الاتحادية التي لا تقوم على أسس صحيحة ، على إنشاء دولة مركزية موحدة . و قد أوضحت وجهة نظرها في مذكرة قدمها إلى هيئة الأمم المتحدة في نهاية عام 1962 ، حيث تقترح :

    1 ـ بوضع اليمن الجنوبي لمدة سنتين تحت وصاية لجنة دولية مؤلفة من ممثلين عن البلاد غير المنحازة .

    2 ـ بتحويل الإدارة إلى الوطنيين تحت إشراف لجنة دولية .

    3 ـ بالاعتراف بحق شعب اليمن الجنوبي في تقرير مصيره و بضمان تطبيقة على كل أنحاء البلاد .

    4 ـ و أخيرا بإنشاء مجلس تأسيسي منتخب بالاقتراع العام المباشر تكون مهمته الأساسية وضع دستور للبلاد و إعلان استقلالها .

    إلا أن هذا الحل لم يكن يملك أسباب النجاح . فالهيئة الدولية نظراً للصعوبات التي تواجهها في مناطق أخرى حساسة أيضاً ، لم تكن تميل إلى تحمل مثل هذا العبء الجديد . و من جهة أخرى ، فإن الحكومة البريطانية و الحكومة اليمنية و حزب الشعب الاشتراكي ، و هي الهيئات التي لا يمكن حل المشكلة بدون اتفاقها ، لم تكن موافقة على التدخل الدولي .


    و كانت رابطة الجنوب العربي ترفض كل مطلب و كل مسعى لإلحاق اليمن الجنوبي باليمن . إلا أنها لم تكن ترفض فكرة التقارب مع اليمن عندما يحصل اليمن الجنوبي على سيادته كاملة . و كانت تتطلع إلى اتحاد حر بين الدولتين يتم نتيجة مفاوضات متبادلة . أما المهمة العاجلة فهي في رأيها التحرر من السيطرة البريطانية ، و عندما يتم الحصول على الاستقلال ، يمكن توثيق الارتباط ما بين الشمال و الجنوب على ثلاث مراحل :

    1 ـ تدعيم الدولة الوطنية في اليمن الجنوبي .

    2 ـ توحيد الساحل العربي ضمن إطار واسع .

    3 ـ تشجيع دمج و توحيد الشمال و الجنوب ضمن مجموع أكبر على غرار الجمهورية العربية المتحدة .

    و في حالة استمرار اليمن في معارضة انبثاق دولة متحررة في الجنوب ، فإن رابطة الجنوب العربي تطالب باستفتاء الشعب تحت إشراف الأمم المتحدة .

    ثمة ملاحظتان تجدر الإشارة اليهما بصدد موقف رابطة الجنوب العربي ، سواء بالنسبة إلى الاستعمار أو بالنسبة للحركة الوطنية في اليمن . الملاحظة الأولى ، تتلخص في أن برنامج الرابطة يتفق في عدة نقاط مع مخطط وزارة المستعمرات . فقد تبين لنا أن المملكة المتحدة قد سبق أن باشرت عملية تجميع دول الأمراء و عدن من اجل إنشاء دولة اتحادية تمنحها الاستقلال . فالفرق بين وجهة نظر الرابطة و وجهة النظر البريطانية يتلخص في أن بريطانيا ترفض :

    1 ـ فكرة انتخابات مسبقة ،

    2 ـ الاعتراف بحق تقرير المصير ،

    3 ـ المعاهدات و الاتفاقيات التي تؤدي إلى إزالة القواعد و جلاء القوات البريطانية .

    ما عدا ذلك فإن وجهتي نظر الرابطة و السلطة الاستعمارية تتفقان في الهدف النهائي الذي هو حصول البلاد على سيادتها الدولية .

    أما الملاحظة الثانية ، فتتعلق بموقف الرابطة من اليمن ، ذاك الموقف الذي يعتمد على التمنيات . فهي لا تتصور وحدة الجنوب و الشمال إلا بعد الاستقلال . و تعتبر كل محاولة قبل ذلك أمرا لا يجوز التفكير به . فهناك مرحلة انتقالية طويلة الأمد لا بد منها في رأيها ، تتم خلالها عملية القضاء على عقبات الوحدة قبل الوصول إليها .

    إن هذا الموقف قد جعل رابطة الجنوب العربي تتعرض لتهجمات عنيفة من قبل الحكومة اليمنية و خاصة من قبل حزب الشعب الاشتراكي . و اتهمت بأنها تلعب لعبة الاستعمار و التجزئة .

    إن رابطة الجنوب العربي هي أقدم منظمة في عدن و محميتها . و قد شهدت في البدء ازدهارا كبيراً . إلا أنها تعرضت منذ عام 1956 إلى هزات و أزمات متلاحقة أدت إلى عدة انقسامات ذات طابع يساري في قيادتها . و قد نالت الانسحابات التي شملت قسماً من جهاز الرابطة القيادي ، من قوة الرابطة . و قد انضاف إلى هذا الخلل الذي لحق بتكوين الرابطة ، تهديم السلطات لما تبقى من جهازها ، و مصادرة صحيفتها الناطقة باسمها بعد إبعاد قادتها الرئيسيين .

    و على الرغم من هذه النكسة ، فإن الرابطة ما تزال تتمتع بشعبية لدى الأوساط الوطنية التقليدية ، و لدى بعض القبائل ، و كذلك لدى سكان الريف في المحمية ، و خاصة لدى البرجوازية الوطنية الناشئة . فقد اقتربت هذه الطبقة من الرابطة لأنها وجدت الأفكار الاشتراكية لدى حزب الشعب الاشتراكي فعالية في الثورية ، و تثير القلق .


    حزب الشعب الاشتراكي :

    إن حزب الشعب الاشتراكي هو دون شك أهم المنظمات ، لا في عدن فحسب ، بل في الجزيرة العربية بوجه عام . فهو الوريث الشرعي للجبهة الوطنية الموحدة . و قد تأسس عام 1962 من اجل مقاومة المشاريع البريطانية . أما مؤسس هذا الحزب فهو اتحاد نقابات عمال عدن ، الذي حاول أن يتجنب أخطاء الحركات الأخرى بشكل جعله مركزاً حزبياً لجميع الذين انشقوا عن المنظمات المتنافسة .

    إن حزب الشعب الاشتراكي يدين الوجود البريطاني في اليمن الجنوبي ، و يدين الاتحاد الذي يجد فيه محاولة موجهة لفصل الجنوب نهائياً عن الشمال . و يطالب بإرجاعه إلى الوطن الأم . و كل حركة تحاول بشكل أو بآخر أن تقف عقبة في وجه هذه العودة ، تعتبر حركة انفصالية . و هذا ما حصل بالنسبة لحزب المؤتمر الشعبي و للحزب الوطني الاتحادي ، و إلى حد ما لرابطة الجنوب العربي . إلا أن هذه الأحزاب ترد التهمة و خاصة الرابطة التي تحمّل حزب الشعب الاشتراكي مسؤولية شطر الحركة الوطنية .

    أما برنامج الحزب فيدعو إلى أفكار وحدوية متقدمة كثيراً ، إلا انه مطبوعة بطابع يمني واضح و صريح يتهمه خصومه بأنه طابع توسعي . و يتضمن برنامج الحزب النقاط الأساسية الثلاث التالية :

    1 ـ زوال الاستعمار بشكل كلّي و فوري ، و كذلك القواعد المرتكزة على المعاهدات غير المتكافئة .

    2 ـ رفض تكوين كيان خاص باليمن الجنوبي .

    3 ـ التعجيل في إعادة ربط الجنوب المحتل بالشمال المتحرر .

    إن هذا البرنامج يقلل من أهمية الصفة الوطنية لليمن الجنوبي ، و يصطدم تحقيقه من جهة أخرى بعدة عقبات أهمها :

    1 ـ عداء الأمراء ، و الأحزاب العدنية المدعومة من السلطة الاستعمارية .

    2 ـ معارضة رابطة الجنوب العربي .

    3 ـ تأرجح الموقف الشعبي .

    و الحقيقة انه ، لا الأمراء ، و لا حلفائهم الإنجليز ، عازمون على تقديم عدن و محميتها إلى اليمن على طبق . أما العدنيون ، فعواطفهم الانفصالية معروفة منذ زمن طويل . كذلك فإن رابطة الجنوب العربي ترتاب في موقف حزب الشعب الاشتراكي و تخشى أن يجعل من القومية اليمنية شعاراً للمزايدة يفرضه على شعب اليمن الجنوبي رغم أنفه ، و أن يتجاهل التطلعات الحقيقية لهذا الشعب .

    كما أنها تعتبر تصلب حزب الشعب الاشتراكي عاملاً في تقوية النزعات الانفصالية على حساب الوحدة الوطنية .

    و هذه الحجج صحيحة إلى حد بعيد . ذلك لأن الإقليمية هي دوماً مغروسة في أذهان الناس و لأن الناس ما يزالون غير مالكين لصورة المستقبل بشكل محدد ، لسبب بسيط و هو أنهم لم يُسألوا عن رأيهم بعد حول مستقبل البلاد . لذلك كان مجال عمل الحركة المؤيدة للدمج العضوي مع اليمن التي يبعثها حزب الشعب الاشتراكي ، مقتصراً على عدن . فلا يكفي أن يقال بأن شعب اليمن الجنوبي في أكثريته الساحقة يرغب الدمج . بل يجب أن تعطى له الفرصة ليعبر بوضوح عن رأيه و عندئذ يُعرف رأيه . و ليس غير اللجوء إلى الاستفتاء يمكن أن يقرر شيئاً حاسماً بالنسبة إلى المستقبل .​



    .............. يتبع ................​
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-11-05
  13. ابو ملاك

    ابو ملاك عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-01-17
    المشاركات:
    483
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: كتاب (( اليمن الجنوبي )) ، وثيقة تاريخية هامة للغاية لكل مهتم بتاريخ المنطقة .

    إلى جانب الحركة المؤيدة لليمن ، توجد في حضرموت حركة موالية لوحدة المنطقة الشرقية و استقلالها ، و مناهضة لمبدأ الالتحاق باليمن .

    و الحقيقة انه منذ اكتشاف البترول في المنطقة الشرقية ، أصبحت فكرة المناداة بحضرموت دولة مستقلة ، ذات إغراء كبير بالنسبة إلى السلاطين ، يؤيدهم في ذلك معظم سكان المنطقة ، كما يلقون تشجيعاً على هذه الفكرة من الإنجليز بشكل خفي . و يكفي أن تأتيهم الفرصة السانحة حتى يعلنوا استقلالهم .

    و هكذا فإن خصوم حزب الشعب الاشتراكي و معارضيه يملكون أسلحة متعددة لمحاربة مشروعاته ، و يطمحون إلى قلب الوضع لمصلحة اليمن الجنوبي . و عندئذ ينتصر المخطط البريطاني الذي يسعى قبل أن تنسحب انجلترا من المنطقة ، إلى تكريس الانفصال النهائي بين الشمال و الجنوب .

    و يبدو أن حزب الشعب الاشتراكي قد أدرك ذلك ، لذلك تحول عن موقفه الأول ، و أعلن استعداده للموافقة على استقلال عدن و المحمية . و يطالب بحق تقرير المصير . و يبدو من خلال ما كتبته صحيفة أسبوعية في الكويت ( 2 ) ، إن الحزب قد عقد اتفاقاً مبدئياً مع حزب العمال البريطاني بموجبه يلتزم هذا الأخير بحق شعب اليمن الجنوبي بتقرير مصيره بنفسه عندما يصبح في السلطة . و بالمقابل يقبل حزب الشعب الاشتراكي بمبدأ تأجير قاعدة عدن للبريطانيين لمدة محددة .

    و يعتبر ذلك تراجعاً هاماً بالنسبة لمواقف الحزب السابقة . إلا أن حزب الشعب الاشتراكي لا يتوقف رغم ذلك عن متابعة حملته من أجل الرجوع إلى الوطن الأم . و هو يعتمد من أجل كسب الرأي العام في الداخل بوجهة نظره ، على جهاز دعايته الذي نجح في كسب الرأي العام في عدن . و هو يظهر واقعية سياسية كانت أول نتائجها الطبيعية ، التقارب بينه و بين رابطة الجنوب العربي . فقد قرر الطرفان (3) إنشاء جبهة موحدة ضد السلطتين الاستعمارية و الاتحادية . و عندما تقوى هذه الجبهة لا بد أن يكون لها تأثير ايجابي على ازدهار الحركة الوطنية .

    إن حزب الشعب الاشتراكي يملك في عدن قاعدة شعبية ضخمة . و تتألف جماهير الحزب من طبقة العمال و من فئات المستخدمين و صغار الموظفين و التجار و الشبيبة المثقفة . إلا أن دعامته الأساسية دوماً في اتحاد نقابات عدن . كما أن لحزب الشعب الاشتراكي تأثيراً كبيراً في أوساط المهاجرين اليمنيين الذين يعيشون في عدن . و هو يشكل مع رابطة الجنوب العربي المعارضة الوطنية التي عبرت عن نفسها من خلال الانفجارات الشعبية و من خلال الثورة المسلحة . و في عدن نفسها عمت الاضطرابات و المظاهرات الجماهيرية و العصيان المدني ، و أعلن اتحاد العمال عن عزمه على مقاومة السياسة البريطانية لحكومة المحافظين بكل الوسائل الممكنة ، بما فيها الاغتيالات التي تعددت و اشتدت . و قد تسربت الاضطرابات إلى الداخل بسرعة حيث نجحت جبهة التحرير القومية (4) في إثارة القبائل ضد الإنجليز و الأمراء في ( ردفان ) ( إمارة الضالع ) و في يافع . و قد تصدت السلطات بعنف لموجة الهجوم هذه ، و بذلت جهداً كبيراً من أجل القضاء على المعارضة و تحطيم أداتها . و اشتركت القوات الاتحادية و الإنجليزية في إخماد ثورة القبائل . و أصبح استخدام الطائرات المطاردة و قاذفات القنابل شيئاً مألوفاً . و قد جرى قذف و تدمير عدد كبير من القرى . و كان الطيران الملكي يطارد الثوار اللاجئين إلى الجبال أو في المناطق المتاخمة لليمن . و بحجة تدخل اليمن في الشؤون الداخلية للاتحاد ، قامت وحدات الطيران بغارات على الجبهة اليمنية في حريب ، و توجهت تعزيزات من انجلترا و ألمانيا إلى إمارة الضالع لدعم الجيش الاتحادي . و رغم ذلك فإنها لم تتمكن من القضاء على الثورة .

    و على وجه الاجمال ، فإن العمل المركز الذي قام به الوطنيون الذين حققوا فيما بينهم مصالحة جزئية في المستعمرة ، و الثورة في الداخل ، قد هزت بعنف ركائز الدولة الاتحادية و أزعجت الإنجليز كثيراً . و أصبح موضوع تعميم العمل المسلح على جميع أنحاء البلاد هو مركز الاهتمام . إلا أن جدوى هذه الخطوة الشاملة بدت رهناً باتفاق المنظمتين الرئيسيتين سلفاً من أجل تنظيم و دعم مشترك لهذه الحملة . لأنه على الرغم من أن حزب الشعب الاشتراكي و رابطة الجنوب العربي هما هيئتان معاديتان للاستعمار و وطنيتان ، إلا أنهما تصدران على صعيد المبادئ عن وجهتي نظر متقابلتين و متباعدتين . علماً بأنهما على صعيد الموقف العملي يجمعهما هدف توحيد الشمال و الجنوب . و بكلمة واحدة فإن خلافاتهما سطحية و تتناول الوسائل لا الغايات .

    و على الرغم من اختلاف مواقف الأحزاب ، فهي بوجه عام تتفق على إدانة الاستعمار و في هدف تحرير البلاد . فالاحزاب الليبرالية ( حزب المؤتمر الشعبي و الحزب الوطني الموحد ) كانت تفهم الاستقلال من خلال مفهوم التعاون المتبادل مع الإنجليز ، و لا ترى ضرورة لأن يكون الاستقلال مصحوباً بقطيعة مع بريطانيا . فهو يمكن أن يكون المحطة الأخيرة في مراحل انحسار الاستعمار . و قد كان الأمراء يؤيدون وجهة النظر هذه . أما الاحزاب الوطنية فقد كانت تتطلع حسب تعبيرها إلى تخليص المنطقة من النفوذ الانجليزي مرة واحدة بواسطة العنف .

    إن مفهوم التحرير بالنسبة ( للجنوبيين ) يعني تحرراً كاملاً يؤكد شخصية الجنوب دون أن يؤدي ذلك إلى استبعاد إقامة علاقة وثيقة مع اليمن بعد الحصول على الاستقلال . و هم يعتبرون مفهومهم هذا نموذجاً صالحاً للتطبيق في نطاق الوحدة العربية . فالوحدة تتوقف على حصول كل بلد عربي على استقلاله السياسي و الاقتصادي .

    أما ( الشماليون ) فيعتبرون التحرير مرحلة ضرورية و كافية لتحقيق الوحدة غير المشروطة مع اليمن . و يعتبر حزب الشعب الاشتراكي لسانهم الناطق باسمهم .

    و هكذا فإن نشاط الاحزاب السياسية لا ينصرف إلى الكفاح ضد الاستعمار فحسب ، بل إن قسماً هاماً من هذا الكفاح يتركز على الهدف المباشر بعد الاستقلال . لذلك فإن نهاية مرحلة النضال ضد الاستعمار ترافق بداية مرحلة الصراع الأيدلوجي بين الاحزاب السياسية .




    الخصائص الرئيسية للأحزاب




    يتميز الوضع الحزبي في اليمن الجنوبي بالملامح الأساسية الثلاثة الآتية :

    1 ـ التمركز في المدينة .

    2 ـ عدم وجود حزب يجسّد الصفة الوطنية .

    3 ـ غياب الأيدلوجية .

    هناك خصائص أخرى دون شك إلا أنها ذات قيمة ثانوية ، و أبرزها كون قيادات الاحزاب تمثل قيادة النخبة المحدودة العدد ، فالقيادات هي بالفعل أشبه بعصبة من القادة . حتى حزب الشعب الاشتراكي الذي هو منظمة جماهيرية ، لم تأخذ القيادة فيه طابعاً آخر مختلفاً عن هذا الطابع العصبوي ( الأولغاركي ) .


    التمركز في المدينة :

    ما يزال الانتظام داخل الاحزاب محدوداً في المكان . فالاحزاب الوطنية ليس لها وجود خارج مراكز المدن في عدن و في الداخل . و التجمعات السياسية الموالية للإنجليز يقتصر وجودها على المستعمرة . و جميع الاحزاب تتخذ من عدن مركزاً لقيادتها . و فيها يتجمع القسم الأكبر من مؤيديها . و قلما يساهم سكان الريف و رجال البدو في النشاط الحزبي . لذلك لا يوجد حزب يجسد الصفة الوطنية . و سبب ذلك يرجع إلى زمرتين من الصعوبات :

    1 ـ الأولى تتعلق بالتكوين الاجتماعي : ففي المحمية ، تبدو ظاهرة الحزبية غريبة عن الوسط التقليدي . لأنها تصطدم بنوع من العطالة في التركيب الاجتماعي الذي تشكل القبيلة الخلية الحية فيه . ففي الحالة الراهنة للاقتصاد يبدو المجتمع القبلي من جميع الوجوه حالة من التوازن الطبقي توصل إليها مجتمع لا يعرف تقدماً أو تقهقراًً اقتصادياً إلا في حالات استثنائية . إذن لا بد من تغيير العامل الاقتصادي لحالة التوازن الساكن حتى يتوفر المجال لتطور العامل الاجتماعي أو لحدوث طفرة فيه (5) .

    ضمن هذه الشروط لم تجد ظاهرة الحزبية سوى المدينة مستقراً لها . و قد دفع الشعور بأهمية هذه المشكلة قادة رابطة الجنوب العربي و قادة الجبهة الوطنية الموحدة ثم حزب الشعب الاشتراكي ، إلى التصدي لها ، و إلى محاولة التسرب إلى داخل القبائل . بيد أن حالة الانقسام و التجزئة التي تعم البلاد جعلت مصير كل تدخل مباشر خارجي الفشل نظراً للروح السلبية التي تقابل بها القبائل كل محاولة صادرة عن مراكز المدن . و ذلك يفسر السبب الذي دفع الأحزاب لأن تتخذ خلال فترة من الزمن من المدن التي تعبر فيها القبائل ( المكلا و سيئون ) أو من المراكز التجارية المشتركة لمجموعة من القبائل ( تريم ) أو من المناطق القريبة من عدن ( لحج و جعار و زنجبار ) ، مراكز لدعايتها .

    إن طابع الانتشار في المدن لم يكن نتيجة لطبيعة التركيب الاجتماعي فحسب ، بل كان أيضا نتيجة لوجود عوائق تتعلق بمجمل الأوضاع و الظروف .


    2 ـ الزمرة الثانية من الصعوبات : إذا كان وجود الاحزاب أمراً تحتمله السلطات في المستعمرة ، إلا أنها تحظره في المحمية . و قد تم إغلاق مراكز الدعاية منذ عدة سنوات من قبل السلطات المحلية التي اعتبرتها أداة للاضطرابات .

    و هكذا فإننا لا نعثر داخل البلاد على أي أثر لحياة حزبية . و الحياة السياسية تجري على منوال واحد . فهي عبارة عن حوار بين الأمراء و بين المقيمين البريطانيين . و لم يكن في وسع أحد الطرفين أن يتصور أن طرفاً ثالثاً يمكن أن يتدخل في هذه العلاقة الثقافية المحاطة بمنتهى السرية في معظم الأحيان .

    لذلك فإن منع الحياة الحزبية يدفع بالاحزاب إلى التزام السرية في نشاطها . و على سبيل المثال نجد ( الحزب الوطني القعيطي ) يتأسس عام 1948 في المكلا ( حضرموت ) ، و بعد قيام الاضطرابات عام 1949 ـ 1950 ، يجري حله ، و يحال قادته الرئيسيون أمام محكمة خاصة . و منذ ذلك الحين لم تقم محاولة جدية لتأسيس حزب بصورة رسمية ، إلا أننا نلاحظ خلال الفترة التي شهدت منع الاحزاب 1950 ـ 1954 ، نشوء نواد و جمعيات على غرار عدن عرفت ازدهاراً كبيراً ، و لعبت عملياً دور التوعية السياسية . و قد تركز نشاطها الذي ترددت أصداؤه في الصحف المحلية على تحرير الإمارات من النظم ذات الطابع الفردي .

    و على وجه العموم ، نلاحظ أنه فيما عدا الاهتمام الذي يبديه سكان حضرموت ( الرابطة الحضرمية ) و لحج بالشؤون العامة ، فإن ما تبقى من الشعب في المحمية يظهر إعراضاً عن الاهتمام بالأمور السياسية .

    و لا شك أن الانغلاق و الجهل هما السبب في هذا التخلف . إلا أن الاحزاب نفسها تتحمل بعض المسؤلية ايضاً من حيث أن جهودها تفتقر إلى عنصر الترابط . فطالما ان المنظمات ذات الصفة التمثيلية الحقيقية ، و التي تملك سمعة لدى الشعب ، لا توحّد نشاطها و تجمع جهودها ضمن تيار مشترك من شأنه أن يقوم بعملية التوعية الجماهيرية و التربية السياسية ، فإنها ستبقى بعيدة عن القدرة على التغلب على النزعة القبلية بسهولة . و البلاد ما تزال تحتاج إلى تشكيل سياسي يملك تنظيماً يمكنه :

    1 ـ من الوصول إلى ابسط قرية ،

    2 ـ المساهمة في إيقاظ وعي قوي حقيقي ،

    3 ـ من إقامة نظام مركزي قوي يستطيع أن يضع حلولاً سريعة و حاسمة لمختلف مشاكل البلاد .



    عدم وجود حزب يجسد الصفة الوطنية :

    يوجد في عدن حوالي عشرة احزاب ، في داخل كل منها يمكن أن نلاحظ اتجاهات مختلفة . إن تعدد التيارات الذي كان شائعاً في الماضي ، قد افسح المجال أمام الانقسامات و التجزئة ، التي ولدت بدورها تيارات مركزية و متطرفة .

    إلا ان هذا التعدد في الاحزاب لم ينتج عنه أي تجمع سياسي قادر على تمثيل دور المفاوض مع المملكة المتحدة .

    أن السيمياء العامة لتنظيم الاحزاب الرئيسية ، تتجلى جملة على النحو التالي :

    ـ التيار المعتدل ،

    في الماضي كان ممثلاً في ( الرابطة العدنية ) و في الحاضر يمثله :
    حزب المؤتمر الشعبي ، الحزب الحر الديمقراطي ، حزب الاستقلال ، الحزب الوطني الاتحادي .

    ـ التيار الوطني ،

    في الماضي كان ممثلاُ في ( الجبهة الوطنية الموحدة ) و في الحاضر يمثله :
    رابطة الجنوب العربي ، حزب الشعب الاشتراكي ، الاتحاد الديمقراطي الشعبي .


    أما عن الصيغة العامة للتطور التاريخي للحياة الحزبية ، فيمكن أن نشير إلى ان تطور القوى السياسية في عدن قد تميز خلال السنوات العشر السابقة بسيطرة عاملين :

    العامل الأول يتعلق بتصدع الأحزاب القديمة التي كانت تفتقر إلى التمايز ، و حلول أحزاب متميزة و مستقلة محلها . و قد مس هذا التصدع الأحزاب المعتدلة . فانقسمت الرابطة العدنية إلى عدة تيارات محافظة كما يظهر مما سبق . و يرجع هذا التفكك إلى التغير الذي طرأ على اتجاه السياسة الإنجليزية منذ عام 1961 .

    أما العامل الثاني فيتعلق بالاستقرار النسبي في وضع الأحزاب التقدمية . صحيح أنها شهدت بدورها انقسامات ، إلا أنها بقيت ضمن حدود غير منظورة ، لذلك نجد التجمعات الأولية السابقة نفسها سواء بتسمياتها الأصلية ( رابطة الجنوب العربي ) أو بأسمائها الجديدة ( حزب الشعب الاشتراكي ) .

    فالتحول في زمرة الأحزاب التقدمية كان على صعيد الأفكار . فقد قامت في وجه التقدمية الليبرالية ، تقدمية إصلاحية ن بل اشتراكية ثورية ( الاتحاد الديمقراطي الشعبي ) . أما عن درجة التمثيل للشعب التي تتوفر في أحزاب الجنوب العربي ، فهي حسب تقدير مجلة الرائد العربية في نهاية 1962 ، كما يلي (6) :

    90 % من العرب في المستعمرة يؤيدون الاحزاب التقدمية ،

    7 % من السكان يؤيدون الحزب الوطني الاتحادي ،

    3 % فقط يناصرون حزب المؤتمر الشعبي .

    إلا أن الوضع قد تبدل بعد ذلك التاريخ ، فقد نجح حزب الشعب الاشتراكي في تدمير مواقع الحزب الوطني الاتحادي و حزب المؤتمر الشعبي . و هو يتمتع بتأييد مجموع السكان العرب في المستعمرة تقريباً . و هم يشكلون ثلاثة أرباع مجموع السكان . و قد كشفت الأحداث عن صحة ذلك ، كما كشفت عن العزلة الصارخة التي يعيش فيها المعتدلون .

    فقد تفجرت أزمة داخلية خطيرة بين صفوف الأحزاب المعتدلة عقب ثورة اليمن ( 26 سبتمبر 1962 ) . فقد قدم عدد من الوزراء ، و هم أعضاء في الحزب الوطني الاتحادي الحاكم ، استقالته احتجاجاً على رفض الحكومة البريطانية تأجيل تنفيذ مشروع دمج المستعمرة في اتحاد الجنوب العربي . و قد كان هذا الانسحاب ضربة قاصمة للحزب الوطني الاتحادي .

    و رغم كل ما قيل ، فإن درجة تمثيل الأحزاب على مستوى مجموع البلاد ، ما تزال ضعيفة مهما حملت من شعارات . و السبب يعود إلى أن الهوة السياسية ما تزال متمركزة في عدن ، كما يرجع أيضاً إلى التعدد غير المعقول في عدد الأحزاب .

    و على كل حال ، فإنه ليس من المغالاة في شيء القول بأنه ليس من المتوقع ضمن خط السير الذي تسير فيه حالياً حركة التحرير ، أن يظهر حزب يمثل في أعين الشعب ضمانة للمصير الوطني . فالحقيقة هي أن الظروف التي سوف تحيط بالاستقلال قد لا تسمح لأيه منظمة سياسية مهما كانت تفوق المنظمات الأخرى في شعبيتها ، بأن تكتسب حق التفاوض مع المستعمر ، و بأن تنتزع أمام أعين الجماهير نعمة الاستقلال و السيادة . فالقوى السياسية هي على حال من الضعف و التشتت بشكل لا تستطيع واحدة منها أن تتوصل إلى إزاحة الآخرين المنافسين و أن تفرض نفسها . و الانجليز أنفسهم لم يعملوا على تشجيع حزب للاستقلال يقوده الأمراء ، كما فعلت في ماليزيا حيث لعب حزب الاتحاد هذا الدور .

    في مثل هذه الشروط التي لا أمل فيها بظهور حزب موحد ، يشكل تعدد الاحزاب نقطة ضعف خطيرة في جدار الوحدة السياسية للبلاد . كما يشكل عاملاً في الافتقار إلى برامج هادفة تتطلع إلى مرحلة ما بعد الاستقلال ، و في جهل الشروط الموضوعية الداخلية . فالاحزاب لم تلجأ بعد إلى تحليل معمق أو حتى إلى تحليل جزئي لتلك الشروط . و مرد ذلك إلى عدم وجود الأيدلوجية المحددة . فجميع احزاب الجنوب العربي هي في الواقع بدون أيدلوجية تقريباً . و من هنا كان الخطر في أن تصبح الديماغوجية هي القاعدة العامة .


    غياب الأيدلوجية السياسية المحددة :

    هناك خطان أيدلوجيان كبيران يتقاسمان العالم اليوم ، كل منهما يناقض الآخر في جميع المجالات . إن هذا التعارض بين النظرية الماركسية و بين الفلسفة الليبرالية يضم بصورة خاصة بلاد العالم الثالث التي تفتش عن الطريق الذي يسمح لها بالتغلب على التخلف بصورة عامة . و معظم هذه البلاد يستبعد النظرية الرأسمالية لسببين رئيسيين :

    1 ـ لأنها تبدو ملازمة للنزعة الاستعمارية و للإمبريالية ،

    2 ـ لأنها لا تعرف إمكانيات تحقيق تطور منسجم و سريع .

    إن هذا الرفض للديمقراطية الليبرالية من شأنه أن يوجه الأنظار باتجاه المفهوم الماركسي للتطور الاجتماعي الجدلي ، لأنه يستجيب استجابة أفضل لمتطلبات النضال ضد التخلف . إن مثال بلدان أوروبا الوسطى و آسيا ، قد برهن برهاناً قاطعاً على نجوع الطريق الاشتراكي العلمي الأصيل . فقد أتاح لهم هذا الطريق المجال لتلافي التخلف الاقتصادي و الاجتماعي خلال فترة قصيرة .

    إلا أن عدداً كبيراً من بلدان آسيا و أفريقيا و أمريكا اللاتينية ، قد استبعدت طريق الماركسية كما استبعدت طريق الديمقراطية الليبرالية . و خاصة بعض العالم العربي الذي يبدو بأنه اختار طريقاً وسطاً بين الأيدلوجيتين ، هو طريق الاشتراكية العربية الذي ينكر وجود طبقات اجتماعية متصارعة ، و يطمح في تنظيم الجماهير داخل حزب واحد ليس له محتوى بروليتاري . أما بالنسبة لليمن الجنوبي ، فقد كان العامل الحاسم هو التطور الفكري الذي حصل في مصر خلال الفترة بين عام 1958 ـ 1961 . فقد كان لاختيار الجمهورية العربية طريق الاشتراكية العربية وقع كبير لدى القادة الوطنيين في اليمن الجنوبي . و قد انضاف إلى هذا التأثير ، تأثيران آخران يتمثل أحدهما في حزب البعث العربي الاشتراكي و الآخر في حزب العمال البريطاني .

    و يمكن حصر العوامل التي دفعت إلى رفض الماركسية باسم نزعة مثالية طوباوية و اشتراكية ذات طابع إصلاحي يكتنفه الغموض ، في عاملين رئيسيين : الوسط الاجتماعي و الدين . أما العامل الاقتصادي فيشكل عضواً ثانوياً و لا يتدخل مع الأسف إلا بصفته عاملاً ثانوياً .

    الوسط الاجتماعي :

    إن غالبية الموجهين و القادة يفكرون بأن مجتمع اليمن الجنوبي هو مجتمع لا توجد فيه طبقات مختلفة محددة . إنهم يسلمون بوجود عدة فئات اجتماعية كالقبائل و الفلاحين و التجار و العمال و المستخدمين .. الخ ، إلا أنهم سريعاً ما يقولون بأن هذه الفئات الاجتماعية المختلفة ليست بالضرورة في حالة صراع دائم ، لأنها كما يقولون ليست منتظمة على شكل طبقات مسيطرة و طبقات واقعة تحت السيطرة . و هم يستندون إلى القول بأن البلاد ما تزال غير مُصنعة . و بأن مستوى التقنيات لم يخلق بعض نظام الطبقات . و أخيرا يؤكدون على ان التمايز الاجتماعي هو في أدنى مستوياته ، و يتخذون من ذلك كله حجة نظرية لدحض المبدأ الماركسي الذي يعتبر الخصومات السياسية محصلة للتركيبات الاجتماعية و الاقتصادية .

    و بكلمة واحدة ، فان الصراع الطبقي ظاهرة غير معترف بها و مجهولة . و يعارضه مفهوم جمع الشعب ضمن حركة اتحاد قومي . و هذا التحالف يشكل في نظر بعض القادة و المثقفين الوسيلة الوحيدة للتغلب على الفردية البرجوازية و لتعزيز الاندفاعات الجماعية . و هم على غرار الكثيرين من القادة الافريقيين و الآسيويين يعلنون تفضيلهم للطرق التي تمت بموجبها التنمية الاقتصادية و التحول الاجتماعي في البلدان ذات النظم الاشتراكية ، دون انتساب إلى نظرية ماركس . و بتعبير آخر يستبعدون إقامة دكتاتورية انتقالية للبروليتاريا مع تأكيدهم على اتجاههم في تشجيع تملك الدولة للوسائل الرئيسية للإنتاج و التبادل ، و في تعميم الطابع الجماعي بشكل طوعي على الحياة الزراعية .

    ان هذا المفهوم الجديد للاشتراكية هو السائد حالياً في اليمن الجنوبي ، كما هو في كل مكان حيث يجتاز المجتمع مرحلة الانتقال بين اضمحلال النظام الاستعماري و بزوغ فجر الاستقلال . فالقادة التقدميون يعتبرون أنفسهم ممثلين لا للطبقة العاملة في طورها الجنيني أو للطبقات المتوسطة فحسب ، بل لجميع المواطنين مهما كان انتماؤهم الاجتماعي . فهم يؤالفون بين الاشتراكية و بين القومية . في حين أن القومية في اليمن الجنوبي مطبوعة بطابع العقائد الدينية .


    الدين :

    يلعب الدين في اليمن الجنوبي و في العالم العربي بوجه عام دوراً كبيراً . فالإسلام يملك في هذه البقعة طابعاً قومياً عميقاً . فهو يشكل جزءاً لا يتجزأ من حركة الكفاح ضد الاستعمار في اليمن الجنوبي ، و يمتزج بأهدافه في المقاومة و التحرير . و التعلق بالإسلام هو في الوقت نفسه تعلق بالقضية القومية (7) .

    و هذا ما يفسر السبب الذي يدفع قسماً كبيراً من القادة العرب ، باستثناء الشيوعيين طبعاً ، إلى التأكيد على أهمية الدين في كل منحى ايدلوجي ، لأن الاسلام يمثل قوة مسيطرة . و هو الذي يشكل عاملاً قوياً في مقاومة الماركسية الملحدة .

    إلا ان الاسلام يأخذ في اذهان رجال السياسة ، و بصورة خاصة المثقفين ، شكلاً متجدداً . فهم يرون ان الدين الإسلامي هو في جوهره بسيط واضح و عادل . و هو يأتلف مع جميع أنماط المجتمعات ، أكثرها تقدماً ( مصر ، تونس ) حتى أكثرها تخلفاً ( الجزيرة العربية ) . فهم بتعبير آخر ، يحاولون أن يسترجعوا للإسلام وجهه التقدمي ( مؤتمر جبهة التحرير الوطني الجزائرية ) . أي ان يستشفوا طابع الحياة المشتركة الجماعية الكامن فيه ، و ان يلائموا بين تعاليمه و بين متطلبات القرن العشرين .

    ضمن هذه الشروط ، و تحت تأثير العاملين السابقين ، قامت نزعة إسلامية إصلاحية ، و نزعة اشتراكية اختبارية ، اعتبرها قادتها و قدموها على أنها تتلاءم مع أوضاع اليمن الجنوبي على أفضل شكل .


    النزعة الإصلاحية و النزعة الاشتراكية :

    إن الأحزاب الوطنية هي التي أبدت اهتماماً بالمسألة الايدلوجية ، لأن المحافظين لم يكونوا يشغلون أنفسهم بذلك ، فاختيارهم كان قد استقر منذ زمن طويل على الليبرالية الغربية : الاقتصاد الحر و النظام البرلماني . ففضلاً عن أن كل تصنيف للاتجاهات العقائدية يبدو تعسفياً واهياً ، فإن كل منظمة قومية تقدمية تحتفظ بطابع خاص متفرد و رغم ذلك يمكن أن تميز تيارين عقائديين :

    ـ تيار إصلاحي ، تمثله رابطة الجنوب العربي .

    ـ تيار يميل إلى الاشتراكية ، يمثله حزب الشعب الاشتراكي ، إلا أن هذا التصنيف يبقى نظرياً طالما أن كلا التيارين لم يوضعا بعد موضع التطبيق .


    النزعة الاصلاحية الاسلامية :

    إن هذا التيار يستمد منابعه إلى حد بعيد من التجربة المصرية في الفترة 1952 ـ 1961 ، أي المرحلة التي تقابل الفترة الانتقالية الاختبارية في تلك التجربة .

    فقد احتاجت مصر ( الناصرية ) إلى عشر سنوات تقريباً قبل ان تقف الى صف الاشتراكية . و كانت خلال تلك الفترة تركز على بناء نظام سياسي قوي ، و اقتصاد مختلط . و كان العسكريون يكرسون جهودهم للتوفيق بين التعاليم الدينية و بين ايدلوجيتهم . و من هنا كانت إقامة الاسلام كدين للدولة .

    و قد أُعجب قادة رابطة الجنوب العربي الذين عاشوا التجربة المصرية بهذا الموقف الفكري ، و أصبح موقفهم بالتبني ، فهم يطمحون الى بناء دولة إسلامية ديمقراطية قائمة على أساس العدالة الاجتماعية و على أساس الاسلام و العروبة (8) . و هم يقصدون بالعدالة الاجتماعية رفع مستوى معيشة الشعب و تحسين الشروط الاجتماعية و الثقافية . لذلك فان حدود وجهة النظر هذه واضحة : فهي لا تتطلع الى إحداث تحول جذري في العلاقات الاجتماعية ، و لا الى تغيير التركيب الاقتصادي . و مهما ادّعى قادة هذا التيار إنهم اشتراكيون ، فإنهم يبقون في الواقع ضمن إطار مفهوم الاقتصاد المختلط . و هم يلوذون بالقومية العربية لأنهم يعرفون بأن الوحدة هي أعز هدف لدى الجماهير ، و أن مصير اليمن الجنوبي مرتبط بمصير الأمة العربية . و ينسون بأن الوحدة هدف بعيد يتطلب تحقيقه فكراً ناضجاً .

    و الخلاصة ، فإننا نجد أنفسنا تجاه نزعة اصلاحية من النوع التقليدي ، تجد مشقة في الانحياز الى الاشتراكية في الجمهورية العربية المتحدة القائمة على امتلاك الدولة و إدارتها للاقتصاد الوطني . و رابطة الجنوب العربي ترغب في أن تجمع كل فئات الشعب في عملية بناء الدولة الاسلامية التي تشكل البرجوازية الوطنية عمودها الفقري .


    الاشتراكية الاختبارية :

    ان حزب الشعب الاشتراكي يشايع هذه النزعة . و هو يقدم نفسه كممثل للجناح اليساري في حركة التحرير الوطني . إلا انه لا يأخذ بالماركسية ، و يدفع عن نفسه تهمة مشاركة الشيوعيين وجهات نظرهم . هؤلاء الشيوعيون الذين يشكلون منذ عام 1961 ديسمبر ( الاتحاد الديمقراطي الشعبي ) الذي يدعو للاشتراكية العلمية التي ما يزال الوسط الاجتماعي و النخبة على حد سواء بعيدين عن التأثر بها .

    إن اتحاد نقابات العمال ثم حزب الشعب الاشتراكي ، قد تأثر كل منهما بحزب العمال البريطاني و بالجمهورية العربية المتحدة و بحزب البعث العربي الاشتراكي في سورية . و هذا هو السبب في وجود تناقضات داخلية في كل منهما .

    إن قيام حزب العمال البريطاني بتأهيل الإطارات النقابية ، و بإرسال المختصين بالتنظيم و بالعمل النقابي الى عدن ، و الدعم السياسي الذي كان يشد به أزر اتحاد النقابات في عدن ، قد ترك تأثيره المعتدل على قاعدة حزب الشعب الاشتراكي الجماهيرية . كما نجح حزب العمال فترة من الزمن في توجيه النقابات وجهة المطالبة بالقضايا العمالية و تحديد نشاطها ضمن هذا الاطار ، و ابقاءها داخل فلك الغرب ( الانضمام الى الاتحاد الدولي للنقابات الحرة ) . إلا ان اتحاد النقابات و الجبهة الوطنية المتحدة بادئ ذي بدء ن ثم حزب الشعب الاشتراكي بعدهما ، بدأت منذ عام 1958 تتحرر من هذه الوصاية دون أن تقطع صلاتها مع حزب العمال البريطاني أو تترك الاتحاد الدولي للنقابات الحرة . لأن الحركة الاشتراكية بدأت تقوى في العراق و سورية و الجمهورية العربية المتحدة . و في عام 1960 يصرح اتحاد النقابات في عدن ، بأنه سوف يعمل بعد الآن من أجل تحقيق مجتمع عربي اشتراكي (9) . و حددت اهدافها بتحرير البلاد من الاستعمار و إعادة وحدة الشمال و اليمن الجنوبي و النضال ضد السلطة الاستعمارية و الإقطاعية . و في ميثاق حزب الشعب الاشتراكي ، نجد انه يعلن عن عزمه على بناء مجتمع ديمقراطي و اشتراكي تسوده العدالة الاجتماعية . و في الوقت نفسه يعلن ولاءه للقومية العربية .

    و هو فيما يتعلق بالنقطة الأولى يميل إلى الانجازات الاشتراكية التي تحققت في مصر منذ عام 1961 على شكل تأميمات سريعة للقطاعات الرئيسية و تدعيم للقطاع العام . أما على صعيد إدارة الاقتصاد ، فهو يريد أن يشجع منذ البدء المشاركة الواسعة للعمال في قرارات الدولة عكس ما جرى في الجمهورية العربية المتحدة في الأصل . و إذا كان حزب الشعب الاشتراكي قد رفض حتى الآن صيغة الاتحاد القومي ذات الطابع البرجوازي ، فهو لا يستبعد التعاون مع البرجوازية الوطنية شريطة أن لا يحول ذلك دون متابعته للنضال من اجل أهدافه الثورية . و هو من جهة ثانية لا يكتم آرائه في الكفاح ضد الاقطاعية و الاقطاعيين .

    ان نقطة الضعف في هذا كله تتلخص في أمرين :

    1ـ ان التعاون بين حزب الشعب الاشتراكي الذي انبثق عن النقابات ، و بين البرجوازية ، هو ضرب من النظرية الطوباوية ، على الأقل على المدى البعيد ، بحكم تناقض مصالحهما .

    2 ـ ان النضال ضد الاقطاعية يتضمن تحديداً لموقف أو لسياسة تجاه طبقة الفلاحين لم يعلن عنها حزب الشعب الاشتراكي بعد ، نظراً لعدم وجود ركائز له في أوساط الريف ، و لأنه يجهل كل شيء عن قضاياه .

    يبقى موضوع القومية العربية . فحزب الشعب الاشتراكي شأن رابطة الجنوب العربي ، اتجهت نظرته الى أوساط المدينة وحدها . و مع ذلك فهو يريد أن يكون أول من يحمل شعار القومية العربية ، لأن هذا الشعار قد أصبح مركز الحزب في الضواحي .

    و الخلاصة فان المسافة بين نزعة رابطة الجنوب العربي الاصلاحية و بين اتجاه حزب الشعب الاشتراكي ، ليست كبيرة . على كل حال هناك فرق ملحوظ في مفهومهما فيما يخص الشكل الذي يجب ان تأخذه دولة اليمن الجنوبي في المستقبل . فرابطة الجنوب العربي تريدها دولة إسلامية ، و حزب الشعب الاشتراكي يريدها دولة اشتراكية . و نحن لا نعرف بعد شيئاً عن موقف هذا الأخير من المسألة الدينية . و المؤكد على كل حال ، هو أنه لن يجرؤ على التصدي إليها بشكل مكشوف .

    و ثمة فرق آخر يتعلق بتحرر المرأة لا يمكن تجاهله . ففي حين أن رابطة الجنوب العربي تلتزم الصمت حول هذه النقطة مداراة لرجال الدين ، يجعل حزب الشعب الاشتراكي من تحرر المرأة مسألة سياسية من الدرجة الأولى .

    و أخيرا نقطة مشتركة بينهما ، و هي التزام مبدأ الحياد و عدم الانحياز ، المبدأ الذي يتعارض مع رغبة الأوساط المعتدلة التي تريد ان تسلك سياسة خارجية قائمة على محاربة الشيوعية بصورة عمياء .

    و بصورة عامة فإن الأحزاب السياسية بدون استثناء ، تتجنب القضايا التي سوف تطرحها المرحلة اللاحقة بالمرحلة الاستعمارية ، و البلاد على أهبة الحصول على الاستقلال . و أشد خطورة من ذلك هو الغياب الكلي تقريباً للاهتمامات الاقتصادية و الاجتماعية الجدية . أما السبب فيجب التماسه في القادة أنفسهم الذين لا يملكون معرفة جيدة بسياق الأوضاع في اليمن الجنوبي ، و لا رؤيا واضحة للعقبات الاقتصادية و الاجتماعية التي سوف يواجهونها في القريب العاجل . فهم يركزون جهودهم كلها على تغيير الأوضاع و على استلام السلطة . و برامجهم لا تتعدى النطاق السياسي ، و تطغى على تفكيرهم الاهتمامات المباشرة و الانتهازية . و هم يدورون حول بعض الشعارات :

    ـ طرد الإمبريالية .
    ـ القضاء على عملاء الاستعمار و على الإقطاعيين .
    ـ الاستقلال و الديمقراطية .
    ـ الوحدة العربية و الاشتراكية العربية .

    ان الاحزاب السياسية تردد هذه الشعارات دون أن تبذل أي جهد لتحديد محتواها ، أو الإشارة إلى الوسائل التي بواسطتها ستحول تلك الشعارات إلى أفعال ، أو التحليل المعمق للوضع ، لسبب بسيط هو عدم وجود مناضلين محترفين و إطارات مؤهلة .

    و بالنتيجة ، فأن التقدميين قد تبنوا كل ما ورد في بنود الميثاق الوطني الذي قدمه الرئيس جمال عبد الناصر في مؤتمر القوى الشعبية عام 1962 . هذا الميثاق الذي يربط الوحدة العربية بتطور الاشتراكية العربية داخل كل بلد ، و يدعو الشعب لبناء هذه الاشتراكية ، و يشدّد على وحدة الهدف ( الحرية الاشتراكية و الوحدة ) . و يجعل من مصر نموذجاً للتطور الاشتراكي ( الاشتراكية الديمقراطية التعاونية ) . أما الإدارة السياسية لهذه الاشتراكية فهي الحزب الواحد ( الاتحاد الاشتراكي العربي ) (10) .

    إن قادة حزب الشعب الاشتراكي يرغبون في احتذاء مثال الجمهورية العربية المتحدة ، و يتبنون دون مناقشة الأفكار السابقة ، و دون أن يتساءلوا فيما إذا كانت تنطبق فعلاً على التكوين الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي للبلاد . فهمهم الأكبر هو مع الأسف التفتيش عن الدعم الجماهيري عن طريق استخدام شعارات ديماغوجية لا واعية .

    أن الوحدة العربية على أساس اشتراكي هو غاية المنى . إلا أن تحقيق وحدة صلبة راسخة يتطلب قبل كل شيء أخذ الأوضاع الخاصة بعين الاعتبار و إدراك أهمية العوامل الاقتصادية .






    ...................................
    (1) عبده العضال . ( أهذا كتاب أبيض ) القاهرة 1962 ، ص 17 .

    (2) الطليعة ، العدد 72 ، تاريخ 11 مارس 1964 .

    (3) لوموند ، 28 ديسمبر 1963 .

    (4) عند كتابة هذه الصفحات ، لم يكن المؤلف يملك معلومات مفصلة عن هذه المنظمة التي أنشئت حديثاً بمؤازرة حركة القوميين العرب ( المترجم ).

    (5) مجلة افريقيا و آسيا ، العدد 44 .

    (6) الرائد ( المكلا ) العدد 96 ، سبتمبر 1962 .

    (7) ارنولت ، ص 243

    (8) وثيقة نُشرت في القاهرة في مايو 1959 .

    (9) مجلة الشرق الأوسط ( و ت ) الجزء 16 ، العدد 4 ، نيويورك 1962 .

    (10) كولان ، ص 174 .

    ........................................​

    نهاية الفصل السادس .
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-11-07
  15. abutalaaa

    abutalaaa عضو

    التسجيل :
    ‏2005-11-07
    المشاركات:
    7
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: كتاب (( اليمن الجنوبي )) ، وثيقة تاريخية هامة للغاية لكل مهتم بتاريخ المنطقة .

    سلام عليكم
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-11-09
  17. ابو ملاك

    ابو ملاك عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-01-17
    المشاركات:
    483
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: كتاب (( اليمن الجنوبي )) ، وثيقة تاريخية هامة للغاية لكل مهتم بتاريخ المنطقة .

    الفصل السابع

    القضايا الخارجية

    لـ (( إتحاد الجنوب العربي ))​



    تعود المشكلات التي واجهها الاتحاد بعد نشوئه ، إلى زمن بعيد سابق لنشوئه . فهي ملازمة للتركيب الاجتماعي و الاقتصادي ، و الانجليز يتحملون القسط الأوفر من المسؤولية في خلق هذه المشكلات ، لأن سياستهم بدلاً من أن تشجع على إصلاح البنية الاجتماعية و الاقتصادية لليمن الجنوبي في مجموعه ، و تعمل على تهدئة الخواطر ، عمدت على العكس ، إلى إغراق البلاد في أوضاع التأزم .

    و تتركز تلك المشكلات حول استمرار الصراع الإنجليزي ـ اليمني ، و حول وجود الدولة الاتحادية نفسها و اتساعها . فالاتحاد الذي لم يفعل أكثر من شحذ العواطف المعادية للإنجليز لدى الشعب ، اعتبره الشعب صنيعة الإمبريالية البريطانية . فتواطؤ القائمين على هذا الاتحاد مع الانجليز ، و عجزهم عن انتهاج سياسة اقتصادية تقدمية و سياسة مفتوحة على العالم الخارجي و على الوطن العربي بوجه خاص .. كل ذلك شجع على تغذية الدعاية المعادية للاتحاد ، و دعم حجج خصومه . و هذا ما يفسر اتساع حركة التحرير الوطنية المعادية بالأصل للمشروع البريطاني . فقد قامت هذه الحركة بتنظيم الاضرابات و المظاهرات ثم عمدت إلى النضال المسلح مستهدفة إرغام انجلترا على إعادة النظر في سياستها ، و جذب انتباه الرأي العام الدولي . و بفضل هذا النضال و هذا النشاط ، وجدت مشكلة اليمن الجنوبي طريقها إلى المؤسسات العربية و الدولية .


    الصراع الإنجليزي ـ اليمني​


    تمتد أصول النزاع الانجليزي ـ اليمني إلى مطلع هذا القرن . و كان استمراره طيلة هذه الفترة عاملاً في إثارة القلاقل في المنطقة ، و كذلك في تعكير العلاقة بين بريطانيا و اليمن . و من الطبيعي أن يرث اتحاد الجنوب العربي هذه المشكلة التي هي في الأصل مشكلة خلاف على ( الكيان ) . إلا أن تجاهل اليمن لوجود الدولة الاتحادية و شجبها لإنشائها ، قد زاد المشكلة تعقيداً ، و أصبح من الصعوبة بمكان تطويق هذه المشكلة التي أصبحت أيضاً مشكلة خلاف على ( السيادة ) .

    فصنعاء تعتبر عدن و محمياتها جزءاً لا يتجزأ من التراب اليمني و تطالب بعودتها . و لندن ترفض بدورها هذا المطلب كلياً . و ما كان للأمر أن يأخذ كل هذه الأهمية ، لولا اعتبارات سياسية و دينية و اقتصادية تتدخل فيه . ففي عهد الإمامة اعترض الإمام الشيعي ( الزيدي ) على توحيد الإمارات في ظل إمام ( شافعي ) ، لأنه يخشى قيام حركة انفصالية لصالح الاتحاد (1) ، لوجود عناصر شافعية ذات شأن في اليمن . و من جهة أخرى ، فإن اكتشاف البترول على مقربة من اليمن ، أثار أطماع الإمام كما أثار شهية الشركات الإنجليزية و الأمريكية .

    و كان من نتيجة ذلك كله تأزم الوضع تأزما خطيراً على طول الحدود . لقد نجحت حكومة صنعاء أكثر من مرة في إعاقة السياسة الانجليزية في القسم الغربي من المحمية بفضل الدعم المالي و المادي الذي كانت تقدمه للعناصر المتمردة ضد السلطات المحلية . إلا أنها لم تتوصل إلى حد إشعال ثورة شاملة . لذلك فإن مصير الاتحاد ، هذا المولود البريطاني الجديد ، يتوقف على الحل الذي يمكن أن يوضع لإنهاء الخلاف اليمني ـ الانجليزي .

    و لكي ندرك طبيعة هذا الخلاف نعود إلى عام 1918 . ففي هذا العام استقلت اليمن . و منذ ذلك الحين و هي تطالب بحق التصرف الكامل بما تعتبره جزءاً من ترابها الوطني . فالوحدة الجغرافية و البشرية تتطلب وحدة الانتماء السياسي . و منذ خمسين عاماً ، و هذا المطلب يصطدم بمعارضة بريطانيا التي تحتل اليمن الجنوبي . و التي ترفض أن تتخلى عن هذا الجزء ، و التي تعتبر اليمن المستقل الوريث الطبيعي للإمبراطورية العثمانية ، و بالتالي تعتبره مرتبطا بالمعاهدة التركية ـ البريطانية لعام 1914 ، و يمكن تلخيص الوضع الحقوقي لكلا الطرفين على النحو التالي :


    اليمن : تركز مطاليبها على حقوقها المكتسبة قبل الاحتلال البريطاني .

    المملكة المتحدة : تستند على معاهدات الحماية المعقودة مع زعماء المنطقة المتنازع عليها ، التي توكل إليها مهمة الدفاع عن الدويلات الصغيرة . و تضيف إلى ذلك قولها بأن اليمن لم تكن له أية سلطة على هذه المنطقة منذ قرنين .

    و الخلاصة ، فإن الأراضي المتاخمة للمحمية تعتبر بالنسبة إلى اليمن ( منطقة حدود ) خاضعة للسيادة اليمنية . و الانجليز بدورهم يعتبرون حدود الإمارات أو القبائل المرتبطة باتفاقيات مع التاج البريطاني ( حدوداً ) فاصلة بين المحمية و بين اليمن (2) .

    من الناحية التاريخية ، بقيت اليمن حتى أوائل القرن الثامن عشر تمارس نوعاً من الإشراف على هذه المنطقة ، باستثناء حضرموت التي انفصلت منذ زمن طويل ، و كانت تحكمها السلالة ( الكثيرية ) . و في عام 1728 استولى السلطان العبدلي على لحج و عدن ، و أعلن الاستقلال الذاتي و الانفصال عن السلطة المركزية في صنعاء . و هكذا فقد تلاشت سيطرة صنعاء تدريجياً على هذه المنطقة ، حتى كادت تزول تماماً قبل أن تقوم شركة الهند في عدن عام 1839 . و قد كان وصول المحتلين الانجليز إليها بمثابة حكم قطعي على زوال تلك السيطرة .

    و على الرغم من تلاشي السلطة اليمنية ، فإن سكان المنطقة بقوا تحت ظل السيطرة الروحية للإمام و خلال فترة من الزمن ، كان الانجليز أنفسهم يعترفون بالسلطة الدينية للإمام على القبائل في الإمارات التسع . و أكثر من ذلك ، فإن خضوع اليمن الجنوبي للسيطرة البريطانية لم يمنع اليمن من التأثير على الحياة السياسية الداخلية فيه .

    إن بريطانيا تتسلح بمعاهدات الحماية كلما أصبح وجودها بالمنطقة موضوع بحث . إلا أن الموقف البريطاني لا يستند إلى حجج ذات قيمة جدية من الناحية الحقوقية . لأن تلك المعاهدات قد تم توقيعها في ظل التهديد و التزوير ، و لأنها بالإضافة إلى ذلك ذات مظهر مخادع و مزاجي . و هذا النوع من الاتفاقيات لا يمكن أن يكون مقبولاً في عصرنا ، لأنه مخالف لطبيعة الأشياء . لذلك فان العودة إلى هذه المعاهدات لا تجدي كثيراً .

    لقد حاولت لندن ، في خلافها مع صنعاء أن تعمد منذ البدء إلى تصوير الخلاف في شكله البدائي ، أي على شكل ( مسألة نزاع على الحدود ) ، حتى تبرر الاحتلال و تقلص أهمية النزاع . في حين أن اليمن كان يتهم انجلترا باحتلال جزء من التراب الوطني ، أطلقت عليه اسم ( الجنوب المحتل ) .

    و قد حاولت انجلترا أن تستغل الصعوبات الداخلية لحكم الإمامة في اليمن ( الغزو التركي ، الحرب الأهلية ، أزمة خلاف الأئمة ) من اجل فرض حل لهذا الخلاف . إلا أن محاولاتها باءت بالفشل .


    محاولات التسوية​


    من وجهة نظر الحقوق الدولية ، يمكن أن نميز الخطوات الثلاث التالية :

    ـ اتفاقية عام 1914

    ـ معاهدة 1934

    ـ اتفاق عام 1951


    اتفاقية 1914 :

    طالب الأتراك بعد احتلالهم الجديد لليمن عام 1872 ، بالمقاطعات التسع التي أصبحت تحت الحماية البريطانية . و قد كانت هذه المطالبة خيالية ، لأن الأتراك كانوا قد وافقوا بصورة ضمنية من حيث المبدأ على المعاهدات التي وقعها الأمراء المحليون . و تحت ضغط الجيوش الانجليزية و الهندية التي أرسلت إلى اليمن الجنوبي لوضع حد لخلافات الحدود ، قبلت تركيا الدخول في مفاوضات من أجل تحديد الخط الفاصل بين السيطرة التركية و السيطرة البريطانية .

    و قد أنشئت لجنة إنجليزية ـ تركية من اجل هذا الغرض عام 1902 (3) ، انتهت إلى وضع معاهدة لندن عام 1914 . إلا أن خط الحدود بقي غير محدد تحديداً دقيقاً . و هكذا فإن الاتفاقية لم تحل المشكلة .

    خلال الحرب العالمية الأولى 1914 ـ 1918 قام الأتراك بغزو المحمية من عدة جهات ، و هددوا عدن . ثم انسحبوا عند نهاية الحرب بعد توقيع اتفاقية وقف القتال في مودروس بتاريخ 30 أكتوبر 1918 .

    و هكذا استعاد اليمن استقلاله ، و كان أول بلد عربي يتمتع بسيادته . و لم يلبث الإمام يحيى الذي لم يعترف أبداً بالاتفاقية الانجليزية ـ التركية عام 1914 ، أن طرح مجدداً مسألة الوجود البريطاني في اليمن الجنوبي . و أعلن ( بأن اليمن لا تعترف بشرعية الوجود البريطاني ، و بأن الأرض التي يطلق عليها اسم محمية عدن هي القسم البحري لليمن في حدوده التاريخية ) (4) . و عبثاً حاول إعادة بسط نفوذه و سيطرته على هذه المنطقة خلال عامي 1920 و 1928 ، لأن ميزان القوى لم يكن لصالحه . و قد حاولت حكومة صاحبة الجلالة أن تقدم له خلال هذه الفترة عرضاً هاماً . ففي عام 1923 تقدمت بعرض تعترف بموجبه للإمام بسيادته على سلطنة لحج ، و كذلك على حضرموت لقاء ميثاق صداقة يعترف لانجلترا بمركز ممتاز من ناحية العقود و المشاريع التجارية (5) . و قد اندفع الإمام إلى رفض هذا العرض . و في عام 1926 عقد معاهدة تجارة و صداقة مع ايطاليا تحت حكم موسيليني ، بغية تحطيم العزلة الدبلوماسية و الحصول على السلاح . إلا أن الانجليز الذين اعتبروا تلك الخطوة بمثابة إنذار بتسرب النفوذ الفاشستي إلى المنطقة ، جردوا حملة واسعة ضد قوات الإمام . و قد استطاعت القوات البريطانية بما تملكه من تجهيزات و من دعم سلاح الجو الملكي الذي اتخذ من المنطقة قاعدة له ، أن تجلي قوات الإمام عن إمارة العوذلي عام 1928 ، و أن تضع يدها على مناطق جديدة .

    و على أثر ذلك عقد الإمام اتفاقاُ تجارياً مع الاتحاد السوفياتي عام 1929 . و كان هذا الانفتاح الخارجي مصدر قلق جديد للإنجليز ، فحاولوا من جديد التفاهم معه . و قد قدمت لهم أحداث السنوات الثلاث التي تلت خدمات جلية . فقد ظهر خلاف جديد في شمال اليمن ، و قد قاد هذا الخلاف اليمني ـ السعودي إلى إعلان الحرب بين البلدين خلال أعوام 1933 ـ 1934 ، و انتهى بفقدان اليمن لإمارة عسير لمصلحة العربية السعودية . فقد استغلت بريطانيا هذا الحادث من اجل عقد معاهدة عام 1934 مع الإمام .


    معاهدة صنعاء عام 1934 :

    في الحادي عشر من فبراير 1934 وقعت في صنعاء معاهدة صداقة و تعاون مشترك بين المملكة المتحدة و اليمن . و بموجب نصوص هذا الاتفاق تتعهد الأطراف المتعاقدة بالحفاظ على الوضع الراهن لمدة أربعين سنة . أي حتى نهاية 1974 . فاليمن لا تستطيع قبل هذا التاريخ أن تطلب فتح مفاوضات جديدة مع بريطانيا بشأن اليمن الجنوبي . و بمقابل هذه التنازلات الكبيرة ، تعترف حكومة صاحبة الجلالة البريطانية بالإمام ملكاً على اليمن ، و تعترف بالاستقلال الكامل و المطلق لبلاده .

    و كان ذلك نصراً دبلوماسياً هاماً جداً بالنسبة لبريطانيا ، لأنها نجحت بذلك في حملها الإمام بصورة غير مباشرة على القبول بالأمر الواقع . فهذا اعتراف ( بالأمر الواقع ) باليمن الجنوبي تحت الإدارة البريطانية .

    إن معاهدة صنعاء 1934 كانت بالنسبة إلى الانجليز مفتاحاً لتحقيق خطة سياسية طويلة الأمد . فهم كانوا يهدفون إلى جعل اليمن الجنوبي دولة مستقلة قبل انتهاء المعاهدة ، يمكن أن يختار بين الدمج مع الشمال و بين البقاء ضمن إطار الكومنولث . و ما كادت تمضي خمس و عشرون سنة حتى تحقق هذا الحساب الدقيق في خطوطه الكبرى .

    و قد ظلت المعاهدة محترمة من الطرفين إلى حد ما حتى انقلاب 1948 الذي أطاح بالإمام يحيى . فقد اتهم خلف الإمام يحيى الانجليز بمحاولة عرقلة الانقلاب ، و اظهر جفاءه لهم . و قد زاد في هذا الجفاء سبب آخر ، هو قرار فرع شركة البترول العراقية عام 1949 بإرسال فريق من الخبراء للتنقيب في منطقة شبوة (6) التي كانت تطالب بها اليمن . إلا أن الإمام أحمد ما لبث بعد فترة قصيرة من توليه عرش اليمن أن عقد مع الانجليز اتفاق عام 1951 .


    اتفاق لندن 1951 :

    و هو عبارة عن رسائل متبادلة ، تشكل بمجوعها مصدراً إضافياً و مرجعاً يعتمد على المعاهدة السابقة . إن نص هذا الاتفاق ينطوي على كل حال على عنصرين جديدين :

    1 ـ الأول يتعلق بإقامة الروابط الدبلوماسية بين المملكتين .

    2 ـ و الثاني يختص بتعيين لجنة تحكيم بين الجهتين مهمتها تحديد وضع كل من الطرفين و إيجاد الحلول للقضايا المعلقة . و حتى تبدأ هذه اللجنة عملها ينبغي في حالة تجدد النزاع أن يلجأ الطرفان إلى الأمم المتحدة طبقاً للمادة 33 من ميثاق سان فرانسيسكو .

    و قد بقيت هذه الالتزامات حبراً على ورق لأنها لم تنتقل إلى حيز التطبيق . يمكن إذن القول بأنها لم تحل شيئاً ، لا معاهدة 1934 و لا اتفاق الطاولة المستديرة عام 1951 . و أنها اقتصرت على إقرار واقع راهن مؤقت و على رسم طريقة لحل النزاعات لم تستخدم عملياً (7) .

    و هكذا بقيت المشكلة برمتها . إلا أن الظرف الدولي بدا أكثر ملاءمة لليمن منه قبل الحرب . لأن العلاقة بين الاستعمار و الشعوب المستعمرة تعرضت لتحولات غير قابلة للنكوص . كما أن صنعاء بدأت تحس بأنها أقل عزلة على الصعيد الدبلوماسي منها في الماضي . و أنها أصبحت أقدر على المطالبة بحقوقها المشروعة في ( الجنوب المحتل ) . و قد بدا لها أن التطور الذي دخلت فيه القضية العربية منذ عام 1952 هو في صالح دعم مطلبها . و قد تأيد ذلك خاصة بعد مؤتمر باندونغ . إلا أن السلالة الزيدية لم تستغل هذا الوضع ، نظرا لعجز نظامها الأوتوقراطي عن جذب عطف الشعب اليمني و دعم الرأي العام الدولي . و قد أدرك الانجليز بسرعة هذا الخلل ، فقرروا أن يستغلوا ذلك عن طريق تطوير قاعدتهم في عدن و ذلك بإنشاء مصفاة ضخمة للبترول و زيادة احتياطيها العسكري .


    تطور الخلاف حتى سقوط الملكية :


    يعتبر سورنسون في كتابه (8) ، أن الإمام كان على وشك الاستعداد عام 1957 لإجراء مفاوضات مع بريطانيا من أجل حل الخلاف ، و ذلك خلال زيارة ولي العهد للندن . أما صيغة الحل فهي تستند إلى واحد من الاحتمالين الآتيين :

    1 ـ تعترف المملكة المتحدة بمشروعية المطالب اليمنية فيما يتعلق بعدن و المحمية و تقبل بأن تردها إلى اليمن في موعد يتفق عليه . و بالمقابل تقبل اليمن بتأجير قاعدة عدن أو بإبقاء الوضع الراهن ريثما تسوي قضية القاعدة .

    2 ـ تشترك اليمن و بريطانيا في إدارة المحمية ، و يتفقان على تسوية خاصة تحدد مستقبل المستعمرة .

    و يقدر مؤلف الكتاب بأن لندن ما كانت لتقبل بأحد هذين الحلين ، و بأنها على العكس كانت ستأخذ موقف الدفاع عن الأمراء حسب المنطق الآتي :


    1 ـ إن الزعماء المحليين لا يرغبون بأي حال من الأحوال في أن يروا مناطقهم ملحقة باليمن ، و يرفضون الخضوع لسيطرة الإمام .

    2 ـ إن حكومة صاحبة الجلالة تلتزم من جهتها بالالتزامات التي تنص عليها معاهدات الحماية و التشاور .

    3 ـ إنها لا تنوي أبداً أن تتخلى عن المنطقة قبل أن تأخذ بعين الاعتبار رغبة السكان و المصالح البريطانية .

    4 ـ إنها تنوي متابعة سياسة التخلي عن استعمار المنطقة بنفس الشروط المطبقة في معظم الممتلكات البريطانية .


    و على أثر رفض الانجليز للمقترحات التي كانت حكومة اليمن على وشك عرضها ، تأزم الوضع على الحدود ، و زاد الوضع تدهوراً عندما أعلنت لندن عن رغبتها في وضع حد لتشتت الإمارات . و على خلاف بعض المعلومات التي نشرتها الصحف ، فأن اليمن عملت ما في وسعها لتجنب التأزيم و كانت تدرك مخاطر استفحال الخلاف ، و لم تسلك سياسة عدوانية دائمة (9) . فقد احتجت على مشروع تجميع الإمارات ، و أشارت إلى أن هذا المشروع لا يتفق و أحكام معاهدة عام 1934 . إلا أن الوزير المفوض البريطاني في القاهرة أعلن في 12 يناير 1957 ، بأن ( معاهدات 1934 و 1951 يجب أن تعتبر ملغاة ) .

    في ربيع 1958 بلغت الأزمة الاوج ، على أثر إعلان ( اتحاد إمارات الجنوب العربي ) و يعتبر هذا التاريخ هاماً لسببين :

    1 ـ فهو يتفق مع بدء مرحلة جديدة من السياسة الاستعمارية تتميز بعزم الحكومة البريطانية على تعزيز وضعها على شاطئ البحر الأحمر .

    2 ـ ثم هو يرافق انضمام اليمن إلى الدول العربية المتحدة الذي كانت له على الصعيد الداخلي نتائج لم تكن في الحسبان . فحتى ذلك الوقت ، لم يكن شعب عدن و المحمية الغربية في الواقع ، لتغريه فكرة الوحدة مع النظام الرجعي في صنعاء . إلا انه منذ بدأ اليمن يساهم في توحيد الأمة العربية ، خفت حدة الخصومة التي كان محاطاً بها . كما اشتد ساعد حركة التحرر الوطنية .

    عادت الأزمة بين اليمن و السلطات البريطانية بين عام 1958 و عام 1962 إلى التوتر . و قد قامت محاولة نهائية لتسوية الأزمة في يوليو 1958 خلال اللقاء الانجليزي ـ اليمني الذي تم في إثيوبيا ( ديريداوا ) (10) . إلا أن المحاولة لم تنجح . و قد أثار توسيع الاتحاد لغطاً كثيراً في الداخل و الخارج . فوجّه النظام الملكي في آخر مرحلة من احتضاره مذكرة إلى وزارة المستعمرات بتاريخ 17 أغسطس 1962 يحتج على اتفاق إدخال عدن في الدولة الاتحادية ، و يؤكد من جديد بأن هذا العمل مخالف لمعاهدة صنعاء . و قد أجابت انجلترا على المذكرة بعبارة جافة تقول فيها ( إن هذا الانظمام لا يلغي المعاهدة المذكورة التي تبقى سارية المفعول ) . و قد استمر حوار الطرشان حتى انقلاب سبتمبر الذي أطاح بأسرة حميد الدين . و منذ ذلك الحين أخذت الأحداث مجرى جديداً . فقد كان خوف المملكة المتحدة على قاعدتها البحرية ـ الجوية و حرصها على حماية الاتحاد ، يدفعها إلى بذل كل جهودها للحيلولة دون اشتعال الثورة .

    ....................................

    1 ـ السير توم هيكينبوتام . ص 176 .
    2 ـ ( دفاتر الجمهورية ) رقم 8 يوليو ـ أغسطس ، باريس 1957 .
    3 ـ السير توم هيكينبوتام ، ص 55 .
    4 ـ ( دفاتر الجمهورية ) العدد 8 يوليو ـ أغسطس ، باريس 1957 .
    5 ـ الوثائق الفرنسية : ملاحظات و دراسات وثائقية ، رقم 2186 ، باريس 1956 .
    6 ـ السر برنار ريللي ( عدن اليمن ) ص 30 .
    7 ـ مجلة الاوريان العدد 7 باريس 1958
    8 ـ ( عدن و المحمية و اليمن ) ص 23 ـ 24 ، لندن 1961 .
    9 ـ مجلة الاوريان ، العدد 7 .
    10 ـ السر برنار ريللي ، ص 57 .

    ..........................................

    .......... يتبع ..........
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2005-11-14
  19. ابو ملاك

    ابو ملاك عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-01-17
    المشاركات:
    483
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: كتاب (( اليمن الجنوبي )) ، وثيقة تاريخية هامة للغاية لكل مهتم بتاريخ المنطقة .

    في ظل النظام الجمهوري :

    إن ثورة 26 سبتمبر 1962 التي لم تكن على غرار المحاولات الانقلابية السابقة التي كان يغذيها الإنجليز ، و التي تمت هذه المرة دون علمهم .. إن هذه الثورة تشكل مرحلة حاسمة في تاريخ شبه الجزيرة العربية . فقد أحدثت تبدلاً أساسياً في الخارطة السياسية للمنطقة ، حيث انبثق من قلب الحكم المطلق الذي كان يهيمن على المنطقة منذ ألوف السنين ، نظام تقدمي يهدف إلى تحويل اليمن من بلد يعيش في ظل عقلية و حياة القرون الوسطى ، إلى بلد حديث .

    إن هذه الثورة تعني بالنسبة لأمراء اليمن الجنوبي و للإقطاعية العربية بصورة عامة ، نهاية لدولتهم . فإذا وطدت الجمهورية أقدامها ، فإنها لن تلبث أن تحدث تأثيراً كبيراً على سكان المناطق المجاورة و تصبح مركز جذب لهم ، و بالتالي دافعاً لهم للقضاء على الأنظمة الرجعية .

    كما أن بريطانيا و الولايات المتحدة تخشى أن تمتد آثارها إلى إمتيازاتها و مصالحها البترولية ( شركة النفط العراقية و الآرامكو ) ، لذلك عملت بريطانيا و السعودية و ما تزالان تعملان على القضاء على هذا النظام الجديد حتى يتخلصا من نتائجه المهددة لمصالحهما . أما الجمهوريون فإنهم لم يسارعوا عشية استلامهم للسلطة في طرح مطالبهم باسترجاع المناطق التي يدور حولها الخلاف اليمني ـ البريطاني . و كان ذلك من قبيل الحذر ، و نوعاً من الخطة الرامية إلى إظهار الرغبة في التعايش مع الجوار و لو مؤقتاً . إلا أن حرب الإذاعات ( ضد المحتل الأجنبي ) ما لبثت أن احتدمت و أخذت تشتد كلما زادت السلطات الإنجليزية مساعدتها للقوات الملكية المعادية للجمهوريين الثوريين . إلا أنهم من جهة ثانية بذلوا كل ما في وسعهم حتى لا يكون في موقف اليمن تجاه اليمن الجنوبي ما يثير مخاوف الوطنيين الذين لا يرغبون في إلحاق الجنوب بالشمال ، أو ما يصدم الرأي العام العالمي . كما أن عدم سيطرتهم على الوضع الداخلي كانت تملي بدورها هذه المواقف المرنة .

    فالحكومة الجمهورية لا تطالب بعودة الجنوب بدون قيد أو شرط . و هي تحرص على استشارة السكان ، كما يستنتج من تصريح مندوبها أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة في دورتها عام 1963 . فقد صرح ممثلها بأن ( حكومته تطالب بإعطاء شعب اليمن الجنوبي حقه في تقرير المصير و في الاستقلال و في انتخابات حرة ) . أما مندوب الحكومة البريطانية فقد أجاب في خطابه : ( إن اتحاد الجنوب العربي يلبي رغبة سكانه ، و هؤلاء لا يملكون أية رغبة في الاتحاد مع اليمن ) .

    ثمة ملاحظتان تستدعيهما المواقف :

    1 ـ التحول الهام من جانب حكومة صنعاء التي يبدو أنها تخلت عن المطالبة بالمناطق المتنازع عليها . و قبلت بأن تترك المسألة للرأي العام الشعبي .

    2 ـ التراجع الواضح من جانب الحكومة البريطانية التي كانت تطالب بالاستفتاء الشعبي أيام الحكم الملكي ، و التي لم تعد تقبل به في ظل الحكم الجمهوري في اليمن .

    و على الرغم من توصيات لجنة مكافحة الاستعمار في الأمم المتحدة المتكررة ، التي كانت تؤيد الاستفتاء الشعبي حتى تسمح للسكان بتقرير مصير بلادهم ، فإن انجلترا انفردت بإعلان استقلال ( الاتحاد ) .

    وجهة النظر البريطانية :

    لقد بقيت انجلترا خلال فترة طويلة تسوق حجتين لتبرير معارضتها لفكرة توحيد المناطق التي تسيطر عليها مع اليمن . فهي أولاً كانت تدعي بأن اليمن الجنوبي متطور سياسياً أكثر من الشمال الخاضع للحكم الاستبدادي اللا إنساني . و هي من جهة ثانية كانت تلح على التطور الاقتصادي و الاجتماعي الذي حققه الجنوب بالنسبة للتخلف الشامل في الشمال . و في مثل هذه الشروط ، كانت تعتبر توحيد الشمال و الجنوب عملاً فيه غبن لشعب اليمن الجنوبي المشمول بحمايتها .

    و إذا وضعنا عدن جانباً ، بدت لنا المزاعم البريطانية منافية للحقائق التاريخية و يمكن دحضها بسهولة ، فمن الخطأ القول بأن الإمارات تتمتع بأجهزة سياسية و إدارية متقدمة على اليمن الملكية ، بل العكس هو الصحيح في غالبية الحالات . فقد لاحظنا في الفصلين الأول و الثاني ، بأن الإمارات في مجملها تشهد تبدلات كبيرة ، و أن السلطة تتجسد فيها دوماً في شخص زعيم اقطاعي ، و أن معظمها لا يستحق فعلاً اسم ( دولة ) لأنها لا تعدو كونها في الواقع وحدات صغيرة لا شأن لها . أما الدولة اليمنية فتتميز عن ملحقاتها القديمة بطابعها المركزي القوي الموحد ، و هي تملك جيشاً و حكومة و جهازاً دبلوماسياً . و على الرغم من طابعها الرجعي ، فقد كانت كاملة السيادة ، في حين أن جاراتها لا تعدو كونها إمارات صغيرة خاضعة عملياً لحكم المستشارين البريطانيين الذين كانوا يمسكون بأيديهم زمام السلطة .

    أما فيما يتعلق بالتقدم الاقتصادي و الاجتماعي المزعوم ، فإذا ما استثنينا بعض الإنجازات الزراعية في أبين و لحج ، فإن التخلف عام في الإمارات . و أحد المراقبين الانجليز يقول هو نفسه (1) : إن التناقض بين المحمية و المستعمرة أمر يدعو إلى الحيرة . فالحياة في القسم الأعظم من دول المحمية تبدو و كأنها لم تلمس لا من غريب و لا من بعيد التقدم الحضاري في الغرب ) . فعلى الصعيد الاقتصادي الاجتماعي لا مجال للتمييز في المستوى بين المحمية و بين اليمن ، فكلاهما متخلف عن العصر بما يعادل قرناً من الزمن .

    و حتى لو سلمنا بأن ثمة تطوراً سياسياً و اقتصادياً قد تحقق في اليمن الجنوبي ، و أن تخلف اليمن في ظل الملكية تخلف كامل ، فلا بد من التسليم بأن هذا الوضع قد شهد تبدلاً عنيفاً بعد حلول النظام الجمهوري محل أكثر الأنظمة مدعاة إلى الكراهية في العالم . هذا من جهة ، و من جهة أخرى ، فإن المزايا الاقتصادية التي تتمتع بها عدن لم تحل ، رغم أهميتها ، بين السكان و بين تطلعهم إلى الاستقلال و الوحدة . إلا أن بريطانيا لا تريد أن تأخذ هذا العامل بعين الاعتبار .

    و قد بذل الإنجليز جهدهم بعد قيام الثورة لمساومة الزعماء الجمهوريين في السر أولاً ثم في العلن ، من أجل القبول باتحاد الجنوب العربي لقاء الاعتراف بنظامهم الجمهوري . إلا أن سياسة الأمر الواقع هذه لم يكتب لها النجاح . بل عادت على أعداء الثورة بالنفع . فقد تعهد الملكيون بالاعتراف بالدولة الاتحادية بمجرد عودة الملكية ، و ذلك لقاء الحصول على مساعدات مالية و عسكرية ضخمة . الأمر الذي يكشف عن الدور الذي تلعبه السلطات الاستعمارية في الحملة ضد النظام الجمهوري في اليمن .

    إن لندن لم تغفر للنظام الجديد استعانته بالرئيس عبد الناصر ، لأن دخول الجمهورية العربية المتحدة إلى مسرح المنطقة التي تعتبرها إنجلترا منطقة نفوذ غربي ، عمل يثير مخاوف الانجليز . و هذا هو السبب الذي دفع بريطانيا إلى مساندة الملكيين من أجل حماية مصالحها الاستراتيجية و البترولية .

    إن صحيفة ( لومند ) في عددها ( 7 ـ 5 – 964 ) تذكر بهذا الصدد بأن اليمن ( بحكم كونه بلداً ذا تكوين قبلي ، فإن من السهل في نظر وزارة المستعمرات ، أن تعبأ مقاومة جدية للسلطة المركزية . و هكذا فإن أموالاً و أسلحة و مؤونة ، قد دخلت سراً إلى اليمن بمساعدة شريف بيحان الزعيم القبلي المؤيد تأييداً كاملاً لوجهة النظر الانجليزية في اليمن الجنوبي . و قد حققت هذه العملية نجاحاً جزئياً لأنها عززت قوى الملكيين ، إلا أنها من جهة ثانية أشعلت المقاومة المسلحة المدعومة من الجمهوريين في قلب الاتحاد نفسه .

    و هكذا ظهر الغرب أمام الرأي العام العربي بمظهر الدفاع عن الأنظمة البالية ، و أصبحت الإمبريالية مدانة على ألسنة القادة العرب . فالبيان الذي صدر عن مؤتمر القمة الأول الذي صدر في القاهرة في يناير عام 1964 يؤكد بقوة ( إيمان الرؤساء و الملوك العرب بمشروعية النضال العربي و بضرورة دعم هذا النضال ضد الإمبريالية في المنطقة المحتلة من اليمن الجنوبي و عمان ) .

    و الخلاصة ، فإن كل شيء ينبئ بأن الأمور تتجه نحو أزمة دولية جدية إذا لم تتحقق تسوية سريعة للخلاف الانجليزي ـ اليمني .

    أن وجهة النظر البريطانية تتجه نحو طلب تعيين لجنة تحكيم من قبل الأمم المتحدة ، مكلفة بتحديد الحدود و المنطقة المجردة من السلاح ، و وضع مراقبين دوليين في هذه المنطقة إذا اقتضى الأمر . كما أن انجلترا تتطلع إلى تحكيم محكمة العدل الدولية في لاهاي في القضية .

    إلا أن الأمل ضعيف في أن يحظى أحد هذين الحلين بموافقة اليمن التي تدين الوضع الراهن نفسه و لا تقف عند مشكلة الحدود ، كما أنه ما من شرير يسمح بالقول بأن الأطراف المتنازعة يمكن أن تقبل فعلاً حكماً غير متحيز . لأن المصالح و الحساسيات التي تدخل في هذه المشكلة ، تجعل الوساطة أمراً مستحيلاً و التحكيم في غاية الصعوبة .

    و يمكن أن نستنتج من ذلك مدى صعوبة المسألة . فانجلترا تبدو واثقة من نجاح سياستها ، و هي تعتمد على ولاء الأمراء و على وجود قواتها ، لقطع دابر المحاولات الانقلابية و الاضطرابات . إلا أن موجة التحرر في المنطقة ، و استقطاب الجمهورية اليمنية لأنظار الجماهير العمالية و المثقفين في المستعمرة ، باتا يهددان مستقبل الأمراء و مستقبل الوجود البريطاني نفسه تهديداً جدياً .

    و هكذا فإن الخلاف اليمني ـ البريطاني القديم هو في طريقه لأن يأخذ شكل حركة شاملة تطالب بالوحدة و بالنضال ضد الإمبريالية البريطانية و الزعامة القبلية .

    قضية اليمن الجنوبي أمام الهيئات الدولية :

    منذ مؤتمر باندونغ بدأت تطرح قضية الممتلكات البريطانية في جنوب شبه الجزيرة العربية بشكل منتظم ، في العديد من المؤتمرات التي نظمتها بلدان آسيوية و إفريقية ، أو على صعيد المؤتمرات العربية بوجه خاص . و قد اتخذت مقررات عديدة حول هذه القضية ، أعطت الحق تارة لليمن و تارة لإشباع فكرة ( الكيان الخاص بالجنوب العربي ) . و جرياً على العادة ، فقد بقيت هذه المقترحات أفلاطونية إلى حد بعيد و دون نتائج عملية . و انجلترا لم تعط ذلك أية أهمية طالما أن الأطراف المعنية لم تسو خلافاتها و لم تتقدم بوجهة نظر موحدة . و قد استمدت السياسة البريطانية قوتها من الانقسام القائم بينها .

    بيد أن انتباه العالم ما لبث أن انجذب إلى الموجة العارمة من النضال المعادي للاستعمار ، و إلى الأحداث التي بدأت تجتاح المنطقة من جراء اتساع حملات القمع للمعارضة الوطنية . فقد كتبت الاوبزرفر بهذا الصدد قائلة (2) : ( إن القوة لا يمكن أن تعزل الى الأبد هذه المناطق ( عدن و المحمية ) عن التيارات العربية العامة . فإذا تصرفنا على هذا الأساس كان عملنا غبياً فضلاً عن كونه لا أخلاقياً و مخالف للديمقراطية . إن الزمن لا يسمح حتى في الشرق الأوسط بتصريف الأمور و معالجتها بحد السيف ) .


    تدخل الجامعة العربية :

    بقيت عدن و محميتها 125 عاماً تحت السيطرة البريطانية معزولة عن كل تدخل خارجي آخر . لقد حاولت الدول العربية دوماً أن تفتح قنصليات في المستعمرة و في الإمارات الهامة على الأقل . إلا أن السلطات البريطانية كانت ترفض السماح بإنشاء مثل تلك المراكز ، بحجة أن نشاطها من شأنه أن يشجع الحركة المعادية للإنجليز . و كانت تبرر موقفها بالقول إن المنطقة يجب أن تصل قريباً الى مرحلة الاستقلال ، و بأنها لا ينبغي أن تتخذ منذ الآن مواقف خاصة بالعلاقات الخارجية من شأنها أن تقيد نشاطها الدبلوماسي في المستقبل (3) .

    و أقل ما يمكن أن يقال بهذا الصدد هو أن هذا العذر غير مقنع ، لأن سلطات غربية عديدة ( الولايات المتحدة ، فرنسا ، ايطاليا ) و إفريقيا ( إثيوبيا و الصومال ) و آسيوية ( الهند و الباكستان ) كان لها دوائر قنصلية و تجارية في عدن .

    و قد كان لرفض السلطات البريطانية مفعول عكسي . فقد اشتدت الحملات الإذاعية المعادية لبريطانيا . كما قد استغلت اليمن الفرصة من اجل التشدد و الإلحاح في مطالبها .

    و منذ عام 1954 لجأت اليمن على الجامعة العربية طالبة دعمها ، و خاصة فيما يتعلق بالصراعات الدائرة حول قضية شبوة و حول تغيير الوضع الراهن بشكل عام . فاليمن تؤكد بأن شبوة حيث اكتشف البترول حديثاً تشكل من الناحيتين التاريخية و الجغرافية جزءاً لا يتجزأ من ارض اليمن .

    أما بريطانيا فتدًعي على العكس بأن تلك المنطقة تشكل جزءاً من حضرموت . و قد أصبحت بموجب اتفاق عام 1951 منطقة مجردة من السلاح ، بعد سلسلة طويلة من الاشتباكات العنيفة بين القوى اليمنية و القوى المحلية الخاضعة للنفوذ البريطاني .

    إن اهتمام السلطات البريطانية في عدن بالبترول ، دفعها إلى احتلال المنطقة المتنازع عليه من جديد بغية استثمارها . و قد احتجت صنعاء و طرحت المسألة لدى الجامعة العربية ، و لفتت أنظارها الى النوايا التي تبيتها وزارة المستعمرات حول تجميع الإمارات في دولة اتحادية تعتبرها اليمن بمثابة تهديد مباشر لسيادتها .

    و لم تتأخر الجامعة العربية طبعاً عن تأييد وجهة النظر اليمنية . و قد صرح الأمين العام في فبراير 1959 بأن ( جميع الدول الأعضاء سوف يتعاونون على تفشيل المخطط البريطاني الرامي إلى أنشاء اتحاد لدويلات جنوب الجزيرة العربية ) ثم أردف في النهاية قائلاً : ( إن بريطانيا سوف لن تتمكن من تدعيم أوضاعها في هذا الجزء من العالم ) .

    و قد وعدت المنظمة العربية من ناحية أخرى ببذل قصارى جهدها لدى الدول الصديقة من أجل أن تمارس ضغطاً قوياً على إنجلترا من أجل حملها على إعادة النظر في قرارها . كما أنها قامت بحملة دعائية و إعلامية بهذا الصدد . إلا أنها تجنبت أن تتقدم بشكوى إلى الأمم المتحدة ، لأنها كانت تدرك سلفاً بأن هذا المسعى سوف يفشل ، فلم يكن بالامكان أن تدعم الكتلة الافريقية ـ الآسيوية مطالب النظام الملكي ، لأن جل استعدادها ينحصر في دعم المساعي الهادفة إلى تحرير اليمن الجنوبي من ربقة الاستعمار . و هذا هو السبب الذي جعل الجامعة العربية توكل هذه المبادرة إلى اليمن و على البلاد الشقيقة .

    إن اليمن كانت تدرك ما يدور في خلد البلدان الافريقية ـ الآسيوية ، لذلك فهي لم تجرؤ على طرح القضية بشكل مكشوف . أما البلدان الشقيقة فإن عواطفها كانت تتجه الى رجال الحركة الوطنية ، و بصورة خاصة مصر التي تبنت سياسة التوازن ، و شهدت بحكم تبدل الأوضاع تحولات متعددة . فقد بقيت مصر حتى قيام الجمهورية العربية المتحدة تتبنى تجاه القضية اليمنية موقفاً متأرجحاً . تارة تدعم رابطة الجنوب العربي ضد انجلترا و ضد النظام الملكي المتخلف ، و تارة تتقرب من الأخير ضد انجلترا . و قد كان هذا التأرجح طابع العلاقات فيما بين الدول العربية نفسها التي كانت تتراوح صعوداً و هبوطاً ، تبعاً لتطور الأوضاع في الشرق الأوسط .

    إلا أن دخول اليمن في إطار ( الدول العربية المتحدة ) بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة و اتحاد سوريا و مصر ، قد جعل الجمهورية العربية المتحدة تتبنى القضية اليمنية نهائياً . إلا أن هذا الارتباط قد حل بعد انفصال سوريا عن مصر . و بعد حل ( الدول العربية المتحدة ) في ديسمبر 1961 . و عندئذ عادت مصر الى سياستها التقليدية . و مع وصول الجمهوريين الى الحكم اندفعت مصر الى دعم النظام الجديد مادياً و دبلوماسياً ، و إلى إهمال رابطة الجنوب العربي من جديد . و قد كان لتدخلها العسكري الى جانب القوات الجمهورية أثر في زيادة رصيدها ، لأن ذلك أظهرها أمام الجماهير العربية بمظهر المدافع الحقيقي عن القومية العربية .

    و تجدر الإشارة إلى أن الدول العربية الأخرى لم تكن تشارك الجمهورية العربية المتحدة في وجهة نظرها . فبعضها لم يكن يتبنى المطالب اليمنية و كان يشجب الاستعمار في الأمم المتحدة و ينضاف إلى الكتلة الافريقية ـ الآسيوية في المطالبة بجلاء الانجليز عن اليمن الجنوبي دون أن يطالب بضمه إلى اليمن .


    التوجه الى الأمم المتحدة :

    إذا كان تدهور الوضع الداخلي ، و على الحدود من جهة ، و الشعور بالتضامن مع اليمن من جهة أخرى ، هما السبب الذي دفع الى اللجوء الى الجامعة العربية ، فإن التوجه الى الأمم المتحدة هو نتيجة لهذا التدهور .

    و منذ أصبح طرح هذه القضية في الأمم المتحدة طرحاً منتظماً ، أصبح تدخل الهيئة الدولية متزايداً و ملحاً . و أصبحت انجلترا يوماً بعد يوم تجد نفسها في موقف حرج إلى درجة رفضت معها التعاون مع اللجنة الفرعية التي جرى تعيينها لاستقصاء الرغبات الحقيقية للسكان .

    لقد جر الانفجار الشعبي في عدن السلطات الاستعمارية الى اتخاذ تدابير عنيفة . كما أنها أحالت إلى المحاكم القادة السياسيين و النقابيين و بعض الشبان و الفتيات الذين جرى توقيفهم خلال المظاهرات . و قد نقلت وكالات الأنباء أصداء تلك الحوادث ، و عبر الرأي العام العالمي عن استنكاره لتلك التدابير التي لجأت إليها السلطات الاستعمارية . و قد كان رد الفعل الأقوى هو موقف الكتلة الافريقية ـ الآسيوية التي قدمت عريضة الى الامم المتحدة بتاريخ 4 يونيو 1963 تعلن بأن الوضع في ( اتحاد الجنوب العربي ) يشكل خطراً على السلام و الأمن ، و تقترح إرسال بعثة من قبل لجنة تصفية الاستعمار لزيارة المنطقة . و قد سبق أن قدمت استراليا و الدانمرك و الولايات المتحدة و ايطاليا مشروع قرار الى لجنة تصفية الاستعمار ( المعروف بلجنة الاربعة و العشرين ) يعترف بحق سكان عدن و المحمية بحق تقرير المصير و بالاستقلال . و يطالب عدا عن ذلك بإتاحة المجال لهم في المستقبل القريب ، بتقرير مصيرهم بحرية .

    و قد تبنت اللجنة أيضا المشروع الآسيوي ـ الإفريقي القاضي بإرسال لجنة فرعية تتولى التحقيق و الاستقصاء على الطبيعة ، و ذلك بأكثرية 18 صوتاً ضد خمسة أصوات ( و هي أصوات القوى الغربية الأربع مضافا إليها صوت بريطانيا ) . و قبل أن يجري التصويت أعلن مندوب بريطانيا بأن حكومته لن تسمح لأعضاء البعثة بزيارة عدن . و كان يزعم بأن عمل البعثة يشكل تدخلاً في الشؤون الداخلية البريطانية لا بد أن يعيق الجهود التي تبذلها بلاده من أجل الأخذ بيد الاتحاد نحو الاستقلال . لذلك جاء في نص الاقتراح الذي تبنته لجنة تصفية الاستعمار ، بأن البعثة مخولة باللجوء إلى البلدان المجاورة إذا اقتضى الأمر من اجل استطلاع رأي السكان و بصورة خاصة رأي ممثلي و قادة الاحزاب ، و عقد مباحثات مع السلطة الإدارية (4) .

    إن منع دخول اللجنة عدن ، دعا اللجنة إلى الاتجاه نحو المملكة العربية السعودية من أجل إنجاز مهمتها . و هكذا استطاعت أن تستطلع رغبات شعب اليمن الجنوبي عن طريق سماع وجهات نظر مختلف الوفود التي أرسلت من المستعمرة و من القاهرة للتحدث إلى ممثلي الأمم المتحدة .

    و قد طلبت البعثة في تقريرها تنظيم انتخابات حرة . و تمت الموافقة على توصيات البعثة في 11 ديسمبر 1963 ، ثم تم التصويت على قرار جديد يدعو بريطانيا إلى تنظيم هذه الانتخابات .

    و قد قوبلت تلك التوصيات بارتياح و حماس من قبل غالبية التشكيلات السياسية المحلية ، بما فيها حزب الشعب الاشتراكي . و لكنها رُفضت من طرف الأمراء الذين كانوا يصرون دوماً على معارضة إدخال مبدأ الانتخاب في مناطق نفوذهم و على حرمان أتباعهم من حق أولي أقره ميثاق الأمم المتحدة . أما بالنسبة للسلطة الاستعمارية ، فقد كان رد فعلها معتدلاً . لأن القرار ينطبق في جوهرة مع المشروع البريطاني الأولي باستثناء شرط الانتخابات المسبقة في المحمية . أما بالنسبة للمستعمرة ، فيمكن تذليل هذه الصعوبة . فقد سبق للمفوض السامي أن أعد نظاماً انتخابياً جديداً على هواه يجري تطبيقه عام 1964 و يستبعد فيه اليمنيين القاطنين في عدن من قائمة الناخبين و يعتبرهم أجانب ، بالإضافة إلى اعتبارهم مخربين و مشاغبين . الأمر الذي أثار موجة جديدة من الاحتجاجات ضد هذا التمييز السياسي . و في إنجلترا نفسها قامت بعض الصحف بتسجيل أسفها لأن ثلث السكان في المستعمرة قد حرموا من حق التصويت . حتى أن صحيفة الفاننشل تايمز في عددها بتاريخ 5 ـ 5 ـ 1964 تشير الى الثمانين ألف يمنياً في قولها : ( إنهم يشكلون فريسة جاهزة لدعاية عبد الناصر . فما على بريطانيا إلا أن تدفع المشايخ في الاتحاد نحو المزيد من الديمقراطية و عدم الحيلولة دون تطور عدن ) .

    و الخلاصة ، فان المشاعر العدائية التي أظهرها الشعب نحو الاتحاد ، إنما تنجم عن كون الاتحاد لا يعدو كونه نوعاً من أنواع ( النوادي الخاصة ) التي يتم اختيار أعضائها بدقة من خلال الشخصيات المرتبطة اشد الارتباط ببريطانيا . و لن تتوقف تلك الكراهية إلا عندما يتبدد ذلك الانطباع عن الاتحاد . أما الوعود فأنها محاطة بالشكوك ، و لا يمكن أن تهدئ من روع الشعب . و إزالة حالة التوتر تتوقف على شرط وحيد ، و هو الدخول في مفاوضات مع رجال الحركة الوطنية الذين لا يريدون أن يخدعوا بالوعود .

    إن مجموعة من الدلائل أتت حديثاً تؤكد تفاقم الاضطرابات : إلقاء القنابل ، إغلاق الحدود ، إعلان حالة الطوارئ ، و تزايد الأعمال الفدائية . و من ثم أعمال التوقيف و الملاحقة و النفي و الاعتقال و الطرد بالمئات (5) .

    إن تدهور الوضع بشكل دائم دعا مجلس الأمن إلى التصويت بتاريخ 14 ـ 12 ـ 1963 على قرار يدين هذه التجاوزات ، و يطالب بوقف أعمال العنف البوليسية مباشرة . و قد قررت ( اللجنة الخاصة ) بإنهاء الاستعمار تشكيل لجنة فرعية مؤلفة من خمسة أعضاء لمراقبة تطور الوضع و إعداد الزيارات لهذه المنطقة . و على أثر القصف الجوي البريطاني للقوات اليمنية في حريب تبنت ( اللجنة الخاصة ) بتاريخ 9 ابريل 1964 قراراً جديداً تعتبر اللجنة بموجبه الجلاء عن القاعدة البريطانية أمراً مستحسناً ، و تطلب إلى المملكة المتحدة أن تلغي حالة الطوارئ و التدابير التي من شأنها أن تحد من الحريات و أن توقف قصف القرى (6).

    و رغم ذلك كله ، فقد استمر الوضع في التدهور و أصبح يهدد مصير الاتحاد و السلام في المنطقة . فقد امتد تمرد قبائل ردفان و الأميري التي كانت الإذاعات المجاورة تزيد في اشتعاله ، و شمل مناطق أخرى . و بات هم القوات الاتحادية و البريطانية القضاء على مهد الثورة و الحيلولة دون انتشارها ، لأن لهيب الثورة إذا ما امتد الى عدن فإنه يصبح عندئذ بمثابة تهديد جدي للمصالح البريطانية .

    و قد لفت الهجوم الضاري الذي تقوم به السلطات الاستعمارية على القبائل المتمردة ، انتباه لجنة تصفية الاستعمار ، فطلبت وقف العمليات التأديبية ضد سكان الاتحاد و شجبت التدخل الانجليزي ، و اعتبرت الإجراءات العسكرية التي اتخذتها بريطانيا في المنطقة تتنافى مع التصريح بمنح الاستقلال للبلدان و للشعوب المستعمرة .

    إن بريطانيا ترى في حمى التمرد يد الجمهورية العربية اليمنية ، و هي تتخذ من هذا الاتهام تبريراً لأعمال القمع . و هي من جهة ثانية تنكر بشدة مساعدتها للعناصر الملكية لتقويض النظام الجمهوري . و ذلك في الحقيقة مخالف للواقع .

    إن الشرط الأول للسلام هو التوقف عن التدخل في الشؤون الخارجية لليمن . فبدون ذلك لا بد أن يستمر النزاع حول الأراضي ، و أن يؤدي ذلك إلى تسميم العلاقة بين اليمن و بين الاتحاد . فالاتحاد لا يمكن أن يفرض نفسه في الداخل و الخارج إلا إذا توصل الى تعايش سلمي مع الدولة الجارة . كما أن بقاء الاتحاد يتوقف على المهارة التي يجب أن تتجلى في مواقف قادة الاتحاد و أصدقائهم الانجليز .

    ...........................
    (1) صحيفة التايمس تاريخ 9 ـ 10 ـ 1961 .
    (2) الاوبزرفر في 27 ابريل 1958 .
    (3) لوموند في 17 ـ 1 ـ 1961 .
    (4) لوموند ، عدد 5 ـ 6 مايو 1963 .
    (5) حسب تقرير صحيفة الطليعة الكويتية في عددها رقم 74 تاريخ 25 ـ 3 ـ 1964 ، هناك حوالي 993 طُردوا من عدن منذ 19 يناير 1963 .
    ..........................

    نهاية الفصل السابع .
     

مشاركة هذه الصفحة