السباق إلى العقول الحلقة (17) الجزء الأول

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 534   الردود : 0    ‏2002-03-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-03-24
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    السباق إلى العقول بين أهل الحق وأهل الباطل الحلقة (17) الجزء الأول

    سادساً : تحكيم شرع الله في حياة الناس.

    ومن أهم غايات أهل الحق في سباقهم إلى العقول إقناعها أو إقامة الحجة عليها، بوجوب تحكيم شرع الله تعالى في حياتهم لحفظ دينهم، ونفوسهم، وعقولهم، ونسلهم، وعرضهم، ومالهم، لأنه لا تُحفظ هذه الضرورات التي لا حياة للأمم بدون حفظها، ولا يوقى الناس شر الاعتداء عليها، ولا ينفى عنهم الظلم ويقر العدل، إلا بتحكيم شرع الله.
    وكلما ابتعد الناس عن شرع الله اقتربوا من الاعتداء على هذه الضرورات، فضلا عن غيرها من الحاجيات والتكميليات، وهذا أمر مشاهد في حياة الناس في كل زمان.

    ولهذا كان أهل الحق في سباق شديد مع أهل الباطل إلى عقول الناس بهذه الغاية، ليستقر في تلك العقول ضرورة تحكيم شرع الله، ونبذ حكم الطاغوت، لأن حكم الله لا يحابي أحدا: الغني والفقير، والرجل المرأة، والفرد والجماعة، والحاكم والمحكوم، كلهم أمام شرع الله سواء، يُعطِي الحقَّ صاحبَه ويَقِف صاحبَ الباطل ويمنعه من باطله.

    ولهذا كان تحكيم شرع الله والرضا به من الإيمان بالله وتوحيده، وهو من صميم دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن اعتقد غير ذلك لم يفقه معنى القرآن ولا السنة ولا دعوة الرسل.

    والذي يزعم أنه يدعو إلى التوحيد ويهمل دعوة الناس إلى تحكيم شرع الله، أو يجعل ذلك من الموضوعات التي يمكن تأخيرها وتأخير بيان حكمها، لم يفهم معنى لا إله إلا الله، لأن تحكيم شرع الله من توحيد الألوهية، ومن جوهر لا إله إلا الله.

    والأنبياء عندما يدعون الناس إلى التوحيد والإقرار بمعنى: "لا إله إلا الله" يعلمون ويعلم أقوامهم أن ذلك يعني تحكيم شرع الله والتسليم المطلق لحكمه، وأنه لا خيار لهم في ذلك أبدا، لأن معنى "لا إله إلا الله" لا يقر حاكما غير الله-إلا من حكم بحكم الله-فالحاكم المطلق الذي لا معقب لحكمه هو الله.

    فهذه الكلمة: "لا إله إلا الله" تشمل الاستسلام لله في كل شيء: في الأنفس والعقول والأنسال والأعراض والأموال وغيرها، لا يحكم في ذلك كله إلا الله، وأي حكم صدر من غير الله يخالف حكم الله فهو حكم طاغوت لا بد من الكفر به، ومن أطاع حكم غير الله ورضي به بدلا من حكم الله، لم يؤمن بمعنى لا إله إلا الله.

    فالإيمان حكم الله ولا بد من الرضا به، والعبادة حكم الله ولا بد من الرضا بها، والمعاملات الإسلامية الثابتة بنص من الله أو من رسوله صلى الله عليه وسلم حكم الله ولا بد من الرضا بها، والأخلاق حكم الله ولا بد من الرضا بها، والحدود حكم الله ولا بد من الرضا بها، لا بد من التسليم المطلق لله تعالى في كل حكم يحكم به.

    ومخطئ من يظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يدع إلى تحكيم شرع الله في العهد المكي، ويخلط هذه المخطئ بين معنى الدعوة إلى تحكيم شرع الله الذي هو من صميم توحيد الله، وبين معنى إقامة دولة تحكم بشرع الله.

    فالدعوة إلى تحكيم شرع الله والاستسلام له دعوة إلى الإيمان بالله وإلى الإقرار بمعنى "لا إله إلا الله" وقد قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم عندما دعا الناس إلى الإقرار بلا إله إلا الله.

    وأما إقامة الدولة التي تحكم بالإسلام وتنفذه على رعاياها، فقد أخرها الرسول صلى الله عليه وسلم-وما كان له إلا أن يؤخرها-إلى العهد المدني، حيث قويت شوكة المسلمين، وأصبح الرسول صلى الله عليه وسلم هو إمامهم في الصلاة، وقائدهم في الجهاد، وقاضيهم في الخصومات، والآمر الناهي في الدولة.

    وإنما لم يسع لإقامة الدولة الإسلامية في مكة، لأن أهلها كانوا أهل القوة المادية والنفوذ، وكان المسلمون ضعافا-ماديا-مضطهدين، يفتنون ويعذبون، ولم يكونوا قادرين على رد العدوان بمثله-وإن كانوا يرغبون رغبة شديدة في ذلك-بل نهاهم الله عن قتال المشركين وأمرهم بالكف عن القتال.

    وإذا كان كثير من العبادات والمعاملات والحدود وغيرها من الأحكام الشرعية، قد تأخر نزول الوحي بها إلى العهد المدني، وكان الاهتمام في العهد المكي بالنواحي الإيمانية والسلوكية وبعض العبادات كالصلاة ونحوها، فإن الدعوة في العهد المكي اهتمت بجانب الاستسلام لله في كل شيء وهو معنى الإسلام ومعنى كلمة التوحيد، وذلك أصل التشريع الإلهي.

    ومع ذلك فإن بعض الآيات المكية قد نزلت تنعى على المشركين وتنكر عليهم، ما شرعوه لأنفسهم من تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله.

    كما قال تعالى: (( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين، ومالكم ألاّ تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين، وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون، ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون.. )).[الأنعام: 118-121]

    يدور كلام المفسرين لهذه الآيات على أمرين:

    الأمر الأول:
    أن ما ذكر اسم الله عليه، هو ما ذبحه المسلمون أو أهل الكتاب وما لم يذكر اسم الله عليه هو ما مات حتف نفسه.

    وكان المشركون من قريش يحرمون ما ذبح بالسكين ويحلون الميتة، ويرون أن ما ذبح قتله الإنسان، وما مات قتله الله، وأكل ما قتله الله أولى مما قتله الإنسان، سيرا على قياسات الشيطان الذي عصا ربه بها.

    الأمر الثاني:
    أن المراد بما ذكر اسم الله عليه ما سمى اللهَ عليه حين ذبحه، وما لم يذكر اسم الله عليه ما ذُكر عليه اسم الوثن ونحوه، وفي ذلك تفاصيل لا يتسع لها المقام.[ راجع كتب التفسير، ومنها: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/188) وما بعدها، طبع دار الخير، والجامع لأحكام القرآن (7/72) وما بعدها للقرطبي.]

    والشاهد منها هو كونهم يحلون ما يريدون ويحرمون ما يريدون من عند أنفسهم، بدون هدي ولا بينة من الله، وهو تشريع يعارض تشريع الله، وتحكيم لهواهم الذي يخالف تحكيم شرع الله.

    وإذا عرفنا أن سورة الأنعام من السور المكية، ومنها هذه الآيات تبين لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أُمر بالدعوة إلى تحكيم شرع الله في العهد المكي، وأن تحكيم شرع الله من الإيمان الذي لا تصح شهادة أن لا أله إلا الله إلا به.

    ومثل ذلك قوله تعالى: (( وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم، وأنعام حرِّمت ظهورها، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه، سيجزيهم وصفهم بما كانوا يفترون، وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذ كورنا ومحرم على أزواجنا، وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء، سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم ...)).[ الأنعام: 138-139]

    وقد بين الإمام الأصولي العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي، المشهور بالشاطبي، في كتابه العظيم "الموافقات" أن الأصول الكلية للشريعة قد تضمنها القرآن الكريم في العهد المكي، وأن ما نزل بعد ذلك في العهد المدني من التشريع، إنما هو مكمل لتلك الأصول المكية، وأن ما قد يبدو من التشريع المدني كليا إذا ما تؤمل حق التأمل وجد جزئيا بالنسبة إلى ما هو أعم منه، أو تكميلا لأصل مكي.

    قال رحمه الله: (المسألة الثامنة. فنقول: إذا رأيت في المدنيات أصلا كليا فتأمله تجده جزئيا [قال الأستاذ محمد عبد الله دراز في الحاشية: " كالجهاد فهو جزئي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما سيقرره قريبا...] بالنسبة إلى ما هو أعم منه، أو تكميلا لأصل كلي.[ قال دراز: " كالنهي عن شرب الخمر تكميلا لاجتناب الإثم والعدوان كما سيقول....]

    وبيان ذلك أن الأصول الكلية التي جاءت الشريعة بحفظها خمسة وهي:
    [COLOR=sky blue] الدين ، والنفس ، والعقل ، والنسل ، والمال. [/COLOR]

    [COLOR=sky blue] أما الدين فهو أصل ما دعا إليه القرآن والسنة وما نشأ عنهما، وهو أول ما نزل بمكة. [/COLOR]

    [COLOR=sky blue] وأما النفس فظاهر إنزال حفظها بمكة [/COLOR] ، كقوله تعالى: (( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ..)). [الأنعام: 151] (( وإذا الموءودة سئلت، بأي ذنب قتلت ..)).[التكوير: 9] (( وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه .)).[الأنعام: 119] وأشباه ذلك.

    [COLOR=sky blue] وأما العقل فهو، وإن لم يرد تحريم ما يفسده وهو الخمر، فقد ورد في المكيات مجملا، إذ هو داخل في حفظ النفس، كسائر الأعضاء ومنافعها، من السمع والبصر وغيرهما، وكذلك منافعها. [/COLOR]

    فالعقل محفوظ شرعا في الأصول المكية عما يزيله كسائر الأعضاء ساعة أو لحظة [قال في الحاشية: " لعل الأصل: (لا ساعة أو لحظة) ومعناه أن ما يزيل العقل رأسا هو من الضروري الداخل في حفظ النفس إجمالا، وأما حفظه على أنه يزول ساعة ثم يعود فيكون من المكملات....] ثم يعود كأنه غطي ثم كشف عنه، وأيضا فإن حفظه على هذا الوجه من المكملات، لأن شرب الخمر قد بين الله مثالبها في القرآن، حيث قال: (( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ...)) [المائدة: 91] فظهر أنها من العون على الإثم والعدوان.

    [COLOR=sky blue] وأما النسل، فقد ورد المكي من القرآن بتحريم الزنا والأمر بحفظ الفروج إلا على الأزواج أو ملك اليمين. [/COLOR]

    [COLOR=sky blue] وأما المال، فورد فيه تحريم الظلم وأكل مال اليتيم والإسراف والبغي ونقص المكيال أو الميزان، والفساد في الأرض وما دار بهذا المعنى. [/COLOR]

    [COLOR=sky blue] وأما العرض الملحق بها فداخل تحت النهي عن إذايات النفوس. [/COLOR]

    ولم ترد هذه الأمور في الحفظ من جانب العدم إلا وحفظها من جانب الوجود حاصل، ففي الأربعة الأواخر ظاهر.
     

مشاركة هذه الصفحة