سلسلة دروس رمضانية ((3))

الكاتب : علي المآربي   المشاهدات : 467   الردود : 0    ‏2005-10-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-10-08
  1. علي المآربي

    علي المآربي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-03-10
    المشاركات:
    5,835
    الإعجاب :
    0
    سلسلة دروس رمضانية ((4))


    الصيام أحكام و آداب
    ياسر بن عبد العزيز الربيع
    yasseraa@islamway.net



    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين ..

    أنبأني الشيخ المحدث عبد الله بن عبد الرحمن السعد النجدي حفظه الله ، والشيخ الشريف حاتم بن عارف العوني المكي حفظه الله ، كلاهما عن محمد بن عبد الله الصومالي رحمه الله ( ت سنة 1420 هـ ) عن الشيخ سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان النجدي ثم المكي رحمه الله ( ت سنة 1397 هـ ) ح ..

    وأنبأني أعلى بدرجة الشيخ العلامة يحيى بن عثمان المدرس بالحرم المكي الشريف حفظه الله عن سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان ،

    وأرويه أعلى بإجازة الشيخ سليمان بن حمدان رحمه الله لمن أدرك حياته ..

    يرويه الشيخ سليمان عن الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري النجدي رحمه الله ( ت سنة 1373 هـ ) عن الشيخ القاضي سعد بن حمد بن عتيق النجدي رحمه الله ( ت سنة 1349 هـ ) عن أحمد بن إبراهيم بن عيسى النجدي رحمه الله ( ت سنة 1329 هـ ) عن عبد الرحمن بن حسن ابن الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله ( ت عبد الرحمن سنة 1285 هـ ) عن جده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ( ت 1206 هـ ) عن محمد حياة السندي ثم المدني رحمه الله ( ت سنة 1163 هـ ) عن أبي طاهر محمد بن إبراهيم بن حسن الكوراني ثم المدني رحمه الله ( ت سنة 1145 هـ ) عن أبيه أبي الثناء إبراهيم بن حسن الكوراني المدني رحمه الله ( ت سنة 1101 هـ ) عن تقي الدين عبد الباقي بن عبد الباقي البعلي ثم الدمشفي الحنبلي رحمه الله ( ت سنة 1071 هـ ) عن عبد الرحمن بن يوسف البهوتي المصري الحنبلي رحمه الله ( ت سنة 1089 هـ ) عن تقي الدين محمد بن أحمد بن عبد العزيز المعروف بابن النجار الفتوحي رحمه الله ( ت 972 هـ ) عن أبيه أحمد بن عبد العزيز المعروف بابن النجار الفتوحي رحمه الله ( ت سنة 949 هـ ) عن بدر الدين أبي المعالي محمد بن ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر السعدي المصري الحنبلي رحمه الله ( ت سنة 900 هـ ) عن عز الدين أبي البركات أحمد بن إبراهيم الكناني رحمه الله ( ت 876 هـ ) عن عائشة بنت محمد بن عبد الهادي المقدسية رحمها الله ( ت سنة 816 هـ )

    عن الحافظ المتفنن علم الدين أبي محمد القاسم بن محمد البرزالي الدمشقي الشافعي رحمه الله ( ت 739 هـ ) و الإمام الحافظ أبي الحجاج جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن المزي الدمشقي الشافعي رحمه الله ( ت سنة 742 هـ ) و الإمام الحافظ شمس الدين أبي عبد الله أحمد بن محمد بن عثمان بن قايماز الذهبي الدمشقي الشافعي رحمه الله ( ت سنة 748 هـ ) و الإمام محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية رحمه الله ( ت سنة 751 هـ ) ح

    ويرويه عز الدين أبو البركات أنزل عن محب الدين أحمد ابن نصر الله محمد بن عمر البغدادي الأصل ثم الدمشقي ثم المصري الحنبلي رحمه الله ( ت سنة 844 هـ ) عن الإمام أبي الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الدمشقي المشهور بابن رجب الحنبلي رحمه الله ( ت سنة 795 هـ ) عن ابن القيم ،

    كلهم ( البرزالي والمزي والذهبي وابن القيم ) عن الإمام الحجة الحافظ شيخ الإسلام وشامة الشام العلم المتفنن أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي الحنبلي رحمه الله ( ت سنة 728 هـ ) عن بقية المسندين فخر الدين أحمد بن علي بن عبد الواحد المقدسي المعروف بابن البخاري رحمه الله ( ت سنة 696 هـ ) أخبرنا المسند أبو علي حنبل بن عبد الله بن الفرج الواسطي ثم البغدادي رحمه الله ( ت سنة 604 هـ ) أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني رحمه الله ( ت سنة 525 هـ ) أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن محمد المعروف بابن المُذْهِب مسند العراق رحمه الله ( ت سنة 444 هـ ) أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي البغدادي مسند العراق راوي المسند رحمه الله ( ت سنة 368 هـ ) حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله ابن إمام أهل السنة في عصره الإمام المبجل أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني البغدادي رحمها الله ( ت عبد الله سنة 290 هـ ) حدثني أبي رضي الله عنه ( ت سنة 241 هـ ) حدثنا ربعي بن إبراهيم أخو إسماعيل بن علية البصري رحمه الله ( ت سنة 198 هـ ) عن عبد الرحمن بن إسحاق هو القرشي رحمه الله ( لم أقف على وفاته ) عن سعيد بن أبي سعيد كيسان المقبري المدني رحمه الله ( ت سنة 123 هـ أو 125 هـ ) عن أبي هريرة _ رضي الله عنه _ الصحابي المكثر ( ت سنة 57 هـ ) قال : قال رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ : (( رغم أنف رجل ذكرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان فانسلخ قبل أن يغفر له ، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة)) .

    هكذا رواه إمام أهل السنة في مسنده ، وأخرجه الترمذي بما رويناه في سننه بهذا اللفظ وقال : حديث حسن غريب .

    نعم أيها الأحبة إنه شهر الخير والبر والجود ... شهر النفحات والخيرات والبركات .. شهر الصوم ، والصوم ضياء ، والصوم جنة ... شهر المغفرة والعتق من النار ...
    إن فضائل هذا الشهر الكريم أشهر من أن تذكر ... فمنها :

    ما ثبت في الصحيحين واللفظ للبخاري من حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه _ قال : قال رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ : (( إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة )) ،

    وفي الصحيحين أيضاً واللفظ للبخاري من حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه _ عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : (( إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين )) .
    وثبت في الصحيحين أيضاً واللفظ للبخاري عن أبي هريرة _ رضي الله عنه _ عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ أنه قال : (( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه )) .
    ولهما واللفظ للبخاري من حديث سهل بن سعد رضي الله عنهما عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : (( إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة ، لا يدخل منه أحد غيرهم ، يقال : أين الصائمون ؟ فيقومون ، لا يدخل منه أحد غيرهم ، فإذا دخلوا أغلق ، فلم يدخله أحد )) .

    فالحمد لله على النعمة .. الحمد لله على النعمة .. ، سبحانك ما أعظمك ، ما أحلمك ، أنت البر الرحيم ، تَمُنُّ علينا بنعمك وتيسر لنا طريق مرضاتك ، وأنت الغني عنا ونحن الفقراء إليك ، فلك الحمد كثيراً كثيراً ؛ كما تنعم كثيراً كثيراً ..
    ذلكم شهر الخير .. فيه ليلة خير من ألف شهر ، فأي فضل احتواه هذا الشهر الكريم ؟!! وأي رفعة سينالها من ألزم نفسه طاعة ربه ؟!! .. إنها أيام قلائل في عمرنا قد جمع الله لنا فيها الخير العميم فما نحن فاعلون ؟!!
    ليلة خير من ألف شهر .. خير من ألف شهر !! خير من ثلاث وثمانين سنة ، فيا لله !! أَطْلِقْ يا عبدَ الله لعقلك أن يتصور .... أجر ثلاث وثمانين سنة تدركها بليلة !! ،
    بل تصور إنك إنْ حبست نفسك على طاعة الله تعالى في ليلة القدر فكأنك قد عبدت ربك ثلاثاً وثمانين سنة دون عصيان !! ، أي كرامة فوق هذه الكرامة ؟!! ، وأي فضل فوق هذا الفضل ؟!! ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم .. فيا باغي الخير أقبل .... يا باغي الخير أقبل ... ويا باغي الشر أقصر ..

    نعم ... هذه بعض من فضائل هذا الشهر العظيم ، فما عساه يكون حال من فرط فيه وأضاعه وضيعه ؟!!

    روي في الحديث وقد بشر النبي _ صلى الله عليه وسلم _ صحابته بقدوم الشهر الكريم فجاء فيه : ( إن أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار ) ..
    والحديث أخرجه ابن خزيمة وأشار إلى توهينه من حديث سلمان الفارسي _ رضي الله عنه _ . وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف .

    نعم إن فضائل هذا الشهر عظيمة وكثيرة ، وإنها لنعمة يمتن الله بها علينا أن بلغنا هذا الشهر الكريم ، فلنتفكر أيها الأحبة ..
    كم من حبيب ودعناه الثرى وهو يرجو أن يبلغه الله هذا الشهر الكريم ؟!!
    كم من معافى أصابه المرض فتحسر على أن أدركه هذا الشهر ولم يستطع صومه ؟
    وكم ،،، وكم ،،
    ونحن بحمد الله بنعمة وعافية ، وفي دار الإمهال .. أفلا تستحق نعمة إدراكنا لهذا الشهر الكريم الحمد والشكر ؟!! ، فكيف وإدراك رمضان مكفر للذنوب ... جاء عند مسلم من حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه _ عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : (( الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر )) ...
    أما وإن النعم لتدوم بالشكر ، وقليل من عباد الله الشكور ... ، والشكر يكون باللسان حمداً وبالطاعات فعلاً .. نسأل الله تعالى أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته ..
    كما أسأله تعالى لي ولكم حسن العاقبة والختام ، وأن يبلغنا مواسم الخيرات والطاعات والغفران ونحن بصحة وعافية وأمن وإيمان .. اللهم آمين .

    أيها الأحبة في الله ..
    لقد تقرر عندنا بأن لشهر رمضان مزيةً على غيره من الشهور ... و حيال ذلك فلا بد لنا من أن نعطي هذا الشهر الكريم قدره ، وأن ننظر إلى سبل الاستفادة منه ، وأن نحذر من التفريط فيه ، فقد قدمت في الحديث الذي سقته من مسند الإمام أحمد أن من أدركه هذا الشهر وخلفه ولم يغفر له فهو راغم الأنف مغبون خاسر هالك ، نسأل الله السلامة والعافية ...

    نعم .. أي خسارة تعتري الإنسان أشد من خسارة الآخرة ؟!!
    بل لو قيل لنا بأن هناك تجارة ما تحتاج من العمل إلا القليل القليل من الجهد ، وإلا القليل القليل من المصابرة والحرص .. لأيام قلائل معدودات .. والأرباح فيها بالملايين !! ،
    فلو فرط الإنسان في هذه الملايين وتقاعس وأخلد إلى هواه ، ولم يبذل ، فما عسانا أن نحكم عليه ؟!!

    فانظروا يا رعاكم الله إلى من فرط في المغفرة ورفعة الدرجات وليلة هي خير من ألف شهر ... أي خسارة قد أصابها ، وأي غبن أصيب به ؟!!
    اللهم لا تحرمنا فضلك وأسبغ علينا رحمتك يا أرحم الراحمين .؟

    إن هذا الشهر الكريم ليس كغيره من الشهور ؛ لما فيه من ميزات اختص بها ، كصيام نهاره وجوباً وقيام ليله جماعة في المساجد ، واستحباب العمرة فيه ..
    فيه ليلة خير من ألف شهر ، وفيه تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النيران وفيه تصفد مردة الشياطين .

    ومن هنا فإنه ينبغي علينا أن نعطي هذا الشهر حقه من الأهمية ومن المدارسة ..

    ولذا أحببت أن أذكر نفسي وإياكم بما ينبغي علينا ، والله المسؤول أن يعطينا ما أملناه منه ، وأن يؤمننا مما نخاف منه ، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل وأن يمن علينا بالرضا والقبول ، إنه سميع قريب مجيب ..


    المبحث الأول : لماذا نصوم ؟

    قال الحق تبارك وتعالى : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} ..
    فالصيام واجب ، قد أوجبه الله تعالى علينا كما أوجبه على غيرنا من الأمم ..
    وبين الله الحكمة من إيجاب هذا الصوم بقوله : { لعلكم تتقون } ؛ أي لأجل أن نحقق تقوى الله تعالى باتباع ما أمرنا به واجتناب ما نهانا عنه ..

    إن الحكمة من الصيام هي تهذيب النفس وقسرها على طاعة الله تعالى .. حيث يصوم العبد نهاره بلا أكل ولا شرب ولا شهوة ، ويصون سمعه وبصره عما حرم الله عليه ، ويظل لسانه يلهج بذكر ربه ... ويحيي ليله قائماً وراكعاً وساجداً وداعياً ومنيباً وباكياً وخاشعاً وقارئاً ومتصدقاً ..
    هنا تصفو نفسه .. حيث لا داعي للرياء .. أمْرُ عبادة الصوم ما بينه وبين ربه عز وجل ..
    ولذا جاء في الصحيحين واللفظ لمسلم من حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه _ عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : (( كل عمل ابن آدم يضاعف ، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، قال الله عز وجل : إلا الصوم ، فإنه لي وأنا أجزي ؛ يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ، للصائم فرحتان ؛ فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقاء ربه ، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك )) .
    لقد جعل الله تعالى جزاء الصوم إليه تعالى ؛ لكون العبد ما صام إلا له تعالى ولأجله سبحانه ..
    نعم .. إن الفطر لا يمكن أن يطلع عليه أحد من الناس ، ولكن العبد صام وأقلع عن طعامه وشرابه وشهوته امتثالاً لأمر الله تعالى وطلباً لرضاه سبحانه ، فحقق تقوى ربه عز وجل ، وضيق مجاري الشيطان في جسده بصومه فأقبلت نفسه على عبادة ربه .. ، ولذا كافأه ربه بأن جعل ثواب صومه إليه تعالى .. وما ظنكم بأكرم الأكرمين سبحانه ، وكيف سيجازي عبده على عبادته ؟ (( إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، يدع طعامه وشرابه وشهوته لأجلي )) .
    إنها والله الغنيمة العظمى ..

    نعم إنها التقوى ... إنها التقوى { لعلكم تتقون } ، وهي الحكمة والغاية من العبادة ...

    نعم .. أن يكون تركنا للمشارب والمآكل والشهوة إخلاصاً لله تعالى واتباعاً لأمره .. ، وحينها نشعر بأثر العبادة ، نشعر بأثرها علينا في أجسامنا ومجتمعنا وقلوبنا والدنيا بأسرها ..

    ولذا أيها الأحبة يجب علينا أن نفتش في دواخل قلوبنا ونفوسنا ، وأن نخلص له تعالى في عملنا ...

    نعم لنتأمل قوله _ صلى الله عليه وسلم _ : (( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) .. ( إيماناً واحتساباً ) .. إيماناً بالله تعالى وتصديقاً لنبيه _ صلى الله عليه وسلم _ وعملاً بما أمره الله به ، واحتساباً للأجر منه تعالى لا من غيره ..

    فلم يصم لأجل أن الناس صاموا .. أو لأجل أن لا يقال عنه : بأنه مفطر .. بل صام إيماناً واحتساباً ...
    وعليه فإني أوجه النداء لنا كلنا بأن نتقي الله تعالى في هذا الشهر الكريم وأن نحقق التقوى في الصيام لله تعالى لا لغيره ..
    فيا من اجتهدت في الصيام وضيعت الصلاة .. ما حققت التقوى ... فاتق الله والزم طاعته ، واعلم بأن ما أنت عليه معصية عظيمة ..
    ويا من أمضى نهاره صائماً عما أحل الله له في غير رمضان من طعام وشراب ومأكل ؛ امتثالاً لأمر الله .. لكنه كذب وغش واغتاب وبهت ونمَّ وتكلم في أعراض الناس وسخر من هذا وذاك وأكل الحرام .. ما حققت يا أخي التقوى وأنت قائم على تلك المعاصي .. فتب إلى ربك وحقق التقوى بامتناعك عن تلك الكبائر ، ولقد جاء في الصحيح: (( من لم يدع قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه )) .

    ويا من اجتهد في النهار في الصوم وتلاوة القرآن والحرص على الصدقة .. وضيَّع الليل ما بين شياطين الفضاء والقنوات الملهية وقيل وقال ولعب وسهر وضياع .. ما حققت يا أخي التقوى .. فاتق الله والزم طاعة ربك واحذر مخالفته ومعصيته ....

    نعم ( لعلكم تتقون ) ، إن رمضان فرصة لنا أن نجدد العهد مع الله تعالى ، وأن نتوب ونؤوب إليه وأن نتخلص من أمراض قلوبنا وذنوبنا وأن نصحح مسيرنا إلى الله تعالى بالتوبة النصوح ولزوم العمل الصالح ..
    إنها فرصة لنا كي نفتح صفحة جديدة من أعمارنا نعمرها بالعبادة وبالقرب منه تعالى ...
    إنها فرصة لنا كي نصفي ما بيننا وبين أنفسنا وأقربائنا وأهلنا..
    فرصة لصلة الرحم ، وبذل المعروف وفعل الجميل والإكثار من الطاعات وتلمس ذوي الحاجات ..

    لم يكن رمضان شهر السهر والسمر والأكل والشرب .. كلا ، بل هو شهر العبادة ،
    أتدرون ما العبادة ؟ عبادة الجسد والروح ، عبادة القلب والروح ، عبادة الظاهر والباطن ،
    العلم والعمل ، الجد والمثابرة ، وهزيمة النفس الأمارة بالسوء والشيطان ..
    إن غزوة بدر الكبرى يوم الفرقان التي خلد الله ذكرها في كتابه كانت في رمضان ،
    وفتح بلد الله الحرام مكة المكرمة يوم أن اندحر الشرك والكفر عن أطهر البقاع كان في رمضان ، والخير كله في رمضان ..
    نعم لم يكن شهر كسل ودعة وأكل وشرب وسهر وضياع ونغم وأفلام ومسلسلات ومسابقات وفوازير ..
    والله إننا لنستحي من الله تعالى أن يمن علينا بنعمة هذا الشهر الكريم وما فيه من الفضائل وعظيم الأجر ، وينظر إلينا سبحانه وقد قابلنا نعمته بالجحود .. لعب ولهو وسمر وسهر .. ، لا بل ينزل تبارك وتعالى في ثلث الليل الآخر ، وبعضنا على حالة ... نسأل الله أن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ..
    نعم كلنا مقصرون ، وكلنا مذنبون ، ولكن لنتفكر يا عباد الله .. لنتفكر قبل أن لا ينفع الندم ولا ينفع العمل .. والله المستعان .

    إنه ينبغي علينا رجالاً ونساءً أن نتقي الله في صيامنا وأن نحقق الإيمان والاحتساب فيه ..

    ولعلي أهمس في أذن أختي المسلمة لأقول :
    إياكِ ثم إياكِ وأن يذهب عليك شهرك سدى ، ما بين نوم وطبخ وسواليف وزيارات وتلفاز ..

    أدركي أختي فجيعة فوات العمر ، ... وما أشد الفجيعة حينما يفوت على المسلمة رمضان ولم يغفر لها ؟ ، أسأل الله لنا التوفيق والهداية والرشاد .

    ثانياً- رمضان شهر الخير والبر تتعلق به أحكام شرعية من صيام وقيام وتلاوة قرآن وصدقة وجود وبذل للخير ، وعمرة واعتكاف ..
    ولعل بعض المسائل يكثر السؤال عنها ولذا أحببت أن أبين ما يتعلق بها على سبيل الإيجاز ..

    1- أما قراءة القرآن فإنها مشروعة في كل وقت .... بل لا بد لنا من أن نتدارس القرآن الكريم ..

    ولعل مما ينعى على بعضنا أنهم لا يعرفون القرآن إلا في رمضان ، وهذا بلا شك خطأ كبير .. بل إن هجران القرآن مما جاء فيه الذم في كتاب الله تعالى ، { وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً } ...

    2- وأما الصدقة والجود بالخير ، فإن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان ، ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، وسيأتي بسط الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى ..
    وللصدقة باب آخر ، سيأتي الحديث عنه في زكاة الفطر .

    بقي هنا ما يتعلق بالصيام وبالعمرة والاعتكاف ..
    وهي محل حديثنا في المبحث القادم :


    المبحث الثاني : الصوم :

    1- وفي الصوم عدة مسائل :

    حكم الاحتياط بالصوم قبل رمضان لرمضان :
    قدمنا بأن الصوم من فرائض الإسلام ومبانيه العظام ، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين ،

    والصوم هو التعبد لله تعالى بالإمساك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من ظهور الفجر الثاني إلى غروب الشمس .

    ويثبت دخول شهر رمضان برؤية هلاله أو بإتمام شعبان ثلاثين يوماً ، ولو مع غيم وقتر حال دون الرؤية .

    ولا يجوز تقدم صوم رمضان بيوم أو يومين احتياطاً للصوم ، إلا لمن كان عادةً يصوم الاثنين والخميس مثلاً ، وصادف ذلك قرب رمضان ، أو كان يصوم كفارةً أو قضاءً ..
    أما صيام يومين أو يوم قبل رمضان احتياطاً له ، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه _ مرفوعاً : (( لا تقدَموا رمضان بصوم يوم أو يومين ، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه )) .

    2- على من يجب الصوم ؟ :
    ويجب الصوم على المسلم العاقل البالغ القادر المقيم الخالي من الموانع الشرعية .

    أما قولنا المسلم : فقد خرج به الكافر ، فإنه لا يصح الصوم منه ..

    وعليه فإنه لا بد من أن ينتبه إلى ما يقع من كثيرين نسأل الله السلامة ... بعض الناس يتهاون بالصلاة ، ولا يصليها ويتركها تهاوناً وكسلاً ، وإذا جاء رمضان يصوم وهو قائم على تهاونه بالصلاة .. و الذي ترك الصلاة كافر - نسأل الله السلامة - ولا يقبل منه صومه وإن صامه .

    وأما قولنا العاقل : فخرج به المجنون ، وفاقد وعيه بإغماء ، أو من أصيب بما يسمى بالموت الدماغي - نسأل الله السلامة والعافية ، ولجميع مرضى المسلمين الشفاء التام - ، وكذا المخرِّف ... فهؤلاء لا يجب عليهم الصوم لفقد شرط التكليف .

    وخرج بقولنا البالغ : الصغير الذي لم يبلغ ، فإنه يُعوَّدُ على الصيام ولا يجب عليه ، ولو أفطر في أثناء النهار فلا شيء عليه ..
    جاء في الصحيح من حديث الرُبيِّع بنت معوِّذ _ رضي الله عنها _ أنها قالت في صيام عاشوراء لما فُرض : ( كنا نُصَوِّمُ صبياننا ، ونجعل لهم اللعبة من العِهْنِ ، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار ) .

    ومما ينبغي التنبيه عليه هنا معرفة علامات البلوغ :

    فالصغير يبلغ بإحدى ثلاث :
    1- بلوغ خمسة عشرة سنة . 2- أو إنبات الشعر الخشن في الإبطين والعانة . 3- أو إنزال المني ، 4- وتزيد المرأة بالحيض .

    وإن مما يؤسف له أن نجد تساهل كثيرين من الآباء والأمهات في عدم حث أبنائهم على الصيام وقد يكونون من أهل الوجوب ، ومع هذا فلا يأمروهم به ، وهذا منكر عظيم ، يتحمل الوالدان مسئوليته ؛ لأنهما راعيان ومسؤولان أمام الله تعالى عن أمانة أولادهم ..

    وقولنا القادر : خرج به من لا يقدر على الصوم لمرض أو لكبر ، وخرج به الحامل والمرضع ، ولهؤلاء أحكام ستأتي إن شاء الله .

    وخرج بقولنا مقيم : المسافر ؛ فإنه يباح له الفطر سواء شق الصوم عليه أو لم يشق .

    وخرج بقولنا الخالي عن الموانع الشرعية : الحائض والنفساء ؛ فإنه يحرم عليهما الصيام وقت الحيض والنفاس ، ولا يصح منهما .

    3- آداب الصيام وسننه :
    قد تقدم الكلام على أفضلية هذا الشهر ، واختصاصه بعبادة الصوم ، ولذا ينبغي على الصائم أن يتأدب بالأدب الشرعي في صومه ..
    وسأذكر بإذن الله تعالى جملة من الآداب والسنن والواجبات التي ينبغي على الصائم أن يأتي بها :

    أ- السحور :
    وهو من السنن ، فيسن الحرص عليه ، وتأخيره ، وقد ثبت في الصحيح عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ أنه قال : " تسحروا فإن في السحور بركة " ..
    فهو غداء مبارك ؛ بشهادة النبي _ صلى الله عليه وسلم _ ، وفيه مخالفة لأهل الكتاب ، وقد شرع لنا مخالفتهم ..

    ب- ومن السنن : تعجيل الفطر لقوله _ صلى الله عليه وسلم _ : " لا يزال الناس بخير ما عجّلوا الفطر " رواه البخاري ..

    ويسن للصائم أن يفطر على رطب ، فإن لم يجد فتميرات ، فإن لم يجد فيفطر على ماء ،
    وقد جاء في حديث أنس رضي الله عنه قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يُفطر قبل أن يصلي على رطبات ، فإن لم تكن رطبات فتميرات ، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء ." رواه الترمذي 3/79 وغيره وقال حديث حسن غريب وصححه في الإرواء برقم 922 ،

    ولقد ثبت طبياً أثر البداية على الرطب أو التميرات ومن ثم الماء ... ؛ لأن الإفطار على التمر والماء يحقق الهدفين : وهما دفع الجوع والعطش .
    وتستطيع المعدة والأمعاء الخالية امتصاص المواد السكرية بسرعة كبيرة ، كما يحتوي الرطب والتمر على كمية من الألياف مما يقي من الإمساك ، ويعطي الإنسان شعورا بالامتلاء فلا يكثر الصائم من تناول مختلف أنواع الطعام .

    جـ- ويسن له يقول بعد إفطاره ما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ كان إذا أفطر قال : " ذهب الظمأ ، وابتلت العروق ، وثبت الأجر إن شاء الله " رواه أبو داود ، وحسنه الدارقطني إسناده 2/185 .، وفي الباب أحاديث لا تثبت .

    د- ومما يجب على الصائم : البعد عن الرفث لقوله _ صلى الله عليه وسلم _ " .. إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث .. " رواه البخاري ..
    والرفث : هو الوقوع في المعاصي ..
    وقال النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : " من لم يدع قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " ، البخاري .

    وينبغي أن يجتنب الصائم جميع المحرمات كالغيبة والفحش والكذب ، فربما ذهبت بأجر صيامه كله ، وقد روي : " رُبّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع " . رواه ابن ماجه ، وفيه اختلاف في رفعه ووقفه .

    هـ- وينبغي على الصائم أن لا يصخَب ؛ لما ثبت عنه _ صلى الله عليه وسلم _ : " وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم ، إني صائم " ، فواحدة تذكيراً لنفسه ، والأخرى تذكيرا لخصمه .

    إن الناظر في أخلاق بعضنا في الصيام يجد خلاف هذا الخُلق الكريم فيجب ، وكأن الناس قد اترفعت دماؤهم إلى أنوفهم ، فما إن تتأخر لحيظة عند الإشارة وقد أصبحت خضراء إلا وأرتال المنبهات تنهال عليك من السيارات حولك ، وكأنك قد ارتكبت منكراً عظيماً .. بل لربما سمعت الشتائم من هنا وهناك ، وكأننا في ضغط نفسي ... بل بعضهم يتهجَّم ويتكتَّم ( يتنرفز ) ؛ لأتـفه الأسباب ، بل تراه مستعداً متحفزاً للشجار مع أي أحد حتى مع نفسه ، ولو كلمته لقال : ( تراها واصلة ، تراني صايم ) !! ،
    فالواجب ضبط النفس ، والصوم راحة وجنة ووقاية ... ، والأحرى بكل واحد منا أن يهذبه صومه وأن يتبع فيه هدي النبي _ صلى الله عليه وسلم _ ...

    وعليه فلا بد من السكينة والهدوء وحسن الخلق والبشاشة ..

    و- ويكره الإكثار من الطعام ، لحديث " ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنٍ .. " رواه الترمذي رقم 2380 وقال هذا حديث حسن صحيح .. وكثرة الأكل تجلب النعاس والخمول ، الشهر شهر عبادة وطاعة .. بل إن الفائدة التي تحققت بالصوم من راحة الجسم ، تزول بكثرة الأكل ، بل لربما أدى ذلك إلى عسر الهضم وآلام المعدة ، فحيث كانت المعدة في أثناء النهار في راحة ، إذا بأرتال اللحوم والشحوم والمشارب وألوان الطعام تنهال عليها !! ..
    أضف إلى ذلك الثقل الذي يراه أحدنا إذا أكثر من الأكل وقت صلاة التروايح ، بل بعضهم يكثر من أكل ما به رائحة فيؤذي المصلين ..

    ولعل ما ينبغي التنبيه عليه أننا نجد كثيرين يستعدون لشهر الصوم بأنواع من المآكل والمشارب !! فتراهم يتزاحمون على أماكن التموين وبيع المواد الغذائية وكأنهم مقدمون على مجاعة !!

    ومع ما بينته من أثر سلبي على كثرة الأكل ... فإن له مضرة أخرى كنت قد أشرت لها وهي إشغال وقت النساء بالطبخ وإعداد أصناف وألوان الطعام ، مما يفوت عليهن الأوقات الشريفة واستغلالها بالطاعة ..

    ز- ومما يندب له ويستحب في هذا الشهر بالذات :
    الجود بأنواعه .. بالعلم والمال والجاه والبدن والخُلُق ..
    فقد مرَّ بنا ما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن ، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة " .

    فكيف بأناس استبدلوا الجود بالبخل والنشاط في الطاعات بالكسل والخمول فلا يتقنون الأعمال ولا يحسنون المعاملة متذرِّعين بالصيام .

    بل إن مما يرجى أن يكون أسباب دخول الجنة الجمعَ بين الصيام والإطعام ؛ كما جاء في الحديث : " إن في الجنة غرفا يُرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام ، وألان الكلام ، وتابع الصيام ، وصلى بالليل والناس نيام " رواه أحمد 5/343 وابن خزيمة رقم 2137 وقال : إن صح الخبر ، وقال الألباني في تعليقه : إسناده حسن لغيره ، والحديث جاء من وجهين ضعيفين ، والله تعالى أعلم .

    ومن أوجه الجود في هذا الشهر الكريم تفطير الصائمين ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من فطّر صائماً كان له مثل أجره ، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء . " رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .

    قال شيخ الإسلام رحمه الله : والمراد بتفطيره أن يُشبعه . الاختيارات الفقهية ص : 109

    وقد آثر عدد من السلف ـ رحمهم الله ـ الفقراءَ على أنفسهم بطعام إفطارهم ، منهم : عبد الله بن عمر ، ومالك بن دينار ، وأحمد بن حنبل وغيرهم . وكان عبد الله بن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين .

    ح- ويسن في رمضان أداء صلاة التراويح جماعة في المساجد :

    أما أولاً فأنبه على ما ذكرته سلفاً من الحرص على الصلوات في وقتها ، وأنه يجب على الرجال صلاة الجماعة في المساجد وأنه لا يسعهم التخلف عنها .

    ومع التراويح وقفات ، وقفة مع الأئمة ، ووقفة مع عموم الناس ، ووقفة مع النساء :
    وقبل هذه الوقفات أحب أن أذكر فضل قيام رمضان ؛ فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) .
    وجاء في قيام ليلة القدر بخصوصها أن فضلها غفران ما تقدم من الذنوب ، وقد تقدم الحديث في ذلك .
    ولذا فلا بد لنا من أن نستغل هذا الأجر العظيم والفضل الكبير ، وأن نحرص على أداء التروايح مطمئنين خاشعين ...


    أما الوقفات :

    فالوقفة الأولى مع الأئمة وفيها أقول :

    لقد منَّ الله تعالى عليكم أن يسر لكم الإمامة ، وهي منصب عظيم ، فلا بدَّ لكم من أن تعوا مسئوليتكم وأمانتكم ، مما يلاحظ على بعض الأئمة :

    1- السرعة في القراءة والصلاة ؛ لأجل أن يختم ، ولا شك بأن الختمة غير واجبة .. ، مع ما يصاحب الإسراع من الإخلال بشيء من الركوع والسجود والطمأنينة والخشوع .

    2- الاعتداء في الدعاء والإطالة فيه ، مع أن المسنون ترك ذلك أحياناً ، وقد علَّم النبي _ صلى الله عليه وسلم _ الحسن ابن بنته _ رضي الله عنهما _ دعاء القنوت بكلمات طيبات مباركات ..
    نعم لا تقول بأنه لا يجوز الزيادة على ما ذكر ، ولكن الحرص على السنة وعلى الصحيح المأثور والجوامع من الدعاء فيه خير كثير ، وبه تنال أجر الدعاء والمتابعة ، وتسلم من الزلل والمخالفة .

    3- تفويت بعض الأئمة فرصة إقبال الناس وموسم الطاعة ، بحيث يتقاعسون عن تذكيرهم ونصحهم وإرشادهم سواء بعد الصلاة ما بين الوقت والآخر .. أو بين الآذان والإقامة ، أو بالزيارات .. ورمضان ولياليه فرصة للدعوة والنصح .
    والحمد لله فإن النفوس مقبلة على الخير في رمضان ، فاستغلال ذلك لا بد منه ، وقد كان _ صلى الله عليه وسلم _ يتخول أصحابه بالموعظة ؛ كما في حديث ابن مسعود _ رضي الله عنه _ ..

    كما ينبغي على الإمام أن يستعد بمذاكرة العلم ، ومدارسة مسائل الصيام وكافة أبواب العلم ؛ لأجل أن يكون حيث يريده المأمومون ... ، ولا شك بأن هذا من باب الجود الذي قد قدمنا ذكره ..

    وأما الوقفة مع عموم الناس ، فقد قدَّمت فيما سبق من آداب الصيام شيئاً كثيراً ، وأخص هنا ما يلي :

    1- الإكثار والمبالغة في تتبع المساجد .. والتنقل طلباً للصوت فقط ، وقد جاء في الحديث عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : (( ليصل أحدكم في المسجد الذي يليه ولا يتبع المساجد )) [ رواه الطبراني - وصححه الألباني في صحيح الجامع ] ..
    وقد نهى السلف عن ذلك ؛ لما فيه من هجر بعض المساجد .. والتأخير عن تكبيرة الإحرام ، وما قد يحصل من عشق الأصوات ... وغيره ..
    نعم .. لا حرج في أن يلتزم المصلي بمسجد ولو كان غير مسجده ويستمر معه إلى نهاية رمضان إن وجد ذلك أدعى لحصول الخشوع وتدبر القراءة .

    2- الصراخ والعويل عند البكاء .. أو رفع الصوت والتكلف في البكاء .. وليس هذا من هدي السلف _ رضي الله عنهم _ .. بل كان قدوتنا _ صلى الله عليه وسلم _ إذا بكى سُمع له أزيز كأزيز المرجل فحسب .. فالتكلُّف منهي عنه ، وهو مدعاة للرياء وفيه إزعاج للمصلين .. ومن غُلب فهو معذور ولكن لا بد من اتباع الهدي النبوي في ذلك .

    3- التأثر من كلام البشر ، وعدم التأثر من كلام رب البشر ، وذلك بالبكاء من الدعاء فقط وأما القرآن فلا ، والله تعالى يقول : { لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ } .

    4- البعض ينتظر الإمام حتى يركع وينشغل بالكلام فإذا ركع دخل معه في الصلاة ، _ ويكثر هذا في الحرم _ وهذا العمل فيه ترك لمتابعة الإمام وتفويت تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة .. فلا يليق بك – أخي الحبيب – فعله .

    5- النظر في المصحف داخل الصلاة حال قراءة الإمام ، _ وهذا يكثر في الحرم _ ، وفي هذا العمل عدة مساوئ فمنها كثرة الحركة باليدين وبالبصر ، ومنها ترك سنة القبض ، ووضع اليدين على الصدر ، ومنها ترك النظر إلى موضع السجود .. إلخ .

    6- اكتفاء البعض بأربع أو ست ركعات مع الإمام ثم ينصرف إلى دنياه وفي هذا فوات لأجر عظيم ، قال فقد جاء فيما أخرجه الترمذي وغيره ، وقال الترمذي حديث حسن صحيح من حديث أبي ذر عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : (( من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة)) .

    7- كثير من الناس تصيبهم مسائل تتعلق بصيامهم أو صلاتهم أو عبادتهم ، ومع هذا لا يسألون أهل العلم ، بل كثير منهم قد يأتي أموراً تترتب عليها أحكاماً شديدة ، ومع هذا يظل على جهله أو لا يبالي إن سأل أو لم يسأل ..
    ولا شك بأن أمر العبادة أمر عظيم ، ولا بد للإنسان من أن ينتبه لدينه وأن يعبد الله تعالى على بصيرة ..

    والوقفة الأخيرة من هذه الوقفات مع أمهاتنا وأخواتنا وزوجاتنا وفتياتنا ، مع شقائق الرجال حرسهن الله :

    1- أخواتي في الله .. إن هذا الشهر عظيم وفضله كبير ، فأري الله من نفسك خيراً ، وأكثري من العمل الصالح ، وإياك وأن يغرك أعوان الشيطان الفضائيين وغيرهم ، وإياك ونفسك أن تلهيك بالأسواق والمشتريات .

    2- تحضر كثير من أخواتنا المساجد طلباً للخير .. ، وفعلهن مشروع لا غبار عليه ..
    ولكن بعض النساء هداهن الله يحضرن إلى المسجد وهنَّ متبخرات متعطرات ... وفي هذا مخالفة عظيمة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية )) - نسأل الله العافية - ، رواه أحمد والترمذي وقال : حسن صحيح ،

    ولعل الأمر يزداد خطورة إذا ما ذهبت المرأة إلى السوق وهي بهذه الحال ...
    فالأمر جدُّ خطير ، وعلى النساء وأولياء أمورهن ملاحظة ذلك .

    3- ومما يلاحظ أيضاً عدم التستر الكامل وإظهار شيء من الشعر ، ولبس العباءة ذات الأكمام الطويلة التي تظهر السواعد .. ،
    مع أن الواجب عليها ستر جميع جسدها ، وأن لا يكون حجابها شفافاً ولا ضيقاً بل واسعاً ساتراً فضفاضاً ، وأن لا تظهر شيئاً من زينتها ؛ امتثالاً أمر الله تعالى لها ..
    وهذا ليس كبتاً وحبساً لها وإنما احتراماً وصيانة وحماية لها .. ولنؤمن جميعاً بأن ما أمرنا الله به فيه مصلحتنا ، وفيه الخير لنا .

    4- الحضور إلى المسجد مع السائق الأجنبي بمفردها .. فترتكب بذلك مخالفة شرعية من أجل الحصول على أمر مباح أو مستحب لها ، وهذا خطأ .

    5- إحضار الأطفال المزعجين وإشغال المصلين بذلك والتشويش عليهم . والمساجد يجب أن تُصان من ذلك ..

    6- يلاحظ على كثيرات من أخواتنا الاشتغال بعد الصلاة بالقيل والقال والكلام في الناس وارتفاع الأصوات بذلك حتى يسمعهن الرجال بدلاً من قول سبحان الملك القدوس ( ثلاثاُ) والذكر والاستغفار !!.

    والسنة أن ينصرفن مباشرة بعد فراغ الإمام ولا يتأخرن إلا لعذر ، والرجال يبقون قليلاً حتى تنصرف النساء ، أو ينتظر النساء قليلاً حتى يخرج الرجال ، فلا يكون الخروج في وقت واحد خاصة إذا كانت الأبواب متقاربة فيحصل الزحام والاختلاط على الأبواب .

    7- عدم التراص في الصفوف ، ووجود الفرجات ، والخلل فيها . والواجب تسوية الصفوف وإكمالها ، وسد الفرج .
    وبعض أخواتنا هداهن الله لا يستجبن لمن يدعوهن إلى رص الصف وتمامه في الصلاة ... فلا بد من الانتباه إلى ذلك .

    ومما أود الحديث عنه في ختام هذه الوقفات ما نراه بأن الوالدين يأتيان إلى المسجد ويتركان أبناءهما أمام التلفزيون وضياع الوقت والمعاصي من مشاهدة الأفلام وسماع أغاني ونحوها .. أو مصاحبة الفساق والله يقول : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } ، فلا بد من المحافظة على الأبناء ، وتعويدهم على العمل الصالح في هذا الشهر الكريم ..


    المبحث الثالث :
    مسائل فقهية يكثر السؤال عنها :

    أولاً - مفسدات الصوم :
    ينبغي أن يعلم بأن إفساد الصوم عمداً من الذنوب العظيمة ، فانتهاك حرمة الشهر الذي فرض الله صيامه وعصيان أمر الله تعالى بالفطر منكر عظيم جداًَ ، ومن أفطر في نهار رمضان بأي مفطر بلا عذر وكان عامداً مستحلاً للفطر لا يرى وجوبه عليه فهو كافر والعياذ بالله ؛ لكونه أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة ، وإن أفطر بلا عذر عامداً غير مستحل فقد جاء بمنكر عظيم وذنب كبير يستوجب التعزير . يقول الحافظ الذهبي رحمه الله : وعند المؤمنين مقرر أن من ترك صوم رمضان من غير عذر أنه شرّ من الزاني ومدمن الخمر ، بل يشكّون في إسلامه ، ويظنّون به الزندقة والانحلال .
    وقال شيخ الإسلام رحمه الله : إذا أفطر في رمضان مستحلاً لذلك وهو عالم بتحريمه استحلالاً له وجب قتله ، وإن كان فاسقاً عوقب عن فطره في رمضان . مجموع الفتاوى 25/265 .

    أما مفسدات الصوم :
    1- فأشدها الجماع في نهار رمضان ، فإن جامع من وجب في حقه الصوم زوجته وكانت راضية غير معذورة أو زنى والعياذ بالله أو جامع في الدبر والعياذ بالله من ذكر أو أنثى ، فسد صومهما ولزمهما قضاء اليوم و الكفارة المغلظة ، وهي على الترتيب : عتق رقبة ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً .

    وهنا ينبغي أن أنبه إلى خطورة التساهل في هذا الأمر ، وأنه ينبغي على الزوجين أن يأخذا كافة الاحتياطات ؛ حفاظاً على صومهما ، وأن من وقع منه ذلك فقد جاء بمنكر عظيم ؛ فقد قال الصحابي الذي وقع منه ذلك الفعل : يا رسول الله هلكت . قال : (( وما أهلكك )) ؟ قال : وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم .. متفق عليه . فهذا أمر منكر ، ولا بد من التوقي منه ، ولا بدَّ على الزوجة أن تمتنع عن زوجها إذا راودها وأن تذكره بالله تعالى ، كما ينبغي عليهما البعد عن أسباب الإثارة ، والله المستعان .
    كما يجب أن لا يتساهل في أمر الكفارة فيؤتى بها مرتبة ، والله تعالى أعلم .

    ويدخل في حكم الجماع الاستمناء ، فإن استمنى فسد صومه ولزمه القضاء ، ولا تلزمه الكفارة .

    2- الأكل والشرب عمداً ممن يجب في حقه ، وهنا مسائل :
    من أكل أو شرب عالماً عامداً ذاكراًَ بطل صومه ، وقد جاء بأمر عظيم كما بينت سلفاً ، وعليه القضاء .
    من أكل أو شرب ناسياً فلا شيء عليه ولا قضاء وليتم صومه ؛ لما ثبت في حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه _ المتفق عليه عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : (( من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه ؛ فإنما أطعمه الله وسقاه )) .

    وينبغي على من رأى من يأكل أو يشرب ناسياً أن ينبهه على ذلك ؛ من باب التعاون على البر والتقوى ..

    ويدخل في حكم الأكل والشرب الإبر المغذية التي يستفيد منها الجسم استفادته من الأكل والشرب ؛ كالمغذيات ، وكذلك إدخال الدم إلى الجسم .

    أما الإبر غير المغذية كالأنسولين وإبر الحمى الشوكية فالذي عليه الفتوى عند اللجنة الدائمة للإفتاء أنها لا تفطر ، والأولى أن تستخدم بعد الإفطار .

    3- ومن المفطرات الحجامة ، واختلف العلماء فيها بناء على اختلافهم هل حديث (( أفطر الحاجم والمحجوم )) هل هو منسوخ أو محكم ؟ ، والذي عليه الفتوى عند اللجنة الدائمة أن الحجامة تفطر .

    والتبرع بالدم يأخذ حكم الحجامة بجامع إضعاف البدن ، وعليه فيفطر المتبرع بالدم . بناء على فتوى اللجنة الدائمة .

    4- الحيض والنفاس ، فإن حاضت المرأة أو نفست في نهار رمضان ولو قبل مغيب الشمس ، لزمها القضاء .

    5- إذا تقيأ الإنسان عمداً بطل صومه ، حكى إجماع العلماء على ذلك ابن المنذر ، وجاء عند الترمذي وقال : حسن غريب من حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه _ عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : (( من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ، ومن استقاء عمداً فليقضِ )) ، قال الترمذي رحمه الله : والعمل عند أهل العلم على حديث أبي هريرة ...


    ثانياً - ما لا يفسد به الصوم :
    1- خروج الدم من الإنسان ، غير دم الحيض والنفاس ؛ كالرعاف أو دم الجرح أو الاستحاضة ... ، وكذا أخذ التحليل اليسير لا يفسد الصوم على ما عليه الفتوى عنه عند اللجنة الدائمة .

    أما التبرع بالدم فقد تقدم الكلام عليه ، وأنه يلحق بالحجامة على ما عليه فتوى اللجنة الدائمة .

    2- يكثر سؤال الناس عن بعض العلاجات الطبية وهل تفطر أم لا ؟ ..
    وأنا أسوق هنا قراراً من قرارات مجمع الفقه الإسلامي ، بخصوص بعض العلاجات الطبية التي حكموا بأنها لا تفطر :

    أولاً : الأمور التالية لا تعتبر من المفطرات :
    1- قطرة العين ، أو قطرة الأذن ، أو غسول الأذن ، أو قطرة الأنف ، أو بخاخ الأنف ، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق .
    2- الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق .
    3- ما يدخل المهبل من تحاميل (لبوس)،أو غسول،أو منظار مهبلي ،أو إصبع للفحص الطبي .
    4- إدخال المنظار أو اللولب ونحوهما إلى الرحم .
    5- ما يدخل الإحليل ، أي مجرى البول الظاهر للذكر أو الأنثى ، من قثطرة ( أنبوب دقيق ) أو منظار ، أو مادة ظليلة على الأشعة ، أو دواء ، أو محلول لغسل المثانة .
    6- حفر السن ، أو قلع الضرس ، أو تنظيف الأسنان ، أو السواك وفرشاة الأسنان ، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق .
    7- المضمضة ، والغرغرة ، وبخاخ العلاج الموضعي للفم إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق .
    8- الحقن العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية ، باستثناء السوائل والحقن المغذية .
    9- غاز الأكسجين .
    10- غازات التخدير ( البنج ) ما لم يعط المريض سوائل ( محاليل ) مغذية .
    11- ما يدخل الجسم امتصاصاً من الجلد كالدهونات والمراهم واللصقات العلاجية الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية .
    12- إدخال قثطرة ( أنبوب دقيق ) في الشرايين لتصوير أو علاج أوعية القلب أو غيره من الأعضاء .
    13- إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها .
    14- أخذ عينات ( خزعات ) من الكبد أو غيره من الأعضاء ما لم تكن مصحوبة بإعطاء محاليل .
    15- منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل ( محاليل ) أو مواد أخرى .
    16- دخول أي أداة أو مواد علاجية إلى الدماغ أو النخاع الشوكي .
    17- القيء غير المتعمد بخلاف المتعمد ( الاستقاءة ) .

    ثانياً : ينبغي على الطبيب المسلم نصح المريض بتأجيل ما لا يضره تأجيله إلى ما بعد الإفطار من صور المعالجات المذكورة فيما سبق . أ.هـ ، حتى لا يؤثّر ذلك في صحة صيامه

    ومما تعم به البلوى الفكس ، وهل يعد من المفطرات ؟
    وقد سئل فضيلة الشيخ محمد صالح المنجد ما يلي :
    أسال عن الرائحة المنبعثة من الفكس هل لها جرم يدخل إلى المعدة عند الادهان بالفكس على منطقة الجبهة والأنف أثناء الصيام ؟ .
    الجواب:
    الحمد لله
    الرائحة المنبعثة من الفكس لا تؤثر على الصيام ، لأنها مجرد رائحة ولا جرم لها يدخل إلى المعدة . انتهى جوابه .

    المبحث الرابع :
    أحكام تتعلق بالصيام :

    1- يباح للمسافر مسافة قصر أن يفطر في نهار رمضان وأن يقضي يوماً مكانه ؛ لقوله تعالى : { فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام آخر} .

    2- المريض له حالات :
    الأولى- إن كان لا يستطيع الصوم مع المرض ، أو كان يستطيع ويشق عليه الصوم مع مرضه ، فله الفطر .

    والثانية- إن كان الصوم يضره وربما أدى به إلى أضرار أو إتلاف نفسه ؛ كمن به فشل كلوي عافانا الله وإياكم وشفى المسلمين المصابين به ، فهنا يجب عليه أن يفطر ويحرم عليه الصوم ؛ لقوله تعلى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ولتحريم قتل النفس ، وقد جاء الشرع بحفظ الضرورات الخمس ومنها النفس .

    فإن كان المريض به مرض يرجى زواله وبرؤه ؛ فإنه يفطر ويقضي ، متى ما شفاه الله تعالى ، ولا كفارة عليه .

    فإن مات من هذه حاله ، قبل أن يقضي ، فإن كان مات قبل شفائه ، فلا يصام عنه .

    وإن شفي وتمكن من القضاء لكنه أخره حتى مات ولم يقض ، فيشرع ويستحب لأقربائه أن يصوموا عنه . والدليل حديث عائشة رضي الله عنها المتفق عليه عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : (( من مات وعليه صيام ، صام عنه وليه )) . وقد أفتت اللجنة الدائمة بذلك .

    الثالثة- المريض بمرض لا يرجى برؤه حكمه حكم الكبير العاجز عن الصيام ، وسيأتي حكمه بإذن الله تعالى .

    3- من به عجز ( دائم ) وهو الذي لا يرجى ذهابه ويمنعه من الصيام ؛ كالشيخ الكبير ، والمريض مرضاً لا يرجى برؤه كمن يحتاج إلى أخذ علاج في النهار طيلة حياته . فهذا لا يجب عليه الصوم ، ولا يستطيع القضاء ، وإنما يجب عليه : أن يطعم مكان كل يوم مسكيناً .
    فعن عطاء ـ رحمه الله ـ سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ : " وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين " قال ابن عباس : " ليست بمنسوخة ، هو الشيخ الكبير ، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعما مكان كل يوم مسكيناً " أخرجه البخاري .
    وهل يطعمهم بداية الشهر عن ثلاثين يوماً ؟ قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله : لا يقدم ؛ لأن تقديم الفدية كتقديم الصوم ، فهل يجزئ أن تقدم الصوم في رمضان ؟

    4- الحامل والمرضع :
    صيام الحامل والمرضع لا يخلو حالهما من ثلاث حالات :
    إما أن تخاف كل واحدة منهما على نفسها فقط .
    وإما أن تخاف على طفليهما فقط .
    وإما أن تخاف على نفسيهما وطفليهما .

    فإن خافت الحامل أو المرضع على نفسيهما فقط ، أفطرتا وعليهما القضاء فقط ، قال ابن قدامة رحمه الله : لا نعلم فيه بين أهل العلم اختلافاً .
    وإن خافت على نفسيهما وولديهما ، أفطرتا وقضتا .

    وأما إن كان الفطر بسبب الولد ؛ أي أن المرأة تقوى على الصوم لكنها تخاف على ولدها أو جنينها أن يتأثر ، فهنا المسألة فيها خلاف ، وذهب كثير من العلماء عدهم ابن قدامة إلى أنهما تفطران وتقضيان وليس عليهما الإطعام ؛ لحديث أنس بن مالك وهو صحابي من بني عبد الله بن كعب وليس هو بأنس الصحابي المعروف ، قال _ رضي الله عنه _ عن رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ قال : (( إن الله قد وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ، وعن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام )) ، قال الترمذي : وفي الباب عن أبي أمية ، وحديث أنس بن مالك حديث حسن .. والعمل على هذا عند بعض أهل العلم . فلم يأمرهما بكفارة ، وشبههما بالمسافر وقد جاء في الآية : { فعدةٌ من أيام أخر} .
    وذهب بعض أهل العلم إلى أنهما تفطران وتقضيان وتطعمان ،
    وهناك من العلماء من فرق بين الحامل والمرضع . وهناك من قال بأنهما تفطران وتطعمان ولا تقضيان ..
    والذي يظهر من فتاوى اللجنة الدائمة أن عليهما القضاء فقط دون الإطعام ، وبه يقول شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله . ولو أطعمت وقضت فأحوط ؛ عملاً بفتيا ابن عباس وابن عمر والله تعالى أعلم .

    4- تستحب العمرة في رمضان ؛ لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس _ رضي الله عنهما _ أن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ قال لامرأة من الأنصار : (( ما منعك أن تحجين معنا )) ؟ قالت : كان لنا ناضح فركبه فلان وابنه - لزوجها وابنه - وترك ناضحاً ننضح عليه . قال : (( فإذا كان رمضان اعتمري فيه ، فإن عمرة في رمضان حجة )) ، وجاء من وجه آخر عند ابن حبان ( تعدل حجة معي ) ، والمعنى في الثواب ، ولا يسقط بها فرض الحج .

    وأما صفة العمرة :
    فقد جاء عن سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله :

    1- إذا وصل من يريد العمرة إلى الميقات استحب له أن يغتسل ويتنظف ، وهكذا تفعل المرأة ولو كانت حائضاً أو نفساءً ، غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر وتغتسل . ويتطيب الرجل في بدنه دون ملابس إحرامه . فإن لم يتيسر الاغتسال في الميقات فلا حرج ، ويستحب أن يغتسل إذا وصل مكة قبل الطواف إذا تيسر ذلك .

    2- يتجرد الرجل من جميع الملابس المخيطة ، ويلبس إزاراً ورداء ، ويستحب أن يكونا أبيضين نظيفين ، ويكشف رأسه . أما المرأة فتحرم في ملابسها العادية التي ليس فيها زينة ولا شهرة .

    3- ثم ينوي الدخول في النسك بقلبه ، ويتلفظ بلسانه قائلا : ( لبيك عمرة ) أو ( اللهم لبيك عمرة ) ، وإن خاف المحرم ألا يتمكن من أداء نسكه ؛ لكونه مريضا أو خائفا من عدو ونحوه شرع له أن يشترط عند إحرامه فيقول : ( فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني ) ؛ لحديث ضُباعة بنت الزبير _ رضي الله عنها _ أنها قالت : يا رسول الله ، إني أريد الحج وأنا شاكية ، فقال _ صلى الله عليه وسلم _ : (( حجي واشترطي أنَّ محلي حيث حبستني )) متفق على صحته ، ثم يلبي بتلبية النبي _ صلى الله عليه وسلم _ وهي : ( لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ) ويكثر من هذه التلبية ، ومن ذكر الله سبحانه ودعائه ، فإذا وصل إلى المسجد الحرام سُنَّ له تقديم رجله اليمنى ويقول : ( بسم الله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم ، اللهم افتح لي أبواب رحمتك ) ، كسائر المساجد ، ثم يشتغل بالتلبية حتى يصل إلى الكعبة .

    4- فإذا وصل إلى الكعبة قطع التلبية ، ثم قصد الحجر الأسود واستقبله ، ثم يستلمه بيمينه ويقبله إن تيسر ذلك ، ولا يؤذي الناس بالمزاحمة . ويقول عند استلامه : ( بسم الله والله أكبر ) أو يقول : ( الله أكبر ) ، فإن شق التقبيل استلمه بيده أو بعصا أو نحوها وقبل ما استلمه به ، فإن شق استلامه أشار إليه وقال : ( الله أكبر ) ، ولا يقبل ما يشير به . ويشترط لصحة الطواف : أن يكون الطائف على طهارة من الحدث الأصغر والأكبر ؛ لأن الطواف مثل الصلاة غير أنه رخَّص فيه في الكلام .

    5- يجعل البيت عن يساره ، ويطوف به سبعة أشواط ، وإذا حاذى الركن اليماني استلمه بيمينه إن تيسر ، ويقول : ( بسم الله والله أكبر ) ، ولا يقبله ، فإن شق عليه استلامه تركه ومضى في طوافه ، ولا يشير إليه ولا يكبر ؛ لأن ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم . أما الحجر الأسود فكلما حاذاه استلمه وقبله وكبر - كما ذكرنا سابقا - وإلا أشار إليه وكبر . ويستحب الرمل - وهو : الإسراع في المشي مع تقارب الخطا - في جميع الثلاثة الأشواط الأولى من طواف القدوم للرجل خاصة .

    كما يستحب للرجل أن يضطبع في طواف القدوم في جميع الأشواط ، والاضطباع : أن يجعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر . ويستحب الإكثار من الذكر والدعاء بما تيسر في جميع الأشواط . وليس في الطواف دعاء مخصوص ولا ذكر مخصوص ، بل يدعو ويذكر الله بما تيسر من الأذكار والأدعية ، ويقول بين الركنين :
    ( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) في كل شوط ؛ لأن ذلك ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم . ويختم الشوط السابع باستلام الحجر الأسود وتقبيله إن تيسر ، أو الإشارة إليه مع التكبير حسب التفصيل المذكور آنفاً . وبعد فراغه من هذا الطواف يرتدي بردائه فيجعله على كتفيه وطرفيه على صدره .

    6- ثم يصلي ركعتين خلف المقام إن تيسر ، فإن لم يتمكن من ذلك صلاهما في أي موضع من المسجد . يقرأ فيهما بعد الفاتحة : ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) في الركعة الأولى ، و : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) في الركعة الثانية، هذا هو الأفضل ، وإن قرأ بغيرهما فلا بأس . ثم بعد أن يسلِّم من الركعتين يقصد الحجر الأسود فيستلمه بيمينه إن تيسر ذلك .

    7- ثم يخرج إلى الصفا فيرقاه أو يقف عنده ، والرقي أفضل إن تيسر ، ويقرأ عند بدء الشوط الأول قوله تعالى: ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) ويستحب أن يستقبل القبلة على الصفا ، ويحمد الله ويكبره ، ويقول : ( لا إله إلا الله ، والله أكبر ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير . لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ) ، ثم يدعو بما تيسر ، رافعاً يديه ، ويكرر هذا الذكر والدعاء ( ثلاث مرات ) .

    ثم ينزل فيمشي إلى المروة حتى يصل إلى العلم الأول فيسرع الرجل في المشي إلى أن يصل إلي العلم الثاني . أما المرأة فلا يشرع لها الإسراع ؛ لأنها عورة ، ثم يمشي فيرقى المروة أو يقف عندها ، والرقي أفضل إن تيسير ، ويقول ويفعل على المروة كما قال وفعل على الصفا ، ما عدا قراءة الآية المذكورة ، فهذا إنما يشرع عند الصعود إلى الصفا في الشوط الأول فقط ؛ تأسياً بالنبي _ صلى الله عليه وسلم _ ، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه ، ويسرع في موضع الإسراع حتى يصل إلى الصفا ، يفعل ذلك سبع مرات ذهابه شوط ورجوعه شوط . وإن سعى راكبا فلا حرج ولا سيما عند الحاجة . ويستحب أن يكثر في سعيه من الذكر والدعاء بما تيسر ، وأن يكون متطهرا من الحدث الأكبر والأصغر ، ولو سعى على غير طهارة أجزأه ذلك .

    8- فإذا كمل السعي يحلق الرجل رأسه أو يقصره ، والحلق أفضل . وإذا كان قدومه مكة قريبا من وقت الحج فالتقصير في حقه أفضل ؛ ليحلق بقية رأسه في الحج . أما المرأة فتجمع شعرها وتأخذ منه قدر أنملة فأقل . فإذا فعل المحرم ما ذكر فقد تمت عمرته - والحمد لله - وحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام .

    وفقنا الله وسائر إخواننا المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه ، وتقبل من الجميع ، إنه سبحانه جواد كريم .

    وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين .

    5- يجتهد العبد في رمضان كله ، ويجتهد أكثر في الليالي العشر الأخيرة منه تحرياً ليلة القدر ؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر من رمضان مالا يجتهد في غيرها بالصلاة والقراءة والدعاء ، فروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ قال : (( كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر )) . ولأحمد ومسلم : (( كان يجتهد في العشر الأواخر مالا يجتهد في غيرها )) .

    والعشر الأخير ترجى فيها ليلة القدر ، وقد حث النبي _ صلى الله عليه وسلم _ على قيام ليلة القدر إيماناً واحتساباً ، فقد تقدم عن أبي هريرة _ رضي الله عنه _ عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ أنه قال : (( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه )) متفق عليه ، وهذا الحديث يدل على مشروعية إحيائها بالقيام .

    و من أفضل الأدعية التي تقال في ليلة القدر ما علَّمه النبي _ صلى الله عليه وسلم _ عائشة _ رضي الله عنها _ ، فروى الترمذي وصححه عن عائشة _ رضي الله عنها _ قالت : ( قلت يا رسول الله ! أ رأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها ؟ ) قال : (( قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني )) .
    والمستحب إحياؤها بالصلاة وقراءة القرآن والذكر والدعاء ..

    وهل هي ليلة 27 أو غيرها ؟
    الصواب أن تخصيص ليلة من رمضان بأنها ليلة القدر يحتاج إلى دليل يعيّنها دون غيرها ، ولكن أوتار العشر الأواخر أحرى من غيرها والليلة السابعة والعشرون هي أحرى الليالي بليلة القدر ؛ لما جاء في ذلك من الأحاديث الدالة على ما ذكرنا .

    لكن الواجب الاجتهاد في العشر كلها ، ولعل من حكمة إخفاء ليلة القدر أن نجتهد في العبادة ..

    وبعض الناس يخصص في العشر أوراداً معينة أو يخص ليلة سبع وعشرين بعمرة ونحو ذلك ، وهذا من البدع .. فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) ، وفي رواية : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) .
    فما يفعل في بعض ليالي رمضان من الاحتفالات لا نعلم له أصلاً ، وخير الهدي هدي محمد _ صلى الله عليه وسلم _ ، وشر الأمور محدثاتها ..

    6- الاعتكاف ، وقد اعتكف النبي _ صلى الله عليه وسلم _ في أول الشهر وأوسطه وآخره ..

    أولاً : تعريف الاعتكاف :

    لغة /
    الاعتكاف : افتعال من عكف على الشيء يعْكُف ويعْكِف عكفاً وعكوفاً وهو يأتي متعدٍ ويكون مصدره العكف ، ولازم ويكون مصدره العكوف .
    والمتعدي لغة / بمعنى الحبس والمنع ومنه قوله تعالى : (( وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ )) ( الفتح : من الآية25 ) . أي : محبوساً . ويقال عكفته عن حاجته أي : منعته .
    واللازم لغة / بمعنى ملازمة الشيء والمواظبة والإقبال والمُقام عليه خيراً كان أو شراً ومنه قوله تعالى : (( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد )) أي مقيمون ، ومنه قوله : (( ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون )) أي ملازمون ، وقال تعالى : (( وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً )) أي مقيماً .

    اصطلاحاً /
    هو لزوم مسجد لعبادة الله تعالى من شخص مخصوص على صفة مخصوصة .

    ثانياً : حكمته :
    من حِـكَم الاعتكاف صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى بلمِّ شعثه بالإقبال على الله تعالى وترك فضول المباحات وتحقيق الأنس بالله تعالى والاشتغال به وحده والتفكر في تحصيل مراضيه .

    ثالثاً : أدلة مشرعيته :
    دل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع :
    1- الكتاب : قوله تعالى : (( وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود )) وقوله تعالى : (( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد )) فإضافته إلى المساجد المختصة بالقربات وترك الوطء المباح لأجله دليل على أنه قربة .
    2- السنة : قول عائشة رضي الله عنها : (( كان رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ يعتكف العشر الأواخر حتى توفاه الله ، ثم اعتكف أزواجه من بعده )) [ رواه البخاري برقم ( 2026 ) ومسلم برقم ( 1172 ) ] . ويأتي غيره من الأحاديث .
    3- الإجماع : نقله ابن المنذر وابن حزم والنووي وابن قدامة وشيخ الإسلام والقرطبي وابن هبيرة والزركشي وابن رشد .

    رابعاً : حكم الاعتكاف :
    وفيه ثلاث مسائل :

    ـ المسألة الأولى : حكمه للرجل :
    حكمه لغير المرأة سنة وقد حكي إجماعاً لأدلة مشروعيته المتقدمة .
    وقد روى بعض المالكية كراهته عن الإمام مالك _ رحمه الله _ وقال : ( ما رأيت صحابياً اعتكف ) وذكر أنه لم يبلغه عن أحد أنه اعتكف إلا أبا بكر بن عبد الرحمن قال : ( وذلك والله أعلم لشدة الاعتكاف ) وعلَّلَّ بعضهم كراهته لأنه من الرهبانية المنهي عنها أو أنه كرهه مخافة ألا يوفي شرطه .
    قال ابن حجر : " لعله أراد صفة مخصوصة ، وإلا فقد حكيناه عن غير واحد من الصحابة أنه اعتكف " .

    ـ المسألة الثانية : حكمه للمرأة :
    اختلف العلماء في حكمه للمرأة على أقوال أرجحها هو قول الجمهور : أنه يسن لها الاعتكاف كالرجل .
    واستدلوا لذلك بما يلي :
    1- عموم أدلة مشروعية الاعتكاف والتي لم تفرق بين الرجل والمرأة .
    2- قوله تعالى : { فاتخذت من دونهم حجاباً } وقوله : { كلما دخل عليها زكريا المحراب } وهذا اعتكاف في المسجد واحتجاب فيه وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه .
    3- حديث عائشة _ رضي الله عنها _ وفيه : ( إذنه صلى الله عليه وسلم لها ولحفصة رضي الله عنهما أن يعتكفا معه ) [ البخاري ( 2041 ) ومسلم ( 1173 ) ] .
    4- حديث عائشة _ رضي الله عنها _ قالت : ( اعتكف معه امرأة من أزواجه مستحاضة فكانت ترى الحمرة والصفرة فربما وضعت الطست تحتها وهي تصلي ) [ البخاري ( 309 ) ] . وقد جاء مفسراً بأنها أم سلمة _ رضي الله عنها _ .
    5- حديث عائشة _ رضي الله عنها _ قالت : ( كنَّ المعتكفات إذا حِضن أمر رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ بإخراجهن من المسجد حتى يطهرن ) [ عزاه ابن قدامة في المغني 4/487 لأبي حفص العكبري وعزاه ابن مفاح في الفروع 3/176 لابن بطة وقال : " إسناد جيد " .

    وأما أمر النبي _ صلى الله عليه وسلم _ بنقض قباب أزواجه لما أردن الاعتكاف معه فإنه فعل ذلك عليه الصلاة والسلام لما خافه عليهن من المنافسة والغيرة ولهذا قال : ( آلبر يُردن ؟ ) .

    ـ المسألة الثالثة : حكمه في غير رمضان والعشر الأواخر منه :
    اختلف العلماء _ رحمهم الله تعالى _ في ذلك على أقوال أرجحها هو قول الجمهور وهو أنه مسنون واستدلوا على ذلك بما يلي :
    1- عمومات أدلة الاعتكاف وهي تشمل رمضان وغيره والعشر وغيرها .
    2- حديث عائشة _ رضي الله عنها _ قالت : ( كان رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه ... وترك الاعتكاف في رمضان حتى اعتكف العشر الأواخر من شوال ) [ البخاري ( 2040 ) ] وعند مسلم ( 1173 ) : ( العشر الأول من شوال ) . فدل على أن رمضان والعشر محل لشرعية الاعتكاف .
    3- حديث ابن عمر _ رضي الله عنهما _ أن عمر _ رضي الله عنه _ سأل النبي _ صلى الله عليه وسلم _ قال : كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ؟ قال ( فأوفِ بنذرك ) [ البخاري ( 2032 ) ومسلم ( 1656 ) . وهذا يشمل كل ليلة في رمضان وغيره في العشر وغيرها .
    4- حديث أبي هريرة _ رضي الله عنها _ قال : ( كان النبي _ صلى الله عليه وسلم _ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً ) [ البخاري ( 2044 ) ] . فدل على أن غير العشر محل لشرعية الاعتكاف .
    وغير ذلك من الأدلة .

    ـ المسألة الرابعة : أقله يوم ، ولا حد لأكثره .
    وزمن دخول من نوى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان غروب شمس ليلة الحادي والعشرين . واستحب كثير من العلماء أن يكون زمن خروجه عن خروجه إلى صلاة العيد ، ولو خرج قبل فلا شيء عليه ؛ لكون ليلة العيد خارجة عن العشر ، والعشر تزول بغروب شمس آخر يوم من ليلة الفطر .

    ـ المسألة الخامسة :
    1- شرط صحة الاعتكاف أهلية المعتكف للعبادة ( الإسلام - العقل - التمييز - النية ) .
    2- الطهارة من الحيض والنفاس بالنسبة للنساء ؛ وهو قول الجمهور ، والدليل قياس الحائض والنفساء على الجنب قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا .. } .
    3- المسجد الذي ؛ لقوله تعالى : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} ، وقد أجمع العلماء على ذلك فيما حكاه القرطبي عنهم . ويخص المسجد بما تقام فيه الجماعة في قول عامة التابعين على ما حكاه عنهم شيخ الإسلام رحمه الله .
    4- إذن الزوج للزوجة ، وإذن السيد لرقيقه ؛ لحديث عائشة في الصحيحين .

    ـ المسألة السادسة :
    خروج المعتكف من المسجد بلا عذر بجميع البدن مبطل لاعتكافه ، بالإجماع .
    والخروج لعذر معتاد شرعاً ؛ كصلاة الجمعة إذا كان المسجد لا تقام فيه صلاة الجمعة ، أو طبعاً كقضاء الحاجة ، أو لأكل أو شرب إن لم يخصص له من يأتيه به ، أو لعذر غير معتاد ؛ كأداء شهادة ، وخروجه لقربة كعيادة مريض وصلاة جنازة إن أشترطها ، لا يبطل الاعتكاف .

    ـ المسألة السابعة:
    يجوز للمعتكف أن يشترط خروجه من معتكفه إمام عاماً أو بخصوص أفعال معينة مما لا تنافي الاعتكاف .

    ـ المسألة الثامنة :
    يبطل الاعتكاف بالجماع ، وبإنزال المني من جماع أو مباشرة أو استمناء أو تكرار نظر - لا إن احتلم - وبالردة _ والعياذ بالله _ وبالسُكر .

    ـ المسألة التاسعة :
    لا يبطل الاعتكاف بطروء الحيض أو النفاس ، أو الجنون أو الإغماء .

    ـ المسألة العاشرة :
    يباح للمعتكف ما يحتاجه عادة كالأكل في المسجد وأخذ الزينة في البدن والثوب ونحو ذلك ما لم يلوِّث المسجد .

    7- زكاة الفطر :

    • حكمها : زكاة الفطر فريضة على كل مسلم ؛ الكبير والصغير ، والذكر و الأنثى ، و الحر والعبد ؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر ، أو صاعاً من شعير ؛ على العبد والحر ، والذكر والأنثى ، والصغير والكبير من المسلمين . و أمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة " أخرجه البخاري .

    فتجب على المسلم إذا كان يجد ما يفضل عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته ، فيخرجها عن نفسه ، وعمن تلزمه مؤنته من المسلمين كالزوجة والولد .
    و الأولى أن يخرجوها عن أنفسهم إن استطاعوا ؛ لأنهم هم المخاطبون بها .

    أما الحمل في البطن فيخرج عنه لما روي عن عثمان _ رضي الله عنه _ .

    • حكم إخراج قيمتها : لا يجزئ إخراج قيمتها ، وهو قول أكثر العلماء ؛ لأن الأصل في العبادات هو التوقيف ، ولم يثبت عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ أو أحدٍ من أصحابه أنه أخرج قيمتها ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " أخرجه مسلم .

    • حكمة زكاة الفطر : ما جاء في حديث عبدالله بن عباس _ رضي الله عنهما _ قال : " فرض رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث ، وطعمة للمساكين . من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات " أخرجه أبوداود وابن ماجة .

    • جنس الواجب فيها : طعام الآدميين ؛ من تمر أو بُر أو أرز أو غيرها من طعام بني آدم .
    قال أبو سعيد الخدري _ رضي الله عنه _ : " كنا نخرج يوم الفطر في عهد رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ صاعاً من طعام ، وكان طعامنا الشعير والزبيب و الأقط والتمر " أخرجه البخاري .

    • وقت إخراجها : قبل العيد بيوم أو يومين كما كان الصحابة يفعلون ؛ فعن نافع مولى ابن عمر _ رضي الله عنهما _ أنه قال في صدقة التطوع : " و كانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين " أخرجه البخاري ، وعند أبي داود أنه قال : " فكان ابن عمر يؤديها قبل ذلك باليوم واليومين ".

    وآخر وقت إخراجها صلاة العيد ، كما سبق في حديث ابن عمر ، وابن عباس _ رضي الله عنهم _ .


    • مقدارها : صاع عن كل مسلم لحديث ابن عمر السابق .

    والصاع المقصود هو صاع أهل المدينة ؛ لأن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ جعل ضابط ما يكال ، بمكيال أهل المدينة كما في حديث ابن عمر _ رضي الله عنهما _ قال : قال رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ : " المكيال على مكيال أهل المدينة والوزن على وزن أهل مكة " أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح .

    والصاع من المكيال ، فوجب أن يكون بصاع أهل المدينة في زمن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ .

    ومن هنا فالواجب أن تستمر سنة الكيل وأن يؤخذ بالصاع ، وأن لا يركن إلى الوزن ؛ لأن الوزن غير الكيل ، ولذا قد يختلف التقدير ، وإحياء السنة أولى وأحرى .
    وكل من قدر الكيل بالوزن فإنما قدر تخميناً ،

    و خرجت بالجدول الآتي :
    وقد قدرها أخونا الكريم فضيلة الشيخ يوسف بن عبد الله الأحمد وفقه الله تعالى ، فجاءت عنده كالتالي :
    وزن الصاع منه بالكيلو نوع الطعام
    2.510 أرز مزة
    2.490 أرز بشاور
    2.730 أرز مصري
    2.430 أرز أمريكي
    2.220 أرز أحمر
    2.800 قمح
    2,380 حب الجريش
    2.620 حب الهريس
    1.760 دقيق البر
    2.340 شعير
    1.920 تمر ( خلاص ) غير مكنوز
    2,672 تمر ( خلاص ) مكنوز
    1.850 تمر ( سكري ) غير مكنوز
    2.500 تمر ( سكري ) مكنوز
    1.480 تمر ( خضري ) غير مكنوز
    2.360 تمر ( خضري ) مكنوز
    1,680 تمر ( روثان ) جاف
    2.800 تمر ( مخلوط ) مكنوز

    وقال وفقه الله : وأنبه هنا أن تقدير أنواع الأطعمة هنا بالوزن أمر تقريبي ؛ لأن وضع الطعام في الصاع لا ينضبط بالدقة المذكورة . والأولى كما أسلفت أن يشيع الصاع النبوي بين الناس ، ويكون مقياس الناس به .

    • المستحقون لزكاة الفطر : هم الفقراء والمساكين من المسلمين ؛ لحديث ابن عباس _ رضي الله عنهما _ السابق : " .. وطعمة للمساكين " .

    • تنبيه : من الخطأ دفعها لغير الفقراء و المساكين ، كما جرت به عادة بعض الناس من إعطاء الزكاة للأقارب أو الجيران أو على سبيل التبادل بينهم و إن كانوا لا يستحقونها ، أو دفعها لأسر معينة كل سنة دون نظر في حال تلك الأسر ؛ هل هي من أهل الزكاة أو لا ؟ .

    • مكان دفعها تدفع إلى فقراء المكان الذي هو فيه ، و يجوز نقلها إلى بلد آخر على قول بعض أهل العلم ...


    وأخيراً : نصائح عامة :

    إننا لا ندري أيها الأحبة ما يعرض لنا ، وهل سندرك رمضان فتغفر لنا ذنوبنا ؟ وهل لنا أن نعيش حنى ندرك غيره ؟
    فالله الله في الاجتهاد ، وأخص أخواتي النساء .. إياكن وإضاعة الأوقات الشريفة في قيل وقال وطبخ ونوم وزيارات وتلفاز وأسواق ، فعما قليل أنتن راحلات ، فقدمن لأنفسكن من قبل أن يأتيكن يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ...
    وأنتم أيها الشباب حذار وأن تكونوا أعواناً لإبليس لمّا صفدت مردته ... إياكم وأن تضيعوا أوقاتكم ما بين سهر ولعب وطرب وتفاهات .. فإن من ورائكم يوماً ثقيلاً ، وإني لمحب لكم وناصح ومشفق ، فالله الله ، يا رعاكم الله ..

    إن أمتنا تمر بأحلك ظروفها إحن ومحن وفتن وظلم وطغيان وتجبر وقهر ... وكل منا على ثغره فليتق كل منا ربه ، وليبدأ بصلاح نفسه ، وشهر القربات فرصة للإقبال والتوبة والتخفف من الذنوب ... ولنلهج بالدعاء الصادق من قلوب خاشعة بأن يرفع الله عنا الضر وهو أرحم الراحمين ..

    ثم إياكم والفتور عن الطاعة ، فإنه ما إن يبدأ الشهر الكريم إلا وترى الناس أفواجاً في المساجد يصلون ويتطعون ويتصدقون ويقرأون القرآن ... فإذا ما انتصف الشهر تخزع الناس وقل إقبالهم .. وكان الواجب أن يستزيدوا .. إنه شهر واحد وأيام قلائل فلنحبس أنفسنا على الطاعة ...

    هذا ما تيسر جمعه ، والله تعالى أسأل أن يخلص لي ولكم النية والذرية ، وأن يمن علينا بعمل صالح متقبل وأن يتوب علينا ويغفر لنا ولوالدينا ، وأن يكشف عن أمتنا الضر إنه سميع قريب مجيب ،
    ولله الأمر من قبل ومن بعد ... والحمد لله رب العالمين .
     

مشاركة هذه الصفحة