صحيفة الحياة تدرس القاعدة في اليمن

الكاتب : Abdulelah   المشاهدات : 463   الردود : 0    ‏2005-10-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-10-10
  1. Abdulelah

    Abdulelah عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-12-26
    المشاركات:
    326
    الإعجاب :
    0
    [align=right][grade="800080 00008B 00008B 800080 FF0000"]كيف فتشت «القاعدة» عن دولة توأم لإمارة «طالبان»؟ (1 من 3) ...
    ثلاثة أجيال من «المجاهدين» اليمنيين... ومآزق تشكلت على مدى عقدين من الحرب الباردة

    صنعاء - حازم الأمين الحياة - 10/10/05//


    مقيل رئيس مجلس النواب اليمني الشيخ عبدالله الأحمر.
    الماء يغلي في صنعاء على درجة حرارة تبلغ 97 مئوية، وذلك بفعل قصر عمود الهواء الناجم عن ارتفاع المدينة 2300 متر عن سطح البحر. لن تفارق هذه المعادلة زائر العاصمة اليمنية، اذ ان الطبيعة القاسية التي اختارت صنعاء ان تتوسطها مرتبطة الى حد كبير بعدد من الوقائع والمعطيات السياسية والاجتماعية. سيلاحظ زائر صنعاء تشابهاً طبيعياً كبيراً بينها وبين كابول، وان كانت السلاسل الجبلية التي تزنر العاصمة الأفغانية اكثر ارتفاعاً. ولم يبق هذا التشابه مجرد جبال تشبه بعضها بعضاً، اذ تبادلت هاتان الطبيعتان المقاتلين والحروب، تارة عبر ارسال الجبال اليمنية مقاتليها الى افغانستان، وطوراً من خلال اعادة ارسال الجبال الافغانية المقاتلين العرب من اليمنيين وغير اليمنيين الى اليمن بعد ان زودتهم بخبرات كبيرة في مجالات القتال.

    الأوكسيجين قليل في صنعاء بسبب ارتفاعها ايضاً. على المرء حين يباشر نفخ رئتيه ألا يتوقع كمية هواء تشبع حاجته. الجبال الشاهقة المحيطة بالمدينة قد تكون حاجزاً يمنع تدفق الأوكسيجين، فمن الشرق يكاد جبل نقم الشاهق يتحول جداراً يفصل ما بين المدينة ومحيطها الجغرافي، ومن الغرب يلعب جبل عيبان وظيفة مشابهة، ومن الجنوب جبلان صغيران اسمهما النهدين، فيما تنفرج الطبيعة من الشمال مفسحة للقليل من الأوكسيجين والكثير من ابناء العشائر المتقاطرين الى صنعاء.

    لكن وعلى رغم الوحشة الطبيعية والجغرافية، صنعاء حياة دافئة واليفة. المدينة ليست هادئة على الأقل، ثمة قبائل تتقاتل وتتصالح، واحزاب متحالفة واخرى متخاصمة، و«جهاديون» عائدون من افغانستان، بعضهم في السجون وآخرون متربصون في امكنة مجهولة. نساء منقبات حائرات، وشعراء يبحثون عن دور نشر لقصائدهم الكثيرة. ومجالس القات، نعم مجالس القات تلك التي يدعونك اليها كلما انتصف النهار. وفي اليمن دولة ضعيفة ومعارضة ضعيفة، هما نفساهما دولة قوية ومعارضة قوية، ومن بين الحد الفاصل بين القوة والضعف يتسرب ايضاً قليل من الاوكسيجين ينعش القبائل والأحزاب وينعش اعداءها.

    ليس القدر وحده وراء التشابه بين كابول وصنعاء، انما ايضاً مشهد الجماعات التقليدية في الشوارع والاسواق. عشائريون بثيابهم التقليدية سائرون افراداً ومجموعات في مدينة يقول احد ابنائها انها تحولت الى قرى صغيرة، حيث يأتي اليها ابناء التجمعات السكانية من انحاء اليمن وينشئون فيها موطئ قدم، يشكل نواة تجمع ريفي في قلب المدينة. وعلى هذا النحو تمددت صنعاء افقياً وصولاً الى سفوح الجبال التي تزنرها، فيما كانت في الماضي القريب محبوسة في سورها وعند ابوابها التي لم يبق منها الا باب اليمن، القريب من ميدان التحرير.

    كان من المفترض ان تكون اليمن على رأس قائمة الدول المستهدفة بالحملة على الارهاب بعد احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر). رشحها كثيرون لهذا المصير قبل العراق. فقبل هذا التاريخ بسنة واحدة وقع حادث تفجير المدمرة الأميركية «كول» في مرفأ مدينة عدن، وبعده بأقل من سنة حادث تفجير السفينة الفرنسية «ليمبورغ» في ميناء حضرموت، وقبل هذين التاريخين ازدحم اليمن بآلاف من «المجاهدين» العائدين من افغانستان بعضهم من اليمنيين وبعضهم من العرب الذين لم تستقبلهم بلادهم. ومع قدوم هؤلاء تولت دولة الوحدة في اليمن استيعاب اليمنيين منهم في مؤسسات الدولة الأمنية، والبحث في مصير غير اليمنيين مع دولهم ومع الجهات الأمنية العالمية. وفي هذا الوقت وفي غمرة تعثرات عملية الاستيعاب كان ابو حسن المحضار وهو احد امراء «الجهاد» في افغانستان ومن مدينة شبوة، العائد لتوه الى اليمن يؤسس «جيش عدن - ابين» وكان تنظيم «القاعدة» في الخارج يخطط لعمليات اخرى في الدولة «التوأم» لامارة «طالبان»، فكلف محمد الأهدل تمويل عملية تفجير المدمرة الأميركية، وتولى ابو علي الحارثي تنفيذ العملية. الأول معتقل اليوم لدى السلطات الأميركية والثاني قتل قبل نحو سنتين في محافظة شبوة في هجوم شنته طائرة اميركية ادى الى مقتله مع ستة من مرافقيه.

    ليست هذه الوقائع بعيدة عما يجري في صنعاء اليوم. انها في صلب المعضلات اليمنية الراهنة. ففي هذا البلد دولة على مسافة غير محددة من هذه الجماعات وان كانت منخرطة في الحملة الدولية على الارهاب، ومعارضة اسلامية شريكة في الحكم تتمثل في التجمع اليمني للاصلاح ويرأس مجلس شورى هذا التجمع الشيخ عبدالمجيد الزنداني الذي سبق ان لعب دوراً كبيراً في «الجهاد» الأفغاني وهو صاحب جامعة الايمان في صنعاء التي جمد مجلس الأمن ارصدتها في المصارف العالمية واتهمها بدعم الارهاب. وفي اليمن ايضاً رئيس اعلن عزوفه عن الترشح للانتخابات في الدورة المقبلة، لكنه ترك انصاره ومعارضيه في حيرة كبيرة قد تؤدي الى طلبهم اليه العزوف عن قرار العزوف. وفي صنعاء والمحافظات القريبة والبعيدة اكثر من مئة عائلة يمنية ممن ارسل ابناؤها الى معتقل غوانتانامو، وقاضٍ مقرب من الرئيس علي عبدالله صالح يحاور مئات المتشددين في السجون و«يقنعهم» ويفرج عن كثيرين منهم بعد ان يوقعوا التزامات بعدم الانخراط في اعمال ارهابية داخل اليمن. وفي صنعاء ايضاً وأيضاً رجال ارتبطت اسماؤهم بحقبات غير غابرة ومتداخلة على نحو مأسوي مع حقبات المد «الجهادي» الراهن. هذه حال عبدالسلام الحيلة مثلاً وهو ضابط في القوات المسلحة اليمنية تسلم ملف الأفغان العرب خلال مرحلة لجوئهم الى اليمن ثم لاحقاً ترحيلهم الى بلدانهم او بلدان اخرى، وهو بهذا المعنى كنز معلومات نادر في هذا المجال، ولأنه كذلك استدرج الى القاهرة وخطِف منها، وهو اليوم في معتقل غوانتانامو. ولكن ثمة ضباط يمنيون اعلى رتبة من الحيلة واكثر اطلاعاً على ملف الأفغان هم اليوم من ركائز النظام اليمني. وهناك ايضاً عشرات من الشيوخ والناشطين السابقين في هذا المجال مقيمون في اليمن بعدما سويت اوضاعهم على نحو متفاوت. وكل هذا حصل وفق معادلات توازن يمنية فريدة، حكمتها العلاقة بين الدولة والعشيرة، وبين الدولة والمعارضة، وثنائيات اخرى من هذا القبيل.

    ما زال المجتمع اليمني من اكثر المجتمعات الاسلامية تزويداً لساحات «الجهاد» العالمية بالمقاتلين. في العراق يؤكد مصدر امني ان المساهمة اليمنية في تنظيم «قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين» كبيرة وبارزة، وان عدداً كبيراً من الانتحاريين يأتون من اليمن. وفي صنعاء اكد اكثر من مصدر لـ«الحياة» ان من بين اليمنيين الذين قتلوا أخيراً في العراق حفيد الشيخ عبدالمجيد الزنداني. ومن المرجح ان تكون الدولة جادة في انخراطها في الحملة الدولية على الارهاب، لكن هذا الانخراط لا يعني اطلاقاً تجاوزها ظروفاً تشكلت على مدى اكثر من عقدين من الزمن مكنت «المجاهدين» من تأسيس قواعد سياسية واجتماعية راسخة في المجتمع والدولة اليمنيين. فالسلطة اليمنية كانت طرفاً اساسياً في عملية تشكيل النواة «الجهادية» الأولى منتصف ثمانينات القرن الفائت، سواء في مواجهة النظام الشيوعي في جنوب اليمن، او الانخراط بالحرب الباردة وكانت ساحتها الأبرز افغانستان آنذاك. الأمر نفسه ينطبق على تجمع الاصلاح وهو الحزب الثاني في اليمن ويتمتع بقاعدة عشائرية ودينية واقتصادية واسعة وغير منسجمة، اذ ان هذا الحزب الاسلامي والعشائري استفاد الى حدٍ كبير من حاجة السلطة اليه في عملية التجييش في مواجهة الجنوب، ليرسخ نفوذاً واسعاً ولينشىء بيئة مستقبلة لدعاواه الاسلامية.

    وصل عدد المعاهد الدينية التابعة للاصلاح في اليمن الى نحو 750 معهداً تستقبل سنوياً اكثر من مليون طالب، هذا اضافة الى عشرات المؤسسات الدعوية والخيرية والاقتصادية (هذا قبل القرار الأخير القاضي بدمج هذه المعاهد في مؤسسات التعليم الرسمي). وكل هذا بمعرفة السلطة ودعمها، لا بل تمكن حزب الاصلاح من تأمين موازنة لمؤسساته التعليمية من خزينة الدولة، إضافة الى مساعدات خارجية كانت تصل عبر قنوات «المؤسسات الخيرية». وأدى تعاظم نفوذ تجمع الأصلاح الى جر حزب «المؤتمر الشعبي العام» الحاكم الى منافسته في الساحة نفسها، اذ ضاعف المؤتمر تمسكه بالتقاليد العشائرية واضاف اليها بعداً اسلامياً، فأدى ذلك الى ارتداء صنعاء، بل اليمن كله البرقع. ويقول نبيل وهو يمني من ريف محافظة ذمار ان النساء في قريته لم يرتدين البرقع الا قبل سنوات قليلة، واليوم صار مستحيلاً على اي امرأة في القرية ان تمشي من دونه. ولكن يمكن ايضاً رصد مشهد يمني آخر مرتبط بنقاب المرأة، اذ ان هذه الأخيرة لم يوصد النقاب بعض النوافذ في وجهها. يمكنك ان تلاحظ في صنعاء اختلاطاً طفيفاً لا يعيقه النقاب. سيدات منقبات في مكاتب العمل الى جوار زملائهن من الرجال، وصحافيات منقبات في ندوات ومؤتمرات صحافية يطغى فيها الرجال. وربما دل ذلك الى جدة النقاب والى ان عالمه لم يكتمل بعد، وهو لم يتمكن الى الآن من اقامة الفواصل الحاسمة بين الرجال والنساء، علماً ان زينب وهي سيدة يمنية تقول ان قضية الفصل بين الرجال والنساء وان لم تكتمل فهي سائرة في هذا الاتجاه، وقانون التفشي هنا خاضع للمنطق نفسه الذي تفشت بموجبه مظاهر الحياة في صنعاء اليوم. فما ان تبادر مؤسسة مثلاً الى فصل موظفيها عن موظفاتها ستجد معظم المؤسسات الجديدة نفسها امام استحقاق من هذا النوع لا يمكن ان تقاومه. ويبدو ان التجمع اليمني للاصلاح تولى مهمات على هذا الصعيد مستفيداً من عدم اكتراث العشائر، وغياب اي مقاومة تذكر، في ظل مجتمع عاجز عن المبادرة في اتجاهات اخرى، ودولة ضعيفة الحساسية المدنية.

    سيدة يمنية تحدثت عن الصعوبات التي تواجهها ابنتها غير المنقبة في مجتمع صنعاء المنقب، فقالت ان الخيارات شديدة الضيق امام ابنتها، اذ يسمح القانون لها بترك النقاب، ولكن ثمة ضغوط اشد وطأة والزاماً بالنقاب، في الشارع كما في المدرسة وفي اي مكان عام. لكن سيدة اخرى قالت: «بمقدار ما يحمي النقاب في الشارع، يعرض المرأة للسقوط في فخ السوية الاجتماعية السائدة في اليمن». نزع النقاب بحسب هذه السيدة ربما شكل حماية، اذ انها في هذه الحالة شخص محدد ومعروف، والتعرض له يعني التعرض لشخصية اجتماعية ومعنوية لها حماياتها المعهودة. النقاب هو اغفال لهوية المرأة، بالتالي عدم اكتراث او وعي لأنواع الحمايات التقليدية.

    المتجول في اسواق صنعاء سيلمس مقدار نفوذ الاسلاميين من خلال التبادلات التي تشهدها الأسواق، مع مقدار لا بأس به من الحفاظ على الطقس العشائري. السلع الدينية هي الأبرز بين المعروضات. النقاب الأسود الى جانب الخناجر اليمنية، وهناك العسل ايضاً وهو من السلع التي تباع في محال يملكها ناشطون اسلاميون في الغالب. وفي محال العسل يباع ايضاً المسواك والحبة السوداء وقد تجد اشرطة دينية، اما البائع فسيكون ملتحياً... علماً ان قرار مجلس الأمن القاضي بتجميد اموال لمؤسسات على علاقة بحركة «طالبان» وتنظيم «القاعدة» شمل ايضاً مؤسستين لبيع العسل في صنعاء هما مؤسسة النور للعسل، ومؤسسة الشفاء للعسل، أضافة الى الحماطي للحلويات وجامعة الايمان طبعاً. ولشدة ارتباط العسل والاتجار به ببيئة الاصلاح سرت اشاعة في صنعاء فحواها ان هذا الحزب سيجعل شعاره العسل الى جانب الحبة السوداء.

    القبائل كانت مُستَقبلاً سهلاً لشعائر الحياة الدينية، ثم ان الاصلاح تساهل ببراغماتية معهودة فيه مع اي التباس يمكن ان يحدثه تصادم صغير بين الأعراف العشائرية وبين الأنماط الوافدة من الممارسات الدينية. نقاب المرأة مثلاً لن يشكل عبئاً على العشائر، في مقابل تنازلات اسلامية في قضايا الثأر والمحاكم العشائرية. هذه المعادلة ضخِت في اليمن الى اقصى حدودها من خلال التركيبة القيادية للتجمع الوطني للاصلاح، التي تشكل نموذجاً لترابط مصالح اطراف ليس «الجهاد» بمعناه البن لادني بعيداً عنها. اذ ان هذا التجمع يمثل ثلاثة تكتلات كبيرة، اولها التكتل الديني بشقيه السلفي الجهادي الذي يمثله الشيخ عبدالمجيد الزنداني، ثم التقليدي والمعتدل الذي تمثله جماعة الأخوان المسلمين وعلى رأسهم عبدالهادي ياسين. والتكتل الثاني هو القبلي والعشائري وعلى رأسه طبعاً رئيس مجلس النواب شيخ مشايخ حاشد عبدالله بن حسين الأحمر. اما التكتل الثالث فيمثله في «الاصلاح» التجار ورجال الأعمال وربما كان من رموزه عبدالوهاب الآنسي وغيره من رجال الأعمال. وثمة مساحات تداخل واسعة بين هذه التكتلات، اذ ان كثيرين من زعماء العشائر الاصلاحيين هم اليوم من كبار رجال الأعمال في اليمن، كما ان بين الاسلاميين تجاراً ورجال عشائر. ينطبق هذا الاستثناء مثلاً على الشيخ عبدالله الأحمر واولاده الذين يعتبرون من كبار رجال اعمال البلد، علماً ان للشيخ الأحمر اربعة ابناء اعضاء في البرلمان، اثنين عن الاصلاح واثنين عن حزب المؤتمر الحاكم.

    هذه الوظائف المختلفة والمتجمعة في قيادة التجمع اليمني للاصلاح هي نواة العمل السياسي في اليمن. اذ ان الاسلاميين بشقيهم الجهادي والتقليدي يدركون ان القبيلة هي ركيزة الوجود والأنتشار، وان التحالف معها ضرورة تمليها طبيعة الأشياء في البلد. العشيرة بدورها رأت في التجمع كما في حزب المؤتمر الحاكم نافذة لمد نفوذها الى اشكال الحياة الحديثة، والى التجارة والوظائف العامة، ولم تشعر العشائر بأخطار فعلية على مواقعها في حال تحالفها مع القوى الاسلامية. هذه المعادلة هي التي حكمت الحياة العامة في اليمن الشمالي قبل الوحدة واليمن عموماً بعدها، وهي اليوم ما يثقل على المجتمع اليمني وما يعيق الخروج من شرنقة ولدت اثناء الحرب الباردة ولم تنته بانتهائها.



    هذه العلاقة التبادلية بين مراكز القوى الثلاثة في التجمع اليمني للاصلاح ثمة ما يوازيها في علاقة التجمع عموماً بالدولة اليمنية وبحزب المؤتمر الحاكم. فالتجمع ادرك مبكراً حاجة السلطة اليه في مواجهاتها الخارجية وفي بداية الوحدة وايضاً في احداث 1994 اثناء المحاولة الانفصالية التي قادها شركاء الوحدة في الحزب الاشتراكي. اذ ادرك الحزب الحاكم ان القبائل لن تخوض معارك مجانية لمصلحة اي من الطرفين، وكان الحزب كسب خبرات في مجال توظيف الاسلاميين في معاركه مع الجنوب «الشيوعي والكافر» قبل العام 1990، فكرر التجربة في العام 1994 مع التجمع، ومع آلاف المقاتلين الاسلاميين الذين كانوا عادوا من افغانستان.

    يقول مصدر أمني يمني ان المشكلة الآن لا تتمثل في الشبكات «الجهادية» القديمة التي لمعظم عناصرها ملفات في دوائر الأمن اليمنية، وانما في الشبكات الجديدة، اي الأجيال الجديدة من «الجهاديين». ويقول متابع آخر لقضايا الشبكات الارهابية في اليمن انه صار يمكن الحديث عن جيل ثالث من «الجهاديين»، اذا اعتبرنا ان الأول هو جيل نهاية الثمانينات وبداية التسعينات الذي خاض تجربة «الجهاد» الأولى في افغانستان، والثاني هو جيل منتصف التسعينات وصولاً الى الحادي عشر من ايلول، وهو الجيل الذي اعتقل عدد كبير من ناشطيه في انحاء العالم، وانكشفت معظم شبكاته امام اجهزة الاستخبارات. اما الجيل الثالث فهو جيل «العراق» بعد ان نقلت «القاعدة» نشاطها من افغانستان اليه، وليس ضرورياً ان يكون معظم ناشطي جيل العراق ممن توجهوا الى ذلك البلد، وانما التسمية هنا هي من باب الترميز ليس اكثر. ويؤكد المصدر اليمني ان بين الأجيال الثلاثة علاقة وان كانت واهية، اذ غالباً ما يشكل عنصر من الجيلين السابقين مركز العنقود في الشبكات الجديدة.

    للأجيال الجهادية الثلاثة نماذج في اليمن وان كانت متفاوتة الحضور. الأكيد ان الجيل الأول من هؤلاء المجاهدين هو الأكثر وضوحاً وانكشافاً، وهو يخترق الحياة السياسية في اليمن عبر اكثر من تعبير وشكل. التجمع اليمني للاصلاح هو احد تعبيراته، وعدد آخر من الجمعيات السلفية الناشطة والتي تصدر بيانات ترد فيها على الصحف، وتلوّح بالفتاوى بحق المختلفين معها. انه جيل الأفغان الأوائل الذين دفعت بهم الدولة في حينها الى الذهاب الى افغانستان، وهم آلاف في اليمن. كثيرون منهم تقاضوا اثماناً سياسية في مقابل ذهابهم الى افغانستان، وكثيرون ايضاً استوعبتهم الأجهزة الأمنية والعسكرية الرسمية في اليمن، من خلال اللواء علي محسن الأحمر وهو قائد الفرقة الأولى المدرعة في الجيش، وهو الذي تولى تنظيم العلاقة مع «المجاهدين» وتولى لاحقاً عملية استيعابهم في الجيش. اما العلامة الأبرز في جيل الأفغان الأوائل في اليمن فهو الشيخ عبدالمجيد الزنداني الذي كان ابرز منظمي عملية التوجه الى افغانستان بالتنسيق مع اسامة بن لادن، وهو ايضاً من اصدر فتوى بعودتهم الى بلادهم بعد الانسحاب السوفياتي من افغانستان، وبدء المعارك بين الفصائل الأفغانية.

    الجيل الثاني من الأفغان اليمنيين بدأ بالتشكل بين عامي 1993 و1994 اللذين شهدا حدثين شديدي الارتباط بظاهرة الأفغان الجدد. ففي الأول باشر بن لادن خطابه المعادي للولايات المتحدة واعلن عن تنظيمه الجديد لمحاربة «اليهود والصليبيين»، وفي الثاني شهد اليمن المحاولة الانفصالية التي استعان النظام في الشمال للقضاء عليها بالـ«مجاهدين» الأفغان وكان بن لادن من اشد المتحمسين للانخراط فيها بحسب ادبيات «القاعدة». علماً ان هذه المشاركة هي التي املت على اليمن في وقت لاحق استقبال مئات من الأفغان العرب غير اليمنيين الذين غادروا افغانستان ولم تستقبلهم بلادهم، وأدى هذا الاستقبال الى اهتزاز علاقات اليمن بعددٍ من الدول. وربما كان من علامات العلاقة بين الأجيال «الجهادية» الثلاثة، ما سمي «جيش عدن – ابين» الذي اسسه ابو حسن المحضار في محافظة ابين، والمحضار هو احد الأفغان اليمنيين من الجيل الأول الذين احبطتهم علاقتهم بالسلطة اليمنية، فأسس تنظيمه معتمداً على شبان الجيل الثاني من الأفغان وخطف سياحاً أجانب في عملية انتهت على نحو مأسوي وتوجت بإعدامه.

    الجيل الثالث بدأ بالتشكل عقب احداث الحادي عشر من ايلول او ربما قبلها بقليل، وهو مستمر بالتشكل الى الآن. عدد كبير من المعتقلين في غوانتانامو كانوا غادروا اليمن قبل حوادث ايلول بأشهر قليلة، وهذا ما فسره كثيرون بأنه اعلان تعبئة عامة داخل «القاعدة» سبق تفجيرات نيويورك. والدفعة الثانية الى افغانستان من هذا الجيل كانت بعد هذا التاريخ وقبل بدء الحرب في افغانستان. اما «جهاديو» السنوات التي اعقبت هذه التواريخ فكانت وجهتهم العراق اذا ما وجدوا فرصة لمغادرة اليمن.

    رئيس الحكومة اليمنية عبدالقادر باجمال قال رداً على سؤال لـ «الحياة» يتعلق باتهامات وجهت الى الدولة اليمنية تشير الى ان السلطة في اليمن قامت بتسويات مع هذه الجماعات وكانت شريكاً لها في عددٍ من المحطات الأساسية: «نرفض هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، لا توجد دولة في العالم تقرر ان تكون شريكاً لمتطرفين سيستهدفونها في النهاية. اما اذا كانت الشراكة المقصودة تلك التي عقدت خلال الحرب الباردة، فعملية الصراع اثناء هذه الحرب بين القوى الشيوعية سواء في جنوب اليمن او في افغانستان، وبين المعسكر الاسلامي والرأسمالي كانت عملية مشروعة ومدعومة من الأميركيين. واذا كان اليمن شارك بمتطوعين ذهبوا الى افغانستان من تلقائهم فإن البناء على ذلك لاستنتاج شراكة راهنة غير صحيح اطلاقاً».

    باجمال يقول الحقيقة الى حد كبير، لكن كلامه يستبطن معضلة اليمن الراهنة: انها شراكة الحرب الباردة ما زالت تثقل على هذا البلد، فانفراط عقد التحالف بين انظمة «الجهاد» في افغانستان وبين «المجاهدين» رتب على هذه الأنظمة اعباء كانت ذروتها في اليمن. اذ ما ان وصل الجهاد الأفغاني الأول الى خواتيمه حتى صار شيخ الأفغان اليمنيين عبدالمجيد الزنداني عضواً في مجلس الرئاسة، وبعدها افتتح الرئيس اليمني علي عبدالله صالح بنفسه جامعة الايمان التي اعلن مجلس الأمن تجميد حساباتها في الخارج، وعشرات المآزق الأخرى التي تراكمت على مدى عقدين من الحرب الباردة، ويطلب من اليمن اليوم التصدي لها، في ظل تنصل الشريك الأكبر في هذه الحرب من أي مسؤولية.[/grade]


    الحلقة الثانية تتبع...
     

مشاركة هذه الصفحة