كيف فتشت "القاعدة" عن دولة توأم لإمارة «طالبان»؟

الكاتب : fas   المشاهدات : 866   الردود : 14    ‏2005-10-11
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-10-11
  1. fas

    fas قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-01-23
    المشاركات:
    3,537
    الإعجاب :
    0
    كيف فتشت "القاعدة" عن دولة توأم لإمارة «طالبان»؟
    (1 من 3) ...
    مآزق تشكلت على مدى عقدين من الحرب الباردة
    تعاني اليمن من آثار تحالف قديم في ظل تنصل الشريك الأكبر من أي مسؤولية



    الماء يغلي في صنعاء على درجة حرارة تبلغ 97 مئوية، وذلك بفعل قصر عمود الهواء الناجم عن ارتفاع المدينة 2300 متر عن سطح البحر. لن تفارق هذه المعادلة زائر العاصمة اليمنية، اذ ان الطبيعة القاسية التي اختارت صنعاء ان تتوسطها مرتبطة الى حد كبير بعدد من الوقائع والمعطيات السياسية والاجتماعية.
    سيلاحظ زائر صنعاء تشابهاً طبيعياً كبيراً بينها وبين كابول، وان كانت السلاسل الجبلية التي تزنر العاصمة الأفغانية أكثر ارتفاعاً.
    ولم يبق هذا التشابه مجرد جبال تشبه بعضها بعضاً، اذ تبادلت هاتان الطبيعتان المقاتلين والحروب، تارة عبر ارسال الجبال اليمنية مقاتليها الى افغانستان، وطوراً من خلال اعادة ارسال الجبال الافغانية المقاتلين العرب من اليمنيين وغير اليمنيين الى اليمن بعد ان زودتهم بخبرات كبيرة في مجالات القتال.
    الأوكسيجين قليل في صنعاء بسبب ارتفاعها ايضاً. على المرء حين يباشر نفخ رئتيه ألا يتوقع كمية هواء تشبع حاجته. الجبال الشاهقة المحيطة بالمدينة قد تكون حاجزاً يمنع تدفق الأوكسيجين، فمن الشرق يكاد جبل نقم الشاهق يتحول جداراً يفصل ما بين المدينة ومحيطها الجغرافي، ومن الغرب يلعب جبل عيبان وظيفة مشابهة، ومن الجنوب جبلان صغيران اسمهما النهدين، فيما تنفرج الطبيعة من الشمال مفسحة للقليل من الأوكسيجين والكثير من ابناء العشائر المتقاطرين الى صنعاء.الجبال الشاهقة المحيطة بصنعاء من الشرق والغرب والجنوب تمنع تدفق الأوكسجين، فيما تنفرج الطبيعة من الشمال مفسحة للقليل من الأوكسجين والكثير من أبناء العشائر




    لكن وعلى رغم الوحشة الطبيعية والجغرافية، صنعاء حياة دافئة واليفة. المدينة ليست هادئة على الأقل، ثمة قبائل تتقاتل وتتصالح، واحزاب متحالفة واخرى متخاصمة، و«جهاديون» عائدون من افغانستان، بعضهم في السجون وآخرون متربصون في امكنة مجهولة. نساء منقبات حائرات، وشعراء يبحثون عن دور نشر لقصائدهم الكثيرة. ومجالس القات، نعم مجالس القات تلك التي يدعونك اليها كلما انتصف النهار. وفي اليمن دولة ضعيفة ومعارضة ضعيفة، هما نفساهما دولة قوية ومعارضة قوية، ومن بين الحد الفاصل بين القوة والضعف يتسرب ايضاً قليل من الاوكسيجين ينعش القبائل والأحزاب وينعش أعداءها.
    ليس القدر وحده وراء التشابه بين كابول وصنعاء، انما ايضاً مشهد الجماعات التقليدية في الشوارع والأسواق. عشائريون بثيابهم التقليدية سائرون أفرادا ومجموعات في مدينة يقول احد أبنائها أنها تحولت إلى قرى صغيرة، حيث يأتي إليها أبناء التجمعات السكانية من أنحاء اليمن وينشئون فيها موطئ قدم، يشكل نواة تجمع ريفي في قلب المدينة. وعلى هذا النحو تمددت صنعاء أفقيا وصولاً إلى سفوح الجبال التي تزنرها، فيما كانت في الماضي القريب محبوسة في سورها وعند أبوابها التي لم يبق منها إلا باب اليمن، القريب من ميدان التحرير.
    كان من المفترض ان تكون اليمن على رأس قائمة الدول المستهدفة بالحملة على الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر). رشحها كثيرون لهذا المصير قبل العراق. فقبل هذا التاريخ بسنة واحدة وقع حادث تفجير المدمرة الأميركية «كول» في مرفأ مدينة عدن، وبعده بأقل من سنة حادث تفجير السفينة الفرنسية «ليمبورغ» في ميناء حضرموت، وقبل هذين التاريخين ازدحم اليمن بآلاف من «المجاهدين» العائدين من افغانستان بعضهم من اليمنيين وبعضهم من العرب الذين لم تستقبلهم بلادهم.في اليمن دولة ضعيفة ومعارضة ضعيفة، هما نفساهما دولة قوية ومعارضة قوية




    ومع قدوم هؤلاء تولت دولة الوحدة في اليمن استيعاب اليمنيين منهم في مؤسسات الدولة الأمنية، والبحث في مصير غير اليمنيين مع دولهم ومع الجهات الأمنية العالمية. وفي هذا الوقت وفي غمرة تعثرات عملية الاستيعاب كان ابو حسن المحضار وهو احد امراء «الجهاد» في افغانستان ومن مدينة شبوة، العائد لتوه الى اليمن يؤسس «جيش عدن - ابين» وكان تنظيم «القاعدة» في الخارج يخطط لعمليات اخرى في الدولة «التوأم» لامارة «طالبان»، فكلف محمد الأهدل تمويل عملية تفجير المدمرة الأميركية، وتولى ابو علي الحارثي تنفيذ العملية. الأول معتقل اليوم والثاني قتل قبل نحو سنتين في محافظة شبوة في هجوم شنته طائرة اميركية ادى الى مقتله مع ستة من مرافقيه.
    ليست هذه الوقائع بعيدة عما يجري في صنعاء اليوم. انها في صلب المعضلات اليمنية الراهنة. ففي هذا البلد دولة على مسافة غير محددة من هذه الجماعات وان كانت منخرطة في الحملة الدولية على الإرهاب، ومعارضة إسلامية شريكة في الحكم تتمثل في التجمع اليمني للإصلاح ويرأس مجلس شورى هذا التجمع الشيخ عبدالمجيد الزنداني الذي سبق أن لعب دوراً كبيراً في «الجهاد» الأفغاني وهو صاحب جامعة الايمان في صنعاء التي جمد مجلس الأمن أرصدتها في المصارف العالمية واتهمها بدعم الإرهاب.
    وفي اليمن ايضاً رئيس اعلن عزوفه عن الترشح للانتخابات في الدورة المقبلة، لكنه ترك انصاره ومعارضيه في حيرة كبيرة قد تؤدي الى طلبهم اليه العزوف عن قرار العزوف.
    وفي صنعاء والمحافظات القريبة والبعيدة أكثر من مئة عائلة يمنية ممن أرسل أبناؤها الى معتقل غوانتانامو، وقاضٍ مقرب من الرئيس علي عبدالله صالح يحاور مئات المتشددين في السجون و«يقنعهم» ويفرج عن كثيرين منهم بعد ان يوقعوا التزامات بعدم الانخراط في اعمال ارهابية داخل اليمن.
    وفي صنعاء ايضاً وأيضاً رجال ارتبطت اسماؤهم بحقبات غير غابرة ومتداخلة على نحو مأسوي مع حقبات المد «الجهادي» الراهن.
    هذه حال عبدالسلام الحيلة مثلاً وهو ضابط في القوات المسلحة اليمنية تسلم ملف الأفغان العرب خلال مرحلة لجوئهم الى اليمن ثم لاحقاً ترحيلهم الى بلدانهم او بلدان اخرى، وهو بهذا المعنى كنز معلومات نادر في هذا المجال، ولأنه كذلك استدرج الى القاهرة وخطِف منها، وهو اليوم في معتقل غوانتانامو. ولكن ثمة ضباط يمنيون اعلى رتبة من الحيلة واكثر اطلاعاً على ملف الأفغان هم اليوم من ركائز النظام اليمني. وهناك ايضاً عشرات من الشيوخ والناشطين السابقين في هذا المجال مقيمون في اليمن بعدما سويت اوضاعهم على نحو متفاوت. وكل هذا حصل وفق معادلات توازن يمنية فريدة، حكمتها العلاقة بين الدولة والعشيرة، وبين الدولة والمعارضة، وثنائيات اخرى من هذا القبيل.ما زال المجتمع اليمني من اكثر المجتمعات الاسلامية تزويداً لساحات الجهاد العالمية بالمقاتلين




    ما زال المجتمع اليمني من اكثر المجتمعات الاسلامية تزويداً لساحات «الجهاد» العالمية بالمقاتلين. في العراق يؤكد مصدر امني ان المساهمة اليمنية في تنظيم «قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين» كبيرة وبارزة، وان عدداً كبيراً من الانتحاريين يأتون من اليمن. وفي صنعاء اكد اكثر من مصدر لـ«الحياة» ان من بين اليمنيين الذين قتلوا أخيراً في العراق حفيد الشيخ عبدالمجيد الزنداني.
    ومن المرجح ان تكون الدولة جادة في انخراطها في الحملة الدولية على الإرهاب، لكن هذا الانخراط لا يعني إطلاقا تجاوزها ظروفاً تشكلت على مدى أكثر من عقدين من الزمن مكنت «المجاهدين» من تأسيس قواعد سياسية واجتماعية راسخة في المجتمع والدولة اليمنيين. فالسلطة اليمنية كانت طرفاً أساسيا في عملية تشكيل النواة «الجهادية» الأولى منتصف ثمانينات القرن الفائت، سواء في مواجهة النظام الشيوعي في جنوب اليمن، او الانخراط بالحرب الباردة وكانت ساحتها الأبرز أفغانستان آنذاك. الأمر نفسه ينطبق على تجمع الإصلاح وهو الحزب الثاني في اليمن ويتمتع بقاعدة عشائرية ودينية واقتصادية واسعة وغير منسجمة، اذ ان هذا الحزب الاسلامي والعشائري استفاد الى حدٍ كبير من حاجة السلطة اليه في عملية التجييش في مواجهة الجنوب، ليرسخ نفوذاً واسعاً ولينشىء بيئة مستقبلة لدعاواه الاسلامية.
    وصل عدد المعاهد الدينية التابعة للإصلاح في اليمن إلى نحو 750 معهداً، هذا إضافة إلى عشرات المؤسسات الدعوية والخيرية والاقتصادية (هذا قبل القرار الأخير القاضي بدمج هذه المعاهد في مؤسسات التعليم الرسمي). وكل هذا بمعرفة السلطة ودعمها، لا بل تمكن حزب الإصلاح من تأمين موازنة لمؤسساته التعليمية من خزينة الدولة، إضافة إلى مساعدات خارجية كانت تصل عبر قنوات «المؤسسات الخيرية».
    وأدى تعاظم نفوذ تجمع الإصلاح إلى جر حزب «المؤتمر الشعبي لا توجد دولة في العالم تقرر ان تكون شريكاً لمتطرفين سيستهدفونها في النهاية

    عبدالقادر باجمال

    العام» الحاكم الى منافسته في الساحة نفسها، اذ ضاعف المؤتمر تمسكه بالتقاليد العشائرية وأضاف إليها بعداً إسلاميا، فأدى ذلك الى ارتداء صنعاء، بل اليمن كله البرقع. ويقول نبيل وهو يمني من ريف محافظة ذمار ان النساء في قريته لم يرتدين البرقع الا قبل سنوات قليلة، واليوم صار مستحيلاً على أي امرأة في القرية أن تمشي من دونه. ولكن يمكن أيضا رصد مشهد يمني آخر مرتبط بنقاب المرأة، اذ ان هذه الأخيرة لم يوصد النقاب بعض النوافذ في وجهها. يمكنك ان تلاحظ في صنعاء اختلاطاً طفيفاً لا يعيقه النقاب. سيدات منقبات في مكاتب العمل الى جوار زملائهن من الرجال، وصحافيات منقبات في ندوات ومؤتمرات صحافية يطغى فيها الرجال. وربما دل ذلك الى جدة النقاب والى ان عالمه لم يكتمل بعد، وهو لم يتمكن الى الآن من اقامة الفواصل الحاسمة بين الرجال والنساء، علماً ان زينب وهي سيدة يمنية تقول ان قضية الفصل بين الرجال والنساء وان لم تكتمل فهي سائرة في هذا الاتجاه، وقانون التفشي هنا خاضع للمنطق نفسه الذي تفشت بموجبه مظاهر الحياة في صنعاء اليوم.
    فما ان تبادر مؤسسة مثلاً الى فصل موظفيها عن موظفاتها ستجد معظم المؤسسات الجديدة نفسها امام استحقاق من هذا النوع لا يمكن ان تقاومه. ويبدو ان التجمع اليمني للاصلاح تولى مهمات على هذا الصعيد مستفيداً من عدم اكتراث العشائر، وغياب اي مقاومة تذكر، في ظل مجتمع عاجز عن المبادرة في اتجاهات اخرى، ودولة ضعيفة الحساسية المدنية.
    سيدة يمنية تحدثت عن الصعوبات التي تواجهها ابنتها غير المنقبة في مجتمع صنعاء المنقب، فقالت ان الخيارات شديدة الضيق امام ابنتها، اذ يسمح القانون لها بترك النقاب، ولكن ثمة ضغوط اشد وطأة والزاماً بالنقاب، في الشارع كما في المدرسة وفي اي مكان عام. لكن سيدة اخرى قالت: «بمقدار ما يحمي النقاب في الشارع، يعرض المرأة للسقوط في فخ السوية الاجتماعية السائدة في اليمن». نزع النقاب بحسب هذه السيدة ربما شكل حماية، اذ انها في هذه الحالة شخص محدد ومعروف، والتعرض له يعني التعرض لشخصية اجتماعية ومعنوية لها حماياتها المعهودة. النقاب هو اغفال لهوية المرأة، بالتالي عدم اكتراث او وعي لأنواع الحمايات التقليدية.
    المتجول في اسواق صنعاء سيلمس مقدار نفوذ الاسلاميين من خلال التبادلات التي تشهدها الأسواق، مع مقدار لا بأس به من الحفاظ على الطقس العشائري. السلع الدينية هي الأبرز بين المعروضات. النقاب الأسود الى جانب الخناجر اليمنية، وهناك العسل ايضاً وهو من السلع التي تباع في محال يملكها ناشطون اسلاميون في الغالب. وفي محال العسل يباع ايضاً المسواك والحبة السوداء وقد تجد اشرطة دينية، اما البائع فسيكون ملتحياً... علماً ان قرار مجلس الأمن القاضي بتجميد اموال لمؤسسات على علاقة بحركة «طالبان» وتنظيم «القاعدة» شمل ايضاً مؤسستين لبيع العسل في صنعاء هما مؤسسة النور للعسل، ومؤسسة الشفاء للعسل، أضافة الى الحماطي للحلويات وجامعة الايمان طبعاً. ولشدة ارتباط العسل والاتجار به ببيئة الاصلاح سرت اشاعة في صنعاء فحواها ان هذا الحزب سيجعل شعاره العسل الى جانب الحبة السوداء.
    القبائل كانت مُستَقبلاً سهلاً لشعائر الحياة الدينية، ثم ان الإصلاح تساهل ببراغماتية معهودة فيه مع اي التباس يمكن ان يحدثه تصادم صغير بين الأعراف العشائرية وبين الأنماط الوافدة من الممارسات الدينية. نقاب المرأة مثلاً لن يشكل عبئاً على العشائر، في مقابل تنازلات اسلامية في قضايا الثأر والمحاكم العشائرية. هذه المعادلة ضخِت في اليمن الى اقصى حدودها من خلال التركيبة القيادية للتجمع الوطني للإصلاح، التي تشكل نموذجاً لترابط مصالح اطراف ليس «الجهاد» بمعناه البن لادني بعيداً عنها.
    اذ ان هذا التجمع يمثل ثلاثة تكتلات كبيرة، اولها التكتل الديني بشقيه السلفي الجهادي الذي يمثله الشيخ عبدالمجيد الزنداني، ثم التقليدي والمعتدل الذي تمثله جماعة الأخوان المسلمين وعلى رأسهم ياسين عبدالعزيز.
    والتكتل الثاني هو القبلي والعشائري وعلى رأسه طبعاً رئيس مجلس النواب شيخ مشايخ حاشد عبدالله بن حسين الأحمر.
    اما التكتل الثالث فيمثله في «الاصلاح» التجار ورجال الأعمال وربما كان من رموزه عبدالوهاب الآنسي وغيره من رجال الأعمال. وثمة مساحات تداخل واسعة بين هذه التكتلات، اذ ان كثيرين من زعماء العشائر الاصلاحيين هم اليوم من كبار رجال الأعمال في اليمن، كما ان بين الاسلاميين تجاراً ورجال عشائر. ينطبق هذا الاستثناء مثلاً على الشيخ عبدالله الأحمر واولاده الذين يعتبرون من كبار رجال اعمال البلد، علماً ان للشيخ الأحمر اربعة ابناء اعضاء في البرلمان، اثنين عن الاصلاح واثنين عن حزب المؤتمر الحاكم.
    هذه الوظائف المختلفة والمتجمعة في قيادة التجمع اليمني للاصلاح هي نواة العمل السياسي في اليمن. اذ ان الاسلاميين بشقيهم الجهادي والتقليدي يدركون ان القبيلة هي ركيزة الوجود والانتشار، وان التحالف معها ضرورة تمليها طبيعة الأشياء في البلد. العشيرة بدورها رأت في التجمع كما في حزب المؤتمر الحاكم نافذة لمد نفوذها الى اشكال الحياة الحديثة، والى التجارة والوظائف العامة، ولم تشعر العشائر بأخطار فعلية على مواقعها في حال تحالفها مع القوى الاسلامية. هذه المعادلة هي التي حكمت الحياة العامة في اليمن الشمالي قبل الوحدة واليمن عموماً بعدها، وهي اليوم ما يثقل على المجتمع اليمني وما يعيق الخروج من شرنقة ولدت اثناء الحرب الباردة ولم تنته بانتهائها.
    هذه العلاقة التبادلية بين مراكز القوى الثلاثة في التجمع اليمني للاصلاح ثمة ما يوازيها في علاقة التجمع عموماً بالدولة اليمنية وبحزب المؤتمر الحاكم. فالتجمع ادرك مبكراً حاجة السلطة اليه في مواجهاتها الخارجية وفي بداية الوحدة وايضاً في احداث 1994 اثناء المحاولة الانفصالية التي قادها شركاء الوحدة في الحزب الاشتراكي. اذ ادرك الحزب الحاكم ان القبائل لن تخوض معارك مجانية لمصلحة اي من الطرفين، وكان الحزب كسب خبرات في مجال توظيف الاسلاميين في معاركه مع الجنوب «الشيوعي والكافر» قبل العام 1990، فكرر التجربة في العام 1994 مع التجمع، ومع آلاف المقاتلين الاسلاميين الذين كانوا عادوا من افغانستان.
    يقول مصدر أمني يمني ان المشكلة الآن لا تتمثل في الشبكات الجهادية القديمة التي لمعظم عناصرها ملفات في دوائر الأمن اليمنية، وانما في الشبكات الجديدة، اي الأجيال الجديدة من «الجهاديين». ويقول متابع آخر لقضايا الشبكات الارهابية في اليمن انه صار يمكن الحديث عن جيل ثالث من «الجهاديين»، اذا اعتبرنا ان الأول هو جيل نهاية الثمانينات وبداية التسعينات الذي خاض تجربة «الجهاد» الأولى في افغانستان، والثاني هو جيل منتصف التسعينات وصولاً الى الحادي عشر من ايلول، وهو الجيل الذي اعتقل عدد كبير من ناشطيه في انحاء العالم، وانكشفت معظم شبكاته امام اجهزة الاستخبارات. اما الجيل الثالث فهو جيل «العراق» بعد ان نقلت «القاعدة» نشاطها من افغانستان اليه، وليس ضرورياً ان يكون معظم ناشطي جيل العراق ممن توجهوا الى ذلك البلد، وانما التسمية هنا هي من باب الترميز ليس اكثر. ويؤكد المصدر اليمني ان بين الأجيال الثلاثة علاقة وان كانت واهية، اذ غالباً ما يشكل عنصر من الجيلين السابقين مركز العنقود في الشبكات الجديدة.
    للأجيال الجهادية الثلاثة نماذج في اليمن وان كانت متفاوتة الحضور. الأكيد ان الجيل الأول من هؤلاء المجاهدين هو الأكثر وضوحاً وانكشافاً، وهو يخترق الحياة السياسية في اليمن عبر اكثر من تعبير وشكل. التجمع اليمني للاصلاح هو احد تعبيراته، وعدد آخر من الجمعيات السلفية الناشطة والتي تصدر بيانات ترد فيها على الصحف، وتلوّح بالفتاوى بحق المختلفين معها. انه جيل الأفغان الأوائل الذين دفعت بهم الدولة في حينها الى الذهاب الى افغانستان، وهم آلاف في اليمن. كثيرون منهم تقاضوا اثماناً سياسية في مقابل ذهابهم الى افغانستان، وكثيرون ايضاً استوعبتهم الأجهزة الأمنية والعسكرية الرسمية في اليمن، من خلال اللواء علي محسن الأحمر وهو قائد الفرقة الأولى المدرعة في الجيش، وهو الذي تولى تنظيم العلاقة مع «المجاهدين» وتولى لاحقاً عملية استيعابهم في الجيش. اما العلامة الأبرز في جيل الأفغان الأوائل في اليمن فهو الشيخ عبدالمجيد الزنداني الذي كان ابرز منظمي عملية التوجه الى افغانستان بالتنسيق مع اسامة بن لادن، وهو ايضاً من اصدر فتوى بعودتهم الى بلادهم بعد الانسحاب السوفياتي من افغانستان، وبدء المعارك بين الفصائل الأفغانية.
    الجيل الثاني من الأفغان اليمنيين بدأ بالتشكل بين عامي 1993 و1994 اللذين شهدا حدثين شديدي الارتباط بظاهرة الأفغان الجدد. ففي الأول باشر بن لادن خطابه المعادي للولايات المتحدة واعلن عن تنظيمه الجديد لمحاربة «اليهود والصليبيين»، وفي الثاني شهد اليمن المحاولة الانفصالية التي استعان النظام في الشمال للقضاء عليها بالـ«مجاهدين» الأفغان وكان بن لادن من اشد المتحمسين للانخراط فيها بحسب ادبيات «القاعدة».
    علماً ان هذه المشاركة هي التي املت على اليمن في وقت لاحق استقبال مئات من الأفغان العرب غير اليمنيين الذين غادروا افغانستان ولم تستقبلهم بلادهم، وأدى هذا الاستقبال الى اهتزاز علاقات اليمن بعددٍ من الدول. وربما كان من علامات العلاقة بين الأجيال «الجهادية» الثلاثة، ما سمي «جيش عدن – ابين» الذي اسسه ابو حسن المحضار في محافظة ابين، والمحضار هو احد الأفغان اليمنيين من الجيل الأول الذين احبطتهم علاقتهم بالسلطة اليمنية، فأسس تنظيمه معتمداً على شبان الجيل الثاني من الأفغان وخطف سياحاً أجانب في عملية انتهت على نحو مأسوي وتوجت بإعدامه.
    الجيل الثالث بدأ بالتشكل عقب احداث الحادي عشر من ايلول او ربما قبلها بقليل، وهو مستمر بالتشكل الى الآن. عدد كبير من المعتقلين في غوانتانامو كانوا غادروا اليمن قبل حوادث ايلول بأشهر قليلة، وهذا ما فسره كثيرون بأنه اعلان تعبئة عامة داخل «القاعدة» سبق تفجيرات نيويورك. والدفعة الثانية الى افغانستان من هذا الجيل كانت بعد هذا التاريخ وقبل بدء الحرب في افغانستان. اما «جهاديو» السنوات التي أعقبت هذه التواريخ فكانت وجهتهم العراق اذا ما وجدوا فرصة لمغادرة اليمن.
    رئيس الحكومة اليمنية عبدالقادر باجمال قال رداً على سؤال لـ «الحياة» يتعلق باتهامات وجهت الى الدولة اليمنية تشير الى ان السلطة في اليمن قامت بتسويات مع هذه الجماعات وكانت شريكاً لها في عددٍ من المحطات الأساسية: «نرفض هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، لا توجد دولة في العالم تقرر ان تكون شريكاً لمتطرفين سيستهدفونها في النهاية. اما اذا كانت الشراكة المقصودة تلك التي عقدت خلال الحرب الباردة، فعملية الصراع اثناء هذه الحرب بين القوى الشيوعية سواء في جنوب اليمن او في افغانستان، وبين المعسكر الاسلامي والرأسمالي كانت عملية مشروعة ومدعومة من الأميركيين. واذا كان اليمن شارك بمتطوعين ذهبوا الى افغانستان من تلقائهم فإن البناء على ذلك لاستنتاج شراكة راهنة غير صحيح اطلاقاً».
    باجمال يقول الحقيقة الى حد كبير، لكن كلامه يستبطن معضلة اليمن الراهنة: انها شراكة الحرب الباردة ما زالت تثقل على هذا البلد، فانفراط عقد التحالف بين انظمة «الجهاد» في افغانستان وبين «المجاهدين» رتب على هذه الأنظمة اعباء كانت ذروتها في اليمن.
    اذ ما ان وصل الجهاد الأفغاني الأول الى خواتيمه حتى صار شيخ الأفغان اليمنيين عبدالمجيد الزنداني عضواً في مجلس الرئاسة، وبعدها افتتح الرئيس اليمني علي عبدالله صالح بنفسه جامعة الايمان التي اعلن مجلس الأمن تجميد حساباتها في الخارج، وعشرات المآزق الأخرى التي تراكمت على مدى عقدين من الحرب الباردة، ويطلب من اليمن اليوم التصدي لها، في ظل تنصل الشريك الأكبر في هذه الحرب من أي مسؤولية
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-10-11
  3. fas

    fas قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-01-23
    المشاركات:
    3,537
    الإعجاب :
    0
    كيف فتشت "القاعدة" عن دولة توأم لإمارة «طالبان»؟
    (1 من 3) ...
    مآزق تشكلت على مدى عقدين من الحرب الباردة
    تعاني اليمن من آثار تحالف قديم في ظل تنصل الشريك الأكبر من أي مسؤولية



    الماء يغلي في صنعاء على درجة حرارة تبلغ 97 مئوية، وذلك بفعل قصر عمود الهواء الناجم عن ارتفاع المدينة 2300 متر عن سطح البحر. لن تفارق هذه المعادلة زائر العاصمة اليمنية، اذ ان الطبيعة القاسية التي اختارت صنعاء ان تتوسطها مرتبطة الى حد كبير بعدد من الوقائع والمعطيات السياسية والاجتماعية.
    سيلاحظ زائر صنعاء تشابهاً طبيعياً كبيراً بينها وبين كابول، وان كانت السلاسل الجبلية التي تزنر العاصمة الأفغانية أكثر ارتفاعاً.
    ولم يبق هذا التشابه مجرد جبال تشبه بعضها بعضاً، اذ تبادلت هاتان الطبيعتان المقاتلين والحروب، تارة عبر ارسال الجبال اليمنية مقاتليها الى افغانستان، وطوراً من خلال اعادة ارسال الجبال الافغانية المقاتلين العرب من اليمنيين وغير اليمنيين الى اليمن بعد ان زودتهم بخبرات كبيرة في مجالات القتال.
    الأوكسيجين قليل في صنعاء بسبب ارتفاعها ايضاً. على المرء حين يباشر نفخ رئتيه ألا يتوقع كمية هواء تشبع حاجته. الجبال الشاهقة المحيطة بالمدينة قد تكون حاجزاً يمنع تدفق الأوكسيجين، فمن الشرق يكاد جبل نقم الشاهق يتحول جداراً يفصل ما بين المدينة ومحيطها الجغرافي، ومن الغرب يلعب جبل عيبان وظيفة مشابهة، ومن الجنوب جبلان صغيران اسمهما النهدين، فيما تنفرج الطبيعة من الشمال مفسحة للقليل من الأوكسيجين والكثير من ابناء العشائر المتقاطرين الى صنعاء.الجبال الشاهقة المحيطة بصنعاء من الشرق والغرب والجنوب تمنع تدفق الأوكسجين، فيما تنفرج الطبيعة من الشمال مفسحة للقليل من الأوكسجين والكثير من أبناء العشائر




    لكن وعلى رغم الوحشة الطبيعية والجغرافية، صنعاء حياة دافئة واليفة. المدينة ليست هادئة على الأقل، ثمة قبائل تتقاتل وتتصالح، واحزاب متحالفة واخرى متخاصمة، و«جهاديون» عائدون من افغانستان، بعضهم في السجون وآخرون متربصون في امكنة مجهولة. نساء منقبات حائرات، وشعراء يبحثون عن دور نشر لقصائدهم الكثيرة. ومجالس القات، نعم مجالس القات تلك التي يدعونك اليها كلما انتصف النهار. وفي اليمن دولة ضعيفة ومعارضة ضعيفة، هما نفساهما دولة قوية ومعارضة قوية، ومن بين الحد الفاصل بين القوة والضعف يتسرب ايضاً قليل من الاوكسيجين ينعش القبائل والأحزاب وينعش أعداءها.
    ليس القدر وحده وراء التشابه بين كابول وصنعاء، انما ايضاً مشهد الجماعات التقليدية في الشوارع والأسواق. عشائريون بثيابهم التقليدية سائرون أفرادا ومجموعات في مدينة يقول احد أبنائها أنها تحولت إلى قرى صغيرة، حيث يأتي إليها أبناء التجمعات السكانية من أنحاء اليمن وينشئون فيها موطئ قدم، يشكل نواة تجمع ريفي في قلب المدينة. وعلى هذا النحو تمددت صنعاء أفقيا وصولاً إلى سفوح الجبال التي تزنرها، فيما كانت في الماضي القريب محبوسة في سورها وعند أبوابها التي لم يبق منها إلا باب اليمن، القريب من ميدان التحرير.
    كان من المفترض ان تكون اليمن على رأس قائمة الدول المستهدفة بالحملة على الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر). رشحها كثيرون لهذا المصير قبل العراق. فقبل هذا التاريخ بسنة واحدة وقع حادث تفجير المدمرة الأميركية «كول» في مرفأ مدينة عدن، وبعده بأقل من سنة حادث تفجير السفينة الفرنسية «ليمبورغ» في ميناء حضرموت، وقبل هذين التاريخين ازدحم اليمن بآلاف من «المجاهدين» العائدين من افغانستان بعضهم من اليمنيين وبعضهم من العرب الذين لم تستقبلهم بلادهم.في اليمن دولة ضعيفة ومعارضة ضعيفة، هما نفساهما دولة قوية ومعارضة قوية




    ومع قدوم هؤلاء تولت دولة الوحدة في اليمن استيعاب اليمنيين منهم في مؤسسات الدولة الأمنية، والبحث في مصير غير اليمنيين مع دولهم ومع الجهات الأمنية العالمية. وفي هذا الوقت وفي غمرة تعثرات عملية الاستيعاب كان ابو حسن المحضار وهو احد امراء «الجهاد» في افغانستان ومن مدينة شبوة، العائد لتوه الى اليمن يؤسس «جيش عدن - ابين» وكان تنظيم «القاعدة» في الخارج يخطط لعمليات اخرى في الدولة «التوأم» لامارة «طالبان»، فكلف محمد الأهدل تمويل عملية تفجير المدمرة الأميركية، وتولى ابو علي الحارثي تنفيذ العملية. الأول معتقل اليوم والثاني قتل قبل نحو سنتين في محافظة شبوة في هجوم شنته طائرة اميركية ادى الى مقتله مع ستة من مرافقيه.
    ليست هذه الوقائع بعيدة عما يجري في صنعاء اليوم. انها في صلب المعضلات اليمنية الراهنة. ففي هذا البلد دولة على مسافة غير محددة من هذه الجماعات وان كانت منخرطة في الحملة الدولية على الإرهاب، ومعارضة إسلامية شريكة في الحكم تتمثل في التجمع اليمني للإصلاح ويرأس مجلس شورى هذا التجمع الشيخ عبدالمجيد الزنداني الذي سبق أن لعب دوراً كبيراً في «الجهاد» الأفغاني وهو صاحب جامعة الايمان في صنعاء التي جمد مجلس الأمن أرصدتها في المصارف العالمية واتهمها بدعم الإرهاب.
    وفي اليمن ايضاً رئيس اعلن عزوفه عن الترشح للانتخابات في الدورة المقبلة، لكنه ترك انصاره ومعارضيه في حيرة كبيرة قد تؤدي الى طلبهم اليه العزوف عن قرار العزوف.
    وفي صنعاء والمحافظات القريبة والبعيدة أكثر من مئة عائلة يمنية ممن أرسل أبناؤها الى معتقل غوانتانامو، وقاضٍ مقرب من الرئيس علي عبدالله صالح يحاور مئات المتشددين في السجون و«يقنعهم» ويفرج عن كثيرين منهم بعد ان يوقعوا التزامات بعدم الانخراط في اعمال ارهابية داخل اليمن.
    وفي صنعاء ايضاً وأيضاً رجال ارتبطت اسماؤهم بحقبات غير غابرة ومتداخلة على نحو مأسوي مع حقبات المد «الجهادي» الراهن.
    هذه حال عبدالسلام الحيلة مثلاً وهو ضابط في القوات المسلحة اليمنية تسلم ملف الأفغان العرب خلال مرحلة لجوئهم الى اليمن ثم لاحقاً ترحيلهم الى بلدانهم او بلدان اخرى، وهو بهذا المعنى كنز معلومات نادر في هذا المجال، ولأنه كذلك استدرج الى القاهرة وخطِف منها، وهو اليوم في معتقل غوانتانامو. ولكن ثمة ضباط يمنيون اعلى رتبة من الحيلة واكثر اطلاعاً على ملف الأفغان هم اليوم من ركائز النظام اليمني. وهناك ايضاً عشرات من الشيوخ والناشطين السابقين في هذا المجال مقيمون في اليمن بعدما سويت اوضاعهم على نحو متفاوت. وكل هذا حصل وفق معادلات توازن يمنية فريدة، حكمتها العلاقة بين الدولة والعشيرة، وبين الدولة والمعارضة، وثنائيات اخرى من هذا القبيل.ما زال المجتمع اليمني من اكثر المجتمعات الاسلامية تزويداً لساحات الجهاد العالمية بالمقاتلين




    ما زال المجتمع اليمني من اكثر المجتمعات الاسلامية تزويداً لساحات «الجهاد» العالمية بالمقاتلين. في العراق يؤكد مصدر امني ان المساهمة اليمنية في تنظيم «قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين» كبيرة وبارزة، وان عدداً كبيراً من الانتحاريين يأتون من اليمن. وفي صنعاء اكد اكثر من مصدر لـ«الحياة» ان من بين اليمنيين الذين قتلوا أخيراً في العراق حفيد الشيخ عبدالمجيد الزنداني.
    ومن المرجح ان تكون الدولة جادة في انخراطها في الحملة الدولية على الإرهاب، لكن هذا الانخراط لا يعني إطلاقا تجاوزها ظروفاً تشكلت على مدى أكثر من عقدين من الزمن مكنت «المجاهدين» من تأسيس قواعد سياسية واجتماعية راسخة في المجتمع والدولة اليمنيين. فالسلطة اليمنية كانت طرفاً أساسيا في عملية تشكيل النواة «الجهادية» الأولى منتصف ثمانينات القرن الفائت، سواء في مواجهة النظام الشيوعي في جنوب اليمن، او الانخراط بالحرب الباردة وكانت ساحتها الأبرز أفغانستان آنذاك. الأمر نفسه ينطبق على تجمع الإصلاح وهو الحزب الثاني في اليمن ويتمتع بقاعدة عشائرية ودينية واقتصادية واسعة وغير منسجمة، اذ ان هذا الحزب الاسلامي والعشائري استفاد الى حدٍ كبير من حاجة السلطة اليه في عملية التجييش في مواجهة الجنوب، ليرسخ نفوذاً واسعاً ولينشىء بيئة مستقبلة لدعاواه الاسلامية.
    وصل عدد المعاهد الدينية التابعة للإصلاح في اليمن إلى نحو 750 معهداً، هذا إضافة إلى عشرات المؤسسات الدعوية والخيرية والاقتصادية (هذا قبل القرار الأخير القاضي بدمج هذه المعاهد في مؤسسات التعليم الرسمي). وكل هذا بمعرفة السلطة ودعمها، لا بل تمكن حزب الإصلاح من تأمين موازنة لمؤسساته التعليمية من خزينة الدولة، إضافة إلى مساعدات خارجية كانت تصل عبر قنوات «المؤسسات الخيرية».
    وأدى تعاظم نفوذ تجمع الإصلاح إلى جر حزب «المؤتمر الشعبي لا توجد دولة في العالم تقرر ان تكون شريكاً لمتطرفين سيستهدفونها في النهاية

    عبدالقادر باجمال

    العام» الحاكم الى منافسته في الساحة نفسها، اذ ضاعف المؤتمر تمسكه بالتقاليد العشائرية وأضاف إليها بعداً إسلاميا، فأدى ذلك الى ارتداء صنعاء، بل اليمن كله البرقع. ويقول نبيل وهو يمني من ريف محافظة ذمار ان النساء في قريته لم يرتدين البرقع الا قبل سنوات قليلة، واليوم صار مستحيلاً على أي امرأة في القرية أن تمشي من دونه. ولكن يمكن أيضا رصد مشهد يمني آخر مرتبط بنقاب المرأة، اذ ان هذه الأخيرة لم يوصد النقاب بعض النوافذ في وجهها. يمكنك ان تلاحظ في صنعاء اختلاطاً طفيفاً لا يعيقه النقاب. سيدات منقبات في مكاتب العمل الى جوار زملائهن من الرجال، وصحافيات منقبات في ندوات ومؤتمرات صحافية يطغى فيها الرجال. وربما دل ذلك الى جدة النقاب والى ان عالمه لم يكتمل بعد، وهو لم يتمكن الى الآن من اقامة الفواصل الحاسمة بين الرجال والنساء، علماً ان زينب وهي سيدة يمنية تقول ان قضية الفصل بين الرجال والنساء وان لم تكتمل فهي سائرة في هذا الاتجاه، وقانون التفشي هنا خاضع للمنطق نفسه الذي تفشت بموجبه مظاهر الحياة في صنعاء اليوم.
    فما ان تبادر مؤسسة مثلاً الى فصل موظفيها عن موظفاتها ستجد معظم المؤسسات الجديدة نفسها امام استحقاق من هذا النوع لا يمكن ان تقاومه. ويبدو ان التجمع اليمني للاصلاح تولى مهمات على هذا الصعيد مستفيداً من عدم اكتراث العشائر، وغياب اي مقاومة تذكر، في ظل مجتمع عاجز عن المبادرة في اتجاهات اخرى، ودولة ضعيفة الحساسية المدنية.
    سيدة يمنية تحدثت عن الصعوبات التي تواجهها ابنتها غير المنقبة في مجتمع صنعاء المنقب، فقالت ان الخيارات شديدة الضيق امام ابنتها، اذ يسمح القانون لها بترك النقاب، ولكن ثمة ضغوط اشد وطأة والزاماً بالنقاب، في الشارع كما في المدرسة وفي اي مكان عام. لكن سيدة اخرى قالت: «بمقدار ما يحمي النقاب في الشارع، يعرض المرأة للسقوط في فخ السوية الاجتماعية السائدة في اليمن». نزع النقاب بحسب هذه السيدة ربما شكل حماية، اذ انها في هذه الحالة شخص محدد ومعروف، والتعرض له يعني التعرض لشخصية اجتماعية ومعنوية لها حماياتها المعهودة. النقاب هو اغفال لهوية المرأة، بالتالي عدم اكتراث او وعي لأنواع الحمايات التقليدية.
    المتجول في اسواق صنعاء سيلمس مقدار نفوذ الاسلاميين من خلال التبادلات التي تشهدها الأسواق، مع مقدار لا بأس به من الحفاظ على الطقس العشائري. السلع الدينية هي الأبرز بين المعروضات. النقاب الأسود الى جانب الخناجر اليمنية، وهناك العسل ايضاً وهو من السلع التي تباع في محال يملكها ناشطون اسلاميون في الغالب. وفي محال العسل يباع ايضاً المسواك والحبة السوداء وقد تجد اشرطة دينية، اما البائع فسيكون ملتحياً... علماً ان قرار مجلس الأمن القاضي بتجميد اموال لمؤسسات على علاقة بحركة «طالبان» وتنظيم «القاعدة» شمل ايضاً مؤسستين لبيع العسل في صنعاء هما مؤسسة النور للعسل، ومؤسسة الشفاء للعسل، أضافة الى الحماطي للحلويات وجامعة الايمان طبعاً. ولشدة ارتباط العسل والاتجار به ببيئة الاصلاح سرت اشاعة في صنعاء فحواها ان هذا الحزب سيجعل شعاره العسل الى جانب الحبة السوداء.
    القبائل كانت مُستَقبلاً سهلاً لشعائر الحياة الدينية، ثم ان الإصلاح تساهل ببراغماتية معهودة فيه مع اي التباس يمكن ان يحدثه تصادم صغير بين الأعراف العشائرية وبين الأنماط الوافدة من الممارسات الدينية. نقاب المرأة مثلاً لن يشكل عبئاً على العشائر، في مقابل تنازلات اسلامية في قضايا الثأر والمحاكم العشائرية. هذه المعادلة ضخِت في اليمن الى اقصى حدودها من خلال التركيبة القيادية للتجمع الوطني للإصلاح، التي تشكل نموذجاً لترابط مصالح اطراف ليس «الجهاد» بمعناه البن لادني بعيداً عنها.
    اذ ان هذا التجمع يمثل ثلاثة تكتلات كبيرة، اولها التكتل الديني بشقيه السلفي الجهادي الذي يمثله الشيخ عبدالمجيد الزنداني، ثم التقليدي والمعتدل الذي تمثله جماعة الأخوان المسلمين وعلى رأسهم ياسين عبدالعزيز.
    والتكتل الثاني هو القبلي والعشائري وعلى رأسه طبعاً رئيس مجلس النواب شيخ مشايخ حاشد عبدالله بن حسين الأحمر.
    اما التكتل الثالث فيمثله في «الاصلاح» التجار ورجال الأعمال وربما كان من رموزه عبدالوهاب الآنسي وغيره من رجال الأعمال. وثمة مساحات تداخل واسعة بين هذه التكتلات، اذ ان كثيرين من زعماء العشائر الاصلاحيين هم اليوم من كبار رجال الأعمال في اليمن، كما ان بين الاسلاميين تجاراً ورجال عشائر. ينطبق هذا الاستثناء مثلاً على الشيخ عبدالله الأحمر واولاده الذين يعتبرون من كبار رجال اعمال البلد، علماً ان للشيخ الأحمر اربعة ابناء اعضاء في البرلمان، اثنين عن الاصلاح واثنين عن حزب المؤتمر الحاكم.
    هذه الوظائف المختلفة والمتجمعة في قيادة التجمع اليمني للاصلاح هي نواة العمل السياسي في اليمن. اذ ان الاسلاميين بشقيهم الجهادي والتقليدي يدركون ان القبيلة هي ركيزة الوجود والانتشار، وان التحالف معها ضرورة تمليها طبيعة الأشياء في البلد. العشيرة بدورها رأت في التجمع كما في حزب المؤتمر الحاكم نافذة لمد نفوذها الى اشكال الحياة الحديثة، والى التجارة والوظائف العامة، ولم تشعر العشائر بأخطار فعلية على مواقعها في حال تحالفها مع القوى الاسلامية. هذه المعادلة هي التي حكمت الحياة العامة في اليمن الشمالي قبل الوحدة واليمن عموماً بعدها، وهي اليوم ما يثقل على المجتمع اليمني وما يعيق الخروج من شرنقة ولدت اثناء الحرب الباردة ولم تنته بانتهائها.
    هذه العلاقة التبادلية بين مراكز القوى الثلاثة في التجمع اليمني للاصلاح ثمة ما يوازيها في علاقة التجمع عموماً بالدولة اليمنية وبحزب المؤتمر الحاكم. فالتجمع ادرك مبكراً حاجة السلطة اليه في مواجهاتها الخارجية وفي بداية الوحدة وايضاً في احداث 1994 اثناء المحاولة الانفصالية التي قادها شركاء الوحدة في الحزب الاشتراكي. اذ ادرك الحزب الحاكم ان القبائل لن تخوض معارك مجانية لمصلحة اي من الطرفين، وكان الحزب كسب خبرات في مجال توظيف الاسلاميين في معاركه مع الجنوب «الشيوعي والكافر» قبل العام 1990، فكرر التجربة في العام 1994 مع التجمع، ومع آلاف المقاتلين الاسلاميين الذين كانوا عادوا من افغانستان.
    يقول مصدر أمني يمني ان المشكلة الآن لا تتمثل في الشبكات الجهادية القديمة التي لمعظم عناصرها ملفات في دوائر الأمن اليمنية، وانما في الشبكات الجديدة، اي الأجيال الجديدة من «الجهاديين». ويقول متابع آخر لقضايا الشبكات الارهابية في اليمن انه صار يمكن الحديث عن جيل ثالث من «الجهاديين»، اذا اعتبرنا ان الأول هو جيل نهاية الثمانينات وبداية التسعينات الذي خاض تجربة «الجهاد» الأولى في افغانستان، والثاني هو جيل منتصف التسعينات وصولاً الى الحادي عشر من ايلول، وهو الجيل الذي اعتقل عدد كبير من ناشطيه في انحاء العالم، وانكشفت معظم شبكاته امام اجهزة الاستخبارات. اما الجيل الثالث فهو جيل «العراق» بعد ان نقلت «القاعدة» نشاطها من افغانستان اليه، وليس ضرورياً ان يكون معظم ناشطي جيل العراق ممن توجهوا الى ذلك البلد، وانما التسمية هنا هي من باب الترميز ليس اكثر. ويؤكد المصدر اليمني ان بين الأجيال الثلاثة علاقة وان كانت واهية، اذ غالباً ما يشكل عنصر من الجيلين السابقين مركز العنقود في الشبكات الجديدة.
    للأجيال الجهادية الثلاثة نماذج في اليمن وان كانت متفاوتة الحضور. الأكيد ان الجيل الأول من هؤلاء المجاهدين هو الأكثر وضوحاً وانكشافاً، وهو يخترق الحياة السياسية في اليمن عبر اكثر من تعبير وشكل. التجمع اليمني للاصلاح هو احد تعبيراته، وعدد آخر من الجمعيات السلفية الناشطة والتي تصدر بيانات ترد فيها على الصحف، وتلوّح بالفتاوى بحق المختلفين معها. انه جيل الأفغان الأوائل الذين دفعت بهم الدولة في حينها الى الذهاب الى افغانستان، وهم آلاف في اليمن. كثيرون منهم تقاضوا اثماناً سياسية في مقابل ذهابهم الى افغانستان، وكثيرون ايضاً استوعبتهم الأجهزة الأمنية والعسكرية الرسمية في اليمن، من خلال اللواء علي محسن الأحمر وهو قائد الفرقة الأولى المدرعة في الجيش، وهو الذي تولى تنظيم العلاقة مع «المجاهدين» وتولى لاحقاً عملية استيعابهم في الجيش. اما العلامة الأبرز في جيل الأفغان الأوائل في اليمن فهو الشيخ عبدالمجيد الزنداني الذي كان ابرز منظمي عملية التوجه الى افغانستان بالتنسيق مع اسامة بن لادن، وهو ايضاً من اصدر فتوى بعودتهم الى بلادهم بعد الانسحاب السوفياتي من افغانستان، وبدء المعارك بين الفصائل الأفغانية.
    الجيل الثاني من الأفغان اليمنيين بدأ بالتشكل بين عامي 1993 و1994 اللذين شهدا حدثين شديدي الارتباط بظاهرة الأفغان الجدد. ففي الأول باشر بن لادن خطابه المعادي للولايات المتحدة واعلن عن تنظيمه الجديد لمحاربة «اليهود والصليبيين»، وفي الثاني شهد اليمن المحاولة الانفصالية التي استعان النظام في الشمال للقضاء عليها بالـ«مجاهدين» الأفغان وكان بن لادن من اشد المتحمسين للانخراط فيها بحسب ادبيات «القاعدة».
    علماً ان هذه المشاركة هي التي املت على اليمن في وقت لاحق استقبال مئات من الأفغان العرب غير اليمنيين الذين غادروا افغانستان ولم تستقبلهم بلادهم، وأدى هذا الاستقبال الى اهتزاز علاقات اليمن بعددٍ من الدول. وربما كان من علامات العلاقة بين الأجيال «الجهادية» الثلاثة، ما سمي «جيش عدن – ابين» الذي اسسه ابو حسن المحضار في محافظة ابين، والمحضار هو احد الأفغان اليمنيين من الجيل الأول الذين احبطتهم علاقتهم بالسلطة اليمنية، فأسس تنظيمه معتمداً على شبان الجيل الثاني من الأفغان وخطف سياحاً أجانب في عملية انتهت على نحو مأسوي وتوجت بإعدامه.
    الجيل الثالث بدأ بالتشكل عقب احداث الحادي عشر من ايلول او ربما قبلها بقليل، وهو مستمر بالتشكل الى الآن. عدد كبير من المعتقلين في غوانتانامو كانوا غادروا اليمن قبل حوادث ايلول بأشهر قليلة، وهذا ما فسره كثيرون بأنه اعلان تعبئة عامة داخل «القاعدة» سبق تفجيرات نيويورك. والدفعة الثانية الى افغانستان من هذا الجيل كانت بعد هذا التاريخ وقبل بدء الحرب في افغانستان. اما «جهاديو» السنوات التي أعقبت هذه التواريخ فكانت وجهتهم العراق اذا ما وجدوا فرصة لمغادرة اليمن.
    رئيس الحكومة اليمنية عبدالقادر باجمال قال رداً على سؤال لـ «الحياة» يتعلق باتهامات وجهت الى الدولة اليمنية تشير الى ان السلطة في اليمن قامت بتسويات مع هذه الجماعات وكانت شريكاً لها في عددٍ من المحطات الأساسية: «نرفض هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، لا توجد دولة في العالم تقرر ان تكون شريكاً لمتطرفين سيستهدفونها في النهاية. اما اذا كانت الشراكة المقصودة تلك التي عقدت خلال الحرب الباردة، فعملية الصراع اثناء هذه الحرب بين القوى الشيوعية سواء في جنوب اليمن او في افغانستان، وبين المعسكر الاسلامي والرأسمالي كانت عملية مشروعة ومدعومة من الأميركيين. واذا كان اليمن شارك بمتطوعين ذهبوا الى افغانستان من تلقائهم فإن البناء على ذلك لاستنتاج شراكة راهنة غير صحيح اطلاقاً».
    باجمال يقول الحقيقة الى حد كبير، لكن كلامه يستبطن معضلة اليمن الراهنة: انها شراكة الحرب الباردة ما زالت تثقل على هذا البلد، فانفراط عقد التحالف بين انظمة «الجهاد» في افغانستان وبين «المجاهدين» رتب على هذه الأنظمة اعباء كانت ذروتها في اليمن.
    اذ ما ان وصل الجهاد الأفغاني الأول الى خواتيمه حتى صار شيخ الأفغان اليمنيين عبدالمجيد الزنداني عضواً في مجلس الرئاسة، وبعدها افتتح الرئيس اليمني علي عبدالله صالح بنفسه جامعة الايمان التي اعلن مجلس الأمن تجميد حساباتها في الخارج، وعشرات المآزق الأخرى التي تراكمت على مدى عقدين من الحرب الباردة، ويطلب من اليمن اليوم التصدي لها، في ظل تنصل الشريك الأكبر في هذه الحرب من أي مسؤولية
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-10-11
  5. fas

    fas قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-01-23
    المشاركات:
    3,537
    الإعجاب :
    0
    الى مكتب منظمة الدفاع عن الحقوق والحريات (هود) في شارع الزبير في صنعاء، يصل يومياً عدد من آباء يمنيين معتقلين في غوانتانامو وأشقائهم. بعضهم من اهل صنعاء او المقيمين فيها، وبعضهم من سكان المحافظات البعيدة. المنظمة يديرها المحامي محمد ناجي علاو وهو قيادي في التجمع الوطني للاصلاح قريب من الشيخ عبد المجيد الزنداني.
    وتتولى المنظمة متابعة اوضاع المعتقلين وجمع توكيلات من اهلهم للدفاع عنهم في المحاكم الأميركية.
    العدد الأكبر من المعتقلين أوقفوا اما في افغانستان وإما في باكستان، وثمة آخرون اعتقلوا في دول اخرى لكنهم سبق ان كانوا في احدى الدولتين، فعدة «الجهاد» اقتضت حيازة اقنعة كثيرة، وتغذت من روافد معقدة، وفي الحال اليمنية اضيفت اليها عناصر الشمال والجنوب، وحاشد وبكيل، والحرب الباردة ولهذا ستجد في سجلات «هود» اسماء يمنيين اعتقلوا في دول ليست مسرحاً تقليدياً للحرب على الارهاب، منهم مثلاً محمد امين البكري وهو يمني من منطقة يافع واهله يقيمون في السعودية، في حين يعمل هو تاجراً في مدغشقر واعتقل في تايلاندا.
    كان ذهب الى افغانستان طبعاً. وفي سجلات «هود» اسم محمد الأسدي وهو يمني من محافظة المهرة في المنطقة الشرقية، لكنه عمل في التجارة في تنزانيا واعتقل في دار السلام وكانت افغانستان محطة من محطات تنقلاته. وقد يندرج في هذا السياق اسماعيل الريمي الذي غادر اليمن قبل احداث ايلول (سبتمبر) بأشهر قليلة متوجهاً الى الامارات العربية المتحدة واختفى هناك ليظهر اسمه لاحقاً في لوائح المعتقلين في غوانتانامو.
    اما الذين اعتقلوا في افغانستان او باكستان من اليمنيين فيبدو ان معظمهم من صغار السن الذين لم يتجاوزوا الثلاثين من عمرهم على رغم سنوات السجن الأربع.
    وتشكل سيرهم مرآة تعكس نوع العلاقة التي تربط «الجهاديين» ببعضهم وتربطهم ايضاً في بلاد «الهجرة» اي افغانستان. اذ يبدو ان ثمة مجتمعاً كان قيد التبلور يمكن تسميته مجتمع المجاهدين.
    زيجات «الأخوة في الجهاد» من شقيقات اخوانهم، وسطوة الأشقاء الكبار وتأثيرهم في أشقائهم الصغار جعلت من الممكن رصد عائلات «جهادية». على هذا النحو مثلاً اعتقل محمد احمد سعيد العواهي، وهو يمني من مدينة تعز، اثناء سفره الى افغانستان لإيصال شقيقته الى زوجها المقيم في الامارة الاسلامية ورحّل الى غوانتانامو، علماً ان زوج شقيقته ويدعى محمد عبده هو اليوم ايضاً في غوانتانامو. اما عبدالملك احمد عبدالوهاب الرحبي فمعتقل في القاعدة الأميركية الى جانب شقيق زوجته رشاد محمد سعيد، ويقول والده ان عبد الملك وعمره اليوم 26 عاماً وهو من ارياف مدينة إب، ذهب الى باكستان للدراسة في احدى المدارس الدينية ثم عاد الى اليمن وتزوج من شقيقة صديقه وغادر الى باكستان. وعند بدء الحرب عادت زوجته الى اليمن وبقي هو هناك الى ان وصل خبر اعتقاله هو وشقيق زوجته.
    ولكن، وسط العلاقات التي تنعقد حولها سير «المجاهدين» ثمة سياقات عادية لا تنفي حقيقة اتساع هامش الخروج على العلاقات التقليدية، بل ربما تؤكده.
    فمن ذهب الى افغانستان، بحسب مصدر امني يمني ليس العشائر وانما سواقطها، وهؤلاء اصبحوا كثيرين في ظل التعليم والتحديث والكثافة السكانية ومشكلات التمدين. ومن خرج عن هذا السياق من ابناء العشائر تضمنت سيرته اشارات واضحة لأسباب محددة. فهذا عصام الجائفي وهو من معتقلي غوانتانامو ومن عشائر بكيل في قرية همدان التي تبعد نحو 70 كيلومتراً عن صنعاء، ويقول والده انه بدأ يفقد سيطرته على ابنه عندما تخاصم الأخير مع خالته (زوجة الوالد التي تزوجها بعد طلاقه ام عصام)، واثناء ذلك توظف عصام في مجلس حماية البيئة، وتعرف هناك الى شخص سلفي اسمه بكري. قبل الحرب في افغانستان بثلاثة اشهر اختفى الشاب، وظهر اسمه في لوائح المعتقلين في غوانتانامو.
    العشائر لم ترسل ابناءها الى افغانستان، هذه الحقيقة التي اشار اليها المصدر الأمني اكدها اكثر من مراقب للحركات الجهادية في اليمن، كما يمكن رصدها في السير المتوافرة للـ«مجاهدين».
    المناطق التي ارسلت ابناءها هي المناطق الأقل عشائرية، ويمكن ترتيبها بحسب كثافة المشاركة على النحو الآتي: اولاً من محافظة إب ثم محافظة ابين ثم تعز، والدفعة اللاحقة من حضرموت وعدن والحديدة وصنعاء. اما المناطق العشائرية في اليمن، ومشاركتها ضعيفة في الذهاب الى افغانستان فهي مأرب والجوف وحجة وصعدة، وربما شكلت محافظة شبوة استثناء على هذا الصعيد، اذ هي من المناطق العشائرية التي شاركت بكثافة في الذهاب الى افغانستان. ولهذه المشاركة اسبابها المعروفة في اليمن، اذ ان النظام الجنوبي قمع عشائر شبوة وحجر على زعامات شيوخها وفرق الكثير من تجمعاتها ضمن خطة اضعاف العشائر التي كان باشرها النظام الشيوعي في حينه، فتفرقت عشائر شبوة وهرب كثيرون من شيوخها ووجوهها الى الخليج العربي وانخرط ابناؤها في الحروب ضد النظام في الجنوب والتحق آخرون بالحرب على «الشيوعية» في افغانستان.
    وقد خرج من شبوة الكثير من الوجوه المعروفة في الشبكات «الجهادية» ربما كان أبرزها أبو حسن المحضار أمير «جيش عدن – ابين»، وفهد القصع احد المتهمين في قضية تفجير المدمرة «كول». اما ابرز وجوه شبوة «الجهادية» فهو ابو علي الحارثي المخطط الرئيسي لتفجير «كول» وناقلة النفط «ليمبورغ».
    ولعل حادثة مقتله عبر غارة جوية اميركية في احدى المناطق (بين) شبوة و(مأرب)، اشارة الى نوع العلاقة التي تربط عناصر هذه الشبكات بالبيئة الطبيعية والعشائرية التي يقيمون فيها. فشبوة محافظة كبيرة قريبة من حضرموت، ومنطقة الحارث التي قتل فيها ابو علي منطقة زراعية وبدوية في آن، كان الحارثي يتحرك فيها بسهولة وبحماية عشائرية، ما يعسّر على السلطة ملاحقته على رغم انه تحول في الفترة التي سبقت مقتله الى اسم كبير في عالم الارهاب.
    وكشف مقتله نفوذاً كبيراً له في هذه المنطقة وشبكة حماية عشائرية فعلية.
    ويقول نبيل الصوفي ان العشائر وإن لم تذهب الى افغانستان فهي لم تقف في وجه الذهاب اليها. والعشيرة يمكنها ان تتولى حماية «مجاهدين» في المناطق التي تسيطر عليها، ويتطلب الأمر ربط العشيرة بشبكة مصالح سياسية ومالية على الأرجح.

    احداث كثيرة شهدها اليمن في الفترة التي سبقت الحادي عشر من ايلول وفي الفترة التي اعقبتها ادت الى ازدحام السجون اليمنية بمئات «الجهاديين» من الأجيال المختلفة.
    وبما ان الدولة تعتقد بأن هؤلاء يمتون اليها بصلة ما ليس اقلها الشراكة السابقة، باشرت ما سمته حواراً مع عدد كبير منهم، خصوصاً من الذين لم تثبت ادانتهم بأعمال جرمية. ويشرح رئيس الحكومة عبد القادر باجمال ظاهرة الافراج عن الأفغان اليمنيين من السجون قائلاً: «تبين ان لدى كثيرين من هؤلاء ثارات مع النظام الجنوبي السابق، ولهم حقوق مستلبة واملاك واراض، باعتبار انهم كانوا مشايخ وحكاماً سابقين، والنظام الاشتراكي انتهى وجاء نظام وحدوي. هم ارادوا مقاتلة النظام الشيوعي في الجنوب وفي افغانستان. وبعد الوحدة كانت لكثيرين منهم ثاراتهم الخاصة. نظرنا الى المسألة من زواياها المختلفة وتمت تسويات كثيرة. اعدنا الملكيات واستوعبنا كثيرين منهم في مؤسسات الدولة وآخرون لجأوا الى الأعمال الزراعية والتجارية، واقمنا حوارات مع من دخلوا السجون بتهم مختلفة وافرجنا عن مئات منهم».
    ينفي القاضي حمود الهتار، وهو من تولى محاورة المتشددين في السجون، ما يشاع من ان عدداً من المفرج عنهم تراجع عن تعهداته بعدم الانخراط في اعمال عنف في اليمن.
    وعما يتردد من ان بعض المفرج عنهم توجه الى العراق وهو ما اكده لـ«الحياة» محام يمني يتولى الدفاع عن احد كفلاء المتشددين الذي تلاحقه السلطات بعدما فقدت اثر من كفله، يقول الهتار للـ«الحياة»: «استطيع ان اجزم بأن احداً من المفرج عنهم لم ينخرط في أعمال ارهابية داخل اليمن، اما من يسافر فلا أستطيع ان اراقب اعماله في الخارج».
    وبدأت جلسات الحوار مع المتشددين في السجون عام 2002 وأدت الى الأفراج عن 364 شخصاً ممن شملهم وليسوا متهمين بقضايا جنائية. ويؤكد المحامي محمد ناجي علاو ان جلسات الحوار لن تعكس بالضرورة قناعات المفرج عنهم، ومن السهل على هؤلاء ان يقولوا في السجون غير ما يعتقدون ويمارسون عندما يصبحون خارجها، خصوصاً ان سقف هذا الحوار هو السجن.
    ويؤكد ان عملية دمج هؤلاء خارج السجن مسألة لم تتحقق، خصوصاً في ظل الرقابة الشديدة التي يتعرضون لها، وعدم استقبالهم في مجالات العمل، وهو امر يرشحهم للانخراط مجدداً في اعمال العنف.
    بقايا «جيش عدن – أبين» كانوا من الجماعات التي شملها الحوار وأطلقت شخصيات اساسية منها، وهم عادوا الى ابين واريافها، والكثير من الجماعات الجهادية شرعت تتنافس وتنقسم على نفسها خصوصاً في غياب قائد يجمعها بعدما اعدم المحضار، وما يجمعها اليوم هو فقط ادعاؤها الفكر السلفي. ويبدو ان السلطة تمكنت من اختراقها ومن خلق حالات استقطاب في داخلها ما زعزع تركيبتها ايضاً.
    «امراء» هذه الجماعات تربطهم بالقاضي الهتار علاقة رعاية كما يبدو، فهم يشيدون به في تصريحاتهم الصحافية التي يطلقونها عقب الاشتباكات التي تدور بينهم خلال تنافسهم على تصدر المناطق التي يقيمون فيها، في ارياف محافظة ابين.
    ويقول نبيل الصوفي ان «جيش عدن - أبين» كان ظاهرة محلية وليس جزءاً من شبكة قاعدية لها جذور خارج اليمن.
    ويشير الى ان احداً لم يسمع عن هذا الجيش الا عندما اعلن عنه المحضار.
    وابو حسن كان في حينه آتياًً من افغانستان بعد خلاف مع بن لادن على مسألة الحرب في اليمن.
    عاد المحضار وكانت الدولة تقوم بارضاء عدد من امراء الحرب الأفغانية العائدين لتوهم، وبينهم خالد الفضلي زميل المحضار وهو من مدينة ابين ايضاً، اذ عيّنته قائداً عسكرياً لوحدة في الجيش، وتحقق ذلك بأشراف اللواء علي محسن الأحمر، زوج شقيقة الفضلي.
    وجد المحضار نفسه خارج هذه الارضاءات والاستقطابات الجديدة، وتزامن ذلك مع ازدهار عمليات الخطف التي كانت تنفذها القبائل لمفاوضة الحكومة على خدمات وعطاءات وذلك في العام 1998.
    وأسفرت عمليات الخطف عن تجاوب الدولة اليمنية مع مطالب العشائر اكثر من مرة، فأراد المحضار استعمال هذه الوسيلة في ابين، فأقدم على خطف مجموعة من السياح ولم يأخذ في الاعتبار ان العشائر ضعيفة في ابين وهي استنفدت شكيمتها القتالية في الحرب بين الشمال والجنوب، ولهذا اعتبرت الدولة ان عدم الرضوخ لمطالب المحضار امر سهل في ظل غياب الحماية العشائرية، فاقتحمت المكان الذي احتجز فيه رهائنه ووقعت مذبحة كبرى واعتقل المحضار وأُعدم.
    واعتبر باجمال خلال لقائه «الحياة» ان «هؤلاء المقاتلين انتقلوا من طورهم النضالي الكفاحي الى طور متطرف وارهابي لم يعد يميز بين هدف وآخر. كنا في البداية نقول ان ذلك ربما بسبب عدم فهم الوحدة وطبيعتها وان هذه الأفكار ستزول مع الوقت، واذا بنا امام موجة ليست محلية وبدأت الظاهرة تكبر وكانت احداث 1998 في ابين واشترك في معاركنا مع جيش عدن - ابين يمنيون ومصريون وبريطانيون...».
    انتهى «جيش عدن – ابين» على هذا النحو، لكن امراءه والجماعات التي تعتبر استمراراً اجتماعياً ودعوياً له ما زالت مقيمة في مناطق ابين.
    خالد عبد النبي (غيّر اسمه بحيث اصبح : خالد عبد رب النبي) واحد من جنود المحضار، حاول كما يبدو وراثة زعامته الجماعة. وفي تعريف مختصر فيه نشرته صحيفة الوسط اليمنية الاسبوعية، ان عبد النبي من مواليد 1969 وتلقى قسطاً من التعليم في المدارس الحكومية اليمنية ثم هاجر الى السعودية اواسط الثمانينات بسبب الظروف المعيشية، وانتقل منها الى افغانستان ثم عاد الى اليمن ليشارك مع جماعات مسلحة اخرى في الحرب الأهلية عام1994 اسمها قوات الشرعية.
    وعن مجموعة عبد النبي انشقت جماعة ثانية يقودها الشيخ وجدي الحوبشي، واندلعت اشتباكات قبل نحو ثلاثة اشهر بين المجموعتين في مدينة جعار في محافظة ابين. ويبدو ان القاضي الهتار وبما انه كان واسطة الحوار في السجون بين هذه الجماعات وبين السلطة، تولى ايضاً التفاوض بين المجموعتين لفض النزاع المسلح بينهما.
    ووُصفت منطقة جعار اثر هذه الاشتباكات بأنها مسرح للأفكار السلفية المتناحرة، فيما اعتبرتها صحف المعارضة «قندهار اليمن». والى جانب وساطة الهتار ثمة ثابتة اخرى في خُطب هؤلاء الأمراء هي اعلاؤهم الدائم من شأن ابو حسن المحضار قائدهم السابق الذي يبدو انه من دون الإعلاء من شأنه لن تستقيم زعاماتهم ولن تكتمل.
    يجمع يمنيون على أن هؤلاء الأمراء السلفيين المحليين استفادوا الى حد بعيد من التسويات التي اجرتها الحكومة اليمنية معهم. ففي نقاشاتهم على صفحات الصحف اليمنية يتبادل هؤلاء الشيوخ التهم حول الاقطاعات الزراعية التي حازوها نتيجة عقدهم احلافاً مع الأجهزة الأمنية.
    ويشير صحافي يمني من ابناء منطقة جعار الى ان هؤلاء الأمراء الصغار تحولوا الى وسطاء بين جماعاتهم وبين الدولة، ما ثبتهم في مواقعهم على رغم هشاشة تمثيلهم.

    على رغم طرافة هذه الوقائع في دولة مترامية ضعيفة الصلة بأطرافها، يشكل اليمن بسلطته ومعارضته وعاء اجتماعياً وسياسياً لهذه الجماعات، التي يعتقد يمنيون بأنها جزء من الدولة.
    انهم ارث الحرب الباردة. وعلى نحو ما كان اليمن الجنوبي شيوعياً كان اليمن الشمالي اسلامياً.
    واسلامية اليمن الشمالي تعني اشياء كثيرة، منها التجمع اليمني للاصلاح بتكتلاته الكثيرة، وتعني جامعة الايمان، والجماعات السلفية العائدة من افغانستان واشياء اخرى، لكنها تعني ايضاً وربما بدرجة اكبر حزب المؤتمر الحاكم وتحالفاته العشائرية في الداخل، وانخراطه اليوم في الحرب على الارهاب. ويقول استاذ في جامعة صنعاء ان السلطة استعملت الزنداني في مرحلة الحرب الباردة الى ابعد الحدود، ويضيف: «الزنداني كان الزعيم الروحي للمجاهدين في افغانستان وقاد عملية التعبئة عبر الأشرطة والمحاضرات والكتب، وكان تأثيره في مرحلة ما قبل الوحدة كبيراً.
    الحكومة في حينها ارادت ذلك في سياق وقوفها مع التحالف الغربي في مواجهة الشيوعية. كان هناك مقرر في جامعة صنعاء الحكومية اسمه الثقافة الاسلامية، كله من تأليف الزنداني ويتناول اسبقية الدين في العلوم الوضعية. وكل هذا في سياق دعم المجاهدين».
    الدولة في اليمن ضعيفة الصلة بأطرافها، والحديث في صنعاء عن التجمعات السكانية المتباعدة التي لا يصل بينها طريق او هاتف يشعرك بأنك في زمن ما قبل الدولة الحديثة.
    لكن الأمر مختلف في اليمن، ذلك البلد الذي تتجاوز مساحته مساحة فرنسا، وفيه نحو 310 اقضية وفي الكثير من هذه الأقضية نحو 20 او 30 عزلة متباعدة بحيث استنفد اليمن جزءاً من امكاناته في عمليات الربط بين هذه العزلات.
    يفضل اليمنيون في عزلاتهم العيش في اعالي الجبال ويتركون السفوح والوديان للزراعة التي تبدو عملية شاقة نظراً الى ما تتطلبه من انتقال دائم من اعالي الجبال الشاهقة الى السفوح والوديان. انه مشهد من مشاهد قساوة العيش في هذا البلد. لكن هذه القساوة لم تمتد لتصل الى طبائع اليمنيين خلافاً للكثير من المجتمعات التي تعيش في ظروف مشابهة، وعلى هذا النحو يبدو اليمني مسالماً ومقاتلاً في آن.
    يصل نبيل الحيلة كل يوم تقريباً الى صنعاء آتياً من منطقة بني حشيش الواقعة في محيط صنعاء ليتابع قضية شقيقه عبد السلام المعتقل في غوانتانامو.
    انهما ابنا احد شيوخ عشائر بني حشيش، ويبدو ان للعائلة موقعاً في التركيبة البكيلية للعشيرة.
    يصل نبيل الى صنعاء محتفظاً بوسامة يمنية لا تدرك الا عند التدقيق في تفاصيل ثوبه الصنعاني وخنجره البكيلي والشماغ الذي تختاره يومياً زوجته التي لم يمض شهران على اقترانه بها.
    وسامة الشاب جزء من عنفوان المشيخة التي تربى في ظلها، واختير شقيقه عبدالسلام في وحي منها ضابطاً في القوات المسلحة اليمنية.
    ويقول محمد علاو المحامي الذي يتولى قضية عبد السلام ان موكله ذهب مبكراً الى افغانستان وعاد منها مبكراً ايضاً، وبدأ يعمل في تجارة الأدوية وهو اصلاً من عائلة ثرية. ويتابع: «يبدو ان الشاب الذي استمر ضابطاً في جهاز الأمن السياسي عمل بحكم خبرته مع الأفغان العرب في ملف ترحيل من وصل من هؤلاء الى اليمن.
    وبعد احداث 11 ايلول يبدو ان الاستخبارات الأميركية والمصرية اهتمت بالمعلومات التي لديه واستدرجته الى القاهرة، وأعلنت الحكومة المصرية في حينه انه غادر القاهرة في طائرة خاصة الى جورجيا. وبعد مدة من اختفائه ظهر في قاعدة غوانتانامو الأميركية.
    في صنعاء حكايات كثيرة مماثلة، مثل حكاية الشيخ محمد المؤيد الذي حكم في الولايات المتحدة بالسجن 75 عاماً بتهمة دعم «القاعدة» و»حماس»، وكان استدرج ايضاً الى المانيا ومنها الى اميركا.
    حكايات ترويها العائلات، ويختلط فيها التعاطف مع الأبناء والأشقاء بوقائع غامضة لكنها شديدة الارتباط بالظروف التي افضت الى المشهد السياسي الراهن لليمن. والدولة تدرك هذا الالتباس، وتدرك ايضاً صعوبة ما يطلب منها من التزامات دولية. لكن الموازنة بين الواقع الثقيل والالتزامات المستجدة في سياق حرب غير تقليدية، مسألة تبدو من اصعب المهمات
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-10-11
  7. fas

    fas قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-01-23
    المشاركات:
    3,537
    الإعجاب :
    0
    الى مكتب منظمة الدفاع عن الحقوق والحريات (هود) في شارع الزبير في صنعاء، يصل يومياً عدد من آباء يمنيين معتقلين في غوانتانامو وأشقائهم. بعضهم من اهل صنعاء او المقيمين فيها، وبعضهم من سكان المحافظات البعيدة. المنظمة يديرها المحامي محمد ناجي علاو وهو قيادي في التجمع الوطني للاصلاح قريب من الشيخ عبد المجيد الزنداني.
    وتتولى المنظمة متابعة اوضاع المعتقلين وجمع توكيلات من اهلهم للدفاع عنهم في المحاكم الأميركية.
    العدد الأكبر من المعتقلين أوقفوا اما في افغانستان وإما في باكستان، وثمة آخرون اعتقلوا في دول اخرى لكنهم سبق ان كانوا في احدى الدولتين، فعدة «الجهاد» اقتضت حيازة اقنعة كثيرة، وتغذت من روافد معقدة، وفي الحال اليمنية اضيفت اليها عناصر الشمال والجنوب، وحاشد وبكيل، والحرب الباردة ولهذا ستجد في سجلات «هود» اسماء يمنيين اعتقلوا في دول ليست مسرحاً تقليدياً للحرب على الارهاب، منهم مثلاً محمد امين البكري وهو يمني من منطقة يافع واهله يقيمون في السعودية، في حين يعمل هو تاجراً في مدغشقر واعتقل في تايلاندا.
    كان ذهب الى افغانستان طبعاً. وفي سجلات «هود» اسم محمد الأسدي وهو يمني من محافظة المهرة في المنطقة الشرقية، لكنه عمل في التجارة في تنزانيا واعتقل في دار السلام وكانت افغانستان محطة من محطات تنقلاته. وقد يندرج في هذا السياق اسماعيل الريمي الذي غادر اليمن قبل احداث ايلول (سبتمبر) بأشهر قليلة متوجهاً الى الامارات العربية المتحدة واختفى هناك ليظهر اسمه لاحقاً في لوائح المعتقلين في غوانتانامو.
    اما الذين اعتقلوا في افغانستان او باكستان من اليمنيين فيبدو ان معظمهم من صغار السن الذين لم يتجاوزوا الثلاثين من عمرهم على رغم سنوات السجن الأربع.
    وتشكل سيرهم مرآة تعكس نوع العلاقة التي تربط «الجهاديين» ببعضهم وتربطهم ايضاً في بلاد «الهجرة» اي افغانستان. اذ يبدو ان ثمة مجتمعاً كان قيد التبلور يمكن تسميته مجتمع المجاهدين.
    زيجات «الأخوة في الجهاد» من شقيقات اخوانهم، وسطوة الأشقاء الكبار وتأثيرهم في أشقائهم الصغار جعلت من الممكن رصد عائلات «جهادية». على هذا النحو مثلاً اعتقل محمد احمد سعيد العواهي، وهو يمني من مدينة تعز، اثناء سفره الى افغانستان لإيصال شقيقته الى زوجها المقيم في الامارة الاسلامية ورحّل الى غوانتانامو، علماً ان زوج شقيقته ويدعى محمد عبده هو اليوم ايضاً في غوانتانامو. اما عبدالملك احمد عبدالوهاب الرحبي فمعتقل في القاعدة الأميركية الى جانب شقيق زوجته رشاد محمد سعيد، ويقول والده ان عبد الملك وعمره اليوم 26 عاماً وهو من ارياف مدينة إب، ذهب الى باكستان للدراسة في احدى المدارس الدينية ثم عاد الى اليمن وتزوج من شقيقة صديقه وغادر الى باكستان. وعند بدء الحرب عادت زوجته الى اليمن وبقي هو هناك الى ان وصل خبر اعتقاله هو وشقيق زوجته.
    ولكن، وسط العلاقات التي تنعقد حولها سير «المجاهدين» ثمة سياقات عادية لا تنفي حقيقة اتساع هامش الخروج على العلاقات التقليدية، بل ربما تؤكده.
    فمن ذهب الى افغانستان، بحسب مصدر امني يمني ليس العشائر وانما سواقطها، وهؤلاء اصبحوا كثيرين في ظل التعليم والتحديث والكثافة السكانية ومشكلات التمدين. ومن خرج عن هذا السياق من ابناء العشائر تضمنت سيرته اشارات واضحة لأسباب محددة. فهذا عصام الجائفي وهو من معتقلي غوانتانامو ومن عشائر بكيل في قرية همدان التي تبعد نحو 70 كيلومتراً عن صنعاء، ويقول والده انه بدأ يفقد سيطرته على ابنه عندما تخاصم الأخير مع خالته (زوجة الوالد التي تزوجها بعد طلاقه ام عصام)، واثناء ذلك توظف عصام في مجلس حماية البيئة، وتعرف هناك الى شخص سلفي اسمه بكري. قبل الحرب في افغانستان بثلاثة اشهر اختفى الشاب، وظهر اسمه في لوائح المعتقلين في غوانتانامو.
    العشائر لم ترسل ابناءها الى افغانستان، هذه الحقيقة التي اشار اليها المصدر الأمني اكدها اكثر من مراقب للحركات الجهادية في اليمن، كما يمكن رصدها في السير المتوافرة للـ«مجاهدين».
    المناطق التي ارسلت ابناءها هي المناطق الأقل عشائرية، ويمكن ترتيبها بحسب كثافة المشاركة على النحو الآتي: اولاً من محافظة إب ثم محافظة ابين ثم تعز، والدفعة اللاحقة من حضرموت وعدن والحديدة وصنعاء. اما المناطق العشائرية في اليمن، ومشاركتها ضعيفة في الذهاب الى افغانستان فهي مأرب والجوف وحجة وصعدة، وربما شكلت محافظة شبوة استثناء على هذا الصعيد، اذ هي من المناطق العشائرية التي شاركت بكثافة في الذهاب الى افغانستان. ولهذه المشاركة اسبابها المعروفة في اليمن، اذ ان النظام الجنوبي قمع عشائر شبوة وحجر على زعامات شيوخها وفرق الكثير من تجمعاتها ضمن خطة اضعاف العشائر التي كان باشرها النظام الشيوعي في حينه، فتفرقت عشائر شبوة وهرب كثيرون من شيوخها ووجوهها الى الخليج العربي وانخرط ابناؤها في الحروب ضد النظام في الجنوب والتحق آخرون بالحرب على «الشيوعية» في افغانستان.
    وقد خرج من شبوة الكثير من الوجوه المعروفة في الشبكات «الجهادية» ربما كان أبرزها أبو حسن المحضار أمير «جيش عدن – ابين»، وفهد القصع احد المتهمين في قضية تفجير المدمرة «كول». اما ابرز وجوه شبوة «الجهادية» فهو ابو علي الحارثي المخطط الرئيسي لتفجير «كول» وناقلة النفط «ليمبورغ».
    ولعل حادثة مقتله عبر غارة جوية اميركية في احدى المناطق (بين) شبوة و(مأرب)، اشارة الى نوع العلاقة التي تربط عناصر هذه الشبكات بالبيئة الطبيعية والعشائرية التي يقيمون فيها. فشبوة محافظة كبيرة قريبة من حضرموت، ومنطقة الحارث التي قتل فيها ابو علي منطقة زراعية وبدوية في آن، كان الحارثي يتحرك فيها بسهولة وبحماية عشائرية، ما يعسّر على السلطة ملاحقته على رغم انه تحول في الفترة التي سبقت مقتله الى اسم كبير في عالم الارهاب.
    وكشف مقتله نفوذاً كبيراً له في هذه المنطقة وشبكة حماية عشائرية فعلية.
    ويقول نبيل الصوفي ان العشائر وإن لم تذهب الى افغانستان فهي لم تقف في وجه الذهاب اليها. والعشيرة يمكنها ان تتولى حماية «مجاهدين» في المناطق التي تسيطر عليها، ويتطلب الأمر ربط العشيرة بشبكة مصالح سياسية ومالية على الأرجح.

    احداث كثيرة شهدها اليمن في الفترة التي سبقت الحادي عشر من ايلول وفي الفترة التي اعقبتها ادت الى ازدحام السجون اليمنية بمئات «الجهاديين» من الأجيال المختلفة.
    وبما ان الدولة تعتقد بأن هؤلاء يمتون اليها بصلة ما ليس اقلها الشراكة السابقة، باشرت ما سمته حواراً مع عدد كبير منهم، خصوصاً من الذين لم تثبت ادانتهم بأعمال جرمية. ويشرح رئيس الحكومة عبد القادر باجمال ظاهرة الافراج عن الأفغان اليمنيين من السجون قائلاً: «تبين ان لدى كثيرين من هؤلاء ثارات مع النظام الجنوبي السابق، ولهم حقوق مستلبة واملاك واراض، باعتبار انهم كانوا مشايخ وحكاماً سابقين، والنظام الاشتراكي انتهى وجاء نظام وحدوي. هم ارادوا مقاتلة النظام الشيوعي في الجنوب وفي افغانستان. وبعد الوحدة كانت لكثيرين منهم ثاراتهم الخاصة. نظرنا الى المسألة من زواياها المختلفة وتمت تسويات كثيرة. اعدنا الملكيات واستوعبنا كثيرين منهم في مؤسسات الدولة وآخرون لجأوا الى الأعمال الزراعية والتجارية، واقمنا حوارات مع من دخلوا السجون بتهم مختلفة وافرجنا عن مئات منهم».
    ينفي القاضي حمود الهتار، وهو من تولى محاورة المتشددين في السجون، ما يشاع من ان عدداً من المفرج عنهم تراجع عن تعهداته بعدم الانخراط في اعمال عنف في اليمن.
    وعما يتردد من ان بعض المفرج عنهم توجه الى العراق وهو ما اكده لـ«الحياة» محام يمني يتولى الدفاع عن احد كفلاء المتشددين الذي تلاحقه السلطات بعدما فقدت اثر من كفله، يقول الهتار للـ«الحياة»: «استطيع ان اجزم بأن احداً من المفرج عنهم لم ينخرط في أعمال ارهابية داخل اليمن، اما من يسافر فلا أستطيع ان اراقب اعماله في الخارج».
    وبدأت جلسات الحوار مع المتشددين في السجون عام 2002 وأدت الى الأفراج عن 364 شخصاً ممن شملهم وليسوا متهمين بقضايا جنائية. ويؤكد المحامي محمد ناجي علاو ان جلسات الحوار لن تعكس بالضرورة قناعات المفرج عنهم، ومن السهل على هؤلاء ان يقولوا في السجون غير ما يعتقدون ويمارسون عندما يصبحون خارجها، خصوصاً ان سقف هذا الحوار هو السجن.
    ويؤكد ان عملية دمج هؤلاء خارج السجن مسألة لم تتحقق، خصوصاً في ظل الرقابة الشديدة التي يتعرضون لها، وعدم استقبالهم في مجالات العمل، وهو امر يرشحهم للانخراط مجدداً في اعمال العنف.
    بقايا «جيش عدن – أبين» كانوا من الجماعات التي شملها الحوار وأطلقت شخصيات اساسية منها، وهم عادوا الى ابين واريافها، والكثير من الجماعات الجهادية شرعت تتنافس وتنقسم على نفسها خصوصاً في غياب قائد يجمعها بعدما اعدم المحضار، وما يجمعها اليوم هو فقط ادعاؤها الفكر السلفي. ويبدو ان السلطة تمكنت من اختراقها ومن خلق حالات استقطاب في داخلها ما زعزع تركيبتها ايضاً.
    «امراء» هذه الجماعات تربطهم بالقاضي الهتار علاقة رعاية كما يبدو، فهم يشيدون به في تصريحاتهم الصحافية التي يطلقونها عقب الاشتباكات التي تدور بينهم خلال تنافسهم على تصدر المناطق التي يقيمون فيها، في ارياف محافظة ابين.
    ويقول نبيل الصوفي ان «جيش عدن - أبين» كان ظاهرة محلية وليس جزءاً من شبكة قاعدية لها جذور خارج اليمن.
    ويشير الى ان احداً لم يسمع عن هذا الجيش الا عندما اعلن عنه المحضار.
    وابو حسن كان في حينه آتياًً من افغانستان بعد خلاف مع بن لادن على مسألة الحرب في اليمن.
    عاد المحضار وكانت الدولة تقوم بارضاء عدد من امراء الحرب الأفغانية العائدين لتوهم، وبينهم خالد الفضلي زميل المحضار وهو من مدينة ابين ايضاً، اذ عيّنته قائداً عسكرياً لوحدة في الجيش، وتحقق ذلك بأشراف اللواء علي محسن الأحمر، زوج شقيقة الفضلي.
    وجد المحضار نفسه خارج هذه الارضاءات والاستقطابات الجديدة، وتزامن ذلك مع ازدهار عمليات الخطف التي كانت تنفذها القبائل لمفاوضة الحكومة على خدمات وعطاءات وذلك في العام 1998.
    وأسفرت عمليات الخطف عن تجاوب الدولة اليمنية مع مطالب العشائر اكثر من مرة، فأراد المحضار استعمال هذه الوسيلة في ابين، فأقدم على خطف مجموعة من السياح ولم يأخذ في الاعتبار ان العشائر ضعيفة في ابين وهي استنفدت شكيمتها القتالية في الحرب بين الشمال والجنوب، ولهذا اعتبرت الدولة ان عدم الرضوخ لمطالب المحضار امر سهل في ظل غياب الحماية العشائرية، فاقتحمت المكان الذي احتجز فيه رهائنه ووقعت مذبحة كبرى واعتقل المحضار وأُعدم.
    واعتبر باجمال خلال لقائه «الحياة» ان «هؤلاء المقاتلين انتقلوا من طورهم النضالي الكفاحي الى طور متطرف وارهابي لم يعد يميز بين هدف وآخر. كنا في البداية نقول ان ذلك ربما بسبب عدم فهم الوحدة وطبيعتها وان هذه الأفكار ستزول مع الوقت، واذا بنا امام موجة ليست محلية وبدأت الظاهرة تكبر وكانت احداث 1998 في ابين واشترك في معاركنا مع جيش عدن - ابين يمنيون ومصريون وبريطانيون...».
    انتهى «جيش عدن – ابين» على هذا النحو، لكن امراءه والجماعات التي تعتبر استمراراً اجتماعياً ودعوياً له ما زالت مقيمة في مناطق ابين.
    خالد عبد النبي (غيّر اسمه بحيث اصبح : خالد عبد رب النبي) واحد من جنود المحضار، حاول كما يبدو وراثة زعامته الجماعة. وفي تعريف مختصر فيه نشرته صحيفة الوسط اليمنية الاسبوعية، ان عبد النبي من مواليد 1969 وتلقى قسطاً من التعليم في المدارس الحكومية اليمنية ثم هاجر الى السعودية اواسط الثمانينات بسبب الظروف المعيشية، وانتقل منها الى افغانستان ثم عاد الى اليمن ليشارك مع جماعات مسلحة اخرى في الحرب الأهلية عام1994 اسمها قوات الشرعية.
    وعن مجموعة عبد النبي انشقت جماعة ثانية يقودها الشيخ وجدي الحوبشي، واندلعت اشتباكات قبل نحو ثلاثة اشهر بين المجموعتين في مدينة جعار في محافظة ابين. ويبدو ان القاضي الهتار وبما انه كان واسطة الحوار في السجون بين هذه الجماعات وبين السلطة، تولى ايضاً التفاوض بين المجموعتين لفض النزاع المسلح بينهما.
    ووُصفت منطقة جعار اثر هذه الاشتباكات بأنها مسرح للأفكار السلفية المتناحرة، فيما اعتبرتها صحف المعارضة «قندهار اليمن». والى جانب وساطة الهتار ثمة ثابتة اخرى في خُطب هؤلاء الأمراء هي اعلاؤهم الدائم من شأن ابو حسن المحضار قائدهم السابق الذي يبدو انه من دون الإعلاء من شأنه لن تستقيم زعاماتهم ولن تكتمل.
    يجمع يمنيون على أن هؤلاء الأمراء السلفيين المحليين استفادوا الى حد بعيد من التسويات التي اجرتها الحكومة اليمنية معهم. ففي نقاشاتهم على صفحات الصحف اليمنية يتبادل هؤلاء الشيوخ التهم حول الاقطاعات الزراعية التي حازوها نتيجة عقدهم احلافاً مع الأجهزة الأمنية.
    ويشير صحافي يمني من ابناء منطقة جعار الى ان هؤلاء الأمراء الصغار تحولوا الى وسطاء بين جماعاتهم وبين الدولة، ما ثبتهم في مواقعهم على رغم هشاشة تمثيلهم.

    على رغم طرافة هذه الوقائع في دولة مترامية ضعيفة الصلة بأطرافها، يشكل اليمن بسلطته ومعارضته وعاء اجتماعياً وسياسياً لهذه الجماعات، التي يعتقد يمنيون بأنها جزء من الدولة.
    انهم ارث الحرب الباردة. وعلى نحو ما كان اليمن الجنوبي شيوعياً كان اليمن الشمالي اسلامياً.
    واسلامية اليمن الشمالي تعني اشياء كثيرة، منها التجمع اليمني للاصلاح بتكتلاته الكثيرة، وتعني جامعة الايمان، والجماعات السلفية العائدة من افغانستان واشياء اخرى، لكنها تعني ايضاً وربما بدرجة اكبر حزب المؤتمر الحاكم وتحالفاته العشائرية في الداخل، وانخراطه اليوم في الحرب على الارهاب. ويقول استاذ في جامعة صنعاء ان السلطة استعملت الزنداني في مرحلة الحرب الباردة الى ابعد الحدود، ويضيف: «الزنداني كان الزعيم الروحي للمجاهدين في افغانستان وقاد عملية التعبئة عبر الأشرطة والمحاضرات والكتب، وكان تأثيره في مرحلة ما قبل الوحدة كبيراً.
    الحكومة في حينها ارادت ذلك في سياق وقوفها مع التحالف الغربي في مواجهة الشيوعية. كان هناك مقرر في جامعة صنعاء الحكومية اسمه الثقافة الاسلامية، كله من تأليف الزنداني ويتناول اسبقية الدين في العلوم الوضعية. وكل هذا في سياق دعم المجاهدين».
    الدولة في اليمن ضعيفة الصلة بأطرافها، والحديث في صنعاء عن التجمعات السكانية المتباعدة التي لا يصل بينها طريق او هاتف يشعرك بأنك في زمن ما قبل الدولة الحديثة.
    لكن الأمر مختلف في اليمن، ذلك البلد الذي تتجاوز مساحته مساحة فرنسا، وفيه نحو 310 اقضية وفي الكثير من هذه الأقضية نحو 20 او 30 عزلة متباعدة بحيث استنفد اليمن جزءاً من امكاناته في عمليات الربط بين هذه العزلات.
    يفضل اليمنيون في عزلاتهم العيش في اعالي الجبال ويتركون السفوح والوديان للزراعة التي تبدو عملية شاقة نظراً الى ما تتطلبه من انتقال دائم من اعالي الجبال الشاهقة الى السفوح والوديان. انه مشهد من مشاهد قساوة العيش في هذا البلد. لكن هذه القساوة لم تمتد لتصل الى طبائع اليمنيين خلافاً للكثير من المجتمعات التي تعيش في ظروف مشابهة، وعلى هذا النحو يبدو اليمني مسالماً ومقاتلاً في آن.
    يصل نبيل الحيلة كل يوم تقريباً الى صنعاء آتياً من منطقة بني حشيش الواقعة في محيط صنعاء ليتابع قضية شقيقه عبد السلام المعتقل في غوانتانامو.
    انهما ابنا احد شيوخ عشائر بني حشيش، ويبدو ان للعائلة موقعاً في التركيبة البكيلية للعشيرة.
    يصل نبيل الى صنعاء محتفظاً بوسامة يمنية لا تدرك الا عند التدقيق في تفاصيل ثوبه الصنعاني وخنجره البكيلي والشماغ الذي تختاره يومياً زوجته التي لم يمض شهران على اقترانه بها.
    وسامة الشاب جزء من عنفوان المشيخة التي تربى في ظلها، واختير شقيقه عبدالسلام في وحي منها ضابطاً في القوات المسلحة اليمنية.
    ويقول محمد علاو المحامي الذي يتولى قضية عبد السلام ان موكله ذهب مبكراً الى افغانستان وعاد منها مبكراً ايضاً، وبدأ يعمل في تجارة الأدوية وهو اصلاً من عائلة ثرية. ويتابع: «يبدو ان الشاب الذي استمر ضابطاً في جهاز الأمن السياسي عمل بحكم خبرته مع الأفغان العرب في ملف ترحيل من وصل من هؤلاء الى اليمن.
    وبعد احداث 11 ايلول يبدو ان الاستخبارات الأميركية والمصرية اهتمت بالمعلومات التي لديه واستدرجته الى القاهرة، وأعلنت الحكومة المصرية في حينه انه غادر القاهرة في طائرة خاصة الى جورجيا. وبعد مدة من اختفائه ظهر في قاعدة غوانتانامو الأميركية.
    في صنعاء حكايات كثيرة مماثلة، مثل حكاية الشيخ محمد المؤيد الذي حكم في الولايات المتحدة بالسجن 75 عاماً بتهمة دعم «القاعدة» و»حماس»، وكان استدرج ايضاً الى المانيا ومنها الى اميركا.
    حكايات ترويها العائلات، ويختلط فيها التعاطف مع الأبناء والأشقاء بوقائع غامضة لكنها شديدة الارتباط بالظروف التي افضت الى المشهد السياسي الراهن لليمن. والدولة تدرك هذا الالتباس، وتدرك ايضاً صعوبة ما يطلب منها من التزامات دولية. لكن الموازنة بين الواقع الثقيل والالتزامات المستجدة في سياق حرب غير تقليدية، مسألة تبدو من اصعب المهمات
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-10-12
  9. Alalbait

    Alalbait عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-10-01
    المشاركات:
    257
    الإعجاب :
    0
    اعوذ بالله من القاعده قاتلهم الله
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-10-12
  11. fas

    fas قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-01-23
    المشاركات:
    3,537
    الإعجاب :
    0
    القاعدة احرار الاسلام فى زمن الجبن
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-10-12
  13. الجوكر

    الجوكر مشرف الكمبيوتر والجوال مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-01-26
    المشاركات:
    54,688
    الإعجاب :
    8

    [grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]قاتلك الله عما تقول [/grade]
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-10-12
  15. بدوي من شبوه

    بدوي من شبوه عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-10-01
    المشاركات:
    776
    الإعجاب :
    0
    قاتل الله كل مدفوعي الأجر مسبقا
    .......................
    اذا انت صادق امن على دعائي

    قاتل الله كل من حمل فكر ضال ومنحرف وتهجم على المسلمين بغير وجه حق
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-10-12
  17. fas

    fas قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-01-23
    المشاركات:
    3,537
    الإعجاب :
    0
    امين اللهم امين
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2005-10-12
  19. fas

    fas قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-01-23
    المشاركات:
    3,537
    الإعجاب :
    0
    تضمنت الحلقة الثالثة والأخيرة من حلقات الصحفي حازم الأمين ونشرتها الحياة حوارا مع عبدالمجيد الزنداني رئيس جامعة الإيمان، وتقريرا عن الجامعة.
    نيوزيمن يعيد نشرها:

    فخور لاكتشافه علاجاً لمكافحة الايدز! ...
    الزنداني: الكلام على تسليحي حركات إرهابية افتراء.. وعلى الحكومة اليمنية ان تؤدب الكاذبين

    جلس الشيخ عبدالمجيد الزنداني في منزله بين مجموعة من طلابه وحراسه شارحاً لهم سر تلك الأصوات التي سجلها على شريط لبشر يتعذبون ويتألمون، ويقول ان عالماً روسياً التقطها من داخل الطبقات الجوفية للكرة الارضية. يصغي الطلاب بحواسهم كلها الى ما يقوله الشيخ. ففي كلام الزنداني شيء من التحذير بمقدار ما فيه من شرح لطبيعة الاصوات.
    انه رئيس جامعة الايمان اليمنية التي اصدر مجلس الامن قراراً بتجميد ارصدتها، وكان لـ"الحياة" معه هذا الحديث:

    * على ماذا اعتمدت الحكومة الأميركية ومجلس الامن في اتهامكم بدعم «القاعدة» و «طالبان»؟
    - المصدر الذي اعتمدت عليه الادارة الاميركية ومجلس الامن هو الصحف الحكومية والصحف الحزبية للحزب الحاكم. أقوالها اخذت ادلة ضد الشيخ محمد المؤيد وحوكم على ضوئها. هذه الصحف نفسها هي التي تروج الأكاذيب المنسوبة اليّ والتي اعتمدتها أميركا في توجيه اتهامها ضدي عندما قدمت الاتهام الى مجلس الامن.

    * ولكن ما هي الحيثيات التي أخذت من الصحف كأدلة ضدك؟
    - قل لي ما هي الاتهامات لا الحيثيات! لأن الكذب لا حيثيات له. كذب وزور. الحيثيات هي الايقاع والتشويه. من الأكاذيب التي قالوها ان عادل كامل الذي قتل الاطباء الاميركيين الثلاثة في مستشفى جبله طالب في جامعة الإيمان. وهذا كذب محض، فنحن لا نعرفه وهو لا يعرف جامعة الايمان. وبلغني ان بعض الصحافيين كانوا يسألون رجال الامن هل هو طالب في جامعة الايمان فكان يرد عليهم المحققون بالنفي، ومع ذلك خرج في هذه الصحف وفي بعض وكالات الانباء انه طالب في جامعة الايمان.
    يقولون ان قاتل جار الله عمر كان طالباً فيها. نعم كان طالباً لمدة سنة ونصف سنة لكنه كان معترضاً على منهج جامعة الايمان وتركها وقال: لا يوجد لديها العلم الشرعي الذي اتصوره. هاجر الى مدينة زبيد لعله يجد العلم الذي يتخيله هناك وبعد فترة هاجر من زبيد لأنه لم يجد بغيته هناك، فقال لعل العلم يكون في جبله، فهاجر الى جبله ليعيش بين العلماء هناك، ثم انكر مع علماء جبله علمهم، وسلك طريقاً آخر. هذا يقال عنه انه طالب في جامعة الايمان! مع انه لم يحمل شهادة منها ولم يتخرج فيها. انا لا اقول ذلك دفاعاً، فحتى لو تخرج ما ذنبي وما مسؤوليتي؟ هل كل جامعة تتحمل المسؤولية الجنائية لكل طالب تخرج فيها؟ وفي الوقت الذي يحمل شهادة من جامعة اخرى لم يأت احد على ذكرها. ثم قدمت قضية جار الله عمر الى القضاء وحقق فيها، وأخذت كامل الاجراءات ولم يأت على ذكر أي تهمة لي او الى جامعة الايمان، ويعتبر بعد ذلك ان لجامعة الايمان دوراً في الذي جرى!

    * انت تتحدث عن اعلام رسمي. فهل تتهم السلطة بالوقوف وراء هذه الاتهامات؟
    - اتهم هذه الصحف ومن وراءها ومن يوجهها ومن قال لها ذلك بمحاولة الإيقاع بي كذباً وزوراً وافتراء.

    مثال آخر: يقول السفير الاميركي للشيخ عبدالله الأحمر (رئيس مجلس النواب، رئيس تجمع الاصلاح) ان في جامعة الايمان شخصاً من آل الشريف وهو ارهابي يدير خلية ارهابية في جامعة الايمان. اتصل بي الشيخ عبدالله وسألني عنه. سألت فلم نجد احداً بهذا الاسم. يقولون ان عبدالمجيد يمول بالسلاح حركات ارهابية في المنطقة، وأنا لا أعرف السلاح ولا الإتجار به.

    * من يقول ذلك؟
    - الصحف الرسمية... فهل يريدون ان يعطوا مبرراً للأكاذيب الاميركية. الاميركيون يريدون ادانتي من دون ادلتهم فما بالك لو جاؤوا اليهم بالأدلة لاسعاف هؤلاء الاميركان. موضوع السلاح كذب وافتراء. لا اعرف تجارة السلاح ولا اعرف مصادرها ولا كيف تتم صفقاتها، ولا شغل لي بذلك البتة. اما الاميركان، وكي تعرف مستوى هذه الدولة الكبيرة فيقولون: الشيخ الزنداني خطير يتحرك بشخصيتين ويقدم نفسه بشخصيتين، احداهما اسمها عبدالمجيد الزنداني، وثانية اسمها الشيخ عبدالمجيد الزنداني.

    * من قال ذلك؟
    - الخزانة الأميركية وفي اللائحة الاتهامية الموجهة ضدي قالت ذلك. ما هذا الاستخفاف بالشعوب، والاستخفاف بالناس، وبالإنسان وكراماته بعقول السامعين.

    * ما مصادر تمويل جامعة الايمان؟
    - هذا السؤال من حق الاستخبارات وليس من حقك، لأنها تريد ان تعرف هذه المصادر كي تهدد الذين يقدمون المال ويدعمون الجامعة. اترك هذا السؤال لغيرك. أنت الآن تقول يحتمل ان يكون المقصود جامعة الايمان، وأنا اجيبك بأن السفير الاميركي في صنعاء اعلن ان المقصود من اتهامي منع المال عن جامعة الايمان، وقال نحن قلقون منها. انها حرب لتجفيف منابع الاسلام. انها خطة اميركا، عبر اقفال الجامعات والمدارس والمناهج. اعلنوا عن ذلك. انا لم أتهم بهذه التهمة الا لأنني اجد تمويلاً للمؤسسة، لذلك اعتذر اليك عن عدم الإفصاح عن مصادر تمويل الجامعة، لأنني اذا كشفت الممولين سيذهبون ويضغطون عليهم من طريق المسؤولين والحكام. فهؤلاء يمولون جامعة والجامعة مفتوحة وهدف اميركا فقط الحرب على الاسلام على تعاليمه، ونحن ننكر عليها ذلك ونقول ان تعليم الدين من اهم حقوق الانسان.

    * لكن مجلس الأمن طلب مراقبة حساباتكم؟
    - مجلس الأمن... وأميركا قالت انها ستجمد أرصدة الزنداني في الولايات المتحدة وبحثوا ولم يجدوا فلساً واحداً، ثم قالوا سنجمد ارصدته في العالم كله، وفتشوا في مصارف العالم فلم يجدوا، فلم يبق الا ارصدته في بلاده فجاءوا يريدون هذا، ولا شك في انهم اطلعوا على ارصدتي في بلادي فوجدوها متواضعة جداً، لكنهم يريدون تخويف من يدعم الجامعة. وأقول لك ولهم إنهم يقدمون خدمة الى جامعة الايمان من حيث لا يدرون. الامة الاسلامية عندما تشعر ان شخصاً او جهة تضطهد بسبب اسلامها يزداد التعاطف معها. وهذه الأمة جربتها أمم كثيرة، فإذا مشت في دينها تثبت وتصمد ولا تنهزم.

    * هناك اجراءات اتخذتها الحكومة اليمنية بحق جامعة الايمان فعلى ماذا اثرت هذه الاجراءات؟
    - إن كان المقصود الرقابة على الطلاب الأجانب باعتبار انهم قد يكونون ارهابيين فحكومتنا بالغت وأسرفت في معاملتها مع طلاب جامعة الايمان وتجاوزت كل الأعراف الثقافية والقانونية التي يجب ان تلتزمها الدول التي تحترم نفسها. فهؤلاء دخلوا البلاد بتأشيرات وسكنوا البلاد ولديهم اقامات، ورغم ذلك اذا خرجوا الى العمرة يعتقلون على الحدود، واذا نزلوا من المطار اعتقلوا... طرق ليس فيها مراعاة للأعراف التي يراعيها الناس في التعامل مع كل ضيف وزائر، وكل هذا من اجل ارضاء اميركا. نجحت هذه الخطة اذ ان كثيرين من الطلاب تركوا اليمن، وقالوا جئنا اليكم لنطلب العلم فأصبحنا مجرمين في بلادنا. تعيدوننا الى بلادنا مجرمين. كان لدينا طلاب من اكثر من 50 دولة لكن العدد تراجع الآن وبقي طلاب من نحو 10 دول.
    نحن نقدّر الضغوط التي تتعرض لها حكومتنا، فالحكومة تقول ان الاميركيين يحذرونها دائماً من جامعة الايمان. الحكومة الزمتنا وقالت اذا اردتم ان تقبلوا أي طالب اجنبي، لا تقبلوه الا بموافقة سفارته. والتزمنا بذلك.

    * قيل انك على صلة فكرية وأحياناً اكثر بعدد من الذين نفذوا اعمالاً ارهابية في اكثر من بلد؟
    - هذا كذب وافتراء وتزوير. أنا لا اعرف احداً ممن تقول. لو سألتني عن أي شخص لا اعرف. لا اعرف الا اسامة بن لادن الذي نسب اليه ما نسب، وأعرفه من فترة الجهاد الافغاني. اما البقية فلا اعرفها، فمن اين تأتي بهذه الاسئلة؟

    * انا لا آتي بها لكنه كلام نشِر؟
    - الجواب ان كل هذا كذب.
    * هناك تحرك للحكومة اليمنية لشطب اسمكم من لائحة مجلس الأمن المتعلقة بالأرصدة، فإلى أي مدى تنسقون مع الحكومة؟
    - الحكومة اليمنية مقصرة تقصيراً كبيراً في قضيتي، كان عليها ان تحاسب هؤلاء الصحافيين وان تؤدب هؤلاء الكاذبين.
    إنهم يجنون عليّ ويجنون على اليمن بتشويه سمعته. ثم كان من اللازم عليها في وقت مبكر جداً ان تعترض على إدراج اسمي في القائمة والمتهم بريء حتى تثبت ادانته وهم يعرفون انني لست نكرة ولست مجهولاً في اليمن.
    حركاتي معروفة وتصرفاتي معروفة وأقوالي مصورة ومسجلة. كان عليها ان تتقدم بطلب رسمي، ولم اسمع انهم طلبوا رفع اسمي الا اخيراً، حتى ما سمعت به شُكك به اذ نفى متكلم باسم وزارة الخارجية الاميركية ان يكون وصل أي طلب من الحكومة اليمنية.

    * الاميركيون يقولون ان ضمن مناهج جامعة الايمان ما يحرض على العنف والارهاب؟
    - هناك اختلاف في الدين واختلاف في الثقافة. لا يصح لأميركا لأنها دولة قوية ان تدوس اديان الأمم الأخرى وثقافات الأمم الأخرى وتجرّم دين هذه الأمم وثقافاتها. لا يصح لها ذلك ولا يحق لها ذلك، وهي لا تقبلها لو جرِّم دينها او جرّمت ثقافتها. اما ديننا فهو يأمرنا بالجهاد لكنه يحدد وظيفة الجهاد، ويبين انه لحماية الدين وحماية النفس ولحماية المال والعرض والدماء، وأن هذا الجهاد تقوم به الدولة ويعينها في ذلك الشعب. وهو ما يحصل في كل أنحاء العالم، فما من دولة إلا ولها جيش، فماذا يفعل؟ هذه الجيوش لمَ تعد؟ تعد للقتال دفاعاً عن هذه الدول.
    أُمِرنا في ديننا بأن ندافع عن انفسنا وعن اعراضنا وأموالنا، لذلك كل آيات الجهاد تنزل في هذا المنزل، والتي تتمثل في الجيوش التي تعد لذلك الجهاد مثل القتال. القتال وظيفة تقوم بها جيوش العالم، فلماذا يُنَكر على المسلمين ان يقوموا بالقتال دفاعاً عن انفسهم ودينهم وأعراضهم، وقمع الفتن الداخلية وتأمين المستأمنين من غير المسلمين ومن غير أهل البلاد، فهذه ذمة المسلمين. نحن نحض على حفظ الامن، وفي هذا السياق كل آيات الجهاد وأحادية الجهاد.

    * هناك بضعة آلاف يتخرجون من جامعة الايمان سنوياً، فهل تستوعبهم الحكومة اليمنية وهل مؤهلاتهم معترف بها؟
    - نعم، جامعة الايمان جامعة رسمية مرخصة من الجهات المختصة ووضع رئيس الجمهورية الحجر الأساس لها، وحضر ونائبه احتفالات التخريج. وهي عضو في اتحاد الجامعات العربية، لكن هذا الهجوم الاميركي أثر فيها، ونحن نصبر ونحتسب، ويأتي الوقت الذي نفتخر فيه بهذه التهم.

    * والخريجون من الدول الأخرى؟
    - الحمد لله، الكثير من الدول لها موضوعية، اعقل من التعامل مع حكومتنا. اضرب مثالاً ان احد الطلاب الاندونيسيين تزوج وذهب الى بلده، فاستقبله العلماء هناك، وجلسوا معه وتذكروا معه، فرأوا مستوى طيباً فاعترفوا بأنه عالم، وفي دولة اخرى وصل اليها متخرج من الجامعة فعين مفتياً لها.

    * هل حاولت الحكومة ان تتدخل في الاطلاع على المناهج؟
    - موضوع المناهج عقدنا له ندوة دولية حضرتها مجموعة من العلماء من داخل اليمن والخارج، وفي مقدمهم الشيخ يوسف القرضاوي. في هذه الندوة التي استمرت ثلاثة ايام تدارسنا موضوع المناهج وكانت برعاية الحكومة، وحضر معنا اساتذة جامعيون، وكانت ندوة مفتوحة ومعلنة، وصممت المناهج وفقاً لما رسمته.

    * الآن، هل تتدخل الحكومة اليمنية؟
    - وهل تتدخل الحكومة اليمنية في وضع مناهج كلية الطب؟ هل يُسمح لها بأن تتدخل في مناهج الزراعة او أي علم آخر؟ هل كل علم حر الا الاسلام فيحظر؟ عندنا قانون يضمن كامل الحريات، ولا يستطيع أي مسئول ان يتدخل، واذا حاول فبيننا القانون والقضاء.

    * أعلنتَ انك اكتشفت علاجاً لمرض الايدز هل تحدثنا عنه؟
    - علاج الايدز قطعنا فيه شوطاً. لدينا مرضى تماثلوا للشفاء، ووصل فيروس الايدز في دمائهم الى الصفر، أي انه اختفى من اجسامهم، ويشكل هؤلاء نسبة 62 في المئة من المرضى الذين عرضوا علينا. لا يوجد دواء في العالم يحقق هذه النتيجة. والنسبة الاخرى ينخفض عدد الفيروسات في اجسامهم من 98 في المئة الى 30 في المئة أي ان لدينا دواء يتعامل مباشرة مع الفيروس ولا علم لي بدواء آخر موجود في الاسواق. وأمس ظهر أن أربعة مرضى جدد اختفى الفيروس من اجسامهم.
    سيأتي وقت تستحي فيه السلطات الصحية في بلادنا من موقفها مني. قدمت هذا البحث في مؤتمر علمي دولي عقد في صنعاء، فأثنى الجميع على البحث وأقروه في مؤتمرهم.

    واشنطن تعتبرها أداة لضخ دماء في التيار المتشدد... مشاهد من جامعة الإيمان في صنعاء

    يقول الدكتور منصور الزنداني شقيق الشيخ عبدالمجيد الزنداني، رئيس مجلس شورى التجمع اليمني للإصلاح، أن الأميركيين عندما التقطوا صوراً من الجو لجامعة الإيمان ظهرت في صورهم آليات تابعة للجيش اليمني في المعسكر المقام على تلة مجاورة للجامعة، تطل عليها.
    ويشير منصور وهو عضو في البرلمان اليمني إلى أن الصور من الجو لا تُظهر الحدود بين الجامعة ومعسكر الجيش وربما اعتقد الأميركيون بأن الآليات العسكرية موجودة في حرم الجامعة وربما أيضا بنوا على ذلك كي يطلبوا من مجلس الأمن وضع الجامعة على لائحة المؤسسات الداعمة لتنظيم "القاعدة" ولحركة "طالبان".
    جامعة الإيمان الشهيرة التي يجاورها معسكر للجيش اليمني، منشأة تربوية على رغم كل ما يشاع عنها وهو في معظمه غير صحيح، كما يؤكد الدكتور منصور.
    الجامعة منشأة على مساحة كبيرة في غرب صنعاء. جدار طويل وتلال ترابية تفصل بين مباني الجامعة والشارع المؤدي إلى مطار صنعاء. الانعطاف من الشارع باتجاه الجامعة يتطلب سلوك طريق ترابي يتوسطه حاجز حديد غير محكم الإقفال.
    عبور السيارات ينفث غيوماً ترابية تغطي وجوه الطلاب العابرين. وفي نهاية هذا الطريق تظهر منشآت الجامعة المثيرة للجدل التي يعتبرها الأميركيون احد الأماكن التي يُنتج فيها التيار الإسلامي المتشدد ليس في اليمن فحسب وإنما في المنطقة. فهي ضمت قبل مباشرة الدولة اليمنية إجراءات متشددة بحقها، طلاباً من أكثر من خمسين دولة. أما في هذه السنة فلا يتعدى عدد جنسيات طلابها العشر.
    اذاً كي تظهر منشآت الجامعة يتطلب الأمر تجاوز مسافة تبلغ بضع مئات من الأمتار، وتخطي حاجز حديد يقف امامه حراس الجامعة. بعد ذلك تظهر المنشآت في منخفض متشكل من ارتفاع هضاب ترابية بيض في محيطها، اي تلك التي اختارت الفرقة المدرعة الأولى في الجيش اليمني واحدة منها لتقيم معسكرها عليها.
    تبدو مباني الجامعة من التلة الواطئة التي يفضي اليها الطريق، مقيمة عند السفوح العارية والغبارية للتلال المحيطة. من جهة اليمين مبانٍ سكنية من طابقين او ثلاثة يقيم فيها الطلاب من غير اليمنيين او من غير اهل صنعاء. ومن الشمال «هنغارات» وغرف كبيرة هي قاعات التدريس، فيما الطرق التي تفصل بين الأقسام ترابية، يتكاثف على جنباتها الطلاب بأزيائهم اليمنية التقليدية او تلك الثياب "الشرعية". وقسم آخر من الطلاب اختار الثياب العادية.
    للقاعات أسماء كما للمنشآت الأخرى وكلها استُمد من التاريخ الإسلامي: قاعة أبو بكر الصديق وجناح خالد بن الوليد وقاعة أبو عبيدة... وكلها فسيحة تتسع الواحدة منها لمئات الطلاب، وفي داخل القاعة منبر مخصص للمدرِّس يتيح له النظر إلى آخر القاعة التي غالباً ما يصعب الوصول إليها من خلال النظر. مرافقنا في أرجاء الجامعة لطالما دعانا إلى رصد الفروق بين الطلاب، من حيث طول لحاهم او تفاوت ازيائهم في محاولة لطرد النموذج النمطي الذي يقول انه رسم لطالب جامعة الإيمان. وتبدو إشارة المرافق جديرة هنا، اذ ثمة فروق فعلية بين ازياء الطلاب كما بين مقاسات لحاهم، ولكن، يمكن زائر الجامعة أيضاً ان يميز بين أصحاب السراويل القصيرة وغيرهم من أصحاب السراويل الطويلة، لكن من الصعب ان يعني ذلك اننا حيال صرح تربوي عادي.
    يبلغ عدد طلاب جامعة الإيمان نحو خمسة آلاف، وتهدف بحسب إدارتها «أولاً، إلى تخريج العلماء العاملين الأتقياء المؤهلين للاجتهاد وحمل رسالة الإيمان في مختلف التخصصات. ثانياً الى تخريج العالمات الربانيات... وتربية المرأة على الإيمان وتأهيلها لأداء واجبها بما يناسب فطرتها ووظيفتها». يمكن الاستنتاج من هذه الأهداف ان في الجامعة قسماً نسائياً، وطبعاً لا يمكن رصده من خلال زيارتها، اذ ان القسم النسائي فيها في منطقة بعيدة من الأروقة العامة.
    ويشير احد الإداريين إلى تدريس النساء عبر شاشات التلفزيون التي تبث لهن في صفوفهن صـورة المحاضر الذي يكون جالساً في قاعة الطلاب الذكور. اما التواصل مع الأستاذ واستيضاحه فعبر كتابة الأسئلة والاستيضاحات على أوراق ترسل إليه عبر السكرتاريا ويرد عليها هو في الحصص اللاحقة.
    يؤكد عدد من الطلاب اليمنيين الذين خاضوا تجارب انتساب إلى جامعة الإيمان، وهم من البيئة الإسلامية في اليمن، أن مشكلتهم في الجامعة لم تكن مع مناهج التدريس، فالجامعة تعتمد المناهج التقليدية وكتب المذاهب القديمة والتراث. ويشيرون إلى أن بين المدرسين شخصيات مهمة في مجالات الفقه الديني مثل الشيخ محمد إسماعيل العمراني، ما جعل الاستمرار في الحياة الطلابية أمرا صعباً بحسب أكثر من طالب سابق في الجامعة، يتمثل في المناخ الذي يعيشه الطلاب. قانون الجامعة، يقول احد هؤلاء، لا يمنع الطالب من ارتداء سروال عادي، لكن الجو العام يطبع من يرتدي سروالاً عادياً بأنه ليس على الطريق الصحيح، وبأن «التزامه لم يكتمل بعد».
    طالب آخر يقول: «الجامعة منطقة مغلقة تماماً ليس فيها اي مجال للحوار. يتناقش الطلاب في قضايا لا تمت إلى حياتنا الحديثة بصلة". ويشير الطالب الى ان «النظام اليومي الذي يعيشونه يختلف على نحو جوهري عن نظام الحياة العادية، فالطلاب يستيقظون قبل صلاة الفجر ويصطبحون قبل طلوع الشمس ويتغدون قبل الظهر ويتعشون قبل المغرب وينامون بعد العشاء. يعيش الطالب في جامعة الإيمان على هذه الوتيرة لمدة سبع سنوات".
    يشير طلاب في الجامعة الى ان الأجواء الدينية لا تقتصر على مريدي رئيسها الشيخ عبدالمجيد الزنداني، ففي أحيان كثيرة تخرج دعاوى تتعدى ما يفتي به. ويشير احدهم الى حادثة تؤكد هذا الافتراض «فقد نشرت جريدة الصحوة الناطقة باسم التجمع اليمني للاصلاح الذي يترأس الزنداني مجلس الشورى فيه، قصيدة لشاعرة تضمنت وجداً صوفياً في علاقتها بالخالق. وبما ان كثيرين من طلاب الجامعة يعتبرون انفسهم بين القيمين على دين الله، ألقى احدهم خطبة في الجامعة قال فيها: «قاتل الله هذه الشاعرة»... وكلاماً آخر اعتبر ان القصيدة تتضمن غزلاً، علماً ان جريدة الصحوة تعتبر احد منابر الإسلاميين في اليمن.
    الحكومة اليمنية اتخذت إجراءات لمراقبة أداء الجامعة، خصوصاً بعدما أثير حول طلابها ومناهجها، ومن هذه الإجراءات إلزام طلابها من غير اليمنيين الحصول على موافقة حكوماتهم على الانتساب اليها.
    رئيس الحكومة عبدالقادر باجمال قال لـ"الحياة" إن "طريقة الدراسة في جامعة الإيمان لا تتطابق كثيراً مع كلمة جامعة. المناهج والكليات الموجودة فيها تداخلات غريبة. لم تأخذ بنظام الأزهر ولا بأي نظام آخر، ونوع الشهادات التي تعطيها لا ينتمي الى نوع الشهادات المعروفة. لها اسماء خاصة وربما كانت سلفية، بالتالي لا نستطيع ان نقبل بأمور في هذا الشكل".
    وأضاف: "أصدرنا قانوناً اسمه قانون الجامعات الأهلية، وعلى جامعة الإيمان ان توائم امورها بما يتناسب معه وقواعده تتمثل بوضوح مصادر التمويل وتحديد اهداف الجامعة والسياسات الخاصة بالمناهج. هذا الأمر ينطبق على كل الجامعات وبدأنا بتطبيقه على جامعات الطب وعلى الجميع الالتزام به والا سنتدخل".
    ما اشار اليه باجمال لجهة نوع الشهادات التي تمنحها الجامعة تحدث عنه الطالب السابق في الجامعة بصيغة اخرى، اذ لفت الى ان الدراسات العليا مثلاً خاضعة لتوجهات المشرفين ولاعتقاداتهم الدينية وان الخروج عن هذه الاعتقادات في رسائل الطلاب ومناقشاتهم يعرض الفاعل لاحتمالات عدم القبول برسالته... علماً ان القبول في الجامعة يحتاج الى شهادة ثانوية او يمكن الاستعاضة عنها بأن يكون المتقدم حفظ القرآن. وتؤكد ادارة الجامعة انها حصلت على موافقة الجهات المعنية في الحكومة اليمنية على هذه الشروط.
    تقدم الجامعة لطلابها بحسب الإدارة "كل احتياجاتهم التربوية والتطبيقية مع السكن والاعاشة... ولا تتقاضى اي رسوم في مقابل ذلك، بتكلفة اجمالية سنوية مقدارها 2650 دولاراً للطالب. اما متوسط كلفة المدرس فهي 18 ألف دولار سنوياً. وفي السنوات الأولى من تأسيسها كانت الجامعة تعطي رواتب للطلاب تعينهم على نفقات العيش، علماً انها تؤمن مسكناً للطلاب غير المتزوجين وللمتزوجين في مساكنها، وثمة مساكن مخصصة للمتزوجين من اكثر من زوجة.
    تشكل جامعة الإيمان احد موضوعات النقاش البارزة في اليمن. ثمة متحفظون كثر في صنعاء على دور الجامعة. وبين هؤلاء إسلاميون يعتبرون أن إدارتها تدفع باتجاه جعل فهمها الخاص للإسلام هو الحقيقة، فيُتهم من يعتقد بفهم آخر بأنه خارج على الإسلام. الحكومة اليمنية التي كانت أجازت إنشاء الجامعة، في مرحلة تحالفها مع الإسلاميين، تبدو اليوم أكثر ضيقاً بما تسببت لها فيه الجامعة، خصوصاً بعد إدراجها في لوائح مجلس الأمن ضمن المؤسسات الداعمة لـ"طالبان" و "القاعدة".
    فإدارة الجامعة لطالما ذكرت بفضائل الدولة اليمنية عليها، وبأن الاحتفالات الرسمية فيها تنظم برعاية رسمية دائماً، وهو صحيح، لكن اليمن تغير، وعلى الحكومة ان تخضع لشروط المجتمع الدولي
     

مشاركة هذه الصفحة