:::::::::سلسلة دروس رمضان :::::

الكاتب : علي المآربي   المشاهدات : 7,898   الردود : 12    ‏2005-10-03
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-10-03
  1. علي المآربي

    علي المآربي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-03-10
    المشاركات:
    5,835
    الإعجاب :
    0
    أولها أحكام الصيام

    أحكام الصيام




    أعدها
    عبدالرحمن بن محمد بن علي الهرفي
    الداعية بمركز الدعوة والإرشاد بالدمام

    الطبعة الأولى
    1421هـ












    إنِ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ :
    " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ"
    " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا "
    " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا " أَمَّا بَعْدُ :
    فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ ( ) . هذه جملة من آداب الصيام وأحكامه أردت بها المذاكرة مع إخواني من طلبة العلم ، وفها جملة من الآداب والأحكام المتعلقة بالصيام . وذكرت الآداب من باب التذكير والعظة ، وأما الأحكام فشرطي فيها هو الجمع لكل أحكام الصيام مع بيان الحكم بالدليل مع مرعاة الاختصار في هذا كله ، وسأخرج الأحاديث من مصدر واحد فقط ؛ وسأحرص على الحكم عليها ما أمكن . ويندر أن أطيل في المسائل وقد أذكر المسألة عرضا ضمن غيرها من المسائل . وهذا البحث كنت قد قيدته منذ أربع سنوات تقريبا وما زلت أزيد فيه وأنقص حتى ظهر بهذا الشكل الذي أسأل الله تعالى أن يكون لائقا .
    وإني آمل من كل من وجد خطأ أو ظهر له أني نسيت مسألة أن لا يبخل بها عليّ ونعم الهدية هي ، فإن طالب العلم ما لايزال يبحث المسألة ويتحرى الدليل وفهم وجه الأستدلال منه والذي قد يغيب عنه تارة ويظهر له أخرى ، وكم مسألة تجد أن طالب العلم يقول بها ثم يرجع عنها لظهور معارض أو وقوفه على دليل لم يقف عليه من قبل أو زوال إشكال كان عنده في قول آخر ، وكل هذا من ضعف بني آدم وقلة ما أتوي من العلم .
    وإني أتقدم بجزيل الشكر والتقدير للأخوين الفاضلين وهما الشيخ عبدالله زقيل عبى ما أسدى من ملحوظات على البحث وكذا الشيخ أسامة بن عطايا بن عثمان الذي خرج حديث القئ فجزاهما الله خير الجزاء .
    وكتبه
    عبدالرحمن بن محمد بن علي الهرفي
    a_alharfi@hotmail.com
    تعريف الصيام :
    لغة : الإمساك
    شرعا : قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ : امساك مخصوص في زمن مخصوص من شيء مخصوص بشرائط مخصوصة .
    وقال العلامة العثيمين : هو التعبد لله سبحانه وتعالى بالإمساك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من طلوع الفجر وإلى غروب الشمس.( )
    قلت : ولفظ التعبد يفرق به بين الممتنع عن الطعام والشراب والجماع فقط بلا نية وبين من نوى ، وهو ضابط جيد .

    أدلة وجوب الصيام :

    1. من الكتاب قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "
    وقال تعالى : " شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "
    2. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لاإِلَهَ إِلااللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ" ( ).
    3. الاجماع : أجمعت الأمة على وجوب صيام رمضان على المسلمين وأن من أنكر
    وجوبه كفر( ) .




    حكم تارك الصيام :
    قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى : وعند المؤمنين مقرر أن من ترك صوم رمضان من غير عذر أنه شرّ من الزاني ومدمن الخمر ، بل يشكّون في إسلامه ، ويظنّون به الزندقة والانحلال . وقال شيخ الإسلام رحمه الله : إذا أفطر في رمضان مستحلا لذلك وهو عالم بتحريمه استحلالا له وجب قتله ، وإن كان فاسقا عوقب عن فطره في رمضان . ( )

    الحكمة من مشروعية الصيام :
    1. أن فيه تضييقا لمجارى الشيطان في بدن الإنسان فيقيه غالبا من الأخلاق الرديئة ويزكي نفسه .
    2. فيه تزهيد في الدنيا وشهواتها وترغيب في الآخرة .
    3. فيه باعث على العطف على المساكين والإحساس بأحوالهم .
    4. فيه تعويد النفس على طاعة الله جل وعلا بترك المحبوب تقربا لله

    جملة من آداب الصيام :
    بعض الآداب العامة :
    إن لكل عبادة آدابا و أحكاما ؛ وهذه جملة من آداب الصيام قال رسول الله ـ صلى الله عليه و آله و سلم ـ : " الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَجْهَلْ وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ ـ مَرَّتَيْنِ ـ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا " ( )قوله : (الصِّيَامُ جُنَّةٌ) زاد سعيد بن منصور عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد " جُنَّةٌ مِنْ النَّارِ " وللنسائي من حديث عائشة مثله وله من حديث عثمان بن أبي العاص " الصيام جنة كجنة أحدكم من القتال " ولأحمد من طريق أبي يونس عن أبي هريرة " جنة وحصن حصين من النار " وله من حديث أبي عبيدة ابن الجراح " الصيام جنة ما لم يخرقها " زاد الدارمي " بالغيبة " وبذلك ترجم له هو وأبو داود ، وقد تبين بهذه الروايات متعلق هذا الستر وأنه من النار ، وبهذا جزم ابن عبد البر . وأما صاحب " النهاية " فقال : معنى كونه جنة أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات . وقال القرطبي : جنة أي سترة ، يعني بحسب مشروعيته ، فينبغي للصائم أن يصونه مما يفسده وينقص ثوابه ، وإليه الإشارة بقوله " فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث إلخ " ، ويصح أن يراد أنه ستره بحسب فائدته وهو إضعاف شهوات النفس ، وإليه الإشارة بقوله " يدع شهوته إلخ " ، ويصح أن يراد أنه سترة بحسب ما يحصل من الثواب وتضعيف الحسنات . وقال عياض في " الإكمال " : معناه سترة من الآثام أو من النار أو من جميع ذلك وقال ابن العربي : إنما كان الصوم جنة من النار لأنه إمساك عن الشهوات ، والنار محفوفة بالشهوات . فالحاصل أنه إذا كف نفسه عن الشهوات في الدنيا كان ذلك ساترا له من النار في الآخرة . وفي زيادة أبي عبيدة بن الجراح إشارة إلى أن الغيبة تضر بالصيام ، وقد حكى عن عائشة ، وبه قال الأوزاعي : إن الغيبة تفطر الصائم وتوجب عليه قضاء ذلك اليوم . وأفرط ابن حزم فقال : يبطله كل معصية من متعمد لها ذاكر لصومه سواء كانت فعلا أو قولا ( )، لعموم قوله " فلا يرفث ولا يجهل " ولقوله في الحديث الآتي بعد أبواب " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " والجمهور وإن حملوا النهي على التحريم إلا أنهم خصوا الفطر بالأكل والشرب والجماع ( )) . قال النسائي : قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الصَّوْمُ جُنَّةٌ مَا لَمْ يَخْرِقْهَا ( ) .
    والرفث : الكلام الفاحش وكذا الجماع ، والجهل : الصياح والسفه .
    ويكون خلوف فم الصائم أطيب من ريح المسك في الآخرة للحديث الذي أخرجه الإمام أحمد عن أَبَي هُرَيْرَةَ عن رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ وفيه : " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ "قال الإمام العز بن عبد السلام : ـ رحمه الله ـ مثل المجاهد يثعب جرحه دما ؛ اللون لون دم والريح ريح مسك .
    والصيام اختص به الله تعالى لأن فيه سرية ؛ وأن مداره على القلب و قيل انفرد بمعرفة مقدار ثوابه وبضعف حسناته حيث أن باقي الأعمال الحسنة بعشر إلى سبعمائة ضعف أما الصيام فهو لله تعالى يثيب عليه بغير تقدير .
    و إن من الأحاديث التي تُرهّب من عمل الذنوب في نهار رمضان قوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ : " رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلا الْجُوعُ وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلا السَّهَرُ"( )و قوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ:"مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ" ( ) فمغبون من صام و لم يكتب له شيء من الأجر .
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ "

    فضل الصيام :
    عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا " ( )
    عَنْ عَامِرِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ " ( )
    عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ " ( ).

    فضل شهر رمضان :
    عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ "( ).
    عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ) .
    يبدأ وجوب الصوم :
    ويبدأ صيام شهر رمضان بدخوله وذلك بشهادة عدل ثقة قوى البصر ويكفى إخباره بذلك
    لما روي عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : ( تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ ) ( ).
    أو بإكمال عدة شهر شعبان ثلاثين يوما لأن الشهر لا يزيد عن ثلاثين لما روي عن ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ وَلا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلاثِينَ "
    و يبدأ صيام كل يوم بطلوع الفجر الصادق و هو أشعة أفقية تخرج من الشمال للجنوب ويزيد نورها ولا يقل ، وإذا دخل الفجر يجب على الصائم الامتناع عن الطعام و الشراب . أما ما يفعله بعضهم من الامتناع قبل عشرة دقائق أو أكثر فإنه بدعة منكرة كما أفتى بذلك سماحة الوالد الشيخ ابن باز و العثيمين . ويستمر إلى دخول وقت صلاة المغرب لقوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ : " إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ " ( ).ومن أفطر في أحد أيام رمضان قبل دخول وقت المغرب بغير عذر فقد أتى كبيرة عظيمة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا التي رآها : " حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا بأصوات شديدة ، قلت : ما هذه الأصوات ؟ قالوا : هذا عواء أهل النار ، ثم انطلق بي ، فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم ، مشققة أشداقهم ، تسيل أشداقهم دما ، قال : قلت : من هؤلاء ؟ قال : الذين يُفطرون قبل تحلّة صومهم " أي قبل وقت الإفطار( )

    أهل الصيام :
    يجب الصيام على كل مسلم عاقل بالغ قادر مقيم ، ولا يجب على الصغير ويصح منه( )وله أجر الصيام على الصحيح ـ ولوالديه أجر التعليم والتربية والحث على الصيام ـ ولا يصح من مجنون ولا شيخ خرف ولو صاماه ، ولا يجوز من حائض ولا نفساء .


    من يجوز لهم الفطر وأحكامهم :
    1. المسافر : وهو من فارق البنيان بنية السفر ويجوز له الفطر إذا عزم عزما أكيدا على سفره قال تعالى : " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " والعلة في الفطر السفر وليست المشقة فكل سفر يجوز فيه الفطر ولو كان سفرا مريحا بالطائرة أو بغيرها .
    ومسألة متي يفطر الصائم فيها خلاف والراجح هو ما ذكرنا وهو أنه يبدأ من حيث عزم على السفر للحديث للأحاديث والآثار التالية : أولا ما أخرجه الترمذي وغيره عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ أَتَيْتُ أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا وَقَدْ رُحِلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ فَقُلْتُ لَهُ سُنَّةٌ قَالَ سُنَّةٌ( ) ثُمَّ رَكِبَ ) ( ) ، قال ابن العربي في العارضة : هذا الحديث صحيح ولم يقل به إلا أحمد , أما علماؤنا فمنعوا منه , … وأما حديث أنس فحديث صحيح يقتضي جواز الفطر مع أهبة السفر لكن بقي لكن بقي الكلام في قوله إنها سنة هل يقتضي أن ذلك مقتضى الشرع والدليل أنه حكم رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ لاحتماله .. والصحيح أنه يقتضى به لأن قول أنس هي سنة يبعد أن يراد به اجتهادي وما قتضاه نظري فلم يكن بدا من أن يرجع إلى التوقف . ( )
    ثانيا : ما رواه أبو داود وغيره عن جَعْفَرٌ ابْنُ جَبْرٍ قَالَ : ( كُنْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ صَاحِبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفِينَةٍ مِنْ الْفُسْطَاطِ فِي رَمَضَانَ فَرُفِعَ ثُمَّ قُرِّبَ غَدَاهُ قَالَ جَعْفَرٌ فِي حَدِيثِهِ فَلَمْ يُجَاوِزْ الْبُيُوتَ حَتَّى دَعَا بِالسُّفْرَةِ قَالَ اقْتَرِبْ قُلْتُ أَلَسْتَ تَرَى الْبُيُوتَ قَالَ أَبُو بَصْرَةَ أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ جَعْفَرٌ فِي حَدِيثِهِ فَأَكَلَ) ( ). وقال الشوكاني في النيل : وهذان الحديثان يعني حديث أنس وحديث عبيد بن جبر يدلان على أنه يجوز للمسافر أن يفطر قبل خروجه من الموضع الذي أراد السفر منه …والحق أن قول الصحابي من السنة ينصرف إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم , وقد صرح هذان الصحابيان بأن الإفطار للمسافر قبل مجاوزة البيوت من السنة ( )
    ثالثا : ما أخرجه أبو داود وغيره عَنْ مَنْصُورٍ الْكَلْبِيِّ ( أَنَّ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ ـ رضي الله عنه ـ خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ دِمَشْقَ مَرَّةً إِلَى قَدْرِ قَرْيَةِ عُقْبَةَ مِنْ الْفُسْطَاطِ وَذَلِكَ ثَلاثَةُ أَمْيَالٍ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ إِنَّهُ أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ مَعَهُ نَاسٌ وَكَرِهَ آخَرُونَ أَنْ يُفْطِرُوا فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قَرْيَتِهِ قَالَ : وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْيَوْمَ أَمْرًا مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَرَاهُ إِنَّ قَوْمًا رَغِبُوا عَنْ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ يَقُولُ ذَلِكَ لِلَّذِينَ صَامُوا ثُمَّ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ اللَّهُمَّ اقْبِضْنِي إِلَيْكَ) ( ) قال العلامة المحدث الشيخ ناصر الدين وهو قول ابن عبدالبـر والقرطبي ( )ـ رحمهم الله ـ ومن خلال هذه الآثار الثلاث يظهر جليا لكل منصف أن الفطر في السفر يكون قبل الخروج من البلد وذلك لمن أراد الفطر ، حيث أن الصحابة الثلاث ذكروا أنه سنة وحكمه الرفع يقينا .

    وأيهما الأفضل الفطر أم الصيام ؟
    فيه خلاف قال بعض العلماء الأرفق به هو الأفضل فأيهما شاء فعل ؛ ولكن القول بأن الفطر أفضل قول قوي جدا ـ وهو الأقرب ـ لما رواه الإمام أحمد في مسنده ـ رحمه الله ـ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ " ( ) وهذه رخصه من رخص الله ، وهو اختيار الإمام أحمد وشيخ الاسلام ابن تيمية وسماحة العلامة عبدالعزيز ابن باز ـ رحمهم الله ـ ، وذهب الظاهرية إلى بطلان صيام من صام لظاهر الآية "فعدة من أيام أخر " وظاهر الآية يوافق مذهبهم ؛ ولكن لا معول عليه لما ثبت أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ صام في السفر وفعله حجة قاطعة ؛ وليس خاصا به فقد صام معه ابن رواحة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ كما سيأتي .
    وقلنا بجواز الأمران لما ثبت في الصحيين أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ صام في السفر فقد أخرج البخاري عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ : ( خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلا مَا كَانَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَابْنِ رَوَاحَةَ ) ( ).
    ويحرم الصيام على من خشي عليه الهلاك أو من شق عليه الصيام وفي مثل هذا ورد النص الصريح فقد أخرج مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ : أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ ـ وفي رواية أخرى ـ وَزَادَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ ) ( ). ولحديث الترمذي " لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ " وهذا فيمن شق عليه .
    قَالَ أَبُو عِيسَى : قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ " وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ حَتَّى رَأَى بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ إِذَا صَامَ فِي السَّفَرِ وَاخْتَارَ أَحْمَدُ وَإِسْحَقُ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ و قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ إِنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَحَسَنٌ وَهُوَ أَفْضَلُ وَإِنْ أَفْطَرَ فَحَسَنٌ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ . وقَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ وَقَوْلِهِ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا فَقَالَ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ فَوَجْهُ هَذَا إِذَا لَمْ يَحْتَمِلْ قَلْبُهُ قَبُولَ رُخْصَةِ اللَّهِ فَأَمَّا مَنْ رَأَى الْفِطْرَ مُبَاحًا وَصَامَ وَقَوِيَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ أَعْجَبُ إِلَيَّ .
    2. المريض : يجوز للمريض الفطر إن كان لا يستطيع الصيام وحصل له مشقة بالصيام ، أو أخبره طبيب عالم بالطب ولو غير مسلم ـ والطبيب المسلم الأمين أولى من غيره ـ أنه إن صام زاد عليه المرض أو يخشى عليه من الهلاك فلا يجوز له الصيام عند جمع من العلماء لما أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى " أَنْ لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ" ( )وقال ـ صلى الله عليه و آله وسلم ـ " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ " ولابد للمريض من قضاء الأيام التي فاتته إذا شفاه الله تعالى . وفي حكم المريض المرضع والحامل .
    أما إن كان المريض ممن لا يرجى زوال مرضه فيطعم فقط عن كل يوم مسكيناً وكذا الشيخ والشيخة قال تعالى : " فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ " أخرج البخاري عن ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ أنه قال : ( لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا( )) .
    قال الشيخ العلامة عبدالعزيز ابن باز ـ رحمه الله ـ والمغمى عليه حكمه حكم المجنون والمعتوه فإن أسترد وعيه لا قضاء عليه إلا إن كانت الإغماء مدة يسيرة كاليوم أو اليومين أو الثلاثة على الأكثر فلا بأس بالقضاء احتياطا وإما إن طالت المدة فهو كالمعتوه لا قضاء عليه ، وإن رد الله عقله عليه يبتدئ العمل( ) . قلت : هو كما قال الشيخ الإمام المغمى عليه حكمه حكم المعتوه فليس بمكلف والقول بقضاء اليومين والثلاثة قول لطيف وإلا لو قيل لا قضاء عليه لأنه حال التكليف لم يكن مخاطبا قول قويا جدا . ولعل أن من مقضى النظر أن من أجريت له عملية جراحية وخدر لساعات طويلة جدا أو وقع تحت تأثير المخدر لأيام أن حكمه حكم المغمى عليه ، وهذا بخلاف السكران أو من استعمل المخدرات فهو مخاطب بالشرع .
    ولا يجوز للمكلف أن يفطر لكونه عاملا لكن إن لحق به مشقة عظيمة اضطرته إلى الإفطار في أثناء النهار فإنه يفطر بما يدفع المشقة ثم يمسك إلى الغروب ؛ ويقضي ذلك اليوم الذي أفطره . ( )وقال الشيخ ابن باز ـ رحمه الله ـ : أما أصحاب الأعمال الشاقة فإنهم داخلون ضمن المكلفين ، وليسوا في معنى المرضى والمسافرين فيجب عليهم تبيت النبية نية صوم رمضان بأن يصبحوا صائمين ومن اضطر منهم للفطر أثناء النهار فيجوز له أن يفطر بما يدفع اضطراره …. ومن لم يحصل له الضرورة وجب عليه الاستمرار في الصيام هذا ما تقتضيه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة .. ( ) وهنا فائدة لطيفة وهي قول الشيخ أنه لابد من تيت النية ولو كان يغلب على ظنه أن العمل مرهق جدا فقد ييسر الله له إتمام ذلك اليوم .
    ولا يجوز تقديم الإطعام في شعبان مثلا لأن الشهر لم يدخل بعد ، ولكن يجوز في أول رمضان لأن الشهر إذا دخل وجب على المسلم صيامه كله وصار في ذمته ـ ما دام أنه مستطيع ـ فجاز له تقديم الإطعام بخلاف من أطعم في شعبان فإن الشهر لم يدخل في الذمه والأولى أن يطعم كل يوم بيومه أو يؤخره كله إلى آخر رمضان كما فعل أنس فعَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ كَبِرَ حَتَّى كَانَ لا يَقْدِرُ عَلَى الصِّيَامِ فَكَانَ يَفْتَدِي( ) .
    ويطعم عن كل يوم مسكينا وهي وجبة مشبعة إن كان مطبوخا أو نصف صاع من أرز (1,5 كجم ) مع شيء من الإدام على أن يكون المسكين مسلماً . ويجوز أن يطعم نفس المسكين عن كل أيامه . على أن لا يكون ممن تلزمه نفقتهم كالخدم والعمال ونحوهم فضلا عن بعض من يعلوهم من أهله و أرحامه .
    وأما من أفطر من غير عذر فقد أتى كبيرة من كبائر الأثم والعدوان ، وأنتهك حرمة من حرمات الله جل وعلا وتقدس . فيجب عليه التوبة أولا ثم القضاء . ولكن شتان بين من صام رمضان ومن أفطر من غير عذر ثم قضى أخرج الدارمي عن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ رَخَّصَهُ اللَّهُ لَهُ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صِيَامُ الدَّهْرِ " ( ).
    ويجب الفطر على الحائض والنفساء وكذا من تحتم عليه إنقاذ معصوم من الموت ولم يستطع إلا بالفطر فيجب عليه الفطر لإنقاذ المعصوم لأن إنقاذ معصوم من الموت أولى من صيام يوم . ومثاله من تبرع بدمٍ لمن خشي عليه من الموت وقيل له لابد من أن تأكل قبل التبرع فيفعل ولا أثم عليه . وعليهم جميعا القضاء فقط
    ويستحب لكل من أفطر ويقدر على القضاء ؛ سرعة القضاء ، و التتابع فيه من باب إبراء الذمة وذلك قبل صيام الستة من شوال ، فإن كان ما أفطره كثيرا كالنفساء مثلا جاز له صيام الستة من شوال قبل القضاء لعدم وجود دليل صريح يمنع ولقول عائشة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ ( كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلا فِي شَعْبَانَ . قَالَ : يَحْيَى الشُّغْلُ مِنْ النَّبِيِّ أَوْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ( ). ويبعد أن مثل أم المؤمنين تترك مثل هذا الأجر العظيم والذي يحرص عليه عوام المسلمين في زماننا فكيف بخير القرون ؟؟ .
    وكذا من لم يتعمد ترك شيء من صيام رمضان فهو كمن صامه فينطبق عليه حديث أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ" ( ) .
    فإن أخر القضاء حتى دخل عليه رمضان آخر فله حكمان : الأول أخره لعذر فعليه القضاء فقط ، والثاني أخره بغير عذر فعليه القضاء مع التوبة من هذه المعصية فقط .

    ومن مات وعليه صيام انقسم لعدة أقسام :
    1. دخل عليه رمضان وهو مريض مرضا يرجى زواله ثم مات وهو لم يشف بعد فلا شيء عليه ، لأنه صار كالذي مات قبل أن يدركه رمضان . وقال به الإمام عبدالعزيز ابن باز ـ رحمه الله ـ والعلامة محمد العثيمين .
    2. دخل عليه رمضان وهو مريض مرضا يرجى زواله ثم مات بعدما شفي ولم يقض فهذا مفرط ، وعلى وليه أن يطعم عنه إن شاء .
    3. دخل عليه رمضان وهو مريض مرضا لا يرجى زواله ثم مات فيطعم عنه فقط .
    4. من مات وعليه صوم نذر صام عنه وليه لحديث عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ " وقد خصه الإمام أحمد بالنذر فقط ، والأصل أنه لا يصوم أحد عن أحد وكذا كل العبادات إلا ما استثني كصيام النذر والحج . وكَانَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يُسْأَلُ هَلْ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ أَوْ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ؟؟ فَيَقُولُ : لا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ . ( )

    حكم من دخل رمضان وقد بقي عليه أيام من رمضان السابق :
    إن كان ترك القضاء تهاونا فعليه التوبة والقضاء ، أما من ترك القضاء لأسباب شرعية ككثرة السفر أو المرض أو مرضع مشتغلة بولدها أو حامل أو غير ذلك فعليه القضاء فقط



    من أحكام النية في الصيام :
    1. تُشترط النية في صوم الفرض وكذا كلّ صوم واجب كالقضاء والكفارة لحديث حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ لَمْ يُجْمِعْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلا صِيَامَ لَهُ " ( ) ، ويجوز أن تكون النية في أي جزء من الليل ولو قبل الفجر بلحظة . والنية عزم القلب على الصيام من الغد ، والتلفظ بها بدعة وكل من علم أن غدا من رمضان وهو يريد صومه فقد نوى( ).
    2. من نوى الإفطار أثناء النهار ولم يُفطر فقال بعض أهل العلم أن صيامه لم يفسد وهو بمثابة من أراد الكلام في الصلاة ولم يتكلم . وذهب آخرون من أهل العلم ـ وهو الصحيح ـ إلى أنه يُفطر بمجرد قطع نيته ، فالواجب عليه أن يقضي ؛ وقد يفرق من نوى القطع ثم تاب من وقته فهو متردد ؛ وبين من نوى القطع ثم لم يجد ما يفطر عليه ؛ فهو مفطر بلا ريب لأنه عازم ( ) .
    3. أما الردّة فإنها تُبطل النية بلا خلاف ، كمن سب ربه جل وعلا أو نبيه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ أو دينه أو قال عن نفسه أنه نصراني أو يهودي أو أنه كافر بدين الله أو سجد لغير الله أو فعل أي فعل يستوجب الكفر الأكبر ـ والعياذ بالله ـ . قال ابن قدامة ـ رحمه الله ـ : لا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن من ارتد عن الإسلام في أثناء الصوم ،أنه يفسد صومه ،وعليه قضاء ذلك اليوم ،إذا عاد إلى الإسلام . سواء أسلم في أثناء اليوم ،أو بعد انقضائه ،وسواء كانت ردته باعتقاده ما يكفر به ،أو شكه فيما يكفر بالشك فيه ،أو بالنطق بكلمة الكفر ،مستهزئا أو غير مستهزئ ،قال الله تعالى : "وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ " . وذلك لأن الصوم عبادة من شرطها النية ،فأبطلتها الردة ،كالصلاة والحج ،ولأنه عبادة محضة ،فنافاها الكفر ،كالصلاة ) ( ).
    4. صائم رمضان يحتاج إلى تجديد النية في كلّ ليلة من ليالي رمضان ويكفي أن يخطر بقلبه أنه من الغد صائم وهذا هو الأصل في كل مسلم .
    ويظهر أثر الخلاف بين أهل العلم في هذه المسألة فيمن نام من قبل المغرب واسفاق بعد الفجر فالراجح أن يومه الذي أستفاق فيه لا يصح صيامه منه لعدم النية .
    5. النفل المطلق لا تُشترط له النية من الليل لحديث عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ قَالَتْ :قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ : " يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ " قَالَتْ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ . قَالَ : فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَتْ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ( )قَالَتْ : فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌوَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا قَالَ : مَا هُوَ قُلْتُ حَيْسٌ قَالَ هَاتِيهِ فَجِئْتُ بِهِ فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ : قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا " ( )
    وأما النفل المعيّن كعرفة وعاشوراء فالأحوط أن ينوي له من الليل ، ومذهب شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ أن من صام صيام تطوع معين كعرفة وهو لم ينو من الليل أنه لا يصح منه صيام عرفة ويكون له كصيام أي يوم آخر ؛ لأنه لم ينو وإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى .
    6. فإن كان من الغد يوم الشك ونام قبل أن يتبين أنه من الغد رمضان أم لا علّق النية إن كان من رمضان فهو يومه لأن هذا وسعه و" لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا " ولأنه جازم على الصيام ناو له ولكنه شاك في دخول الشهر فيكون ناويا على الصحيح .
    7.من شرع في صوم واجب ـ كالقضاء والنذر والكفارة ـ فلا بدّ أن يتمّه ، ولا يجوز أن يُفطر فيه بغير عذر . وأما صوم النافلة فإن الصائم أمير نفسه ويجوز له قطع صيامه ولو بغير عذر لقوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ : " الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِينُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ" ( )قال أبو عيسى الترمذي : وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الصَّائِمَ الْمُتَطَوِّعَ إِذَا أَفْطَرَ فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ إِلا أَنْ يُحِبَّ أَنْ يَقْضِيَهُ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَقَ وَالشَّافِعِيِّ . وبلا ريب أن الأفضل للصائم المتطوع أن يُتمّ صومه ما لم توجد مصلحة شرعية راجحة في قطعه .لقوله تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ "
    ولكن هل يُثاب من أفطر بغير عذر على ما مضى من صومه ؟ قال بعض أهل العلم بأنه لا يُثاب البتة . وقال غيرهم أنه إذا أفطر لمصلحة شرعية معتبرة فله أجر على فطره لا على صيامه ؛ كمن أفطر لمآنسة ضيف أو بر بأم ونحو ذلك . ولعل الأقرب أنه له الأجر على ما فات وكذا الأجر على إفطاره للمصلحة إن كان ثمة مصلحة .
    8. من نوى الصيام أثناء النهار هل يكتب له الأجر من حيث نوى أو من أول النهار ؟
    ذهب جمع من العماء أن الأجر من حيث نوى لعموم قوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ " إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى " وهو مذهب الحنابلة وهو الأقرب للحديث السابق ولأنه قبل النية لم يكن صائما . وذهبت طائفة أخرى إلى أن الأجر يكتب له من أول اليوم لأن الصيام عمل واحد فإن صحننا صيامه من نصف اليوم كان له الأجر ممن أول اليوم . وهذا قول الجد ابن تيمية ـ رحمه الله ـ .
    9. من لم يعلم بدخول شهر رمضان إلا بعد طلوع الفجر فعليه أن يمسك بقية يومه وعليه القضاء عند جمهور العلماء لقوله صلى الله عليه وسلم : " مَنْ لَمْ يُجْمِعْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلا صِيَامَ لَهُ " وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم ـ رحمهما الله ـ أن صيامه صحيح إذا أمسك فور معرفته بدخول الشهر . لأمور منها أن النية تتبع العلم وهو لم يعلم إلا في النهار . ثانيا أن صيام عاشوراء في أول الأمر كان واجبا ومع هذا لم يأمر النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ أحد بالقضاء أخرج البخاري عن سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ " أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ " قال الشيخ محمد الصالح العثيمين ـ متع الله المسلمين بحياته ـ : ولا شك أن تعليله قوي ـ رحمه الله ـ وله حظ قوي من النظر ، وكون الإنسان يقضي يوما ويبرئ ذمته عن يقين خيرا له ( ) . قلت : وكلام شيخ الإسلام متوجه وهو الأقرب للصواب لما ذكره الشيخ ـ رحمه الله ـ من الأدلة .
    10. لا حرج على من أكل وشرب ناسيا لما رواه البخاري وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ " ولعموم قوله تعالى : "رَبَّنَا لاتُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " ولما أخرجه مسلم عن سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ " وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ " قَالَ : دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ ، فَقَالَ ـ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا قَالَ فَأَلْقَى اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى "لايُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاوُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاتُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ " رَبَّنَا وَلاتَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ " وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا" قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ " وقال البخاري ـ رحمه الله ـ : بَاب الصَّائِمِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا وَقَالَ عَطَاءٌ : إِنْ اسْتَنْثَرَ فَدَخَلَ الْمَاءُ فِي حَلْقِهِ لابَأْسَ إِنْ لَمْ يَمْلِكْ( ).

    أحكام الليل في رمضان :
    1.يستحب تعجيل الفطور على قدر الطاقة لقوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ قَالَ : " لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ " وبين ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ أن العلة مخالفة اليهود لزيادة عند ابن ماجة حيث قال : "فإن اليهود يؤخِّرون "
    ويستحب له أن يفطر على رطبات فإن لم يجد فتمرات فإن لم يجد فيحسوا حسوات من الماء لحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٌ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ . أخرجه الترمذي .
    قَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُفْطِرُ فِي الشِّتَاءِ عَلَى تَمَرَاتٍ وَفِي الصَّيْفِ عَلَى الْمَاءِ .
    ويستحب له الدعاء عند فطره للحديث الذي رواه عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَا تُرَدُّ "
    2.ومما يستحب لصائم فعله السحور لقوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ : " تسحروا فإن في السحور بركة " و كلما كان قريبا من الفجر فهو أفضل لحديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ . قُلْتُ :كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ ؟ قَالَ : قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً . أخرجه البخاري .
    3.يصح صيام من أصبح على جنابة لما رواه البخاري أن أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قال : كُنْتُ أَنَا وَأَبِي فَذَهَبْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ قَالَتْ : أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ كَانَ لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلامٍ ثُمَّ يَصُومُهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ " قَالَ أَبُو عِيسَى : ( الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَقَ وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ التَّابِعِينَ إِذَا أَصْبَحَ جُنُبًا يَقْضِي ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ ) ، ويقاس عليه قياس أولى الحائض ، ولكن عليها أن تتبين من زوال العذر وانقضائه قبل الفجر . ولو أنقطع حيض الحائض من الليل قدمت السحور على الغسل ولا حرج حتى لو طلع الفجر . ( )

    مفسدات الصيام :
    1. الجماع : وهو الإيلاج في فرج أصلي سواءٌ دبرا كان أو قبلا، إمرأة كانت أو رجلا أو بهيمة ( ). وعليهما الكفارة على الترتيب لحديث أَبَي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :" بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ . قَالَ : مَا لَكَ قَالَ : وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا قَالَ لَا . قَالَ : فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ : لا فَقَالَ : فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا " والصحيح أن الكفارة على الرجل والمرأة خلافا لمن قال أن الكفار على الرجل فقط لأن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ لم يأمر المرأة بالكفارة ولا يجوز للنبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ تأخير البيان عن وقت الحاجة .
    فالجواب : أن الأصل أن المرأة مكلفة مثل الرجل وعليها ما عليه إلا ما أستثناه الشارع الحكيم بالنص عليه ؛ كعدم وجب الجمعة والجماعات ووجوب الحجاب مثلا .
    ولا يحل لموقع على أهله الإطعام إلا بفتوى عالم معتبر ويطعمهم نصف صاع عن كل يوم مع شيء من الإدام . أو أكلة مشبعة .
    فإن كان الزوج أجبرها وأكرهها على الجماع بالقوة وهي متمنعة رافضة أو هددها بالضرب أو الطلاق فعليه الكفارتين ولكنه لا يصوم عنها بل يعتق أو يطعم .
    هل الواجب عن كل يوم كفارة أم تكفي كفارة واحدة ؟
    لهذه المسألة صور هي :
    1. جامع ثم كفر ثم جامع في يوم آخر فيجب عليه كفارة أخرى قولا واحدا بلا خلاف معتبر .
    2. جامع ثم كفر ثم جامع من يومه فلا يجب عليه كفارة أخرى على الصحيح لأن اليوم لم يعد محترما في حقه وهو لا يسمى صائما مع كوننا نأمره بالأمساك . قال الشيخ محمد العثيمن ـ حفظه الله ـ : وهذا القول له وجه من النظر . لأن الجماع ورد على صوم غير صحيح( ) .
    3. جامع في يوم واحد عدة مرات ولم يكفر . فعليه كفارة واحد لأنه أبطل صيام يوم وانتهك يوما واحد فقط ولم يكفر فتتداخل الكفارت لأن الموجب واحد بلا خلاف .
    4. جامع في عدة أيام ولم يكفر . أختلف الأصحاب في هذه المسألة على قولين وكل قول قال به مذهب من المذاهب ولعل الأقرب هو أنه يجب عليه كفارة عن كل يوم لأنه انتهك حرمة عدة أيام فوجبت عليه عدة كفارات( ) .
    سئلت اللجنة الدائمة عمن جامع أربعة أيام من رمضان فهل الكفارة تكون عن كل يوم أو عن الأيام الأربعة ؟
    فأجابت اللجنة : عليه أربع كفارات عن كل يوم من الأربعة كفارة . ( )
    فإن جامع في غير رمضان كصيام واجب أو نفل فقد أساء ولا شيء عليه وعلة الكفارة حرمة الزمان والصيام مجتمعين على الصحيح .
    وقد يحتال بعضهم على الكفارة بأن يأكل ثم يجامع لظنه أن الكفار لا تلزم إلا من أفطر بالجماع فقط وبه قال بعضهم . وسئل شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ عن مثل هذا فقال : هذا أشد ممن جامع فقط لأنه متحايل على الشرع ، وقال : ذلك لأن هتك حرمة الشهر حاصلة في موضعين بل هي في هذا الموضع أشد لأنه عاصٍ بفطره أولا فصار عاصيا مرتين فكانت الكفارة عليه أوكد . ولأنه لو لم تجب الكفارة على مثل هذا لصار ذريعة إلى ألا يكفر أحد فإنه لا يشاء أحد أن يجامع في رمضان إلا أمكنه أن يأكل ثم يجامع بل ذلك أعون له على مقصوده فيكون قبل الغداء عليه كفارة وإذا تغذى هو وامرأته ثم جامعها فلا كفارة عليه . وهذا شنيع في الشريعة لا ترد بمثله . فإنه قد استقر في العقول والأديان أنه كلما عظم الذنب كانت العقوبة أبلغ وكلما قوي الشبه قويت ، والكفارة فيها شوب العبادة وشوب العقوبة وشرعت زاجرة وماحية فبكل حال قوة السبب يقتضي قوة المسبب . ثم المجامع كثيرا ما يفطر قبل الإيلاج فتسقط الكفارة عنه بذلك على هذا القول ـ يريد قول من لم يقل بالكفارة ـ وهذا ظاهر البطلان )( ) .
    ومن جامع ناسيا فلا شيء عليه لعموم قوله تعالى : "رَبَّنَا لاتُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " ولما أخرجه مسلم عن سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ " وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ " قَالَ : دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ ، فَقَالَ ـ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا قَالَ فَأَلْقَى اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى "لايُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاوُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاتُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ " رَبَّنَا وَلاتَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ " وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا" قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ " وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ : إِنْ جَامَعَ نَاسِيًا فَلاشَيْءَ عَلَيْهِ . ( ) وسئلت اللجنة الدائمة عمن جامع ناسيا فأجابت : إذا كان الواقع كما ذكرت من جماعك لزوجتك ناسيا الصيام فليس عليك قضاء ولا كفارة لأنك معذور بالنسيان وقد قال النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ : " إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ " والجماع في معنى ذلك . أ.هـ ( )
    وهنا مسألة لطيفة قد تخفى على البعض وهي حكم مسافر جامع أهله . وهذا قد يحدث كثيرا لمن سافر لمكة المكرمة ـ شرفها الله ـ أثناء شهر رمضان وبقى هناك زمنا ، فإن جامع مثله فما الحكم ؟؟ . قال الشيخ محمد العثيمين ـ متع الله المسلمين بحياته ـ : الذين يذهبون إلى العمرة ويصومون هناك ثم يجامع أحدهم زوجته في النهار ليس عليه كفارة ؛ لأنه مسافر والمسافر يباح له الفطر فيباح له الجماع والأكل … ( ) وهذا بخلاف من حل له الفطر ولكنه لم يفطر ثم جامع بعدما وصل بلده فهذا تجب عليه الكفارة قال ابن قدامة ـ رحمه الله ـ : ( أما إن نوى الصوم في سفره أو مرضه أو صغره ، ثم زال عذره في أثناء النهار ، لم يجز له الفطر ، رواية واحدة ، وعليه الكفارة إن وطئ . وقال بعض أصحاب الشافعي ، في المسافر خاصة : وجهان ؛ أحدهما ، له الفطر لأنه أبيح له الفطر في أول النهار ظاهرا وباطنا ، فكانت له استدامته ، كما لو قدم مفطرا . وليس بصحيح ؛ فإن سبب الرخصة زال قبل الترخص ، فلم يكن له ذلك ، كما لو قدمت به السفينة قبل قصر الصلاة ـ أي لا يحل له القصر ـ ، وكالمريض يبرأ ، والصبي يبلغ . وهذا ينقض ما ذكروه ) ( ) . وكذا لو جاء مسافر وقد مسح على الخف يومين فلا يحل له المسح بعد وصوله لبلده لأن الرخصة فات محلها .
    2. إنزال المني بالمباشرة (كالمفاخذة ) أو الأستمناء بأي طريقة كانت ، وعليه التوبة من معصيته مع القضاء ولا يحل له الأكل والشرب بقية يومه . أما من فكر فأنزل أو كرر النظر فأنزل فلا شيء عليه . لقوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ " إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ "( ) .
    وقال ابن حزم أن من أنزل المني عاما لا يفطر ( )وهو قول شاد لا معول عليه واستدل بأدلة لا تنفعه في قوله ذلك ، وليس المقام مقام رد عليه وإلا لبيت عور قوله ، ولإبن حزم أقوال شاذة كثيرة .
    3. إنزال المذي . قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ : يفسد صوم من قبل أو ضم فأمذى عند أكثر أهل العلم ) واختيار الشيخ أن المذي لا يفطر ( ) ، وهو الصحيح ـ بإذن الله تعالى ـ .
    4. الأكل والشرب عامدا وكذا السعوط وهو إيصال الماء ونحوه إلى الجوف عن طريق الأنف لقول ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ " بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا " ( ).
    والأفضل ترك جميع الأبر خروجا من الخلاف وإلا فالصحيح أنها لا تفطر .
    وفي إبرة المغذي خلاف بين المعاصرين فذهب كثير منهم أنها تفطر لأنها تغني عن الطعام والشراب ، وذهب العلامة العثيمين إلى أنها لا تفطر لأنها ليست طعاما ولا بمعني الطعام ؛أما الشيخ السيد سابق قال : أنها لا تفطر لأن الجلد ليس بمدخل للطعام ولا الشراب.
    ويخرج من كلام شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه ـ أنها لا تفطر قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ : ( إذا كانت الأحكام التي تعم بها البلوى لابد أن يبينها الرسول ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ بيانا عاما ولا بد أن تنقل الأمو ذلك فمعلوم أن الكحل ونحوه مما تعم به البلوى كما تعم بالدهن والاغتسال والبخور والطيب .
    فلو كان هذا مما يفطر لبينه النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ كما بين الإفطار بغيره فلما لم يبين ذلك علم أنه من جنس الطيب والبخور والدهن ، والبخور يتصاعد إلى الأنف ويدخل الدماغ وينعقد أجساما ، والدهن يشربه البدن ويدخل إلى داخله ويتقوى به الإنسان وكذلك يتقوى بالطيب قوة جيدة …….. والممنوع منه ـ الغذاء ـ إنما هو ما يصل إلى المعدة كالغذاء فيستحيل دما ويتوزع على البدن )( ) قال العلامة محمد الصالح العثيمين : قال بعض العماء المعاصرين إن الحقنة إذا وصلت إلى الأمعاء فإن البدن يمتصها عن طريق الأمعاء الدقيقة كالذي يصل إلى المعدة من حيث التغذي به وهذا من حيث المعنى قد يكون قويا ، لكن لقائل أن يقول : إن العلة في تفطير الصائم بالأكل والشرب ليست مجرد التغذية ، وإنما هي التغذية مع التلذذ بالأكل والشرب فتكون العلة مركبة من جزئين : أحدهما : الأكل والشرب . الثاني : التلذذ با لأكل والشرب لأن التلذ بالأكل والشرب مما تطلبه النفوس ، والدليل على هذا أن المريض إذا غذي بالإبر لمدة يومين أو ثلاثة تجده في أشد ما يكون شوقا إلى الطعام والشراب مع أنه متغذٍ .
    وبناء على هذا وليس ببعيد أن نقول إن الحقنة لا تفطر مطلقا ولو كان الجسم يتغذى بها عن طريق الأمعاء الدقيقة . فيكون القول الراجح في هذه المسألة قول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ مطلقا ، ولا التفات إلى ما قال بعض المعاصرين )( ) وقال الشيخ سيد سابق ـ رحمه الله ـ في مباحات الصيام : الحقنة مطلقا سواء أكانت للتغذية أم لغيرها وسواء أكانت في العروق أم كانت تحت الجلد فإنها وإن وصلت إلى الجوف فإنها تصل إليه من غير المنفذ المعتاد ) ( ) .
    ومما سبق يظهر أن الإبرة المغذية لا تفطر لأنها ليست بدلا كاملا عن الطعام والشراب بفارق التلذذ بالطعام وعدمه في الإبر ؛ وكذا أن الطعام دخل من غير المنفذ المعتبر شرعا وهو الفم والأنف فقط .
    5.القئ عمدا : الاتفاق على أن من غلبه القئ فلا شيء عليه البتة ، والخلاف فيمن قاء بنفسه سواء أدخل أصبعه أو أكل حبة للقئ قبل وقت الصيام ثم قاء في زمن الصيام أو شم رائحة خبيثة أو حرك بطنه أو أي فعل فعله بنفسه ليخرج ما في جوفه وفيه خلاف قوي وعلة الخلاف هو الحديث فمن صححه قال بنقض صيام من قاء عمدا ومن ضعفه قال بعدم نقض صيامه . والحديث مقبول يعمل به .
    والحديث أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود وللفظ للترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ " ( )

    قال أبو عيسى الترمذي ـ رحمه الله ـ : وَالْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الصَّائِمَ إِذَا ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَإِذَا اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَقُ . قلت : وهو الأقرب والله أعلم
    6. الحجامة : وهي إخراج الدم الفاسد من الجسد . والدليل على أن الحجامة تفطر ما أخرجه الترمذي وغيره عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ " أنفرد الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ بالقول بفطر الحاجم والمحجوم .
    وأختلف أهل العلم في تصحيحه( )فمن صححه ذهب إلى فطر الحاجم والمحجوم ؛ومن قال بضعفه لم ير في الحجامة بأسا على الصائم .
    قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ : أما الحاجم فإنه يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه والهواء يجتذب ما فيها من الدم فربما صعد مع الهواء شيء من الدم فدخل في حلقه وهو لا يشعر والحكمة إذا كانت خفيفة أو منتشرة علق الحكم بالمظنة كما أن النائم الذي يخرج منه الريح ولا يدري يؤمر بالوضوء فكذلك الحاجم يدخل شيء من الدم مع ريقه إلى باطنه وهو لا يدري .… وكذلك لو قَدِرَ حاجم لا يمتص القارورة بل يمص غيره أو يأخذ الدم بطريق آخر لم يفطر ( ).
    قلت : على هذا نقول في هذا الزمان بأن الأصل عدم فطر الحجام لأن أكثرهم لا يمص القارورة بل يستعمل أدوات خاصة لمص الدم .
    ويبقى حكم المحجوم أو كل من سحب منه دم كثير كالتبرع فالأحسن أن يأخر التبرع أو الحجامة بعد فطره ؛ وإن أحتجم أو تبرع قبل فطره فضعف صار حكمه حكم المريض فالأولى له الفطر . وبلا مرية أن إصراره على الصيام فيه جفاء عن أمر الله ، ويصدق عليه قول الشَّافِعِيُّ ـ رحمه الله ـ فيمن صام وهو مسافر وقد أنهكه السفر ـ : وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ " وَقَوْلِهِ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا فَقَالَ " أُولَئِكَ الْعُصَاةُ " فَوَجْهُ هَذَا إِذَا لَمْ يَحْتَمِلْ قَلْبُهُ قَبُولَ رُخْصَةِ اللَّهِ . فمن احتجم وأصر على الصيام مع أن الصيام يجهده فقد رفض رخصة الله ولم يقبلها قلبه . وكذا من بين له طبيب أن تبرعه بالدم سيمرضه فالأحسن له الفطر . أما من لم تمرضه الحجامة أو ما كان في معناها ذلك فلا حرج عليه في إتمام صيامه ؛ فقد أخرج البخاري عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ أنه سئل : ( أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ ؟ قَالَ : لا ، إِلا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ ) ( ) وَزَادَ شَبَابَةُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وقد احتجم النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ وهو صائم فقد أخرج البخاري ـ رحمه الله ـ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ …. وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ " ( ).
    قال البخاري ـ رحمه الله ـ : بَاب الْحِجَامَةِ وَالْقَيْءِ لِلصَّائِمِ وَقَالَ لِي يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا قَاءَ فَلَا يُفْطِرُ إِنَّمَا يُخْرِجُ وَلَا يُولِجُ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُفْطِرُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ الصَّوْمُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ تَرَكَهُ فَكَانَ يَحْتَجِمُ بِاللَّيْلِ وَاحْتَجَمَ أَبُو مُوسَى لَيْلًا وَيُذْكَرُ عَنْ سَعْدٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَأُمِّ سَلَمَةَ احْتَجَمُوا صِيَامًا وَقَالَ بُكَيْرٌ عَنْ أُمِّ عَلْقَمَةَ كُنَّا نَحْتَجِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ فَلَا تَنْهَى وَيُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مَرْفُوعًا فَقَالَ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ وَقَالَ لِي عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ مِثْلَهُ قِيلَ لَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ نَعَمْ ثُمَّ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ .








    متفرقات :
    حكم من أكل في أول النهار لسبب شرعي ثم زال سبب الفطر
    قال ابن مسعود ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ " من أكل في أول النهار فليأكل آخر النهار " ( ) فعلى هذا من أكل أو النهار بسبب شرعي فليتم أكله ولكن لا يجاهر به ، ومثاله مريض برئ أثناء النهار أو مسافر حضر إلى أهله وهو مفطر وهلم جرا . وهنا يلغز بلغز فيقال رجل يجب عليه الصيام جامع زوجته في بلده وليس عليهما شيء ؟؟ فيقال رجل قدم من سفر وزوجة طهرت من حيض .
    حكم من أكل أو شرب شاكا في طلوع الفجر
    فإذا كان يغلب على ظنه أن الفجر لم يدخل بعد أو كان مترددا فصومه صحيح قالوا لأن الأصل بقاء الليل وهو معذور بالخطأ ، ولعموم قوله تعالى : "رَبَّنَا لاتُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " وقد صح في مسلم في الحديث القدسي أن الله ـ جل وعلا ـ قال قد فعلت كما سبق نقله . ولكن على الصائم تقوى الله وتحرى دخول الفجر .
    حكم من أكل أو شرب شاكا في غروب الشمس
    إن كان شاكا فقط فيجب عليه القضاء لأن اليقين لا يزل إلا بمثله ، والأصل بقاء النهار .
    حكم من أكل أو شرب وقد غلب على ظنه غروب الشمس
    فهذا صيامه صحيح لأنه مخطئ وقد قال تعالى : "رَبَّنَا لاتُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " وقد صح في مسلم في الحديث القدسي أن الله ـ جل وعلا ـ قال قد فعلت كما سبق نقله .
    لما أخرجه البخاري وغيره عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ : ( أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ ) قِيلَ لِهِشَامٍ فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ وَقَالَ مَعْمَرٌ سَمِعْتُ هِشَامًا لَا أَدْرِي أَقَضَوْا أَمْ لا .
    قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ : قوله ( وقال معمر سمعت هشاما يقول لا أدري أقضوا أم لا ) هذا التعليق وصله عبد بن حميد قال " أخبرنا معمر سمعت هشام بن عروة " فذكر الحديث وفي آخره " فقال إنسان لهشام أقضوا أم لا " ؟ فقال " لا أدري " وظاهر هذه الرواية تعارض التي قبلها ،لكن يجمع بأن جزمه بالقضاء محمول على أنه استند فيه إلى دليل آخر ،وأما حديث أسماء فلا يحفظ فيه إثبات القضاء ولا نفيه ، واختلف عن عمر فروى ابن أبي شيبة وغيره من طريق زيد بن وهب عنه ترك القضاء ،ولفظ معمر عن الأعمش عن زيد " فقال عمر : لم نقض والله ما يجانفنا الإثم " وروى مالك من وجه آخر عن عمر أنه قال لما أفطر ثم طلعت الشمس " الخطب يسير وقد اجتهدنا " وزاد عبد الرزاق في روايته من هذا الوجه " نقضي يوما " وله من طريق علي بن حنظلة عن أبيه نحوه ،ورواه سعيد بن منصور وفيه " فقال من أفطر منكم فليصم يوما مكانه " وروى سعيد بن منصور من طريق أخرى عن عمر نحوه . وجاء ترك القضاء عن مجاهد والحسن وبه قال إسحاق وأحمد في رواية واختاره ابن خزيمة فقال قول هشام لا بد من القضاء لم يسنده ولم يتبين عندي أن عليهم قضاء . قال ابن المنير في الحاشية : في هذا الحديث أن المكلفين إنما خوطبوا بالظاهر ،فإذا اجتهدوا فأخطئوا فلا حرج عليهم في ذلك .
    قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ : واختلف الناس ،هل يجب القضاء في هذه الصورة ؟ فقال الأكثرون : يجب ،وذهب إسحاق بن راهويه وأهل الظاهر إلى أنه لا قضاء عليهم ،وحكمهم حكم من أكل ناسيا ،وحكي ذلك عن الحسن ومجاهد ،واختلف فيه على عمر ،فروى زيد بن وهب قال : " كنت جالسا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في رمن عمر ،فأتينا بكأس فيها شراب من بيت حفصة ،فشربنا ونحن نرى أنه من الليل ،ثم انكشف السحاب ،فإذا الشمس طالعة ،قال : فجعل الناس يقولون : نقضي يوما مكانه ،فسمع بذلك عمر فقال : والله لا نقضيه ،وما تجانفا لإثم " رواه البيهقي وغيره . وقد روى مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم : " أن عمر بن الخطاب أفطر ذات يوم في رمضان في يوم ذي غيم ،ورأى أنه قد أمسى وغابت الشمس ،فجاءه رجل فقال له : يا أمير المؤمنين ،قد طلعت الشمس ،فقال عمر : الخطب يسير ،وقد اجتهدنا " قال مالك : يريد بقوله " الخطب يسير ،القضاء فيما نرى . والله أعلم . وكذلك قال الشافعي ،وهذا لا يناقض الأثر المتقدم . وقوله " وقد اجتهدنا " مؤذن بعدم القضاء . وقوله " الخطب يسير " إنما هو تهوين لما فعلوه وتيسير لأمره . ولكن قد رواه الأثرم والبيهقي عن عمر ،وفيه : " من كان أفطر فليصم يوما مكانه " وقدم البيهقي هذه الرواية على رواية زيد بن وهب ،وجعلها خطأ ،وقال : تظاهرت الروايات بالقضاء ،قال : وكان يعقوب بن سفيان الفارسي يحمل على زيد بن وهب بهذه الرواية المخالفة للروايات المتقدمة قال : وزيد ثقة إلا أن الخطأ عليه غير مأمون . وفيما قاله نظر ،فإن الرواية لم تتظاهر عن عمر بالقضاء ،وإنما جاءت من رواية علي بن حنظلة عن أبيه ،وكان أبوه صديقا لعمر ،فذكر القصة وقال فيها : " من كان أفطر فليصم يوما مكانه " ولم أر الأمر بالقضاء صريحا إلا في هذه الرواية وأما رواية مالك فليس فيها ذكر للقضاء ولا لعدمه ،فتعارضت رواية حنظلة ورواية زيد بن وهب ،وتفضلها رواية زيد بن وهب بقدر ما بين حنظلة وبينه من الفضل . وقد روى البيهقي بإسناد فيه نظر عن صهيب : أنه أمر أصحابه بالقضاء في قصة جرت لهم مثل هذه . فلو قدر تعارض الآثار عن عمر لكان القياس يقتضي سقوط القضاء ،لأن الجهل ببقاء اليوم كنسيان نفس الصوم ،ولو أكل نسيا لصومه لم يجب عليه قضاؤه والشريعة لم تفرق بين الجاهل والناسي ،فإن كل واحد منهما قد فعل ما يعتقد جوازه وأخطأ في فعله ،وقد استويا في أكثر الأحكام وفي رفع الآثار فما الموجب للفرق بينهما في هذا الموضع ؟ وقد جعل أصحاب الشافعي وغيرهم الجاهل المخطئ أولى بالعذر من الناسي في مواضع متعددة . وقد يقال إنه في صورة الصوم أعذر منه ،فإنه مأمور بتعجيل الفطر استحبابا ،فقد بادر إلى أداء ما أمر به واستحبه له الشارع فكيف يفسد صومه ؟ وفساد صوم الناسي أولى منه ،لأن فعله غير مأذون له فيه ،بل غايته أنه عفو ،فهو دون المخطئ الجاهل في العذر . وبالجملة : فلم يفرق بينهما في الحج ،ولا في مفسدات الصلاة كحمل النجاسة وغير ذلك ،وما قيل من الفرق بينهما بأن الناسي غير مكلف والجاهل مكلف ،إن أريد به التكليف بالقضاء فغير صحيح ،لأن هذا هو المتنازع فيه ،وإن أريد به أن فعل الناسي لا ينتهض سببا للإثم ،ولا يتناوله الخطاب الشرعي فكذلك فعل المخطئ ،وإن أريد أن المخطئ ذاكر لصومه مقدم على قطعه ،ففعله داخل تحت التكليف بخلاف الناسي فلا يصح أيضا لأنه يعتقد خروج زمن الصوم ،وأنه مأمور بالفطر ،فهو مقدم على فعل ما يعتقده جائزا ،وخطؤه في بقاء اليوم كنسيان الآكل في اليوم فالفعلان سواء فكيف يتعلق التكليف بأحدهما دون الآخر ؟ ! وأجود ما فرق به بين المسألتين : أن المخطئ كان متمكنا من إتمام صومه بأن يؤخر الفطر حتى يتيقن الغروب بخلاف الناسي فإنه لا يضاف إليه الفعل ،ولم يكن يمكنه الاحتراز ،وهذا - وإن كان فرقا في الظاهر - فهو غير مؤثر في وجوب القضاء ،كما لم يؤثر في الإثم اتفاقا ،ولو كان منسوبا إلى تفريط للحقه الإثم ،فلما اتفقوا على أن الإثم موضوع عنه دل على أن فعله غير منسوب فيه إلى تفريط ،لا سيما وهو مأمور بالمبادرة إلى الفطر ،والسبب الذي دعاه إلى الفطر غير منسوب إليه في الصورتين ،وهو النسيان في مسألة الناسي وظهور الظلمة وخفاء النهار في صورة المخطئ ،فهذا أطعمه الله وسقاه بالنسيان ومعناه أطعمه الله وسقاه بإخفاء النهار ولهذا قال صهيب : " هي طعمة الله " ،ولكن هذا أولى ،فإنها طعمة الله إذنا وإباحة وإطعام الناسي طعمته عفوا ورفع حرج ،فهذا مقتضى الدليل .

    يجب لمن رأى من يأكل في نهار رمضان ناسياً أن يذكره بصومه من باب التعاون على البر والتقوى . فإن كان فطره عمداً و استخفافاً بدين الله و محاربة له فيجب إبلاغ من يمكنه ردعه و تأديبه قال تعالى " وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "
    وقد جمع البخاري ـ رحمه الله ـ بعض ما يحل للصائمة فعله فقال : بَاب اغْتِسَالِ الصَّائِمِ وَبَلَّ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ثَوْبًا فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ وَهُوَ صَائِمٌ ، وَدَخَلَ الشَّعْبِيُّ الْحَمَّامَ وَهُوَ صَائِمٌ .
    وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لابَأْسَ أَنْ يَتَطَعَّمَ الْقِدْرَ أَوْ الشَّيْءَ ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلْيُصْبِحْ دَهِينًا مُتَرَجِّلًا ، وَقَالَ أَنَسٌ إِنَّ لِي أَبْزَنَ أَتَقَحَّمُ فِيهِ وَأَنَا صَائِمٌ .
    وَيُذْكَرُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اسْتَاكَ وَهُوَ صَائِمٌ ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : يَسْتَاكُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ وَلا يَبْلَعُ رِيقَهُ وَقَالَ عَطَاءٌ إِنْ ازْدَرَدَ رِيقَهُ لاأَقُولُ يُفْطِرُ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : لابَأْسَ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ قِيلَ لَهُ طَعْمٌ قَالَ وَالْمَاءُ لَهُ طَعْمٌ وَأَنْتَ تُمَضْمِضُ بِهِ . وَلَمْ يَرَ أَنَسٌ وَالْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ بِالْكُحْلِ لِلصَّائِمِ بَأْسًا .
    و يباح لصائم أدوية العين و الأذن ، و الحناء و الصَبِر ، ولا يفطر و لو وجد طعمها في جوفه ، و يباح له كذلك السواك طوال اليوم و شم الطيب والبخور على أن لا يدخله عامدا في جوفه .
    و إذا دخل جوفه مالم يمكن التحرز منه كذباب أو الغبار فلا شيء عليه لقوله تعالى : " لا يكلف الله نفساً إلا و سعها " وَقَالَ الْحَسَنُ : إِنْ دَخَلَ حَلْقَهُ الذُّبَابُ فَلاشَيْءَ عَلَيْهِ، و يباح له التبرد سواءً بالاغتسال بالماء البارد أو وضع ثوب مبلول بالماء على جسده أو المضمضة ، و ليحذر من الغرغرة . قال ابن حزم ـ رحمه الله ـ : ( ولا ينقض الصوم حجامة ولا احتلام ، ولا استمناء ، ولا مباشرة الرجل امرأته أو أمته المباحة له فيما دون الفرج ، …، أمذى أم لم يمذ ولا قبلة كذلك فيهما ، ولا قيء غالب ، ولا قلس خارج من الحلق ، ما لم يتعمد رده بعد حصوله في فمه وقدرته على رميه ، ولا دم خارج من الأسنان أو الجوف ما لم يتعمد بلعه ، ولا حقنة ولا سعوط ولا تقطير في أذن ، أو في إحليل ، أو في أنف ولا استنشاق وإن بلغ الحلق ، ولا مضمضة دخلت الحلق من غير تعمد ، ولا كحل – أو إن بلغ إلى الحلق نهارا أو ليلا – بعقاقير أو بغيرها ، ولا غبار طحن ، أو غربلة دقيق ، أو حناء ، أو غير ذلك ، أو عطر ، أو حنظل ، أو أي شيء كان ، ولا ذباب دخل الحلق بغلبة ، ولا من رفع رأسه فوقع في حلقه نقطة ماء بغير تعمد لذلك منه ; ولا مضغ زفت أو مصطكى أو علك )( ) وقال الموفق ابن قدامة ـ رحمه الله ـ : (ال أصحابنا : العلك ضربان ; أحدهما , ما يتحلل منه أجزاء , وهو الرديء الذي إذا مضغه يتحلل , فلا يجوز مضغه , إلا أن لا يبلع ريقه , فإن فعل فنزل إلى حلقه منه شيء , أفطر به , كما لو تعمد أكله . والثاني , العلك القوي الذي كلما مضغه صلب وقوي , فهذا يكره مضغه ولا يحرم ) ( )
    و أفتى سماحة الوالد ابن باز و ابن عثيمين بجواز دواء ضيق التنفس لأنه يتبخر في الفم ولا يدخل للجوف .و يصح صيام من أدخل في جوفه منظار أو نحوه ما لم يكن معه شيء من دهن أو غيره .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-10-03
  3. علي المآربي

    علي المآربي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-03-10
    المشاركات:
    5,835
    الإعجاب :
    0
    صيام رمضان أحكام ومسائل

    صيام رمضان ، أحكام ومسائل

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
    فهذه نبذة مختصرة في أحكام ومسائل متعلقة بالصوم ، أسأل الله أن ينفع بها .

    1. وجوب صوم رمضان
    قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ عليكم الصيام كما كُتِبَ على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } .
    وعن طلحة بن عبيد الله أنَّ أعرابيّاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله عليَّ مِن الصلاة ؟ فقال : الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئاً ، فقال : أخبرني ما فرض الله عليَّ مِن الصيام ؟ فقال : شهر رمضان إلا أن تطوع شيئاً فقال : أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة ؟ فقال : فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم شرائع الإسلام ، قال والذي أكرمك لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله عليَّ شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفلح إن صدق - أو دخل الجنة إن صدق" - .
    رواه البخاري ( 1792 ) ومسلم ( 11 ) .
    والشاهد من الحديث : قوله " ماذا فرض الله عليَّ مِن الصيام " .
    وهي محل اتفاق بين العلماء لا خلاف بينهم في وجوبه ، ومنهم مَن يرى كفر مَن لم يصمه مِن غير عذر .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : إذا أفطر في رمضان مستحلا لذلك وهو عالِمٌ بتحريمه استحلالاً له : وجب قتله ، وإن كان فاسقاً : عوقب عن فطره في رمضان .
    "مجموع الفتاوى" ( 25/265 )



    2. أركان الصيام

    أ. النية من الليل
    عن حفصة عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : " مَن لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له " .
    رواه الترمذي ( 730 ) والنسائي ( 2331 ) وأبو داود ( 2454 ) وابن ماجه (1700 ) ، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم الدارقطني والخطابي .
    انظر " فتح الباري " ( 4 / 142 ) و " تحفة المحتاج " ( 2 / 80 ) .
    二. الإمساك عن الطعام والشراب والجماع
    لقوله تعالى بعد أن أباح ما سبق { ثمَّ أَتِمُّوا الصيام إلى الليل } .
    ولقوله صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل : " .......يترك طعامه وشرابه وشهوته مِن أجلي " .
    رواه البخاري ( 1795 ) ومسلم ( 1151 ) .

    3. من فضائل الصوم

    أ. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الصيام جُنَّة فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين والذي نفسي بيده لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك ، قال تعالى : يترك طعامه وشرابه وشهوته مِن أجلي الصيام لي وأنا أجزي به ، والحسنة بعشر أمثالها " .
    رواه البخاري ( 1795 ) ومسلم ( 1151 ) .
    ومعنى " جُنَّة " : وقاية وستر سواء من الآثام أو من النار .
    و " خُلوف فم الصائم " : تغير رائحة الفم .
    ب. عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : " إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل مِنه أحدٌ غيرهم يقال أين الصائمون فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحدٌ " .
    رواه البخاري ( 1797 ) ومسلم ( 1151 ) .
    ج. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : " مَن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم مِن ذنبه ، ومَن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم مِن ذنبه " .
    رواه البخاري ( 1802 ) ومسلم ( 760 ) .
    ومعنى " إيماناً " : أي : بفرضيته .
    و " احتساباً " : أي : محتسباً أجره على الله .

    4. ما يجوز أن يكون من الصائم

    一. الأكل والشرب والجماع ليلاً
    لقول الله تعالى { أحلَّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ......وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } .

    二. تأخير السحور إلى أول دخول وقت الفجر .
    للآية السابقة .
    ولقول سهل بن سعد رضي الله عنه : كنت أتسحر في أهلي ثم تكون سرعتي أن أدرك السجود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    والمقصود : أنهم كانوا يؤخرون السحور ، ويعجلون بالصلاة .
    رواه البخاري ( 1820 ) .
    ج. الأكل والشرب ناسياً
    عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : "إذا نسي فأكل وشرب فليتمَّ صومَه فإنما أطعمه الله وسقاه" .
    رواه البخاري ( 1831 ) ومسلم ( 1155 ).
    ولا فرق بين صيام الفرض وصيام النفل في هذه المسألة بخلاف ما يظنُّه كثيرٌ مِن العامَّة.
    وننبِّه هنا إلى أنه من رأى مَن يأكل أو يشرب ناسياً فلا ينبغي له أن يتركه على حاله ، بل يجب عليه تذكيره بصيامه ، فهو وإن كان معذوراً بنسيانه ، فأنت لستَ معذوراً بتركك إنكار المنكر – لأنَّه قد يكون ناسياً وقد يكون متعمداً - ولو أراد الله له العذر في الطعام والشراب لم يسخرك لأن تراه .
    د. أن ينوي الصوم من النهار جاهلاً دخول الشهر
    عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم "بعث رجلا ينادي في الناس يوم عاشوراء إن مَن أكل فليتمَّ - أو فليصم - ومن لم يأكل فلا يأكل" .
    رواه البخاري ( 1824 ) ومسلم ( 1135 ) .
    والشاهد من الحديث : أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أمر مَن لم ينو الصيام أن ينشأ نية الصوم من النهار ، وذلك في صيام عاشوراء ، وكان آنذاك واجباً صومه على المسلمين، ولم يُنقل أنه أمر من فعل ذلك بالقضاء.
    هـ . أن يدركه الفجر وهو جنُب
    للآية السابقة إذ فيها إباحة الجماع ليلاً إلى أن يظهر الفجر ، ولازم هذه الإباحة أن يدرك المجامعُ الفجرَ وهو على جنابة .
    وعن عائشة وأم سلمة " أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنبٌ مِن أهله ثم يغتسل ويصوم " .
    رواه البخاري ( 1825 ) ومسلم ( 1109 ) .
    و. التقبيل والمباشرة لامرأته لمن يملك نفسه
    عن عائشة رضي الله عنها قالت : " كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يقبِّل ويباشر وهو صائم وكان أملككم لإربه".
    رواه البخاري ( 1826 ) ومسلم ( 1106 ) .
    ومعنى " يباشر " : يعني ما دون الجماع .
    و" أملككم لإربه " : أي شهوته .
    ز. الاغتسال
    وفيه حديث عائشة قبل السابق .
    ح. استعمال السواك
    عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لولا أن أشق على أمَّتي لأمرتُهم بالسواك مع كل صلاة " .
    رواه البخاري ( 847 ) ومسلم ( 252 ) .
    وقال البخاري : ولم يخصَّ الصائم مِن غيره .
    وتحديد وقت التسوك إلى الزوال مما لم يأت به دليل .
    ط. استعمال الكحل والقطرة للعين ، والقطرة والدواء للأذن ، والتحاميل ، وخلع الضرس ، وبلع الريق والنخامة
    قال شيخ الإسلام رحمه الله : وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة فهذا مما تنازع فيه أهل العلم :..... والأظهر أنَّه لا يفطر بشيء من ذلك فان الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه فلما لم ينقل أحدٌ مِن أهل العلم عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في ذلك لا حديثاً صحيحاً ولا ضعيفاً ولا مسنداً ولا مرسلاً عُلِم أنَّه لم يذكر شيئاً من ذلك ..أ.هـ
    " مجموع الفتاوى " ( 25 / 233 ، 234 ) .
    - المأمومة : الجرح في الرأس يبلغ أم الدماغ .
    الجائفة : الطعنة تبلغ الجوف .
    وقال الإمام البخاري ( 748 ) : وقال عطاء وقتادة : يبتلع ريقه .
    ي. الحجامة
    - عن ابن عباس رضي الله عنهما " أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم " .
    رواه البخاري ( 1836 ) .
    - وعن ثابت البناني قال : سُئل أنس بن مالك رضي الله عنه أكنتم تكرهون الحجامة للصائم ؟ قال : لا ، إلا مِن أجل الضعف - على عهد النَّبيّ صلى الله عليه وسلم – " .
    رواه البخاري ( 1838 ) .
    = وأما حديث " أفطر الحاجم والمحجوم " فإن صحَّ : فهو منسوخ .
    قال الحافظ ابن حجر : قال ابن حزم صحَّ حديث " أفطر الحاجم والمحجوم " بلا ريب! لكن وجدنا مِن حديث أبي سعيد " أرخص النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحجامة للصائم" وإسناده صحيح ، فوجب الأخذ به لأنَّ الرخصة إنما تكون بعد العزيمة فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجماً أو محجوماً . انتهى
    " فتح الباري " ( 4 / 178 ) .
    ك . السفر سواء عزم عليه من الليل أو أنشأه من النهار
    عن عائشة رضي الله عنها زوج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أأصوم في السفر ؟ - وكان كثير الصيام - فقال : " إن شئتَ فصم وإن شئتَ فأفطر ".
    رواه البخاري ( 1841 ) ومسلم ( 1121 ) .
    ل. إسباغ الوضوء ، ومنه المضمضة والاستنشاق – من غير مبالغة –
    عن عاصم بن **** بن صبرة عن أبيه قال : قلت : يا رسول الله أخبرني عن الوضوء ، قال : " أسبغ الوضوء ، وخلِّل بين الأصابع ، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما " .
    رواه الترمذي ( 788 ) والنسائي ( 87 ) وأبو داود ( 142 ) وابن ماجه ( 407 ) .
    والحديث : صححه الترمذي ، والبغوي ، وابن القطان .
    انظر " التلخيص الحبير " ( 1 / 81 ) .
    م . تذوق الطعام للحاجة
    عن ابن عباس رضي الله عنهما : لا بأس أن يذوق الخل والشيء ما لم يدخل حلقه.
    رواه ابن أبي شيبة ( 2 / 463 ) والبيهقي ( 4 / 261 ) .
    والأثر : حسَّنه الإمام الألباني في " إرواء الغليل " ( 4 / 86 ) .

    5. مبطلات الصوم

    أ. الأكل والشرب
    ويدل عليه ما سبق في ج من المباحات ، حيث رفع الحرج في الأكل والشرب عن الناسي فقط.
    وكذا ما دل عليه قوله تعالى { ثم أتموا الصيام إلى الليل } .
    ب. الجماع
    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " بينما نحن جلوس عند النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال : يا رسول الله هلكتُ ! قال : " ما لك " ؟ قال : وقعتُ على امرأتي وأنا صائم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل تجد رقبة تعتقها " ؟ قال : لا قال : " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين " ؟ قال : لا ، فقال : " فهل تجد إطعام ستين مسكينا " ؟ قال : لا ، قال : فمكث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك أتي النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بعَرَق فيها تمر - والعَرَق : المكتل - قال : " أين السائل " ؟ فقال أنا قال : " خذها فتصدق به " فقال الرجل : أعلى أفقر مني يا رسول الله ؟ ! فوالله ما بين لابتيها - يريد : الحرتين - أهل بيت أفقر مِن أهل بيتي ! فضحك النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ، ثم قال : " أطعمه أهلك " .
    رواه البخاري ( 1834 ) ومسلم ( 1111 ) .
    = ويترتب على جماع الرجل و المرأة غير المكرهة أمور :
    1. الإثم . وذلك لمخالفة الأمر ، ويدل عليه قول الرجل " هلكت " وفي رواية " احترقت " .
    2. الكفارة . وهي المذكورة في الحديث السابق ، وهي على الترتيب :
    أ. عتق رقبة .
    ب. صيام شهرين متتابعين .
    ج . إطعام ستين مسكيناً .
    ولا يحل له الانتقال إلى التالي إلا بعد تعذر الأول .
    3. الإمساك بقية اليوم ، لأنه تعدى بجماعه فلا يزيد في تعدِّيه بإفطار بقية يومه .
    4. القضاء ، وعليه أن يقضي يوماً مكانه ، لما جاء في في بعض ألفاظ الحديث " واقض يوماً مكانه " .
    انظر " الإرواء " ( 4 / 91 ) .
    ج . القيء عمداً
    عن أبي هريرة أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : " مَن ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمداً فليقضِ " .
    رواه الترمذي ( 720 ) وأبو داود ( 2032 ) وابن ماجه ( 1676 ) .
    ومعنى " ذرعه " : خرج بلا اختيار منه .
    و " استقاء " : أخرج القيء متعمداً .
    د . الحقن الغذائية ، ووضع الدم في الجسم
    وهما في معنى الطعام والشراب ، وغاية الطعام والشراب : الدم ، فإذا وضع في جسمه دماً ، فقد وضع غاية الطعام والشراب .
    هـ . خروج دم الحيض والنفاس
    ولا فرق أن يكون خروج الدم في أول النهار بعد الفجر أو أن يكون في آخره ولو قبيل المغرب بلحظة .
    عن أبي سعيد الخدري قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى - أو فطر - إلى المصلى فمرَّ على النِّساء فقال .... " أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم " ؟ قلن : بلى ، قال : " فذلك مِن نقصان دينها " .
    رواه البخاري ( 298 ) ومسلم ( 80 ) .






    6 . مستحبات الصيام

    أ. تعجيل الإفطار
    - عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يزال النَّاس بخير ما عجَّلوا الفطر " .
    رواه البخاري ( 1856 ) ومسلم ( 1098 ) .
    - وعن أبي عطية قال : دخلتُ أنا ومسروق على عائشة فقلنا : يا أم المؤمنين رجلان مِن أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة ؟ قالت : أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة ؟ قال : قلنا : عبد الله - يعني : ابن مسعود - قالت : كذلك كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    رواه مسلم ( 1099 ) .
    ب. البداءة بالرطب فإن لم يتيسر فتمر فإن لم يكن فعلى ماء
    عن أنس بن مالك قال : " كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يفطر على رُطَبات قبل أن يصلي فإن لم يكن رُطَبات فتَمْرات فإن لم يكن تمرات حسا حَسَواتٍ مِن ماءٍ .
    رواه أبو داود ( 2356 ) .
    والحديث : حسَّنه شيخنا الألباني في " الإرواء " ( 4 / 45 ) .
    ج . الدعاء بعد الإفطار
    عن ابن عمر قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال : " ذَهَب الظمأ وابتلَّت العروق وثبت الأجر إن شاء الله " .
    رواه أبو داود ( 2357 ) .
    والحديث : حسَّنه الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " ( 2 / 202 ) .
    د . تأخير السحور
    عن سهل بن سعد رضي الله عنه : كنت أتسحر في أهلي ثم تكون سرعتي أن أدرك السجود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    رواه البخاري ( 1820 ) .

    7 . على من يجب صيام رمضان

    وسنذكر ما يتعلق بالأدلة عند الحديث بعدها على أهل الأعذار ، وهم على الضد مما هاهنا :
    一. المسلم .
    二. العاقل .
    三. البالغ .
    四. المقيم .
    五. القادر .
    六. الخالي من الموانع .

    8 . أهل الأعذار في الصيام

    أ. المجنون
    عن علي رضي الله عنه قال : " سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " رُفِع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصغير حتى يكبر ، وعن المبتلى حتى يعقل " .
    رواه أبو داود ( 3823 ) .
    والحديث : صححه شيخنا الألباني رحمه الله في " الإرواء " ( 2 / 4 ) .
    ب. غير البالغ
    للحديث السابق .
    ويعرف البلوغ بعلامات ، منها :
    1. نزول المني ، ويدل عليه قوله في بعض روايات الحديث السابق " وعن الصبي حتى يحتلم " .
    2. إنبات شعر العانة حول الفرج ، ويدل عليه :
    عن عطية القرظي قال : عُرضنا على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فكان مَن أنبت قُتل ومَن لم ينبت خُلِّي سبيلُه فكنتُ ممن لم ينبت فخلِّي سبيلي " .
    رواه الترمذي ( 1584 ) والنسائي ( 3430 ) وأبو داود ( 3826 ) وابن ماجه ( 2542 ) .
    والحديث : صححه الترمذي وابن حبان والحاكم ، ووافقه الحافظ ابن حجر ، انظر " التلخيص الحبير " ( 3 / 42 ) .
    3. الحيض للنساء
    وهو مجمعٌ عليه ، لا أعلم فيه خلافاً .
    فإن حاضت قبيل الفجر بلحظة حرُم عليها الصوم ووجب عليها قضاؤه ، وإن حاضت قبيل المغرب بلحظة فكذلك .
    فإن طهُرت قبيل الفجر بلحظة وجبَ عليها الصوم ، حتى لو لم تغتسل – كما سبق في الجنب يدخل عليه الفجر - .
    4. السفر
    والصحيح مِن أقوال أهل العلم : أنه لا حدَّ للسفر من حيث المسافة ، وأنه يظل المسافر متمتعاً بالرخص إلى أن يقيم إقامة مطلقة ، أو يرجع إلى بلده .
    قال ابن القيم رحمه الله : ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تقدير المسافة التي يفطر فيها الصائم بحدٍّ ولا علمنا عنه في ذلك شيء . أ.هـ
    " زاد المعاد "(2 / 55) ، وهو قول ابن قدامة وابن تيمية .
    قال الله تعالى { فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فعدَّة من أيام أُخر } .
    عن عائشة رضي الله عنها زوج النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : " أأصوم في السفر " ؟ - وكان كثير الصيام - فقال : " إن شئتَ فصم وإن شئتَ فأفطر ".
    رواه البخاري ( 1841 ) ومسلم ( 1121 ) .
    5. المرض
    للآية السابقة .
    وليس المرض المراد في الآية المرض الذي لا يشق على صاحبه الصوم معه ، ولا يضره ، فإن هذا من أهل الوجوب .
    وإنما المراد به المرض الذي يشق على صاحبه الصوم معه ، ويضره ، فيؤخِّر برأَه أو يزيد في مرضه ، فمثل هذا يحرم عليه الصيام ويجب عليه الفطر .
    ومثله المرض الذي يجوز لصاحبه التخلف عن الصلاة في المسجد أو عن الجهاد ، وليس هو وجع الأصبع أو أذى الضرس وما شابههما فإن مثل هذه الأعذار لا يكاد يخلو منها أحد وهي ليست معوقة عن الصيام .
    فإن شق عليه الصيام بسبب المرض ولم يضره : كره له الصيام ولم يحرم .
    6. الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة
    عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ " وعلى الذين يطوقونه فلا يطيقونه " { فدية طعام مسكين } قال ابن عباس : ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يومٍ مسكيناً .
    رواه البخاري ( 4235 ) .
    7. الحامل والمرضع
    عن أنس بن مالك - رجل من بني عبد الله بن كعب - قال : أغارت علينا خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته يتغدى فقال : " ادن فكل " ، فقلت : إني صائم ، فقال : " ادن أحدثك عن الصوم - أو الصيام - إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحامل أو المرضع الصوم - أو الصيام - " .
    رواه الترمذي ( 715 ) والنسائي ( 2274 ) وأبو داود ( 2408 ) وابن ماجه ( 1667 ) .
    قال أبو عيسى – الترمذي - : حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن .
    والأصح من أقوال أهل العلم : أنَّ على الحامل والمرضع القضاء سواء خافتا على نفسيهما أو على ولديهما أو على كليهما معاً .


    8 . الحائض والنفساء
    عن معاذة قالت : سألت عائشة فقلت : ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟ فقالت : أحرورية أنت ؟ قلت : لست بحرورية ولكني أسأل ، قالت : كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة .
    رواه البخاري ( 315 ) ومسلم ( 335 ) .
    و " حرورية " : نسبة إلى حروراء بالعراق نسب إليها طائفة من الخوارج والتي ترى وجوب قضاء الصلاة مع الصوم بالنسبة للحائض والنفساء .

    = تنبيه

    - وعلى المسافر والمريض والحائض والنفساء والحامل والمرضع : القضاء فقط .
    - وعلى الرجل الكبير والمرأة الكبيرة والمريض مرضاً مزمناً : الفدية وهي طعام مسكين، وهي وجبة عن كل يوم ، ولا يجزئ إخراجها مالاً .

    9. قضاء رمضان
    وهذه مسائل تكثر الحاجة إليها فيما يتعلق بالقضاء :
    أ. وقت قضاء الصوم
    يستمر قضاء الفائت مِن رمضان بعذرٍ إلى رمضان الذي بعده ، ومن دخل عليه رمضان الآخر ولم يصم ما عليه بغير عذر : أثم ، ولم يسقط عنه القضاء ، وأوجب بعض أهل العلم عليه : الكفارة وهي طعام مسكين عن كل يوم .
    عن أبي سلمة قال : سمعت عائشة رضي الله عنها تقول : " كان يكون عليَّ الصوم مِن رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان" .
    رواه البخاري ( 1849 ) ومسلم ( 1146 ) .
    ب. من مات وعليه صوم قضاء أو أي صوم واجب
    - فلوليه أن يبرئ ذمة الميت بأداء الصوم عنه برّاً به ، من غير إلزام .
    - وإذا كانت ذمة الميت مشغولة بالإطعام أطعم عنه وليُّه .
    - وفي صوم غير الولي خلاف قوي ؛ الأظهر جوازه من غير الولي لتشبيه النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ذلك بقضاء الدين ، وهو ما لا يختص به الولي أو القريب ، وهو ما رجحه الإمام البخاري وأبو الطيب الطبري من الشافعية وغيرهما .
    - وذِكر الولي في الحديث للغالب ، والله أعلم .
    عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " مَن مات وعليه صيام صام عنه وليُّه " .
    رواه البخاري ( 1851 ) ومسلم ( 1147 ) .
    三. لا يشترط التتابع في صيام القضاء
    للإطلاق في الآية بقوله تعالى { فعدَّةٌ مِن أيام أخر } .
    قال ابن عباس رضي الله عنه : لا بأس أن يفرِّق .
    رواه البخاري ( بعد 1848 ) معلِّقاً ، ووصله الدارقطني ( 2 / 192 ) .

    10. أحاديث ضعيفة وموضوعة مشتهرة في رمضان

    أ. لا تقولوا رمضان ، فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ، ولكن قولوا : شهر رمضان .
    " ترتيب الموضوعات " للذهبي (570 ) ، " الفوائد المجموعة " للشوكاني ( 251 ) .
    ب. شهر رمضان معلَّق بين السماء والأرض ، ولا يرفع إلى الله إلا بزكاة الفطر .
    " العلل المتناهية " لابن الجوزي ( 824 ) ، " الضعيفة " للألباني ( 43 ) .
    ج. مَن صلَّى في آخر جمعة من رمضان ، الخمس الصلوات المفروضة في اليوم والليلة ، قضت عنه ما أخل به من صلاة سنَتِه .
    " الفوائد المجموعة " ( 157 ) .
    七. من أفطر يوماً مِن رمضان مِن غير رخصةٍ ولا عذرٍ ، كان عليه أن يصوم ثلاثين يوما ، ومن أفطر يومين كان عليه ستون ، ومن أفطر ثلاثا كان عليه تسعون يوماً.
    " الفوائد المجموعة " ( 276 ) ، " الموضوعات " لابن الجوزي ( 2 / 197 ) .
    八. صوموا تصحوا .
    " تخريج الإحياء " للعراقي ( 3 / 75 ) ، " الضعيفة " ( 253 ) .
    九. أن امرأتين صامتا وأن رجلا قال يا رسول الله إن هاهنا امرأتين قد صامتا وإنهما قد كادتا أن تموتا من العطش فأعرض عنه أو سكت ثم عاد وأراه قال بالهاجرة قال يا نبي الله إنهما والله قد ماتتا أو كادتا أن تموتا قال ادعهما قال فجاءتا قال فجيء بقدح أو عس فقال لإحداهما قيئي فقاءت قيحاً أو دماً وصديداً ولحماً حتى قاءت نصف القدح ثم قال للأخرى قيئي فقاءت من قيحٍ ودمٍ وصديدٍ ولحمٍ عبيطٍ وغيره حتى ملأت القدح ثم قال إن هاتين صامتا عما أحل الله وأفطرتا على ما حرم الله عز وجل عليهما جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يأكلان لحوم الناس .
    " الضعيفة " ( 519 ) .
    一零. عن سلمان قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال ثم أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم شهر مبارك شهر فيه ليلة خير من ألف شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعا من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة وشهر المواساة وشهر يزداد فيه رزق المؤمن من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره أن ينتقص من أجره شيء قالوا ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم فقال يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار من خفف عن مملوكه غفر الله له وأعتقه من النار واستكثروا فيه من أربع خصال خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غنى بكم عنهما فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه وأما اللتان لا غنى بكم عنها فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار ومن أشبع فيه صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة .
    " العلل " لابن أبي حاتم ( 1 / 249 ) ، " الضعيفة " ( 871 ) .
    一一. ليتَّقِه الصائم – يعني : الكحل - .
    " مجموع الفتاوى " ابن تيمية ( 25 / 234 ) ، " الضعيفة " ( 1014 ) .

    11. فوائد متفرقة

    一. لم يشرع الصوم للجوع والعطش ، ولم يكن الصوم عند السلف مناسبة لتنويع الطعام ، والتنقل بين أصناف الشراب ، بل كان مناسبة لزيادة الإيمان ، وفرصة للقرب من الرحمن ، تحصيلاً للتقوى ، وتكميلاً للنفع .
    قال ابن القيم رحمه الله : وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات فهو من أكبر العون على التقوى كما قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذي من قبلكم لعلكم تتقون }.
    "زاد المعاد " ( 2 / 29 ) .
    二. قال ابن القيم :
    وكان فرضه – أي : صوم رمضان - في السنة الثانية من الهجرة فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صام تسع رمضانات وفرض أولاً على وجه التخيير بينه وبين أن يطعم عن كل يوم مسكيناً ثم نقل من ذلك التخيير إلى تحتم الصوم وجعل الإطعام للشيخ الكبير والمرأة إذا لم يطيقا الصيام فإنهما يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكينا . أ.هـ
    " زاد المعاد " ( 2 / 30 ) .
    三. وقال :
    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات فكان جبريل عليه الصلاة والسلام يدارسه القرآن في رمضان وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة وكان أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف .
    وكان يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره به من الشهور . أ.هـ
    " زاد المعاد " ( 2 / 32 ) .
    四. وقال :
    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل في صوم رمضان إلا برؤية محققة أو بشهادة شاهد واحد كما صام بشهادة ابن عمر وصام مرة بشهادة أعرابي واعتمد على خبرهما ولم يكلفهما لفظ الشهادة فإن كان ذلك إخباراً فقد اكتفى في رمضان بخبر الواحد وإن كان شهادة فلم يكلف الشاهد لفظ الشهادة فإن لم تكن رؤية ولا شهادة أكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً .أ.هـ
    " زاد المعاد " ( 2 / 38 ، 39 ) .
    五. لا يجوز التفريط بصلاة المغرب جماعة ، فقد همَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت من يصلي في بيته ، ومن وضع الطعام بنفسه فليس بمعذور ، إنما العذر حيث وضع الطعام دون اختيارك وقصدك .
    六. ونوصي المسلمين بقيام رمضان لقوله صلى الله عليه وسلم " من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه "
    رواه البخاري ( 37 ) ومسلم ( 759 ) .
    وهذه الصلاة ينبغي أن تكون على هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قدر المستطاع ، فقد وصفت عائشة رضي الله عنها صلاته فقالت " فلا تسأل عن طولهن وحسنهنَّ "
    رواه البخاري ( 1096 ) ومسلم ( 738 ) .
    وكثير من الناس – هداهم الله – يبحثون عن الإمام الذي ينقر صلاته نقراً ، فلا يقيم أركانها ، ولا يعطيها حقَّها ومستحقَّها ، ويظن الواحد منهم أنها همٌّ يريد إزاحتها عن نفسه ، وإلقاءَها عن ظهره ، ولا يدري المسكين أنها نافلة ، والأصل في النوافل الإطالة ، ثم تجد كثيراً من هؤلاء قد فرَّطوا في الفرائض ، فلا تجدهم في صلاة الفجر ، ولا في المغرب من باب أولى وأحرى ، وإذا أطال إمامهم الصلاة قاموا عليه شرَّ قومة ، فالله المستعان .
    七. وإن تيسر لك أخي المسلم عمرة في رمضان ، فلا تفوِّت هذه الفرصة ، فقد قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم " عمرة في رمضان تعدل حجة " .
    رواه البخاري ( 1690 ) ومسلم – واللفظ له – ( 1256 ) .
    八. وإياك أن تكون من عبَّاد رمضان ، فتصلي وتصوم وتقرأ القرآن فيه ، ثم تقول في آخر يوم منه " هذا فِراقٌ بيني وبينكم " !! فأنت من المسلمين العبيد لله تعالى، وإنَّ ربَّ رمضان غيرُ غافلٍ عنك وهو لك بالمرصاد ، فاتقِّ الله في نفسك ولا تقودها إلى الهاوية ، واحرص أن تكون بعد رمضان كما أنت فيه ، ولا تقطع صلاةً ولا صياماً ولا قراءةً للقرآن ، فالموتُ قريبٌ ، والأجل المحتوم لا بدَّ آتٍ .
    九. وصدقة الفطر تُخرج صاعاً من أرز أو تمر – والصاع يعادل 2,5 كيلو – لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة " .
    رواه البخاري ( 1432 ) ومسلم ( 984 ) .
    وهو قول جمهور العلماء ومنهم الشافعي ومالك وأحمد ، ومن خالف ذلك فلا النص اتبع ، ولا هؤلاء الأئمة قلَّد .
    一零. فليتق الله تعالى أولئك الذين يقضون نهارهم في النوم ، وليلهم أمام ( التلفزيون ) ، ينظرون إلى المحرمات ، ويستبيحون سماع الأغنيات ، وهم عن الذكر غافلون ، وفي اللغو غارقون ، اصطادهم الشيطان ، فأنساهم ذكر الرحمن .
    一一. يثبت الشهر برؤية الهلال ، ولا فرق أن نراه بأعيننا أو نظاراتنا أو مناظيرنا ، وأما الحساب فلا اعتبار به لدخول الشهر .
    قال الله تعالى { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } .
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه يقولا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين" .
    رواه البخاري ( 1810 ) ومسلم ( 1081 ) .
    وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إنَّا أمَّة أمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين" .
    رواه البخاري ( 1814 ) ومسلم ( 1080 )
    قال شيخ الإسلام رحمه الله : قوله "إنا أمَّة أمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب" : هو خبر تضمن نهيا فإنه أخبر أن الأمة التي اتبعته هي الأمة الوسط أمية لا تكتب ولا تحسب فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمة فيكون قد فعل ما ليس من دينها والخروج عنها محرم منهي عنه فيكون الكتاب والحساب المذكوران محرمين منهيا عنهما وهذا كقوله "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" أي هذه صفة المسلم فمن خرج عنها خرج عن الإسلام ومن خرج عن بعضها خرج عن الإسلام في ذلك البعض ... أ.هـ
    " مجموع الفتاوى " ( 25 / 164 ، 165 ) .
    一二. إذا كان النهار فأفاق المجنون ، أو طهرت الحائض ، أو أقام المسافر ، أو برئ المريض ، أو بلغ الصبيُّ ، أو أسلم الكافر : لم يلزم الصومُ واحداً مِن أولئك ؛ لأنهم لم يكونوا من أهل الوجوب في أول النهار ، ومَن أمسك – ممن يجب عليه القضاء – لم ينفعه ، ووجب القضاء بعد زوال العذر بعد رمضان .
    一三. من البدع المنتشرة : إمساك بعض الناس قبل الفجر بوقت على الأذان الأول الذي يسمُّونه " أذان الإمساك " ، ولا أصل لذلك في الشرع ، بل يحل الطعام والشراب والجماع إلى أن يتحقق طلوع الفجر ، كما سبق بيانه فيما يباح للصائم .
    ص. والصحيح مِن أقوال أهل العلم : أنَّه من أكل أو شرب أو جامع ظانّاً عدم طلوع الفجر ، أو ظانَاً غروب الشمس : أنه لا شيء عليه ، ويؤيد الأول حديث عديٍّ رضي الله عنه ، ويؤيد الثاني حديث أسماء رضي الله عنها .
    أما الأول : فعن عَدِيٍّ قال : أخذ عديٌّ عقالاً أبيض وعقالاً أسود حتى كان بعض الليل نظر فلم يستبينا ! فلما أصبح قال يا رسول الله جعلت تحت وسادي عقالين قال إن وسادك إذاً لعريض ! أن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك " .
    رواه البخاري ( 4239 ) ومسلم ( 1090 ) .
    وأما الثاني : فعن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت أفطرنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم غيم ثم طلعت الشمس " .
    رواه البخاري ( 1858 ) .
    قال الحافظ ابن حجر : وأما حديث أسماء فلا يحفظ فيه إثبات القضاء ولا نفيه ..... وجاء ترك القضاء عن مجاهد والحسن وبه قال إسحق وأحمد في روايته ، واختاره ابن خزيمة ، فقال : قول هشام " لا بدَّ من القضاء " لم يسنده ، ولم يتبين عندي أن عليهم قضاء ..أ.هـ
    " فتح الباري " ( 4 / 250 ، 251 ) .
    一五. وبخَّاخ الربو : إن كان هواءً مضغوطاً : فإنه لا يفطر ، وإن كان مع الهواء مادة أو مواد : صار استعماله في نهار رمضان من المفطرات .
    一六. وصيام ستّاً من شوال بعد رمضان : يعدل صوم العام كله ، ومن ابتدأ بصيام هذه الست قبل الانتهاء مما عليه من رمضان : لم يكسب ذلك الأجر ؛ لأنَّ الأجر لمن أتمَّ صيام الشهر – في وقته أو قضاءً – ثم أعقبه بتلك الست .
    一七. وليس العيد لمن لبس الجديد ، بل العيد لمن خاف يوم الوعيد .
    والله أعلم ، وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم
    وكتبه : أبو طارق ، إحسان بن محمد بن عايش العتيـبي ( إربد 7406877 ) .
    في : 24 / شعبان / 1420 هـ ، 2 / 12 / 1999 م .
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-10-03
  5. علي المآربي

    علي المآربي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-03-10
    المشاركات:
    5,835
    الإعجاب :
    0
    الصيام أحكام وآداب


    الصيام أحكام و آداب
    ياسر بن عبد العزيز الربيع
    yasseraa@islamway.net



    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين ..

    أنبأني الشيخ المحدث عبد الله بن عبد الرحمن السعد النجدي حفظه الله ، والشيخ الشريف حاتم بن عارف العوني المكي حفظه الله ، كلاهما عن محمد بن عبد الله الصومالي رحمه الله ( ت سنة 1420 هـ ) عن الشيخ سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان النجدي ثم المكي رحمه الله ( ت سنة 1397 هـ ) ح ..

    وأنبأني أعلى بدرجة الشيخ العلامة يحيى بن عثمان المدرس بالحرم المكي الشريف حفظه الله عن سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان ،

    وأرويه أعلى بإجازة الشيخ سليمان بن حمدان رحمه الله لمن أدرك حياته ..

    يرويه الشيخ سليمان عن الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري النجدي رحمه الله ( ت سنة 1373 هـ ) عن الشيخ القاضي سعد بن حمد بن عتيق النجدي رحمه الله ( ت سنة 1349 هـ ) عن أحمد بن إبراهيم بن عيسى النجدي رحمه الله ( ت سنة 1329 هـ ) عن عبد الرحمن بن حسن ابن الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله ( ت عبد الرحمن سنة 1285 هـ ) عن جده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ( ت 1206 هـ ) عن محمد حياة السندي ثم المدني رحمه الله ( ت سنة 1163 هـ ) عن أبي طاهر محمد بن إبراهيم بن حسن الكوراني ثم المدني رحمه الله ( ت سنة 1145 هـ ) عن أبيه أبي الثناء إبراهيم بن حسن الكوراني المدني رحمه الله ( ت سنة 1101 هـ ) عن تقي الدين عبد الباقي بن عبد الباقي البعلي ثم الدمشفي الحنبلي رحمه الله ( ت سنة 1071 هـ ) عن عبد الرحمن بن يوسف البهوتي المصري الحنبلي رحمه الله ( ت سنة 1089 هـ ) عن تقي الدين محمد بن أحمد بن عبد العزيز المعروف بابن النجار الفتوحي رحمه الله ( ت 972 هـ ) عن أبيه أحمد بن عبد العزيز المعروف بابن النجار الفتوحي رحمه الله ( ت سنة 949 هـ ) عن بدر الدين أبي المعالي محمد بن ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر السعدي المصري الحنبلي رحمه الله ( ت سنة 900 هـ ) عن عز الدين أبي البركات أحمد بن إبراهيم الكناني رحمه الله ( ت 876 هـ ) عن عائشة بنت محمد بن عبد الهادي المقدسية رحمها الله ( ت سنة 816 هـ )

    عن الحافظ المتفنن علم الدين أبي محمد القاسم بن محمد البرزالي الدمشقي الشافعي رحمه الله ( ت 739 هـ ) و الإمام الحافظ أبي الحجاج جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن المزي الدمشقي الشافعي رحمه الله ( ت سنة 742 هـ ) و الإمام الحافظ شمس الدين أبي عبد الله أحمد بن محمد بن عثمان بن قايماز الذهبي الدمشقي الشافعي رحمه الله ( ت سنة 748 هـ ) و الإمام محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية رحمه الله ( ت سنة 751 هـ ) ح

    ويرويه عز الدين أبو البركات أنزل عن محب الدين أحمد ابن نصر الله محمد بن عمر البغدادي الأصل ثم الدمشقي ثم المصري الحنبلي رحمه الله ( ت سنة 844 هـ ) عن الإمام أبي الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الدمشقي المشهور بابن رجب الحنبلي رحمه الله ( ت سنة 795 هـ ) عن ابن القيم ،

    كلهم ( البرزالي والمزي والذهبي وابن القيم ) عن الإمام الحجة الحافظ شيخ الإسلام وشامة الشام العلم المتفنن أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي الحنبلي رحمه الله ( ت سنة 728 هـ ) عن بقية المسندين فخر الدين أحمد بن علي بن عبد الواحد المقدسي المعروف بابن البخاري رحمه الله ( ت سنة 696 هـ ) أخبرنا المسند أبو علي حنبل بن عبد الله بن الفرج الواسطي ثم البغدادي رحمه الله ( ت سنة 604 هـ ) أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني رحمه الله ( ت سنة 525 هـ ) أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن محمد المعروف بابن المُذْهِب مسند العراق رحمه الله ( ت سنة 444 هـ ) أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي البغدادي مسند العراق راوي المسند رحمه الله ( ت سنة 368 هـ ) حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله ابن إمام أهل السنة في عصره الإمام المبجل أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني البغدادي رحمها الله ( ت عبد الله سنة 290 هـ ) حدثني أبي رضي الله عنه ( ت سنة 241 هـ ) حدثنا ربعي بن إبراهيم أخو إسماعيل بن علية البصري رحمه الله ( ت سنة 198 هـ ) عن عبد الرحمن بن إسحاق هو القرشي رحمه الله ( لم أقف على وفاته ) عن سعيد بن أبي سعيد كيسان المقبري المدني رحمه الله ( ت سنة 123 هـ أو 125 هـ ) عن أبي هريرة _ رضي الله عنه _ الصحابي المكثر ( ت سنة 57 هـ ) قال : قال رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ : (( رغم أنف رجل ذكرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان فانسلخ قبل أن يغفر له ، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة)) .

    هكذا رواه إمام أهل السنة في مسنده ، وأخرجه الترمذي بما رويناه في سننه بهذا اللفظ وقال : حديث حسن غريب .

    نعم أيها الأحبة إنه شهر الخير والبر والجود ... شهر النفحات والخيرات والبركات .. شهر الصوم ، والصوم ضياء ، والصوم جنة ... شهر المغفرة والعتق من النار ...
    إن فضائل هذا الشهر الكريم أشهر من أن تذكر ... فمنها :

    ما ثبت في الصحيحين واللفظ للبخاري من حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه _ قال : قال رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ : (( إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة )) ،

    وفي الصحيحين أيضاً واللفظ للبخاري من حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه _ عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : (( إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين )) .
    وثبت في الصحيحين أيضاً واللفظ للبخاري عن أبي هريرة _ رضي الله عنه _ عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ أنه قال : (( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه )) .
    ولهما واللفظ للبخاري من حديث سهل بن سعد رضي الله عنهما عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : (( إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة ، لا يدخل منه أحد غيرهم ، يقال : أين الصائمون ؟ فيقومون ، لا يدخل منه أحد غيرهم ، فإذا دخلوا أغلق ، فلم يدخله أحد )) .

    فالحمد لله على النعمة .. الحمد لله على النعمة .. ، سبحانك ما أعظمك ، ما أحلمك ، أنت البر الرحيم ، تَمُنُّ علينا بنعمك وتيسر لنا طريق مرضاتك ، وأنت الغني عنا ونحن الفقراء إليك ، فلك الحمد كثيراً كثيراً ؛ كما تنعم كثيراً كثيراً ..
    ذلكم شهر الخير .. فيه ليلة خير من ألف شهر ، فأي فضل احتواه هذا الشهر الكريم ؟!! وأي رفعة سينالها من ألزم نفسه طاعة ربه ؟!! .. إنها أيام قلائل في عمرنا قد جمع الله لنا فيها الخير العميم فما نحن فاعلون ؟!!
    ليلة خير من ألف شهر .. خير من ألف شهر !! خير من ثلاث وثمانين سنة ، فيا لله !! أَطْلِقْ يا عبدَ الله لعقلك أن يتصور .... أجر ثلاث وثمانين سنة تدركها بليلة !! ،
    بل تصور إنك إنْ حبست نفسك على طاعة الله تعالى في ليلة القدر فكأنك قد عبدت ربك ثلاثاً وثمانين سنة دون عصيان !! ، أي كرامة فوق هذه الكرامة ؟!! ، وأي فضل فوق هذا الفضل ؟!! ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم .. فيا باغي الخير أقبل .... يا باغي الخير أقبل ... ويا باغي الشر أقصر ..

    نعم ... هذه بعض من فضائل هذا الشهر العظيم ، فما عساه يكون حال من فرط فيه وأضاعه وضيعه ؟!!

    روي في الحديث وقد بشر النبي _ صلى الله عليه وسلم _ صحابته بقدوم الشهر الكريم فجاء فيه : ( إن أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار ) ..
    والحديث أخرجه ابن خزيمة وأشار إلى توهينه من حديث سلمان الفارسي _ رضي الله عنه _ . وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف .

    نعم إن فضائل هذا الشهر عظيمة وكثيرة ، وإنها لنعمة يمتن الله بها علينا أن بلغنا هذا الشهر الكريم ، فلنتفكر أيها الأحبة ..
    كم من حبيب ودعناه الثرى وهو يرجو أن يبلغه الله هذا الشهر الكريم ؟!!
    كم من معافى أصابه المرض فتحسر على أن أدركه هذا الشهر ولم يستطع صومه ؟
    وكم ،،، وكم ،،
    ونحن بحمد الله بنعمة وعافية ، وفي دار الإمهال .. أفلا تستحق نعمة إدراكنا لهذا الشهر الكريم الحمد والشكر ؟!! ، فكيف وإدراك رمضان مكفر للذنوب ... جاء عند مسلم من حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه _ عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : (( الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر )) ...
    أما وإن النعم لتدوم بالشكر ، وقليل من عباد الله الشكور ... ، والشكر يكون باللسان حمداً وبالطاعات فعلاً .. نسأل الله تعالى أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته ..
    كما أسأله تعالى لي ولكم حسن العاقبة والختام ، وأن يبلغنا مواسم الخيرات والطاعات والغفران ونحن بصحة وعافية وأمن وإيمان .. اللهم آمين .

    أيها الأحبة في الله ..
    لقد تقرر عندنا بأن لشهر رمضان مزيةً على غيره من الشهور ... و حيال ذلك فلا بد لنا من أن نعطي هذا الشهر الكريم قدره ، وأن ننظر إلى سبل الاستفادة منه ، وأن نحذر من التفريط فيه ، فقد قدمت في الحديث الذي سقته من مسند الإمام أحمد أن من أدركه هذا الشهر وخلفه ولم يغفر له فهو راغم الأنف مغبون خاسر هالك ، نسأل الله السلامة والعافية ...

    نعم .. أي خسارة تعتري الإنسان أشد من خسارة الآخرة ؟!!
    بل لو قيل لنا بأن هناك تجارة ما تحتاج من العمل إلا القليل القليل من الجهد ، وإلا القليل القليل من المصابرة والحرص .. لأيام قلائل معدودات .. والأرباح فيها بالملايين !! ،
    فلو فرط الإنسان في هذه الملايين وتقاعس وأخلد إلى هواه ، ولم يبذل ، فما عسانا أن نحكم عليه ؟!!

    فانظروا يا رعاكم الله إلى من فرط في المغفرة ورفعة الدرجات وليلة هي خير من ألف شهر ... أي خسارة قد أصابها ، وأي غبن أصيب به ؟!!
    اللهم لا تحرمنا فضلك وأسبغ علينا رحمتك يا أرحم الراحمين .؟

    إن هذا الشهر الكريم ليس كغيره من الشهور ؛ لما فيه من ميزات اختص بها ، كصيام نهاره وجوباً وقيام ليله جماعة في المساجد ، واستحباب العمرة فيه ..
    فيه ليلة خير من ألف شهر ، وفيه تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النيران وفيه تصفد مردة الشياطين .

    ومن هنا فإنه ينبغي علينا أن نعطي هذا الشهر حقه من الأهمية ومن المدارسة ..

    ولذا أحببت أن أذكر نفسي وإياكم بما ينبغي علينا ، والله المسؤول أن يعطينا ما أملناه منه ، وأن يؤمننا مما نخاف منه ، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل وأن يمن علينا بالرضا والقبول ، إنه سميع قريب مجيب ..


    المبحث الأول : لماذا نصوم ؟

    قال الحق تبارك وتعالى : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} ..
    فالصيام واجب ، قد أوجبه الله تعالى علينا كما أوجبه على غيرنا من الأمم ..
    وبين الله الحكمة من إيجاب هذا الصوم بقوله : { لعلكم تتقون } ؛ أي لأجل أن نحقق تقوى الله تعالى باتباع ما أمرنا به واجتناب ما نهانا عنه ..

    إن الحكمة من الصيام هي تهذيب النفس وقسرها على طاعة الله تعالى .. حيث يصوم العبد نهاره بلا أكل ولا شرب ولا شهوة ، ويصون سمعه وبصره عما حرم الله عليه ، ويظل لسانه يلهج بذكر ربه ... ويحيي ليله قائماً وراكعاً وساجداً وداعياً ومنيباً وباكياً وخاشعاً وقارئاً ومتصدقاً ..
    هنا تصفو نفسه .. حيث لا داعي للرياء .. أمْرُ عبادة الصوم ما بينه وبين ربه عز وجل ..
    ولذا جاء في الصحيحين واللفظ لمسلم من حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه _ عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : (( كل عمل ابن آدم يضاعف ، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، قال الله عز وجل : إلا الصوم ، فإنه لي وأنا أجزي ؛ يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ، للصائم فرحتان ؛ فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقاء ربه ، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك )) .
    لقد جعل الله تعالى جزاء الصوم إليه تعالى ؛ لكون العبد ما صام إلا له تعالى ولأجله سبحانه ..
    نعم .. إن الفطر لا يمكن أن يطلع عليه أحد من الناس ، ولكن العبد صام وأقلع عن طعامه وشرابه وشهوته امتثالاً لأمر الله تعالى وطلباً لرضاه سبحانه ، فحقق تقوى ربه عز وجل ، وضيق مجاري الشيطان في جسده بصومه فأقبلت نفسه على عبادة ربه .. ، ولذا كافأه ربه بأن جعل ثواب صومه إليه تعالى .. وما ظنكم بأكرم الأكرمين سبحانه ، وكيف سيجازي عبده على عبادته ؟ (( إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، يدع طعامه وشرابه وشهوته لأجلي )) .
    إنها والله الغنيمة العظمى ..

    نعم إنها التقوى ... إنها التقوى { لعلكم تتقون } ، وهي الحكمة والغاية من العبادة ...

    نعم .. أن يكون تركنا للمشارب والمآكل والشهوة إخلاصاً لله تعالى واتباعاً لأمره .. ، وحينها نشعر بأثر العبادة ، نشعر بأثرها علينا في أجسامنا ومجتمعنا وقلوبنا والدنيا بأسرها ..

    ولذا أيها الأحبة يجب علينا أن نفتش في دواخل قلوبنا ونفوسنا ، وأن نخلص له تعالى في عملنا ...

    نعم لنتأمل قوله _ صلى الله عليه وسلم _ : (( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) .. ( إيماناً واحتساباً ) .. إيماناً بالله تعالى وتصديقاً لنبيه _ صلى الله عليه وسلم _ وعملاً بما أمره الله به ، واحتساباً للأجر منه تعالى لا من غيره ..

    فلم يصم لأجل أن الناس صاموا .. أو لأجل أن لا يقال عنه : بأنه مفطر .. بل صام إيماناً واحتساباً ...
    وعليه فإني أوجه النداء لنا كلنا بأن نتقي الله تعالى في هذا الشهر الكريم وأن نحقق التقوى في الصيام لله تعالى لا لغيره ..
    فيا من اجتهدت في الصيام وضيعت الصلاة .. ما حققت التقوى ... فاتق الله والزم طاعته ، واعلم بأن ما أنت عليه معصية عظيمة ..
    ويا من أمضى نهاره صائماً عما أحل الله له في غير رمضان من طعام وشراب ومأكل ؛ امتثالاً لأمر الله .. لكنه كذب وغش واغتاب وبهت ونمَّ وتكلم في أعراض الناس وسخر من هذا وذاك وأكل الحرام .. ما حققت يا أخي التقوى وأنت قائم على تلك المعاصي .. فتب إلى ربك وحقق التقوى بامتناعك عن تلك الكبائر ، ولقد جاء في الصحيح: (( من لم يدع قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه )) .

    ويا من اجتهد في النهار في الصوم وتلاوة القرآن والحرص على الصدقة .. وضيَّع الليل ما بين شياطين الفضاء والقنوات الملهية وقيل وقال ولعب وسهر وضياع .. ما حققت يا أخي التقوى .. فاتق الله والزم طاعة ربك واحذر مخالفته ومعصيته ....

    نعم ( لعلكم تتقون ) ، إن رمضان فرصة لنا أن نجدد العهد مع الله تعالى ، وأن نتوب ونؤوب إليه وأن نتخلص من أمراض قلوبنا وذنوبنا وأن نصحح مسيرنا إلى الله تعالى بالتوبة النصوح ولزوم العمل الصالح ..
    إنها فرصة لنا كي نفتح صفحة جديدة من أعمارنا نعمرها بالعبادة وبالقرب منه تعالى ...
    إنها فرصة لنا كي نصفي ما بيننا وبين أنفسنا وأقربائنا وأهلنا..
    فرصة لصلة الرحم ، وبذل المعروف وفعل الجميل والإكثار من الطاعات وتلمس ذوي الحاجات ..

    لم يكن رمضان شهر السهر والسمر والأكل والشرب .. كلا ، بل هو شهر العبادة ،
    أتدرون ما العبادة ؟ عبادة الجسد والروح ، عبادة القلب والروح ، عبادة الظاهر والباطن ،
    العلم والعمل ، الجد والمثابرة ، وهزيمة النفس الأمارة بالسوء والشيطان ..
    إن غزوة بدر الكبرى يوم الفرقان التي خلد الله ذكرها في كتابه كانت في رمضان ،
    وفتح بلد الله الحرام مكة المكرمة يوم أن اندحر الشرك والكفر عن أطهر البقاع كان في رمضان ، والخير كله في رمضان ..
    نعم لم يكن شهر كسل ودعة وأكل وشرب وسهر وضياع ونغم وأفلام ومسلسلات ومسابقات وفوازير ..
    والله إننا لنستحي من الله تعالى أن يمن علينا بنعمة هذا الشهر الكريم وما فيه من الفضائل وعظيم الأجر ، وينظر إلينا سبحانه وقد قابلنا نعمته بالجحود .. لعب ولهو وسمر وسهر .. ، لا بل ينزل تبارك وتعالى في ثلث الليل الآخر ، وبعضنا على حالة ... نسأل الله أن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ..
    نعم كلنا مقصرون ، وكلنا مذنبون ، ولكن لنتفكر يا عباد الله .. لنتفكر قبل أن لا ينفع الندم ولا ينفع العمل .. والله المستعان .

    إنه ينبغي علينا رجالاً ونساءً أن نتقي الله في صيامنا وأن نحقق الإيمان والاحتساب فيه ..

    ولعلي أهمس في أذن أختي المسلمة لأقول :
    إياكِ ثم إياكِ وأن يذهب عليك شهرك سدى ، ما بين نوم وطبخ وسواليف وزيارات وتلفاز ..

    أدركي أختي فجيعة فوات العمر ، ... وما أشد الفجيعة حينما يفوت على المسلمة رمضان ولم يغفر لها ؟ ، أسأل الله لنا التوفيق والهداية والرشاد .

    ثانياً- رمضان شهر الخير والبر تتعلق به أحكام شرعية من صيام وقيام وتلاوة قرآن وصدقة وجود وبذل للخير ، وعمرة واعتكاف ..
    ولعل بعض المسائل يكثر السؤال عنها ولذا أحببت أن أبين ما يتعلق بها على سبيل الإيجاز ..

    1- أما قراءة القرآن فإنها مشروعة في كل وقت .... بل لا بد لنا من أن نتدارس القرآن الكريم ..

    ولعل مما ينعى على بعضنا أنهم لا يعرفون القرآن إلا في رمضان ، وهذا بلا شك خطأ كبير .. بل إن هجران القرآن مما جاء فيه الذم في كتاب الله تعالى ، { وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً } ...

    2- وأما الصدقة والجود بالخير ، فإن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان ، ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، وسيأتي بسط الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى ..
    وللصدقة باب آخر ، سيأتي الحديث عنه في زكاة الفطر .

    بقي هنا ما يتعلق بالصيام وبالعمرة والاعتكاف ..
    وهي محل حديثنا في المبحث القادم :


    المبحث الثاني : الصوم :

    1- وفي الصوم عدة مسائل :

    حكم الاحتياط بالصوم قبل رمضان لرمضان :
    قدمنا بأن الصوم من فرائض الإسلام ومبانيه العظام ، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين ،

    والصوم هو التعبد لله تعالى بالإمساك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من ظهور الفجر الثاني إلى غروب الشمس .

    ويثبت دخول شهر رمضان برؤية هلاله أو بإتمام شعبان ثلاثين يوماً ، ولو مع غيم وقتر حال دون الرؤية .

    ولا يجوز تقدم صوم رمضان بيوم أو يومين احتياطاً للصوم ، إلا لمن كان عادةً يصوم الاثنين والخميس مثلاً ، وصادف ذلك قرب رمضان ، أو كان يصوم كفارةً أو قضاءً ..
    أما صيام يومين أو يوم قبل رمضان احتياطاً له ، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه _ مرفوعاً : (( لا تقدَموا رمضان بصوم يوم أو يومين ، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه )) .

    2- على من يجب الصوم ؟ :
    ويجب الصوم على المسلم العاقل البالغ القادر المقيم الخالي من الموانع الشرعية .

    أما قولنا المسلم : فقد خرج به الكافر ، فإنه لا يصح الصوم منه ..

    وعليه فإنه لا بد من أن ينتبه إلى ما يقع من كثيرين نسأل الله السلامة ... بعض الناس يتهاون بالصلاة ، ولا يصليها ويتركها تهاوناً وكسلاً ، وإذا جاء رمضان يصوم وهو قائم على تهاونه بالصلاة .. و الذي ترك الصلاة كافر - نسأل الله السلامة - ولا يقبل منه صومه وإن صامه .

    وأما قولنا العاقل : فخرج به المجنون ، وفاقد وعيه بإغماء ، أو من أصيب بما يسمى بالموت الدماغي - نسأل الله السلامة والعافية ، ولجميع مرضى المسلمين الشفاء التام - ، وكذا المخرِّف ... فهؤلاء لا يجب عليهم الصوم لفقد شرط التكليف .

    وخرج بقولنا البالغ : الصغير الذي لم يبلغ ، فإنه يُعوَّدُ على الصيام ولا يجب عليه ، ولو أفطر في أثناء النهار فلا شيء عليه ..
    جاء في الصحيح من حديث الرُبيِّع بنت معوِّذ _ رضي الله عنها _ أنها قالت في صيام عاشوراء لما فُرض : ( كنا نُصَوِّمُ صبياننا ، ونجعل لهم اللعبة من العِهْنِ ، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار ) .

    ومما ينبغي التنبيه عليه هنا معرفة علامات البلوغ :

    فالصغير يبلغ بإحدى ثلاث :
    1- بلوغ خمسة عشرة سنة . 2- أو إنبات الشعر الخشن في الإبطين والعانة . 3- أو إنزال المني ، 4- وتزيد المرأة بالحيض .

    وإن مما يؤسف له أن نجد تساهل كثيرين من الآباء والأمهات في عدم حث أبنائهم على الصيام وقد يكونون من أهل الوجوب ، ومع هذا فلا يأمروهم به ، وهذا منكر عظيم ، يتحمل الوالدان مسئوليته ؛ لأنهما راعيان ومسؤولان أمام الله تعالى عن أمانة أولادهم ..

    وقولنا القادر : خرج به من لا يقدر على الصوم لمرض أو لكبر ، وخرج به الحامل والمرضع ، ولهؤلاء أحكام ستأتي إن شاء الله .

    وخرج بقولنا مقيم : المسافر ؛ فإنه يباح له الفطر سواء شق الصوم عليه أو لم يشق .

    وخرج بقولنا الخالي عن الموانع الشرعية : الحائض والنفساء ؛ فإنه يحرم عليهما الصيام وقت الحيض والنفاس ، ولا يصح منهما .

    3- آداب الصيام وسننه :
    قد تقدم الكلام على أفضلية هذا الشهر ، واختصاصه بعبادة الصوم ، ولذا ينبغي على الصائم أن يتأدب بالأدب الشرعي في صومه ..
    وسأذكر بإذن الله تعالى جملة من الآداب والسنن والواجبات التي ينبغي على الصائم أن يأتي بها :

    أ- السحور :
    وهو من السنن ، فيسن الحرص عليه ، وتأخيره ، وقد ثبت في الصحيح عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ أنه قال : " تسحروا فإن في السحور بركة " ..
    فهو غداء مبارك ؛ بشهادة النبي _ صلى الله عليه وسلم _ ، وفيه مخالفة لأهل الكتاب ، وقد شرع لنا مخالفتهم ..

    ب- ومن السنن : تعجيل الفطر لقوله _ صلى الله عليه وسلم _ : " لا يزال الناس بخير ما عجّلوا الفطر " رواه البخاري ..

    ويسن للصائم أن يفطر على رطب ، فإن لم يجد فتميرات ، فإن لم يجد فيفطر على ماء ،
    وقد جاء في حديث أنس رضي الله عنه قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يُفطر قبل أن يصلي على رطبات ، فإن لم تكن رطبات فتميرات ، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء ." رواه الترمذي 3/79 وغيره وقال حديث حسن غريب وصححه في الإرواء برقم 922 ،

    ولقد ثبت طبياً أثر البداية على الرطب أو التميرات ومن ثم الماء ... ؛ لأن الإفطار على التمر والماء يحقق الهدفين : وهما دفع الجوع والعطش .
    وتستطيع المعدة والأمعاء الخالية امتصاص المواد السكرية بسرعة كبيرة ، كما يحتوي الرطب والتمر على كمية من الألياف مما يقي من الإمساك ، ويعطي الإنسان شعورا بالامتلاء فلا يكثر الصائم من تناول مختلف أنواع الطعام .

    جـ- ويسن له يقول بعد إفطاره ما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ كان إذا أفطر قال : " ذهب الظمأ ، وابتلت العروق ، وثبت الأجر إن شاء الله " رواه أبو داود ، وحسنه الدارقطني إسناده 2/185 .، وفي الباب أحاديث لا تثبت .

    د- ومما يجب على الصائم : البعد عن الرفث لقوله _ صلى الله عليه وسلم _ " .. إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث .. " رواه البخاري ..
    والرفث : هو الوقوع في المعاصي ..
    وقال النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : " من لم يدع قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " ، البخاري .

    وينبغي أن يجتنب الصائم جميع المحرمات كالغيبة والفحش والكذب ، فربما ذهبت بأجر صيامه كله ، وقد روي : " رُبّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع " . رواه ابن ماجه ، وفيه اختلاف في رفعه ووقفه .

    هـ- وينبغي على الصائم أن لا يصخَب ؛ لما ثبت عنه _ صلى الله عليه وسلم _ : " وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم ، إني صائم " ، فواحدة تذكيراً لنفسه ، والأخرى تذكيرا لخصمه .

    إن الناظر في أخلاق بعضنا في الصيام يجد خلاف هذا الخُلق الكريم فيجب ، وكأن الناس قد اترفعت دماؤهم إلى أنوفهم ، فما إن تتأخر لحيظة عند الإشارة وقد أصبحت خضراء إلا وأرتال المنبهات تنهال عليك من السيارات حولك ، وكأنك قد ارتكبت منكراً عظيماً .. بل لربما سمعت الشتائم من هنا وهناك ، وكأننا في ضغط نفسي ... بل بعضهم يتهجَّم ويتكتَّم ( يتنرفز ) ؛ لأتـفه الأسباب ، بل تراه مستعداً متحفزاً للشجار مع أي أحد حتى مع نفسه ، ولو كلمته لقال : ( تراها واصلة ، تراني صايم ) !! ،
    فالواجب ضبط النفس ، والصوم راحة وجنة ووقاية ... ، والأحرى بكل واحد منا أن يهذبه صومه وأن يتبع فيه هدي النبي _ صلى الله عليه وسلم _ ...

    وعليه فلا بد من السكينة والهدوء وحسن الخلق والبشاشة ..

    و- ويكره الإكثار من الطعام ، لحديث " ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنٍ .. " رواه الترمذي رقم 2380 وقال هذا حديث حسن صحيح .. وكثرة الأكل تجلب النعاس والخمول ، الشهر شهر عبادة وطاعة .. بل إن الفائدة التي تحققت بالصوم من راحة الجسم ، تزول بكثرة الأكل ، بل لربما أدى ذلك إلى عسر الهضم وآلام المعدة ، فحيث كانت المعدة في أثناء النهار في راحة ، إذا بأرتال اللحوم والشحوم والمشارب وألوان الطعام تنهال عليها !! ..
    أضف إلى ذلك الثقل الذي يراه أحدنا إذا أكثر من الأكل وقت صلاة التروايح ، بل بعضهم يكثر من أكل ما به رائحة فيؤذي المصلين ..

    ولعل ما ينبغي التنبيه عليه أننا نجد كثيرين يستعدون لشهر الصوم بأنواع من المآكل والمشارب !! فتراهم يتزاحمون على أماكن التموين وبيع المواد الغذائية وكأنهم مقدمون على مجاعة !!

    ومع ما بينته من أثر سلبي على كثرة الأكل ... فإن له مضرة أخرى كنت قد أشرت لها وهي إشغال وقت النساء بالطبخ وإعداد أصناف وألوان الطعام ، مما يفوت عليهن الأوقات الشريفة واستغلالها بالطاعة ..

    ز- ومما يندب له ويستحب في هذا الشهر بالذات :
    الجود بأنواعه .. بالعلم والمال والجاه والبدن والخُلُق ..
    فقد مرَّ بنا ما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن ، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة " .

    فكيف بأناس استبدلوا الجود بالبخل والنشاط في الطاعات بالكسل والخمول فلا يتقنون الأعمال ولا يحسنون المعاملة متذرِّعين بالصيام .

    بل إن مما يرجى أن يكون أسباب دخول الجنة الجمعَ بين الصيام والإطعام ؛ كما جاء في الحديث : " إن في الجنة غرفا يُرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام ، وألان الكلام ، وتابع الصيام ، وصلى بالليل والناس نيام " رواه أحمد 5/343 وابن خزيمة رقم 2137 وقال : إن صح الخبر ، وقال الألباني في تعليقه : إسناده حسن لغيره ، والحديث جاء من وجهين ضعيفين ، والله تعالى أعلم .

    ومن أوجه الجود في هذا الشهر الكريم تفطير الصائمين ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من فطّر صائماً كان له مثل أجره ، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء . " رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .

    قال شيخ الإسلام رحمه الله : والمراد بتفطيره أن يُشبعه . الاختيارات الفقهية ص : 109

    وقد آثر عدد من السلف ـ رحمهم الله ـ الفقراءَ على أنفسهم بطعام إفطارهم ، منهم : عبد الله بن عمر ، ومالك بن دينار ، وأحمد بن حنبل وغيرهم . وكان عبد الله بن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين .

    ح- ويسن في رمضان أداء صلاة التراويح جماعة في المساجد :

    أما أولاً فأنبه على ما ذكرته سلفاً من الحرص على الصلوات في وقتها ، وأنه يجب على الرجال صلاة الجماعة في المساجد وأنه لا يسعهم التخلف عنها .

    ومع التراويح وقفات ، وقفة مع الأئمة ، ووقفة مع عموم الناس ، ووقفة مع النساء :
    وقبل هذه الوقفات أحب أن أذكر فضل قيام رمضان ؛ فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) .
    وجاء في قيام ليلة القدر بخصوصها أن فضلها غفران ما تقدم من الذنوب ، وقد تقدم الحديث في ذلك .
    ولذا فلا بد لنا من أن نستغل هذا الأجر العظيم والفضل الكبير ، وأن نحرص على أداء التروايح مطمئنين خاشعين ...


    أما الوقفات :

    فالوقفة الأولى مع الأئمة وفيها أقول :

    لقد منَّ الله تعالى عليكم أن يسر لكم الإمامة ، وهي منصب عظيم ، فلا بدَّ لكم من أن تعوا مسئوليتكم وأمانتكم ، مما يلاحظ على بعض الأئمة :

    1- السرعة في القراءة والصلاة ؛ لأجل أن يختم ، ولا شك بأن الختمة غير واجبة .. ، مع ما يصاحب الإسراع من الإخلال بشيء من الركوع والسجود والطمأنينة والخشوع .

    2- الاعتداء في الدعاء والإطالة فيه ، مع أن المسنون ترك ذلك أحياناً ، وقد علَّم النبي _ صلى الله عليه وسلم _ الحسن ابن بنته _ رضي الله عنهما _ دعاء القنوت بكلمات طيبات مباركات ..
    نعم لا تقول بأنه لا يجوز الزيادة على ما ذكر ، ولكن الحرص على السنة وعلى الصحيح المأثور والجوامع من الدعاء فيه خير كثير ، وبه تنال أجر الدعاء والمتابعة ، وتسلم من الزلل والمخالفة .

    3- تفويت بعض الأئمة فرصة إقبال الناس وموسم الطاعة ، بحيث يتقاعسون عن تذكيرهم ونصحهم وإرشادهم سواء بعد الصلاة ما بين الوقت والآخر .. أو بين الآذان والإقامة ، أو بالزيارات .. ورمضان ولياليه فرصة للدعوة والنصح .
    والحمد لله فإن النفوس مقبلة على الخير في رمضان ، فاستغلال ذلك لا بد منه ، وقد كان _ صلى الله عليه وسلم _ يتخول أصحابه بالموعظة ؛ كما في حديث ابن مسعود _ رضي الله عنه _ ..

    كما ينبغي على الإمام أن يستعد بمذاكرة العلم ، ومدارسة مسائل الصيام وكافة أبواب العلم ؛ لأجل أن يكون حيث يريده المأمومون ... ، ولا شك بأن هذا من باب الجود الذي قد قدمنا ذكره ..

    وأما الوقفة مع عموم الناس ، فقد قدَّمت فيما سبق من آداب الصيام شيئاً كثيراً ، وأخص هنا ما يلي :

    1- الإكثار والمبالغة في تتبع المساجد .. والتنقل طلباً للصوت فقط ، وقد جاء في الحديث عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : (( ليصل أحدكم في المسجد الذي يليه ولا يتبع المساجد )) [ رواه الطبراني - وصححه الألباني في صحيح الجامع ] ..
    وقد نهى السلف عن ذلك ؛ لما فيه من هجر بعض المساجد .. والتأخير عن تكبيرة الإحرام ، وما قد يحصل من عشق الأصوات ... وغيره ..
    نعم .. لا حرج في أن يلتزم المصلي بمسجد ولو كان غير مسجده ويستمر معه إلى نهاية رمضان إن وجد ذلك أدعى لحصول الخشوع وتدبر القراءة .

    2- الصراخ والعويل عند البكاء .. أو رفع الصوت والتكلف في البكاء .. وليس هذا من هدي السلف _ رضي الله عنهم _ .. بل كان قدوتنا _ صلى الله عليه وسلم _ إذا بكى سُمع له أزيز كأزيز المرجل فحسب .. فالتكلُّف منهي عنه ، وهو مدعاة للرياء وفيه إزعاج للمصلين .. ومن غُلب فهو معذور ولكن لا بد من اتباع الهدي النبوي في ذلك .

    3- التأثر من كلام البشر ، وعدم التأثر من كلام رب البشر ، وذلك بالبكاء من الدعاء فقط وأما القرآن فلا ، والله تعالى يقول : { لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ } .

    4- البعض ينتظر الإمام حتى يركع وينشغل بالكلام فإذا ركع دخل معه في الصلاة ، _ ويكثر هذا في الحرم _ وهذا العمل فيه ترك لمتابعة الإمام وتفويت تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة .. فلا يليق بك – أخي الحبيب – فعله .

    5- النظر في المصحف داخل الصلاة حال قراءة الإمام ، _ وهذا يكثر في الحرم _ ، وفي هذا العمل عدة مساوئ فمنها كثرة الحركة باليدين وبالبصر ، ومنها ترك سنة القبض ، ووضع اليدين على الصدر ، ومنها ترك النظر إلى موضع السجود .. إلخ .

    6- اكتفاء البعض بأربع أو ست ركعات مع الإمام ثم ينصرف إلى دنياه وفي هذا فوات لأجر عظيم ، قال فقد جاء فيما أخرجه الترمذي وغيره ، وقال الترمذي حديث حسن صحيح من حديث أبي ذر عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : (( من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة)) .

    7- كثير من الناس تصيبهم مسائل تتعلق بصيامهم أو صلاتهم أو عبادتهم ، ومع هذا لا يسألون أهل العلم ، بل كثير منهم قد يأتي أموراً تترتب عليها أحكاماً شديدة ، ومع هذا يظل على جهله أو لا يبالي إن سأل أو لم يسأل ..
    ولا شك بأن أمر العبادة أمر عظيم ، ولا بد للإنسان من أن ينتبه لدينه وأن يعبد الله تعالى على بصيرة ..

    والوقفة الأخيرة من هذه الوقفات مع أمهاتنا وأخواتنا وزوجاتنا وفتياتنا ، مع شقائق الرجال حرسهن الله :

    1- أخواتي في الله .. إن هذا الشهر عظيم وفضله كبير ، فأري الله من نفسك خيراً ، وأكثري من العمل الصالح ، وإياك وأن يغرك أعوان الشيطان الفضائيين وغيرهم ، وإياك ونفسك أن تلهيك بالأسواق والمشتريات .

    2- تحضر كثير من أخواتنا المساجد طلباً للخير .. ، وفعلهن مشروع لا غبار عليه ..
    ولكن بعض النساء هداهن الله يحضرن إلى المسجد وهنَّ متبخرات متعطرات ... وفي هذا مخالفة عظيمة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية )) - نسأل الله العافية - ، رواه أحمد والترمذي وقال : حسن صحيح ،

    ولعل الأمر يزداد خطورة إذا ما ذهبت المرأة إلى السوق وهي بهذه الحال ...
    فالأمر جدُّ خطير ، وعلى النساء وأولياء أمورهن ملاحظة ذلك .

    3- ومما يلاحظ أيضاً عدم التستر الكامل وإظهار شيء من الشعر ، ولبس العباءة ذات الأكمام الطويلة التي تظهر السواعد .. ،
    مع أن الواجب عليها ستر جميع جسدها ، وأن لا يكون حجابها شفافاً ولا ضيقاً بل واسعاً ساتراً فضفاضاً ، وأن لا تظهر شيئاً من زينتها ؛ امتثالاً أمر الله تعالى لها ..
    وهذا ليس كبتاً وحبساً لها وإنما احتراماً وصيانة وحماية لها .. ولنؤمن جميعاً بأن ما أمرنا الله به فيه مصلحتنا ، وفيه الخير لنا .

    4- الحضور إلى المسجد مع السائق الأجنبي بمفردها .. فترتكب بذلك مخالفة شرعية من أجل الحصول على أمر مباح أو مستحب لها ، وهذا خطأ .

    5- إحضار الأطفال المزعجين وإشغال المصلين بذلك والتشويش عليهم . والمساجد يجب أن تُصان من ذلك ..

    6- يلاحظ على كثيرات من أخواتنا الاشتغال بعد الصلاة بالقيل والقال والكلام في الناس وارتفاع الأصوات بذلك حتى يسمعهن الرجال بدلاً من قول سبحان الملك القدوس ( ثلاثاُ) والذكر والاستغفار !!.

    والسنة أن ينصرفن مباشرة بعد فراغ الإمام ولا يتأخرن إلا لعذر ، والرجال يبقون قليلاً حتى تنصرف النساء ، أو ينتظر النساء قليلاً حتى يخرج الرجال ، فلا يكون الخروج في وقت واحد خاصة إذا كانت الأبواب متقاربة فيحصل الزحام والاختلاط على الأبواب .

    7- عدم التراص في الصفوف ، ووجود الفرجات ، والخلل فيها . والواجب تسوية الصفوف وإكمالها ، وسد الفرج .
    وبعض أخواتنا هداهن الله لا يستجبن لمن يدعوهن إلى رص الصف وتمامه في الصلاة ... فلا بد من الانتباه إلى ذلك .

    ومما أود الحديث عنه في ختام هذه الوقفات ما نراه بأن الوالدين يأتيان إلى المسجد ويتركان أبناءهما أمام التلفزيون وضياع الوقت والمعاصي من مشاهدة الأفلام وسماع أغاني ونحوها .. أو مصاحبة الفساق والله يقول : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } ، فلا بد من المحافظة على الأبناء ، وتعويدهم على العمل الصالح في هذا الشهر الكريم ..


    المبحث الثالث :
    مسائل فقهية يكثر السؤال عنها :

    أولاً - مفسدات الصوم :
    ينبغي أن يعلم بأن إفساد الصوم عمداً من الذنوب العظيمة ، فانتهاك حرمة الشهر الذي فرض الله صيامه وعصيان أمر الله تعالى بالفطر منكر عظيم جداًَ ، ومن أفطر في نهار رمضان بأي مفطر بلا عذر وكان عامداً مستحلاً للفطر لا يرى وجوبه عليه فهو كافر والعياذ بالله ؛ لكونه أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة ، وإن أفطر بلا عذر عامداً غير مستحل فقد جاء بمنكر عظيم وذنب كبير يستوجب التعزير . يقول الحافظ الذهبي رحمه الله : وعند المؤمنين مقرر أن من ترك صوم رمضان من غير عذر أنه شرّ من الزاني ومدمن الخمر ، بل يشكّون في إسلامه ، ويظنّون به الزندقة والانحلال .
    وقال شيخ الإسلام رحمه الله : إذا أفطر في رمضان مستحلاً لذلك وهو عالم بتحريمه استحلالاً له وجب قتله ، وإن كان فاسقاً عوقب عن فطره في رمضان . مجموع الفتاوى 25/265 .

    أما مفسدات الصوم :
    1- فأشدها الجماع في نهار رمضان ، فإن جامع من وجب في حقه الصوم زوجته وكانت راضية غير معذورة أو زنى والعياذ بالله أو جامع في الدبر والعياذ بالله من ذكر أو أنثى ، فسد صومهما ولزمهما قضاء اليوم و الكفارة المغلظة ، وهي على الترتيب : عتق رقبة ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً .

    وهنا ينبغي أن أنبه إلى خطورة التساهل في هذا الأمر ، وأنه ينبغي على الزوجين أن يأخذا كافة الاحتياطات ؛ حفاظاً على صومهما ، وأن من وقع منه ذلك فقد جاء بمنكر عظيم ؛ فقد قال الصحابي الذي وقع منه ذلك الفعل : يا رسول الله هلكت . قال : (( وما أهلكك )) ؟ قال : وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم .. متفق عليه . فهذا أمر منكر ، ولا بد من التوقي منه ، ولا بدَّ على الزوجة أن تمتنع عن زوجها إذا راودها وأن تذكره بالله تعالى ، كما ينبغي عليهما البعد عن أسباب الإثارة ، والله المستعان .
    كما يجب أن لا يتساهل في أمر الكفارة فيؤتى بها مرتبة ، والله تعالى أعلم .

    ويدخل في حكم الجماع الاستمناء ، فإن استمنى فسد صومه ولزمه القضاء ، ولا تلزمه الكفارة .

    2- الأكل والشرب عمداً ممن يجب في حقه ، وهنا مسائل :
    من أكل أو شرب عالماً عامداً ذاكراًَ بطل صومه ، وقد جاء بأمر عظيم كما بينت سلفاً ، وعليه القضاء .
    من أكل أو شرب ناسياً فلا شيء عليه ولا قضاء وليتم صومه ؛ لما ثبت في حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه _ المتفق عليه عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : (( من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه ؛ فإنما أطعمه الله وسقاه )) .

    وينبغي على من رأى من يأكل أو يشرب ناسياً أن ينبهه على ذلك ؛ من باب التعاون على البر والتقوى ..

    ويدخل في حكم الأكل والشرب الإبر المغذية التي يستفيد منها الجسم استفادته من الأكل والشرب ؛ كالمغذيات ، وكذلك إدخال الدم إلى الجسم .

    أما الإبر غير المغذية كالأنسولين وإبر الحمى الشوكية فالذي عليه الفتوى عند اللجنة الدائمة للإفتاء أنها لا تفطر ، والأولى أن تستخدم بعد الإفطار .

    3- ومن المفطرات الحجامة ، واختلف العلماء فيها بناء على اختلافهم هل حديث (( أفطر الحاجم والمحجوم )) هل هو منسوخ أو محكم ؟ ، والذي عليه الفتوى عند اللجنة الدائمة أن الحجامة تفطر .

    والتبرع بالدم يأخذ حكم الحجامة بجامع إضعاف البدن ، وعليه فيفطر المتبرع بالدم . بناء على فتوى اللجنة الدائمة .

    4- الحيض والنفاس ، فإن حاضت المرأة أو نفست في نهار رمضان ولو قبل مغيب الشمس ، لزمها القضاء .

    5- إذا تقيأ الإنسان عمداً بطل صومه ، حكى إجماع العلماء على ذلك ابن المنذر ، وجاء عند الترمذي وقال : حسن غريب من حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه _ عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : (( من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ، ومن استقاء عمداً فليقضِ )) ، قال الترمذي رحمه الله : والعمل عند أهل العلم على حديث أبي هريرة ...


    ثانياً - ما لا يفسد به الصوم :
    1- خروج الدم من الإنسان ، غير دم الحيض والنفاس ؛ كالرعاف أو دم الجرح أو الاستحاضة ... ، وكذا أخذ التحليل اليسير لا يفسد الصوم على ما عليه الفتوى عنه عند اللجنة الدائمة .

    أما التبرع بالدم فقد تقدم الكلام عليه ، وأنه يلحق بالحجامة على ما عليه فتوى اللجنة الدائمة .

    2- يكثر سؤال الناس عن بعض العلاجات الطبية وهل تفطر أم لا ؟ ..
    وأنا أسوق هنا قراراً من قرارات مجمع الفقه الإسلامي ، بخصوص بعض العلاجات الطبية التي حكموا بأنها لا تفطر :

    أولاً : الأمور التالية لا تعتبر من المفطرات :
    1- قطرة العين ، أو قطرة الأذن ، أو غسول الأذن ، أو قطرة الأنف ، أو بخاخ الأنف ، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق .
    2- الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق .
    3- ما يدخل المهبل من تحاميل (لبوس)،أو غسول،أو منظار مهبلي ،أو إصبع للفحص الطبي .
    4- إدخال المنظار أو اللولب ونحوهما إلى الرحم .
    5- ما يدخل الإحليل ، أي مجرى البول الظاهر للذكر أو الأنثى ، من قثطرة ( أنبوب دقيق ) أو منظار ، أو مادة ظليلة على الأشعة ، أو دواء ، أو محلول لغسل المثانة .
    6- حفر السن ، أو قلع الضرس ، أو تنظيف الأسنان ، أو السواك وفرشاة الأسنان ، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق .
    7- المضمضة ، والغرغرة ، وبخاخ العلاج الموضعي للفم إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق .
    8- الحقن العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية ، باستثناء السوائل والحقن المغذية .
    9- غاز الأكسجين .
    10- غازات التخدير ( البنج ) ما لم يعط المريض سوائل ( محاليل ) مغذية .
    11- ما يدخل الجسم امتصاصاً من الجلد كالدهونات والمراهم واللصقات العلاجية الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية .
    12- إدخال قثطرة ( أنبوب دقيق ) في الشرايين لتصوير أو علاج أوعية القلب أو غيره من الأعضاء .
    13- إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها .
    14- أخذ عينات ( خزعات ) من الكبد أو غيره من الأعضاء ما لم تكن مصحوبة بإعطاء محاليل .
    15- منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل ( محاليل ) أو مواد أخرى .
    16- دخول أي أداة أو مواد علاجية إلى الدماغ أو النخاع الشوكي .
    17- القيء غير المتعمد بخلاف المتعمد ( الاستقاءة ) .

    ثانياً : ينبغي على الطبيب المسلم نصح المريض بتأجيل ما لا يضره تأجيله إلى ما بعد الإفطار من صور المعالجات المذكورة فيما سبق . أ.هـ ، حتى لا يؤثّر ذلك في صحة صيامه

    ومما تعم به البلوى الفكس ، وهل يعد من المفطرات ؟
    وقد سئل فضيلة الشيخ محمد صالح المنجد ما يلي :
    أسال عن الرائحة المنبعثة من الفكس هل لها جرم يدخل إلى المعدة عند الادهان بالفكس على منطقة الجبهة والأنف أثناء الصيام ؟ .
    الجواب:
    الحمد لله
    الرائحة المنبعثة من الفكس لا تؤثر على الصيام ، لأنها مجرد رائحة ولا جرم لها يدخل إلى المعدة . انتهى جوابه .

    المبحث الرابع :
    أحكام تتعلق بالصيام :

    1- يباح للمسافر مسافة قصر أن يفطر في نهار رمضان وأن يقضي يوماً مكانه ؛ لقوله تعالى : { فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام آخر} .

    2- المريض له حالات :
    الأولى- إن كان لا يستطيع الصوم مع المرض ، أو كان يستطيع ويشق عليه الصوم مع مرضه ، فله الفطر .

    والثانية- إن كان الصوم يضره وربما أدى به إلى أضرار أو إتلاف نفسه ؛ كمن به فشل كلوي عافانا الله وإياكم وشفى المسلمين المصابين به ، فهنا يجب عليه أن يفطر ويحرم عليه الصوم ؛ لقوله تعلى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ولتحريم قتل النفس ، وقد جاء الشرع بحفظ الضرورات الخمس ومنها النفس .

    فإن كان المريض به مرض يرجى زواله وبرؤه ؛ فإنه يفطر ويقضي ، متى ما شفاه الله تعالى ، ولا كفارة عليه .

    فإن مات من هذه حاله ، قبل أن يقضي ، فإن كان مات قبل شفائه ، فلا يصام عنه .

    وإن شفي وتمكن من القضاء لكنه أخره حتى مات ولم يقض ، فيشرع ويستحب لأقربائه أن يصوموا عنه . والدليل حديث عائشة رضي الله عنها المتفق عليه عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : (( من مات وعليه صيام ، صام عنه وليه )) . وقد أفتت اللجنة الدائمة بذلك .

    الثالثة- المريض بمرض لا يرجى برؤه حكمه حكم الكبير العاجز عن الصيام ، وسيأتي حكمه بإذن الله تعالى .

    3- من به عجز ( دائم ) وهو الذي لا يرجى ذهابه ويمنعه من الصيام ؛ كالشيخ الكبير ، والمريض مرضاً لا يرجى برؤه كمن يحتاج إلى أخذ علاج في النهار طيلة حياته . فهذا لا يجب عليه الصوم ، ولا يستطيع القضاء ، وإنما يجب عليه : أن يطعم مكان كل يوم مسكيناً .
    فعن عطاء ـ رحمه الله ـ سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ : " وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين " قال ابن عباس : " ليست بمنسوخة ، هو الشيخ الكبير ، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعما مكان كل يوم مسكيناً " أخرجه البخاري .
    وهل يطعمهم بداية الشهر عن ثلاثين يوماً ؟ قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله : لا يقدم ؛ لأن تقديم الفدية كتقديم الصوم ، فهل يجزئ أن تقدم الصوم في رمضان ؟

    4- الحامل والمرضع :
    صيام الحامل والمرضع لا يخلو حالهما من ثلاث حالات :
    إما أن تخاف كل واحدة منهما على نفسها فقط .
    وإما أن تخاف على طفليهما فقط .
    وإما أن تخاف على نفسيهما وطفليهما .

    فإن خافت الحامل أو المرضع على نفسيهما فقط ، أفطرتا وعليهما القضاء فقط ، قال ابن قدامة رحمه الله : لا نعلم فيه بين أهل العلم اختلافاً .
    وإن خافت على نفسيهما وولديهما ، أفطرتا وقضتا .

    وأما إن كان الفطر بسبب الولد ؛ أي أن المرأة تقوى على الصوم لكنها تخاف على ولدها أو جنينها أن يتأثر ، فهنا المسألة فيها خلاف ، وذهب كثير من العلماء عدهم ابن قدامة إلى أنهما تفطران وتقضيان وليس عليهما الإطعام ؛ لحديث أنس بن مالك وهو صحابي من بني عبد الله بن كعب وليس هو بأنس الصحابي المعروف ، قال _ رضي الله عنه _ عن رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ قال : (( إن الله قد وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ، وعن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام )) ، قال الترمذي : وفي الباب عن أبي أمية ، وحديث أنس بن مالك حديث حسن .. والعمل على هذا عند بعض أهل العلم . فلم يأمرهما بكفارة ، وشبههما بالمسافر وقد جاء في الآية : { فعدةٌ من أيام أخر} .
    وذهب بعض أهل العلم إلى أنهما تفطران وتقضيان وتطعمان ،
    وهناك من العلماء من فرق بين الحامل والمرضع . وهناك من قال بأنهما تفطران وتطعمان ولا تقضيان ..
    والذي يظهر من فتاوى اللجنة الدائمة أن عليهما القضاء فقط دون الإطعام ، وبه يقول شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله . ولو أطعمت وقضت فأحوط ؛ عملاً بفتيا ابن عباس وابن عمر والله تعالى أعلم .

    4- تستحب العمرة في رمضان ؛ لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس _ رضي الله عنهما _ أن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ قال لامرأة من الأنصار : (( ما منعك أن تحجين معنا )) ؟ قالت : كان لنا ناضح فركبه فلان وابنه - لزوجها وابنه - وترك ناضحاً ننضح عليه . قال : (( فإذا كان رمضان اعتمري فيه ، فإن عمرة في رمضان حجة )) ، وجاء من وجه آخر عند ابن حبان ( تعدل حجة معي ) ، والمعنى في الثواب ، ولا يسقط بها فرض الحج .

    وأما صفة العمرة :
    فقد جاء عن سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله :

    1- إذا وصل من يريد العمرة إلى الميقات استحب له أن يغتسل ويتنظف ، وهكذا تفعل المرأة ولو كانت حائضاً أو نفساءً ، غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر وتغتسل . ويتطيب الرجل في بدنه دون ملابس إحرامه . فإن لم يتيسر الاغتسال في الميقات فلا حرج ، ويستحب أن يغتسل إذا وصل مكة قبل الطواف إذا تيسر ذلك .

    2- يتجرد الرجل من جميع الملابس المخيطة ، ويلبس إزاراً ورداء ، ويستحب أن يكونا أبيضين نظيفين ، ويكشف رأسه . أما المرأة فتحرم في ملابسها العادية التي ليس فيها زينة ولا شهرة .

    3- ثم ينوي الدخول في النسك بقلبه ، ويتلفظ بلسانه قائلا : ( لبيك عمرة ) أو ( اللهم لبيك عمرة ) ، وإن خاف المحرم ألا يتمكن من أداء نسكه ؛ لكونه مريضا أو خائفا من عدو ونحوه شرع له أن يشترط عند إحرامه فيقول : ( فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني ) ؛ لحديث ضُباعة بنت الزبير _ رضي الله عنها _ أنها قالت : يا رسول الله ، إني أريد الحج وأنا شاكية ، فقال _ صلى الله عليه وسلم _ : (( حجي واشترطي أنَّ محلي حيث حبستني )) متفق على صحته ، ثم يلبي بتلبية النبي _ صلى الله عليه وسلم _ وهي : ( لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ) ويكثر من هذه التلبية ، ومن ذكر الله سبحانه ودعائه ، فإذا وصل إلى المسجد الحرام سُنَّ له تقديم رجله اليمنى ويقول : ( بسم الله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم ، اللهم افتح لي أبواب رحمتك ) ، كسائر المساجد ، ثم يشتغل بالتلبية حتى يصل إلى الكعبة .

    4- فإذا وصل إلى الكعبة قطع التلبية ، ثم قصد الحجر الأسود واستقبله ، ثم يستلمه بيمينه ويقبله إن تيسر ذلك ، ولا يؤذي الناس بالمزاحمة . ويقول عند استلامه : ( بسم الله والله أكبر ) أو يقول : ( الله أكبر ) ، فإن شق التقبيل استلمه بيده أو بعصا أو نحوها وقبل ما استلمه به ، فإن شق استلامه أشار إليه وقال : ( الله أكبر ) ، ولا يقبل ما يشير به . ويشترط لصحة الطواف : أن يكون الطائف على طهارة من الحدث الأصغر والأكبر ؛ لأن الطواف مثل الصلاة غير أنه رخَّص فيه في الكلام .

    5- يجعل البيت عن يساره ، ويطوف به سبعة أشواط ، وإذا حاذى الركن اليماني استلمه بيمينه إن تيسر ، ويقول : ( بسم الله والله أكبر ) ، ولا يقبله ، فإن شق عليه استلامه تركه ومضى في طوافه ، ولا يشير إليه ولا يكبر ؛ لأن ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم . أما الحجر الأسود فكلما حاذاه استلمه وقبله وكبر - كما ذكرنا سابقا - وإلا أشار إليه وكبر . ويستحب الرمل - وهو : الإسراع في المشي مع تقارب الخطا - في جميع الثلاثة الأشواط الأولى من طواف القدوم للرجل خاصة .

    كما يستحب للرجل أن يضطبع في طواف القدوم في جميع الأشواط ، والاضطباع : أن يجعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر . ويستحب الإكثار من الذكر والدعاء بما تيسر في جميع الأشواط . وليس في الطواف دعاء مخصوص ولا ذكر مخصوص ، بل يدعو ويذكر الله بما تيسر من الأذكار والأدعية ، ويقول بين الركنين :
    ( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) في كل شوط ؛ لأن ذلك ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم . ويختم الشوط السابع باستلام الحجر الأسود وتقبيله إن تيسر ، أو الإشارة إليه مع التكبير حسب التفصيل المذكور آنفاً . وبعد فراغه من هذا الطواف يرتدي بردائه فيجعله على كتفيه وطرفيه على صدره .

    6- ثم يصلي ركعتين خلف المقام إن تيسر ، فإن لم يتمكن من ذلك صلاهما في أي موضع من المسجد . يقرأ فيهما بعد الفاتحة : ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) في الركعة الأولى ، و : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) في الركعة الثانية، هذا هو الأفضل ، وإن قرأ بغيرهما فلا بأس . ثم بعد أن يسلِّم من الركعتين يقصد الحجر الأسود فيستلمه بيمينه إن تيسر ذلك .

    7- ثم يخرج إلى الصفا فيرقاه أو يقف عنده ، والرقي أفضل إن تيسر ، ويقرأ عند بدء الشوط الأول قوله تعالى: ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) ويستحب أن يستقبل القبلة على الصفا ، ويحمد الله ويكبره ، ويقول : ( لا إله إلا الله ، والله أكبر ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير . لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ) ، ثم يدعو بما تيسر ، رافعاً يديه ، ويكرر هذا الذكر والدعاء ( ثلاث مرات ) .

    ثم ينزل فيمشي إلى المروة حتى يصل إلى العلم الأول فيسرع الرجل في المشي إلى أن يصل إلي العلم الثاني . أما المرأة فلا يشرع لها الإسراع ؛ لأنها عورة ، ثم يمشي فيرقى المروة أو يقف عندها ، والرقي أفضل إن تيسير ، ويقول ويفعل على المروة كما قال وفعل على الصفا ، ما عدا قراءة الآية المذكورة ، فهذا إنما يشرع عند الصعود إلى الصفا في الشوط الأول فقط ؛ تأسياً بالنبي _ صلى الله عليه وسلم _ ، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه ، ويسرع في موضع الإسراع حتى يصل إلى الصفا ، يفعل ذلك سبع مرات ذهابه شوط ورجوعه شوط . وإن سعى راكبا فلا حرج ولا سيما عند الحاجة . ويستحب أن يكثر في سعيه من الذكر والدعاء بما تيسر ، وأن يكون متطهرا من الحدث الأكبر والأصغر ، ولو سعى على غير طهارة أجزأه ذلك .

    8- فإذا كمل السعي يحلق الرجل رأسه أو يقصره ، والحلق أفضل . وإذا كان قدومه مكة قريبا من وقت الحج فالتقصير في حقه أفضل ؛ ليحلق بقية رأسه في الحج . أما المرأة فتجمع شعرها وتأخذ منه قدر أنملة فأقل . فإذا فعل المحرم ما ذكر فقد تمت عمرته - والحمد لله - وحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام .

    وفقنا الله وسائر إخواننا المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه ، وتقبل من الجميع ، إنه سبحانه جواد كريم .

    وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين .

    5- يجتهد العبد في رمضان كله ، ويجتهد أكثر في الليالي العشر الأخيرة منه تحرياً ليلة القدر ؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر من رمضان مالا يجتهد في غيرها بالصلاة والقراءة والدعاء ، فروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ قال : (( كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر )) . ولأحمد ومسلم : (( كان يجتهد في العشر الأواخر مالا يجتهد في غيرها )) .

    والعشر الأخير ترجى فيها ليلة القدر ، وقد حث النبي _ صلى الله عليه وسلم _ على قيام ليلة القدر إيماناً واحتساباً ، فقد تقدم عن أبي هريرة _ رضي الله عنه _ عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ أنه قال : (( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه )) متفق عليه ، وهذا الحديث يدل على مشروعية إحيائها بالقيام .

    و من أفضل الأدعية التي تقال في ليلة القدر ما علَّمه النبي _ صلى الله عليه وسلم _ عائشة _ رضي الله عنها _ ، فروى الترمذي وصححه عن عائشة _ رضي الله عنها _ قالت : ( قلت يا رسول الله ! أ رأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها ؟ ) قال : (( قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني )) .
    والمستحب إحياؤها بالصلاة وقراءة القرآن والذكر والدعاء ..

    وهل هي ليلة 27 أو غيرها ؟
    الصواب أن تخصيص ليلة من رمضان بأنها ليلة القدر يحتاج إلى دليل يعيّنها دون غيرها ، ولكن أوتار العشر الأواخر أحرى من غيرها والليلة السابعة والعشرون هي أحرى الليالي بليلة القدر ؛ لما جاء في ذلك من الأحاديث الدالة على ما ذكرنا .

    لكن الواجب الاجتهاد في العشر كلها ، ولعل من حكمة إخفاء ليلة القدر أن نجتهد في العبادة ..

    وبعض الناس يخصص في العشر أوراداً معينة أو يخص ليلة سبع وعشرين بعمرة ونحو ذلك ، وهذا من البدع .. فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) ، وفي رواية : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) .
    فما يفعل في بعض ليالي رمضان من الاحتفالات لا نعلم له أصلاً ، وخير الهدي هدي محمد _ صلى الله عليه وسلم _ ، وشر الأمور محدثاتها ..

    6- الاعتكاف ، وقد اعتكف النبي _ صلى الله عليه وسلم _ في أول الشهر وأوسطه وآخره ..

    أولاً : تعريف الاعتكاف :

    لغة /
    الاعتكاف : افتعال من عكف على الشيء يعْكُف ويعْكِف عكفاً وعكوفاً وهو يأتي متعدٍ ويكون مصدره العكف ، ولازم ويكون مصدره العكوف .
    والمتعدي لغة / بمعنى الحبس والمنع ومنه قوله تعالى : (( وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ )) ( الفتح : من الآية25 ) . أي : محبوساً . ويقال عكفته عن حاجته أي : منعته .
    واللازم لغة / بمعنى ملازمة الشيء والمواظبة والإقبال والمُقام عليه خيراً كان أو شراً ومنه قوله تعالى : (( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد )) أي مقيمون ، ومنه قوله : (( ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون )) أي ملازمون ، وقال تعالى : (( وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً )) أي مقيماً .

    اصطلاحاً /
    هو لزوم مسجد لعبادة الله تعالى من شخص مخصوص على صفة مخصوصة .

    ثانياً : حكمته :
    من حِـكَم الاعتكاف صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى بلمِّ شعثه بالإقبال على الله تعالى وترك فضول المباحات وتحقيق الأنس بالله تعالى والاشتغال به وحده والتفكر في تحصيل مراضيه .

    ثالثاً : أدلة مشرعيته :
    دل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع :
    1- الكتاب : قوله تعالى : (( وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود )) وقوله تعالى : (( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد )) فإضافته إلى المساجد المختصة بالقربات وترك الوطء المباح لأجله دليل على أنه قربة .
    2- السنة : قول عائشة رضي الله عنها : (( كان رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ يعتكف العشر الأواخر حتى توفاه الله ، ثم اعتكف أزواجه من بعده )) [ رواه البخاري برقم ( 2026 ) ومسلم برقم ( 1172 ) ] . ويأتي غيره من الأحاديث .
    3- الإجماع : نقله ابن المنذر وابن حزم والنووي وابن قدامة وشيخ الإسلام والقرطبي وابن هبيرة والزركشي وابن رشد .

    رابعاً : حكم الاعتكاف :
    وفيه ثلاث مسائل :

    ـ المسألة الأولى : حكمه للرجل :
    حكمه لغير المرأة سنة وقد حكي إجماعاً لأدلة مشروعيته المتقدمة .
    وقد روى بعض المالكية كراهته عن الإمام مالك _ رحمه الله _ وقال : ( ما رأيت صحابياً اعتكف ) وذكر أنه لم يبلغه عن أحد أنه اعتكف إلا أبا بكر بن عبد الرحمن قال : ( وذلك والله أعلم لشدة الاعتكاف ) وعلَّلَّ بعضهم كراهته لأنه من الرهبانية المنهي عنها أو أنه كرهه مخافة ألا يوفي شرطه .
    قال ابن حجر : " لعله أراد صفة مخصوصة ، وإلا فقد حكيناه عن غير واحد من الصحابة أنه اعتكف " .

    ـ المسألة الثانية : حكمه للمرأة :
    اختلف العلماء في حكمه للمرأة على أقوال أرجحها هو قول الجمهور : أنه يسن لها الاعتكاف كالرجل .
    واستدلوا لذلك بما يلي :
    1- عموم أدلة مشروعية الاعتكاف والتي لم تفرق بين الرجل والمرأة .
    2- قوله تعالى : { فاتخذت من دونهم حجاباً } وقوله : { كلما دخل عليها زكريا المحراب } وهذا اعتكاف في المسجد واحتجاب فيه وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه .
    3- حديث عائشة _ رضي الله عنها _ وفيه : ( إذنه صلى الله عليه وسلم لها ولحفصة رضي الله عنهما أن يعتكفا معه ) [ البخاري ( 2041 ) ومسلم ( 1173 ) ] .
    4- حديث عائشة _ رضي الله عنها _ قالت : ( اعتكف معه امرأة من أزواجه مستحاضة فكانت ترى الحمرة والصفرة فربما وضعت الطست تحتها وهي تصلي ) [ البخاري ( 309 ) ] . وقد جاء مفسراً بأنها أم سلمة _ رضي الله عنها _ .
    5- حديث عائشة _ رضي الله عنها _ قالت : ( كنَّ المعتكفات إذا حِضن أمر رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ بإخراجهن من المسجد حتى يطهرن ) [ عزاه ابن قدامة في المغني 4/487 لأبي حفص العكبري وعزاه ابن مفاح في الفروع 3/176 لابن بطة وقال : " إسناد جيد " .

    وأما أمر النبي _ صلى الله عليه وسلم _ بنقض قباب أزواجه لما أردن الاعتكاف معه فإنه فعل ذلك عليه الصلاة والسلام لما خافه عليهن من المنافسة والغيرة ولهذا قال : ( آلبر يُردن ؟ ) .

    ـ المسألة الثالثة : حكمه في غير رمضان والعشر الأواخر منه :
    اختلف العلماء _ رحمهم الله تعالى _ في ذلك على أقوال أرجحها هو قول الجمهور وهو أنه مسنون واستدلوا على ذلك بما يلي :
    1- عمومات أدلة الاعتكاف وهي تشمل رمضان وغيره والعشر وغيرها .
    2- حديث عائشة _ رضي الله عنها _ قالت : ( كان رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه ... وترك الاعتكاف في رمضان حتى اعتكف العشر الأواخر من شوال ) [ البخاري ( 2040 ) ] وعند مسلم ( 1173 ) : ( العشر الأول من شوال ) . فدل على أن رمضان والعشر محل لشرعية الاعتكاف .
    3- حديث ابن عمر _ رضي الله عنهما _ أن عمر _ رضي الله عنه _ سأل النبي _ صلى الله عليه وسلم _ قال : كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ؟ قال ( فأوفِ بنذرك ) [ البخاري ( 2032 ) ومسلم ( 1656 ) . وهذا يشمل كل ليلة في رمضان وغيره في العشر وغيرها .
    4- حديث أبي هريرة _ رضي الله عنها _ قال : ( كان النبي _ صلى الله عليه وسلم _ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً ) [ البخاري ( 2044 ) ] . فدل على أن غير العشر محل لشرعية الاعتكاف .
    وغير ذلك من الأدلة .

    ـ المسألة الرابعة : أقله يوم ، ولا حد لأكثره .
    وزمن دخول من نوى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان غروب شمس ليلة الحادي والعشرين . واستحب كثير من العلماء أن يكون زمن خروجه عن خروجه إلى صلاة العيد ، ولو خرج قبل فلا شيء عليه ؛ لكون ليلة العيد خارجة عن العشر ، والعشر تزول بغروب شمس آخر يوم من ليلة الفطر .

    ـ المسألة الخامسة :
    1- شرط صحة الاعتكاف أهلية المعتكف للعبادة ( الإسلام - العقل - التمييز - النية ) .
    2- الطهارة من الحيض والنفاس بالنسبة للنساء ؛ وهو قول الجمهور ، والدليل قياس الحائض والنفساء على الجنب قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا .. } .
    3- المسجد الذي ؛ لقوله تعالى : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} ، وقد أجمع العلماء على ذلك فيما حكاه القرطبي عنهم . ويخص المسجد بما تقام فيه الجماعة في قول عامة التابعين على ما حكاه عنهم شيخ الإسلام رحمه الله .
    4- إذن الزوج للزوجة ، وإذن السيد لرقيقه ؛ لحديث عائشة في الصحيحين .

    ـ المسألة السادسة :
    خروج المعتكف من المسجد بلا عذر بجميع البدن مبطل لاعتكافه ، بالإجماع .
    والخروج لعذر معتاد شرعاً ؛ كصلاة الجمعة إذا كان المسجد لا تقام فيه صلاة الجمعة ، أو طبعاً كقضاء الحاجة ، أو لأكل أو شرب إن لم يخصص له من يأتيه به ، أو لعذر غير معتاد ؛ كأداء شهادة ، وخروجه لقربة كعيادة مريض وصلاة جنازة إن أشترطها ، لا يبطل الاعتكاف .

    ـ المسألة السابعة:
    يجوز للمعتكف أن يشترط خروجه من معتكفه إمام عاماً أو بخصوص أفعال معينة مما لا تنافي الاعتكاف .

    ـ المسألة الثامنة :
    يبطل الاعتكاف بالجماع ، وبإنزال المني من جماع أو مباشرة أو استمناء أو تكرار نظر - لا إن احتلم - وبالردة _ والعياذ بالله _ وبالسُكر .

    ـ المسألة التاسعة :
    لا يبطل الاعتكاف بطروء الحيض أو النفاس ، أو الجنون أو الإغماء .

    ـ المسألة العاشرة :
    يباح للمعتكف ما يحتاجه عادة كالأكل في المسجد وأخذ الزينة في البدن والثوب ونحو ذلك ما لم يلوِّث المسجد .

    7- زكاة الفطر :

    • حكمها : زكاة الفطر فريضة على كل مسلم ؛ الكبير والصغير ، والذكر و الأنثى ، و الحر والعبد ؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر ، أو صاعاً من شعير ؛ على العبد والحر ، والذكر والأنثى ، والصغير والكبير من المسلمين . و أمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة " أخرجه البخاري .

    فتجب على المسلم إذا كان يجد ما يفضل عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته ، فيخرجها عن نفسه ، وعمن تلزمه مؤنته من المسلمين كالزوجة والولد .
    و الأولى أن يخرجوها عن أنفسهم إن استطاعوا ؛ لأنهم هم المخاطبون بها .

    أما الحمل في البطن فيخرج عنه لما روي عن عثمان _ رضي الله عنه _ .

    • حكم إخراج قيمتها : لا يجزئ إخراج قيمتها ، وهو قول أكثر العلماء ؛ لأن الأصل في العبادات هو التوقيف ، ولم يثبت عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ أو أحدٍ من أصحابه أنه أخرج قيمتها ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " أخرجه مسلم .

    • حكمة زكاة الفطر : ما جاء في حديث عبدالله بن عباس _ رضي الله عنهما _ قال : " فرض رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث ، وطعمة للمساكين . من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات " أخرجه أبوداود وابن ماجة .

    • جنس الواجب فيها : طعام الآدميين ؛ من تمر أو بُر أو أرز أو غيرها من طعام بني آدم .
    قال أبو سعيد الخدري _ رضي الله عنه _ : " كنا نخرج يوم الفطر في عهد رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ صاعاً من طعام ، وكان طعامنا الشعير والزبيب و الأقط والتمر " أخرجه البخاري .

    • وقت إخراجها : قبل العيد بيوم أو يومين كما كان الصحابة يفعلون ؛ فعن نافع مولى ابن عمر _ رضي الله عنهما _ أنه قال في صدقة التطوع : " و كانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين " أخرجه البخاري ، وعند أبي داود أنه قال : " فكان ابن عمر يؤديها قبل ذلك باليوم واليومين ".

    وآخر وقت إخراجها صلاة العيد ، كما سبق في حديث ابن عمر ، وابن عباس _ رضي الله عنهم _ .


    • مقدارها : صاع عن كل مسلم لحديث ابن عمر السابق .

    والصاع المقصود هو صاع أهل المدينة ؛ لأن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ جعل ضابط ما يكال ، بمكيال أهل المدينة كما في حديث ابن عمر _ رضي الله عنهما _ قال : قال رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ : " المكيال على مكيال أهل المدينة والوزن على وزن أهل مكة " أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح .

    والصاع من المكيال ، فوجب أن يكون بصاع أهل المدينة في زمن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ .

    ومن هنا فالواجب أن تستمر سنة الكيل وأن يؤخذ بالصاع ، وأن لا يركن إلى الوزن ؛ لأن الوزن غير الكيل ، ولذا قد يختلف التقدير ، وإحياء السنة أولى وأحرى .
    وكل من قدر الكيل بالوزن فإنما قدر تخميناً ،

    و خرجت بالجدول الآتي :
    وقد قدرها أخونا الكريم فضيلة الشيخ يوسف بن عبد الله الأحمد وفقه الله تعالى ، فجاءت عنده كالتالي :
    وزن الصاع منه بالكيلو نوع الطعام
    2.510 أرز مزة
    2.490 أرز بشاور
    2.730 أرز مصري
    2.430 أرز أمريكي
    2.220 أرز أحمر
    2.800 قمح
    2,380 حب الجريش
    2.620 حب الهريس
    1.760 دقيق البر
    2.340 شعير
    1.920 تمر ( خلاص ) غير مكنوز
    2,672 تمر ( خلاص ) مكنوز
    1.850 تمر ( سكري ) غير مكنوز
    2.500 تمر ( سكري ) مكنوز
    1.480 تمر ( خضري ) غير مكنوز
    2.360 تمر ( خضري ) مكنوز
    1,680 تمر ( روثان ) جاف
    2.800 تمر ( مخلوط ) مكنوز

    وقال وفقه الله : وأنبه هنا أن تقدير أنواع الأطعمة هنا بالوزن أمر تقريبي ؛ لأن وضع الطعام في الصاع لا ينضبط بالدقة المذكورة . والأولى كما أسلفت أن يشيع الصاع النبوي بين الناس ، ويكون مقياس الناس به .

    • المستحقون لزكاة الفطر : هم الفقراء والمساكين من المسلمين ؛ لحديث ابن عباس _ رضي الله عنهما _ السابق : " .. وطعمة للمساكين " .

    • تنبيه : من الخطأ دفعها لغير الفقراء و المساكين ، كما جرت به عادة بعض الناس من إعطاء الزكاة للأقارب أو الجيران أو على سبيل التبادل بينهم و إن كانوا لا يستحقونها ، أو دفعها لأسر معينة كل سنة دون نظر في حال تلك الأسر ؛ هل هي من أهل الزكاة أو لا ؟ .

    • مكان دفعها تدفع إلى فقراء المكان الذي هو فيه ، و يجوز نقلها إلى بلد آخر على قول بعض أهل العلم ...


    وأخيراً : نصائح عامة :

    إننا لا ندري أيها الأحبة ما يعرض لنا ، وهل سندرك رمضان فتغفر لنا ذنوبنا ؟ وهل لنا أن نعيش حنى ندرك غيره ؟
    فالله الله في الاجتهاد ، وأخص أخواتي النساء .. إياكن وإضاعة الأوقات الشريفة في قيل وقال وطبخ ونوم وزيارات وتلفاز وأسواق ، فعما قليل أنتن راحلات ، فقدمن لأنفسكن من قبل أن يأتيكن يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ...
    وأنتم أيها الشباب حذار وأن تكونوا أعواناً لإبليس لمّا صفدت مردته ... إياكم وأن تضيعوا أوقاتكم ما بين سهر ولعب وطرب وتفاهات .. فإن من ورائكم يوماً ثقيلاً ، وإني لمحب لكم وناصح ومشفق ، فالله الله ، يا رعاكم الله ..

    إن أمتنا تمر بأحلك ظروفها إحن ومحن وفتن وظلم وطغيان وتجبر وقهر ... وكل منا على ثغره فليتق كل منا ربه ، وليبدأ بصلاح نفسه ، وشهر القربات فرصة للإقبال والتوبة والتخفف من الذنوب ... ولنلهج بالدعاء الصادق من قلوب خاشعة بأن يرفع الله عنا الضر وهو أرحم الراحمين ..

    ثم إياكم والفتور عن الطاعة ، فإنه ما إن يبدأ الشهر الكريم إلا وترى الناس أفواجاً في المساجد يصلون ويتطعون ويتصدقون ويقرأون القرآن ... فإذا ما انتصف الشهر تخزع الناس وقل إقبالهم .. وكان الواجب أن يستزيدوا .. إنه شهر واحد وأيام قلائل فلنحبس أنفسنا على الطاعة ...

    هذا ما تيسر جمعه ، والله تعالى أسأل أن يخلص لي ولكم النية والذرية ، وأن يمن علينا بعمل صالح متقبل وأن يتوب علينا ويغفر لنا ولوالدينا ، وأن يكشف عن أمتنا الضر إنه سميع قريب مجيب ،
    ولله الأمر من قبل ومن بعد ... والحمد لله رب العالمين .
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-10-03
  7. علي المآربي

    علي المآربي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-03-10
    المشاركات:
    5,835
    الإعجاب :
    0
    القواعد الحسان في أسرار الطاعة والسعادة في رمضان






    القواعد الحسان
    في
    أسرار الطاعة والاستعداد
    لرمضان











    جمعها
    رضا بن أحمد صمدي


    تقديم
    فضيلة الشيخ / أبو إسحاق الحويني فضيلة الشيخ / محمد حسين يعقوب


    هذا الكتاب

    • يتناول أهم قضية تشغل السالكين فى طريق الآخرة مما يتعلق بعبادتهم وأسرار طاعتهم وهو إحسان العبادة.
    • يعرض بطريقة عملية الوسائل التى بها يتمكن العباد من الانتفاع بشهر رمضان.
    • يساعد على تحصيل لذة العبادة.
    • يكشف المشكلات التى تواجه السائرين إلى الله فى طاعاتهم بما يساعدهم على تلافيها وعلاجها.
    • منهج عملى سلفى فى تزكية النفس.





















    تقديم الشيخ / أبى إسحاق الحوينى

    بسم الله الرحمن الرحيم
    إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
    أما بعد :
    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هديُ محمد ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثةٍ وكلَّ بدعة ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار.
    فقد دفع إليَّ أخونا في الله تعالى- رضا بن أحمد حمدي- بكتاب جمعه في الأسباب المعينة على تكميل العيادة لله عز وجلَّ، وخصَّ منها الصيام الذي يحقق به العبد مرتبة الإحسان بدوام مراقبة الرحمن، ولذلك قال الله عزَّ وجلَّ: " الصيام لي وأنا أجزي به " مع أن سائر العبادة لله عزَّ وجل، وثوابها للعبد، فرأيتُ في الكتاب نبذًا لطيفًا من العلم، مع سهولة عباراته، وتجنُّب الدخول في مضايق المسائل الخلافية، فالله أسأل أن ينفع به جامعه وقارئه، يوم تكون العاقبة للمتقين.
    والحمد لله أولاً وآخرًا ظاهرًا وباطنًا.


    وكتبه
    أبو إسحاق الحويني الأثري
    حامدًا الله تعالى، ومصليًا على نبينا محمدٍ وآله وصحبه،
    21/رجب/141
    تقديم الشيخ / محمد حسين يعقوب

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله.
    في عصر طغت فيه الماديات، يتشوف العبد المؤمن إلى روزنة يطل منها على روحانية الإسلام.
    وفي عصر الإلكترونيات الذي ليس من مأساته أنه توصل إلى صناعة آلات تعمل كالإنسان ولكن المأساة أنها خلفت إنسانًا يعمل كالآلة فحتى العبادات صارت روتينية تحولت إلى عادات، وفقدت روحها في هذا العصر الذي أغرق في المادة ففقد الروح… يأتينا هذا الكتيب اللطيف من تأليف أخينا الفاضل وشيخنا الهمام رضا آل صمدي حفظه الله.
    وياله من فتى معلم، صغير السن، غزير العلم، قليل اللحم، عظيم الفهم انتقى ألفاظ وأبواب هذا الكتاب من كلمات السلف، وعلى منهجهم كما تنتقي أطايب التمر ليجلو للأبصار حقيقة العبادة، وهو وإن كان يتكلم في فرع من فروع العبادة وهي الصيام فإن من أسراره استيعاب وشمول الإسلام.
    فإليك الكتاب تأمل أبوابه، وقلب صفحاته، واجتهد أن تعمل بكل حرف من حروفه، واصبر عليها تؤتك ثمارها.
    وأخيرًا فإني لست من أهل صناعة الكلام ولا تزويق الألفاظ ولست أهلاً أصلاً لان أقدم لكتاب ذلك الفتى الفاضل، ففي كتابه غنية، وفيه كفاية، ويعلم الله أنني قد استفدت منه على مدار هاتين السنتين، ووفر عليَّ عناء بحث وجمع في بعض الموضوعات، وفتح لي أفكار وعناصر بعض الخطب والدروس.
    فللطالب وللعامل وللمربي وللداعية والواعظ أنصح: هذا زاد طيب فأقبل ولا تخف وانهل واعمل واصبر وتقدم ولا تقف.

    وكتب/ محمد بن حسين يعقوب
    عفا عنه علام الغيوب
    في ليلة الخامس عشر من رجب 1419هـ
    5/11/1998م


    بسم الله الرحمن الرحيم
    مقدمة
    إن الحمد لله، نحمده، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله  تسليمًا كثيرًا وعلى آله وصحبه وأزواجه وأتباعه إلى يوم وبعد…
    فقد أجمع العقلاء على أن أنفس ما صرفت له الأوقات هو عبادة رب الأرض والسموات، والسير في طريق الآخرة، وبذل ثمن الجنة، والسعاية للفكاك من النار.
    ولما كان هذا الطريق كغيره من الطرق والدروب تكتنفه السهول والوهاد والوديان والجبال والمفاوز ويتربص على جنباته قطاع الطرق ولصوص القلوب، احتاج السائر إلى تلمس خِرِّيتٍ( ) يبصره الدروب الآمنة، والمسالك النافذة، ويعرفه مكامن اللصوص، وأفضل الأزمنة، أنسب الأوقات للجدّ في السفر، وقد كان هذا الخريت هو منهج سلفنا الصالح في النسك، وطرائقهم في السير إلى الله وعباراتهم في الدلالة عليه، كانت بحق خير مِعْوان على انتحاء جهة الأمان.
    وهذا النسك السلفي العتيق، والمنهج السني الرشيد في التزكية، لا غنى عنه لكل طالب طريق السلامة، فلا عصمة لمنهج في مجمله إلا منهج السلف الصالح.
    دع عنك ما قاله العصري منتحلاً
    وبالعتيق تمسك قط واعتصمِ

    ولما كانت الأزمنة الفاضلة من أنسب أوقات الجد والاجتهاد في الطاعة وكان شهر رمضان من مواسم الجود الإلهي العميم، حيث تُعْتَق الرقاب من النار، وتوزع الجوائز الربانية على الأصفياء والمجتهدين، كان لزامًا أن تتواصى الهمم على تحصيل الغاية من مرضاة الرب في هذا الشهر، وهو من التواصي بالحق المأمور به في سورة العصر، وإذا كان دعاة الباطل واللهو والفجور تتعاظم هِمَمُهُم في الإعداد لغواية الخلق في هذا الشهر بما يذيعونه بين الناس من مسلسلات ورقص ومجون وغناء، فأَخْلِقْ بأهل الإيمان أن ينافسوهم في هذا الاستعداد، ولكن في البر والتقوى.
    ولقد صامت أمتنا دهورًا، غير أن صومها لهذا الشهر ما كان يزيدها إلا بعدًا عن ربها ومليكها وحاكمها الحقيقي، فصار رمضان موسمًا مفرّغًا من مضمونه مجردًا من حقائقه، بل صار ميدانًا للعربدة وشغل الأوقات بما يغضب الكريم المتعال.
    ولو تجهزت الأمة لهذا الشهر الفضيل وأعدت له عدته، وشمر الناس جميعًا سواعد الجد وشدوا مآزرهم في الطاعة لرأينا أمة جديدة تولد ولادة شرعية، وذلك بعد استعداد جاد ومخاض عولجت فيه الهمم والعزائم لتدخل في الشهر وهي وثابة إلى الطاعات.
    وهذه الرسالة نصيحة لعام المسلمين بَثْتُها غَيْرةً على حالهم مع الله في هذا الشهر، وجُهد مُقِلٍّ أبذله تأثّمًا، ويعلم ربي ما هنالك.
    هي منهاج في كيفية الاستعداد لشهر رمضان، وجدول أعمال تفصيلي لما ينبغي أن يقوم به سالك طريق الآخرة، إرشادات نفيسة من أئمة التربية والتزكية من السلف الصالح تقود المرء قيادةً حثيثة للوصول إلى درب القَبول.
    حرصْنا فيها أن تكون واقعية وعملية وتفصيلية، وقبل ذلك سلفية سنّية.
    بينّا فيها طرق الاستعداد للشهر الكريم بعزيمة قوية قادرة على الاجتهاد الحقيقي في الطاعة بدلاً من الأماني والأحلام، وأطلنا النَّفَس جداً في بيان أسرار الطاعات والعبادات وكيفية تحصيل اللذة منها، وسردنا جملة من العبادات المهجورة والطاعات المتروكة، ونصصنا على صفات بعض قطاع الطريق إلى الله، في حنايا هذه الرسالة حرصنا على ذكر بعض منازل السائرين ومقامات السالكين في طريق الآخرة حتى تتواثب الأشواق في قلوب المتنسكين ليصلوا إلى ما وصل إليه القوم، ويحصّلوا المغفرة في شهر المغفرة والرحمة، وقد تركتُ للنفس سجيتها في سطر هذه المعاني ولم أتانق كثيرًا في الترتيب والتبويب، ولكن حرصت على النقل من الكتب المعتمدة عند علمائنا وشيوخنا، وما نقلته عن الغزالي رحمه الله في الإحياء هذبته واختصرته ونقيته من كل ما يشوبه، والحكمة ضالة المؤمن، وحرصت على الاستدلال بالأحاديث الصحاح والحسان إلا بعض الأحاديث والآثار الضعيفة التي استأنست بها مع بيان ضعفها غالبًا.
    وأنا لك ناصح أيها الحبيب: إذا أردت استفادة من هذا السفر فلا تمر على ألفاظه مر الكرام، بل جُلْ بخواطرك حول المعنى ومعنى المعنى، فلقد استلَلْتُ لك النقيَّ وانتقيت لك الأطايب، فإذا استدللت بآية فحُمْ حول حماها ثم طف في أعماق مداها، وإذا ذكرت لك حديثًا فتمثل نفسك كأنك جالس بين يدي النبي  تسمعه وتتدبر عنه، وإذا رويت لك سيرة عبقري من السلف فهَبْ نفسك ترمُقُه عن كثب كأنك في حضرته تشتار من رحيق كلماته، وبدون ذلك فلا تتعنَّ، فإنما صنفناه لك لتتذوق لا لتقول للناس قرأته.
    واعلم أخيرًا أن ما ذكرته لك في هذه الرسالة إن هي إلى محاولة لتكوين صورة عن الشخصية الربانية ذات العلاقة العامرة بإله الكون، والمهيَّئة لسيادة البشرية وإنقاذها من وَهْدَتِها.
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
    وكتبه
    المعتز بالله أبو محمد رضا بن أحمد صمدي
    عفا الله عنه وعن والديه ومشايخه آمين
    ظهر الخميس 17 صفر 1417هـ الموافق 7 يوليه 1996م

    القاعدة الأولى
    بعث واستثارة الشوق إلى الله

    على مر الأيام والليالي يُخْلَقُ الإيمان في القلب( ) وتصدأ أركان المحبة فتحتاج إلى من يهبك سربالاً إيمانًا جديدًا تستقبل به شهر رمضان، واصل القدرة على فعل الشيء معونة الله ثم مؤونة العبد، ونعني بالمؤونة رغَبته وإرادته، فعلى قدر المؤونة تأتي المعونة.
    وفي الحديث القدسي: "إذا تقرب العبد إليّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإذا تقرب إليّ ذراعًا تقربت منه باعًا، وإذا أتاني يمشي يمشي أتيته هرولة" رواه البخاري.
    فالبداءة من العبد ثم الإجابة حتمًا من الرب: { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ }.
    فلابد من إثارة كوامن شوقك إلى الله عز وجل حتى تلين لك الطاعات فتؤديها ذائقًا حلاوتها ولذتها، وأية لذة يمكن أن تحصلها من قيام الليل ومكابدة السهر ومراوحة الأقدام المتعبة أو ظمأ الهواجر أو ألم جوع البطون إذا لم يكن كل ذلك مبنيًا على معنى: { وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى }( ) ؟! ومن لبى نداء حبيبه بدون شوق يحدوه فهو بارد سمج، دعوى محبته لا طعم لها.
    لا جرم كان من دعاء النبي  في صلاته: "وأسألك الرضا بالقضاء وبرد العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك…" رواه النسائي بسند صحيح.
    وشوقك لربك ولإرضائه أفناه رَين الشبهات والشهوات وأهلكته جوائح المعاصي ومرور الأزمنة دون كدح إلى الله، فتحتاج يا باغي الخير إلى بعث هذا الشوق من جديد لو كان ميتًا، أو استثارته إن كان موجودًا كامنًا.

    عوامل بعث الشوق إلى الله

    1- مطالعة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وتدر كلامه وفهم خطابه فإن من شأن هذه المطالعة والفهم والتدبر فيها أن يشحذ من القلب همة للوصول إلى تجليات هذه الأسماء والصفات والمعاني، فتتحرك كوامن المعرفة في القلب والعقل ويأتي عندئذٍ المدد( ).
    وتأمل قصة أبي الدحداح في فهمه كلام ربه كيف حرك أريحيَّتُه وألبسه حب البذل.
    فعن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: { مَن ذَا
    الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ } قال أبو الدحداح الأنصاري: وإن الله يريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح، قال: أرني يدك يا رسول الله، قال فناوله رسول الله يده، قال فإني أقرضت ربي حائطي، قال: حائطه له ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها. قال فجاء أبو الدحداح فنادي يا أم الدحداح! قالت: لبيك، قال: أخرجي من الحائط فإني أقرضته ربي عز وجل، وفي رواية أخرى أنها لما سمعته يقول ذلك عمدت إلى صبيانها تُخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم فقال النبي : "كم من عِذْقٍ رَدَاح في الجنة لأبي الدحداح"( ).
    وتأمل رعاك الله من عَطَنِ الشبهات كيف فهم الصحابي من كلام الله عز وجل المعنى الظاهر بدون أن يكون في قلبه تردد أو تهيب لأن شجرة إيمانه قامت على ساق التنزيه( ).
    2- مطالعة منن الله العظيمة وآلائه الجسيمة فالقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها ولذلك كثر في القرآن سوقُ آيات النعم الخلق والفضل تنبيهًا لهذا المعنى، وكلما ازددت علمًا بنعم الله عليك كلما ازددت شوقًا لشكره على نعمائه.
    3- التحسر على فوت الأزمنة في غير طاعة الله، بل قضاؤها في عبادة الهوى. قال ابن القيم: وهذا اللحظ يؤدي به إلى مطالعة الجناية، والوقوف على الخطر فيها، والتشمير لتداركها والتخلص من رقها وطلب النجاة بتمحيصها. أهـ.
    4- تذكر سبق السابقين مع تخلفك مع القاعدين يورثك هذا تحرقًا للمسابقة والمسارعة والمنافسة، وكل ذلك أمر الله به، قال تعالى: { وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ } وقال: { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ } وقال: { وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ }.
    واعلم- يا مريد الخير- أن بعث الشوق وظيفة لا ينفك عنها السائر إلى الله عز وجل، ولكن ينبغي مضاعفة هذا الشوق قبل شهر رمضان لتُضاعف الجهد فيه، وهذا الشوق نوع من أنواع الوقود الإيماني الذي يُحفّز على الطاعة، ثم به يذوق المتعبد طعم عبادته ومناجاته.
    ومجالات الشوق عندك كثيرة أعظمها وأخطرها الشوق إلى رؤية وجه الله عز وجل، ويمكنك أن تتمرن على قراءة هذا الحديث مع تحديث نفسك بمنزلتها عند الله، وهل ستنال شرف رؤيته أم لا؟ قال : "إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيّض وجوهنا؟ ألم تُدخلنا الجنة وتنجّنا من النار؟ فيُكشفُ الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم". رواه مسلم.
    وفي مجالات الشوق: الشوق إلى لقاء الله وإلى جنته ورحمته ورؤية أوليائه في الجنة وخاصة الشوق للقاء النبي  في الفردوس الأعلى.
    واعلم أن لهذا الشوق لصوصًا وقطاعًا يتعرضون لك، فاحذر الترفه (وخاصة في شهر رمضان) واحذر فتنة الأموال، والأولاد والأزواج، خلفهم وراءك ولا تلتفت وامض حيث تؤمر، واجعل شعارك في شهر رمضان: { قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْك رَبِّ لِتَرْضَى }.



    فحيَّهلا إن كنت ذا همةٍ فقدْ
    حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا
    ولا تنتظر بالسير رفقة قاعدٍ
    ودعُه فإن العزم يكفـيك حاملـــاً
    ***

    القاعدة الثانية
    معرفة فضل المواسم ومنة الله فيها
    وفرصة العبد منها

    قال ابن رجب رحمه الله : وجعل الله سبحانه وتعالى لبعض الشهور فضلاً على بعض، كما قال تعالى: { مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } وقال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} وقال تعالى: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} كما جعل بعض الأيام والليالي أفضل من بعض، وجعل ليلة القدر خيرًا من ألف شهر، وأقسم بالعشر وهي عشر ذي الحجة على الصحيح (وما في هذه المواسم الفاضلة موسمٌ إلا ولله تعالى فيه وظيفة من وظائف طاعته، يُترَّب بها إليه، ولله فيه لطيفة من لطائف نفحاته، يصيب بها من يعود بفضله ورحمته عليه، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات، وقد خرج ابن أبي الدنيا والطبراني وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "اطلبوا الخير دهركم كله وتعرضوا لنفحات ربكم فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده وسلوا الله أن يستر عوراتكم ويؤُمن روعاتكم" (ضعيف الجامع).
    وفي الطبراني من حديث محمد بن مسلمة مرفوعًا: "إن لله في أيام الدهر نفحات فتعرضوا لها، فلعل أحدكم أن تصيبه نفحة فلا يشقى بعدها أبدًا" (صحيح الجامع).
    وفي مسند الإمام أحمد عن عقبة بن عامر عن النبي  قال: "ليس من عمل يوم إلا يُختم عليه" (صحيح الجامع).
    روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن مجاهد قال: ما من يوم إلا يقول: ابن آدم قد دخلت عليك اليوم ولن أرجع إليك بعد اليوم فانظر ماذا تعمل فيّ، فإذا انقضى طواه، ثم يختم عليه فلا يفك حتى يكون الله هو الذي يَفُضُّ ذلك الخاتم يوم القيامة، ويقول اليوم حين ينقضي: الحمد لله الذي أراحني من الدنيا وأهلها، ولا ليلةٍ تدخل على الناس إلا قالت كذلك، وبإسناده (أي ابن أبي الدنيا) عن مالك بن دينار.
    وعن الحسن قال: ليس يوم يأتي من أيام الدنيا إلا يتكلم، يقول: يا أيهال الناس: إني يوم جديد وإني على ما يُعمل فيّ شهيد، وإني لو قد غربت الشمس لم أرجع إليكم إلى يوم القيامة. وعنه أنه كان يقول: يا ابن آدم اليوم ضيفك، والضيف مرتحل يحمدك أو يذمُّك، وكذلك ليلتك، وبإسناده عن بكر المُزني أنه قال: ما من يوم أخرجه الله إلى أهل الدنيا إلا ينادي: ابن آدم اغتنمني، لعله لا يوم لك بعدي، ولا ليلةٍ إلا تنادي: ابن آدم اغتنمني، لعله لا ليلة لك بعدي.
    وعن عمر بن ذر أنه كان يقول: اعملوا لأنفسكم رحمكم الله في هذا الليل وسواده، فإن المغبون من غبن خير الليل والنهار، والمحروم من حرم خيرهما، وإنما جُعلا سبيلاً للمؤمنين إلى طاعة ربهم ووبالاً على الآخرين للغفلة عن أنفسهم، فأحيوا لله أنفسكم بذكره، فإنما تحيا القلوب بذكر الله. أهـ( ).
    واعلم- رحمني الله وإياك- أن معرفة فضل المواسم يكون بمطالعة ما ورد فيها من فضل وبما يحصل للعبد من الجزاء إذا اجتهد.
    ويمكنك مطالعة هذه النصوص والآثار في الكتب المعنية بالفضائل كرياض الصالحين للنووي والترغيب والترهيب للمنذري ولطائف المعارف لابن رجب.
    ***

    القاعدة الثالثة
    تمارين العزيمة والهمة

    إذا كان الأصوليون يعرّفون العزيمة بأنها ما بُنيت على خلاف التيسير كالصوم في السفر لمن أطاقه، وعدم التلفظ بكلمة الكفر وإن قتل، فإن العزيمة عند أهل السلوك لها حظ من هذا المعنى فالعزيمة أو العزم عندهم هو استجماع قوى الإرادة على الفعل.
    وكأن صاحب العزيمة لا رخصة له في التخلف عن القيام بالهمة، بل هو مطالب باستجماع قوته وشحذها حتى يطيق الأداء.
    وغالب من تكلم في هذا الباب لم يشر إلى أهمية تمارين العزيمة أي تحفيز الهمة لتقوى على المجاهدة في الأزمنة الفاضلة، مع أن الشرع أشار إلى ذلك باستحباب صوم شعبان لتتأهب النفس وتقوى على صيام رمضان بسهولة.
    وكان من هدي النبي  في قيام الليل أن يبدأ بركعتين خفيفتين حتى تتريض نفسه ولا تضجر.
    وأشار الشاطبي في الموافقات إلى أن السنن والنوافل بمثابة التوطئة وإعداد النفس للدخول في الفريضة على الوجه الأكمل.
    وكثير من الناس يعقد الآمال بفعل جملة من الطاعات في شهر رمضان فإذا ما أتى الشهر (أصبح خبيث النفس كسلان) وذلك لأنه لم يحل عقدة العادة والكسل والقعود.
    والعزيمة لا تكون إلا فيما لا تألفه النفوس أو لا تحبه فتحتاج النفس إلى المجاهدة في معرفة فضل ذلك العمل المكروه إليها ثم في مجاهدة وإرادات العجز والكسل، ولذلك قال الله عن الجهاد: { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ...}.
    وتمارين العزيمة من صميم القيام بحق شهر رمضان وتحصيل المغفرة فيه لأنه لا قوة للنفس ما لم تُعد العدة للطاعة قال تعالى: { وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُم فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ }.
    قال ابن الخراط- في كتابه الصلاة والتهجد- كتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز- رحمهما الله- : أما بعد، فإنه من حاسب نفسه ربح ومن غفل عنها خسر، ومن نظر العواقب نجا، ومن أطاع فهو أفضل، ومن حلُم غنم، ومن اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم، فإذا ندمت فأقلع، وإذا جهلت فَسَلْ، وإذا غضبت فأمسك، واعلم أن أفضل الأعمال ما أُكرهم النفسُ عليه. وقد اعترض بعض العلماء بظاهر قول رسول الله : "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المُنبتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى"( )، وبقوله : "اكفلوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا"( )، وبالحديث الآخر: "ليصلّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر أو كسل فليقعد"( )، ولم يُرد  ألا تعمل حتى تنشط بحسك للعمل، وحتى تقبل عليه وتبادر إليه، فإن النفس كسلى ثقيلة عن فعل الخير، بطيئة النهوض إلى أعمال البر، فلو لم تصلّ مثلاً حتى تدعوك نفسك للصلاة وحتى تنشط إليها وتخف عليها لما صليت إلا قليلاً، وربما لم تصل معها أبدًا، ولا قامت لك عن فراشها ولا تركت راحتها ولا لذيذ نومها.
    وإنما أمر  بالرفق وحذر من الإفراط في التعب الذي يقطع بصاحبه ويُقعده، وفي قوله : "اكفلوا من الأعمال ما تطيقون" ما يدل على الاجتهاد ويبيح أخذ النفس بما تكره منه، فإن الإنسان قد يكره على الضرب (النوع) من العمل ويكسل عنه، فإذا كُلِّفهُ أطاقه وقام به وتحمل المشقة فيه مع كراهيته له وكسله عنه، فلا بد من الحمل على النفس وأخذها بالجد والكد، وتخويفها بأن تُسبق إلى الله عز وجل، وتحذيرها من أن يُستأثر دونها بما عند الله، وأن يصل العمل بالعمل والاجتهاد بالاجتهاد حتى يصل إلى الحد الذي حذر منه رسول الله  وهو الذي يخاف معه الانقطاع والانبتات، وفي الخير: "الخير عادة والشر لحاجة"( )، وقال أبو الدرداء لرجل يقال له صبيح: "يا صبيح تعود العبادة فإن لها عادة، وإنه ليس على الأرض شيءٌ أثقل عليها من كافر". وأما قوله  "ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر أو كسل فليقعد" فما أراد- والله أعلم- أن تصلي ما دمت على نشاط فإذا خالطك الكسل أن تترك الصلاة، وإنما أراد  الكسل الذي لا يقدر معه صاحبه على شيء إلا بعد جهد جهيد وحمل على النفس شديد، حتى لو قيل مثلاً صلِّ وخذ كذا وكذا- لثواب حاضر يُعرض عليه ويُرغب فيه- لم يقدر فهذا هو الكسل الذي يُنهى صاحبه عن العمل معه مخافة الانقطاع وترك العمل، هذا أو نحوه، والله أعلم، والدليل على هذا القول تكلُّفه  الصلاة حتى تشققت قدماه، وهذا إنما هو في النافلة وأما الفريضة فتُصلى على كل حال، في الصحة والمرض يصليهما قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا أو مكتوفًا أو كيف كان وكيفما أمكن أهـ. من كتاب الصلاة والتهجد لابن الخراط( ).
    ولعل هذا التحقيق النفيس قد جلّى لك كوامن أسرار، فكن منها على ذُكر فإن هذا المقام من أنفس ما تجده في كتب الزهد والرقائق والسلوك.
    (لقد فقه سلفنا الصالحون عن الله أمره، وتدبروا في حقيقة الدنيا، ومصيرها إلى الآخرة، فاستوحشوا من فتنتها، وتجافت جنوبهم عن مضاجعها، وتناءت قلوبهم من مطامعها، وارتفعت همتهم على السفاسف فلا تراهم إلا صوامين قوامين، باكين والهين، ولقد حفلت تراجمهم بأخبار زاخرة تشي بعلو همتهم في التوبة والاستقامة، وقوة عزيمتهم في العبادة والإخبات، وهاك طرفًا من عباراتهم وعباداتهم التي تدل على تشميرهم وعزيمتهم وهمتهم:
    قال الحسن: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياه فألقها في نحره.
    وقال وهيب بن الورد: إن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل، وقال الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان التركستاني: ما بلغني عن أحد من الناس أنه تعبد عبادة إلا تعبدت نظيرها وزدت عليه.
    وقال أحد العباد: لو أن رجلاً سمع برجل هو أطوع لله منه فمات ذلك الرجل غمًا ما كان ذلك بكثير.
    وقيل لنافع: ما كان ابن عمر يفعل في منزله؟ قال: الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما.
    وكان ابن عمر إذا فاتته صلاة الجماعة صام يومًا، وأحيا ليلة، وأعتق رقبة.
    واجتهد أبو موسى الأشعري  قبل موته اجتهادًا شديدًا، فقيل له: لو أمسكت أو رفقت بنفسك بعض الرفق؟ فقال: عن الخيل إذا أُرسلت فقاربت رأسَ مجراها أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلها أقلُّ من ذلك، قال: فلم يزل على ذلك حتى مات.
    وعن قتادة قال: قال مورق العجلي: ما وجدت للمؤمن في الدنيا مثلاً إلا مثل رجلٍ على خشبة في البحر، وهو يقول: "يا رب يا رب" لعل الله أن ينجيه.
    وعن أسامة قال: كان من يرى سفيان الثوري يراه كأنه في سفينة يخاف الغرق، أكثر ما تسمعه يقول: "يا رب سلّم سلّم".
    وعن جعفر: دخلنا على أبي التياح نعوده، فقال: والله إنه لينبغي للرجل المسلم أن يزيده ما يرى في الناس من التهاون بأمر الله أن يزيده ذلك جدًا واجتهادًا، ثم بكى.
    وعن فاطمة بنت عبد الملك زوج أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله قال: ما رأيت أحدًا أكثر صلاة ولا صيامًا منه ولا أحدًا أشد فرقًا من ربه منه، كان يصلي العشاء ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه ثم ينتبه فلا يزال يبكي تغلبه عيناه، ولقد كان يكون معي في الفراش فيذكر الشيء من أمر الآخرة فينتفض كما ينفض العصفور من الماء ويجلس يبكي فأطرح عليه اللحاف.
    وعن المغيرة بن حكيم قال: قالت فاطمة بنت الملك: يا مغيرة، قد يكون من الرجال من هو أكثر صلاة وصيامًا من عمر ابن عبد العزيز ولكني لم أر من الناس أحد قط كان أشد خوفًا من ربه من عمر، كان إذا دخل البيت ألقى نفسه في مسجده، فلا يزال يبكي ويدعو حتى تغلبه عيناه، ثم يستيقظ فيفعل مثل ذلك ليلته جمعاء.
    وعن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع أنه دخل على فاطمة بنت عبد الملك فقال: ألا تخبريني عن عمر؟ قالت: ما أعلم أنه اغتسل من جنابة ولا احتلام منذ استُخلِف.
    وكان الأسود بن يزيد يجتهد في العبادة، ويصوم في الحر حتى يخضر جسده ويصفر، فكان علقمة بن قيس يقول له: لِمَ تعذب نفسك؟ فيقول: كرامتها أريد، وكان يصوم حتى يخضر جسده ويصلي حتى يسقط، فدخل عليه أنس بن مالك والحسن فقالا له: إن الله عز وجل لم يأمرك بكل هذا، فقال: إنما أنا عبد مملوك لا أدع من الاستكانة شيئًا إلا جئت به.
    وقيل لعامر بن عبد الله: كيف صبرك على سهر الليل وظمأ الهواجر؟ فقال: هل هو إلا أني صرفت طعام النهار إلى الليل ونوم الليل إلى النهار؟ وليس في ذلك خطير أمر، وكان إذا جاء الليل قال: أذهب حرُ النار النوم، فما ينام حتى يصبح.
    وعن الحسن قال: قال عامر بن قيس لقوم ذكروا الدنيا: وإنكم لتهتمون؟ أما والله لئن استطعت لأجعلنهما همًا وا حدًا، قال: ففعل والله ذلك حتى لحق بالله.
    وعن أحمد بن حرب قال: يا عجبًا لمن يعرف أن الجنة تُزيَّن فوقه والنار تُسَعَّرُ تحته كيف ينام بينهما؟
    وكان أبو مسلم الخولاني قد علق سوطًا في مسجد بيته يخوّف به نفسه، وكان يقول لنفسه: قومي فوالله لأزحفن بك زحفًا، حتى يكون الكلل منك لا مني، فإذا دخلت الفترة (الفتور) تناول سوطه وضرب به ساقه، وقال: أنت أولى بالضرب من دابتي، وكان يقول: أيظن أصحاب محمد  أن يستأثروا به دوننا؟ كلا والله لُتُزاحمَنَّهم عليه زحامًا حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالاً.
    وكان منصور بن المعتمر إذا رأيته قلت: رجلٌ أصيب بمصيبة، منكسر الطرف، منخفض الصوت، رطْب العينين، إن حركته جاءت عيناه بأربع، ولقد قالت له أمه: ماذا الذي تصنع بنفسك؟ تبكي الليل عامته لا تسكت؟ لعلك يا بني أصبتّ نفسًا، لعلك قتلت قتيلاً، فيقول: يا أماه، أنا اعلم بما صنعت نفسي.
    وقال هُشيم تلميذ منصور بن زاذان: كان لو قيل له إن ملك الموت على الباب ما عنده زيادة في العمل.
    وكان صفوان بن سليم قد تعقدت ساقاه من طول القيام، وبلغ من الاجتهاد ما لو قيل له: القيامة غدًا ما وجد مزيدًا، وكان يقول: اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي.
    وعن موسى بن إسماعيل قال: لو قلت لكم إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكًا قط صدقْتُكم، كان مشغولاً بنفسه، إما أن يحدث وإما أن يقرأ وإما أن يسبح وإما أن يصلي، كان قد قسم النهار على هذه الأعمال.
    وعن وكيع قال: كان الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفت إليه أكثر من ستين سنة فما رأيته يقضي ركعة.
    وعن حماد بن سلمة قال: ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله عز وجل فيها إلا وجدناه مطيعًا، إن كان في ساعة صلاة وجدناه مصليًا، وإن لم تكن ساعة صلاة وجدناه إما متوطئًا أو عائدًا أو مشيعًا لجنازة أو قاعدًا في المسجد، قال: فكنا نرى أنه لا يحسن يعصي الله عز وجل.
    فهؤلاء هم أنموذج السالكين الصادقين.
    فتشبهوا بهم إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح
    وهذه كانت سيرتهم في مجاهدة النفس ومغالبة الهوى فاستحضرها عند هبوب ريح الكسل وسل الله حسن العمل.

    ***

    القاعدة الرابعة
    نبذ البطالة والبطالين ومصاحبة ذوي الهمم

    ليس هناك أشأم على السائر إلى الله من البطالة وصحبة البطالين، فالصاحب ساحب، والقرين بالمقارّن يقتدي.
    (والبرهان الذي يعطيه السالكون علامة لصدقهم أنهم يأبون غلا الهجرة والانضمام إلى القافلة ويذرون كل رفيق يثبطهم ويزين لهم إيثار السلامة، ينتفضون ويهجرون كل قاعد، ويهاجرون مع المهاجرين إلى الله، ويطرحون أغلال الشهوات وحب الأموال عن قلوبهم)( ).
    ولما أراد قاتل المائة أن يتوب حقًا قيل له: اترك أرضك فإنها أرض سوء واذهب إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم. متفق عليه. فلابد لمن أراد تحصيل المغفرة من شهر رمضان أن يترك المُخْلِدين إلى الأرض ويزامل ذوي الهمم العالية كما قال الجنيد: سيروا مع الهمم العالية.
    وقد أمر الله خير الخلق  بصحبة المجدّين في السير إلى الله وترك الغافلين فقال عز من قائل : { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا }، وقال عز وجل: { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ}، وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ
    الصَّادِقِينَ }.
    فلو صحب الإنسان من يظنون أن قيام الساعة من الليل إنجاز باهر فهو مغبون لن يعْدُو قدره، بل سيظل راضيًا عن نفسه مانًّا على ربه بتلك الدقائق التي أجهد نفسه فيها ولكنه لو رأى الأوتاد من حوله تقف الساعات الطوال في تهجد وتبتل وبكاء (وهم مُتَقَالُّونْهَا) فأقل أحواله أن يظل حسيرًا كسيرًا على تقصيره مرددًا.
    أنا العبد المخلَّفُ عن أُناسٍ حوَوْا من كل معروفٍ نصيبا
    ونبذ البطالة هجيري الناسك في كل زمان، وقد قيل: الراحة للرجالة غفلة.
    وقال شعبة بن الحجاج البصري أمير المؤمنين في الحديث: لا تقعدوا فُراغًا فإن الموت يطلبكم.
    وقال الشافعي: طلب الراحة في الدنيا لا يصح لأهل المروءات، فإن أحدهم لم يزل تعبان في كل زمان.
    وقيل لأحد الزهاد: كيف السبيل ليكون المرء من صفوة الله؟ فقال: إذا خلع الراحة وأعطى المجهود في الطاعة.
    وقيل للإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ فقال: عند أول قدم يضعها في الجنة.
    أما البحث عن ذوي الهمم والمروءات وأصحاب السرِّ مع الله فهي بُغية كل مخلص في سيره إلى الله، قال زين العابدين: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه.
    وقال الحسن البصري: إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا، لأن أهلنا يُذّكّروننا بالدنيا وإخواننا يُذّكّروننا بالآخرة، قال شاعر:
    لعمرك ما مالُ الفتى بذخيرة ولكنَّ إخوان الثقات الذخائرُ
    وكان من وصايا السلف انتقاء الصحة، قال الحسن البصري: إن لك من خليلك نصيبًا، وإن لك نصيبًا من ذكر من أحببت، فاتقوا الإخوان والأصحاب والمجالس.
    فاجتهد أيها الأريب باحثًا عن أعوان المسير أصحاب الهمم العالية، ابحث عنهم في المساجد بالضرورة، اسأل عنهم في مجالس التقاة، لا تستبعد المفاوز لتصل إليهم ولو اقتضى الأمر أن تعلن في الصحف السيارة.
    (مطلوبٌ : معينٌ على الخير في شهر رمضان)
    يا له من إعلان ..
    مع هذه الصحبة تتحاثون على تدارك الثواني والدقائق، تحاسبون أنفسكم على الزفرات والأوقات الغاليات، لو فرط أحدكم في صلاة الجماعة وجد من يستحثه على عقاب نفسه كما كان يفعل ابن عمر.
    ترى البطالين يصلون التراويح سويعة ثم يسهرون ويسمرون ويسمدون وتضيع عليهم صلاة الفجر { وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا }.
    لا أيها الرشيد، تعال أخبرْك بحال من اجتمعوا على السير إلى الله: أوقاتهم بالذكر وتلاوة القرآن معمورة، مساجدهم تهتز بضجيج البكاء من خشية الله، تراهم ذابلين من خوف الآخرة، وعند العبادة تراهم رواسي شامخات كأنهم ما خلقوا إلا للطاعة، ليس في قاموسهم: فاتتني صلاة الجماعة، دع عنك أصل الصلاة، تراهم في قيامهم وقعودهم مطأطئين على حياء من الله يقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.
    ليلهم، وما أدراك ما ليلهم؟ نحيب الثكالى يتوارى عند نشيجهم { كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ } صلاتهم في ظلام تُجلِّلُ بأنوار الكرامة، فهم في حللها يتبخترون، وببهاء مناجاتهم لربهم يتيهون، محى استغفار الأسحار سخائم قلوبهم، فهم في نعيم الأنس يتقلبون، وبلذيذ الخطاب يستمتعون، وهذا (الحفظي) يخبرنا:
    والجنيـد يقول طاحـتْ كل عِلْــمٍ وإشــارهْ
    ورسـوماتٌ تلاشـتْ وانمحـت تلك العبـارهْ
    وركيعـات توالـتْ سحـرًا فيهـا البشـارهْ
    ورأينـا فـي المـآل ذلك الكنـز الدّفينـا
    فـاز من قـام الليالي بصلاة الخـاشـعـينا

    واعلم أيها النبيه إن من تمام سعيك لتحصيل المغفرة من شهر رمضان أن تبحث لك عن شيخ مربّ أريبٍ، قد يكون ظاهرًا أو خفيًا، قد يكون عالمًا أو طالب علم، ولكنك من لحظه ولفظه تعلم أنه صاحب سرّ مع الله، ومثل هؤلاء يشتهر أمرهم غالبًا بين الناس، وإن بالغوا في التخفي فلن تعدم من يدلك عليهم إذا أكثرت التسأل عنهم.
    وشرط انتفاعك بهم أن يكونوا من أهل السنة والنسك السلفي، فهؤلاء هم أمنة الأمة وهداتها.
    ومثل هؤلاء تنتفع بهديهم ودلهم وسمتهم وبفعالهم قبل أقوالهم، تراهم في الصلاة نموذجًا للرهبوت والتبتل والتنسك، تكبيرتهم في الصلاة وإن خفتت بها أصواتهم فكأنها صرخة في مجرات الكون بحقيقة أكبرية الله.
    ركوعهم وسجودهم رمز السجود لكل الكائنات، إذا أبصرت عيناك عبادتهم وددت لو سبحت الخليقة كلها بتسبيحهم، ولعلها تفعل، أما قال الله عن داود: { إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ }.
    اللهم إنا نسألك صحبة الصالحين وألحقنا بهم في جنات النعيم.
    ***
    القاعدة الخامسة
    إعداد بيان عن عيوبك وذنوبك المستعصية
    وعاداتك القارة في سويداء فؤادك لتبدأ
    علاجها جديا في رمضان وكذا إعداد
    قائمة بالطاعات التي ستجتهد في
    أدائها لتحاسب نفسك بعد ذلك عليها

    قال : "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا" رواه البخاري.
    لأن همة أبناء الآخرة تأبى إلا الكمال، وأقل نقص يعدونه أعظم عيب، قال الشاعر:
    ولم أر في عيوب الناس عيبًا كنقص القـادرين على التمـام
    وعلى قدر نفاسة الهمة تشرئب الأعناق، وعلى قدر خساستها تثَّاقل إلى الأرض، قال الشاعر:
    على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
    وهذا رد على من يقول: ومن لنا بمعصوم عن عيب غير الأنبياء ويردد:
    من ذا الذي ترجى سجاياه كلها كفى بالمرء نبلاً أن تعد معايبه
    فإن هذه القاعدة في التعامل مع الناس، أما معاملة النفس (أيها الأريب) فهي مبنية على التهمة، وعلى طلب الكمال وعدم الرضا بالدون:
    فإذا كانت النفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجسامُ
    فذاك السالك دومًا يستكمل عناصر الإيمان، كلما علم أن ثمة ثلمة، يعزم لذلك عزمة (تأمل) فإذا شرع في الاستكمال، أدرك ضرورة الصفاء فيه، وأن يرفأ ويرتُق بجنس ما وهبه الله من خير آنفًا لئلاً يفضحه النشاز (وجود العيب مع خصال الحُسن) فيعزم لذلك عزمة أخرى فثالثلة تستدعي رابعة في نهضات متوالية حتى يصيب مراده( ) (أي استكمال عناصر الإيمان).
    هذه العزمات المتوالية تستحثها في كل زمان، ولكن قد يتسرطن عيب ويتجذر ذنب وتتأصل عادة، ولا يجدي مع مثل هذا أساليب علاج تقليدية، إنما هي عملية جراحية استئصالية تتطلب حميةً متوفرة في شهر رمضان، وهِمةً شحذتها قبيل هذا الزمان المبارك، فما بقي إلا أن تضع مبضع العزيمة الحاد وبجلد وصبر على آلام القطع تستأصل تلك الأورام الناهشة في نسيج إيمانك وتقواك، لا تستعمل أي مخدر، فإن شأن المخدر أن يسافر بك في سمادير السكارى وأوهام الحيارى، فتفيق دون أن تدري بأي الورم لم يُستأصل بكامله، بل بقيت منه مُضغةٌ متوارية ريثما تتسرطن ثانية فإذا كنت مدخنًا أو مبلتى بالنظر أو الوسوسة أ والعشق فبادر إلى تقييد كل هذا البلاء وابدأ العمليات الجراحية في شهر رمضان ولا تتذرع بالتدرج الذي سميناه مخدرًا، بل اهجر الذنب وقاطع المعصية وابتُر العادة ولا تجزع من غزارة النزيف وشدة الآلام، فإنه ثمن العلاج الناجح، وضرورة الشفاء البات الذي لا يغادر سقمًا.
    ووجه كون شهر رمضان فرصة سانحة لعلاج الآفات والمعاصي والعادات، إنه شهر حمية أي امتناع عن الشهوات (طعام وجماع) والشهوات مادة النشوز والعصيان، كما أن الشياطين فيه تصفّد وهم أصل كل بلاء يصيب ابن آدم، أضف إلى ذلك: جماعية الطاعة، حيث لا يبصر الصائم في الغالب إلا أمةً تصوم وتتسابق إلى الخيرات فتضعف همته في المعصية وتقوى في الطاعة، فهذه عناصر ثلاثة مهمة تتضافر مع عزيمة النفس الصادقة للإصلاح فيتولّد طقس صحي وظروف مناسبة لاستئصال أي داء.
    وقبل كل ذلك وبعده لا يجوز أن ننسى ونغفل عن ديوان العتقاء والتائبين والمقبولين الذي يفتحه الرب جل وعلا في هذا الشهر، وبنظرة عابرة إلى جمهور المتدينين تجد بداياتهم كانت بعبرات هاطلة في سكون ليلةٍ ذات نفحات من ليالي رمضان.
    وما لم تتحفّز الهمم لعلاج الآفات في هذا الشهر لن تبقى فرصة لأولئك السالكين أن يبرأوا، فمن حرم بركة رمضان ولم يبرا من عيوب نفسه فيه، فأي زمان آخر يستظل ببركته.
    وفي صحيح ابن خزيمة أن جبريل قال: "من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله، قل آمين، فقلت: "أي النبي  قال: آمين". الحديث صحيح.
    وروى البطراني بسند ضعيف عن النبي : "بعدًا لمن أدرك رمضان فلم يغفر له، إذا لم يفغر له فمتى؟" قال: وروى الطبراني بإسناد فيه نظر عن عبادة بن الصامت مرفوعًا: "أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحُطُّ الخطايا ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه ويباهي بكم ملائكته فأروا الله من أنفسكم خيرًا فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله" الحديث.
    أما استحضار أنواع الطاعات وتقييدها وتوطين العزيمة على أدائها في رمضان فهو من أهم ما يُستعدُّ له في هذا الشهر، وعلى هذا الأصل تحمل كل النصوص الواردة في فضل رمضان والاجتهاد فيه، فمعظمها صريح أو ظاهر في أنه قيل قبل رمضان أو في أوله.
    ويمنّي بعض الخياليين نفسه بأماني العزيمة التي لا تعدو أن تكون سرابًا يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.
    فنراه يحلم أحلامًا وردية بأن يجتهد في هذا الشهر اجتهادًا عظيمًا، وتراه يرسم لنفسه صور الحلال وأُبهة الولاية، فإذا ما هجم الشهر، قال المسكين: اليوم خمر، وغدًا أمر.
    ولو أن هؤلاء كانت لهم قبل شهر رمضان جولات في ميادين الاجتهاد في الطاعة لأنسوا من نفوسهم خيرًا لكنهم طمعوا في نوال القُرب ولما يستكملوا زاد المسير كمثل من ذهب إلى السوق بلا مال فلا يجهد إذا نفسه في المساومة بل يقال له: تنكب لا يقطرك الزحام.
    لما قال أنس بن النضر لرسول الله  بعد غزوة بدر: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين، والله لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، ثم رووا لنا أنهم وجدوه في أحُد صريعًا به بضع وستون ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، علمنا ما أضمر الرجل.
    ولما قال ذلك الصحابي: يا رسول الله ما بايعتك إلا على سهم يدخل ههنا فأدخل الجنة، قال له الرسول : "إن تصدُق الله يصدقُكُ" ثم رووا أن السهم دخل من موضع إشارته، علمنا ما عزم عليه الرجل
    على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
    وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغُر في عين العظيم العظائم

    القاعدة السادسة
    الإعداد للطاعة ومحاسبة النفس عليها

    واعلم أن الاستعداد للطاعة ومحاسبة النفس عليها وظيفتان متباينتان، لكنهما متداخلتان أي يتعاقبان ويتوارد أحدهما على الآخر.
    أما الإعداد للعمل فهو علامة التوفيق وأمارة الصدق في القصد، قال تعالى: { وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً }، والطاعة لابد أن يُمهَّد لها بوظائف شرعية كثيرة حتى تؤتي أكلها ويُجتبني جناها، وخاصة في شهر رمضان حيث تكون الأعمال ذات فضل وثواب وشرف مضاعف لفضل الزمان.
    فصلاة الجماعة لابد أن تسبق بإحسان الوضوء ونية صادقة حسنة في تحصيل الأجر وزيارة الله عز وجل في بيته وتعظيم أمره والبدار في تلبية ندائه (حي على الصلاة) والمسارعة في سماع خطابه والالتذاذ بمناجاته ولقائه.
    فعن أبي هريرة  قال: قال رسول الله : "صلاة الرجل في جماعة تَضعُفُ صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يُخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحطت عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه ما لم يُحدث، تقول: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في الصلاة ما انتظر الصلاة" متفق عليه.
    ويحتفُّ بهذا الإعداد في التطهر والنيات إعدادٌ نفسي للقْيا الله عز وجل، ويكون ذلك بأمور منها: ترداد الأفكار الشرعية الواردة عند الخروج من البيت والمشي إلى المسجد فإنها مهمة في حضور القلب ومنها عدم فعل ما يتنافى مع الوقار والطمأنينة أثناء المشي إلى المسجد كتشبيك الأصابع وكثرة التلفت والتطلع إلى المارة وزخارف وزهرة الدنيا (وخاصة في هذه العصور) وعدم الإسراع والسعي، وذلك أن المشي إلى الصلاة جزء هام ممهد للخشوع في الصلاة، لذا قال النبي : "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة" متفق عليه، وفي رواية لمسلم: "فإن أحدكم إذا كان يعمدُ إلى الصلاة فهو في صلاة" ، ولا ينبغي أن يكثر من الضحك قبل الصلاة وبعدها فإنه يذهب لذة الخشوع ويقسي القلب ويحول بينه وبين الشعور بثمرة الطاعة.
    وعند دخول المسجد لابد أن يدخله معظمًا مظهرًا الوجل من مهابة المكان وصاحبه، فإن المساجد منازل الرحمة ومهابط البركات، لذا شرع أن يقول الداخل إلى أي مسجد: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم.
    فإذا دخل المسجد شرع في السنة الراتبة أو النافلة ريثما يقام للصلاة، وأهمية هذه السنة أو النافلة تكمن في تهيئتها وتمهيدها للفريضة لكمال الحضور فيها.
    ثم يشرع في صلاة الفريضة مستحضرًا ما سنذكره عن وسائل تحصيل لذة الطاعة في الصلاة.
    ومن جنس هذا الاستعدادُ لصلاة التراويح فإنها من أعظم العبادات في ليالي رمضان، ففي الصحيح أن رسول الله  قال: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"، وعن أبي ذر قال: صمنا مع رسول الله  رمضان فلم يقم بنا شيئًا من الشهر حتى بقي سبعٌ فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله، لو نفلتنا قيام هذه الليلة (أي قمت بنا الليلة كلها)، قال: فقال: "إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حُسِب له قيام الليلة" رواه أبو داود بإسناد صحيح.
    ويشكو كثير من المواظبين على قيام الليل في رمضان من عدم لمسهم لثمرة هذه الصلاة مع اعتقادهم بأهميتها وسعيهم لبلوغ الغاية من أدائها.
    والحق أن هذه الصلاة المهمة كغيرها تحتاج إلى إعداد وتهيئة، فيلزم الراغب في الانتفاع من صلاة التراويح إقلال الطعام للغاية، ويحبَّذ أن يأتي المسجد وفي بطنه مسُّ من جوع، فإنه مثمر جدًا في حضور القلب، وينبغي عليه أن يتطهر جيدًا ويلبس أحسن الثياب ويأتي الصلاة مبكرًا، وقبيح جدًا أن تفوته صلاة العشاء، فهذا دليل الحرمان وعدم الفقه في الدين، فإن صلاة العشاء في جماعة تعدل قيام نصف ليلة كما في الحديث، فوق كونها فريضة والله عز وجل يقول في الحديث القدسي: "وما تقرب إليّ عبدي بأحب إليّ مما افترضته عليه" رواه البخاري.
    ثم يستحضر القدوم على الله والوفادة إليه وانتهاز فرصة التعرض لرحمته ومغفرته والعتق من النار، ويذهب إلى المسجد يدفعه الشوق والرغبة في الفضل، ويكدره الحياء من الله وخوف الرد والإعراض، ويطلب مساجد أهل السنة حتى يُوهَبَ للصالحين إن كان من غير المقبولين ثم يستحضر ما ذكرناه من وظائف عند الدخول في الصلاة وأثنائها.
    أما محاسبة النفس على الطاعات فهذا من أنفع الوظائف التي يقوم بها العابدون في شهر رمضان، والأصل أن المحاسبة وظيفة لازمة للسالك طريق الآخرة، ولكنها تتأكد وتزداد في هذا الشهر.
    والمحاسبة معناها: فحصُ الطاعة ظاهرًا وباطنًا، وأولاً وآخرًا، بحثًا عن الثمرة ليعرف مأتاها فيحفظَه، وقدرها فينميه، ووصولاً للنقص سابقًا، ليتداركه لاحقًا.
    والمحاسبة تكون قبل العمل وأثناءه وبعده.
    أما قبله فبالاستعداد له واستحضار ما قصّر فيه حتى يتلافاه، وأثناءه بمراقبة العمل ظاهرًا وباطنًا أوله وآخره، والمحاسبة بعد العمل بإعادة ذلك العمل.
    وهذه المحاسبة إذا واظب عليها المرء صارت مسلكًا لا يحتاج إلى تكلّف ومعالجة وسيجد غِبَّ هذه المحاسبة وثمرتها تزايدًا في مقام الإحسان الذي سعى إليه كل السالكون وهي أن يعبد الله كأنه يراه.
    ومثل هذه المحاسبة ينبغي أن تكون في الخفاء، يحاور نفسه وهواه ويعالج أي قصور بِلوم نفسه وتقريعها وعقابها على كسلها وخمولها.
    ولا يُنصح بمداومة الاعتماد على أوراد المحاسبة الشائعة، وقد اختلف فيها الناس على طرفين، فمنهم من جعلها وسيلة دائمة للتربية، وطريقة ناجحة لتقويم النفس، ومنهم من بالغ ومنع منها مطلقًا واصفًا إياها بالبدعة، والحق التوسط، نعم هي وسلة لم ترد عن سلف هذه الأمة لكن تشهد لها نظائر في الشرع مثل عد التسبيح بالحصى ونحو ذلك مما ثبت عن الصحابة والتابعين، ثم إننا لا نقول بجواز الاعتماد على تلك الأوراد في كل الأحايين بل ننصح بها في بداية السير وأيضًا لا نُلزم بها أحدًا، ولكن من عوّل عليها في بداية سيره لكون نفسه متمردةً شمُوسًا فنرجو ألا يكون ثمة حرج، شرط عدم توالي اعتماده عليها.
    والصواب تنشئة النفس على دوام المحاسبة الذاتية والمراقبة الشخصية، وتعويدها على العقاب عند الزلل، فإن هذا من شأنه أن ينقّي العبادة من أي حافز خارجي دخيل على النية الصالحة كرغبة في تسويد ورقة المحاسبة أو نحو ذلك. وقال الحفظي:
    شـارط النفس وراقب لا تكـن مثل البهائـم
    ثم حاسـبها وعاتـب وعلـى هـذا فـلازم
    ثم جاهدها وعاقـب هكذا فعـل الأكـارم
    لم يزالوا في سـجالِ للنـفـوس محاربـيـنا
    فاز من قام الليـالي بصــلاة الخاشعـيـنا

    ***
    القاعدة السابعة
    مطالعة أحكام الصوم وما يتعلق بشهر رمضان

    وهذا من أكد الواجبات، فمفتاح السعادة ومنشور الولاية مرهون بالعلم الصحيح النافع الممهّد للعمل الصالح، وليس ثمة عمل صالح بدون علم نافع.
    والعم النافع ينادي على صالح العمل فإن أجابه وإلا ارتحل، وكما وجب على المصلي تعلم ما يقيم به صلاته وعلى المزكّي ما يخرج به زكاته وهلم جرا… فيقبح قبحًا شرعًا أن يتعرض الناسك لأجل مواسم الطاعات وهو مفلس من طرائق المنافسة فقيرًا في زاد المعاملة.
    ولابد من معرفة أحكام الصوم وأعذاره وأركانه ومبطلاته ومباحاته وأحكام صلاة التراويح والاعتكاف، وفي حق المرأة أن تتعلم أحكام الصوم في حق الحائض والمستحاضة والنفساء والصوم في حق الحامل والمرضع.
    وننصح بالكتب الآتية في تحصيل أحكام الصيام منها مع عدم الامتناع عن سؤال أهل العلم ومراجعتهم عند المشكلات:
    1- "زاد المعاد في هدي خير العباد" لابن القيم (باب: هديه  في الصوم).
    2- "صفوة الكلام في مسالك الصيام" لأبي إدريس محمد عبد الفتاح (رسالة مختصرة).
    3- "فقه السنة" للشيخ سيد سابق مع تمام المنة في التعليق على فقه السنة للشيخ الألباني.
    وتجنب أيها الأريب التصدر للفتيا والتبرع بالإفادات حال كونك لست من أهل هذا الشأن، فإنه مشأمة لك ومظلمة لغيرك.
    ومما تتأكد مطالعته ما يتعلق بفقه المعاملة مع الرب وما ينبغي فعله في المواسم، وننصح بكتاب "لطائف المعارف" للحافظ ابن رجب رحمه الله.
    ***

    القاعدة الثامنة
    إعداد النفس لتذوق عبادة الصبر

    قال تعالى: { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا
    إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ }.
    فبعض الخليقة تجعل من مواسم الطاعة مرتعًا لنيل اللذات بكل أنواعها، وهو مرتع وخيم على صاحبه، إذ به يخرج من الشهر كما دخل بل أفسد، وتزداد المسافة بينه وبين حقيقة قصد الآخرة، وتتكاثف غيوم الشهوات حائلة بينه وبين الوصول إلى الله.
    وإذا كان شهر رمضان هو شهر الصوم والصبر فما أحرانا أن نتذوق حقيقة الصبر لنتذوق حقيقة الصوم.
    وأمامك أيها الساعي إلى الخيرات في هذا الشهر صبر عن المحارم، وصبر على الطاعات، ومع ذلك كله صبر على كل بلية تنالك.
    وأنواع الصبر هذه هي أوسمة الولاية وقلادات الإماماة في الدين.
    كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنما تُنال الإمامةُ في الدين بالصبر واليقين، واستدل بقول تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ }.
    قال ابن القيم رحمه الله( ): "فإنه لا خلاف بين أهل العلم أن أظهر معاني الصبر: حبس النفس على المكرمة وأنه من أصعب المنازل على العامة وأوحشها في طريق المحبة، وإنما كان صعبًا على العامة لأن العامي مبتدئ في الطريق وليس له دربة في السلوك وليس تهذيب المرتاض بقطع المنازل، فإذا أصابته المحن أدركه الجزع وصعب عليه احتمال البلاء وعز عليه وجدان الصبر لأنه ليس في أهل الرياضة فيكون مستوطنًا للصبر، ولا من أهل المحبة فيلتذ بالبلاء في رضا محبوبه…)أهـ.
    مما نقلته لك تعلم أيها الحريص على النجاة أن شهر رمضان ميدانك الرحب لتمارس رياضة الصبر وأنت مُعانٌ في كل فجِ.
    فعين الله تصنعك، والأبالسة في أصفادها ترمقك، ونفسك ستراها إلى الخير وثابة وعن الشر هيّابة، فلم يبق إلا أن تعالج الخطرات والوساوس الوالجات في حنايا قلبك، ليت شعري ما أشبه قلبك بالمريض في غرفة العناية المركزة، إنه محروم من كل طعام يفسد دورة علاجه، بل محروم من مخاطبة أقرب الأقربين لتتفرغ أجهزة جسمه للانتعاش واسترداد العافية، ثم إنه يتنفس هواءً معقمًا خاليًا من كل تلوث، وتدخل في شرايينه دماء نقية لتمده بأسباب القوة، ويقاس نبضه ودرجة حرارته كل حين ليتأكد الطبيب من تحسن وظائف جسمه، فما أحرى هذا القلب السقيم الذي أوبقته أوزاره، وتعطن بالشهوات، وتلوث بالشبهات، وترهل بمرور الشهور والدهور دون تزكية وتربية، ما أحراه أن يدخل غرفة العناية المركزية في شهور رمضان، فتكون كل إمدادات قوته مادة التقوى وإكسير المحبة لله ورسوله  وطاعتهما.
    فلتصدر مرسومًا على نفسك أن تلزم جناب الحشمة في هذا الشهر أمام شهوة البطن وغيره، فإن أعلنت عليك التمرد فلا تتردد في فرض الأحكام الاستثنائية وأصدر قرارًا باعتقال هذه النفس الناشز وأدخلها سجن الإرادة حتى تنقاد لأوامرك إذا صدرت، فإن ازداد تمردها وتجرأت في ثورتها فألهب ظهرها بسياط العزيمة وعنفها على مخالفتها أمرك وعصيانها إرادتك، فإن أبت إلا الشرود فلوّح لها بحكم الإعدام وأنها ليست عليك بعزيزة، فإن تمنعت إدلالاً وطمعًا في عطفك فلابد من تنفيذ حكم الإعدام في ميدان العشر الأواخر بحبسها في معتكف التهذيب حتى تتلاشى تلك النفس المتمردة وتفنى، وتتولد في تلك الليالي والأيام نفس جديدة وادعة مطمئنة تلين لك عند الطاعات إذا أمرتها، وتثور عليك عند المعاصي إذا راودتها، فقد وُلدت ولادة شرعية في مكان وزمان طاهرين ونشأت وتربَّت في كنف الصالحين، فلن تراها بعد ذلك إلا على الخير.
    إنها ولادةٌ لنفس ذات إمامة في الدين، تنشأت على مهد الولاية، وترفِّت في سلك الرهبوت والتبتل.
    ***
    القاعدة التاسعة
    كيفية تحصيل حلاوة الطاعات

    أما كون الطاعة ذات حلاوة فيدل له قوله : "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد  رسولاً"( )، وقوله : "ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار"( )، ولما نهى الرسول  أصحابه عن الوصال قالوا: إنك تواصل، قال: "إني لست كهيئتكم، إني أُطعم وأُسقى"( )، وفي لفظ: "إني أظل عند ربي يُطعمني ويسقيني"( )، وفي لفظ: "إن لي مُطعمًا وساقيًا يسقيني"( )، قال ابن القيم: وقد غلُظَ حجاب من ظن أن هذا طعام وشراب حسي للفم، ثم قال: والمقصود أن ذوق حلاوة الإيمان والإحسان أمر يجده القلب تكون نسبته إليه كنسبة ذوق حلاوة الطعام إلى الفم.أهـ.
    واعلم أولاً أيها السالك في مرضاة إلهك أن كلمات القوم في هذا الباب رسوم، وإرشاداتهم في هذا الباب عموم، ولا تبقى إلا الحقيقة الثابتة في نفسها، وهذه لا ينالها إلا من أناله الله إياها، ومن ذاق عرف، فكن من هذا على ذكر، لأننا سنسوق إليك كلامًا لا يفهمه غليظ الحجاب كثيف الرين، فإن استعصى عليك الفهم فلن نبادر إلى اتهام صلتك بالله، بل نقول أتمم قراءة الباب ونفذ ما سنوصيك به ثم أعد قراءة هذه السطور فإن وجدت الأمر كما وصفنا فاحمد الله الذي أذاقك طعم الإيمان وحلاوة الطاعة.
    بدءًا يجب أن تعلم (أن الفكر لا يُحَدُّ واللسان لا يصمت، والجوارح لا تسكن، فإن لم تشغلها بالعظائم شُغلت بالصغائر وإن لم تُعملها في الخير عملتْ في الشر.
    إن في النفوس ركونًا إلى اللذين والهين ونفورًا عن المكروه والشاق، فارفع نفسك ما استطعت إلى النافع الشاق وروّضها وسُسها على المكروه الأحسن، حتى تألف جلائل الأمور وتطمح إلى معاليها، وحتى تنفر عن كل دنية وتربأ عن كل صغيرة، علِّمها التحليق تكره الإسفاف، عرِّفها العزة تنفر من الذل، أّذِقْها اللذات الروحية العظيمة تحقر اللذات الحسية الصغيرة) ( ).
    ودومًا نلح على علو الهمة باعتبارها عنصرًا جوهريًا في أي سعي عظيم، وأي سعي أعظم من سعي الآخرة، قال تعالى: { وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا }.
    ثم اعلم- علمت كل خير- أن حلاوة الطاعة ملاكها في جمع القلب والهم والسر على الله ويفسره ابن القيم قائلاً: هو عكوف القلب بكليته على الله عز وجل، لا يلتفت عنه يمنة ولا يسرة، فإذا ذاقت الهمة طعم هذا الجمع اتصل اشتياق صاحبها وتأججت نيران المحبة والطلب في قلبه.. ثم يقول: فلله همةُ نفس قطعت جميع الأكوان وسارت فما ألقت عصا السير إلا بين يدي الرحمن تبارك وتعالى فسجدت بين يديه سجدة الشكر على الوصول إليه، فلم تزل ساجدة حتى قيل لها: { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي }، فسبحان من فاوت- بين الخلق في- هممهم حتى ترى بين الهمتين أبعد ما بين المشرقين والمغربين بل أبعد مما بين أسفل سافلين وأعلى عليين، وتلك مواهب العزيز الحكيم: { ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } ثم يقول: وهكذا يجد لذة غامرة عند مناجاة ربه وأنسًا به وقربًا منه حتى يصير كأنه يخاطبه و يسامره، ويعتذر إليه تارة ويتملقه تارة ويثني عليه تارة حتى يبقى القلب ناطقًا بقوله: (أنت الله الذي لا إله إلا أنت) من غير تكلف له بذلك بل يبقى هذا حالاً له ومقامًا كما قال النبي : "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه"( )، وهكذا مخاطبته ومناجاته له، كأنه بين يدي ربه فيسكن جأشه ويطمئن قلبه فيزداد لهجًا بالدعاء والسؤال، تذللاً لله الغني سبحانه، وإظهار لفقر العبودية بين يدي عز الربوبية، فإن الرب سبحانه يحب من عبده أن يسأله ويرغب إليه، لأن وصول بره وإحسانه إليه موقوف على سؤاله، بل هو المتفضل به ابتداءًا بلا سبب من العبد ولا توسط سؤاله، بل قدَّر له ذلك الفضل بلا سبب من العبد، ثم أمره بسؤال والطلب منه إظهارًا لمرتبة العبودية والفقر والحاجة واعترافًا بعز الربوبية وكمال غنى الرب وتفرده بالفضل والإحسان، وأن العبد لا غنى له عن فضله طرفة عين، فيأتي بالطلب والسؤال إتيان من يعلم أنه لا يستحق بطلبه وسؤال شيئًا، ولكن ربه تعالى يحب أن يُسأل ويُرغب إليه ويطلب منه.. ثم قال: فإذا تم هذا الذل للعبد: تم له العلم بأن فضل ربه سبق له ابتدءًا قبل أن يخلقه، مع علم الله سبحانه ربه وتقصيره وأن الله تعالى لم يمنعه علمه بتقصير عبده أن يقدر له الفضل والإحسان، فإذا شاهد العبد ذلك اشتد سروره بربه وبمواقع فضله وإحسانه، وهذا فرح محمود غير مذموم قال الله تعالى: { قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } أهـ( ).
    وهذا كلام راقٍ يحتاج إلى تَرْدادٍ لفهمه، وتجْوالٍ في حنيا نظمه:
    فأدِمْ جرَّ الحبالِ تقطع الصخر الثَّخينا
    ولكننا لا ندعك للرسوم والإشارات وعموم تلك العبارات، بل نَلِجُ بك إلى واقع عملي تكابد به حقائق الخدمة، وتتجلى لك من ورائه دقائق علم السلوك، فتستغني- أيها النابه العابد- بالمثال الواحد عن ألف شاهد.
    فهاك جملة من الطاعات التي يؤديها كل الناس، ولننظر كيف يجب أن تؤدي وتقام.
    ***
    ذكر الله عز وجل

    قال الفيروز آبادي في القاموس: الذكر بالكسر الحفظ للشيء.. وما زال مني على ذُكر وذِكر أي تذكر.
    وبهذا تعلم أن الذكر حقيقة في الحفظ والتذكر والاستحضار، واستخدم في الشرع بمعنى جريان اللسان بالثناء على الله وطلب المغفرة منه حتى صار حقيقة شرعية، غير أنه غُلب من العامة على وظيفة اللسان، فأصبح لا يطلق الذكر إلا ويتبادر معنى تحرك اللسان بالأذكار، وشطح غلاة الصوفية فصاروا لا يفهمون من الذكر إلا مجالس الرقص والدفوف، وكل ذلك يتنافى مع كثير من إطلاقات القرآن.
    يقول الله تعالى: {والذين إذا فعوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} فذِكرُ الله هنا بمعنى استحضار عظمته وحفظه مقامه وتذكّر جلاله وهيبته، يؤيده أنه عطف عليه الاستغفار وهو ذلك، فلو كان معنى {ذكروا الله} أي جري اللسان بذكره لتكرر هكذا: ذكروا الله فذكروه، ولا يقال: إن قوله: {ذكروا الله فاستغفروا} من قبيل عطف الخاص على العام، لأن هذا من باب التأكيد، والتأسيس أولى من التأكيد، فالمتجه عندنا أن ذكر الله الزم صفة للمتقين فهم يستحضرون عظمته ويتذكرون أياديه عليهم فيكون ذلك سببًا في معرفة جرم ذنوبهم فيستغفرون.
    وتأمل قول الله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} تجد أن الذكر هنا أيضًا بمعنى العلم، وإذا أجريت ما ذكرناه لك عن معنى الذكر هنا فهمت ضرورة أن قوله: {فاسألوا أهل الذكر} أي أهل الخوف من الله والخاشعين له والمستحضرين لعظمته وليس هؤلاء إلا العلماء لقوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}.
    بل إن قوله تعالى: {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} فيه إشارة إلى ما قرر ناه، فشأن أهل الإيمان (الذين وردت الآية في سياق وصفهم) توجل قلوبهم بمجرد جريان خواطرهم به عز وجل عند سماع اسم من أسمائه أو صفة من صفاته أو أي شيء يشير إلى مقامه، ولو كان معنى الآية أن المؤمنين توجل قلوبهم بترداد ذكره وجريان اللسان لهجًا بالثناء عليه فليس في ذلك مزية، فمعظم الناس يوجلون عند ترداد الأذكار بحضور قلب، ولكن القليل هم الذين تتفاعل قلوبهم بمجرد ورود الخاطر عن الله.
    إذا تقرر ذلك نعلم عندئذ أن ذكر الله عز وجل يكون باستحضار عظمته في القلب وليس نوعًا مستقلاً بذاته، لأن جريان اللسان بالذكر دون حراك القلب ليس مقصودًا من الله عز وجل وتقدس، قال تعالى: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} وقال : "التقوى ههنا وأشار إلى صدره" رواه مسلم، وقال أيضًا : "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم" رواه مسلم.
    وبهذا البيان ندرك أن وظيفة اللسان في الذكر يجب أن تحصّل حضور القلب، بتعظيم الله واستحضار هيبته وجلاله، فما هي الوسائل التي تحقق هذه الثمرة؟
    ***
    وسائل تحصيل حلاوة الذكر

    أولاً: معرفة المقصود من الذكر وهو إجلال مقام الله والخوف منه وخشيته ومهابته وقدرُهُ حق قدره، وبهذا المعنى يكون الذكر منسحبًا على كل زمان ومكان يوجد فيه الإنسان.
    ثانيًا: أن يلحظ الذاكر نعمة الله الخليقة لنوالهم شرف ذكره وكرامة ورود كلماته على الخواطر وجريانها في الجوارح مع تلبسها بمعصيته وجحود آلائه ونعمائه.
    ثالثاً: لزوم جناب الاحتشام عند ذكر الله باستحضار مراقبته وإطلاعه، وكان بعض السلف إذا ذكر الله لم يمد رجليه، وقد وصف الله المؤمنين بأنهم: {إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} ووجل القلب خوفه من الله، قال أبو حيان في تفسيره، وقرأ ابن مسعود: فرقت، وقرأ أُبي: فزغت.
    رابعًا: أن يستشعر ويستحضر معنى حديث: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه"( ) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم والبيهقي والحاكم، ولا يحولن عطنُ الفلاسفة والمتكلمين والمعطلة والجهمية بينك وبين جمال هذا المعنى وجلاله، فما دمت بنيت في ذهنك مقام الربوبية على الإثبات والتنزيه، فأمِرَّ النصوص كما جاءت كما فعل السلف تنتفع ببركة تلك النصوص.
    واعلم أن المدد من الله على قدر تقواك وصبرك، وحضور القلب على قدر استجماع الفكر في الذكر، والدليل قوله تعالى: {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين}.
    خامسًا: عدم اليأس من تأخر الفتح، فمن أدمن قرع الباب يوشك أن يؤذن له، وملازمة الإلحاح والوقوف بالباب مع الإطراق بانكسار واختجال علامة التوفيق والقبول، تأمل قوله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا ألا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا} تجد أن المخلّف ممتحن في حقيقة الأمر: {ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين}.
    سادسًا: يقول ابن القيم في الفوائد: من الذاكرين من يبتدئ بذكر اللسان وإن كان على غفلة ثم لا يزال فيه حتى يحضر قلبه فيتواطأ على الذكر، ومنهم من لا يرى ذلك ولا يبتدئ على غفلة بل يسكن حتى يحضر قلبه فيشرع في الذكر بقلبه فإذا قوي استتبع لسانه فتواطأ جميعًا، فالأول ينتقل الذكر من لسانه إلى قلبه والثاني ينتقل من قلبه إلى لسانه من غير أن يخلو قلبه منه بل يسكن أولاً حتى يُحسنَّ بظهور الناطق فيه، فإذا أحس بذلك نطق قلبه ثم انتقل النطق القلبي إلى الذكر اللساني ثم يستغرق في ذلك حتى يجد كل شيء منه ذاكرًا، وأفضل الذكر وأنفعه ما واطأ فيه القلبُ اللسان وكان من الأذكار النبوية وشهد الذاكر معانيه ومقاصده. أهـ. ومثل هذا لا يحسنه إلا ابن القيم رحمه الله.
    والمذهب عندنا هو الوسيلة الثانية أي عدم الابتداء على غفلة بل يسكن الذاكر حتى يحضر القلب، وسبيله أن يستحضر نفسه واقفًا بباب الرحمة مطرقًا ينتظر الإذن بالدخول ويجول بقلبه الكسير حول معاني الرحمة والود والقبول، فذلك قمين أن يحضر به القلب.
    أما لزوم كون.. الذكر من الوارد في السُنَّة فهذا بَدَهي لا نطيل في تقريره، فمن سلك غير طريق محمد  أنىّ له الوصول؟
    أما شهود م عاني الذكر ومقاصده فهذا من أعظم أبواب حضور القلب والانتفاع بالذكر وخاصة إذا كانت من المعاني الراقية الرفيعة التي صيغت في حنايا سيد الذاكارين .
    وسنضرب مثالاً في كيفية التفكر والتدبر في الذكر ليكون كالشاهد على غيره من الأذكار، فمن أذكار الصباح والمساء التي يرددها المؤمن قوله : "أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير رب أسألك خير ما في هذا اليوم وخير ما بعده، وأعوذ بك من شر هذا اليوم وشر ما بعده رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكِبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر" رواه مسلم.
    فيستحضر ما ذكرناه آنفًا ثم يتدبر الكلمات مظهرًا لفقر والاحتياج والمسكنة، ويجول بقلبه في ملك الله وملكوته، فيتحقق عنده حقائق النعم (أصبحنا)، ويبصر عظيم منة الله إذا منَّ عليه بالحياة فأصبح معافى، مع أنه كان آيسًا من إدراك الصباح، كان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء" رواه البخاري، وها هي رعاية الله تتداركه فيرسل لها روحها بعد توفيها، قال تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} ومع غمرة الفرحة بنعمة الله يتدارك نفسه بذكر المنعم حتى لا تضمحل رؤية المنعم في خضم الفرحة بالنعمة فينسب كل النعم بل كل هذا الملك إلى المنصرف الحقيقي فيه (وأصبح الملك لله) ومع نسبة النعمة لصاحبها والبوء لمسديها لا ينبغي أن ينسى العبد شكر ربه والثناء عليه فيحمده (والحمد لله)، ثم يشهد شهادة التوحيد (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) وسر ذلك: الإقرار بالألوهية بعد الإقرار بالربوبية، فالربوبية هي التصرف والتدبير والملك وهي متضمنة في قوله: (أصبحنا وأصبح الملك لله) والألوهية هي إثبات استحقاق الله عز وجل بالألوهية أي كونه إلهًا يعبد ولا يعبد أحدٌ معه، ثم يكرر بعض معاني الربوبية الأخرى ويحوم حول بعض أسمائه عز وجل وصفاته ليصُقل قلبه بتوحيد الأسماء والصفات فهو سبحانه (له الملك) أي أنه الملك، (وله الحمد) أي المحمود الحميد.
    ثم يعترف بشمول قدرة الله لكل الأشياء، والشيء أعم لفظة في اللغة لشمولها الموجود والمعدوم والكبير والصغير والعظيم والحقير، ثم يبدأ بعد جولة الثناء على الله، هذه الجولة التي لا بد أن يشعر فيها بتحليق روحه بين تلك المعاني الراقية، الذي هو مخ العبادة، فيبدأ دعاءه المتناسب مع الزمان، فيسأل ربه خير هذا اليوم وخير ما بعده وكلمة (خير) مفرد مضاف، فيفيد العموم كما قال الأصوليون، فهو سؤال لكل خير ولأي خير أن يناله بفضل من الله ورحمة، ومقتضى سؤال الخير ألا يُبتلى بالشر لأن الشر ليس بخير، ولكنه يؤكد الاستعاذة من الشر بترداد ألفاظها إمعانًا في التذلل وتأكيدًا في المسألة وإلحاحًا في الرغبة.
    ولما كان الذاكر يستقبل يومًا جديدًا أو ليلة جديدة فإنه يحتاج إلى كل معونة على كل عجز يُقعده عن الانتفاع بيومه وليله، وعجز الإنسان إما أن يكون قدريًا أي لا حيلة له في دفعه، أو كسبيًا، فهو يستعيذ من العجز القدري وهو (سوء الكِبَر) وذلك بأن يبارك له ربه في جوارحه وقوته ونشاطه، ومن العجز الكسبي وهو (الكسل) وذلك بأن يُلهم النشاط وكراهية الدعة والخمول.
    ولما كان الذاكر في جولة قلبية مع تلك المعاني المناسبة لزمان اليوم والليلة فإنه يفيق بعد تلك الجولة على حقيقة سيره إلى الله وأن غاية مراده من الذكر والاستعاذة من الشرور أن ينجو حقيقة بدخول الجنة والزحزحة عن النار فيتدارك لسانه هذا الذاكر الذي دندن حوله الرسول  ومعاذ بن جبل فيردد صدى دندنتهما في الكون بترنيمة السالكين الأبدية (رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر).
    وفي ذكر القبر في ختام الدعاء والذكر سر عجيب، فإنه بدا ذكره بالتحليق في أرجاء ملك الله الواسع (أصبحنا وأصبح الملك لله) ثم إنه استشعر سعة الكون بشموله قدرته عز وجل وتصرفه فيه، وهو خليق أن يجعله مبهورًا بهذه السعة، فيأتي ذكر القبر ليرده عن هذا التوسع والشعور بالرحابة، ويذكّرَ الضيق الذي ينتظره في القبر وكذا بأهواله وخطوبه.
    فيا له من ذكر يصعد بالإنسان إلى أعلى عليين ثم ينزل به إلى اسفل سافلين، فإذا هو بعد الذكر قد تجلت له الحقائق ورأى الدنيا وملك الله من زاوية السعة ومن زاوية الضيق فتتضاءل نفسه أمام هذا الإعجاز وتصغر ذاته في عمق هذه المعاني، وهذه هي أحلى فوائد الذكر، أن يجد الذاكر في نفسه قدرة على إدراك حقائق الأمور، فيرى ضالة ذاته، وعظمة ربه، ويبصر تصرف المليك في الكون والخليقة.
    سابعًا: أفضل أحوال الذكر: يفضل الذكر في الخلوات عنه في الجلوات أي على مشهد من الناس، قال  في السبعة الذين سيظلهم الله في ظله: "ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه". رواه البخاري، والخلوة يجب أن تكون بمنأى عن أعين الناس وعن جلبتهم وضوضائهم، لذا يفضل في الخلوة الهدوء التام والظلام وعدم الإزعاج وقطع لحظات المناجاة، ولا يشرع اتخاذ الخلوات في الجبال والفيافي بما يشبه الرهبنة كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية، بل الخلوة الشرعية تكون في المسجد بالاعتكاف أو في المنازل والبيوتات، ولا يشرع الاعتزال واتخاذ الخلوة في شعب الجبال إلا زمان الفتن التي تعصف بالإيمان والمؤمنين، أما زمن الجهاد والدعوة والإصلاح فلا تشرع العزلة بحال على قول جمهور الفقهاء والمحدثين وأهل السلوك.
    وثمة آداب أخرى في حق الذاكر يستحب له إتيانها منها لبس أحسن الثياب وتجديد الوضوء والتطيب واستقبال القبلة على الدوام، ودوام الإطراق، ولزوم الأدب في الجلوس، واستصحاب السواك واستعماله.
    تنبيه: واعلم أيها النابه أن كل ما ذكرناه لك عن الذكر وفقهه وآدابه وأحكامه وأسراره يجري في قراءة القرآن الكريم وتدبره وتفهمه، فهو أعظم الذكر وأحلاه.
    فاستحضر ما قررناه ونفذه عند تلاوة القرآن الكريم مع ضرورة الإلمام بجملة من فضائل تلاوة القرآن وتدبره في نصوص الكتاب والسنة فإنه خير معوان لك على حب القرآن والانتفاع منه وبه.
    وسيأتي إن شاء الله فصل خاص حول تلاوة القرآن نلخص فيه كلام الغزالي رحمه الله.
    ***
    وسائل تحصيل لذة الصوم

    وهذا من أعجب الأسرار، ولم أجد أحدًا تكلم فيها بما يشفي، والمقصود أيها السالك: إيقافك على أسرار العبادة وجمال الخدمة وشرف القيام بالأمر، فالعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، ومقتضى قيامك بأداء العبادة أن تجد ثمرتها، وثمرة العبادة تكليف شرعي، فمثلاً: يقول عن الصلاة: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} أي الصلاة الصحيحة الكاملة، ولكنه لم يتكلم عن لذة العبادة والمناجاة والخطاب وحلاوة القيام بتلك الصلاة وكذلك الصوم حين قال: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} فالتقوى أيضًا كالانتهاء من الفحشاء والمنكر كلاهما مأمور به.
    وسر عدم التعرض للذة العبادة وجعلها مقصودًا وغاية مباشرة أن هذه اللذة والحلاوة هي من صميم مقام الإحسان "أن تعبد الله كأنك تراه" ولو جُعلت مقصودًا وغاية لعَجَزَ جمهور المكلفين عن أن يحصّلوا هذه اللذة ليتأكدوا من حصول ثمرة العبادة، وليأس كثير من السالكين حيث يجتهدون ولما يأتهم المدد، فكان تكليفهم بالقريب الملموس والسهل اليسير لأن علامات التقوى والانتهاء عن المنكر واضحة، أما باطن هذه الغايات وجوهرها فهو الالتذاذ بالخدمة والشعور بالنسبة (نسبة العبد لربه) كما قال  بعد رجوعه من الطائف وأذيه أهلها له وإهانتهم لشخصه، قال: "إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي" وهذا من أجمل الألفاظ النبوية الجامعة الخارجة من مشكاة خليل رب العالمين، ولذلك كان سيد الاستغفار سيدًا لما فيه من الشعور بالنسبة ولذة الخطاب: "أنت ربي.. خلقتني وأنا عبدك.. فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".
    وممـا زادنـي شـرفًا وتيـهًا وكدت بأخمصي أطأ الثريا
    دخولـي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيًا
    وكذلك الصوم تتحصل اللذة فيه من الشعور بالنسبة والالتذاذ بالخدمة قال تعالى في الحديث القدسي: "الصوم لي وأن أجزي به…" هذه هي النسبة، وقال: "ترك طعامه وشهوته من أجلي" وهذه هي حقيقة الالتذاذ بالخدمة.
    ولذلك كان يبس الشفاة من العطش، وقرقرة البطون من الجوه: أهنأ ما لاقاه الصائمون وأمرأ ما ظفر به أولئك الجياع العطشى.
    فبينما هو يتألم – وقد تلوى من جوع البطن- يتوارد على فؤاده خاطرة: أن هذا الألم يصبر عليه تعظيمًا لحق الله ومهابة لنظره وإطلاعه فيرضى عن حاله ويشبع من رضا الله عنه ولا يطمع في أي نعمة تحول بينه وبين لذة هذا الألم.
    لكنه سرعان ما يطأطئ منكسرًا وجلاً، خائفًا لئلا يقبل الله منه فيتضافر ألم البطون مع ألم القلوب ويتعاظم هذا الألم حتى تتداركه عناية الله وإمداداته فيفيض عليه من جميل لطفه وإنعامه فيسكن هذان الألمان المتضافران وينقلبان حلاوة غامرة ولذة عامرة بل وشوقًا للقاء الله حتى تتم فرحته التي أخبر عنه النبي  "وفرحة عند لقاء ربه".
    وإذا تأملت هذه المعاني أدركت سر قوله : "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع" رواه ابن ماجة (صحيح الجامع)
    وقوله : "رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش" رواه الطبراني في الكبير وغره (صحيح الجامع)
    وربما ضربت كفًا على كف من اجتماع هذه المتناقضات، ألم، ولذة، وجوع، وشبع، وعطش، وريٌّ، ولا يمنعنك هذا العجب من ولوج هذا الطريق والسير فيه، فمن سلكه رأى من آيات ربه الكبرى.
    فأحسن القصد، وولّد العزم، وتسلح بالهمة، وابدأ السير، وِجدَّ في الترّحال، واطلب الراحة في العناء، وارض عن نفسك إذا كان مسعاها في المعالي، ولا تركن إلى غبن أهل الدنيا، ومنِّ نفسك بالفوز الربيح، وادخر الثمن الغالي لسلعة الله "ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة".
    ***


    وسائل تحصيل لذة الصلاة

    (اعلم أن هذه المعاني تكثر العبارات عنها ولكن يجمعها ست جمل وهي:
    (1) حضور القلب (2) التفهُّم (3) التعظيم
    (4) الهيبة (5) الرجاء (6) الحياء
    فلتذكر تفاصيلها ثم أسبابها ثم العلاج في اكتسابها، أما التفصيل:
    فالأول: حضور القلب، ونعني به أن يفرَّغ القلب عن غير ما هو ملابس له ومتكلمٌ به، فيكون العلم بالفعل والقول مقرونًا بهما، ولا يكون الفكر جائلاً في غيرهما، ومهما انصرف القلب في الفكر عن غير ما هو فيه- وكان في قلبه ذكر لما هو فيه- ولم يكن فيه غفلة عن كل شيء فقد حصل حضور القلب.
    والثاني: هو التفهم لمعنى الكلام، وهو أمر وراء حضور القلب، فربما يكون القلب حاضرًا مع اللفظ ولا يكون مع معنى اللفظ، فاشتمال القلب حاضرًا على العلم بمعنى اللفظ هو الذي أردناه بالتفهم، وهذا مقام يتفاوت الناس فيه إذ ليس يشترك الناس في تفهم المعاني للقرآن والتسبيحات.. وكم من معان لطيفة يفهمها المصلي في أثناء الصلاة ولم يكن قد خطر بقلبه ذلك قبله؟ ومن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، فإنها تُفَهم أمورًا، تلك الأمور تمنع عن الفحشاء لا محالة.
    والثالث: التعظيم وهو أمر وراء حضور القلب والفهم، إذ الرجل يخاطب عبده بكلام هو حاضر القلب فيه ومتفهم لمعناه ولا يكون معظمًا له فالتعظيم زائد عليهما.
    والرابع: وهو الهيبةُ فزائدة على التعظيم بل هي عبارة عن خوف منشؤة التعظيم لأن من لا يخاف لا يسمى هائبًا، والمخافة من العقرب وسوء خلق العبد وما يجري مجراه من الأسباب الخسيسة لا تسمى مهابة، بل الخوف من السلطان المعظم يسمى مهابة، والهيبة خوف مصدرها الإجلال.
    والخامس: وهو الرجاء فلا شك أنه زائد فكم من معظم ملكًا من الملوك يهابه أو يخاف سطوته ولكن لا يرجو مثوبته، والعبد ينبغي أن يكون راجيًا بصلاته ثواب الله عز وجل كما أنه خائف بتقصيره عقاب الله عز وجل.
    السادس: وهو الحياء فهو زائد على الجملة لأن مستنده استشعار تقصير وتوهم ذنب، ويتصور التعظيم والخوف والرجاء من غير حياء حيث لا يكون توهم تقصير وارتكاب ذنب.
    وأما أسباب هذه المعاني الستة: فاعلم أن حضور القلب سببه الهمة فإن قلبك تابع لهمتك فلا يحضر إلا فيما يهمك. ومهما أهمك أمر حضر القلب فيه شاء أم أبى فهو مجبول على ذلك ومسخر فيه والقلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن متعطلاً بل جائلاً فيما الهمة مصروفة إليه من أمور الدنيا، فلا حيلة ولا علاج لإحضار القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة، والهمة لا تنصرف إليها ما لم يتبين أن الغرض المطلوب منوط بها وذلك هو الإيمان والتصديق بأن الآخرة خير وأبقى وأن الصلاة وسيلة إليها، فإذا أضيف هذا إلى حقيقة العلم بحقارة الدنيا ومهماتها حصل من مجموعها حضور القلب في الصلاة، وبمثل هذه العلة يحضر قلبك إذا حضرت بين يدي بعض الأكابر ممن لا يقدر على مضرتك ومنفعتك، فإذا كان لا يحضر عند المناجاة مع ملك الملوك الذي بيده الملك والملكوت والنفع والضر فلا تظنَّن أن له سببًا سوى ضعف الإيمان فاجتهد الآن في تقويته.
    وأما التفهم فسببه بعد حضور القلب إدمان الفكر وصرف الذهن إلى إدراك المعنى وعلاجه الذي هو علاج إحضار القلب مع الإقبال على الفكر والتشمر لدفع الخواطر، وعلاج دفع الخواطر الشاغلة قطع موادها، أعني النزوع عن تلك الأسباب التي تنجذب الخواطر إليها، وما لم تنقطع تلك المواد لا تنصرف عنها الخواطر، فمن أحب شيئًا أكثر ذكره، فذكر المحبوب يهجِم على القلب بالضرورة، ولذلك ترى أن من أحب غير الله لا تصفو له صلاة عن الخواطر.
    وأما التعظيم فهي حالة للقلب تتولد من معرفتين: إحداهما: معرفة جلال الله عز وجل وعظمته وهو من أصول الإيمان، فإن من لا يعتقد عظمته لا تذعن النفس لتعظيمه. والثانية: حقارة النفس وخستها وكونها عبدًا مسخرًا مربوبًا، حتى يتولد من المعرفتين الاستكانة والانكسار والخشوع لله سبحانه فيعبر عنه بالتعظيم، وما لم تمتزج معرفة حقارة النفس بمعرفة جلال الله لا تنتظم حالة التعظيم والخشوع فإن المستغني عن غيره الآمن على نفسه يجوز أن يعرف من غيره صفات العظمة ولا يكون الخشوع والتعظيم حاله، لأن القرينة الأخرى وهي معرفة حقارة النفس وحاجتها لم تقترن إليه.
    وأما الهيبة والخوف فحالة للنفس تتولد من المعرفة بقدرة الله وسطوته ونفوذ مشيئته فيه مع قلة المبالاة به، وأنه لو أهلك الأولين والآخرين لم ينقص ذلك من ملكه ذرة، هذا مع مطالعة ما يجري على الأنبياء والأولياء من المصائب وأنواع البلاء مع القدرة على الدفع على خلاف ما يشاهد من ملوك الأرض، وبالجملة كلما زاد العلم بالله زادت الخشية والهيبة.
    وأما الرجاء فسببه معرفة لطف الله عز وجل وكرمه وعميم إنعامه ولطائف صنعه ومعرفة صدقه في وعده الجنة بالصلاة، فإذا حصل اليقينُ بوعده والمعرفةُ بلطفه انبعث من مجموعها الرجاء لا محالة.
    وأما الحياء فباستشعاره التقصير في العبادة، وعلمه بالعجز عن القيام بعظيم حق الله عز وجل، ويقوىَ ذلك بالمعرفة بعيوب النفس وآفاتها وقلة إخلاصها وخبث دخيلتها وميلها إلى الحظ العاجل في جميع أفعالها، مع العلم بعظيم ما يقتضيه جلال الله عز وجل، والعلم بأنه مطلع على السر وخطرات القلب وإن دقت وخفيت، وهذه المعارف إذا حصلت يقينًا انبعث منها بالضرورة حالة تسمى الحياء، فهذه أسباب هذه الصفات وكل ما طُلب تحصيله فعلاجه إحضار سببه، ففي معرفة السبب معرفة العلاج، ورابطة جميع هذا الأسباب الإيمان واليقين، أعني به هذه المعارف التي ذكرناها، ومعنى كونها يقينًا انتفاءُ الشك واستيلاؤها على القلب، وبقدر اليقين يخشع القلب، وباختلاف المعاني التي ذكرناها في القلوب انقسم الناس إلى غافل يتمم صلاته ولم يحضر قلبه في لحظة منها، وإلى من يتمم ولم يغب قلبه في لحظة بل ربما كان مستوعب الهم بها بحيث لا يحس بما يجري بين يديه، ولذلك لم يحس مسلم بن يسار بسقوط الاسطوانة في المسجد وقد اجتمع الناس عليها، وبعضهم كان يحضر الجماعة مدة ولم يعرف قط من على يمينه ويساره، وجماعة كانت تصفر وجوههم وترتعد فرائصُهم.
    وكل ذلك غير مستبعد فإن أضعافه مشاهد في همم أهل الدنيا وخوف ملوك الدنيا مع عجزهم وضعفهم وخساسة الحظوظ الحاصلة منهم حتى يدخل الواحد على ملك أو وزير ويحدثه بمهمته ثم يخرج، ولو سئل عمن حواليه أو ثوب الملك لكان لا يقدر على الإخبار عنه لاشتغال همه عن ثوبه وعن الحاضرين حواليه {ولكل درجات مما عملوا}، فحظ كل واحد من صلاته بقدر خوفه وخشوعه وتعظيمه فإن موقع نظر الله سبحانه القلوبُ دون ظاهر الحركات، ولذلك قال بعض الصحابة : يحشر الناس يوم القيامة على مثل هيئتهم في الصلاة من الطمأنينة والهدوء ومن وجود النعيم بها واللذة، ولقد صدق، فإنه يحشر كلٌ على ما مات عليه، ويموت على ما عاش عليه، ويراعى في ذلك حال قلبه لا حال شخصه، فمن صفات القلوب تصاغ الصور في الدار الآخرة ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم، نسأل الله حسن التوفيق بلطفه وكرمه.
    ***
    بيان الدواء النافع في حضور القلب

    أعلم أن المؤمن لابد أن يكون معظمًا لله عز وجل وخائفًا منه وراجيًا له ومستحييًا من تقصيره، فلا ينفك عن هذه الأحوال بعد إيمانه، وإن كانت قوتها بقدر قوة يقينه، فانفكاكه عنها في الصلاة لا سبب له إلا تفرق الفكر وتقسيم الخاطر وغيبة القلب عن المناجاة والغفلة عن الصلاة.
    ولا يلهي عن الصلاة إلا الخواطر الواردة الشاغلة، فالدواء في إحضار القلب هو دفع تلك الخواطر ولا يدفع الشيء إلا بدفع سببه فلتعلم سببه. وسبب موارد الخواطر إما أن يكون أمرًا خارجًا أو أمرًا في ذاته باطنًا، أما الخارج فما يقرع السمع أو يظهر للبصر، فإن ذلك قد يختطف الهم حتى يتبعه ويتصرف فيه ثم تنجر منه الفكرة إلى غيره ويتسلسل، ويكون الإبصار سببًا للافتكار، ثم تصير بعض تلك الأفكار سببًا للبعض الآخر.
    ومن قويت نيته وعلت همته لم يلهه ما جرى على حواسه ولكن الضعيف لابد وأن يتفرّق به فكره، وعلاجه قطع هذه الأسباب بأن يغض بصره أو يصلي في بيت مظلم أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسه وبقرب من حائط عند صلاته حتى لا تتسع مسافة بصره، ويحترز من الصلاة على الشوارع وفي المواضع المنقوشة المصنوعة وعلى الفرش المصبوغة، ولذلك كان المتعبدون يتعبدون في بيت صغير مظلم سعته قدر السجود ليكون ذلك أجمع للهمم.
    والأقوياء منهم كانوا يحضرون المساجد ويغضون البصر ولا يجاوزون به موضع السجود ويرون كمال الصلاة في أن لا يعرفوا من على يمينهم وشمالهم، وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يدع في موضع الصلاة مصحفًا ولا سيفًا إلا نزعه ولا كتابًا إلا محاه.
    وأما الأسباب الباطنة فهي أشد فإن من تشعبت به الهموم في أودية الدنيا لا ينحصر فكره في فن واحد بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب، وغض البصر لا يغنيه، فإن ما وقع في القلب من قبلُ كافٍ للشغل، فهذا طريقه أن يرد النفس قهرًا إلى فهم ما يقرؤه في الصلاة ويشغلها به عن غيره، ويعينه على ذلك أن يستعد له قبل التحريم بأن يحدد على نفسه ذكر الآخرة وموقف المناجاة وخطر المقام بين يدي الله سبحانه وهو المطلع، ويفرغ قلبه قبل التحريم بالصلاة عما يهمه فلا يترك لنفسه شغلاً يلتفت إليه خاطره، قال رسول الله  لعثمان بن طلحة: "إني نسيت أن أقول لك أن تخمر القدْر الذي في البيت، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل الناس عن صلاتهم" رواه أبو داود( )، فهذا طريق تسكين الأفكار. فإن كان لا يسكن هوائج أفكاره بهذا الدواء المسكن، فلا ينجيه إلا المسهل الذي يقمع مادة الداء من أعماق العروق، وهو أن ينظر في الأمور الصارفة الشاغلة عن إحضار القلب، ولاشك أنها تعود إلى مهماته، وأنها إنما صارت مهمات لشهواته، فيعاقب بها نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات وقطع تلك العلائق، فلك ما يشغله عن صلاته فهو ضد دينه ومن جند إبليس عدوِّه، فإمساكه أضر عليه من إخراجه فيتخلص منه بإخراجه، كما روي أنه  لما لبس الخميصة التي أتاه بها أبو جهم وعليها علَمٌ وصلى بها نزعها بعد صلاته، وقال : "اذهبوا بها إلى أبي جهم فإنها ألهتني عن صلاتي وائتوني بأنْبَجَانية أبي جهم" متفق عليه، وأمر رسول الله  بتجديد شراك نعله ثم نظر إليه في صلاته إذ كان جديدًا فأمر أن ينزع منها ويردَّ الشراك الخلق، أخرجه ابن المبارك في الزهد مرسلاً بإسناد صحيح.
    فأما ما ذكرناه من التلطف بالتسكين والرد إلى فهم الذكر فذلك ينفع الشهوات الضعيفة والهمم التي لا تشغل إلا حواشي القلب.
    فأما الشهوة القوية المرهقة فلا ينفع فيها التسكين بل لا تزال تجاذبها وتجاذبك ثم تغلبك وتنقضي صلاتك في شغل المجاذبة، ومثاله: رجل تحت شجرة أراد أن يصفو له فكره وكانت أصوات العصافير تهوش عليه، فلم يزل يطيرها بخشبة في يده ويعود إلى فكره فتعود العصافير فيعود إلى التنفير بالخشبة، فقيل له: إن أردت الخلاص فاقطع الشجرة، فكذلك شجرة الشهوات إذا تشعبت وتفرعت أغصانها انجذبت إليها الأفكار انجذاب العصافير إلى الأشجار وانجذاب الذباب إلى الأقذار، والشغل يطول في دفعها، فإن الذباب كلما ذُبّّ آب، ولأجله سمي ذبابًا، فكذلك الخواطر، وهذه الشهوات كثيرة وقلما يخلو العبد عنها ويجمعها أصل واحد وهو حب الدنيا، وذلك رأس كل خطيئة وأساس كل نقصان ومنبع كل فساد.
    ومن انطوى باطنه على حب الدنيا حتى مال إلى شيء منها لا ليتزود ولا ليستعين بها على الآخرة فلا يطمعن في أن تصفو له لذة المناجاة في الصلاة، فإن من فرح بالدنيا لا يفرح بالله سبحانه وبمناجاته.
    وهمة الرجل مع قرة عينه، فإن كانت قرة عينه في الدنيا انصرف لا محالة إليها همه، ولكن مع هذا فلا ينبغي أن يترك المجاهدة ورد القلب إلى الصلاة وتقليل الأسباب الشاغلة، فهذا هو الدواء ولمرارته استبشعته الطباع وبقيت العلة مزمنة وصار الداء عُضالاً، حتى إن الأكابر اجتهدوا أن يصلوا ركعتين لا يحدّثون أنفسهم فيها بأمور الدنيا فعجزوا عن ذلك، فإذن لا مطمع فيه لأمثالنا، وليته سلم لنا من الصلاة شطرها أو ثلثها من الوساوس لتكون ممن خلط عملاً صالحًا وآخر سيئًا.
    وعلى الجملة فهمة الدنيا وهمة الآخرة في القلب مثل الماء الذي يصب في قدح مملوء بخلّ، فبقدر ما يدخل فيه الماء يخرج من الخل لا محالة ولا يجتمعان.
    ***
    بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند
    كل ركن وشرط من أعمال الصلاة

    فنقول: حقك إن كنت المريدين للآخرة أن لا تغفل أولاً عن التنبيهات التي في شروط الصلاة وأركانها، أما الشروط السوابق فهي الآذان والطهارة وستر العورة واستقبال القبلة والانتصاب قائمًا والنية.
    فإذا سمعت نداء المؤذن فاحضر في قلبك هول النداء يوم القيامة، وتشمّر بظاهرك وباطنك للإجابة والمسارعة، فإن المسارعين إلى هذا النداء هم الذين يُنادون باللطف يوم العرض الأكبر، فاعرض قلبك على هذا النداء فإن وجدته مملوءًا بالفرج والاستبشار مشحونًا بالرغبة إلى الابتدار فاعلم أنه يأتيك النداء بالبُشرى والفوز يوم القضاء، ولذلك قال : "أرحنا بها يا بلال"( ) أي أرحنا بها وبالنداء إليها إذ كان قرة عينه فيها .
    وأما الطهارة فإذا أتيت بها في مكانك وهو ظرفُك الأبعد ثم في ثيابك وهي غلافُك الأقرب، ثم في بشرتك وهي قِشرُك الأدنى فلا تغفل عن لُبك الذي هو ذاتك وهو قلبك، فاجتهد له تطهيرًا بالتوبة والندم على ما فرّطت، وتصميم العزم على الترك في المستقبل، فطهّر بها باطنك فإنه موضع نظر معبودك.
    وأما ستر العورة فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق، فإن ظاهر بدنك موقع لنظر الخلق، فما بالك في عورات باطنك وفضائح سرائرك التي لا يطّلع عليها إلا ربك عز وجل! فأحضر تلك الفضائح ببالك وطالب نفسك بسترها، وتحقق أنه لا يستر عن عين الله سبحانه ساتر، وإنما يغفرها الندم والحياء والخوف، فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث جنود الخوف والحياء من مكامنهما ويستكين تحت الخَجْلة قلبُك، وتقوم بين يدي الله عز وجل قيام العبد المجرم المسيء الآبق الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكسًا رأسه من الحياء والخوف.
    وأما استقبال القبلة فهو صرفُ ظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله تعالى، افترى أن صرف القلب عن سائر الأمور إلى الله عز وجل ليس مطلوبًا منك؟ هيهات، فلا مطلوب سواه، وإنما هذه الظواهر تحريكات البواطن وضبط للجوارح وتسكين لها بالإثبات في جهة واحدة حتى لا تبغي على القلب، فإنها إذا بغت وظلمت في حركاتها والتفاتها إلى جهاتها استتبعت القلب وانقلبت به عن وجه الله عز وجل فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك.
    وأما الاعتدال قائمًا فإنما هو مثول بالشخص والقلب بين يدي الله عز وجل، فليكن رأسك الذي هو أرفع أعضائك مُطرقًا مُطأطِئًا مُنكسًا، وليكن وضع الرأس عن ارتفاعه تنبيهًا على إلزام القلب التواضع والتذلل والتبري عن الترؤّس والتكبر، وليكن على ذكرنا ههنا خطرُ القيام بين يدين الله عز وجل في هول المطلع عند العرض للسؤال واعلم في الحال أنك قائم بين يدي الله عز وجل وهو مطَّلعٌ عليك فقم بين يديه قيامك بين يدي بعض ملوك الزمان إن كنت تعجز عن معرفة قدره جل جلاله، قبل قدّر في دوام قيامك في صلاتك أنك ملحوظ ومرقوب بعين كالِئَة من رجل صالح من أهلك أو ممن ترغب في أن يعرفك بالصلاح، فإنه تهدأ عند ذلك أطرافك وتخشع جوارحك وتسكن جميع أجزائك خيفة أن ينسيك ذلك العاجز المسكين إلى قلة الخشوع، وإذا أحسست من نفسك خشوعًا عند ملاحظة عبد مسكين فعاتب نفسك وقل لها: إنك تدّعين معرفة الله وحبه أفلا تستحين من استجرائك عليه مع توقيرك عبدًا من عباده؟ أو تخشين الناس ولا تخشينه وهو أحق أن يُخشى؟ ولذلك لما قال أبو هريرة: كيف الحياء من الله؟ فقال : "تستحي منه كما تستحي من الرجل الصالح من قومك"( )، وروي: "من أهلك".
    وأما النية فاعزم على إجابة الله عز وجل في امتثال أمره بالصلاة وإتمامها والكف عن نواقضها ومفسداتها وإخلاص جميع ذلك لوجه الله سبحانه رجاء لثوابه وخوفًا من عقابه وطلبًا للقربة منه، متقلدًا للمنة منه بإذنه إياك في المناجاة مع سوء أدبك وكثرة عصيانك، وعظم في نفسك قدر مناجاته وانظر من تناجي وكيف تناجي وبماذا تناجي؟ وعند هذا ينبغي أن يعرق جبينك من الخجل وترتعد فرائصك من الهيبة ويصفرّ وجهك من الخوف.
    وأما التكبير فإذا نطق به لسانك فينبغي أن لا يكذبه قلبُك فإن كان في قلبك شيء هو أكبر من الله يشهد إنك لكاذب، وإن كان الكلام صدقًا كما شهد على المنافقين في قولهم: إنه  رسول الله، فإن كان هواك أغلب عليك من أمر الله عز وجل فأنت أطوع له منك لله تعالى فقد اتخذته إلهك وكبرته فيوشك أن يكون قولك "الله أكبر" كلامًا باللسان المجرد، وقد تخلف القلب عن مساعدته، وما أعظم الخطر في ذلك لولا التوبة والاستغفار وحسن الظن بكرم الله تعالى وعفوه.
    وأما دعاء الاستفتاح فأول كلماته قولك: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض" وليس المراد بالوجه الوجه الظاهر فإنك إنما وجهته إلى جهة القبلة والله سبحانه ليس هنالك، وإنما وجهُ القلب هو الذي تتوجه به إلى فاطر السموات والأرض، فانظر إليه أمتوجه هو إلى أمانيه وهمه في البيت والسوق، متبعٌ للشهوات، أو مقبلٌ على فاطر السموات؟ وإياك أن تكون أول مفاتحتك للمناجاة بالكذب والاختلاق.
    ولن ينصرف الوجه إلى الله تعالى إلا بانصرافه عما سواه فاجتهد في الحال في صرفه إليه وإن عجزت عنه على الدوام فليكن قولك في الحال صادقًا، وإذا قلت: "حنيفًا مسلمًا" فينبغي أن يخطر ببالك أن المسلم هو الذي سلم المسلمون من لسانه ويده، فإن لم تكن كذلك كنت كاذبًا، فاجتهد في أن تعزم عليه في الاستقبال وتندم على ما سبق من الأحوال، وإذا قلت: "وما أنا من المشركين" فاخطر ببالك الشرك الخفي فإن قوله تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا} نزل فيمن يقصد بعبادته وجه الله وحمد الناس، وكن حذرًا مشفقًا من هذا الشرك، واستشعر الخجلة في قلبك إن وصفت نفسك بأنك لست من المشركين من غير باءة عن هذا الشرك، فإن اسم الشرك يقع على القليل والكثير منه.
    وإذا قلت: "محياي ومماتي لله" فاعلم أن هذا حال عبدٍ مفقودٍ لنفسه موجودٍ لسيده، وأنه إن صدر ممن رغبتُهُ في الحياة ورهبته من الموت لأمور الدنيا لم يكن ملائمًا للحال.. وإذا قلت: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" فاعلم أنه عدوك ومترصد لصرف قلبك عن الله عز وجل حسدًا لك على مناجاتك مع الله عز وجل وسجودك له، مع أنه لُعن بسبب سجدة واحدة تركها ولم يوفق لها، وإن استعاذتك بالله سبحانه منه بترك ما يحبه وتبديله بما يحبه الله عز وجل ولا بمجرد قولك، فإن من قصد سبعُ أو عدو ليفترسه أو يقتله فقال: أعوذ منك بذلك الحصن الحصين وهو ثابت على مكانه، فإن ذلك لا ينفعه، بل لا يعيذه إلا تبديل المكان، فكذلك من يتبع الشهوات التي هي محاب الشيطان ومكاره الرحمن فلا يغنيه مجرد القول، فليقترن قوله بالعزم على التعوذ بحصن الله عز وجل عن شر الشيطان.
    واعلم أن من مكايده أن يشغلك في صلاتك بذكر الآخرة وتدبير فعل الخيرات ليمنعك عن فهم ما تقرأ.
    فاعلم أن لك ما يشغلك عن فهم معاني قراءتك فهو وسواس، فإن حركة اللسان غير مقصودة بل المقصود معانيها، فأما القراءة فالناس فيها ثلاثة: رجل يتحرك لسانه وقلبه غافل، ورجل يتحرك لسانه وقلبه يتبع اللسان فيفهم ويسمع منه كأنه يسمعه من غيره، وهي درجات أصحاب اليمين، ورجل سبق قلبه إلى المعاني أولاً ثم يخدم اللسان القلب فيترجمه.
    ففرق بين أن يكون اللسان ترجمان القلب أو يكون معلم القلب، والمقربون لسانهم ترجمانٌ يتبع القلب ولا يتبعه القلب، وتفصيل ترجمة المعاني أنك إذا قلت: {بسم الله الرحمن الرحيم} فَانْوِ به التبرك لابتداء القراءة لكلام الله سبحانه، وافهم أن الأمور كلها بالله سبحانه، وأن المراد بالاسم ههنا هو المسمى، وإذا كانت الأمور بالله سبحانه فلا جرم كان {الحمد لله} ومعناه أن الشكر لله إذ النعم من الله، ومن يرى من غير الله نعمة أو يقصد غير الله سبحانه بشكر لا من حيث إنه مسخَّر من الله عز وجل ففي تسميته وتحميده نقصانٌ بقدر التفاته إلى غير الله تعالى، فإذا قلت: {الرحمن الرحيم} فأحضر في قلبك جميع أنواع لطفه لتتضح لك رحمته فينبعث بها رجاؤك، ثم استثرْ من قلبك التعظيم والخوف بقولك: {مالك يوم الدين} أما العظمة فلأنه لا ملك إلا له، وأما الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب الذي هو مالكه ثم جدد الإخلاص بقولك: {إياك نعبد} وجدد العجز والاحتياج والتبري من الحول والقوة بقولك: {وإياك نستعين} وتحقق أنه ما تيسرت طاعتك إلا بإعانته وأن له المنة إذ وفقك لطاعته واستخدمك لعبادته وجعلك أهلاً لمناجاته، ولو حرمك التوفيق لكنت من المطرودين مع الشيطان اللعين، ثم إذا فرغت من التعوذ ومن قولك: {بسم الله الرحمن الرحيم} ومن التحميد ومن إظهار الحاجة إلى الإعانة مطلقًا فعين سؤالك ولا تطلب إلا أهم حاجاتك وقل: {اهدنا الصراط المستقيم} الذي يسوقنا إلى جوارك ويفضي بنا إلى مرضاتك وزده شرحًا وتفصيلاً وتأكيدًا واستشهادًا بالذين أفاض عليهم نعمة الهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين من اليهود والنصارى والصابئين ثم التمس الإجابة وقل: {آمين} فإذا تلوت الفاتحة كذلك فيشبه أن تكون من الذين قال الله تعالى فيهم فيما أخبر عنه النبي : "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدي عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال أهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" رواه مسلم، فلو لم يكن لك من صلاتك حظ سوى ذكر الله لك في جلاله وعظمته فناهيك بذلك غنيمة، فكيف بما ترجوه من ثوابه وفضله؟ وكذلك ينبغي أن تفهم ما تقرؤه من السور- كما سيأتي الكلام على تلاوة القرآن- فلا تغفل عن أمره ونهيه ووعده ووعيده ومواعظه وأخبار أنبيائه وذكر مننه وإحسانه، ولكل واحد حق فالرجاء حق الوعد، والخوف حق الوعيد، والعزم حق الأمر والنهي، والاتعاظ حق الموعظة، والشكر حق ذكر المنة، والاعتبار حق إخبار الأنبياء.
    ورُوي أن زُرارة بن أوفى لما انتهى إلى قوله تعالى: {فإذا نقر في الناقور} خر ميتًا( )، وكان إبراهيم النخعي إذا سمع قوله تعالى: {إذا السماء انشقت} اضطرب حتى تضطرب أوصاله، وتكون هذه المعاني بحسب درجات الفهم ويكون الفهم بحسب وفور العلم وصفاء القلب، ودرجات ذلك لا تنحصر، والصلاة مفتاح القلوب فيها تنكشف أسرار الكلمات، فهذا حق القراءة وهو حق الأذكار والتسبيحات أيضًا، ثم يراعي الهيبة في القراءة، فيرتل ولا يسرد فإن ذلك أيسر للتأمل، ويفرق بين نغماته في آية الرحمة والعذاب والوعد والوعيد والتحميد والتعظيم والتمجيد.
    كان النخعي إذا مر بمثل قوله عز وجل: {ما انخذ الله من ولد وما كان معه من إله} يخفض صوته كالمستحي عن أن يذكره بكل شيء لا يليق به( ) وروي أنه يقال لقارئ القرآن: "إقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا"( )، وأما دوام القيام فإنه تنبيه على إقامة القلب مع الله عز وجل على نعت واحد من الحضور قال : "إن الله عز وجل مقبل على المصلي ما لم يلتفت"، وكما تجب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى الجهات فكذلك تجب حراسة السر عن الالتفات إلى غير الصلاة، فإذا التفت إلى غيره فذكّره باطلاع الله عليه وبقبح التهاون بالمناجي عند غفلة المناجي ليعود إليه، وألزِم لخشوع القلب، فإن الخلاص عن الالتفات باطنًا وظاهرًا ثمرة الخشوع.
    وكان الصدِّيق  في صلاته كأن وتدٌ، وابن الزبير  كأنه عُودٌ، وبعضهم كان يسكن في ركوعه بحيث تقع العصافير عليه كأنه جماد، وكل ذلك يتقضيه الطبع بين يدي من يعظم من أبناء الدنيا فكيف لا يتقاضاه بين يدي ملك الملوك عند من يعرف ملك الملوك؟ وكل من يطمئن بين يدي غير الله عز وجل خاشعًا وتضطرب أطرافه بين يدي الله عابثًا فذلك لقصور معرفته عن جلال الله وعن اطلاعه على سره وضميره، وقال عكرمة في قوله عز وجل: {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين} قال: قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه.
    وأما الركوع والسجود فينبغي أن تجد عندهما ذكر كبرياء الله سبحانه وترفق يديك مستجيرًا بعفو الله عز وجل من عقابه بتجديد النية ومتبعًا سنة نبيه ، ثم تستأنف له ذلاً وتواضعًا بركوعك، وتجتهد في ترقيق قلبك وتجديد خشوعك وتستشعر ذلك وعزَّ مولاك واتضاعك وعُلُو ربك.
    وتستعين على تقرير ذلك من قلبك بلسانك فتسبح ربك وتشهد له بالعظمة وأنه أعظم من كل عظيم وتكرر ذلك على قلبك لتؤكده بالتكرار، ثم ترتفع من ركوعك راجيًا أنه راحم لك ومؤكدًا للرجاء في نفسك بقولك: {سمع الله لمن حمده" أي أجاب لمن شكره، ثم تردف ذلك الشكر المتقاضي للمزيد فتقول: "ربنا لك الحمد" وتكثر الحمد بقولك: "ملء السموات وملء الأرض" ثم تهوي إلى السجود وهو أعلى درجات الاستكانة فتمكّن أعز أعضائك وهو الوجه من أذل الأشياء وهو التراب، وإن أمكنك أن لا تجعل بينهما حائلاً فتسجد على الأرض فافعل فإنه أجلب للخشوع وأدلُّ على الذل.
    وإذا وضعت نفسك موضع الذل فاعلم أنك وضعتها ورددت الفرع إلى أصله فإنك من التراب خلقت، وغليه تعود، فعند هذا جدّد على قلبك عظمة الله وقل: "سبحان ربي الأعلى" وأكده بالتكرار فإن الكرّة الواحدة ضعيفة الأثر فإذا رق قلبك وظهر ذلك فلتصدّق رجاءك في رحمة الله فإن رحمته تتسارع إلى الضعف والذل لا إلى التكبر والبطر فارفع رأسك مكبرًا وسائلاً حاجتك وقائلاً: "رب اغفر لي اغفر لي" ثم أكد التواضع بالتكرار فعُد إلى السجود ثانيًا كذلك.
    وأما التشهد فإذا جلست له فاجلس متأدبًا وصرح بأن جميع ما تدلي من الصلوات والطيبات أي من الأخلاق الطاهرة لله، وكذلك الملك لله وهو معنى "التحيات"( )، واحضر في قلبك النبي  وشخصه الكريم وقل: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" وليصدق أمَلُك في أنه يبلُغُه ويردُّ عليك ما هو أوفى منه، ثم تسلم على نفسك وعلى جميع عباد الله الصالحين، ثم تأملُ أن يرد الله سبحانه عليك سلامًا وافيًا بعدد عباده الصالحين، ثم تشهد له تعالى بالوحدانية ولمحمد نبيه  بالرسالة مجددًا عهد الله سبحانه بإعادة كلمتي الشهادة ومستأنفًا للتحصن بها.
    ثم ادعُ في آخر صلاتك بالدعاء المأثور مع التواضح والخشوع والضراعة والابتهال وصدق الرجاء بالإجابة وأشرك في دعائك أبويك وسائر المؤمنين.
    واقصد عند التسليم السلامَ على الملائكة والحاضرين وانوِ ختم الصلاة به. واستشعر شكر الله سبحانه على توفيقه لإتمام هذه الطاعة، وتوهم أنك مودع لصلاتك هذه وأنك ربما لا تعيش لمثلها، ثم أشعر قلبك الوجل والحياء من التقصير في الصلاة، وخفْ أن لا تقبل صلاتك وأن تكون ممقوتًا بذنب ظاهر أو باطن فتردَّ صلاتك في وجهك، وترجو مع ذلك أن يقبلها بكرمه وفضله.
    كان يحيى بن وثاب إذا صلى مكث ما شاء الله تُعرف عليه كآبة الصلاة، وكان إبراهيم يمكث بعد الصلاة ساعة كأنه مريض، فهذا تفصيل صلاة الخاشعين {الذين هم في صلاتهم خاشعون}… {والذين هم على صلواتهم يحافظون}… {والذين هم على صلاتهم دائمون} والذين يناجون الله على قدر استطاعتهم في العبودية فليعرض الإنسان نفسه على هذه الصلاة، فبالقدر الذي يُسِّر له منه ينبغي أن يفرح وعلى ما يفوته ينبغي أن يتحسر.
    وأما صلاة الغافلين فهي مَخْطرة( ) إلا أن يتغمده الله برحمته، والرحمة واسعة والكرم فائض فنسأل الله أن يتغمدنا برحمته ويغمرنا بمغفرته إذ لا وسيلة لنا إلا الاعتراف بالعجز عن القيام بطاعته.
    واعلم أن تخليص الصلاة عن الآفات وإخلاصها لوجه الله عز وجل وأداؤها بالشروط الباطنة التي ذكرناها من الخشوع والتعظيم والحياء سببٌ لحصول أنوارٍ في القلب تكون تلك الأنواع مفاتيح علوم المكاشفة،ف أولياء الله المكاشفون بملكوت السموات والأرض وأسرار الربوبية إنما يكاشفون في الصلاة لا سيما في السجود إذ يتقرب العبد من ربه عز وجل بالسجود، ولذلك قال تعالى: {واسجد واقترب} وإنما تكون مكاشفة كل مصل على قدر صفائه عن كدورات الدنيا، ويختلف ذلك بالقوة والضعف والقلة والكثرة والجلاء والخفاء حتى ينكشف لبعضهم الشيء بعينه وينكشف لبعضهم الشيء بمثاله، كما كشف لبعضهم الدنيا في صورة جيفة والشيطان في صورة كلب جاثم عليها يدعو إليها.
    ويختلف أيضًا بما في المكاشفة فبعضهم ينكشف له من صفات الله تعالى وجلاله ولبعضهم من أفعاله ولبعضهم من دقائق علوم المعاملة.
    ويكون لتعيين تلك المعاني في كل وقت أسباب خفية لا تحصى، وأشدّها مناسبة الهمة، فإذا كانت مصروفة إلى شيء معين كان ذلك أولى بالانكشاف، ولما كانت هذه الأمور لا تتراءى إلا في المرائي الصقيلة وكانت المرأة كلها صدئة فاحتجت عنها الهداية لا ليخل من جهة المنعم بالهداية بل لِخَبَث متراكم الصدأ على مصبَ الهداية، تسارعت الألسنة إلى إنكار مثل ذلك، غذ الطبع محبول على إنكار غير الحاضر، ولو كان لجنين عقل لأنكر إمكان وجود الإنسان في متسع الهواء، ولو كان للطفل تمييزٌ ما ربما أنكر ما يزعم العقلاء إدراكه من ملكوت السموات والأرض، وهكذا الإنسان في كل طور يكاد ينكر ما بعده، والمقصود أن كل ذلك لا يحصل إلا بالخشوع في الصلاة ولذلك قال الله عز وجل: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة هي المقرونة بالخشوع، ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة أيضًا فقال تعالى: {والذين هم على صلواتهم يحافظون} ثم قال تعالى في ثمرة تلك الصفات: {أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون} فوصفهم بالفلاح أولاً وبوراثة الفردوس آخرًا، وأما هذرمة اللسان مع غفلة القلب فلا تنتهي إلى هذا الجزاء، ولذلك قال الله عز وجل في أضدادهم: {ما سلككم في صقر قالوا لم نك من المصلين} فالمصلون هم ورثة الفردوس وهم المشاهدون لنور الله تعالى والمتمتعون بقربه ودنوه.
    نسأل الله أن يجعلنا منهم وأن يعيذنا من عقوبة من تزينت أقواله وقبحت أفعاله إنه الكريم المنان القديم الإحسان وصلى الله على كل عبد مصطفى( ).
    ***
    تحصيل لذة التلاوة وقراءة القرآن( )

    اعلم أن هذه اللذة لن تحصل إلا بتوافر عشرة آداب عند تلاوة القرآن الكريم هي: (فهم أصل الكلام. ثم التعظيم، ثم حضور القلب. ثم التدبر. ثم التفهم، ثم التخلي عن موانع الفهم، ثم التخصيص، ثم التأثر، ثم الترقي، ثم التبري).
    فالأول: فهم عظمة الكلام وعلوه وفضل الله سبحانه وتعالى ولطفه بخلقه في نزوله عن عرش جلاله إلى درجة إفهام خلقه. فلينظر كيف لطف بخلقه في إيصال معاني كلامه إلى أفهام خلقه؟ وكيف تجلت لهم تلك الصفة في طي حروف وأصوات هي صفات البشر إذ يعجز البشر عن الوصول إلى فهم صفات الله عز وجل إلا بوسيلة صفات نفسه، ولولا استتار كنه جلالة كلامه بكسوة الحروف لما ثبت لسماع الكلام عرض ولا ثري ولتلاشى ما بينهما من عظمة سلطانه وسبُحُات نوره( )، ولولا تبييت الله عز وجل لموسى  لما أطاق لسماع كلامه كما لم يطق الجبل مبادئ تجليه حيث صار دكًا( ).
    الثاني: التعظيم للمتكلم: فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر وأن في تلاوة كلام الله عز وجل غاية الخطر فإنه تعالى قال: {لا يمسه غلا المطهرون} وكما أن ظاهر جلد المصحف وورقة محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان متطهرًا، فباطن معناه أيضًا بحكم عزه وجلاله محجوب عن باطن القلب إلا إذا كان متطهرًا عن كل رجس ومستنيرًا بنور التعظيم والتوقير، وكما لا يصح لمس جلد المصحف كل يد فلا يصلح لتلاوة حروفه كل لسان ولا لنيل معانيه كل قلب، فتعظيم الكلام تعظيم المتكلم، ولن تحضره عظمة المتكلم ما لم يتفكر في صفاته وجلاله وأفعاله، فإذا حضر بباله العرش واستواء ربه عليه، والكرسي الذي وسع السموات والأرض، واستحضر مشهد السموات والأرض وما بينهما من الجن والإنس والدواب والأشجار، وعَلِمَ أن الخالق لجميعها والقادر عليها والرازق لها واحد، وأن الكل في قبضة قدرته مترددون بين فضله ورحمته وبين نِقمته وسَطوته، إن أنعم فبفضله وإن عاقب فبعدله، وأنه الذي يقول هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي وهذا غاية العظمة والتعالي، فبالتفكر في أمثال هذا يحضر تعظيم المتكلم ثم تعظيم الكلام.
    الثالث: حضور القلب وترك حديث النفس: قيل في تفسير: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} أي بجد واجتهاد، وأخذه بالجد أن يكون متجردًا له عند قراءته منصرف الهمة إليه عن غيره، وقيل لبعضهم: إذا قرأت القرآن تحدّثُ نفسك بشيء؟ فقال: أو شيء أحبُّ غلي من القرآن حتى أحدث به نفسي! وكان بعض السلف إذا قرأ آية لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية. وهذه الصفة تتولد عما قبلها من التعظيم، فإن المعظم للكلام الذي يتلوه يستبشر به ويستأنس ولا يغفل عنه، ففي القرآن ما يستأنس به القلب إن كان التالي أهلاً له فكيف يطلب الأنس بالفكر في غيره وهو متنزه ومتفرج، والذي يتفرج في المتنزهات لا يتفكر في غيرها، فقد قيل إن القرآن ميادين وبساتين ومقاصير وعرائس وديابيج ورياض.
    فإذا دخل القارئ الميادين وقطف من البساتين ودخل المقاصير وشهد العرائس ولبس الديابيج وتنزه في الرياض استغرقه ذلك وشغله عما سواه فلم يعزب قلبه ولم يتفرق فكره.
    الرابع: التدبر: وهو وراء حضور القلب فإنه قد لا يتفكر في غير القرآن ولكنه يقتصر على سماع القرآن من نفسه وهو لا يتدبره والمقصود من القراءة التدبر، ولذلك سُنَّ الترتيل في الظاهر ليتمكن من التدبر بالباطن، قال علي : لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا في قراءة لا تدبر فيها.
    وإذا لم يتمكن من التدبر إلا بترديد فليردد إلا أن يكون خلف إمام، فإنه لو بقي في تدبر آية وقد اشتغل الإمام بآية أخرى كان مسيئًا مثل من يشتغل بالتعجب من كلمة واحدة ممن يناجيه عن فهم بقية كلامه، وكذلك إن كان في تسبيح الركوع وهو متفكر في آية قراها أمامُه فهذا وسواس. فقد روي عن عامر بن عبد قيس أنه قال: الوساس يعتريني في الصلاة، فقيل: في أمر الدنيا؟ فقال: لأن تختلف في الأسِنَّة أحب غليّ من ذلك، ولكن يشتغل قلبي بموقفي بين يدي ربي عز وجل، وإني كيف أنصرف، فعدّ ذلك وسواسًا وهو كذلك، فإنه يشغله عن فهم ما هو فيه، والشيطان لا يقدر على مثله إلا بأن يشغله بمهمِّ ديني، ولكن يمنعه به عن الأفضل.
    وعن أبي ذر قال: قام رسول الله  بنا ليلة فقام بآية يرددها وهي: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم..} الآية وقام تميم الداري ليلة بهذه الآية: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات…} الآية، وقام سعيد بن جبير ليلة يردد هذه الآية: {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} وقال بعضهم: إني لأفتح السورة فيوقفني بعضُ ما أشهد فيها عن الفراغ منها حتى يطلع الفجر، وكان بعضهم يقول: آية لا أتفهمها ولا يكون قلبي فيها لا أعدّ لها ثوابًا، وحُكي عن أبي سليمان الداراني أنه قال: إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال أو خمس ليال ولولا أني أقطع الفكر فيها ما جوزتها إلى غيرها، وعن بعض السلف أنه بقي في سورة هود ستة أشهر يكررها، ولا يفرغ من التدبر فيها، وقال بعضهم: لي في كل جمعة ختمة وفي كل شهر ختمة وفي كل سنة ختمة ولي ختمة منذ ثلاثين سنة ما فرغت منها بعد، وذلك بحسب درجات تدبره وتفتيشه، وكان هذا أيضًا يقول: أقمت نفسي مقام الأجراء فأنا أعمل مياومةً ومجامعةً ومشاهرةً ومسانهةً( ).
    الخامس: التفهم: وهو أن يستوضح من كل آية ما يليق بها إذ القرآن يشتمل على ذكر صفات الله عز وجل، وذكر أفعاله، وذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام، وذكر أحوال المكذبين لهم وأنهم كيف أهلكوا، وذكر أوامره وزواجره، وذكر الجنة والنار.
    أما صفات الله عز وجل فكقوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} وكقوله تعالى: {الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر} فليتأمل معاني هذه الأسماء والصفات لينكشف له أسرارها، فتحتها معان مدفونة لا تنكشف إلا للمُوفَّقين: وإليه أشار علي  بقوله لما سئل: هل عندكم من رسول الله  شيء سوى القرآن؟ فقال: لا والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله عبدًا فهمًا في كتابه، وأما أفعاله تعالى فكذكره خلق السموات والأرض وغيرها، فليفهم التالي منها صفات الله عز وجل وجلاله إذ الفعل يدل على الفاعل فتدل على عظمته، وأما أحوال الأنبياء عليهم السلام، فإذا سمع منها كيف كُذّبوا وضُربوا وقُتل بعضهم. فليفهم منه صفة الاستغناء لله عز وجل عن الرسل والمرسل إليهم وأنه لو أهلك جميعهم لم يؤثر في ملكه شيء، وإذا سمع نصرتهم في آخر الأمر فليفهم قدرة الله عز وجل وإرادته لنصرة الحق، وأما أحوال المكذبين، كعاد وثمود وما جرى عليهم فليكن فهمه منه استشعار الخوف من سطوته ونقمته وليكن حظه منه الاعتبار في نفسه وأنه إن غفل وأساء الأدب واغتر بما أُمهل فربما تدركُه النقمة وتنفُذ فيه القضية، وكذلك إذا سمع وصف الجنة والنار وسائر ما في القرآن، فلا يمكن استقصاء ما يفهم منه لأن ذلك لا نهاية له وإنما لكل عبد بقدر رزقه، {قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا}.
    فالغرض مما ذكرناه التنبيه على طريق التفهيم لينفتح بابه فأما الاستقصاء فلا مطمع فيه، ومن لم يكن له فهم ما في القرآن ولو في أدنى الدرجات دخل في قوله تعالى: {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفًا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم} والطابع هي الموانع التي سنذكرها في موانع الفهم.
    السادس: التخلي عن موانع الفهم، فإن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن لأسباب وحُجُب أسدلها الشيطان على قلوبهم فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن، وحُجُب الفهم ثلاثة:
    أولها: أن يكون الهم منصرفًا إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، وهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله عز وجل فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف يخيل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه، فهذا يكون تأمله مقصورًا على مخارج الحروف فأنى تنكشف له المعاني؟ وأعظم ضحكة للشيطان ممن كان مطيعًا لمثل هذا التلبيس.
    ثانيها: أن يكون مقلدًا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة، فهذا شخص قيَّده معتقدُه عن أن يتجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده فصار نظره موقوفًا على مسموعه، فإن لمع برق على بُعد وبدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه حمل عليه شيطان التقليد حملة وقال كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك، فيرى أن ذلك غرور من الشيطان فيتباعد منه ويتحرز عن مثله، ومثله من يقرأ قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} وما يحتويه معنى الآية من علو الله عز وجل على كل مخلوقاته وهيمنته وتصرفه في كل الموجودات فيجيئه تقليد المعتقدات الموروثة في وجوب تنزيه الله عن الجهة فيُحرم من تجليات تأمل صفة العلو والاستواء وهي من الصفات التي تكررت في القرآن بغرض التنبيه على جلال الله وعظمته وحقيقة علوه على خلقه.
    ثالثها: أن يكون مصرًا على ذنب أو متصفًا بكبر أو مبتلى في الجملة بهوى في الدنيا مطاع فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصدئه، وهو كالخبث على المرأة وهو أعظم حجابٍ للقلب وبه حُجب الأكثرون.
    وكلما كانت الشهوات أشد تراكمًا كانت معاني الكلام أشد احتجابًا وكلما خف عن القلب أثقال الدنيا قرُبَ تجلي المعنى فيه. فالقلب مثل المرأة والشهوات مثل الصدأ ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة. والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل تصقيل الجلاء للمرأة، وقد شرط الله عز وجل الإنابة في الفهم والتذكير فقال تعالى: {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} وقال عز وجل: {وما يتذكر إلا من ينيب} وقال تعالى: {إنما يتذكر أولوا الألباب} فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة فليس من ذوي الألباب ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب.
    السابع: التخصيص وهو أن يقدّر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن، فإن سمع أمرًا أو نهيًا قدّر أنه المنهي والمأمور، وإن سمع وعدًا أو وعيدًا فكمثل ذلك، وإن سمع قصص الأولين والأنبياء علم أن السَّمَرَ غير مقصود، وإنما المقصود ليعتبر به وليأخذ من تضاعيفه ما يحتاج إليه، فما من قصة في القرآن إلا وسياقها لفائدة في حق النبي  وأمته. ولذلك قال تعالى: {ما نثبت به فؤادك} فليقدر العبد أن الله ثبت فؤاده بما صه عليه من أحوال الأنبياء وصبرهم على الإيذاء وثباتهم في الدين لانتظار نصر الله تعالى.
    وكيف لا يقدر هذا والقرآن ما أنزل على رسول الله  لرسول الله خاصة بل هو شفاء وهدى ورحمة ونور للعالمين؟ ولذلك أمر الله تعالى الكافة بشكر نعمة الكتاب فقال تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به} وقال عز وجل: {لقد أنزلنا إليكم كتابًا فيه ذكركم أفلا تعقلون}، {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزلنا إليهم}، {كذلك يضرب الله للناس أمثالهم}، {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم}، {هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون}، {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين}، وإذا قُصد بالخطاب جميعُ الناس فقد قصد الآحاد، فهذا القارئ الواحد مقصود، فماله ولسائر الناس، فليقدر أنه المقصود، قال الله تعالى: {وأوحي إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} قال محمد بن كعب القُرظي: من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله، وإذا قدر ذلك لم يتخذ دراسة القرآن عمله بل يقرؤه كما يقرأ العبد كتاب مولاه الذي كتبه إليه ليتأمله ويعمل بمقتضاه، ولذلك قال بعض العلماء: هذا القرآن رسائل أتتنا من قبل ربنا عز وجل بعهود نتدبرها في الصلوات ونقف عليها في الخلوات وننفذها في الطاعات والسنن المتبعات، وكان مالك ابن دينار يقول: ما زرع القرآن في قلوبكم يا أهل القرآن؟ إن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض، وقال قتادة: لم يجالس أحد القرآن إلا قام بزيادة أو نقصان، قال تعالى: {هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا}.
    الثامن: التأثر: وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات فيكون له بحسب كل فهم حالٌ ووجدٌ يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغيره، ومهما تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه، فإن التضييق غالب على آيات القرآن، فلا يُرى ذكر المغفرة والرحمة إلا مقرونًا بشروط يقصُرُ العارف عن نيلها كقوله عز ولج: {وإني لغفار} ثم أتبع ذلك بأربعة شروط: {لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى} وقوله تعالى: {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} ذكر أربعة شروط، وحيث اقتصر ذكر شرطًا جامعًا، فقال تعالى: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} فالإحسان يجمع الكل، وهكذا من يتصفح القرآن من أوله إلى آخره ومن فهم ذلك فجدير بأن يكون حاله الخشية والحزن.
    ولذلك قال الحسن، والله ما أصبح اليوم عبد يتلو القرآن يؤمن به إلا كثر حزنه وقل فرحه وكثر بكاؤه وقل ضحكه وكثر نصبه وشغلُه وقلت راحته وبطالته، وقال وهيب بن الورد: نظرنا في هذه الأحاديث والمواعظ فلم نجد شيئًا أرق للقلوب ولا أشد استجلابًا للحزن من قراءة القرآن وتفهمه وتدبره، فتأثر العبد بالتلاوة أن يصبر بصفة الآية المتلوة.
    فعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته كأنه يكاد يموت، وعند التوسع ووعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح.
    وعند ذكر الله صفاته وأسمائه يتطأطأ خضوعًا لجلاله واستشعارًا لعظمته.
    وعند ذكر الكفار ما يستحيل على الله عز وجل كذكرهم لله عز وجل ولدًا وصاحبة يغّضُّ الصوت وينكسر في باطنه حياء من قبح مقالتهم. وعند وصف الجنة ينبعث بباطنه شوقًا إليها.
    وعند وصف النار ترتعد فرائصه خوفًا منها، ولما قال رسول الله  لابن مسعود: "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا" رأيت عينيه تذرفان بالدمع فقال لي: "حسبك الآن" رواه البخاري، وهذا لأن مشاهدة تلك الحالة استغرقت قلبه بالكلية، ولقد كان من الخائفين من خرّ مغشيًا عليه عند آيات الوعيد، ومنهم من مات في سماع الآيات، فمثل هذه الأحوال يخرجه عن أن يكون حاكيًا في كلامه. فإذا قال: {إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} ولم يكن خائفًا كان حاكيًا، وإذا قال: {عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير} ولم يكن حاله التوكل والإنابة كان حاكيًا، وإذا قال: {ولنصبرن على ما آذيتمونا} فليكن حاله الصبر أو العزيمة عليه حتى يجد حلاوة التلاوة. فإن لم يكن بهذه الصفات ولم يتردد قلبه بين هذه الحالات كان حظه من التلاوة حركة اللسان مع صريح اللعن على نفسه في قوله تعالى: {ألا لعنة الله على الظالمين} وفي قوله تعالى: {كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} وفي قوله عز وجل: {وهم في غفلة معرضون} وفي قوله: {فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا} وفي قوله تعالى: {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} إلى غير ذلك من الآيات، وكان داخلاً في معنى قوله عز وجل: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني} يعني التلاوة المجردة، وقوله عز وجل: {وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون} لأن القرآن هو المبين لتلك الآيات في السموات والأرض، ومهما تجاوزها ولم يتأثر بها كان معرضًا عنها، ولذلك قيل: إن من لم يكن متصفًا بأخلاق القرآن فإذا قرأ القرآن ناداه الله تعالى: مالك وكلامي وأنت معرض عني، دع كلامي إن لم تتب إلي. ومثال العاصي إذا قرأ القرآن وكرره مثلا من يكرر كتاب الملك كل يوم مرات وقد كتب إليه في عمارة مملكته وهو مشغول بتخريبها ومقتصر على دراسة كتابه، فلعله لو ترك الدراسة عند المخالفة لكان أبعد عن الاستهزاء واستحقاق المقت، ولذلك قال يوسف ابن أسباط: إني لأهمُّ بقراءة القرآن فإذا ذكرت ما فيه خشيت المقت فاعدل إلى التسبيح والاستغفار( ).
    والمعرض عن العمل به أريد بقوله عز وجل: {فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلاً فبئس ما يشترون} ولذلك قال رسول الله : "اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فلستم تقرءونه- وفي بعض الروايات- فإذا اختلفتم فقوموا عنه" متفق عليه، قال تعالى: {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون}، وقال : "إن أحسن الناس صوتًا بالقرآن إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى الله تعالى"( ) وقال بعض القراء: قرأت القرآن على شيخ لي ثم رجعت لأقرأ ثانيًا فانتهرني وقال: جعلت القرآن عليّ عملاً اذهب فاقرأ على الله عز وجل، فانظر بماذا يأمرك وبماذا ينهاك. وبهذا كان شغل الصحابة  في الأحوال والأعمال، فمات رسول الله  عن عشرين ألفًا من الصحابة( ) لم يحفظ منهم القرآن إلا ستة اختلف في اثنين منهم، وكان أكثرهم يحفظ السورة والسورتين، وكان الذي يحفظ البقرة والأنعام من علمائهم ولما جاء واحد ليتعلم القرآن فانتهى إلى قوله عز وجل: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره} قال: يكفي هذا وانصرف، فقال : "انصرف الرجل وهو فقيه" رواه أبو داود والحاكم وصححه، وإنما لعزيز مثل تلك الحالة التي منَّ الله عز وجل بها على قلب المؤمن عقيب فهم الآية.
    فأما مجرد حركة اللسان فقليل الجدوى، بل التالي باللسان المعرض عن العمل جدير بأن يكون هو المراد بقوله تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} وبقوله عز وجل: {كذلك أتتك آيتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} أي تركتها ولم تنظر إليها ولم تعبأ بها فإن المقصر في الأمر يقال إنه نسي الأمر، وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل وحظ العقل تفسير المعاني وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار، فاللسان يرتل والعقل يترجم والقلب يتعظ.
    التاسع: الترقي: وأعني به أن يترقى إلى أن يسمع الكلام من الله عز وجل لا من نفسه، فدرجات القرآن ثلاث، أدناها: أن يقدر العبد كأنه يقرؤه على الله عز وجل واقفًا بين يديه وهو ناظر إليه ومستمع منه، فيكون حاله عند هذا التقدير: السؤال والتملق والتضرع والابتهال، الثانية: أن يشهد بقلبه كأن الله عز وجل يراه ويخاطبه بألطافه ويناجيه بإنعامه وإحسانه فمقامه الحياء والتعظيم والإصغاء والفهم، الثالثة: أن يرى في الكلام المتكلم وفي الكلمات الصفات فلا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته ولا إلى تعلق الإنعام به من حيث إنه منعم عليه بل يكون مقصور الهم على المتكلم موقوف الفكر عليه كأنه مستغرق بمشاهدة المتكلم عن غيره( ). وهذه درجة المقربين وما قبله درجة أصحاب اليمين وما خرج عن هذا فهو درجات الغافلين.
    العاشر: التبري: وأعني به أن يتبرأ من حوله وقوته والالتفات إلى نفسه بعين الرضا والتزكية، فإذا تلا بآيات الوعيد والمدح للصالحين فلا يشهد نفسه عند ذلك، بل يشهد الموقنين والصديقين فيها، ويتشوق إلى أن يلحقه الله عز وجل بهم، وإذا تلا آيات المقت وذم العصاة والمقصّرين شهد على نفسه هناك، وقدّر أنه المخاطب خوفًا وإشفاقًا.
    ولذلك كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: "اللهم إني استغفرك لظلمي وكفري، فقيل له: هذا الظلم فما بال الكفر، فتلا قوله عز وجل: {إن الإنسان لظلوم كفار} وقيل ليوسف ابن أسباط: إذا قرأت القرآن بماذا تدعو؟ فقال: استغفر الله عز وجل من تقصيري سبعين مرة، فإذا رأى نفسه بصورة التقصير في القراءة كان رؤيته سبب قربه، فإن من شهد العبد في القرب لُطف به في الخوف حتى يسوقه الخوف إلى درجة أخرى في القرب وراءها، ومن شهد القرب في البعد مُكِر به في الأمن الذي يفضه إلى درجة أخرى في البعد أسفل مما هو فيه.
    ومهما كان مشاهدًا نفسه يعين الرضا صار محجوبًا بنفسه عن الله( ) وكان الشافعي يقول:
    أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
    وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعة
    وكان يقول أيضًا رحمه الله:
    فعين الرضا عن كل عيب كليلةٌ كما أن عين السخط تبدي المساويا
    ***
    وسائل تحصيل ثمرة الدعاء

    الأول: أن يترصّد لدعائه الأوقات الشريفة، كيوم عرفة من السنة ورمضان من الأشهر والجمعة من أيام الأسبوع، ووقت السحر من ساعات الليل.
    قال تعالى: {وبالأسحار هم يستغفرون}، وقال : "ينزل الله تعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول عز وجل: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له" متفق عليه، وقيل إن يعقوب  إنما قال: "سوف أستغفر لكم ربي" ليدعو في وقت السحر.
    فقيل إنه قام في وقت السحر يدعو وأولاده يؤَمّنون خلفه فأوحى الله عز وجل إني قد غفرت لهم وجعلتهم أنبياء.
    الثاني: أن يغتنم الأحوال الشريفة. قال أبو هريرة : إن أبواب السماء تفتح عند زحف الصفوف في سبيل الله تعالى وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلوات المكتوبة فاغتنموا الدعاء فيها وقال مجاهد: إن الصلاة جعلت في خير الساعات فعليكم بالدعاء خلف الصفوف، وقال : "الدعاء بين الآذان والإقامة لا يرد" رواه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه، وقال  أيضًا: "الصائم لا ترد دعوته" رواه الترمذي وحسنه، وبالحقيقة يرجع شرف الأوقات إلى شرف الحالات أيضًا إذ وقت السحر وقت صفاء القلب وإخلاصه وفراغه من المهوشات.
    ويوم عرفة ويوم الجمعة وقت اجتماع الهمم وتعاون القلوب على استدرار رحمة الله عز وجل فهذا أحد أسباب شرف الأوقات سوى ما فيها من أسرار لا يُطَّلعُ عليها، وحالة السجود أيضًا أجدر بالإجابة قال أبو هريرة : قال النبي : "أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد فأكثروا فيه من الدعاء" رواه مسلم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي  أنه قال: "إني نُهِيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا فأما الركوع فعظموا فيه الرب تعالى وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء فإنه قّمِنٌ( ) أن يستجاب لكم" رواه مسلم.
    الثالث: أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه بحيث يُرى بياضُ إبطيه أو يرفع يديه قبالة وجهه أو نحو ذلك أو يرفع إصبعه السبّابة، وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله : "أتى الموقف بعرفة واستقبل القبلة ولم يزل يدعو حتى غربت الشمس" رواه مسلم، وقال سلمان: قال رسول الله : "إن ربكم حييٌ كريم يستحي من عبيده إذا رفعوا أيديهم إليه أن يردها صفرًا" رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وعن أنس أنه : "كان يرفع يديه حتى بياض إبطيه في الدعاء" رواه مسلم، وعن أبو هريرة  أنه  مر على إنسان يدعو ويشير بإصبعيه السبابتين فقال : "أحدْ أحِّدْ" رواه النسائي وابن ماجة، أي اقتصر على الواحدة، وقال أبو الدرداء : عنه: ارفعوا هذه الأيدي قبل أن تُغلَّ بالأغلال وقال ابن عباس كان : "إذا دعا ضم وجعل بطونهما مما يلي وجهه" أخرجه الطبراني بإسناد فيه ضعف، فهذه هيئات اليد، ولا يرفع بصره إلى السماء، قال : "لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء أو لتخطفن أبصارهم" رواه مسلم.
    الرابع: خفض الصوت بين المخافتة والجهر لما ورد أن أبا موسى الأشعري قال: قدمنا مع رسول الله  فلما دنونا من المدينة كبّر وكبَّر الناس ورفعوا أصواتهم فقال النبي : "يا أيها الناس إن الذي تدعون ليس بأصَمَّ ولا غائب" متفق عليه، وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله عز وجل: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} أي: بدعائك: وقد أثنى الله عز وجل على نبيه زكريا  حيث قال: إذ نادى ربه نداء خفيا}، وقال عز وجل: {ادعو ربكم تضرعًا وخفية}.
    الخامس: أن لا يتكلف السّجع في الدعاء، فإن حال الداعي ينبغي أن يكون حال متضرع، والتكلف لا يناسبه، قال : "سيكون قوم يعتدون في الدعاء" رواه أبو داود وابن ماجة، وقد قال عز وجل: {ادعو ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين} قبل معناه التكلف للأسجاع، والأولى أن لا يجاوز الدعوات المأثورة، فإنه قد يتعدى في دعائه فيسأل ما لا تقتضيه مصلحته، فما كلُّ أحد يحسن الدعاء، ولذلك روي عن معاذ : إن العلماء يُحتاج إليهم في الجنة إذ يقال لأهل الجنة تمنوا فلا يدرون كيف يتمنَّون حتى يتعلموا من العلماء، وفي الخبر: سيأتي قوم يعتدون في الدعاء والطهور، ومر بعض السلف بقاص يدعو بسجع فقال له: أعلى الله تبالغ؟ أشهد لقد رأيت حبيبًا العجمي يدعو وما يزيد على قوله: اللهم اجعلنا جيّدين، اللهم لا تفضحنا يوم القيامة، اللهم وفقنا للخير، والناس يدعون من كل ناحية وراءه وكلٌ يعرف بركة دعائه.
    وقال بعضهم: ادع بلسان الذّلة والافتقار لا بلسان الفصاحة والانطلاق.
    ويقال إن العلماء لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات فما دونها، ويشهد له آخر سورة البقرة، فإن الله تعالى لم يخبر في موضع من أدعية عباده أكثر من ذلك.
    واعلم أن المراد بالسجع هو المتكلف من الكلام، فإن ذلك لا يلائم الضراعة والذلة وإلا ففي الأدعية المأثورة عن رسول الله  كلمات متوازنة لكنها غير متكلفة كقوله : "أسألك الأمن يوم الوعيد والجنة يوم الخلود مع القربين الشهود والركع السجود الموفين بالعهود إنك رحيم ودود وإنك تفعل ما تريد" رواه الترمذي وقال: غريب، وأمثال ذلك، فليقتصر على المأثور من الدعوات أو ليلتمس بلسان التضرع والخشوع من غير سجع وتكلف فالتضرع هو المحبوب عند الله عز وجل.
    السادس: التضرع والخشوع والرغبة والرهبة قال الله تعالى: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا} وقال عز وجل: {ادعوا ربكم تضرعًا وخفية}.
    السابع: أن يجزم الدعاء ويوقن بالإجابة ويصدق رجاؤه فيه. قال رسول الله : "لا يقل أحدكم إذا دعا اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مُكرِه له" متفق عليه، وقال رسول الله : "إذا دعا أحدكم فليُعظم الرغبة فإن الله يتعاظمُه شيء" رواه ابن حبان، وقال : "ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله عز وجل لا يستجيب دعاءً من قلب غافلٍ" رواه الترمذي وقال: غريب، وقال سفيان ابن عيينةً: لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلمُ من نفسه فإن الله عز وجل أجاب دعاء شر الخلق إبليس لعنه الله إذ قال: {رب فانظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين}.
    الثامن: أن يُلحَّ في الدعاء ويكرره ثلاثًا قال ابن مسعود: "كان  إذا دعا ثلاثاً وإذا سأل سأل ثلاثًا"رواه مسلم، وينبغي أن لا يستبطئ الإجابة لقوله : "يستجاب لأحدكم ما لم يعجّل فيقول قد دعوتُ فلم يُستجب لي، فإذا دعوت فاسأل الله كثيرًا فإنك تدعوا كريمًا" متفق عليه، وقال بعضهم: إني سألت الله عز وجل منذ عشرين سنة حاجة وما أجابني وأنا أرجو الإجابة، سألت الله أن يوفقني لترك ما لا يعيني.
    التاسع: أن يفتتح الدعاء بذكر الله عز وجل فلا يبدأ بالسؤال. قال سلمة بن الأكوع: "ما سمعت رسول الله  يستفتتح الدعاء إلا استحفته بقوله: سبحان ربي العيِّ الأعلى الوهاب" رواه أحمد والحاكم وفيه ضعف، قال أبو سليمان الداراني رحمه الله: من أراد أن يسأل الله حاجته فليبدأ بالصلاة على النبي  ثم يسأله حاجته ثم يختم بالصلاة على النبي  فإن الله عز وجل يقبل الصلاتين وهو أكرم أن يدع ما بينهما.
    العاشر: وهو الأدب الباطن وهو الأصل في الإجابة: التوبة ورد المظالم والإقبال على الله عز وجل بكُنه الهمة فذلك هو السبب القريب في الإجابة، فيروي عن كعب الأحبار أنه قال: أصاب الناس قحط شديد على عهد موسى رسول الله  فخرج موسى ببني إسرائيل يستقي بهم فلم يسقوا حتى خرج ثلاث مرات ولم يُسقَوا، فأوحى الله عز وجل إلى موسى : إني لا أستجيب لك ولمن معك وفيكم نمام، فقال موسى: يا رب ومن هو حتى نخرجه من بيننا فأوحى الله عز وجل إليه: يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نمامًا! فقال موسى لبني إسرائيل: توبوا إلى ربكم بأجمعكم عن النميمة فتابوا فأرسل الله تعالى عليهم الغيث، وقال سفيان الثوري: بلغني أن بني إسرائيل قُحِطوا سبع سنين حتى أكلوا الميتة من المزابل وكانوا كذلك يخرجون إلى الجبال يبكون ويتضرعون، فأوحى الله عز وجل إلى أنبيائهم عليهم السلام لو مشيتم بأقدامكم حتى تحفى رُكبكُم وتبلغ أيديكم عنان السماء وتكِلَّ ألسنتكم عن الدعاء فإني لا أجيب لكم داعيًا ولا أرحم لكم باكيًا حتى تردوا المظالم إلى أهلها ففعلوا فمُطروا من يومهم. وقال مالك بن دينار: أصاب الناس في بني إسرائيل قحطٌ فخرجوا مرارًا فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إليّ بأبدان نجسة وترفعون إلي أكُفًا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بطونكم من الحرام، الآن قد اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلا بعدًا.
    وقال أبو الصديق الناجي: خرج سليمان  يستقي فمرّ بنملة ملقاة على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ولا غنى بنا عن رزقك فلا تهلكنا بذنوب غيرنا، فقال سليمان : ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم.
    وقال الأوزاعي: خرج الناس يتستقون فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر من حضر ألستم مقرّين بالإساءة؟ فقالوا: اللهم نعم، فقال" اللهم إنا قد سمعناك تقول: {ما على المحسنين من سبيل} وقد أقررنا بالإساءة فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا، اللهم فاغفر لنا وارحمنا واسقنا، فرفع يديه ورفعوا أيديهم فسقوا.
    وقيل لمالك بن دينار: ادع لنا فقال: إنكم تستبطئون المطر وأنا استبطئ الحجارة.
    ورُوي أن عيسى صلوات الله عليه وسلامه خرج يستسقي فلما ضجروا قال لهم عيسى : من أصاب منكم ذنبًا فليرجع فرجعوا كلهم ولم يبق معه في المفازة إلا واحد، فقال له عيسى : أما لك من ذنب؟ فقال: والله ما عملت من شيء غير أني كنت ذات يوم أصلي فمرت بي امرأة فنظرت إليها بعيني هذه فلما جاوزتني أدخلت إصبعي في عيني فانتزعتها وتبعت المرأة بها، فقال له عيسى  فادع الله حتى أؤمن على دعائك، قال: فدعا فتجللت السماء سحابًا ثم صبَّت فسُقوا.
    وقال يحيى الغساني: أصاب الناس قحط على عهد داود  فاختاروا ثلاثة من علمائهم فخرجوا حتى يستسقوا بهم فقال أحدهم: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعفو عمن ظلمنا اللهم إنا قد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا، وقال الثاني: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعتق أرقَّاءَك اللهم إنا أرقاؤك فاعقتنا، وقال الثالث: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن لا نرد المساكين إذا وقفوا بأبوابنا اللهم إنا مساكينك وقفنا ببابك فلا ترد دعاءنا فسقوا.
    وقال عطاء السلمي: منعنا الغيث فخرجنا نستسقي فإذا نحن برجل بين المقابر فنظر إليّ فقال: يا عطاء أهذا يوم النشور أو بُعثِر ما في القبور؟ فقتل: لا ولكنا منعنا الغيث فخرجنا نستسقي، فقال: يا عطاء بقلوب أرضِيَّة أم بقلوب سماوية؟ فقلت: بل بقلوب سماوية فقال: هيهات يا عطاء، قل للمُتبهرجين لا تتبهرجوا فإن الناقد بصير، ثم رمق السماء بطرفٍ وقال: إلهي وسيدي ومولاي لا تهلك بلادك بذنوب عبادك ولك بالسر المكنون من أسمائك إلا ما سقيتنا ماء غدقًا فُراتًا تحيي العباد وتروي به البلاد، يا من هو على كل شيء قدير. قال عطاء: فما استتم الكلام حتى أرعدت السماء وأبرقت وجادت بمطر كأفواه القِرب.
    وقال ابن المبارك: قدمت المدينة في عام شديد القحط فخرج الناس يستسقون فخرجت معهم إذ أقبل غلام أسود عليه قطعتا خيش قد اتزر بإحداهما وألقى الأخرى على عاتقه فجلس إلى جنبي فسمعته يقول: إلهي أخلقت الوجوه عندك كثرةُ الذنوب ومساوي الأعمال وقد حبست عنا غيث السماء لتؤدب عبادك بذلك، فأسألك يا حليمًا ذا أناة يا من لا يعرف عباده منه إلا الجميل أن تسقيهم الساعة الساعة، فلم يزل يقول الساعة الساعة حتى اكتست السماء بالغمام وأقبل المطر من كل جانب، قال ابن المبارك: فجئت إلى الفضيل فقال: ما لي أراك كئيبًا؟ قلت أمر سبقنا إليه غيرُنا فتواله دوننا، وقصصت عليه القصة فصاح الفضيل وخرّ مغشيًا عليه. ويُروى أن عمر بن الخطاب  استسقى بالعباس  فلما فرغ عمر من دعائه قال العباس: اللهم إنه لم ينزل بلاء من السماء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك  وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا بالتوبة وأنت الراعي لا تمهل الضالة ولا تدع الكبير بدار مضيعةٍ فقد ضرعَ الصغير ورقَّ الكبير وارتفعت الأصوات بالشكوى وأنت تعلم السر وأخفى اللهم فأغثهم بغياثك قبل أن يقنطوا فيهلِكوا فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، قال فما تم كلامه حتى ارتفعت السماء مثل الجبال( ).
    ***
    القاعدة العاشرة
    إحياء الطاعات المهجورة والعبادات الغائبة

    شأن التجارة الرابحة مع الله أن تتناول كل مراضيه، والذي يفتش عن مردات إلهه ومحابه فيأتيها هو الحاذق في تجارته مع ربه عز وجل.
    وقد اعتاد الناس عباداتٍ معينة ظنوها هي وحدها الأبواب المفتوحة إلى الله، لكن بنبغي أن يكون الساعي في مرضات ربه بحّاثًا عن المسالك المهجورة والأبواب البعيدة ذات الطرق الوعْرة التي تنكبت عنها إرادات الناس كسلاً أو عجزًا.
    فمن تلك الطاعات التي غفل عنها الناس وأهملوها ولم نجد من يحافظ عليها إلا القليل، الاستغفار بالأسحار، وهي عبادة الصادقين قال تعالى: {والله بصير بالعباد الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار}.
    والسحر هو آخر الليل، وهو وقت السحُّور، لذا استُحب أن يطعم مريد الصوم في هذا الوقت، ثم يستحب له أن يُبقى وقتًا يسيرًا قبل الفجر للاستغفار وطلب العفو والصفح والعتق من النار، وهذا الوقت زبدة الأوقات العامرة وخلاصة الأزمنة السائرة، تتصل الأرض بالسماء، ويعبق ليل المتهجدين بأنفاس الملائكة المُنزلة والألطاف الهاطلة، ويكون النزول الإلهي( ) المهيب في الثلث الأخير من الليل حيث الأقدام مصفوفة في محاريب التبجيل، والمآقِي مُغرورِقة فرحًا بقرب الكبير الجليل، والأيادي مرفوعة بالأدعية والتراتيل، والألسنة لهجة بالذكر وتلاوة التنزيل.
    ومن تلك العبادات المهجورة: عبادة التفكر والتأمل في مخلوقات الله وعجائب قدره، والتدبر في أسمائه وصفاته وآلائه ونعمته قال تعالى: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار}، وقال تعالى: {إن في خلق السموات والأرض والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون}، وقال تعالى: {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمت البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون. وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرًا نخرج منه حبًا متراكبًا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهًا وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون}، وقال تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومما يعرشون، ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون}.
    وغير ذلك من الآيات الدالة على قدرة الله الداعية إلى التفكر والتدبر والتأمل فيها.
    واعلم أن هذه العبادة هي أصل طريق اليقين في الله عز وجل، وبهذا التدبر يثبت بالضرورة في الذهن وجود الرب الخالق المدبر ومن ثمَّ إلهية هذا الرب المدبر واستحقاقه للعبادة دون غيره، وبهذا التقرير خاطب الله عز وجل المشركين مطالبًا إياهم بأن يتفكروا في هذه الحقائق، قال تعالى: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد}. وقال تعالى: {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون. فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون}.
    واعلم أيضًا أن هذه العبادة من أعظم ما يقرب الإنسان من ربه ويوقفه على جلاله وعظمته بل هي العلم الذي أشار الله عز وجل إليه باعتباره موصّلاً لخشية الله، قال تعالى: {ألم تر أن الله أ نزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفًا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود. ومن الناس والدواب والأنعم مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور}.
    ومن تلك العبادات الغائبة بين الناس عبادة التبتل، أي الانقطاع إلى الله.
    (قال تعالى: {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً} والتبتل: الانقطاع وهو تفعل من البتل وهو القطع، وسميت مريم البتول لانقطاعها عن الأزواج، وعن أن يكون لها نظراء من نساء زمانها ففاقت نساء الزمان شرفًا وفضلاً، وقُطعت منهن، ومصدر بتل: تبتلاً كالتعلّم والتفهّم ولكن جاء على التفعيل مصدر- تفعّل- سر لطيف، فإن في هذا الفعل إيذانًا بالتدريج والتكلّف والتعمّل والتكثّر والمبالغة، فأتى بالفعل الدال على أحدهما وبالمصدر الدال على الآخر، فكأنه قيل: بَتِّل نفسك إليه تبتيلاً، وتبتّل إليه تبتُّلاً، ففُهم المعنيان من الفعل ومصدره، فالتبتل الانقطاع إلى الله بالكلية)( ).
    ومثل هذه العبادة تلازم الإنسان في كل زمان ومكان لا تنفك عنه، فهو بين الناس بجسمه ولكن روحه تطوف حول العرش، يكلمهم بمحياه ولسانه، لكن مشاهدة عظمة الله وجلاله في سويداء جنانه. يفرح مع الناس لفرحهم، لكن قلبه قد مُلئ وجلاً وخوفًا وخشية من ربه، يحزن مع الناس لحزنهم ولكن فؤاده قد ملئ أنسًا ورضًا وحبورًا بما قضى الله وقدر، إنه ذلك الحاضر الغائب الموجود المفقود بين الهياكل والصور والأجسام والغِيَر.
    ومن العبادات المهجورة في هذا الشهر عبادة الصدقة والإنفاق، وهي من أرجى الطاعات عند السالكين، والفقه فيها عظيم أثرهُ في النفس. في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان النبي  أجودَ الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله  حين يلقاه جبريل أجودُ بالخير من الريح المرسلة".
    قال الشافعي رحمه الله: أُحبُّ للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداءً برسول الله  ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم وتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم.
    وليس المقصود كثرة المُنفق، بل كثرة الإنفاق أي فعله وإن قل المال، ورب درهم ينفقه امرؤٌ من درهمين يملكهما أحب إلى الله من مائة ينفقها مّنْ يملك الآلاف، قال : "سبق درهم مائة ألف درهم: رجل له درهمان أخذ أحدهما فتصدق به، ورجل له مال كثير فأخذ من عرضه مائة ألف فتصدق بها" رواه النسائي عن غيره وهو حديث حسن.
    وقد خرج أبو بكر من ماله كله وترك لأهله الله ورسوله ، وخرج عمر من نصف ماله، وتصدق عبد الرحمن بن عوف بقافلة قدمت المدينة بأحلاسها وأقتابها.
    وأدبُ المتصدق أن يعلم منةَ الله عليه إذ رزقه المال ثم وفقه للصدقة ويسر له من يقبل منه صدقته ثم تلقاها منه ربه وقبل منه ما رزقه.
    وأن يتصدق بأفضل ما عنده {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} وأن يتلطف في إعطائها للفقير أو المحتاج حتى لا يشعر بمنة العبد فيها، فيعمل على إخفائها أو إرسالها مع قريب له أو نحو ذلك.
    وكان بعض السلف إذا أعطى الصدقة وضعها على كفه وناولها للفقير على يده مبوسطة حتى يتناولها الفقير بنفسه، فقيل له في ذلك! فقال حتى تكون يده هي اليد العليا، يشير إلى قوله : "واليد العليا خير من اليد السفلى" وهذا من لطيف ما يقوم به أولئك الأكابر. والله الموفق.
    ومن الطاعات المهجورة بل من أعظمها تحديث النفس بالغزو والجهاد، وخاصة في شهر رمضان شهر المعارك الكبرى كبدر وفتح مكة وغيرهما، بل إن المتبادر من الحديث أن هذه الطاعة واجبة لا يجوز الانفكاك عنها، فقال : "من مات ولم يغزُ ولم يُحدِّث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق". رواه أحمد ومسلم، فالظاهر وجوب أحد الأمرين حتى يبرأ من هذا النفاق.
    وفائدة تحديث النفس بالغزو: إحياء معاني الجهاد والعزة والولاء والنصرة للدين والبراءة من الكفر والشرك ومعاداة أهله، والوصول بالنفس إلى أعلى مراتب البذل وهو بذل الأرواح والمُهَج في سبيل الله.
    ولقد هجرت هذه المعاني حتى صارت بين الملتزمين فضلاً عن المسلمين نسيًا منسيًا، وما أجدرنا أن نعاود إحياء هذه المعاني في هذا الشهر المبارك شهر الصبر والبذل وجهاد النفس.
    فهذه بعض نماذج من العبادات المهجورة الغائبة، ولو تأملت قوله : "الإيمان بضع وستون شعبة أو بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" لعرفت كم ضيع الناس من شعب الإيمان العملية وطرق الخير الموصلة لرضا الرب تبارك وتعالى، والله المستعان.
    ***
    القاعدة الحادية عشرة
    معرفة قطاع الطريق إلى الله

    ها أنت قد شمرت عن ساعد الجد، وحثثت الهمة الخاملة، وأوقدت نار العزيمة الخامدة، وألجمت هواك بلجام الإرادة وجمعت رقاب الأماني بزمام التوكل على الله في الفعل، وبدأت السير إلى الله عز وجل لتصل إلى شهر رمضان وقد توقَّدت عزيمتك وانقادت لك إرادتُك وأذعنت لك همتُك.
    لقد بدأت المعركة الحقيقية مُذ تمحّض اختيارك لله وجدَّ سيرك إليه ويممت القلب والقالب في الإقبال عليه، فاحذر حينئذ قطّاع هذا الطريق الوعر، فإنه طريق الجنة، وهو محفوف بالشهوات والهوى والشياطين والنزغ والشبهات، وكلها أنواع لجنس واحد، وهو العائق عن الوصول لدرب القبول المؤِذن لشمس عزمك بالأُفول.
    فتعال معًا نتذاكر صفات بعض هؤلاء القطاع ومكامنهم، وخدعهم، فبذلك تتعلم صفة الشر لتتجنبه.
    عرفت الشر لا للشر لكن لتوقّيه ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه
    والمقصود بيان نماذج من هؤلاء القطّاع ليستدل بهم على غيرهم فمن هؤلاء القطاع: الفتور والسآمة والملل، وهو من أعظم ما يعتري السالكين، وقدي تعاظم أمره ويستفحل حتى يكون سببًا للردة والنكوص والعياذ بالله.
    وغالب شأن هذا الفتور من كثرة الفرح بالطاعة وعدم الشكر عليها ورؤية منة الله فيها ومشاهدة النفس في أدائها، قال ابن القيم رحمه الله واصفًا ومحللاً ومعالجًا لهذا الداء: (فإذا نسي السالك نفسه وفرح فرحًا لا يقارنه خوف فليرجع إلى السير إلى بدايات سلوكه وحدة طلبه، عسى أن يعود إلى سابق ما كان منه من السير الحثيث الذي كانت تسوقه الخشية، فيترك الفتور الذي لابد أن ينتج عن السرور.
    فتخلل الفترات للسالكين أمر لازم لابد منه، فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد ولم يخرجه من فرض ولم تدخله في محرّم: رجي له أن يعود خيرًا مما كان.
    قال عمر بن الخطاب: إن لهذه القلوب إقبالاً وإدبارًا فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل وإن أدبرت فألزموها الفرائض.
    وفي هذه الفترات والغيوم والحجب التي تعرض للسالكين من الحِكَم ما لا يعلم تفصيله إلا الله، وبهذا يتبين الصادق من الكاذب، فالكاذب ينقلب على عقبيه ويعود إلى رسوم طبيعته وهواه، والصادق ينتظر الفرج ولا ييأس من روح الله ويُلقي نفسه بالباب طريحًا ذليلاً مسكينًا مستكينًا، كالإناء الفارغ الذي لا شيء فيه ألبتة ينتظر أن يضع فيه مالك الإناء وصانعه ما يصلح له، لا بسبب من العبد- وإن كان هذا الافتقار من أعظم الأسباب- لكن ليس هو منك، بل هو الذي منّ عليك به، وجرّدك منك وأخلاك عنك وهو الذي: {يحول بين المرء وقلبه}.
    فإذا رأيته قد أقامك في هذا المقام فأعلم أنه يريد أن يرحمك ويملأ إناءك، فإن وضعت القلب في غير هذا الموضع فاعلم أنه قلب مُضيَّع فسل ربه ومن هو بين أصابعه أن يردّه عليك ويجمع شملك به.
    وقد أخبر النبي : "إن لكل عامل شِرَّة ولكل شرة فَترة" فالطالب الجاد لابد من أن تعرض له فترة فيشتاق في تلك الفترة إلى حالة وقت الطلب والاجتهاد.
    وربما كانت للسالك بداية ذات نشاط، كان فيها عالي الهمة، فيفيده عند فتوره أن يرجع إلى ذكريات تلك البداية فتتجدَّد له العزيمة، ويعود إلى دأبه في الشكر.
    وكان الجنيد رحمه الله كثير الذكر لبداية سيره، وكان إذا ذكرها يقول: واشوقاه إلى أوقات البداية: يعني لذة أوقات البداية وجمع الهمة على الطلب والسير إلى الله والإعراض عن الخلق. أهـ من تهذيب مدارج السالكين.
    أما إذا راودتك السامةُ في عبادتك، كصلاة أو ذكر أو تلاوة قرآن فلا تُرسل زمام هواك للشيطان محتجًا بقوله : "فوالله إن الله لا يملّ حتى تملوا"، وقد ذكرنا لك في تمارين العزيمة فقه هذا الحديث ونحوه عن الأئمة الأعلام، فحريٌ بمن ملّ العبادة أن يعود إلى نفسه هلعًا وخوفًا من أن يكون ذلك من إعراض الله عنه.
    وليستحضر في قلبه سوء أدبه مع الله وعدم تعظيمه وقدره حق قدره إذ تطيب نفسه مع شهوات الدنيا ومعافسة الأولاد والزوجات للساعات الطوال ثم هو يُبتلى في عبادته بالملل بعد لويحظات معدودات.
    وما روي عن بعض السلف من أنهم كانوا يتكدرون لطلوع الفجر لأنه يحول بينهم وبين لذيذ المناجاة فيُحمل على أنهم يحزنون لعدم تواصل لذة المناجاة لا أنهم كانوا يكرهون طلوع الفجر ويقدّمون قيام الليل على الفريضة، فهذا أبعد ما يكون عن هديهم ومتواتر سيرتهم، كيف وهم يعلمون أن قرآن الفجر مشهود تحضره الملائكة وترفع أمره إلى الله.
    ومن قطاع الطريق إلى الله: الوساوس والخواطر الرديئة التي ترد على السالك طريق الآخرة، وتشمل هذه الخواطر الرديئة ما يرد على المبتلين بالشهوات من التفكير في الصور وفيما يعشقون ومن يهوون وكذا أصحاب الحقد والحسد والأمراض والآفات النفسية، وكلها انحرافات سلوكية، أي في السالك طريق الآخرة، ومن أعظمها خطرًا وسواس الشبهات في وجود الله وذاته وصفاته، وهذا مما ابتلى به كثير من شباب هذه العصور لغلبة الأفكار الإلحادية والعلمانية المبنية على المادة والتفسير العلمي لكل الظواهر الكونية وشيوع الفحشاء والشهوات الصارفة للقلوب عن ممارسة عبوديتها في التسليم والإذعان، وتحليلاً للخواطر يمكننا تقسيمها إلى ثلاثة أنواع:
    النوع الأول: خواطر الشبهات وهي العارضة في شأن وجود الله وذاته وصفاته وفي قرآنه وأنبيائه ورسله وقضائه وقدره.
    النوع الثاني: خواطر الشهوات وهي واردات الذهن من الصور ونماذج المعشوقات.
    النوع الثالث: خواطر القلب من آفات وأمراض نفسية كالكبرياء والعجب والحقد والحسد.
    وعلاج النوع الأول باستحضار اليقين، وكلامنا مع من اعتقد وجود الله، أما الملحد فلا خطاب معه، وعندي أن الإلحاد هو النوع الوحيد من الجنون الذي يؤاخذ الإنسان به، فمن أيقن وجود الله وربوبيته وهيمنته وتصرفه وعدله وحكمته مثَّل هذا اليقين بالشمس يراها ثم يستعرض الشبهات ويمثلها بمن يماريه في رؤيته للشمس، ويجادله في الدليل المفيد لطلوعها، حينئذ يردد قوله عز وجل: {أفي الله شك فاطر السموات والأرض}، ويردد قوله: آمنت بالله، ويستعيذ بالله من نزغ الشيطان معتصمًا بالله لائذًا بحفظه وكلاءته، متعجبًا من تفاهة شبهته:
    وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
    أما النوع الثاني وهو الأعم الأفشى بين الناس، وعلاجه من أصعب العلاجات لكننا نأتي على ذِكر جملةٍ من الفوائد المهمة المُجتثة لهذا المرض من جذوره.
    فاعلم أيها الأريب أن الشهوات في أصلها فطرية قدرية لا فكاك للعبد منها، فهو مفطور على الغضب واللذة وحب الطعام والشراب، غير أن هذه الشهوات رُكزت في الجبلة لغايات هي حفظ النفس بالطعام ورد الاعتداء وصيانة الذات بالغضب وحفظ النسل باللذة (أعني شهوة الفرج) فإذا تعدّت هذه الشهوات غاياتها كانت وبالاً على أصحابها، ولذلك جاء عن النبي  التنبيه على حفظ الفرج والبطن واللسان وأنه من أعظم أسباب النجاة والفوز.
    فإذا علمت ذلك تبين سلطانك على هذه الشهوات، وأن الله عز وجل قد أمرك في الحقيقة عليها، وأعطاك زمام قيادتها فما عليك إلا ممارسة هذه الإمارة دون خوف أو تباطؤ.
    وحسم مادة الشهوات يكون بحسم موارد حياتها، وأهم تلك الموارد حب الدنيا والرغبة في نوال كل ما يراه من جميل فيها، فقطع شجرة الدنيا من القلب كفيل بصرف الهمة مطلقًا عن الدنيا والاهتمام بما تحصل به النجاة.
    وهاك بعض الفوائد المعينة على حسم مادة الشهوة وصرف واردات الخواطر الشهوانية:
    أولاً: التبرؤ من حول النفس وقوتها والالتجاء والاعتصام والاستعاذة بالله، ومن جليل ما ينبغي ترداده في حق المبتلى بالشهوة "لا حول ولا قوة إلا بالله" ومعناها: لا تحوّل عن معصيةٍ إلا بمعونة من الله ولا قوة على طاعة إلا بتوفيق من الله.
    ثانيًا: تذكر المنغّصات: سكرات الموت، نزع الروح، القبر وأهواله، سؤال الملكين، البعث والنشور وأهوال يوم القيامة، والمثول بين يدي الله عاصيًا مذنبًا والنار وأهوالها.
    ثالثاً: تذّكر المشوقات: كلذة المناجاة وتوفيق الله للطاعة وشرف الولاية والانتساب إلى حزب الله والكرامات اللائقة لأوليائه عند موتهم ودخولهم الجنة وما فيها من الحور العين اللائي لا تقارن الدنيا كلها بأنملة من أنامل الواحدة منهن، ورؤية الله عز وجل يوم القيامة ورضوانه على أهل الجنة.
    رابعًا: تذكر جمال خالق الجمال البشري، الذي سماه الرسول  جميلاً، فكل جمالٍ فُتن به المرء لو قُرن بجمال الله عز وجل لتلاشت كل خواطره الرديئة.
    خامسًا: تذكّر مثالب الصور المعشوقة وآفاتها وأمراضها وفساد بواطنها وظواهرها.
    سادسًا: البعد عن المثيرات كالسير في الطرقات العامة (وخاصة في هذه الأزمنة وفي أماكن الفجور والفسوق) أو مشاهدة التلفاز والفيديو والمجلات والجرائد الساقطة التي تهدف غواية النفوس المطمئنة وتحت أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.
    ومن هذا القبيل عدم المكوث في خلوة إذا طرأ عارض الشهوة، بل يشتغل بالصوارف التي تلهيه عن تلك الخواطر كذكر الله وزيارة الصالحين وحضور مجالس العلم أو خدمة الأهل والمسلمين.
    وينصح ابن القيم بما يلي:
    (1) العلم الجازم بإطلاع الرب سبحانه ونظره إلى قلبك وعلمه بتفصيل خواطرك.
    (2) حياؤك منه.
    (3) إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في البيت الذي خلقه لتُسكِنَه معرفته ومحبته.
    (4) خوفك منه أن تسقط من عينه بتلك الخواطر.
    (5) إيثارك له أن تساكن قلبك غير محبته.
    (6) خشيتك أن تتولد تلك الخواطر ويتسرع شررها فتأكل ما في القلب من الإيمان ومحبة الله فتذهب به جملة وأنت لا تشعر.
    (7) أن تعلم أن هذه الخواطر بمنزلة الحبِّ الذي يُلقى للطائر ليصاد به، فاعلم أن كل خاطر منها فهو حبة في فخ منصوب لصيدك وأنت لا تشعر.
    (8) أن تعلم أن الخواطر الرديئة لا تجتمع مع خواطر الإيمان ودواعي المحبة والإنابة أصلاً بل هي ضدها من كل وجه.
    (9) أن تعلم أن الخواطر بحر من بحور الخيال لا ساحل له فإذا دخل القلب في غمراته غرق فيه وتاه في ظلماته فيطلب الخلاص فلا يجد إليه سبيلاً فيكون بعيدًا عن الفلاح.
    (10) أن تعلم أن الخواطر وادي المحقى وأماني الجاهلين فلا تثمر إلا الندامة والخزي وإذا غلبت على القلب أورثته الوساوس وعزلته عن سلطانها انسدت عليه عينه وألقته في الأسر الطويل أهـ.
    أما النوع الثالث وهو آفات القلب كالحقد والحسد والكبرياء والعُجب، فهو باطن الإثم، قال تعالى: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} وجماع دواء هذه الآفات رؤية عجز النفس وقيامها بالله، ومشاهدة حكمة الله عز وجل وتصرفه في الخلق، فمثل هذا الاستحضار يحول بينه وبين الاعتراض على تقسيم الرزق والنعم، ويحول بينه وبين رؤية النفس وقدرتها، ويئول به الحال إلى التسليم بمنة الله وعدله وحكمته.
    وقد تكلم الإمام ابن الجوزي كلامًا نفيسًا عن هذه الآفات في كتابه "الطب الروحاني" فراجعه هناك نجد علاجات تفصيلية لكل آفة ومرض وحسبنا من الألف شاهد مثال واحد.
    لكن ابن القيم رحمه الله يلمس مكمن الداء ويصفه وصفًا دقيقًا ثم يقترح العلاج المناسب فيقول: (واعلم أن الخطرات والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر فيأخذ الفكر فيؤديها إلى التذكر فيؤديها إلى الإرادة فتأخذها الإرادة إلى الجوارح والعمل فتستحكم فتصير عادة، فردُّها من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها، ومعلوم أنه لم يُعط الإنسان إماتة الخواطر ولا القوة على قطعها وهي تهجم عليه هجوم النفس، إلا أن قوة الإيمان والعقل تعينه على قبول أحسنها ورضاه به ومساكنته له، على رفع أقبحها وكراهته له ونفرته منه كما قال الصحابة يا رسول الله: إن أحدنا يجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: "أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان" وفي لفظ "الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة" وفيه قولان: أحدهما: أن رده وكراهته صريحُ الإيمان، والثاني: أن وجوده وإلقاء الشيطان له في نفسه صريح الإيمان، فإنه إنما ألقاه في النفس طلبًا لمعارضة الإيمان وإزالته به. وقد خلق الله سبحانه النفس شبيهة بالرَّحا الدائرة التي لا تسكن ولابد لها من شيء تطحنه، فإن وُضع فيها حيُّ طحنته وإن وضع فيها تراب أو حصى طحنته، فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحب الذي يوضع في الرحا ولا تبقى تلك الرحا معطلة قط بل لابد لها من شيء يوضع فيها، فمن الناس من يطحن رحاه حبًا يخرج دقيقًا ينفع به نفسه وغيره، وأكثرهم يطحن رملاً وحصًا وتبنًا ونحو ذلك، فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحنه، أهـ كلامه رحمه الله (الفوائد 161).
    فهؤلاء نماذج من قطاع طريقك إلى الله وسفرك في درب الآخرة وسعيك في عتق رقبتك من النار وبذل ثمن الجنة، فاحذر مثل تلك الصوارف وأعد لها عدتها والله الموفق.
    تتمة في فهم بعض الوصايا

    الأولى: الاجتهاد في العشر الأواخر وأواخر العشر.
    في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله  إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله" هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: "أحيا الليل وأيقظ أهله وجدّ وشد المئزر". وفي رواية لمسلم عنها قالت: "كان رسول الله  يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره".
    وروى أبو نعيم بسند فيه ضعف عن أنس قال: "كان النبي  إذا شهد رمضان قام ونام، فإذا كان أربعًا وعشرين لم يدق غُمضًا".
    وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي  قال: "لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يوصل فليواصل إلى السحر" قالوا فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: "إني لست كهيئتكم إني أبيت لي مُطعمٌ يطعمني وساق يسقيني".
    وأخرج ابن أبي عاصم بإسنادٍ قال عنه ابن رجب إنه مقارب عن عائشة قالت: "كان رسول الله  إذا كان رمضان قام ونام فإذا دخل العشر شد المئزر واجتنب النساء واغتسل بين الأذانين وجعل العشاء سحورًا".
    وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: "أن النبي  كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى".
    تحصّل من هذه الأحاديث بعض السنن المؤكدة التي ينبغي الاعتناء بها في العشر الأواخر وهي من أهم وظائف هذا الشهر الكريم لأنها فورة الوداع ومسك الختام.
    وسنلخص لك هذه السنن مع الكلام في فقهها وأسرارها.
    أولاً: إحياء الليل كله. ويدل عليه ظاهر قول عائشة: أحيا الليل، وفي رواية مضعّفة: "أحيا الليل كله" ويشهد لهذا الأمر أيضًا قولها: "جد" أي اجتهد وبالغ في الطاعة العمل.
    وهذه هي العزيمة اللازمة في أخريات رمضان. فيجب تقليل النوم قدر الإمكان وجعله في النهار، وشغل الليل بالصلاة والذكر .
    وقد وردت عن بعض السلف آثار في بيان المراد بإحياء الليل، وأنه يحصل بقيام غالبه (وهو قريب من الأول) أو إحياء نصفه، وقيل تحصيل فضيلة الإحياء بساعة، ونُقل عن الشافعي وغيره أن فضيلة الإحياء تحصل بأن يصلي العشاء في جماعة ويعزم على أن يصلي الصبح في جماعة( ) وهذا الإحياء المذكور يشمل كل ليالي رمضان بوجه عام، والعشر الأواخر بوجه خاص، وليلة القدر بأخص.
    ومثل هذا الاجتهاد يحتاج إلى الإعداد الذي تكلمنا عنه فيما مضى من الأبواب، وإلى العزيمة والمجاهدة والمكابدة للنوم والتعب من جَهد العبادة.
    ويساعد على ذلك قلة الطعام، وتنويع العبادات بين قيام وركوع وسجود وذكر وتلاوة لقرآن، وصحبة العابدين لشحذ الهمم.
    وجماع ذلك كله أن يستمطر العون والمدد والألطاف من الله عز وجل، فهو القادر على أن يقيمك بين يديه الدهر كله دون نصب أو رهق أو سآمة.
    ثانيًا: إشاعة الأجواء الإيمانية في البيوت بِحثَ الأهل على الاجتهاد في الطاعة والعمل وإيقاظهم في الليل لصلاة التهجد، ويدل ذلك قول عائشة: "وأيقظ أهله".
    ثالثًا: شد المئزر والمراد به على الراجح: اعتزال النساء وعدم الجماع والمباشرة والاستمتاع، ووجهه: كون النبي  معتكفًا في المسجد لطلب ليلة القدر( )، ويؤخذ من ههنا أنه كان يصيب  من أهله في العشرين من رمضان ثم يعتزل نساء ويتفرغ لطلب ليلة القدر في العشر الأواخر.
    رابعًا: الاعتكاف. قال ابن رجب: وإنما كان يعتكف النبي  في هذه العشر التي يُطلب فيها ليلة القدر، قطعًا لأشغاله وتفريغًا لباله، وتحليًا لمناجاة ربه وذكره ودعائه، وكان يحتجر حصيرًا يتخلى فيها عن الناس فلا يخالطهم ولا يشغل بهم. وذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحب له مخالطة الناس حتى ولا لتعليم علم وإقراء قرآن، بل الأفضل له الانفراد بنفسه والتخلي بمناجاة ربه وذكره ودعائه، وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية، وإنما يكون في المساجد لئلا يترك به الجمع والجماعات، فإن الخلوة القاطعة عن الجمع والجماعات منهيٌّ عنها. سئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يشهد الجمعة والجماعة؟ قال: هو في النار. فالخلوة المشروعة لهذه الأمة هي الاعتكاف في المساجد خصوصًا في شهر رمضان وخصوصًا في العشر الأواخر منه كما كان النبي  يفعله، فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله عنه وعكف بقلبه وقالبه على ربه وما يقربه منه، فما بقي له همٌّ سوى الله وما يرضيه عنه.
    فمعنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله بالكلية على كل حال. كان بعضهم لا يزال منفردًا في بيته خاليًا بربه، فقيل له: أما تستوحش؟ قال: كيف استوحش وهو يقول: "أنا جليس من ذكرني" أهـ( ).
    خامسًا: إقلال الطعام للغاية، أو الوصال للسحر، وقد اختلف العلماء في هذا الوصال، وقد أجازه الإمام أحمد وإسحق، والصحيح أن الوصال إلى السحر فقط جائز لقوله : "فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر" رواه البخاري.
    والغاية منه كما قال العلماء خواء البطن وشرايين الشهوات من مادة الثوران، وخواء البطن مجلبة لامتلاء القلب بصنوف المعارف، وكلما ازداد الجوعُ وألَمُه رقَّ الفؤاد ولان وخشع.
    قال ابن رجب: ويتأكد تأخير الفطر في الليالي التي تُرجى فيها ليلة القدر، قال زِرٌّ بن حبيش في ليلة سبع وعشرين: من استطاع منكم أن يؤخر فطره فليفعل وليفطر على ضياح اللبن. وضياح اللبن وروي ضيح هو اللبن الخائر الممزوج بالماء( ).
    سادسًا: الاغتسال بين المغرب والعشاء كل ليلة من العشر الأواخر وقد وردت فيه بعض الأحاديث الضعيفة والآثار المستفيضة عن سلف هذه الأمة في التنظيف والتزين والتطيب بالغسل والطيب واللباس الحسن، وهي مشمولة بالنصوص العامة الآمرة بالتنظف والتزين والتطيب، والمستقرئ لسيرة النبي  والصحابة والسلف يجزم بحرصهم على الاغتسال في أزمنة العبادة ومواسم الطاعة.
    واعلم أيها النابه أن كل هذه الوظائف تحوم حول تحصيل وموافقة ليلة القدر التي قال عنها النبي : "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" رواه البخاري، وهي ليلة حريٌّ بالمسلم أن يستميت في تحصيل فضلها وثوابها، قال عنها الله عز وجل، {ليلة القدر خير من ألف شهر} أي العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر وهو ما يقارب ثمانين سنة أو أكثر.
    ولا تنفع الأماني والأحلام في إثبات تحريك لها، بل لابد من التشمير، وأن تُري الله من نفسك خيرًا، حتى يرى إقبالك فيقبلكَ واجتهادك فيلطُف بمقامك ويهبك منشور الولاية ويضع اسمك في ديوان العتقاء من النار.
    أما تعيين ليلة القدر فهي ممكنة على الراجح كما قال النووي ووافقه ابن حجر رحمهما الله، وهذا لمن كشفها الله له، بل ثوابها لا يحصل إلى لمن كُشفت له كما رجح الأكثر، وذهب الطبري وابن العربي وجماعة إلى أن ثوابها يحصل لمن اتفق له قيامها وإن لم يظهر له شيء، وهذا مفرّع على أن ليلة القدر لها علامة أم لا؟ فذهب البعض إلى وجود تلك العلامات ومنها أن يرى كل شيء ساجدًا، وقيل الأنوار في كل مكان ساطعة حتى في المواضع المظلمة، وقيل يسمع سلامًا أو خطابًا من الملائكة، وقيل علامتها استجابة دعاء من وفقت له، واختار الطبري أن جميع ذلك غير لازم وأنه لا يشترط لحصولها رؤية شيء ولا سماعه.
    واختار ابن حجر رحمه الله أن لها علامة وأن شرط حصول ثوابها الكامل الموعود به يكون لمن علمها فقط لا لمن اتفق قيامه فيها وإن حصل ثوابًا جزيلاً بقيامه ابتغاءها، ولو علم بها أحد هل يذكرها لغيره؟ استنبط تقي الدين السبكي من قوله : "خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرُفِعت وعسى أن يكون خيرًا فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة" رواه البخاري، استنبط منه استحباب كتمان ليلة القدر لمن رآها قال: ووجهُ الدلالة أن الله قدر لنبيه أنه لم يُخبر بها، والخير كله فيما قَدَّر له، فيستحب اتباعه في ذلك. وفيما قاله بحث ونظر، وذكر في شرح المنهاج ذلك عن الحاوي قال: والحكمة فيها أنها كرامة، والكرامة ينبغي كتمانها بلا خلاف بين أهل الطريق من جهة رؤية النفس فلا يأمن السّلب ومن جهة ألا يأمن الرياء، ومن جهة الأدب فلا يتشاغل عن الشكر لله بالنظر إليها وذكرها للناس، ومن جهة أنه لا يأمن الحسد فيوقع غيره في المحذور، ويُستأنسُ له بقول يعقوب : {يا بني لا تقصص رؤياك على إخواتك} الآية. وهذا هو الأولى في التوجيه. وبالله التوفيق.
    الثانية: لا تهمل الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، فإنها من صميم رسالتك في هذا الوجود، فوق كون هذا الأمر ثمرة النُّسك وتعظيم الأمر والنهي، وتركه مُؤذِنٌ بجعل الطاعات والعبادات بلا طعم أو ثمرة، قال : "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه فتدعونه فلا يستجاب لكم". رواه الترمذي بإسناد صحيح.
    وما ثمرة صف الأقدام أمام رب يتجاوز الناس حرماته ويجاهرونه ويبارزونه بالمعصية وأنت لا تغضب له.
    فإذا عجزت عن الدعوة إليه ودلالة الناس عليه وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر فاعتذر إلى الله عز وجل بإلقاء النصيحة ولا عليك أن يتركها الناس {وإذا قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون}.
    الثالثة: لو كنت إمامًا أو خطيبًا أو داعيًا فاجهد أن يكون لك دورٌ مع الناس في وصولهم إلى خالقهم ومليكهم، فالدلالة على الله مهنة الأنبياء والرسل، وما إخال الدال على الله محجوبًا عن الدخول مع الداخلين.
    ثم لا تنس تشديد الحساب على نفسك في طاعاتها، حتى تنقّي بواطنك من والجات الهوى.
    الرابعة: لو ضاع منك معظم الشهر فلا تحرم نفسك الاجتهاد في باقيه، ولا يلقينّ الشيطان في قلبك اليأس فتقعد عن الاجتهاد، فلا يبعد أن تُرى مع المشمّرين فيهبك الله لهم، فتسعد:
    من لي بمثل سيرك المدلّلِ تمشي الهُوينى وتجِي في الأوَّل
    الخامسة: إذا لم يقع عليك الهمُّ من خوف الرد وعدم القبول، فهو أمارة سوء. فمن صفات المتقين أنهم {يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} قال مالك بن دينار: الخوف على العمل ألا يُتقبل أشد من العمل، وقال عطاء السليمي: الحذر: الاتقاء على العمل ألا يكون لله، وقال عبد العزيز بن أبي روّاد: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهمّ أُيقبل منهم أم لا؟ وقال ابن رجب: كان بعض السلف يظهر عليه الحزن يوم عيد الفطر، فيقال له: إنه يوم فرح وسرور، فيقول: صدقتم، ولكني عبد أمرني مولاي أن أعلم له عملاً فلا أدري أيقبله مني أم لا؟
    روي عن علي  أن كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان: يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنه؟ ومن هذا المحروم فنعزيه:
    رحل الشـهرُ الهـَفاهُ وانصرمـا واختص بالفوز في الجنات من خدما
    وأصبح الغافل المسكين منـكسرًا مثلي فيا ويحه يا عُظـم ما حُرمـا
    من فاته الزرع في وقت البذار فما تراه يحصُـد إلا الهـم والندمـا
    السادسة: لا تجزع من هول التبعات وضيق الأوقات بالعمل والدراسة ورعاية الأهل.. إلى آخر هذه المنظومة، وكذلك المرأة يَهُولنَّها ضخامة ما تقوم به من تربية الأولاد ورعاية البيت، فكل هذا و إن تفاقم لا يمنع من القيام بواجب الخدمة للمعبود والبذل في هذا الشهر.
    وسبب تحاشي أولئك أنهم متّكلون على قوتهم معتمدون على مهارتهم، هنا يُوكلون إلى ضعفهم وعورتهم.
    أما صدق اللجأ إلى الله فهو كفيل يقبل قوانين الزمان والجهد والقوة، فيضحي اليوم مديدًا دون أن تشعر، وقوتك الت يكانت تخور أما الأحمال الثقال تراها عند الطاعات وثابة.
    أما تعجب من الصحابة كيف يغزون وزادهم تمرات يمصونها فيُقِمن أصلابهم أمام أعدائهم.
    بالله ثق وله أنب وبه استعن فإذا فعلت فأنت خيرُ معانٍ
    السابعة: لا تُخلِ الأوقات من عمل نافع، وقيدّ عندك البدائل حتى إذا ما داخلت نفسك السآمة من عمل كان عندك غيره ليشغلك.
    ونقترح عليك هذا الجدول في رمضان:
    1- تلاوة خمسة أجزاء على الأقل يوميًا.
    2- التواجد في المسجد قبل الأذان لكل صلاة.
    3- استيفاء كل السنن الراتبة وغير الراتبة.
    4- ا ستيفاء الخشوع في الفرائض والنوافل ومحاسبة النفس قبل الصلاة، وبعدها.
    5- التراويح والتهجد ثلاث ساعات على الأقل كل ليلة، وإذا كنت تؤدي التراويح جماعة فاجعل لبيتك قسطًا من صلاة الليل.
    6- دوام الذكر باللسان والقلب وخاصة أذكار الصباح والمساء.
    7- دوام الدعاء والتضرع.
    8- عدم إخلاء ساعة في يوم أو ليل في رمضان من نافلة خلا أوقات الكراهة.
    9- الضحى في المسجد بعد الفجر.
    10- الصدقة بمبلغ كل يوم.
    فهذا المقترح- يا باغي الخير- أقل ما يمكن تصوره لمجتهدٍ في رمضان، وهو معدود على مذهب السلف (من المقصرين أو المفرطين)، فاعلُ بهمتك وتزود من الطعات ما به تنال صك العتق من النار، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.
    الثامنة: الاستعداد لشهر رمضان والشوق له وبلوغ زمانه ينبغي أن يسبق رمضان بأشهر عديدة، فيوطن نفسه على المعاني التي ذكرناها في الرسالة ويدرب جسده على تمارين العزيمة التي تحدثنا عنها ويؤمل المغفرة والعتق فيه فيكون ممن أعد للشهر عدته.
    قال ابن رجب: قال بعض السلف كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ثم يدعون الله ستة أشهر أخرى أن يُتقَبَُل منهم.
    ويقتضي هذا النقل عن السلف أنهم كانوا يدعون في رمضان أن يتقبل الله منهم أو يدعون بأن يبلغهم رمضان اللاحق، وهذا من أجدر ما يأمله الإنسان من ربه أن يتقبل منه الطاعة وأن يوفقه إلى غيرها.
    أيها السالك طريق الآخرة: ها نحن قد رددنا العجز إلى الصدر، وأكدنا لك المعنى بأسهل عبارة، فإن آنست مما ذكرناه حافزًا لهمتك فدونك الميدان أثر نقعه وتوسّط جمعه. وإلا فتدبر قول الله عز وجل: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً. كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محذورا. انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً}.
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
    ***

    الفهـرس
    الموضوع الصفحة
    المقدمة
    القاعدة الأولى (بعث واستثارة الشوق إلى الله)
    احتياج الإيمان للتجديد
    عوامل بعث الشوق إلى الله
    1- مطالعة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى
    2- مطالعة منن الله ونعمه
    3- التحسر على فوات الأزمنة في غير طاعة الله
    4- تذكر سبق السابقين
    مجالات الشوق
    القاعدة الثانية (معرفة فضل المواسم ومنة الله فيها وفرصة العبد منها)
    القاعدة الثالثة (تمارين العزيمة والهمة)
    معنى تمارين العزيمة وأهميتها
    فقه حديث (اكلفوا من الأعمال ما تطيقون) وحديث (ليصل أحدكم نشاطه)
    آثار السلف الصالح في علو الهمة
    القاعدة الرابعة (نبذ البطالة والبطالين ومصاحبة ذوي الهمم)
    أهمية وجود المربي والمعين على الخير
    القاعدة الخامسة (الاستعداد للطاعات والتوبة النصوح من المعاصي ومحاسبة النفس دبر كل طاعة)
    أسباب المعونة والمدد في شهر رمضان
    القاعدة السادسة (الإعداد للطاعة ومحاسبة النفس عليها)
    القاعدة السابعة (مطالعة أحكام الصوم وما يتعلق بشهر رمضان)
    القاعدة الثامنة – أهم القواعد- (إعداد النفس لتذوق عبادة الصبر)
    القاعدة التاسعة (كيفية تحصيل حلاوة الطاعات)
    جماع تحصيل حلاوة الطاعة في جمع القلب والهم والسر على الله
    وسائل تحصيل حلاوة الذكر
    مثال في التدبر في ذكر من الأذكار
    وسائل تحصيل لذة الصوم
    وسائل تحصيل لذة الصلاة
    بيان الدواء النافع في حضور القلب وعلاج دفع الخواطر
    بيان وتفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل ركن وشرط من أعمال الصلاة
    وسائل تحصيل لذة التلاوة وقراءة القرآن
    وسائل تحصيل ثمرة الدعاء
    القاعدة العاشرة (إحياء الطاعات المهجورة والعبادات الغائبة)
    القاعدة الحادية عشر (معرفة قطاع الطريق إلى الله)
    تتمة: في فهم بعض الوصايا
    الأولى: الاجتهاد في العشر الأواخر وأواخر العشر
    الثانية: الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
    الثالثة: دلالة الخلق على الله
    الرابعة: لا تيأس من فوات الأيام وأبدأ بعزم جديد
    الخامسة: الخوف من عدم القبول
    السادسة: بركة الأوقات بالتوكل على الله حق توكله
    السابعة: عدم إخلاء الأوقات من عمل صالح نافع مع تقييد البدائل
    الثامنة: الاستعداد لشهر رمضان قبل حلوله
    الفهرس


    ملاحظات :
    - هذا الفهرس خاص بهذه النسخة الإلكترونية وليس مطابقاً للنسخة المطبوعة.
    - المؤلف –حفظه الله- لا يتحمل أى مسوؤلية عن الأخطاء التى قد تكون حدثت أثناء الكتابة ،ومنها : ترك تشكيل معظم الآيات ، والأبيات الشعرية ، وبعض الكلمات التى شُكلت فى الأصل المطبوع ، الفهرس ، وأخطاء أخر ... ونحن نعتذر منها وسبببها إرادة التعجيل بهذا الخير ولأن هذا وقت موضوعه. ونحن نرجو منك أن نرجو منك أن تساعدنا إما بالفعل أو حتى التنبيه وجزاك الله خيرا ورزقنا واياك حلاوة الخدمة للدين الحنيف .. آمين.
    - الكتاب نشر مكتبة الفهيد بجدة – السعودية ، هاتف : 6811260 ، والموزعين بمصر : القاهرة: الموزع الرئيسى .. 0101136082 ، وتوزيع محلات أبو الفدا لملابس المحجبات والكتب الإسلامية : 5907657 – 5885393 ، فرع كفر الشيخ : 047236268 .
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-10-03
  9. علي المآربي

    علي المآربي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-03-10
    المشاركات:
    5,835
    الإعجاب :
    0

    اللطائف الروحية في
    الدروس الرمضانية

    تأليف
    مشعل بن عبد العزيز الفلاحي


    المقدمة

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
    يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون .
    يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً ، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ، إن الله كان عليكم رقيباً .
    يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً ، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً . وبعد :
    فإن شهر رمضان شهر مبارك كريم ، افترض الله صومه على هذه الأمة ، وعلى غيرها من الأمم السابقة ، وذلك لتحقيق غاية عظيمة أشار الله تعالى إليها في كتابه الكريم حين قال : (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون )) . وحين يمن الله تعالى على الإنسان فيعيش أيام هذا الشهر الكريم ولياليه يعيش شعوراً عجيباً يخالج قلبه ، ويفيض على مشاعره ، شعوراً بتلك الروحانية التي تصحب هذا الشهر ، ويجد المسلم بردها وجمالها ولطائفها في جوانب حياته كلها ، وهذه الروحانية تصحب هذا الشهر، وتلازم أيامه كلها . وهذا الوقت بالذات في نظري هو من أخصب أوقات الدعوة والتوجيه لعامة الناس ، فكم من كلمة على بساطتها ولطافتها حوّلت أناساً كانوا يعيشون على هامش الحياة إلى أناس مرموقين فاعلين ، يُشار إليهم بالبنان . فكان نصيب من تحدّث بها أن تحقق له موعود النبي صلى الله عليه وسلم : ( لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ) . وعندما تتأمّل هذا الشهر الكريم ترى فيه إقبالاً كبيراً إلى الخير . فهذه المساجد بحمد الله تعالى تزدحم من كثرة المصلين ، ولك أن تتأمّل هؤلاء المسلمين وهم أوزاعاً داخل المسجد كل يقرأ في كتاب ربه ، ويرجوا أن ينال موعوده. وفي الوقت ذاته يعيش هؤلاء روحانية تخالج قلوبهم ، فيجدون السعادة والراحة والطمأنينة تملئ قلب الواحد منهم . فرأيت أن أشارك هذه الجموع فرحتهم وروحانيتهم ، فسطّرت لهم لطائف روحانية ، اخترتها من كتاب الله تعالى ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعلّقت عليها بما أراه يناسب المقام ، ويقتضيه الحال . وحسبي انني اجتهدت في تدوينها ، وهدفي من ذلك كله أ ن تصل الكلمة الهادفة إلى هذه الجموع وهي تعيش شهرها فتسهم في تنبيه غافل أو تذكير ناسي ، فيتحقق للأمة بعوده خيراً كثيراً . فإن حصل المقصود فذلك كل ما أتمناه وهو خير عوض في وقت وجهد صرف عبر تدوين هذه الأسطر ، وإن لم يتحقق من ذلك شيئ فلي أمل أن تكون النية الصالحة خير عوض فيما فات . سائلاً الله تعالى أن يجعلها من أعمال البر التي أجد ثوابها وبرها بين يدي الله تعالى يوم العرض عليه . إنه ولي ذلك والقادر عليه .

    المؤلف : مشعل بن عبد العزيز الفلاحي
    محافظة القنفذة ـ حلي ـ
    ص . ب : 5 ـ الرمز البريدي : 21972
    MASHAL001@HOTMAIL. COM

    (1)
    بشائر وفضائل

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن مشهد رمضان من المشاهد الحية في حياة المسلمين ، وهذا من توفيق الله تعالى وفضله ، فمشاهد الخير ، وأيام الطاعة ، إذا تحقق للمسلم شهودها كان ممتنّاً بنعمة الله وفضله ، وشهر رمضان من هذه المشاهد العظيمة في حياة المسلمين ، ينتظرونه في كل عام مرة ، ويشهدون بلقياه عظيم الفرحة في قلوبهم . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعُدّ شهود هذا الشهر من نعم الله تعالى فيبشر به عند قدومه حيث جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : (( قد جاءكم شهر رمضان ، شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه ، تفتح فيه أبواب الجنة ، وتغلق فيه أبواب الجحيم ، وتُغل فيه الشياطين ، فيه ليلة خير من ألف شهر من حُرم خيرها فقد حُرم )) (1) . وفي صحيح السنة ما يبين بجلاء عن فضائل عظيمة تصحب هذا الشهر ، وتحل مع قدومه ، وهي كثيرة عظيمة نسوق بعضاً منها . فمن هذه الفضائل :
    أن الصيام : أنه يغفر الذنوب ويكفّر السيئات : قال صلى الله عليه وسلم في : (( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه )) (2)
    ومن فضائله : أن الله تعالى خص نفسه يجزاء الصوم دون غيره فقال صلى الله عليه وسلم قال : قال الله تعالى : (( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به )) (3)
    ومن فضائله : أنه يشفع لصاحبه يوم القيامة : قال صلى الله عليه وسلم : الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ، يقول الصيام أي ربي منعته الطعام فشفّعني فيه ، ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفّعني فيه ، قال : فيشفعان .(4)
    ومن فضائله : أن الصوم وقاية وحجاب من النار قال صلى الله عليه وسلم : الصيام جُنّة يستجن بها العبد من النار .(5)
    ومن فضائله : أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك . قال صلى الله عليه وسلم : (( لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك )) (6)
    ومن فضائله : أن للصائم فرحتان : فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقاء ربه .(7)
    ومن فضائله : أن الله جعل للصائمين باباً خاصاً يدخلون منه يوم القيامة . قال صلى الله عليه وسلم : (( إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لايدخل منه أحد غيرهم يقال : اين الصائمون فيقومون فيدخلون ، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل أحد )) (8)
    ومن فضائله : أن العمرة فيه تعدل حجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال عليه الصلاة والسلام لأم سنان مالك لاتحجي معنا قال : إن فلان له ناضحان حج على أحدهما ، والآخر نتسقي عليه فقال صلى الله عليه وسلم : اعتمري في رمضان فإن عمرة في رمضان كحجة معي .(9)
    الخير بادٍ فيك والإحسان ُ *** والذكرُ والقرآن ُ يارمضانُ
    والصوم فيك عبادة ٌ ورياضةٌ *** تسمو بها الأرواحُ والأبدانُ
    والشّهر فيك مكبّلٌ ومغللُ *** والبرُّ فيك مجلّلٌ هتان ُ
    والليل فيك نسائمٌ هفّافةُ *** رقصت لطيب عبيرها الرّهبانُ
    والفجر فيك عبادةُ وتلاوةُ *** والصبح فيك سِعايةٌ وأمان ُ
    والروح فيك طليقةُ رفرافةٌ *** أحلامها الغفرانُ والرضوانُ
    والجسم فيك حبيسةُ أطماعه *** لا يستريح إذا سما الوجدان ُ
    والناس فيك تآلفٌ قد ضمهم *** وأظلّهم ظلُّ الهدى الفينانُ
    فكأنهم جسمٌ يئن إذا اشتطى *** عضو به وكأنّهم بنيانُ

    وليتأمل متأمل هذه البشائر والفضائل العظيمة بقدوم هذا الشهر المبارك ليجد ثمة فرحة تخالج قلبه ، وتسكن فؤاده ، ويجد فيض أثرها في حياته . وليعلم أن المنح عطايا ، والفضل مكرمات ، وأي منحة ، وأي فضل أعظم من شهود هذا الشهر الكريم فليهنأ المسلم بهذا الفضل وليحمد الله تعالى على ما أولاه من نعمه ، وليكتب بأثره وجهده وعمله قرى هذه الأضياف كما قال السلف : النعم أضياف وقراها الشكر . ومن دلائل الحرمان عافانا الله وإياكم منه أن تجد أحدنا يشهد هذا الشهر ، ويعيش أيامه ، ويرحل من حياتنا دون أن نحسن ضيافته أو نحتفي بمقامه ، بل قد نتجاوز مجرد ضياع الفضل والخير فيه إلى أبعد من ذلك بكثير حين نغمس في الخطيئة في لياليه ، ونعيش في أوقاته وكأنما هي فُرص للمعصية ، وأوقات مهيأة للولوغ في الجريمة ، وحين نكون كذلك فما أحقنا بالعزاء في قلوبنا ، فشهر لا تنعم الروح بلقياه ، ولا تسعد بمصاحبة أيامه روح هي أمس الحاجة إلى عتاب صادق ، ومحاسبة دقيقة قبل رحيل مثل هذه الأيام من حياتها . وفقنا الله وإياكم لاستقبال شهرنا ، وجنبنا الله عواقب الحرمان .

    (2)
    لعلكم تتقون (1)

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    قال الله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون )) سورة البقرة (183) ، فهذه الغاية التي أشار إليها القرآن الكريم من فرضية الصيام غاية عظيمة ، ومقصد نبيل إذا لا يمكن تتصل القلوب بخالقها الاتصال الأمثل إلا من خلال هذا الطريق ، طريق التقوى . والمتأمل في القرآن الكريم يجد حشداً كبيراً من النصوص لتأصيل هذا الجانب في النفس الإنسانية . فقد جاءت الوصية بالتقوى لعموم الناس كما في قول الله تعالى : ((يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس وةاحدة وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً ، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام . إن الله كان عليكم رقيباً )) سورة النساء (1) ، وجاءت الوصية بها للمؤمنين خاصة قال الله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون )) سورة آل عمران (102) ، وجاءت الوصية بها لرسوله وخليله ومصطفاه حين قال الله تعالى : (( يا أيها النبي اتق الله .. الآية )) سورة الأحزاب (1)
    وقد جاء تفسير التقوى عن جمع من السلف رحمهم الله تعالى فهذا علي رضي الله عنه قال : التقوى هي الخوف من الجليل ، والعمل بالتنزيل ، والقناعة بالقليل ، والاستعداد ليوم الرحيل . وقال طلق بن حبيب رحمه الله : هي أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجوا ثواب الله ، وأن تترك معصية الله ، على نور من الله ، تخاف عذاب الله . وجمعها آخرون فقالو: هي أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بفعل أوامره واجتناب نواهيه . ومن أجمل ما دونته سيرة عمر بن عبد العزيز تلك الوصية التي كتب بها إلى أحد رجال ذلك الزمان فقال : أوصيك بتقوى الله عز وجل التي لايقبل غيرها ، ولا يرحم إلا أهلها ولا يثيب إلا عليها ؛ فإن الواعظين بها كثير والعاملين بها قليل ، جعلنا الله وإياك من المتقين . وصدق رحمه الله تعالى في كون الواعظين بها كثير ، والعاملين بها قليل . فإن هذا أوضح ما يكون في مثل هذا الزمان . وإلا فهي أعظم عاصم عن الفتنة ، وأقوى حجاباً عن المعصية ، وهي ستار واق بين العبد وبين الرذائل من الأقوال والأفعال ، وما سكنت قلب إلا ازدادت طمأنينته ، وعظم خوفه ، وقرب من ربه ، وراج ذكره بين الناس . قال بن رجب رحمه الله تعالى : ومن صار له هذا المقام حالاً دائماً أو غالباً ـ يعني التقوى ـ فهو من المحسنين الذين يعبدون الله كأنهم يرونه ، ومن المحسنين الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم . وفي الجملة فتقوى الله في السر هي علامة كمال الإيمان ، ولها تأثير عظيم في إلقاء الله لصاحبه الثناء في قلوب المؤمنين . قال أبو الدرداء : ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر ، يخلو بمعاصي الله ، فيلقي الله له البغض في قلوب المؤمنين . وقال سليمان التيمي : إن الرجل ليصيب الذنب في السر ، فيصبح وعليه مذلته . وقال غيره : إن العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبين الله تعالى ، ثم يجيء إلى إخوانه فيرون أثر ذلك عليه ، وهذا من أعظم الأدلة على وجود الإله الحق المجازي بذرّات الأعمال في الدنيا قبل الآخرة ، ولا يضيع عنده عمل عامل ، ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار ، فالسعيد من أصلح ما بينه وبين الله تعالى ، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله تعالى أصلح الله ما بينه وبين الخلق ، ومن التمس محامد الناس بسخط الله عاد حامده من الناس ذاماً له . ومن أعجب ما روي في هذا ما روي عن أبي جعفر السائح ؛ قال : كان حبيب أبو محمد تاجراً يكري الدراهم ، فمر ذات يوم بصبيان ، فإذا هم يلعبون ، فقال بعضهم لبعض : قد جاء آكل الربا . فنكّس رأسه وقال : يارب ! أفشيت سري إلى الصبيان . فرجع ، فجمع ماله كله ، وقال : يارب إني أسير ، وإني قد اشتريت نفسي منك بهذا المال فأعتقني ، فلما أصبح تصدق بالمال كله ، وأخذ في العبادة ، ثم مر بأولئك الصبيان ، فلما رأوه قال بعضهم لبعض : اسكتوا ، فقد جاء حبيب العابد . فبكى وقال : يارب أنت تذم مرة وتحمد مرّه وكله من عندك .(10)
    أطلق الأرواح من أصفادها *** في بهيج من رياض الأتقياء
    غادياتٍ رائحاتٍ كالسّنا *** سابحات بسن آفاق الضياء
    إنها ياشر ظمأى فاسقها *** مشتهاها من ينابيع الصفا
    شهوة الأجساد قد ألقت *** بها في قفار ، ليس فيها من رَوَاء
    ماغذاء الجسم في ألوانه *** فيه للأرواح شيء من حِباء
    إنما الأرواح تحيا بالذي *** في صيام الجسم تُزجيه السماء
    إن رمضان أيها الصائمون من أعظم الفرص لتحقيق هذه التقوى ، وعلينا أن ندرك أن الذنب مهما صغُر في عين مرتكبه إنما يخرم سياج هذه التقوى ، فيحرم الإنسان كمالها ، وحين تستمر الخطيئة يتسع الخرق فتضيع هذه التقوى بالكلية من القلب ، وحين يكون ذلك عافانا الله وإياكم يعيش الإنسان أشبه شيء بالأنعام . وفقنا الله وإياكم لتحقيق هذه التقوى ، وجعلنا ممن يخشاه في السر والعلن . وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

    (3)
    لعلكم تتقون (2)

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن العبد الصالح متى ماالتزم العبادة ، وتمسّك بها قرُب من ربه تبارك وتعالى ، ولا زال سائراً في طريق العبودية حتى يصل لدرجة الولاية التي أخبر الله تعالى عنها في الحديث القدسي بقوله : (( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب )) . (11) والعبادة جزء من ركن التقوى العظيم الذي هو : امتثال أمر الله تعالى ، والصائم أحق من بحث عن سر الولاية بينه وبين الله تعالى ، ومتى ما وجده فرح به وسُر ، وجدّ في الإقبال عليه والتمسك به ، والصلاة صلة بين العبد وربه ، وحبل متين في تحصيل هذه الولاية ، وما رأيت مسلماً محافظاً على هذه الصلاة إلا رجوت له الخير في عاجل أمره وآجله ، والأمثلة الحية التي نراها اليوم لمثل هؤلاء هي أصدق شاهد على ما نقول . وحين يحافظ المسلم الصائم على هذه الفريضة ، بتحصيل أركانها ، وواجباتها ، وشروطها ، ويقيمها القيام الأمثل وفق ما جاءت بالسنة حينها إنما يتعرّض لنفحات ربه ، وكرم مولاه ، وفضل خالقه الذي جاء في أحاديث متكاثرة في الفرض والنافلة ففي الفريضة يقول صلى الله عليه وسلم فيما يريه عن ربه تبارك وتعالى : (( وما تقرّب إلى عبدي بأحب مما افترضته عليه )) .(12)
    وفي حديث أنس ابن مالك رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من صلى لله أربعين يوماً بدرك التكبيرة الأولى ، كتب له براءتان : براءة من النار ، وبراءة من النفاق . )) (13) وفي حديث أبي هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه ويسبغه ، ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه ، إلا تبشبش الله إليه كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته .(14) وقال صلى الله عليه وسلم : (( من صلى الصبح فهو في ذمة الله ... الحديث ) .(15) وقال صلى الله عليه وسلم : (( من صلى العشاء في جماعة فكأنما قال نصف الليل ، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله ))(16)
    وفي باب النافلة يقول صلى الله عليه وسلم :: (( ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير الفريضة إلا بنى الله له بيتاً في الجنة ، أو بُني له بيت في الجنة ))(17) . وعنها رضى الله عنها قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر ، وأربع بعدها ، حرّمه الله على النار )) (18) وعن ابن عمر رضى الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( رحم الله امرءاً صلى قبل العصر أربعاً )) (19) . وعن عبد الله بن مغفّل رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( صلوا قبل المغرب ، صلوا قبل المغرب ، صلوا قبل المغرب )) ثم قال في الثالثة : لمن شاء .(20) . وعن أبي ذر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة : فبكل تسبيحة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وكل تهليلة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ، ونهي عن المنكر صدقة ، ويجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى ))(21) . ومن أعظم النوافل في هذا الشهر الكريم : قيام الليل ، قال صلى الله عليه وسلم : (( إن الله يتنزل في ثلث الليل الآخر من كل ليلة فيقول : هل من سائل فأعطيه ، هل من داع فأستجيب له ....... وذلك في كل ليلة . )) .(22) وحين تغيب عنا هذه الفضائل التي تحققها الصلاة في حياة الواحد منا ، يمكن أن نستشهد على فضلها بما قاله ابن القيّم رحمه الله تعالى حين قال : الصلاة مجلبة للرزق ، حافظة للصحة ، دافعة للأذى ، مطردة للأدواء ، مقوّية للقلب ، مبيّضة للوجه ، مفرحة للنفس ، مذهبة للكسل ، منشّطة للجوارح ، ممدة للقوى ، شارحة للصدر ، منورة للقلب ، حافظة للنعمة ، دافعة للنقمة ، جالبة للبركة ، مبعدة من الشيطان ، مقرّبة من الرحمن ... وبالجملة فلها تأثير عجيب في حفظ صحة البدن والقلب وقواهما ، ودفع المواد الرديئة عنها ، وما ابتلي رجلان بعاهة أو داء ، أو محنة أو بلية ، إلا كان حظ المصلي منهما أقل ، وعاقبته أسلم ، وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا ، ولا سيما إذا أعطيت حقها من التكميل ظاهراً وباطناً ، فما استدفعت شرور الدنيا والآخرة ، ولا استجلبت مصالحهما بمثل الصلاة ؛ وسر ذلك أن الصلاة صلة بالله ـ عز وجل ـ وعلى قدر صلة العبد بربه تُفتح عليه من الخيرات أبوابها ، وتقطع عنه من الشرور اسبابها ، وتفيض عليه مواد التوفيق من ربه ـ عز وجل ـ والعافية والصحة والغنيمة والغنى والراحة والنعيم والأفراح والمسرات كلها محضرة لديه ومسارعة إليه .(23)
    جعلنا الله وإياكم من أهل الصلاة المحافظين عليها .


    (4)
    فيدارسه القرآن (1)

    القرآن الكريم كتاب الله تعالى وهو كلامه الذي أوحاه إلى جبريل فنزل به على أفضل رسول رسول هذه الأمة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وقد أبان الله تعالى عن فضل هذا القرآن وعظمته فقال تعالى : (( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً )) وقال تعالى : (( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للعالمين )) إلى غير ذلك من الآيات التي وردت في بيان عظمة هذا القرآن وفضله على سائر الكتب السماوية . وقد استفاضت الأحاديث في السنة النبوية عن فضل قراءة هذا الكتاب الكريم وأبانت عن أجور عظيمة لقارئ هذا القرآن . من ذلك ما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مثل الذي يقرأ القرآن كمثل الأترُجّة ، ريحها طيّب وطعمها طيب ، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمُها حلو . ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها وطيب وطعمها مر ، ومثل المنافق الذي لايقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر ))(24) . وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار ، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ))(25) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيُحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خَلِفَات عِظام سِمان ؟ ) قلنا : نعم . قال : ( فثلاث آيات يقرأ أحدكم بهن في صلاته خير له من ثلاث خَلِفات عظام سمان )(26) . وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصُّفّة فقال : (أيُّكم يُحب أن يغدوا كل يوم إلى بُطْحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوَماوْين ، في غير إثم ولا قطع رحم ؟) فقلنا يارسول الله ! نُحب ذلك . فقال : ( أفلا يغدوا أحدكم إلى المسجد فَيَعْلَمَ أو يقرا آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين . وثلاث خير له من ثلاث . وأربع خير له من أربع . ومن أعدادهن من الإبل . ؟ )(27) . وعن عائشة رضي الله عنها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مثل الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة ، ومثل الذي يقرأ القرآن وهو يتتعتع فيه وهو عليه شديد فله أجران ))(28) . وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول الم حرف ، ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، ميم حرف . (29) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأوا القرآن ، فإنه نعم الشفيع يوم القيامة ، إنه يقول يوم القيامة يارب : حلِّه حلية الكرامة ، فيُحلى حلية الكرامة ، يارب اكسه كسوة الكرامة ، فيكسى كسوة الكرامة ، يارب ألبسه تاج الكرامه ، يارب أرض عنه فليس بعد رضاك )(30)
    ، غير أن من المعلوم المجزوم به أنه ينبغي لقارئ أن يعتني بتدبر هذا الكتاب ولا يكون همه وشغله أن يختمه فقط فإنه ربما يكون قليل النفع والفائدة له في حياته فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يخبر عن الحالة التي ينتفع فيها القلب بالقرآن فيقول : إن أقواماً يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع . ولهذا يقول الآجرّي رحمه الله تعالى : فالمؤمن العاقل إذا تلا القرآن استعرض القرآن فكان كالمرآة يرى بها ما حسُن من فعله ، وما قبُح فيه فما حذّره مولاه حذره وما خوّفه به من عقابه خافه ، وما رغّب فيه مولاه رغب فيه ورجاه فمن كانت هذه صفته أو ما قارب هذه الصفة فقد تلاه حق تلاوته ورعاه حق رعايته وكان له القرآن شاهداً وشفيعاً وأنيساً وحرزاً ، ومن كان هذا وصفه نفع نفسه ونفع أهله وعاد على والديه وعلى ولده كل خير في الدنيا والآخرة . .. وكان القرآن له شفاء فاستغنى بلا مال ، وعزّ بلا عشيرة ، وأنس مما يستوحش منه غيره ، وكان همه عند التلاوة للسورة إذا افتتحها : متى أتعظ بما أتلوه ؟ ولم يكن مراده : متى أختم السورة ؟ وإنما مراده متى أعقل عن الله تعالى الخطاب ، متى أزدجر ؟ متى أعتبر ؟!
    لأن تلاوة القرآن عباده والعبادة لا تكون بغفلة (31) . وقال ابن القيّم رحمه الله تعالى حاضاً على التدبر : فليس أنفع للعبد في معاشه ومعاده ، وأقرب إلى نجاته من تدبّر القرآن ... اهـ (32) . ولأهمية هذا الجانب كان مالك ابن دينار ينادي ويقول : مازرع القرآن في قلوبكم يا أهل القرآن ؟ ! إن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض . وهذا القرطبي رحمه الله تعالى يقول : فكانت حالهم ـ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ـ عند الواعظ الفهم عن الله تعالى ، والبكاء خوفاً من الله ، ولذلك وصف الله أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكر الله وتلاوة كتابه فقال : (( وإذا سمعوا ما أنزل على الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنّا فاكتبنا مع الشاهدين .)) سورة المائدة (38) ، هذه بعض فضائل قراءة هذا الكتاب الكريم والتي أرشد إليها مبلغ الوحي عليه الصلاة والسلام وهي فضائل لا تُستجمع إلى في مثل هذا الكتاب العزيز ، وشهر رمضان بالذات هو شهر القرآن ، وفيه نزل كما أرشد الله إلى ذلك في قوله تعالى : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ....... الآية . وقد عارض به جبريل نبي الهدى صلى الله عليه وسلم في كل عام مرة ، وعارضه في العام الذي تُوفّي فيه مرتين ، فجدير بأهل الصوم أن يغتنموا هذه الأيام ، وأن يعيشوا هذه الفضائل مع كتاب ربهم تبارك وتعالى ، سائرين على منهج سلفهم المبارك حيث كانوا يشتغلون بالقرآن في هذا الشهر وترك ما سواه كما أُثر عن كثير منهم أنهم يُغلقون دور العلم ، ويقتصرون في هذا الشهر على قراءة هذا الكتاب وتأمله ، وتدبّره فليكن لنا فيهم قدوة ، وبهم أسوة . أعننا الله وإياكم على القيام بواجب هذا القرآن في شهر رمضان المبارك .


    (5)
    فيدارسه القرآن ( 2)

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    لقد كان القرآن الكريم مدرسة ربانية تربى فيها المسلمون الأوائل حينما أدركوا أن الفلاح والنجاح منوطاً بالإقبال على هذا القرآن وفهم معانية ، ولذلك كانت قراءتهم قراءة تدبُّر ، وفهم للمعاني ، ونقلت لنا السير حال القوم عند قراءة القرآن والإقبال عليه فهذا رسول الهدى صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء .(33) . وبات ليلة من الليالي يقرأ آية ويرددها حتى بلق الفجر وهي قوله تعالى : (( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم .)) سورة المائدة (118) ، وهذا ابن مليكة رحمه الله تعالى يقول : سافرت مع ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ من مكة إلى المدينة فكان يقوم نصف الليل فيقرأ القرآن حرفاً حرفاً ثم يبكي حتى تسمع له نشيجاً ويقول اسحاق ابن إبراهيم الطبري عن الفضيل ابن عياض ـ رحمه الله تعالى ـ كانت قراءته شهية بطيئة مترسلة كأنه يخاطب إنساناً ، وكان إذا مرّ بآية فيها ذكر الجنة يردد فيها ويسأل . وعن سعيد ابن جبير ـ رحمه الله تعالى ـ أنه ردد قوله تعالى : (( واتقوا يوماً تُرجعون فيه إلى الله )) البقرة (281) .. وردد قول الله تعالى : (( فسوف يعلمون * إذِ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يُسحبون )) غافر (71) ، وروي أنه أحرم بنافلة فاستفتح إذا السماء انفطرت فلم يزل فيها حتى نادى مناد السحر . وعن عامر ابن عبد قيس ـ رحمه الله تعالى ـ أنه قرأ ليلة سورة المؤمن ، فلما انتهى إلى قوله تعالى (( وأنذرهم يوم الآزفة إذِ القلوب لدى الحناجر كاظمين )) غافر (18) ، فلم يزل يرددها حتى أصبح ، ونقل عنه أنه قرأ قوله تعالى (( فقالوا ياليتنا نُرد ولا نكذّب بآيات ربنا )) الأنعام (27) . فجعل يبكي ويرددها حتى أسحر . وردد الحسن البصري رحمه الله ليلة : (( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها )) النحل (18) ، حتى أصبح فقيل له في ذلك فقال : إن فيها معتبراً ما نرفع طرفاً ولا نرده إلا وقع على نعمة ، ومالا نعلمه من نعم الله أكثر . وبات تميم الداري يردد قول الله تعالى : (( أم حسب الذين يعملون السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات )) الجاثية (21) . قال النووي رحمه الله تعالى : وقد بات جماعة من السلف يتلوا الواحد منهم الآية الواحدة ليلة كاملة أو معظمها يتدبرها عند القراءة (34). وقال ابن القيّم رحمه الله تعالى : هذه كانت عادة السلف يردد أحدهم الآية إلى الصبح . . وقال رحمه الله تعالى : فإذا قرأه بتفكّر حتى إذا مر بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه ، كررها ولو مئة مرة ولو ليلة ، فقراءة آية بتفكّر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبّر وتفهّم ، وأنفع لقلب ، وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن . وقال ابن قدامه رحمه الله تعالى : وليعلم ان ما يقرأه ليس بكلام بشر ، وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه ، ويتدبر كلامه ، فإن التدبّر هو المقصود من القراءة ، وإن لم يحصل التدبّر إلا بترديد الآية فليرددها . اهـ . (35) هكذا كانت حياة القوم ، وهكذا كانت قراءتهم وملازمتهم لكتاب ربهم تبارك وتعالى ، أفلا ترون أيها الصائمون أننا في أمس الحاجة إلى هذه النوعية من الإقبال والقراءة والتدبّر ؟ إن أخذ كتاب الله تعالى على أنه مصدر عز الأمة وفلاحها هو الحل لأن نعود إلى هذا القرآن من جديد . وحين يتحقق ذلك في واقع الأمة تحقيقاً عملياً حينها يمكن أن نحقق لذواتنا وأمتنا الأمل المنشود .
    نفعنا الله وإياكم بالقرآن ورزقنا تبره وفهم معانية إنه ولي ذلك والقادر عليه .




    (6)
    العمرة في رمضان

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن العمرة في رمضان من الفرص العظيمة التي ينبغي للصائم أن يحرص عليها ، وحريّ بالواحد منا أن يمّم وجهه إلى تلك البقاع المباركة لينال موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال صلى الله عليه وسلم قال : ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما .... الحديث ) (36) وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحاج المعتمر وفد الله تعالى . (37) . وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال صلى الله عليه وسلم لأم سليم عمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي .(38) . وحينما يعتمر الصائم خلال أيام هذا الشهر المبارك أنما ينال من فضل الله تعالى وعظيم أجره الشيء الكثير . فاحرص أيها الصائم الكريم على أداء هذه العمرة في مثل هذه الأيام . وإذا نويت السفر لهذه العمرة المباركة فلا تنسى حفظك الله تعالى أن تتزوّد بالمال الحلال ، وإياك أن يصحبك في هذه الرحلة مال مظلوم من أجير أو نحوه أو مال ربا ، أو مال أخذته دون أن يكون لك فيه حق فإن الله تعالى لايقبل إلا ما كان طيباً ، وليكن حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه : إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً ، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال تعالى : (( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً )) الآية ، وقال تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات مارزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون )) ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ، يمد يديه إلى السماء يارب ، يارب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب له ؟ (39) . وإذا جد عزمك على الرحيل فتخلّص من هذه الحقوق ، وليكن لك نفس تواقة إلى العفو والصفح فحقيق بمن يقطع أميال كبيرة نحو بيت الله يرجو ثواب الله تعالى أن يتجرد من الخصام والنزاع والفرقة والشتات بينه وبين جيرانه وأهله وإخوانه ، وليكن حديث رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم حين قال : ( تعرض الأعمال على الله تعالى كل اثنين وخميس فيغفر الله لكل عبد لايشرك به شيئاً إلا المتخاصمين فيقول الله تعالى : انظروا هذين حتى يصطلحا ) . (40) على بالك حين سفرك المبارك . وخير لك قبل أن تنوي سفرك أن تتجرد من كل حقوق بني آدم . وحينما تبدأ طريقك تذكّر دعاء السفر ، ولازم الدعاء فإن للمسافر دعوة لاترد . فإذا وصلت إلى الميقات فتجرد من ثيابك واغتسل وتطيب ثم ألبس إحرامك إزار ورداء ثم أنوي بقلبك أداء هذه العمرة ولبي بها قائلاً لبيك اللهم عمرة . واشتغل في طريقك بالتلبية ، وذكر الله تعالى ، وقراءة القرآن فإذا وصلت إلى بيت الله تعالى فابدأ بالطواف من الحجر الأسود وحافظ على سنية الاضطباع كما فعل رسولك صلى الله عليه وسلم وطف سبعة أشواط مشيراً بيديك إلى الحجر قائلاً الله أكبر متخشعاً ، ذاكرا ، منيباً ، أوّاباً ، تذكر خطيئتك وذنبك وتقصيرك في جنب مولاك وليكن دعاءك إلى الله تعالى برغبة ورهبة مؤملاً الخير داعياً بالبر ، وتخير من الدعاء جوامعه وليس هناك دعاء معين إلا ما بين الركن اليماني والحجر الأسود فردد دائماً في كل شوط : اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار . فإذا ما أتممت أشواط الطواف السبعة فصلي ركعتين خلف المقام إن تيسر أو في أي مكان آخر ، ثم إذا انتهيت فتوجه إلى المسعى فإذا وصلت إلى الصفا فارقاه واقرأ قول الله تعالى : (( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما ، ومن تطوع خيراً فهو خير له ...... الآية ) سورة البقرة ، ثم استقبل القبلة وارفع يديك للدعاء واقرأ هذا الدعاء : لا إله إلا الله وحده لاشريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله نصر عبد وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده وكررها ثلاث مرات وادعو الله تعالى ثم انصرف إلى المروة داعياً ، متخشعاً لمولاك جل وعلا واشتغل بالدعاء والذكر وقراءة القرآن وإذا وصلت إلى العلمين الأخضرين فاسعى سعياً شديداً وهذا خاص بالرجل أما المرأة فتقتصر على المشي فقط دون السعي . فإذا وصلت إلى المروة فاستقبل القبلة وارفع يديك واذكر الدعاء الذي ذكرته على الصفا ثلاثاً وزد من الدعاء لربك ما تراه مناسباً من أمر دينك أو دنياك ، وهكذا سبعة أشواط فإذا أنتهيت من هذا السعي فلم يبق عليك إلا أن تحلق رأسك أو تقصره والحلق أفضل وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثاً ، وللمقصرين مرة واحدة ، ومن المهم أن تدرك أنك إذا أحببت أن تقصّر فلا بد من تعميم الرأس ، أما المرأة فتأخذ من رأسها بقدر أنملة .ولتكن آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ، حسن التعامل مع المعتمرين والزائرين لبيت الله تعالى . وبتمام هذا الأمر تكون قد انتهيت من أداء هذه المناسك .فسفراً سعيداً وعمرة متقبلة . وعدت إلى أهلك سليماً والله يتولاك برعايته .


    (7)
    فإن سابه أحد

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    لقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالاً واضحاً لحسن الأخلاق في شهر رمضان حين قال صلى الله عليه وسلم : ( ....... فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني امرؤ صائم )(41) فيرسم النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر هذا المثال أوضح المعاني على تأثُّر الصائم الكريم بالأخلاق الفاضلة ، وهذا المعنى واضح جداً من سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حين زكاه الله تعالى بقوله : (( وإنك لعلى خلق عظيم )) سورة القلم (4) ، وحين سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم فقالت في أروع تعبير وأشمله : كان خلقه القرآن . ومنزلة الأخلاق عظيمة جداً في ميزان الإسلام فهاهو صلى الله عليه وسلم يقول : (( ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق ) (42) وفي رواية : وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة . وفي رواية له : ( ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن ، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء ) . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم )(43) وفي حديث أبي هريرة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة ؟ فقال : ( تقوى الله وحسن الخلق )(44) وفي حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (...... أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ) .(45) . وفي حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن من أحبكم إلىّ وأقربكم مني منزلاً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً وإن أبغضكم إلىّ وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون )(46) . إن الأخلاق الكريمة هي التي يجد فيها الإنسان عند الآخرين نوعاً من الدفء الروحي الذي يجعله يتقرب إليهم دون أن يشعر أنهم يأسرونه بهذه الأخلاق . وكلما كان الإنسان رفيقاً رحيماً يملئ حياته العطف ويفيض على روحه الحنان كلما كان مألوفاً لدى من يعاشره أو يجالسه ، ومتى ما كان الإنسان كذلك متى مافتحت له أبواب الرحمة على مصراعيها . إن الصائم أيها المسلمون يجد ألم الجوع وحرارة الظمأ تستعر في قلبه مما يولد لديه ضيق الأفق فيتصرف أحياناً تصرفات غير لائقة مع من يلقاه من الناس نتيجة هذا الجوع والعطش . أما من يدرك هذه الفضائل التي رتّب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأجر على تحقيقها فإنه مهما قابل في طريقه فإنه يبقى حريصاً على تحقيق معاني الصوم الحقيقية في حياته فلا يجد تعبيراً أصدق من قوله للطائشين الذين لايدركون معنى الصيام من قوله : اللهم إني صائم . إن أولئك الذين يتجاوزون هذه المعاني لم يرتوا بعد من هذه التعاليم التي أسداها إليهم نبي الهدى صلى الله عليه وسلم ، وتمثّلها واقعاً حياً في حياته صلى الله عليه وسلم . وآن اليوم بالذات أن نراجع أنفسنا ، وأن نعيد ترتيب ذواتنا من جديد . والخصام والنزاع في أيام شهر رمضان بالذات دليل على فقد روحانية الصيام ، وضعف تأثيره في النفوس ، بل هو في حد ذاته إدبار عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم حين ارشد إلى هذا العلاج عند حدوث مثل هذه النزاعات . جعلنا الله وإياكم مّمن تمثّل هدي النبي صلى الله عليه وسلم في حياته في كل شئون حياته .

    (8)
    صلة الأرحام

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن شهر رمضان شهر البر والصلة ، فيه تمتد الصلة بين الأقارب إلى أبعد ما يمكن أن يجده الإنسان في حياته من بر ومعروف ، وحين تتأمل في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية تجد حثاً عجيباً على صلة الأرحام ووعيداً شديداً لقطّاعها . قال الله تعالى : (( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم )) سورة محمد (22) ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله خلق الخلق ، حتى إذا فرغ من خلقه ، قالت : الرحم : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، قال : نعم ، أما ترضين أن أصل من وصلك ، وأقطع من قطعك ؟ قالت : بلى يارب ، قال : فهو لك ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فاقرؤوا إن شئتم : (( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم )) .(47) وقال صلى الله عليه وسلم : ( خلق الله الخلق فلما فرغ منه قامت الرحم ، فأخذت بحقو الرحمن ، فقال له : مه ، قالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، قال : ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ؟ قالت : بلى يارب ، قال : فذاك ) .(48) وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من سره أن يبسط له في رزقه ، أو ينسأ له في أثره ، فليصل رحمه )(49) وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الرحم شُِجنة من الرحمن ، فقال الله : من وصلك وصلته ، ومن قطعك قطعته )(50) وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحم معلقة بالعرش تقول : من وصلني وصله الله ، ومن قطعني قطعه الله )(51) وعن جبير بن مطعم : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لا يدخل الجنة قاطع ) .(52) و عن أبي هريرة أن رجلاً قال : يارسول الله إن لي قرابة . أصلهم ويقطعوني . وأحسن إليهم ويسيئون إلىّ . وأحلم عنهم ويجهلون علىّ . فقال : ( لئن كنت كما قلت ، فكأنما تُسفّهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ، مادمت على ذلك ) .(53) وعن عبد الله بن عمرو : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس الواصل بالمكافئ ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحمه وصلها ) (54)
    إن البر والصلة من أعظم الدلالات على شمولية هذا الدين ، وفي هذه الأحاديث من الفضل لأهل الصلة والبر الشيء العظيم ، وفيها من الوعيد الشديد لأهل القطيعة مافيها ، وفي رمضان بالذات تتجلى هذه الأحاديث في واقع الناس فتكثر الزيارات بين الأهل والأرحام ، وتزداد عُرى الصلة ، وتوثّق علائق الرحمة فيما بينهم وهنيئاً أيها الصائمون لمثل بمثل هذا الخير العظيم . والعتبى على قوم لم تزدهم الأيام إلا فُرقة ، وجاء رمضان لكنه لم يقدم في حياتهم جديد ، وبقي الخصام والنزاع ، وأيام الهجر شواهد حال يشهدها رمضان ، ثم يخرج دون جديد . إن هذه النفوس قد تكون نفوس مشؤومة ، وقد يصعب عليها لقاء ربها يوم تقف بين يديه جل وعلا في عرصات القيامة ، وقد تنسى هذا الهجر في تلك المواقف فلا تنتبه إلا حين تنادي الرحم هناك باريها : يارب هذا ممن هجرني ونسي رحمي فاقتص لي منه يارب العالمين . وحين ما يتحقق ذلك لا يجدي النفس المحرومة من الرحمة والعطف البكاء ، ولا ينفعها العويل ، بل تضطر مرغمة إلى مس حرارة الجحيم .

    (9)
    فلا يرفث ولا يجهل

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن الصيام الذي أوجبه الله تعالى على عباده في هذا الشهر الكريم ، يتجاوز معناه مجرد ترك الطعام والشراب و أرشد صلى الله عليه وسلم إلى ذلك حين قال عليه الصلاة والسلام : (( قال الله تعالى : كل عمل ابن له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ، والصيام جُنّة ، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ، ولا يجهل ، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل : إني امرؤ صائم ......))(55) . قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى معلقاً على الحديث : فلا يرفث : المقصود بالرفث الكلام الفاحش ، وهو يطلق على هذا وعلى الجماع وعلى مقدماته ، وعلى ماذكره مع النساء أو مطلقاً ، ويحتمل أن يكون لما هو أعم منها . وقوله : فلا يجهل : أي لا يفعل شيئاً من أفعال الجهل كالصياح والسفه ونحو ذلك . اهـ(56) وفي هذا الحديث بيان للمشروعية التي شرع من أجلها الصيام . إن الكف عن أعراض الناس بعدم الجهل أو التطاول عليها أمر حددته مشروعية الصيام ، وإذا لم نحققه في حياتنا واقعاً ملموساً فإن في صومنا قدح وشرخ لمخالفتنا لهذه الوصية العظيمة من وصايا نبينا صلى الله عليه وسلم . ولك أن تتأمّل هذه الوصية جيداً ثم تعرض حال الصائمين عليها خلال أيام صومهم لتجد فرقاً وبوناً شاسعاً بين هذه الوصية وواقع الناس أثناء صومهم . ولك أن ترى ذلك الصائم الذي جاع وعطش من أثر الصيام وبان ذلك على محياه ثم في الوقت ذاته لا تجده يرعوي عن الخصومة الجائرة لأدنى خلاف ، ثم قد يتجاوز في خصومته الأدب الإسلامي فيسب من خاصمه ، ويقدح في عرضه ، ويفشي سره ، ويهتك عرضه ناسياً أو متناسياً هذا التوجيه الرباني العظيم فأي معنى للصيام ؟ ولك أن ترى في صورة ثانية ذلك الذي يجلس المجالس الطويلة فلا تجد ما يتحدث به غير الغيبة التي يتسلى بها على أعراض المسلمين ، فيذكر من أخبارهم ، وحياتهم ما يقدح في أشخاصهم ، ويثلب مقاماتهم ، ونسي المسكين أنه أبخس صومه حين تجاوز هذه المحرمات ، فصام بطنه عن الطعام والشراب وأفطر لسانه على كبيرة من كبائر الذنوب ، وتناسى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال : أتدرون ما المفلس ؟ فقالوا : المفلس منا من لادرهم له ولا متاع فقال : إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيعطى هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طُرح في النار )) .(57) وقد قرر الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره : أن الغيبة كبيرة من كبائر الذنوب . وأن الله تعالى صور المغتاب في صورة بذيئة حين حكى عنه أنه يشبه من جثى على أخيه وهو مستلق ميت فجعل يأكل من لحمه كما قال الله تعالى : ....... (( ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه ... الآية )) سورة الحجرات ، أو لك أن ترى ذلك الصائم الذي يصوم بطنه عن الطعام والشراب بينما عيناه تتسلّق إلى عورات المسلمين ، فيرنو بطرفه هناك إلى سُتر بيوت مرخاه ليكشف سترها ، ويشيع الفاحشة فيها ، أو يرنو بطرفه إلى قناة فضائية يشهد فيها بعينه صور نساء عاريات يتسلى بهذا الوقت إلى بلوغ الغروب ، ونسي المسكين أن شمسه غربت جداً حين طمس بعينه في ما يسخط الله تعالى . أو لك أن ترى في صورة أخرى صائم يتسلى لقضاء وقته بشريط غنائي يلهو عليه ، ويبعثر به وحشية الشهوة ، ويثير في حياته التطلع إلى الحرمات . أو قل ربما يكون صائم عن كل ذلك ، وتحقق في يومه معاني الصيام التي جاءت بها الأحاديث لكنه في المقابل ينتظر الإفطار بفارق الصبر لا ، ليحمد الله على قضاء يوم في حياته بهذه الروحانية إنما ينتظر أن يشعل سيجارة تافهة في زوايا بيته أو ربما يتمنى عجلة من الوقت ليركب سيارته متجهاً في ساعات مبكرة إلى إحدى المقاهي المجاورة . إلى غير ذلك من الصور التي تخالف هذا التوجيه الرباني الكريم . إن هؤلاء جميعاًَ بين أمرين لا ثالث لهما إما أنهم يجهلون هذه الأحكام ، وحين يتضح لهم الحكم الشرعي في مثل هذه الممارسات فلن تجاوزوا هذه التوجيهات الربانية لأن الجاهل إذا انقشع عنه الجهل تمثّل للحق وعمل به . وإما إنهم يدركون هذه المعاني . فقط الشهوات حجبت عنهم معالم الهداية للحق فهؤلاء على شفا جرف هار ، والأيام حبالى بالمجهول ، فالله الله أن نكون ضحايا هذه الدنيا العريضة وحينئذ لن يفرح بمثل هذه النهايات إلا إبليس . عافانا الله وإياكم من البلاء والخذلان ووفقنا إلى معرفة الحق والأخذ به ، وجعلنا ممن يقومون بواجب هذا الشهر على وجه التمام ، والله المستعان وعليه التكلان .


    (10)
    الذكر فضائل وثمار

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن شهر رمضان من أنفس الأوقات في حياة المسلم ، وهو من الفرص العظيمة التي قد لا تتكرر مرة أخرى ، ولذا كان من المهم جداً في حياة المسلم أن يغتنم أيامه ولياليه في القربات ، فالذكر قوت القلوب ونعيمها ، وسر حياتها وحبورها . وذكر الله تعالى من الطاعات التي ينبغي العناية به إذ هو كما يقول ابن القيّم رحمه الله تعالى : الذكر من أيسر العبادات ، وهو من أجلّها وأفضلها ، فإن حركة اللسان أخف حركات الجوارح وأيسرها ، ولو تحرك عضو من الإنسان في اليوم والليلة بقدر حركة لسانه لشق ذلك عليه غاية المشقة ، بل لا يمكنه ذلك .(58)
    وفي طيات السنة النبوية أحاديث متكاثرة تبين عن فضل هذه العبادة وشرفها للمؤمن . من هذه الأحاديث ماجاء عن أبي هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( كلمتان خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان في الميزان ، حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم . ))(59) . وعنه رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لأن أقول : سبحان الله ، والحمد لله ؛ ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، أحب إلىّ مما طلعت عليه الشمس ))(60) . وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من قال لاإله إلا الله وحده لاشريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، في يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب ، وكُتبت له مئة حسنة ، ومحيت عنه مئة سيئة ، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه )) .(61) وقال صلى الله عليه وسلم : (( من قال : سبحان الله وبحمده في يوم مئة مرة حُطّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ))(62) . وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (( أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة فسأله سائل من جلسائه : كيف يكسب ألف حسنة ؟ قال : (( يسبح مئة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة أو يُحط عنه ألف خطيئة ))(63) . وعن أبي هريرة رضى الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( يقول الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ، ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ))(64) ، وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( سبق المفرّدون )) قالوا : وما المفرّدون يارسول الله ؟ قال : (( الذاكرون الله كثيراً والذاكرات ))(65) . وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ألا أنبئكم بخير أعمالكم ، وأزكاها عند مليككم ، وأرفعها في درجاتكم ، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة ، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ، ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا : بلى ، قال : (( ذكر الله تعالى ))(66) . قال ابن القيّم رحمه الله تعالى : وفي الذكر نحو من مئة فائدة : أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره ، وأنه يرضي الرحمن عز وجل ، وأنه يزيل الهم والغم عن القلب ، وأنه يجلب للقلب الفرح والسرور والبسط ، وأنه يقوّي القلب والبدن ، وأنه ينوّر الوجه والقلب ، وأنه يجلب الرزق ، وأنه يكسوا الذاكر المهابة والحلاوة والنضرة ، وأنه يورث المحبة التي هي روح الإسلام وقطب رحى الدين ، ومدار السعادة والنجاة ، فمن أراد أن ينال محبة الله عزوجل فليلهج بذكره . وأنه يورث حياة القلب ، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه يقول : الذكر للقلب مثل الماء للسمك ، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء ؟ وأنه قوت القلب والروح فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته . وحضرت شيخ الإسلام مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار ، ثم التفت إلىّ وقال : هذه غدوتي ولولم أتغذ هذا الغذاء سقطت قوتي ، أو كلاماً قريباً من هذا . اهـ (67) هذه بعض من الآثار التي وردت في فضل الذكر ، وهذه بعض فوائده ، وحريّ بنا في شهر رمضان أن نقبل على هذه العبادة ، وأن نعبّ من معينها ، فثمارها قريبة ، وغنيمتها كبيرة ، وإن لم يكن رمضان من الفرص التي يمكن أن تعمّق هذه العبادة في نفوسنا فمتى تأتي الفرص ؟ .وفقنا الله وإياكم لاغتنام أيام هذا الشهر . إنه ولي ذلك والقادر عليه .

    ( 11 )
    الدعاء ثمار وفوائد

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن الدعاء نوع من أنواع العبادة ، يتصل فيه الإنسان بالله تعالى ، يبرء من حوله وقوته ويلجأ إلى الله تعالى راجياً منه فضل نعمة أو متمنياً زوال بأس ونقمه . هذا الدعاء سبب تنال به المكرمات ، وتدفع به المآسي والويلات ، فكم من دعاء جلب من خير ! وكم من دعاء حال دون وقوع الويل . وليت شعري من يفقه قول عمر حين قال : إني لا أحمل هم الإجابة ولكني أحمل هم الدعاء . وصدق رحمه الله تعالى فإن كثيراً من الناس تغفل عن هذا الجانب وفيه سر حياتها ، وتحقيق آمالها . لقد كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد قدر الله تعالى حافظاً لهذه الأمة من الضياع ، وجالباً لها الخيرات . جاء ذلك في مارواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم : (( رب إنهن أضللن كثيراًَ من الناس فمن تبعني فإنه مني )) الآية . وقال عيسى عليه السلام : (( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم )) فرفع يديه وقال : (( اللهم أمتي أمتي )) وبكى . فقال الله عز وجل : ياجبريل ! اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك ؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال : وهو أعلم فقال الله : ياجبريل ! اذهب إلى محمد فقل : إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك .(68) . وقد جاءت النصوص الشرعية بفضائل عظيمة ، وخيرات متكاثرة تتحقق بالدعاء أرشد إليها نبي الهدى صلى الله عليه وسلم ومنها : : أن الله يجيب الداعي إلى ما دعاه كما قال صلى الله عليه وسلم : (( إن في الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه ، وذلك كل ليلة ))(69) ومن فضائل الدعاء أن له بدعوته إحدى ثلاث كما قال صلى الله عليه وسلم : (( ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا اعطاه الله إحدى ثلاث : إما أن يعجّل له دعوته ، وإما أن يؤخرها له في الآخرة ، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها ))(70) . ومن فضائل الدعاء أنه ينفع في رد البلاء قال صلى الله عليه وسلم : (( لا يغني حذر من قدر ، والدعاء ينفع مما قد نزل ، ومما لم ينزل ، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيتعالجان إلى يوم القيامة .(71) . ولو لم يكن في الدعاء إلا ماذكر لكان حري بالمسلم التزامه في كل وقت وحين . ومن أعظم الأوقات التي تكون مظنّة الإجابة في هذا الشهر الكريم الدعاء قبل الإفطار فإن هذا الوقت مظنة إجابة خاصة إذا إقبل الصائم بكليته على الله تعالى ، وألح على الله تعالى في الدعاء ، فإنه مقدم بين يدي الله تعالى في هذا الوقت أعظم الصدقات هذا الصوم العظيم الذي تكفل الله بمجازاة الصائم عليه من قبله سبحانه وتعالى . وكذلك من الأوقات الفاضلة آخر الليل من كل ليلة فإنه وقت مبارك قال صلى الله عليه وسلم : يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : من يدعوني فاستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟(72) . ومن لازم هذه الأوقات ، وحرص على الدعاء فيها لقى خيراً عاجلاً أو آجلاً كما نص على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . غير أن من المهم جداً لكل داع أن يصدق في الدعاء والرغبة ، وأن يلتزم بآداب الدعاء كأن يكون متوضئاً ، ومستقبل القبلة ، مبتدياً بحمد الله تعالى ومثنياً بالصلاة والسلام على رسوله صلى الله عليه وسلم . غير معتدٍ في الدعاء بإثم أو قطيعة رحم . وليتق الله تعالى في تجنّب أسباب الحرمان من الإجابة والتي من أهمها أكل الحرام الذي يُعد مانعاً قوياً من الإجابة التي ينتظرها كل مسلم .
    وأخيراً لكل داع أن يدعو لنفسه بما شاء لكن من المهم لكل مسلم أن لا ينسى إخوانه من دعوة بظهر الغيب ، فإن كان إخوانه يعيشون أمناً ورخاءً فليدعو بمزيد توفيق لهم ، في جمع كلمتهم و التأليف بين قلوبهم ، وإن كانوا يعيشون أزمات أو ويلات جره عليهم الأعداء فليصدق الله تعالى لهم في الدعاء بأن يجمع شملهم ، ويلم شعثهم ، وينصرهم على عدوهم فإن ذلك هو أقل ما يرجونه منك أيها الصائم الكريم .
    وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .


    (12)
    قيمة الزمن في حياة المسلم

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن الوقت هو عمر الإنسان الحقيقي ، وهو مادة حياته . لذا أقسم الله تعالى به في أكثر من آية في كتابه العزيز فقال تعالى : (( والعصر )) وقال تعالى : (( والليل )) وقال تعالى : (( والضحى )) إلى آيات غير قليلة في هذا الشأن . وما هذا القسم إلا دليل على أهمية الزمان في حياة المسلم . وقد لفت النبي صلى الله عليه وسلم نظر الإنسان إلى هذا الشأن كما قال صلى الله عليه وسلم : ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ )(73) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، ........ الحديث ))(74) . وكان الحسن البصري رحمه الله تعالى يقول : كل يوم ينشق فجره ينادي مناد ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فاغتنمني قبل أن أفوت . وكان يقول ابن آدم إنما أنت أيام إذا ذهب يوم ذهب بعضك . وهكذا كان عامة السلف رحمهم الله تعالى يدركون تماماً أن الأيام مراحل تقطع عمر الإنسان ، وتفني أيامه ولياليه ، وليت شعري من يدرك أن غروب شمس يوم من حياته إنما هي خطوة أقرب نحو الدار الآخرة ، وخطوة أبعد نحو البقاء في ظل هذه الحياة .وقد قال ابن القيّم رحمه الله تعالى : العبد من حين استقرت قدمه في هذه الدار فهو مسافر فيها إلى ربه ، ومدة سفره هو عمره الذي كتب له ، ثم جعلت الأيام والليالي مراحل لسفره ، فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهي السفر .....اهـ(75) وقال رحمه الله في موضع آخر : إذا أراد الله بالعبد خيراً : أعانه بالوقت ، وجعل وقته مساعداً له ,وإذا أراد به شراً جعل وقته عليه ، وناكده وقته ....(76) . وقال ابن رجب رحمه الله : السعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات وتقرّب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات ، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات ، فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات . اهـ .
    وكان الحسن رحمه الله يردد : ابن آدم ، اليوم ضيفك ، والضيف مرتحل يحمدك أويذمك ، كذلك ليلتك . وعن بكر المزني أنه قال : ما من يوم أخرجه الله إلى أهل الدنيا إلا ينادي : ابن آدم اغتنمني لعله لا يوم لك بعدي ، ولا ليلة إلا تنادي : ابن آدم لعله لاليلة لك بعدي (77) . هكذا كان السلف رحمهم الله تعالى يعظمون زمانهم ، ويجهدون في استغلال يومهم وليلتهم ، ولو تأملت في حال كثير منا اليوم لرأيت عجباً في ضياع الأوقات فلكأنما يحرصون على قطع الزمان بهذه اللقاءات ويرون ذلك سبيلاً إلى تجاوز أيام الزمان ولياليه . وفي مثل هؤلاء يقول ابن القيّم رحمه الله تعالى : فأما ما تؤثره كثرة الخلطة : فامتلاء القلب من دخان أنفاس ابن آدم حتى يسودّ ويوجب له تشتتاً وتفرقاً ، وهماً وغماً وضعفاً ... إلى أن قال : وكم جلبت خُلطة الناس من نقمة ، ودفعت من نعمة ، وأنزلت من محنة ، وعطّلت من منحة ، وأحلّت من رزية ، وأوقعت في بلية ! وهل آفة الناس إلا الناس ؟ ! وهل كان على أبي طالب ـ عند الوفاة ـ أضر من قرناء السوء ؟! لم يزالوا به حتى حالوا بينه وبين كلمة واحدة تجلب له سعادة الأبد . اهـ
    ورمضان أيها الصائمون من أشرف أيام الزمان ، اختصه الله تعالى بمزيد من الخير والطاعات فكان عوده على الإنسان من أعظم النعم ، وأسعد الأوقات ، فأي خسارة أعظم من فواته في لقاءات متكررة ، أو ألعاب فارغه ، أو حتى حال يصل ببعضنا إلى لقاءات في المقاهي ، وأمام شهوات تنتهك بها حرمات الله تعالى . إن بإمكان الواحد منا أن يستغل هذه الأيام في الطاعة ، فإن كان يمكن أن يقود ذاته إلى خير منن مثل : مرد معين من صلاة النافلة ، أو أذكار مقيدة أو مطلقة ، أو زيارات للأهل والأقارب والجيران ، أو تلاوة القرآن في كل ليلة فهذا يمكن أن يحصّل خيراً كثيراً ، وإن لم يمكن له ذلك فبإمكانه كذلك أن يستفيد من اللقاءات المتكررة فيجعل منها مدارسة للقرآن وتفسيره ، ، أو حتى الاستفادة من المسابقات العلمية والثقافية التي تعود على الإنسان بالنفع والفائدة . وليجتهد أن يكون له برنامج عمل خلال هذا الشهر الكريم يلتزمه في يومه فإذا ما قضاه وانتهى منه يمكن أن يكافأ نفسه ، بوقت راحة يزور فيه أحبابه وأصدقاؤه ، أو يتسلّى بشئ مباح حلال .

    (13)
    شهر الإنفاق

    إن من أعظم الصور التي يحملها رمضان للأمة صورة من الألم والعطش يجد حرارتها ومس ألمها الصائم حينما يرى الماء والطعام أقرب ما يكون إلى يديه ، ومع كل ذلك يراها أبعد شيء إليه تحقيقاً لعبودية الله تعالى . إن هذه الصورة تنقل كل مسلم إلى صور الفقراء والمعوزين والأرامل والأيتام في أي بلد وأي قطر من أقطار الأمة الإسلامية ، ونحن نراهم يعيشون أنواعاً من الجوع والعطش ، وذلك نتيجة الفقر الذي أصابهم ويجدون حرّه وألمه . ونحن اليوم في أمس الحاجة إلى تلبية هذه المشاعر ، وإرواء عطشها ، وسد رمق جوعها . فقد كان من دأب النبي صلى الله عليه وسلم في كل حياته أنه لايرد سائلاً ، ولا يمنع طالباً ، وإذا جاء رمضان زاده تحلياً بهذه الأخلاق ، ولذا جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضى الله عنهما : فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة .
    أيها الصائمون : الصدقة برهان كثير من النفوس الصادقة الباذلة حين تتجاوز شهواتها إلى تعميق أثر الأخوة بمزيد من الإحسان . وخير ما يدفع إلى تمثّل هذه الفضائل تلك الآثار التي تحدثها الصدقة لأصحابها حين يبذلون . ومن هذه الآثار :

    أولاً : علو شأنها ، ورفعة منزلة صاحبها :
    ففي حديث ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( وإن أحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مؤمن ، تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعاً ))(78)
    1) وقايتها للمتصدق من البلايا والكروب :
    فالصدقة لها أثر عجيب على المتصدق فقد تقيه من البلايا والكروب التي تحل بها وتكون بعد أمر الله تعالى سبباً في دفع هذه المصائب . قال صلى الله عليه وسلم : صنائع المعروف تقي مصارع السوء .(79) . وقال صلى الله عليه وسلم : (( داووا مرضاكم بالصدقة ))(80) . وقد سأل رجل ابن المبارك عن قرحة في ركبته لها سبع سنين وقد أعيت الأطباء فأمره بحفر بئر في محل يحتاج الناس فيه إلى الماء . وقد ذكر ابن حجر الهيتمي في كتابه الزواجر : أنه تقرّح وجه أبي عبد الله الحاكم قريباً من سنة ، فسأل أهل الخير الدعاء له فأكثروا من ذلك ثم تصدق على المسلمين بوضع سقاية بُنيت على باب داره وصب فيها الماء ، فشرب منها الناس فما مر عليه أسبوع إلا وظهر الشفاء وزالت تلك القروح وعاد وجهه أحسن ما كان . والأمر كما قال المناوي رحمه الله في كتابه فيض القدير : وقد جرّب ذلك الموفقون ـ التداوي بالصدقة فوجدوا الأدوية الروحانية تفعل مالا تفعله الأدوية الحسية ولا ينكر ذلك إلا من كثف حجابه . قال ابن القيم رحمه الله تعالى : فإن للصدقة تأثيراً عجيباً في دفع أنواع البلاء ، ولو كانت من فاجر أو ظالم ، بل من كافر ، فإن الله تعالى يدفع عنه بها أنواعاً من البلاء ، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم وأهل الأرض كلهم مقرون به لأنهم جربوه .... وقال في موضع آخر : والسخي قريب من الله ـ تعالى ـ ومن خلقه ، ومن أهله ، وقريب من الجنة ، وبعيد من النار ، والبخيل بعيد من خلقه ، بعيد من الجنة ، قريب من النار ، فجود الرجل يحببه إلى أضداده ، وبخله يبغّضه إلى أولاده . اهـ (81)

    ثانياً : اطفاؤها الخطايا وتكفيرها الذنوب
    قال صلى الله عليه وسلم : (( تصدقوا ولو بتمرة ، فإنها تسُد من الجائع ، وتُطفيء الخطيئة ، كما يطفى الماء النار )) . قال ابن القيّم رحمه الله تعالى : وإذا كان الله تعالى قد غفر لمن سقى كلباً على شدة ظمئه ، فكيف بمن سقى العطاش وكسا العراة من المسلمين

    2) أنه تبارك المال وتزيد في الرزق :
    وفي الحديث القدسي : يابن آدم : أنفق أُنفق عليك .(82) . وقوله صلى الله عليه وسلم : ما فتح رجل باب عطية بصدقة أو صلة إلا زاده الله بها كثرة . . وقوله صلى الله عليه وسلم : ما من يوم يصبح فيه العباد فيه إلا ملكان ينزلان يقول احدهما : اللهم أعط منفقاً خلفاً ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكاً تلفاً .(83) . وقال صلى الله عليه وسلم : بينا رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتاً في سحابة : اسق حديقة فلان . فتنحّى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرّة فإذا شرجه قد استوعبت ذلك الماء كله ، فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحوّل الماء بمسحاته فقال له : ياعبد الله ما اسمك ؟ قال : فلان ـ للاسم الذي سمع في السحابة . فقال له : ياعبد الله لم تسألني عن اسمي ؟ فقال : إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه ـ يقول : اسق حديقة فلان ـ لاسمك ـ فماذا تصنع فيها ؟ قال : أما إذا قلت هذا ؛ فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه ، وآكل أنا وعيالي ثلثه ، وأرد فيها ثلثه )) وفي رواية : (( واجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل )) .(84)
    ورمضان اليوم فرصة عظيمة أيها الصائمون لبذل المال وإنفاقه في وجوه الخير ، وكم من يتيم يترقرق الدمع في عينيه ألا يجد من يواسيه ، وأرملة أقعدها الزمن ، وأطفال يعيشون ذل الفقر ، وذل المسألة ، وإخوان من المسلمين جاءوا لهذا البلد طلباً للرزق . ما أحرانا برعاية كل هذه الفئات ، والبذل لهم ، ولولم يتحقق للمتصدقين إلا بعض هذه الفضائل فقط لكان كافياً بالمرء أن يجهد لتحصيل ذلك بمزيد من الجود والعطاء . وفقكم الله إلى كل خير وجعلكم غوث إخوانكم المستضعفين في كل مكان وزمان .


    (14)
    مسؤولية الرعاة

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن مسؤولية المسلم في هذه الحياة تتجاوز مسؤولية ذاته وتأخذ أشكالاً متعددة في المسؤولية التي يكلّف بها الإنسان في حياته . ولعل من أعظم النعم التي يعيشها الإنسان في حياته نعمة الأولاد الذين وصفهم الله تعالى في كتابه الكريم بأنهم زينة الحياة الدنيا . قال تعالى : (( المال والبنون زينة الحياة الدنيا )) ولا يعرف قدر هذه النعمة إلا من حرمها . لذا جاء التوجيه النبوي الكريم برعاية هذه النعمة كما في قوله صلى الله عليه وسلم : ( كلكلم راع وكلكلم مسؤول عن رعيته ، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته ، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته )(85) وهذه الرعية أمانة حذّر الله تعالى من إضاعتها حين قال : ( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً ) وحتى نؤدي هذه الأمانة على الوجه المشروع لها ينبغي أن نحقق ما يلي :

    أولاً : أن تشعر حفظك الله تعالى أن الله منحك نعمة عظيمة وواجبك تجاه هذه النعمة حفظها والاهتمام بها ، والعمل على إصلاحها حتى تتحقق النعمة على أتم وجه قال تعالى : (( وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها )) فهذه إحدى النعم أتمها الله تعالى عليك وحرم منها أناس كثيرون لازالوا في عداد السؤال والإلحاح على ربهم تعالى أن يحقق لهم هذه النعمة .

    ثانياً : تأكد حفظك الله تعالى أن صلاح هؤلاء الأولاد من أعظم النعم في حياة الإنسان لذا فالزم رعاك الله الطاعة في نفسك ، وحافظ على أوامر الله تعالى إن أردت صلاح هؤلاء الأبناء ، وكلما رآك ولدك حريصاً على صلاة الجماعة ألف ذلك والتزمه منهجاً في حياته ، وكلما رآك حريصاً على الخير من صيام الفرض والنافلة ، وبذل الصدقات ، ومعاملة الآخرين بالأخلاق الحسنة تمثّل ذلك في حياته ، وهكذا ينشأ الأولاد على الصلاح والبر والتقوى ، وتكون أنت أيها الوالد أحد هذه الأسباب العظيمة في هدايتهم .
    وإياك إياك من الأقوال غير اللائقة كالسب أو اللعن أو الغيبة والنميمة أو الأفعال الدخيلة كشرب الدخان أو إرتياد الأماكن المشبوهة كالمقاهي أو التخلّف عن الصلاة فإن ذلك أحد الأسباب التي تؤدي بالأولاد إلى الإنحراف والعياذ بالله . إن الفرق واضح أيها الصائمون بين رب أسرة أدخل شريط المحاضرة القيّمة ، والقرآن الكريم ، والكتيب النافع ، والوسيلة التربوية ، وحارب كل ما هو مشين دخيل على أهل الإسلام وبلادهم ، وبين رب أسرة آخر يمارس شرب الدخان في قعر بيته أو أبناؤه هم الذين يوفرون وسائل هذه الأدوات القبيحة لأبيهم ، أو يجلب لهم القنوات الفضائية التي يرون فيها ما يغسل ماء الحياء من وجوههم ، أو يحرص على إدخال شريط الأغنية أو المجلة التافهة . فرق كبير بين الاثنين . ولعل شواهد الحال التي يعيشها كل واحد منهم هي خير شاهد على ذلك الحال .

    ثالثاً : توجه إلى الله تعالى بالدعاء وألح عليه سبحانه بهداية الأبناء فإن ذلك خير وسيلة تحقق صلاحهم وفلاحهم أرأيت أيها الصائم دعاء الصالحين في قول الله تعالى : (( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً )) . وزكريا حين دعا ربه فقال : (( فهب لي من لدنك ولياً . يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضياً )) . وإبراهيم عليه السلام حين توجه إلى الله تعالى بالدعاء فقال : (( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك )) وكان يردد في دعائه ويقول : (( رب هب لي من الصالحين )) إلى غير ذلك من دعاء الصالحين فليكن لك بهم قدوة في الإكثار من الدعاء بصلاح هذه الذرية ، وإياك إياك من الدعاء عليهم فقد توافق هذه الدعوة وقت إجابة فتجاب في ولدك فيكون المسكين ضحية هذا الدعاء البائس . روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه أن رجلاً قال لبعيرة : شأ **** الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من هذا اللاعن بعيره ؟ ) قال أنا يارسول الله قال : ( انزل عنه فلا تصحبنا بملعون ، لاتدعوا على أنفسكم ، ولا تدعوا على أولادكم ، ولا تدعوا على أموالكم ، لاتوافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم .

    رابعاً : علّم ولدك حفظك الله تعالى المحافظة على الواجبات ، وليكن قرينك في بيوت الله تعالى ، ولا تهمله عند حضورك المسجد فليصلي إلى جانبك وليتدرب على أداء هذه الشعيرة العظيمة . علِّمه الأدب أثناء حضور المساجد ، وملتقيات الناس العامة ، دربه على احترام الآخرين والتأدب معهم ، لقّنه الأذكار في دخول المساجد والخروج منها ، وعند قضاء الحاجة أو بعض أذكار الصباح والمساء ، وغير ذلك من الأذكار وتدرج معه في هذا الجانب وضع له من الحوافز التشجيعية كلما رأيت من إقباله على الخير وتعاهده على هذه الطاعات . وليرى منك حفظك أسلوب الرحمة في كل تعاملك معه إقتداء بسنة نبيك صلى الله عليه وسلم فقد كان عليه الصلاة والسلام يداعب أطفاله فقد أخرج البخاري من حديث أم خالد بنت خالد رضي الله عنها قالت : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بثياب فيها خميصة سوداء صغيرة ، فقال : من ترون أن نكسو هذه ؟ فسكت القوم فقال : أئتوني بأم خالد ، فأتي بها تُحمل ، فأخذ الخميصة بيده فألبسها وقال : أبلي وأخلقي ، وكان فيها علم أخضر أو أصفر ، فقال يا أم خالد هذه سناه (86) والسنا بلسان الحبشة جميل . وهاهو صلى الله عليه وسلم يداعب محمود ابن الربيع وهو صغير فيمج الماء في قال محمود بن الربيع : عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو .(87) إلى غير ذلك من الأساليب التربوية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على التعامل بها مع الصغار . إن الغلظة المستمرة والتأنيب المتكرر أيها الوالد الفاضل يخرج شخصيات مهزوزة ، وضعيفة ، لا تنفع نفسها ولا تتطلّع إلى إفادة غيرها ، وليكن علاجك للخطأ علاج تربوي مهذب فإن نتائج ذلك واضحة قريبة مع الزمن .


    (15)
    فتحت أبواب الجنة

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن الجنة هي متطلع كل مسلم يعيش على وجه هذه البسيطة ، فهي دار كرامة أولياء الله تعالى وعباده المخلصين ، ولن يجد المسلم يوم القيامة كرامة وفوزاً وفلاحاً بعد رضي الله تعالى ورؤيته أنعم ولا أفضل من الجنة . هذه الجنة تتهيأ في شهر رمضان بالذات ، وتزدلف لأهل الإيمان ، تفتّح أبوابها إشعاراً بعظمة هذه الطاعة في هذا الشهر الكريم ، ولئن كثيراً من نفوس المؤمنين تتطلع إلى هذا النعيم ، وتود اليوم الذي تشهده واقعاً حياً في حياتها ، فإن من المناسب أن ننقل وصفاً لهذه الدار التي بشّر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في إقبال هذا الشهر حين قال صلى الله عليه وسلم : (( إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة ......... الحديث ))(88)
    عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين : ما لاعين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر )) .(89) وعن سهل بن سعد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إن في الجنة لشجرة ، يسير الرّاكب الجواد في ظلها مئة عام لايقطعها ))(90) . وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إنّ في الجنة لسوقاً ، يأتونها كل جمعة فتهبّ ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم . فيزدادون حسناً وجمالاً . فيرجعون إلي أهليهم وقد ازدادوا حُسناً أو جمالاً . فيقول لهم أهلوهم : والله ! لقد أزددتم بعدنا حسناً وجمالاً . فيقولون : وأنتم ، والله ! لقد ازددتم حسناً وجمالاً ))(91) . وعن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( الخيمة درّة مجوّفة ، طولها في السماء ثثلاثون ميلاً ، في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون ))(92) . وفي رواية للبخاري : (( أن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوّفة عرضها ستون ميلاً ، في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين ، يطوف عليهم المؤمنون ، وجنتان من كذا ، آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنّة عدن ))(93) وعن أنس رضي الله عنه قال : لما عُرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء قال : أتيت على نهر ، حافتاه قباب اللؤلؤ مجوّفاً فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : الكوثر ))(94) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنّ أول زمرة يدخلون الجنّة على صورة القمر ليلة البدر ، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب درّيّ في السماء إضاءة ، لا يبولون ، ولا يتغوطون ، ولا يتفلون ، ولا يتمخطون ، أمشاطهم الذهب ، ورشحهم المسك ، ومجامرهم الألوّة ، وازواجهم الحور العين على خَلْق رجل واحد ، على صورة أبيهم آدم ، ستون ذراعاً في السماء )(95) ، وفي رواية لهما : (( .. لكل امرئ زوجتان من الحور العين ، يُرى مخ سوقهن من وراء العظم واللحم )) زاد فيها مسلم : (( ومافي الجنة أعزب )) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إنّ أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم ، كما تتراءون الكوكب الدرّيّ الغابر في الأفق ، من المشرق أو المغرب ، لتفاضل ما بينهم )) قالوا : يارسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ، قال : بلى ، والذي نفسي بيده ، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين )) (96) وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال : (( من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه )) (97) . وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ينادي مناد : إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً ، وغنّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً . وإن لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبداً ، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً )) فذلك قول الله تعالى : (( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ))(98) وعن صهيب رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا دخل أهل الجنّة الجنّة ، قال : يقول الله تبارك وتعالى : تريدون شيئاً أزيدكم ؟ فيقولون : ألم تبيّض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنّة وتنجينا من النار ؟ قال : فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل .
    هذه بعض صفات الجنة التي بشّر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر المبارك . فهل من مشمّر إلى هذا النعيم العظيم ؟ هذا هو السؤال الذي لا زال ينتظر إجابة واضحة من كل فرد أدرك رمضان هذا العام ، ولن يكون هناك أبلغ من العلم للإجابة على هذا التساؤل العريض . إن من يدرك هذا النعيم وتهفو نفسه لأن يعيش هذه الأيام حقيقة ماثلة في حياته لا بد أن يعي أن عليه أن يتقدّم خطوة للأمام تبدأ بإصلاح ذاته أولاً ، ومن ثم السعي والتطلّع إلى كل عمل يمكن أن يزيد في دفع هذه الخطوة إلى المقدمة . حينها فقط يمكن أن يكون من أصحاب هذا الفضل لا حرم الله كل مستمع من هذا الخير ، وجعلنا الله وإياهم ممن نشهد هذا الفضل ، ونعيش أيامه في قابل الأيام .

    (16)
    وغلّقت أبواب النار

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن النجاة من النار يعد فوزاً عظيماً في حياة من تحقق له ذلك . ذلك أن النار التي خلقها الله تعالى إنما جعلها جزاء للمتمردين عن منهجه ، الشاردين عن طاعته ، وليت شعري حين يتجاوز هذا الإنسان في عرصات القيامة جسر جهنم ، ويترك أهوال الحساب خلف ظهره ، متحققاً من النجاة ! أي فوز أعظم من هذا ! إن هذا الذي خلّف النار خلف ظهره لن يتصوّّر هذه النجاة على حقيقتها ما لم يتصوّر النار على صورتها التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوضح أن أبوابها تغلق مع دخول شهر رمضان في قوله صلى الله عليه وسلم : (( أتاكم شهر رمضان شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه ، فيه تفتح أبواب الجنة ، وتغلق أبواب الجحيم ،........ الحديث (99) وفي هذه الليلة سنستعرض بعض هذه الصفات كما جاءت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمكن أن ندرك حينها هذه المعاني لنفيق من غفلة هذه الحياة .
    فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( ناركم جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم )) . قيل : يارسول الله ، إن كانت لكافية ، قال : فضّلت عليهن بتسعة وستين جزءاً ، كلهن مثل حرها )(100) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اشتكت النار إلى ربها ، فقالت : ربّ أكل بعضي بعضاً ، فإاذن لها بنفسين : نفس في الشتاء ونفس في الصيف ، فأشتد ما تجدون من الحرّ ، وأشد ما تجدون من الزمهرير ))(101) . وعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يؤتى بجهنّم يومئذ لها سبعون ألف زمام . مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرّونها ))(102) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سمع وجبة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( أتدرون ما هذا ؟ )) قال : قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفاً فهو يهوي في النار الآن ، حتى انتهى إلى قعرها ))(103) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع ))(104) . وعن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( منهم من تأخذه النار إلى كعبيه . ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه . ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته . ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته ))(105) . وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لرجل ، توضع في أخمص قدميه جمرة يغلي منهما دماغه ))(106) هذه بعض صفات تلك النار التي يجدها المتمردون عن منهج الله تعالى كأعظم جزاء ينالونه حين يتجاوزون أمر الله تبارك وتعالى ، ويجانبون طريق الطاعة والهدى . إنهم يبقون غرقى في تلك النهايات فتلتهمهم نار جهنم وحينها لا يستطيع الواحد منهم أن يفصح عن شكواه ، ولا يجد أقرب من البكاء والعويل يعبّر به فقط عن تجرّع المأساة . إن المتناسين للفح جهنّم غداً بين يدي الله تعالى هم أقرب الناس لمس حرارة تلك النار لأن الغفلة داء عضال متى ما وصلت إلى إنسان أغلقت منافذ الخير ، وأصمت دواعي الهداية ، وجرّدت الإنسان من كل دواعي التفكير لمستقبله وأيام حياته . وحينئذ يخسرون ويقعون في النهايات المرة .
    أجارنا الله وإياكم من نار جهنم . وجنبنا الله حرها وزمهريرها . إنه ولي ذلك والقادر عليه .

    (17)
    غزوة بدر (1)

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن غزوة بدر الكبرى من الغزوات العظيمة في تاريخ الإسلام والمسلمين ، وكيف لاتكون كذلك وهي أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتحقق فيها أعظم انتصار للإسلام وأهله ، وكسرت شوكة الأعداء كسراً لم ينجبر بعد . هذه الغزوة وقعت في السابع عشر من شهر رمضان المبارك ، ولم يكن لها سابق موعد إنما كما يقول ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع بخبر أبي سفيان مقبلاً من الشام في عير من لقريش عظيمة فيها أموال وتجارة ندب المسلمين إليهم فخرج بعضهم ، وتباطأ البعض الآخر في الخروج ، وكان أبو سفيان لما دنا من الحجاز جعل يتحسس الأخبار حتى وصل إلى الخبر اليقين فبعث رجلاً إلى مكة وأمره أن يستنفر قريشاً لهذا اللقاء . وخرجت جموع قريش للمواجهة ولم يتخلف من كبرائها إلا ابو لهب تخلف وبعث مكانه العاص بن وائل ، في حين وصف الله تعالى خروج المسلمين بقوله : (( وإذا يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرن )) سورة الأنفال .
    ولما تحقق ما أراد الله تعالى في هذا الخروج من المواجهة الحتمية بين الفريقين جعل النبي صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه في القتال فقام المقداد بن عمرو فقال : يارسول الله ، امض لما أراك الله فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : (( إذهب أنت وربك فقاتلا إن هاهنا قاعدون )) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً ودعا له بخير .(107) . ثم طلب النبي صلى الله عليه وسلم المشورة من الناس وكان يريد أن يسمع قول الأنصار فقام سعد بن معاذ فقال . والله لكأنك تريدنا يارسول الله ؟ فقال : أجل ، قال فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فصل حبال من شئت ، واقطع حبال من شئت ، وسالم من شئت ، وعاد من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، واعطنا ما شئت ، وما أخذت منا أحب إلينا مما تركت ، وما أمرت به من أمر فأمرنا تبع لك ، فامض يارسول الله لما أردت فنحن معك ، ما تخلّف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً ، إنا لصُبُر في الحرب ، صُدُق اللقاء ، ولعل الله يريك منّا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة الله . فسُرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ثم قال : سيروا وأبشروا ، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم . نزلت قريش بالعدوة القصوى من الوادي ، ونزل المسلمون بالعدوة الدنيا كما أخبر الله تعالى عنهم فقال : ( إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ..... الآية ) الأنفال (11) . كان عدد المشركون آذنذاك يصل إلى ألف مقاتل بينما المسلمون لايتجاوزون ثلث هذا العدد فقط ثلاث مئة وبضعة عشر مقاتلاً . ومع ذلك فقد كان الله معهم فحوّل الخوف إلى أمان وأنزل عليهم النعاس حتى كان أحدهم يسقط سوطه من يده ، وأنزل عليهم ماء من السماء ليسكنهم به كما قال الله تعالى : (( إذا يغشيّكم النعاس أمنه منه وينزّل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به ... الآية )) الأنفال (44) . ويزيدهم الله طمأنينة ثالثة حين أرى المسلمين قلة جموع المشركين ، وصور الله قلة أعداد المسلمين في أعين المشركين حتى يتم اللقاء كما في القرآن الكريم : (( وإذ يريكموهم إذا التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً وإلى الله ترجع الأمور )) الأنفال (44). ولما قربت المنازلة عدّل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوف الصحابة ولجأ إلى مولاه وناصره ، ومن له الأمر أولاً وأخيراً فدخل العريش وناشد ربه النصر ويردد : اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد حتى سقط الرداء من رأسه . ونزلت الملائكة مقاتلة مع المسلمين ، وبدأت ثورة المعركة يتقدم المشركين إبليس في صورة سراقة ين مالك ، وبدأ الأعداء يتساقطون واحداً تلو الآخر فسقط من كبرائهم أمية بن خلف ، وسقط رأس الباطل أبو جهل ، وتناثر عقد أهل الشرك ، ونصر الله المسلمين نصراً عظيماً دون نظر إلى قلة ، أو اعتبار بالكثرة ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصناديد قريش فسحبوا إلى بئر بدر وقذفوا فيها ، ثم وقف عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يافلان ، يافلان ، ويافلان ابن فلان ، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله ؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا به ربنا حقا ، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ً ؟ . فقال عمر يارسول الله : ما تكلّم من أجساد لا أرواح لها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم . وهكذا سجّل التاريخ في شهر رمضان بالذات هذا النصر العظيم ، فكانت الصولة للطاعة ، والفشل والهزيمة للمعصية والعاصين . ألا فما أعظم أثر الطاعة في قلوب أصحابها ! وما أسوء أثر تحدثه المعصية في قلوب الملازمين لها حين المصائب والبلايا ! وفي الدرس القادم بإذن الله تعالى صور مضيئة من تلك الغزوة . وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
    (18)
    غزوة بدر (2)

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن غزوة بدر من أعظم الغزوات في تاريخ المسلمين ، وقد سجّلت أحداثها مواقف تٌعد من أروع المواقف في حياة ذلك الجيل العظيم .صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
    وإليكم بعضاً من تلك المواقف التي دوّنتها كتب السير أثناء الحديث عن تلك الغزوة :
    أولاً : الشجاعة التي كانت معلماً من معالم ذلك الجيل يدوّن لنا هذه الصفة حمزة بن عبد المطلب ، وعلي بن ابي طالب ، وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم أجمعين حين برز كل من عتبه وشيبة والوليد من صفوف قريش وطلبوا المبارزة . فقال عتبة لابنه قم ياوليد . فقام الوليد وقام إليه علي بن أبي طالب وكان أصغر النفر فقتله علي في أول لقاء . ثم قام عتبة وقام إليه اسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب فاختلفا ضربتين فقتله حمزة ، ثم قام شيبة ، وقام إليه عبيدة بن الحارث وكرّ حمزة وعلي على شيبة فقتلاه . وانتهت أولى جولات القتال بانتصار الفئة المؤمنة ، وكتب هؤلاء الثلاثة صورة من البسالة والشجاعة كان لها أكبر الأثر في تحقق الهزيمة النهائية في المعركة فرحم الله هؤلاء النفر ما أعظم شجاعتهم وبسالتهم في الحروب .
    ثانياً : خبر عُمير بن الحمام فإنه قبل بدأ المعركة سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يردد ويقول : ( قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض ) فقال عمير يارسول الله ! جنة عرضها السموات والأرض ؟ قال : نعم . قال : بخ بخ . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما يحملك على قولك بخ بخ ) قال : لا والله يارسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها . قال : ( إنك من أهلها ) فأخرج تمرات من قرنه . فجعل يأكل منهن . ثم قال : لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة . قال : فرمى بما كان معه من التمر . ثم قاتلهم حتى قتل .
    ثالثاً : ماقاله عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : بينما أنا واقف في الصف يوم بدر نظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما تمنيت لو كنت بين أضلع منهما . فغمزني أحدهما . فقال : ياعم ! هل تعرف أبا جهل ؟ قال : قلت نعم . وما حاجتك إليه يابن أخي ؟ قال : أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم . والذي نفسي بيده لئن رأيته لايفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا . قال : فتعجبت لذلك . فغمزني الآخر فقال مثلها . قال : فلم أنشب أن نظرت إلى ابي جهل يزول في الناس . فقلت : ألا تريان ؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه . قال : فابتدراه ، فضرباه بسيفيهما ، حتى قتلاه ، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأخبراه . فقال : أيكما قتله ؟ فقال كل واحد واحد منهما ؛: أنا قتلته . فقال : هل مسحتما سيفيكما؟ قالا : لا فنظر في السيفين فقال : كلاكما قتله . والرجلان هما : معاذ بن عمرو بن الجموح ، ومعاذ بن عفراء .
    هذه بعض مواقف تلك الغزوة العظيمة وهي مواقف تستحق التدوين . ونحن في شهر رمضان ، الشهر الذي سُطّرت فيه هذه البطولات العظيمة ، فما أحرى الأجيال اليوم بقراءة التاريخ من جديد ! ولعل شباب المسلمين يدركون هذه المعاني فتنهض همم للإقتداء ! إن القوة كما يقال تنبت من رحم الشدة ، وقد وصلت حال المسلمين في هذه الأيام إلى حال حرجة جداً ، وحالة الشدة هي الحال التي تتفجّر فيها طاقات الأمة من جديد . هكذا يقول التاريخ فيوم أن عاد العرب وأعلنوا الردة بعد وفاة نبي هذه الأمة عاد الرجل الأسيف الذي لا يتمالك نفسه من البكاء لرقته أبو بكر الصديق عاد جبلاً شامخاً وتفجّر الضعف والرحمة عن رجل يصرّ على رأيه ويجهّز اثني عشر جيشاً لمواجهة المرتدين ، ويعود الحق بلجاً من جديد . وبعد أن عاش الصليبيون قريباً من مئتي عام في بلاد المسلمين هيأ الله بعد الضعف قوة على يد أنصار السنة فخرجوا صاغرين وذليلين . وإني على يقين اليوم أن الليل قد آذن بالبلج ، وأن صبح الإسلام قريب جداً . وعلى يد الإسلام وأهله سيعود الإسلام من جديد فمن يشارك ولو بجهد المقل في استعادة هذه العزة ؟ والتاريخ شاهد والأيام دول .


    (19)
    من شعائر الإسلام

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم شعائر هذا الدين ، وعليه مدار الإسلام ، وبقاء معالمه ، وحين يذبل في حياة المسلمين ، وتموت معالمه ينقص الدين ، وتثلب مقاماته ، وتمحى كثير من شعائره . ذلك أن عليه مدار الدين ، وبه قوامه وانتشاره . هذه الشعيرة رتّب الله عليها خيرية هذه الأمة ، حين قال في كتابه الكريم : (( كنتم خير أمة أخرجت للناس ـامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ... الآية )) سورة آل عمران (110).
    فقدّم القيام بهذه الشعيرة على الإيمان وما ذلك إلا لعظمتها عند الله تبارك وتعالى . وأمر الله به المؤمنين في كتابه الكريم وجعل وصف الفلاح منوطاً بهم حين يقيمون هذه الشعيرة فقال : (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون )) سورة آل عمران (104) . وحين يترك المسلمون هذه الشعيرة يترتب على تركهم لها ويلات وعقوبات عظيمة تلحق الأمم والأفراد ومن أهم هذه العقوبات :
    اللعنة والعياذ بالله فإن الأمم والأفراد إذا فرطوا في القيام بهذه الشعيرة اسستحقوا لعنة الله من فوق سبع سموات جاء ذلك في قول الله تعالى : (( *** الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون )) قال ابن كثير رحمه الله تعالى معلقاً على قوله : (( كانوا لايتناهون عن منكر فعلوه لبئس ماكانوا يفعلون )) أي كان لا ينهى أحد منهم أحداً عن ارتكاب المآثم والمحارم ثم ذمهم على ذلك ليحذّر أن يرتكب مثل الذي ارتكبوه . ونقل عن الإمام أحمد عن أبي عبيدة عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقعت بنوا إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم قال يزيد : وأحسبه قال : في أسواقهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم : ( ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس فقال : لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطراً )) . وقال أبو داود عن عبد الله بن مسعود : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أوّل ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول ياهذا اتقي الله ودع ما تصنع فإنه لايحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ...... (108)
    ومن هذه الويلات التي تترتب على ترك هذه الشعيرة : كثرة الخبث . قالت زينب زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ من نومه فزعاً وهو يقول : لا إله إلا الله ، ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا ( وحلّق بين أصبعيه السبابة والإبهام )) فقالت له زينب رضي الله عنه : يارسول الله ! أنهلك وفينا الصالحون ؟ فقال : نعم إذا كثر الخبث . )) إلى آثار كبيرة وعظيمة في حق المتناسين أو المتساهلين في تطبيق هذه الشعيرة . بل حين تُحرم الأمة من خير أو تصاب بشر إنما ذلك من آثار المتنكرات التي يمارسها الأفراد والجماعات دون وعي بخطرها أو اكتراث بآثارها . قال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تعالى : فلو قُدّر أن رجلاً يصوم النهار ، ويقوم الليل ، ويزهد في الدنيا كلها ، وهو مع ذلك لا يغضب لله ، ولا يتمعّر وجهه ، ولا يحمرّ ، فلا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ، فهذا من أبغض الناس عند الله تعالى ، وأقلّهم ديناً وأصحاب الكبائر أحسن عند الله منه اهـ . وهذه الشعيرة يمكن أن نحييها على مستوى ذواتنا بأن نتقي الله في أعمالنا ، وأن نحاسب أنفسنا قبل العرض على ربنا تبارك وتعالى . ويمكن أن نسهم في إحياء هذه الشعيرة على مستوى الأسرة فلا يدخل البيت إلا ما وافق شرع الله تعالى من الوسائل التي تسهم في البناء على الخير كالشريط الإسلامي ، والكتاب التربوي ، والمجلة النافعة . وأي وسيلة يكون لها الأثر في التربية والإصلاح . وفي الوقت ذاته نجنّب بيوتنا الوسائل التي تثير الفاحشة أو تمسح وجه الحياء من حياة أبنائنا كالأطباق الفضائية أو المجلات المشبوهة أوالأشرطة الغنائية أو أي وسيلة لا تحقق هدفاً تربوياً ، ولا تسهم في نماء خلق اجتماعي . ويمكن أن نسهم في إحياء هذه الشعيرة على مستوى المجتمع والأمة جميعاً فنمد في وسائل المعروف ، ونسهم في نماء بذرة الخير ، ونجهد بكل وسيلة في الوقوف أمام كل فكرة أو رأي أو مشورة أو عمل تحسب في عداد المنكر بكل ما نستطيع . وحين نكون كذلك فلنهنأ بطمأنينة تعايش قلوبنا ، ولنسعد بالأمن والرخاء يعم مجتمعاتنا وبلادنا . وفقنا له وإياكم لمد يد المعروف ، وجعلنا الله مفاتيح للخير مغاليق للشر . إنه ولي ذلك ولقادر عليه .

    (20)
    العشر الأواخر

    هانحن أيها المسلمون نقف وإياكم على أعتاب العشر الأخيرة من رمضان المبارك ، بعد أن كنا بالأمس ننتظر قدوم شهرنا الميمون . وهذه العشر هي مسك الختام ، وأيامها أفضل أيام الشهر ولياليها أفضل أيام العام . وقد سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : أيهما أفضل أيام عشر ذي الحجة أم أيام عشر رمضان الأخيرة . فأجاب رحمه الله بالجواب التالي : أيام عشر ذي الحجة الأولى أفضل من هذه الأيام وليالي العشر الأخيرة من رمضان أفضل من ليالي العشر الأول من ذي الحجة . ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في التعبد لله خلال هذه العشر حيث كان يعتكف خلالها ، ويقوم ليلها ، ويبيت متحرياً لأعظم ليلة تنتظر ليلة القدر . ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر أحيا الليل ، وأيقظ أهله ، وشد مئزره . زاد مسلم : وجد وشد مئزره . وذلك كناية عن إقباله على العبادة ، وانشغاله بها ، وترك الالتفات إلى الدنيا مهما كانت الرغبة إليها والتشوق لها . وهذا في العادة لايكون إلا لمن أيقن هذا الفضل ، وطمع في حصوله ، ورجى الله في لقياه . وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكيف لايكون المؤمن حريصاً على التهجد في مثل هذه الليالي وقد طرق مسمعه حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر ) . وصدق القائل : وسجود المحراب واستغفار الأسحار ودموع المناجاة : سيماء يحتكرها المؤمنون .. ولئن توهم الدنيوي جناته في الدينار والنساء والقصر المنيف فإن جنة المؤمن في محرابه . لقد زكى الله تعالى ذلك الجيل بتزكيات متكاثرة كان من جملتها حرصهم على قيام الليل حين قال تعالى : (( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون )) . وقال تعالى : (( كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون )) . وقال تعالى : (( والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً ))
    فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان الرجل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وكنت غلاماً شاباً عزباً ، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان كقرني البئر ، وإذا فيها ناس قد عرفتهم فجعلت أقول أعوذ بالله من النار ، أعوذ بالله من النار ، أعوذ بالله من النار . قال فلقيهما ملك فقال لي : لن ترع ، فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نعم الرجل عبد الله لوكان يقوم يصلي من الليل ).(109) . قال سالم : فكان عبد الله بعد ذلك لاينام من الليل إلا قليلاً . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يعقد الشيطان على قافية راس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد ، يضرب على كل عقدة : عليك ليل طويل فارقد ، فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلّت عقدة ، فإن توضأ انحلّت عقدة ، فإن صلى انحلّت عقده كلها ، فأصبح نشيطاً ، طيّب النفس ، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان (110) . وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال : أوّل ما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، انجفل الناس إليه فكنت فيمن جاءه ، فلما تأملت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، قال : فكان أول ما سمعت من كلامه أن قال : ( أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام )(111) . وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في الجنة غرف يُرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ، فقال أبو مالك الأشعري : لمن هي يارسول الله ؟ قال : لمن أطاب الكلام ، وأطعم الطعام ، وبات قائماً والناس نيام )(112) . وعن جابر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن في الليل لساعة لايوافقها رجل مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه . وذلك في كل ليلة . (113) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : من يدعوني فاستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ (114) . وعند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عليكم بقيام الليل ، فإنه دأب الصالحين قبلكم ، وقربة إلى الله تعالى ، ومنهاة عن الإثم ، وتكفير للسيئات ، ومطردة للداء عن الجسد (115) وعند الحاكم والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أتاني جبريل فقال : يامحمد عش ما شئت فإنك ميت ، واحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل ، وعزه استغناؤه عن الناس .(116) إن التراويح حين يشهدها المسلم مع الإمام حتى ينتهي هي أول دليل على حرص الإنسان على ليالي هذا الشهر الكريم . وحينما يعود الإنسان مرة أخرى إلى ولوج المسجد في صلاة التهجّد إنما يبرهن صدق هذا الإقبال ، ويكتب بهذا الحرص علو كعبه في الخير ، ونماء ذاته في الصلاح ، وحين يزداد الواحد منّا همة على هذه الهمة فيتم هذا الإقبال في بيته قبيل ولوج الفجر ليختم بها ليلته يكون في عداد السابقين الأخيار . وفقنا الله وإياكم إلى إحياء هذه الليالي بميراث السلف الصالح من القيام والذكر والتعبّد لله تعالى ، وجعلنا وإياكم ممن يشهد في ليله ليلة القدر التي وعد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم القائمين والمتعبدين في مثل هذه الليالي .

    (21)
    ليلة القدر

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن شهر رمضان شهر كريم ، وفضائله جمة لايحصيها عاد ، ومن هذه الفضائل العظيمة التي اختص الله بها شهره الكريم ليلة القدر ، وما سميت ليلة القدر إلا لشرفها ومكانتها وعظم قدرها عند الله تبارك وتعالى : وهي ليلة واحدة في العام في شهر رمضان خاصة ، وفي عشره الأخيرة على وجه التحديد ، وقد أشاد الله تعالى بها في كتابه الكريم فقال : (( إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ماليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر )) سورة القدر .
    وصدق سيّد في ظلاله رحمه الله تعالى حين قال : الحديث في هذه السورة عن تلك الليلة الموعودة المشهودة التي سجلها الوجود كله في فرح وغبطة وابتهال . ليلة الاتصال المطلق بين الأرض والملأ الأعلى . ليلة بدء نزول هذا القرآن على قلب محمد صلى الله عليه سلم ليلة ذلك الحدث التي لم تشهد الأرض مثله في عظمته ، وفي دلالته ، وفي آثاره في حياة البشرية جميعاً . اهـ .(117) قال صلى الله عليه وسلم : ( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ). (118) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( التمسوها في العشر الأواخر ـ يعني ليلة القدر ـ فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي) .(119) . وعن عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان )(120) . وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر .(121)
    قال الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله تعالى : وفي ليلة القدر مباحث هي : أولاً : هل ليلة القدر باقية أم رفعت ؟ والصحيح بلا شك أنها باقية وما ورد في الحديث : أنها رفعت ، فالمراد رفع علم عينها في تلك السنة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رآها ثم خرج ليخبر بها أصحابه فتلاحى رجلان فرفت .
    ثانياً : في أي ليلة في رمضان ؟
    القرآن لابيان فيه ، لكن ثبتت الأحاديث أنها في العشر الأواخر من رمضان فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أعتكف العشر الأولى من رمضان ، يريد ليلة القدر ، ثم اعتكف العشر الأوسك ، ثم قيل : إنها في العشر الأواخر وأريها صلى الله عليه وسلم وأنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين ، وفي ليلة إحدى وعشرين من رمضان ، كان معتكفاً صلى الله عليه وسلم فأمطرت السماء فوكف المسجد ـ أي سال الماء من سقفه ـ وكان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عريش فصلى الفجر بأصحابه ، ثم سجد على الأرض ، قال أنس : فرايت أثر الماء والطين على جبهته فسجد في ماء وطين .فتبين بهذا أنها كانت في ذلك العام ليلة إحدى وعشرين . ورأى جماعة من الصحابة ليلة القدر في السبع الأواخر . فقال صلى الله عليه وسلم : أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر . أي اتفقت فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر . وعلى هذا فالسبع الأواخر أرجى العشر الأواخر إن لم يكن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر في تلك السنة فهذا محتمل .
    ثالثاً : هل ليلة القدر في ليلة واحدة كل عام أو تنتقل ؟
    في هذا خلاف بين العلماء والصحيح أنها تنتقل فتكون عاماً ليلة إحدى وعشرين ، وعاماً ليلة تسع وعشرين ، وعاماً ليلة خمس وعشرين ، وعاماً ليلة أربع وعشرين ، لأنه لايمكن جمع الأحاديث الواردة إلا على هذا القول .
    رابعاً : علامات ليلة القدر
    فقال ليلة القدر لها علامات مقارنة وعلامات متابعة . أما علاماتها المقارنة فهي :
    1) قوة الإضاءة والنور في تلك الليلة وهذه العلامة في الوقت الحاضر لا يحس بها إلا من كان في البر بعيداً عن الأنوار .
    2) زيادة النور في تلك الليلة .
    3) الطمأنينة أي طمأنينة القلب ، وانشراح الصدر من المؤمن ، فإنه يجد راحة وطمأنينة ، وانشراح صدر في تلك الليلة أكثر مما يجده في بقية الليالي .
    4) أن الرياح تكون فيها ساكنة أي : لايأتي فيها عواصف أو قواصف بل يكون الجو مناسباً .
    5) أنه قد يُري الله الإنسان في تلك الليلة في المنام ، كما حصل ذلك لبعض الصحابة
    6) أن الإنسان يجد في القيام لذة أكثر مما في غيرها من الليالي .
    أما العلامات اللاحقة :
    1) فمنها : أن الشمس تطلع في صبيحتها ليس لها شعاع صافية ليست كعادتها في بقية الأيام .
    ثم أشار رحمه الله تعالى إلى الدعاء الوارد في تلك الليلة فقال : الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ) لحديث عائشة أنها قالت : افرأيت يارسول الله إن وافقت ليلة القدر فما أقول فيها ؟ فقال : قولي : ( اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ) فهذا من الدعاء المأثور ، وكذلك الأدعية الكثيرة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم . وليعلم أن الأدعية الواردة خير وأفضل من الأدعية المسجوعة التي يسجعها الناس .... اهـ (122)
    وفقنا الله وإياكم للقيام بحق هذه الليلة وأعاننا على العبادة فيها ، ونسأل الله أن يقدّر لنا ما يكون فيها خيراً .

    (22)
    الاعتكاف

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن نبي الهدى صلى الله عليه وسلم كان يحرص على الاعتكاف في ليالي العشر الأواخر من رمضان فقد جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان .(123) . وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفّاه الله .(124) وهكذا كان دأب النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ، وفي هذا الشهر على وجه الخصوص ، ذلك أن شهر رمضان يُعدّ من الفرص العظيمة في حياة أي مسلم يشهد هذا الخير ، وحين يعتكف المسلم إنما يتخفف من آثار هذه الدنيا ، وتسمو روحه إلى تطلب الحياة الروحية الحقيقية التي يهيأ لها الاعتكاف نوعاً من هذا السمو الذي تنشده في حياتها . وإلى هذا المعنى أشار ابن القيّم رحمه الله تعالى فقال : لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفاً على جمعيته على الله ، ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى ، فإن شعث القلب لايلمه إلا الإقبال على الله تعالى ، وكان فضول الطعام والشراب ، وفضول مخالطة الأنام ، وفضول الكلام ، وفضول المنام مما يزيده شعثاً ، ويشتته في كل واد ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى أو يضعفه أو يعوقه ويوقفه : اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب ، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى ، وشرعه بقدر المصلحة بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه ، ولا يضره ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة ، وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى ، وجمعيته عليه ، والخلوة به والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه ، بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته ، فيستولى عليه بدلها ، ويصير الهم كله به والخطرات كلها بذكره ، والتفكّر في تحصيل مراضيه وما يقرّب منه فيصير أنسه بالله بدلاً من أنسه بالخلق ، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له ، ولا ما يفرح به سواه فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم . اهـ .(125) وقد ذكر أهل العلم رحمهم الله تعالى جملة من أحكام الاعتكاف نذكّر ببعض منها : أن أقل زمن يمكن أن يعتكفه الإنسان هو يوم أو ليلة ويستأنس لهذا بإذن النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام وفاء لنذره . وأكثره فلا حد له ما لم يتضمن محذوراً شرعياً .
    ويشترط أن يكون المعتكف مسلماً ، عاقلاً ، مميزاً ، ناوياً وهذه الشروط باتفاق الإئمة رحمهم الله تعالى ، وقد أضاف إلى هذه الشرط شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيّم رحمهما الله تعالى أن يكون الإنسان صائماً .
    . وهل يشترط أن يتم الاعتكاف في مسجد ؟ نقل الإجماع على أن الاعتكاف في المسجد شرط القرطبي وابن قدامه ، وابن رشد رحم الله الجميع . والمسجد الذي يشترط فيه الاعتكاف هو كل مسجد تقام فيه الجماعة .
    وذا خرج المعتكف ببعض بدنه لم يبطل اعتكافه ولا يترتب عليه شيء باتفاق الأئمة أما إذا خرج بجميع بدنه من المعتكف دون عذر فاعتكافه باطل باتفاق الأئمة . وإما إذا خرج لعذر سواء للطهارة أو لقضاء حاجة أو للأكل والشرب فإنه مأذون فيه للعذر ولا حرج عليه في ذلك . ويحرم على المعتكف مباشرة زوجته باتفاق الأئمة ، وإذا ترتّب على هذه المباشرة إنزال بطل الاعتكاف باتفاق الأئمة ، وكذلك إذا استمنى فإنزل بطل اعتكافه على رأي جمهور العلماء رحمهم الله تعالى .(126)


    (23)
    من وحي السنة
    كبائر وموبقات

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن الإنسان جاء لتحقيق غاية عظيمة هي العبودية التي أشار إليها في كتابه الكريم في قول الله تعالى : (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )) سورة الذاريات (56). وحينما تتأمل حياة الناس تجد أن بعضاً من هؤلاء تغافل عن هذا المبدأ ، وأصر على ارتكاب ذنوباً عظيمة الخطر ، كبيرة الأثر فأصبح أو أمسى رهين وعيد النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن هؤلاء الأصناف ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اجتنبوا السبع الموبقات ) قالوا : يارسول الله ، وما هن ؟ قال : ( الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات )(127) وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم : رجل حلف على سلعة لقد بها أكثر مما أعطي وهو كاذب ، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال امرئ مسلم ، ورجل منع فضل ماء ، فيقول الله : اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل مالم تعمل يداك )(128) . وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ) . ثلاثا ً ، قالوا : بلى يارسول الله ، قال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ـ وجلس وكان متكئاً ، فقال ـ ألا وقول الزور ) قال : فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت .(129) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لايكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ـ قال أبو معاوية : ولا ينظر إليهم ـ ولهم عذاب أليم : شيخ زان . وملك كذاب . وعائل مستكبر )(130) وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة : العاق لوالديه ، والمرأة المترجلة ، والديوث ، وثلاثة لا يدخلون الجنة : العاق لوالديه ، والمدن الخمر ، والمنان بما أعطى )(131) . وقال صلى الله عليه وسلم : من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار ، وحرّم عليه الجنة ، فقال رجل : وإن كان شيئاً يسيراً يارسول الله ؟ فقال : وإن قضيباً من أراك . ))(132) . وقال صلى الله عليه وسلم : *** الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه . وقال : هم سواء .(133) وقال صلى الله عليه وسلم : من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنّم يتردّى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومن تحسّى سُمّاً ، فقتل نفسه ، فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنّم خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومن قتل نفسه بحديدة ، فحديدته في يده يتوجّّأ بها في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً .(134) . وقال صلى الله عليه وسلم : ***** من عمل عمل قوم لوط ، ***** من عمل عمل قوم لوط ، ***** من عمل عمل قوم لوط ، ***** من ذبح لغير الله ، ***** من أتى شيئاً من البهائم ، ***** من عق والديه ، ***** من غيّر منار الأرض ، ***** من ادعى إلى غير مواليه .(135) . وقال صلى الله عليه وسلم : من لقي الله مدمن خمر لقي الله كعابد وثن (136). إن هؤلاء جميعاً تجاوزوا أمر الله تعالى ، وارتكبوا نهيه مع شدة تحذير النبي صلى الله عليه وسلم في الوعيد . وهم على خطر عظيم . فإن غالب هذا الوعيد خُتم بحرمانهم من الجنة ودخولهم النار . فأي قيمة لحياتهم وهم يعيشون هذا الحرمان ؟ وأي معنى لهذا العيش وهم يمارسون المخالفة بعد أن ولج هذا الوعيد إلى آذانهم . وغداً وليس غد ببعيد حينما يقفون في العرسات أمام ربهم حُفاة عراة لا يجدون من الجواب سوى أعذار واهية تقيم مزيد من الحجة عليهم . ألا فما أعظم مصابهم !!
    وما أسوأ عيشهم ! وما أخطر نهاياتهم ! إن التوبة في حق كل مسرف في الخطيئة واجبة متحتمة لكن يبقى هؤلاء من أعظم الناس خطراً ، ومن أولى الناس بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى . فالله الله من الاستمرار على الخطيئة ، والبقاء على الكبيرة ، فإن الأيام تتسابق .والآجال في علم الغيب ، وما يدريك أنها أقرب إليك من حديث النفس .


    ( 24)
    من مواقف الآخرة

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن المسلم مهما عاش على وجه هذه الحياة إلا أنه يدرك أن دار الدنيا دار نُقلة ليست بدار قرار ، وهو يعلم علم اليقين أن بين يدي الساعة مواقف مهولة ، ووقفات طويلة ، تتم فيها المساءلة عن أيام الرحلة التي قضاها الإنسان في دار الدنيا ، ولأن كثيراً من الناس قد ينسى هذه المواقف نتيجة الاشتغال بهذه الحياة فإنه من المناسب جداً أن نسطّر له من صحيح السنة ما يمكن أن يسهم في إفاقته من الاشتغال بما لاينفعه والاستعداد لدار النقلة :
    فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( يوم يقوم الناس لرب العالمين )) . حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه )(137) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً ، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم )(138) . وعن سُليم بن عامر . حدثني المقداد بن الأسود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( تُدنى الشمس يوم القيامة من الخلق ، حتى تكون منهم كمقدار ميل ) قال : سُليم بن عامر : فوالله ! ما أدري ما يعني بالميل ؟ أمسافة الأرض ، أم الميل الذي تكتحل به العين . قال : : ( فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق : فمنهم من يكون إلى كعبيه . ومنهم من يكون إلى ركبتيه . ومنهم من يكون إلى حقويه . ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً ) قال : وأشار بيده إلى فيه .(139) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة . حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء )(140) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : والذي نفسي بيده لأذودنّ رجالاً عن حوضي : كما تُذاد الغريبة من الإبل عن الحوض . متفق عليه . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال أناس يارسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال : ( هل تضارّون في الشمس ليس دونها سحاب ) . قالوا : لا يارسول الله ، قال : ( هل تضارّون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ) قالوا : لا يارسول الله . قال : ( فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك ، يجمع الله الناس فيقول : من كان يعبد شيئاً فليتّبعه ، فيبتع من كان يعبد الشمس ، ويتبع من كان يعبد القمر ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون نعوذ بالله منك ، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا أتانا ربنا عرفناه ، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون أنت ربنا فيتبعونه ، ويُضرب جسر جهنّم قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأكون أول من يجيز ، ودعاء الرسل يومئذ : اللهم سلّم سلّم ، وبه كلاليب مثل شوك السعدان ، أما رأيتم شوك السعدان ) قالوا : بلى يارسول الله ، قال : ( فإنها مثل شوك السعدان غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله ، فتخطف الناس بأعمالهم ، منهم الموبق بعمله ، ومنهم المُخرْدَل ، ثم ينجو ، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده ....... الحديث )(141) .
    هذه معالم من السنة النبوية نطق بها من لا ينطق عن الهوى ، وهي مواقف ستمرّ في حياة الواحد منّا في يوم من الأيام فمن ياترى يجيزها ؟ ومن ياترى يكون ضحية هذه المواقف ؟ والسؤال المطروح اليوم ونحن نعيش رمضان هل ستبقى هذه المواقف والمعالم ماثلة في حياتنا ؟ أم أن ركام الباطل حال بيننا وبين تأملها. ، ولندرك أنه حين ننساها أو لا نعيرها ذلك الاهتمام ، أو حين نكابر بحجة أن في الزمن فسحة ، وفي الوقت فرصة فقد يكون الخلاص عسيراً ، والموقف بين يدي الله تعالى عظيماً ، والنهايات قد لا تكون تلك التي كنا نتمناها . فتقع الحسرة وحينئذ لا ينفع بكاء ولا عويل .

    (25)
    الجراح المتجددة

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    لقد ثخنت المسلمون جراحاً في أقطار الدنيا كلها شرقها وغربها وشمالها وجنوبها . وقد وعى صغارنا اليوم قبل كبارنا أن اندمال جراح في بلا د ما مؤذن بانفجار جرح آخر في بلاد غيرها . وصدق القائل حين قال :
    أنى اتجهت للإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصاً جناحاه
    فليست قضية المسلمين اليوم فلسطين فقط . بل عامة أقطار البلاد الإسلامية تعاني من الجراح . ولئن كانت بلاد من هذه البلاد لم يولها العدو وجهه فإنها تئن من الجراح الداخلي ما هو أنكى في أحيان كثيرة من الجراحات التي يتفرّج عليها العالم بأسرة . ولا أظن أحداً من المسلمين ينكر هذا . وأوضح ما يعبّر به المسلمون تجاه هذه النكبات أحاديث عابرة ، وتسخطات مقالية ، وأحاديث جانبيه . وهنا ينتهي دور المتحمسين منهم ، ناهيك عن من لايعنيه أمر المسلمين ولا يبحث عن مصائبهم . وأجزم يقيناً أن بلوى المسلمين ليست في القاعدين فقط عن التفاعل إنما هي في هؤلاء المتلمظين ، من ينثرون أحاديث الشكوى في كل زمان ومكان دون عمل مثمر ولئن أردنا الخروج من هذه المآسي بجدية فإنه يلزمنا جميعاً على كافة المستويات الفردية والجماعية ما يلي :
    أولاً : أن ننطلق في كل تصحيح نرجوه في ما يستقبل من أيام من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهما المخرج من التخلّف الذي تعانيه الأمة على كافة المستويات . أرأيتم أيها الصائمون ذلك المسلم الذي يتلمظ من واقعه ، ويحدب على زمانه ، ويشير بأصابع الاتهام إلى أفراد في الأمة أنهم هم السبب في هذا التخلف المرير ؟ ولو تتبعت أمره ، وتقصيّت أخباره جيداً لأدركت أنه يعيش تخلفاً في أصول الدين العظيمة ، ولك أن تحسب كم هي المرات التي تلذذ بالنوم عن صلاة الفجر ، وكم هي الأوقات التي فاتته صلاة العصر وهو على سرير النوم غارق في شهواته وملذاته . هذا مثال واحد فقط ، وإلا لو تتبعت آثار كثير من هؤلاء لوجدت فرقاً وبوناً شاسعاً بينهم وبين هدي الوحيين .
    ثانياً : العمل لهذا الدين ، وتجاوز الأنانية ومفهوم الفردية في حياتنا هو الكفيل بإعادة ترتيب الحياة على وجه أفضل ، وفي ديننا الحنيف نصوصاً تدعو إلى العمل ، والمشاركة في هذه الحياة عموماً ، حتى تصل هذه المشاركة في آخر أيام الدنيا . الأيام التي لا ينتظر فيها ثمار ما يزرعه أويشارك به حين قال : (( إذا قامت الساعة وفي يد أحكم فسيلة فليغرسها ........ )) . الحديث .(142)
    ثالثاً : المشاركة الإيجابية عنصر من عناصر البناء في النفس الإنسانية ، وقل أن تجد مجتمعاً من المجتمعات يشارك كل فرد منه في تخصصه بفاعليه إلا وضحت لك جوانب الفاعلية والقوة في هذا المجتمع . وليس أوضح دليل على هذا من ثورة التكنلوجيا التي يعيشها الغرب في كل جوانب الحياة المادية . لقد استغل كل فرد منهم قدرته ووظفها التوظيف الإيجابي لصالح مجتمعه ، وحينئذ تفوقت هذه المجتمعات في جوانب هذه الحياة . بينما تجد أن كثيراً من المسلمين يعيش سلبية عظيمة في حياته ، ولو سألت أي فرد من الطبقة المثقفة عن مدى مشاركته الفعلية في جوانب الحياة في مجتمعه على مستوى المسجد مثلاً أو مكاتب الدعوة أو الجمعيات الخيرية للتحفيظ والبر وغيرها من تجمعات الخير لوجدت سلبية كبيرة جداً طغت على هذه الطبقة من طبقات المجتمع ، وقل ذلك على مستويات أعلى أو أقل .
    رابعاً : الانتماء والإخاء عنصران مهمان لتجاوز التخلفات التي نعيشها . إن الأثرة وحب الذات باتت تكتب أسطرها في حياة كثير من الناس ، ونسينا أو نسي بعضنا أن أهداف الحياة أكبر من أن يعيش الإنسان فيها لذاته أو لأسرته فقط ، وإنما ينتظره دور أوسع ، يتجاوز فيه محيط الذات والأسرة إلى محيط المجتمع والأمة ، غير مبال بالفوراق مهما كانت . إن المسلم أياً كان سواء في مجتمعك الذي تعيش فيه أو حتى في أطراف الدنيا هو من إخوانك ، يجمعنا جميعاً شعار التوحيد ، وتؤلف بين قلوبنا رسالة الإسلام ، وهذا يعني أن نمد لكل هؤلاء يد المعروف والإخاء ، وأن نحي فيما بيننا روح التناصر والتآزر ، وحينها يمكن لأي طامع من الأعداء أن يفكّر كثيراً قبل أن يصنع قراراً مشؤوماً لا يدرك عواقبه .
    هذه أربعة مقومات قد تسهم في الخروج من الجراح المريرة التي تعيشها الأمة على كافة المستويات ، آمل أن تجد في رمضان بالذات اهتماماً يجعلها مثار الحديث على الأقل في أوساط المسلمين في الفترة المستقبلية من بناء الأمة . ولن نعدم حينها ممن يدعهما ، ويوسّع في أثرها ، والله المسؤول أن يجعل غاية همنا هو هذه الرسالة العظيمة التي جاء بها رسولنا صلى الله عليه وسلم .


    (26)
    حتى يغيروا ما بأنفسهم

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن الله تعالى قال في كتابه الكريم : (( إن الله لايغيروا ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ... الآية )) سورة الرعد (11) ، ومعنى هذه الآية ضمونها العام : كما قال السعدي رحمه الله تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم ) من النعمة والإحسان ، ورغد العيش . ( حتى يغيروا ما بأنفسهم ) بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر ، ومن الطاعة إلى المعصية ، أو من شكر نعم الله تعالى إلى البطر بها ، فيسلبهم الله إياها عند ذلك . وكذلك إذا غيّر العباد ، ما بأنفسهم من المعصية ، فانتقلوا إلى طاعة الله غيّر الله عليهم ، ما كانوا فيه من الشقاء ، إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة .(143). ويعلّق سيد رحمه الله تعالى في ظلاله على الآية فيقول : فإنه لايغير نعمة أو بؤسى ، ولا يغيّر عزاً أو ذلة ، ولا يغير مكانة أو مهانة .... إلا أن يغيّر الناس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم ، فيغير الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم ..... اهـ رحمه الله .(144) . إن كثيراً من الناس يشعرون بألم المعصية ، ويتحسسون لواقع الجهد في نفوسهم الذي تجلبه عليهم معاصيهم ، وضياع أوامر الله تعالى في حياتهم لكنهم في المقابل ينتظرون قراراً من غير أنفسهم يخرجهم مما يعيشون فيه من ألم ، وتجد أحدهم يسوّف في التوبة ، ويؤجل في اتخاذ القرار الذي به سعادته وحياته . وهذا النص القرآني يرشد إلى أن القرار منوط بالبداية التي هي من عند الشخص لا من عند غيره . أرأيتم قصة قاتل المئة كيف وفقه الله تعالى إلى طريق التوبة ، حينما بدأ يسأل ، ويُلح في السؤال ، ويبحث عن مخرج مما هو فيه . حينها هيأ الله له الخلاص ورزقه توبة في آخر عمره . والله تعالى لم يكتب القرب من أحد إلا بسعي منه وإقبال ألا ترى أنه قال في الحديث القدسي : من تقرّب إلىّ شبراً تقرّبت إليه ذراعاً ، ومن تقرّب إلى ذراعاً تقرّبت إليه باعاً ، ومن أتاني يمشي أتيته هروله )(145) . إن كثيراً من هؤلاء ينتظر أحدهم بتوبته التخرج من الجامعة أو اللحاق بالوظيفة أو تجاوز مناسبة قادمة ، وقد يتحقق لهم هذا فيعودون للتسويف من جديد ، وقد لا يتحقق ، ويكون الموت أسرع إلى أحدهم من وقوع هذه المناسبات ، وليت شعري حينما يرحلون إلى باريهم ، ويعاينون عند الموت ملائكة الرحمن ، ويشهدون تفريطهم ، وتسويفهم ، أنّا لهم العودة ! وكيف يصححون هذه الأخطاء . إن رمضان أيها المسلمون فرصة من أعظم الفرص لاستدراك العمر ، والإقبال على الله تعالى ، وكم ممن عاش رمضان من قبلنا كانوا يأملون أن يأتي رمضان آخر ليقررون فيه قرار التوبة المنتظر فخانهم الأمل ، وغرّهم التسويف ، وهم اليوم في ظلمة القبر ، وفي ضيق اللحود ، فلئن فاتت أؤلئك الفرصة فأنت أحرى من تكون بالاستفادة . فالله الله أن يرحل رمضان من عمرك وأنت على سابق حالك ، فإن الفرص قد لاتتكرر ، والأيام شواهد لك أو عليك . وفقنا الله وإياكم إلى التوبة ، وأرشدنا إلى طري النجاة إنه أعظم مسؤول .


    (27)
    الرحمة

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    لقد أثنى الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم على تمثّله لخلق الرحمة فقال تعالى : (( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاروهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل على الله .. الآية )) سورة آل عمران (159) .
    يقول محمد رشيد رضا في تفسيرألاية عند قوله : ولو كنت فظاً غليظ القلب .... قال : لأن الفظاظة وهي الشراسة والخشونة في المعاشرة وهي القسوة والغلظة وهما من الأخلاق المنفّرة للناس لايصبرون على معاشرة صاحبها وإن كثُرت فضائله ، ورجيت فواضله بل يتفرقون ، ويذهبون من حوله ويتركونه وشأنه لا يبالون ما يفوتهم من منافع الإقبال عليه ، والتحلّق حوله ، إذاً لفاتتهم هدايتك ، ولم تبلغ قلوبهم دعوتك . اهـ رحمه الله . (146)
    وقال سيد رحمه الله في ظلاله معقباً على الآية : فهي رحمة الله التي نالته ونالتهم ، فجعلته صلى الله عليه وسلم رحيماً بهم ، ليناً معهم ولو كان فظاً غليظ القلب ما تألفت حوله القلوب ، ولا تجمّعت حوله المشاعر ، فالناس في حاجة إلى كنف رحيم وإلى رعاية فائقة ، وإلى بشاشة سمحة ، وإلى ود يسعهم ، وحلم لايضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم .. في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء ويحمل همومهم ولا يعنيهم همه ويجدون دائماً عنده الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضا ... وهكذا كان قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهكذا كانت حياته مع الناس . ما غضب لنفسه قط . ولا ضاق صدره بضعفهم البشري ولا احتجز لنفسه شيء من أعراض هذه الحياة . بل أعطاهم كل ما ملكت يداه في سماحة ندية ، وسعهم حلمه وبره وعطفه ووده الكريم . وما من واحد منهم عاشره أو رآه إلا امتلأ قلبه بحبه ، نتيجة لما أفاض عليه صلى الله عليه وسلم من نفسه الكبيرة الرحيمة . اهـ رحمه (147)
    لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة لهذا الخلق عموماً وكيف لايكون كذلك وقد جاءت السنة بكثير من أحاديثه في الحث على هذا الجانب . فعن جرير بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لايرحم الله من لايرحم الناس ))(148) وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا أهل الأرض ، يرحمكم من في السماء ))(149) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال سمعت أبا القاسم الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم صاحب هذه الحجرة يقول : (( لاتنزع الرحمة إلا من شقي )) (150)
    يقول الغزالي رحمه الله : للرحمة كمال في الطبيعة يجعل المرء يرق لآلام الحلق ويسعى لإزالتها ، ويأسى لأخطائهم فيتمنى لهم الهدى . هي كمال في الطبيعة لأن تبلد الحس يهوي بالإنسان إلى منزلة الحيوان ، ويسلبه أفضل ما فيه ، وهو العاطفة الحية النابضة بالحب والرأفة ..... ومن ثم كانت القسوة ارتكاساً بالفطرة إلى منزلة البهائم ، بل إلى منازل الجماد الذي لايعي ولا يهتز . ...إن القلوب الكبيرة قلما تستجيشها دوافع القسوة فهي أبداً إلى الصفح والحنان أدنى منها إلى الحفيظة والاضطعنان . إن القسوة في خلق إنسان دليل نقص كبير ، وفي تاريخ أمة دليل فساد خطير . اهـ رحمه الله . (151)
    إن الرحمة أيها الصائمون تتمثّل في : اليتيم الذي يترقرق الدمع في عينيه ألا يجد من يواسيه فقد أبيه . وقد تراه أو تلمحه في زوايا بيوتات تشرئب عنقه حين رأى فاكهة أو حلوى قَدِم بها والد جيرانه إلى أهل بيته . أو حتى حين يخرج إلى زوايا المدرسة لا يجد ما يفطر به مع زملائه فيعود حبيس الفصل لا يشارك زملاءه فسحتهم . أو حين يشارك الناس في العيد لا يجد برهاناً على حاله أوضح من تلك الثياب التي هتّكها الزمن يشهد بها العيد مع أقرانه . والرحمة أيها الصائمون في جار فقير لا يجد قوت يومه أوليلته ، أو أرملة أبقاها الزمان وحيدة دون رفيق يحمل همها أو يشاركها في لأواء الحياة المريرة . أو مشلول أو مريض يقلبه أهله من سرير لآخر لا يجدون من يشاركهم هذه الهموم والآلام.
    الرحمة أيها المسلمون : في عامل ترك أهله وأبناءه منذ سنوات ، يبحث عن لقمة عيش لهم فيجهد لهم فلا يجد غير العرق برهاناً على جهده وعيشه الصعب . والرحمة أيها المسلمون في كل مخلوق حي أياً كان هذا المخلوق سواء إنساناً أو حتى حيواناً . فلئن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج ، وإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش ، فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماءً ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب ، فشكر الله تعالى له فغفر له . وفي رواية : إن امرأة بغياً رأت كلباً في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش ، فنزعت له موقها فغفر لها به .(152) . فإن الرحمة بالمخلوق أعظم من هذا بكثير حتى قال : الغزالي : لئن كانت رحمة بكلب تغفر ذنوب البغايا ، فإن الرحمة بالبشر تصنع العجائب .(153) . فأين هذه الرحمة من قلوب تحجرت ، ونسيت هذه المعالم الرحمانية فتأتي بالعمال من بلادهم لتأكل أموالهم أو لتأخّر حقوقهم أو حتى لتتناول عصا من حديد لتضربهم دون سبب واضح أو عذر مقبول . ونسوا هؤلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ابن مسعود يضرب غلام له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك عليه .(154) . فإن لم يلحق هؤلاء الظلمة قصاص في الدنيا لوجاهتهم عند الناس فإن عرصات القيامة لا تستر الظالم من الفضيحة ، ولا تؤوي الآبق من الجريمة ، وسيرىحين يقف بين يدي الله تعالى هذه العواقب أوضح معالم الحياة العادلة هناك .

    (28)
    الباب المفتوح

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن التوبة كما يقول ابن القيّم رحمه الله تعالى : هي أول المنازل وأوسطها ، وآخرها ... وهي بداية العبد ونهايته ، حاجته إليها في النهاية ضرورية ، كما أن حاجته إليها في البداية كذلك (155) ولهذا قال الله تعالى : (( وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون )) سورة النور (31) .
    وهذا أمر الله من الله تعالى في كتابه المبين لكل مؤمن ومؤمنة على وجه الأرض أن يتوبوا مما اقترفوه وأن يتوجهوا إليه بالتوبة طلباً للفلاح والصلاح . والآيات الواردة في القرآن الكريم بشأن التوبة آيات كثيرة مستفيضة ، غير أن من أعجبها وأوسعها قول الله تعالى وهو يدعوا من أسرف في الذنب ، وبلغ الذروة في الغواية إلى هذه التوبة حين قال : (( قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم )) الزمر (53) .
    فهل بعد هذه الدعوة دعوة أوسع منها ؟ وهذا رسول الهدى صلى الله عليه وسلم عرض التوبة في ثوب فسيح جداً لا يضيق إلا على محروم حين قال صلى الله عليه وسلم : ( لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة . فانفلتت منه . وعليها طعامه وشرابه . فأيس منها . فأتى شجرة . فاضطجع في ظلها . قد أيس من راحلته . فبينا هو كذلك إذ هو بها ، قائمة عنده . فأخذ بخطامها . ثم قال من شدة الفرح : اللهم ! أنت عبدي وأنا ربك . أخطأ من شدة الفرح )(156) . وفي حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنساناً ، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُل على راهب . فأتاه فقال : إنه قتل تسعة وتسعين نفساً . فهل له من توبة ؟ فقال : لا . فقتله . فكمّل به مئة . ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدُل على رجل عالم . فقال : إنه قتل مئة نفس . فهل له من توبة ؟ فقال : نعم . ومن يحول بينه وبين التوبة ؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا ز فإن بها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم . ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء . فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت . فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب . فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله . وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيراً قط . فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم . فقال : قيسوا ما بين الأرضيين ز فإلى أيتهما كلن أدنى فهو له . فقاوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد . فقبضته ملائكة الرحمة )(157) . فلاإله إلا الله ما أعظم رحمة الله تعالى ! وما أشد عطفه على التائبين ! وما أوسع مغفرته ! اشتدت فرحته تعالى في الحديث الأول إلى أن وصل إلى مثل صورة الأعرابي الذي وجد راحلته فقال اللهم أنت عبدي وأنا ربك . ووصلت مغفرته في الحديث الثاني إلى أن تجاوز لرجل قتل بيده مئة نفس ، وأدخله الجنة رغم مخاصمة أهل النار فيه . فهل ياترى بقي لأي فرد على وجه الأرض من عذر في عدم تحقيق التوبة المرجوة ؟ إن الصائمين بالذات هم أحوج ما يكونون إلى فهم هذه المعالم في التوبة ، ولئن طاشت عين خائنة ، أو تلوّك لسان في عورات الآدميين ، أو تصنّنت أذن إلى محارم الله ، أو خطت قدم إلى أماكن مشبوهة ، أو امتدت يد إلى حفنة من الربا ، فإن هذه الفئات وإن تلوثت بهذه الجرائم إلاّ أن التوبة يمكن أن تغسلها ، وتطهّر أدرانها ، وتذهب بأذاها . فقط متى ما صدقت النية ، وصح الإقبال على الله تعالى. وحينئذ سيكون الفلاح عاقبته ، والفوز نجاته من ظلمات التيه والظلام . إن التوبة يمكن أن تستوعب أي ذنب مهما كانت سوأته ، شريطة أن يقر العبد بالخطيئة في جنب الله تعالى ، وأن يعترف بالتقصير ، وأن يجد في قلبه مس الذنب ، وحرارة المعصية ، ثم يعزم على مجاوزة هذه الخطيئة مهما كانت طلباً في رضى ربه ومولاه ، وحين يتحقق له ذلك فعليه أن يلوذ بجناب الله ، وأن يقبل على ربه ، ولن يجد حياة أسعد من حياة التائبين . اللهم وفقنا للتوبة قبل الموت . وفك آصارنا من أدران المعصية التي أحاطت بنا إنك أنت الغفور الرحيم . وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .


    (29)
    أحكام الزكاة

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    تعد الزكاة الركن الثالث من أركان هذا الدين العظيم ، ونظراً لأن زكاة الفطر مرتبطة بهذا الشهر وكذلك كثير من الناس يعُد هذا الشهر تماماً للحول الذي يخرج فيه زكاة ماله ، كان من المناسب جداً أن يبيّن للناس أحكام هذه الفريضة العظيمة .
    • الزكاة فرض على كل مسلم : قال صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس شهادة أن لاإله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً ))(158) . فأثبت في الحديث أن الزكاة ركن . وهذه الزكاة إذا أداه المسلم طيبة بها نفسه تمت له فوائد عظيمة منها :
    1) تمام إسلامه لأنه أدى ركناً عظيماً من أركان هذا الدين
    2) أنها دليل على صدق إيمانه لأن المال محبوب إلى النفس ، وكون الإنسان يبذل هذا المال إلى مستحقيه إستجابة لنداء الله تعالى فإن ذلك من أعظم الأدلة على صدق هذا الإيمان .
    3) أنها تدفع عن صاحبها البلاء قال ابن القيّم رحمه الله تعالى : فإن للصدقة تأثيراً عظيماً في دفع أنواع البلاء ، ولو كانت من فاجر أو ظالم ، بل من كافر فإن الله تعالى يدفع بها أنواعاً من البلاء ، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم ، وأهل الأرض مقرون به لأنهم جربوه .اهـ (159) .
    ولها جملة فوائد قد لايفي بها هذا المقام .
    وهي أنواع :
    أولاً : زكاة الفطر وهي زكاة واجبة ، ووقت وجوبها الفطر من شهر رمضان ، وسبب وجوبها في هذا الشهر قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث ، وطعمة للمساكين ...... الحديث ))(160) . وتجب على الذكر والأنثى والحر والعبد والكبير والصغير من المسلمين ومقدارها : صاعاً من طعام أهل البلد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفكر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على الذكر والأنثى والحر والعبد والكبير والصغير من المسلمين ))(161) . ومقدار الصاع ثلاثة كيلو لكل فرد . أو كيلوين وأربعين غراماً على رأي آخر من آراء أهل العلم . ووقت وجوبها ليلة الفطر ، ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين وأفضل وقت في إخراجها قبل صلاة العيد .

    ثانياً : زكاة المبالغ النقدية
    إن عرف الإنسان وقت كل مال يدخل عليه وضبط حوله بهذه الطريقة فله أن يزكي كل مال وقت حلول الحول الذي ضبطه به ، وإن لم يستطع فإنه يجعل شهر رمضان مثلاً حولاً لكل ماله الذي بين يديه فيكون لبعضه حولاً كاملاً وللمتأخر من المال من باب تعجيل زكاته ، فيحسب المال الذي بين يديه ويخرج زكاته في هذا الشهر . ونصاب هذه النقود ربع العشر إي اثنان ونصف من المئة ، وخمسة وعشرون من الألف .

    مسألة : هل في الديون التي عند الناس زكاة ؟
    إن كان المال على غني باذل فإن الزكاة واجبة فيه كل سنة لأنه في حكم الموجود ، فله أن يزكي هذا النوع من الديون مع زكاة ماله وهذا هو الأفضل والأسرع في إبراء الذمة . أما إن كان الدين على معسر أو مماطل فلا زكاة عليه ، ولكن إذا قبضه يزكيه مرة واحدة في سنة القبض فقط . ولا يلزمه زكاة ما مضى . وهذه فتوى الإمامين الجليلين ابن باز وتلميذه ابن عثيمين رحمهم الله تعالى.

    ثالثاً : زكاة الحلي :
    ذهب جمع من أهل العلم رحمهم الله تعالى إلى وجوب الزكاة في الحلي الملبوس واختار هذا القول الشيخان عبد العزيز بن باز ، ومحمد بن صالح بن عثيمين رحم الله الجميع لجملة أدلة مذكورة في مظانها .

    رابعاًً : زكاة العروض :
    تجب الزكاة في عروض التجارة لحديث سمرة بن جندب قال : (( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع ))(162) . فمن كانت لديه بضائع أو أقمشة أو مبيعات في متجره فإنه إذا حال عليها الحول يقيمها ثم يخرج الزكاة من قيمتها . هذه بعض معاني الزكاة وأحكامها ، وحرّي بنا أن نتفقّه فيها حتى نؤديها وفق أمر الله تعالى .

    (30 )
    مع العيد
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن من سنن الله تعالى في الكون أن يعاقب بين الأيام والمناسبات فهانحن نودع رمضان في مثل هذه الليلة ، ونستقبل في الوقت ذاته أيام العيد ، الأيام التي جعل الإسلام فيها فسحة عريضة للمسلم أن يعبّر فيها عن فرحته . فأهلاً بالعيد وأيامه آملين أن يكون عيداً مباركاً على الأمة الإسلامية في شتى بقاع الأرض . غير أن هناك ثمة وقفات مهمة :
    أولاً : أن هذا هو عيد أمة الإسلام في أقطار الدنيا ، وهو اليوم الذي تعبّر فيه الأمة عن فرحتها ، وسر هذه الفرحة هو تحقيق العبودية لله تعالى بامتثال أمره في صيام هذا الشهر الكريم ، وليس عند أمة الإسلام عيداً للأم ، ولا عيداً للطفل ، ولا عيداً للميلاد ، بل ليس في قاموس الإسلام غير عيدان اثنان ، الفطر والأضحى ، وحين تلقاها الأمة لها أن تعبّر فيها عن هذه الفرحة بما شاءت شريطة ألا تخالف أمراً ،أو ترتكب نهياً لمن تتعبّد له وإلا صارت هذه الأعياد شؤماً في حياة من شهدها .
    ثانياً : لقد شرع الله تعالى لهذه الأمة في هذا العيد التكبير ، بل جُعل من شعائر العيد الخاصة حين قال عز وجل : (( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون )) سورة البقرة (185) . وللإنسان أن يبدأ في التكبير من حين غروب شمس آخر يوم من شهر رمضان ، وليصدح بهذا التكبير في البيوت وسائر الأمكنة امتثالاً لأمر الله تعالى ، وليبق يردد هذا التكبير إلى أن يخرج الإمام لأداء صلاة العيد .
    ثالثاً : للإنسان أن يتجمّل في يوم العيد ، وليخرج في أبهى حُلة لأداء هذه الصلاة ، فقد أخذ عمر جبة من استبرق تباع في السوق فأتى بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له : ابتع هذه تجمّل بها للعيد والوفود ........... الحديث )) (163) . ففيه دلالة على أن التجمّل يوم العيد كان معروفاً مشهوداً عند الصحابة رضوان الله عليهم . وعند البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن ابن عمر كان يلبس للعيد أجمل ثيابه .
    رابعاً : ينبغي للإنسان ألا يخرج لعيد الفطر حتى يأكل تمرات لما جاء عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يغدوا يوم الفطر حتى يأكل تمرات .(164) . وفي هذا الأكل مبالغة في النهي عن الصوم في هذا اليوم كما جاءت بذلك الآثار .
    خامساً : للإنسان أن يبادل أخاه بالتهنئة في يوم العيد كأن يقول الإنسان تقبل الله منا ومنكم ، وأعاده الله علينا وعليكم ، أو أي لفظ آخر رآه الإنسان مناسباً في المقام فإن الأمر واسع في ذلك كما أشار إلى ذلك غير واحد من أهل العلم رحمهم الله تعالى .
    سادساً : أن هذه الفرحة التي يشهدها المسلم يوم عيده إنما هي تعبير صادق على الانتماء لهذا المنهج العظيم ، فكما أن الإنسان صام رمضان امتثالاً لأمر الله تعالى فهاهو حين يشهد العيد إنما يشهده تلبية لأمر الله ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم . وفي هذا أعظم دلالة على صدق المسلم واتباعه منهج هذا الدين . وحين تجد المعايد في ذلك اليوم يستمع إلى أغنية أو يتلذذ بمشاهد مشينة أو يتجاوز بلسانه في أعراض المسلمين أو حتى حين يتزيّن بالعبث في لحيته أو يزيد في طول ثوبه طولاً يتجاوز به النطاق . أوحين يعبّر عن هذه الفرحة تعبيراً يخرج عن نطاق هذا العيد إنما يتجاوز بذلك هذا السياج العظيم من الشرع الحنيف ، وحينئذ لا يعيش الفرحة الحقيقية التي أذن الله تعالى بها وإنما يشطح بعواطفه إلى هناك بعيداً عن الحياة الروحية الجميلة التي يعيشها المسلم وهو يتلذذ بطاعة الله تعالى .
    سابعاً : العيد بمعناه الحقيقي هو الاجتماع والألفة والمحبة وإشباع العاطفة في نطاقها الصحيح ، ولن يجمل العيد في نفوسنا الجمال الحقيقي حتى نتجاوز كل خلافاتنا ، ونصافح كل من نلقاه على ظهر هذه الأرض ممن تربطنا رابطة الإيمان غير آبهين بأي خلاف مهما كان . آن لنا اليوم أن نرمي بكل خلافاتنا مهما كانت خلف ظهورنا ، ولنتعانق من جديد ، ولنعيد البسمة التي غابت من زمن طويل ، وحينئذ سيكون هذا العيد حين ما تحقق هذه المعاني من أجمل الأعياد في تاريخ الواحد منا .
    وأخيراً : غداً العيد ، وغداً تتجلى كل معاني المحبة والصفاء والنقاء ، غداً ستعبّر النفس عن عواطفها تعبيراً صادقاً يضمن لها حياة السعداء بهذا الدين ، وبين هذا المساء ويوم غد سينطلق التكبير في الأفنية الواسعة من بيوتنا ، وفي الأسواق وتجمعات الناس ، وغداً تدوي طرقاتنا بالتكبير من كل مكان ، فيالله ما أعظم أمة الإسلام حينما ترتبط بمنهجها راضية به ، واثقة منه ، مطمئنّة به .

    وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

    المراجع
    اسم المرجع المؤلف
    القرآن الكريم
    الجامع بين الصحيحين صالح الشامي
    زوائد السنن صالح الشامي
    السنن الأربع الأئمة الأربعة
    المسند الإمام أحمد
    صحيح الجامع الصغير الألباني
    إرواء الغليل الألباني
    مشكاة المصابيح الألباني
    السلسلة الصحيحة الألباني
    صحيح الترغيب والترهيب الألباني
    غاية المرام تخريج أحاديث الحلال والحرام الألباني
    تفسير القرآن العظيم ابن كثير
    تيسير الكريم الرحمن السعدي
    الجامع لأحكام القرآن القرطبي
    المنار محمد رشيد رضا
    في ظلال القرآن سيد قطب
    الوابل الصيّب ابن القيّّم
    التاريخ الإسلامي مواقف وعبر عبد العزيز الحميدي
    الشرح الممتع محمد صالح العثيمين
    تدبر القرآن سليمان السنيدي
    فقه الاعتكاف د/ خالد المشيقيح
    فتاوى الصلاة والصيام والزكاة عبد العزيز بن باز
    صلاح الأمة في علو الهمة سيّد العفاني
    الرقائق محمد أحمد الراشد
    جامع العلوم والحكم ابن رجب
    جامع الفقه لابن القيم جمع /يسري السيد
    جامع الآداب لابن القيم جمع / يسري السيد
    طريق الهجرتين ابن القيم
    مدارج السالكين ابن القيم
    زاد المعاد ابن القيم

    فهرس الكتاب
    الموضوع الصفحة
    المقدمة 2
    بشائر وفضائل 4
    لعلكم تفلحون (1) 7
    لعلكم تفلحون (2) 9
    فيدارسه القرآن (1) 12
    فيدارسه القرآن (2) 15
    العمرة في رمضان 17
    فإن سابه أحد 19
    صلة الأرحام 21
    فلا يرفث ولا يجهل 23
    الذكر فضائل وثمار 25
    الدعاء ثمار وفوائد 27
    قيمة الزمن في حياة المسلم 29
    شهر الإنفاق 31
    مسؤولية الرعاة 34
    فتحت أبواب الجنة 37
    وغلقت أبواب النار 40
    غزوة بدر (1) 42
    غزوة بدر (2) 44
    من شعائر الإسلام 46
    العشر الأواخر 48
    ليلة القدر 51
    الاعتكاف 54
    كبائر وموبقات 56
    من مواقف الآخرة 58
    الجراح المتجددة 60
    حتى يغيروا ما بأنفسهم 62
    الرحمة 64
    الباب المفتوح 67
    أحكام الزكاة 69
    مع العيد 71
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-10-03
  11. علي المآربي

    علي المآربي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-03-10
    المشاركات:
    5,835
    الإعجاب :
    0
    حتى لا نصاب بالفتور في رمضان للمنجد

    [grade="FF4500 4B0082 0000FF 000000 F4A460"]
    محاضرة للشيخ / محمد المنجد

    بعنوان/
    حتى لا نصاب بالفتور في رمضان
    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.{يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون}{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا}{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا}{يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما} أما بعد:-
    فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد-صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
    الحمد لله الذي أنعم علينا ببلوغ هذا الشهر الكريم نحمده سبحانه وتعالى على آلائه العظيمة ومننه الكبرى وكرمه البيّن سبحانه وتعالى ما أكرمه وما أعظمه لا إله إلا هو ولا رب سواه. أيها المسلمون هذه نعم الله تتجدد بمرور أيام رمضان وهذه آلائه تتوالى علينا بتوالي ليالي هذا الشهر الفضيل وما عشنا من يوم في هذا في رمضان فهو، كيفة من الله، وما بلغنا زيادة في هذا الشهر فهو منّة من الله فإن من عباد الله من أوقفه انتهاء أجله عن إكمال هذا الشهر الكريم، إن من الناس من أوقفته المنيّة عن الاستمرار في هذا الشهر المبارك فلله الحمد على هذه النعمة، أيها المسلمون إن معرفة نعمة الله علينا في هذا الشهر هو الذي يجدد النشاط في النفس ويبعث العزيمة على الاستمرارية في العبادة والوفاء بعهد الله الذي عاهدنا عليه عهد الله علينا أن نعبده لا شريك به شيئا، وعهد الله علينا أن نعبده دائماً وأبدا لا نتوقف عن عبادته في زمن ونعبده في زمن وإنما مشاور هذه الحياة كلها عبادة لله رب العالمين {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}.، ذهب المسلمون فيما يلي تنبيهات على أمور تتعلق بهذا الشهر الكريم نحن الآن على مقربة من نهاية الثلث الأول وقد أنهينا ثلث رمضان فلا بد من حسا، كيفف مضت أيام الشهر الماضية؟وكيف انقضت لياليه، ذهبب الثلث والثلث كثير فماذا فعلنا وقدمنا فيما مضى وهل من عملية تحسين ومضاعفة وازدياد في العبادة فيما سيأتي.أيها الناس إننا نشعر بنوع من نقص العبادة ونوع من التكاسل والفتور في وسط رمضان هذا شيء ملاحظ فإن الناس في العادة ينشطون في أيام رمضان الأولى لما يحسّون من التغيير ويجدون شيئاً من لذة العبادة نتيجة الشعور بالتجديد في أول الشهر ثم ما ليبث هذا الشعور أن يبدأ في الاضمحلال ويصبح الأمر ن، ونلاحظ الرتابة في العشر الأواسط ونلحظ هدأ الرجل على بعض الصلوات في المساجد خلافاً لما كان عليه في أول الشهر، ونلاحظ نوعاً من القلة في قراءة القران في وسط الشهر عما كان عليه في أوله، ثم تأتي العشر الأواخر بعد ذلك وما فيها من القيام وليلة القدر لتنبعث بعض الهمم والعزائم مرة أخرى، لكن فكروا معي هل من الصحيح أن يحدث لدينا نوع من التكاسل ونوع من الفتور في وسط هذا الشهر أمن أنه ينبغي علينا استدراك ذلك ويجب علينا أن لا نخسر شيئاً من أيام رمضان ولا نركن إلى شيء من البرود في أواسط هذا الشهر ولعل من أسباب هذا أن بعض الناس يحسون بالعبادة في أول الشهر فإذا مر عليهم فترة فإن عبادتهم تتحول إلى عادة وشيء رتيب، فما هي السبل لمنع هذا التحول كيف نمنع تحو ل عبادتنا عبادة الصيام إلى عادة كيف نعيد اللذة والحيوية إلى هذه العبادة ونحن في أواسط رمضان؟
    أولاً:ينبغي أن نحقق التعبد في الصيام باستحضار النية أثناء القيام به وأن العبد يصوم لرب العالمين، النية لا بد أن تكون موجودة دائماً الصيام لله رب العالمين، والهدف من هذا الامتناع "أي: الملذات" إرضاء رب العالمين(إنما الأعمال بالنيات).
    ثانياً:مما يمنع تحول صيامنا إلى عادة..أن نستمر في تذكر الأجر في هذا الصيام وفضيلة العبادة في هذا الشهر الكريم، تذكر دائماً ونعيد إلى الأذهان حديثه-صلى الله عليه وسلم-(من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له متقدم من ذنبه، فما هو الشرط في هذه المغفرة؟إنه الاحتساب في كل الشهر، ليس في أوّله فقط وإنما الاحتساب شرط في حصول المغفرة الاحتساب في جميع أيام الشهر، في أوله وفي وسطه وفي آخره فالمحتسب على الله في الأجر يشعر بكل يوم وبكل صوم ويرجع دائماً إلى الله سبحانه وتعالى يطلب المغفرة.
    ثالثاً:أن نتمعن في هذا الأجر العظيم الذي يكون بغير اعتبار عدد معين، (كل عمل ابن آدم له كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مئة ضعف، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)الصيام سبب لتكفير جميع الذنوب، إلا الكبائر، الصلوات الكبائر والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهنّ إذا اجتنبت الكبائر؛ لا بد أن لا تغيب هذه الأحاديث عن أذهاننا ونحن الآن أشرفنا على الثلث الثاني من شهر رمضان، الصيام يشفع لك يوم القيامة، يقول الصيام:أيا ربي منعته الطعام والشهوة، منعته الشهوات في النهار فشفّعني فيه.هكذا يقول الصيام يوم القيامة.
    رابعاً:فضائل الصيام وأهله كثيرة متعددة يفرح الصائم بفطره، وعند لقاء ربه، والباب المخصص الذي يدخله الصائمون إلى الجنة "باب الريان" والخلوف الذي هو أطيب عند الله من ريح المسك وفتح أبواب الجنة وتغليق أبواب الجحيم وسلسلة الشياطين مما يمنع تحوّل الصيام إلى عادة مما يعيد الحيوية إلينا في وسط الشهر هذا أن نعرف حديثه-صلى الله عليه وسلم-(إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومردت الجن وغلّقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادي منادي كل ليلة- أول الشهر وأوسط الشهر وآخر الشهر كل ليلة- في جميع رمضان يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر)ثم انتبهوا أيها المسلمون لهذه العبارة العظيمة في هذا الحديث عبارة حساسة جداً تجعل الصوم عبادة لنا في جميع الشهر، عبارة تمنع من تحول صيامنا إلى عادة، عبارة تمنعنا من التكاسل والفتور، قال-صلى الله عليه وسلم-(ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة)فقد تكون أنت عتيق الله من النار في أواسط هذا الشهر، فلماذا الكسل والتواني؟لابد من الانبعاث وإعادة الهمة.
    خامساً:ونتذكر كذلك أن بعض كتب الله العظيمة نزلت في أواسط رمضان، قال- صلى الله عليه وسلم-(أنزل الإنجيل بثلاث عشرة مضت من رمضان وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان)فنزول الإنجيل والزبور كانا في الوسط وسط هذا الشهر الكريم، كما كان نزول صحف إبراهيم-عليه السلام-والتوراة في أول الشهر، ونزول القرآن العظيم في أواخر الشهر.
    سادساً:من الأسباب التي تمنع تحول هذه العبادة إلى عادة التأمل فيها والوقوف على شيء من حكم الله؛ توحيد المسلمين، المواساة الإحسان، أثر الجوع والعطش والأمر بضبط النفس..أمور كثيرة.
    سابعاً:التفكر حديثه-صلى الله عليه وسلم-(رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يفغر له من أدرك شهر رمضان ولم يغفر له فأدخله الله النار فأُدخل النار فأبعده الله قال جبريل لمحمد:قل آمين، قال محمد-صلى الله عليه وسلم-:آمين.
    ثامناً:تنويع العبادة في أيام الشهر صيام، قيام، قرآن، إطعام، إنفاق، زكاة وصدقة، وصدقات..وهكذا تتنوع العبادة، فيتجدد النشاط وتعود الحيوية، يا عباد الله لا تفقدوا لذة مناجاتكم وعبادتكم لله في أي جزء من هذا الشهر، وكذلك التعبير عن الابتهاج والتذكير في مجامع الناس بعظمة هذا الشهر وحلاوة أيامه ولذة عبادته.
    تاسعاً:ومن الوسائل، عد كم ذهب من الشهر يرجعك إلى الحقيقة ويبين لك ما بقي، فتشعر بالرغبة في مزيد من الاجتهاد كم مضى من شهرنا..كم ذهب من شهرنا..كم ذهب؟ذهب الثلث والثلث كثير.
    عاشراً:مقارنة الحالب ما قبله وما بعده، قارن حالك بما قبل الشهر وبما بعده لتعرف عظمة هذا الشهر..لتعرف قيمة هذا الشهر قبل أن يفوت الأوان فلا تفدك المعرفة.
    الحادي عشر:تذكر طول الوقت الذي سيمر حتى يأتي شهرنا مرة أخرى تذكر طول الوقت الذي سيمر حتى يأتي هذا الشهر مرة أخرى، أشهر طويلة عديدة مديدة ستبقى حتى يأتي الشهر مرة أخرى هذا التذكر يبعث إلى ازدياد النشاط ومضاعفة العبادة وترك الكسل ونفض الغبار والقيام لله رب العالمين.
    الثاني عشر:ابتغاء وجه الله في هذا الصيام قال-صلى الله عليه وسلم-(من صام يوماً في سبيل الله-يعني:صابراً ومحتسباً، وقيل في الجهاد-باعد الله بذلك اليوم حر جهنم عن وجهه سبعين خريفاً)وقال(من صام يوماً في سبيل الله باعد الله من جهنم مسيرة مئة عام)وقال(من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض)وقال(من صام يوماً في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفاً).
    وثانياً أيها المسلمون:إن الاجتماع لقيام الليل لم يشرع إلا في رمضان وصلاة التراويح هذه عبادة جليلة ينبغي أن تعطى حقها، هذا القيام لابد أن يقام بحقه، التبكير إلى المساجد وعدم تضييع صلاة العشاء في الجماعة الأولى والفرض أهم من النفل.
    ثانياً:أن لا يكون تقصد مساجد معينة للصلاة فيها من أجل جمال الصوت فقط وحسن النبرة وإنما ينبغي أن يكون الالتذاذ بسماع كلام الله وفهمه أعظم من الاستلذاذ بسماع صوت القارئ ولحنه، ينبغي أن يكون الالتذاذ بسماع كلام الله وفهمه أكبر وأعظم من الاستلذاذ بسماع صوت القارئ ولحنه، وهذه نقطة مفقودة عند كثير ممن يسعون ويجرون ويتنقلون في المساجد، ونريد من المسلمين أن يعقلوا كلام الله، ولا بأس بأن يقبلوا على صاحب الصوت الحسن فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنه، والتفاعل مع الألحان أكثر مما يتفطنون للمعاني ومعرفة فقه هذا القرآن وهو يتلى على مسامعهم.
    ثالثاً:استحضار القلب عند الآيات الرحمة..العذاب..الثواب..العقاب..القصص..الأمثال..أهوال القيامة..ذكر أسماء الرب وصفاته-جل وعلا- فينبغي أن تكون الأذان حاضرة للإيصال هذا إلى القلوب الحاضرة الحية لينبعث تذكر ويحدث التفاعل مع سماع هذه الآيات، ونظرة إلى بعض الناس الذين يخشعون في الذكر و لا يخشعون في الدعاء ما لا يخشعون في التلاوة و لا في سماع كلام الله...أمرٌ عجيب! يتعجب المسلم من حالهم! فينبغي أن يُعرَفَ قدر الكلام...وقدر الكلام بقدر المتكلم كلام الله لا شيء أعلى منه، كلام الله لا شيء أحلى منه، و كلام الله لا شيء أجل منه و لا أدعى على التقبل و لا التذكر و لا التأثر و لا الخشوع لا شيء أدعى من كلام الله إلى كل ذلك.
    رابعاً: عدم رفع الصوت بالبكاء و النحيب و الصياح
    كان صلى الله عليه و سلم يصلي و في صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء كما تغلي القدر بهذا الصوت المكتوم كان صلى الله عليه و سلم يبكي في صلاته. فالإخلاص في كتم البكاء والصياح وعدم الزعيق ورفع الصوت.بكاء القلب أهم!كان بكاء السلف في الصلاة نشيجاً ودموعاً تسيل، وربما يبكي أحدهم تسيل دموعه ولا يشعر من بجانبه. هذا هو الإخلاص لا صياحاً و لا صراخاً...لا صياحاً و لا صراخاً...عليك بالتأثر الذي لا يشعر به الناس.
    ثالثاً:السحور
    عبادة جليلة يغفل عنها الكثيرون و ينامون عنها وعن صلاة الفجر!، ومع الأسف نجد قلة عن المتوقع في صلاة الفجر في رمضان والسبب من الأسباب عدم الاستيقاظ للسحور، السحور بركة كما قال صلى الله عليه وسلم عليكم بهذا السحور فإنه هو الغداء المبارك هلم إلى الغداء المبارك - يعني السحور - نعم السحور التمر...السحور هذه الأكلة بركة فلا تدعوه قال صلى الله عليه و سلم(فلا تدعوه و لو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء فإن الله و ملائكته يصلون على المتسحرين فصل ما بين صيامنا و صيام أهل الكتاب أكلة السَحَر). فاعتني بالسحور
    أولاً:لأن الله و ملائكته يصلون على المتسحرين.
    ثانياً:لأن فيه بركة.
    ثالثاً:لأن فيه مخالفة لأهل الكتاب و يجب أن نخالف اليهود و النصارى
    رابعاً:أنه أعون على الصيام
    خامساً:أنه أضمن لأداء صلاة الفجر
    فعليك به يا عبد الله و لا تُفَوِّته...كيف و هو بركة!فيه بركة ما لا يوجد في غيره من الوجبات.
    و عليكم كذلك بالحرص على تفطير الصائمين في الداخل و الخارج (من فطر صائماً فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء)... من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء...احرص على إطعامه...وإشباعه...و إيصال الطعام إليه بغير منة ولا أذى، وإنما تحمد ربك أن هيأ لك الفرصة لأن يطعم الصائم من طعامك ويشرب من شرابك.فليست الولائم التي تقام لتفطير الصائمين مجالاً للترح ولا للبذخ ولا للأشر والبطر ولا للفخر والخيلاء...و إنما هي مجال لأن تتواضع لله و تشكره أن هيأ لك هذا العدد من الناس ليفطروا عندك و يأكلوا من طعامك.وتذكر خوانك المسلمين في أقاصي الأرض ممن لا يجدون طبقاً واحداً من الأطباق التي تزخر بها مائدتك...فاتق الله يا عبد الله!
    و كذلك من الوصايا...تلاوة القرآن العظيم في هذا الشهر، و سيأتي له تفصيل إن شاء الله.
    و من الوصايا: قوموا إلى نسائكم...قوموا إلى نسائكم يا أيها المسلمون...يا أيها الرجال...قوموا إلى نسائكم فعلموهن كيفية الصيام و آداب الصيام.قوموا إلى نسائكم اللاتي يأتين إلى المساجد فعلموهن أموراً ومنها:
    صلاة المرأة في بيتها خير لها...قال صلى الله عليه و سلم (و بيوتهن خير لهن)...قال لأم حميد زوجة أبا حميد الساعدي(قد علمت أنك تحبين الصلاة معي) ثم قال لها(وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي)بين لها أن الصلاة في قعر بيتها خير لها من الصلاة في المسجد، وكلما كانت أعمق في البيت كلما كان أفضل وصلاتها في مسجد قومها خير لها من الصلاة في المسجد النبوي! النبوي! المسجد النبوي.ولكن إن أرادت المرأة أن تذهب إلى المسجد، فلا تمنعوا إماء الله مساجد الله و قد جاء الجمع بين الفقرتين في حديث واحد (لا تمنعوا نساءكم المساجد، و بيوتهن خير لهن).علموهن هذه المسألة.
    ثانياً:قوموا إلى نسائكم فأمروهن بالحجاب. الحجاب يا أيها الرجال المسلمون... يا أرباب الأسر...يا أيها الرعاة الذين يرعون شؤون العائلة أنتم المسؤولون أمام الله كل واحد توجد امرأته في الشارع حاسرة مقصرة في الحجاب سواء كان قصيراً أولا يستر الوجه والبدن أو شفافاً أو ضيقاً فهو المسؤول عنها. وهو الذي يشاركها في الإثم قطعاً وهو الساكت عن الحق، و هو الشيطان الأخرس، وهو الذي أقر الخبث في أهله. هو الذي أقر فيهم السوء و هو الذي يراها تمشي ولا ينكر، وهو الذي يراها تسفِر و لا يغيّر. فتباً لمعاني الرجولة كيف اضمحلت في نفسه وكيف نقص الإيمان وكيف زال التأثر بقول الله {قوا أنفسكم و أهليكم ناراً وقودها الناس و الحجارة} وقودها الناس – أنفسهم – والحجارة. هؤلاء هم وقودها. كيف ترضى أن تخرج امرأتك و لو إلى المسجد في حالة من قلة الحياء والحجاب والتقصير في اللباس الشرعي...لو ظهرت أظافرها مقصرة وأنت ساكت فأنت آثم و مشارك في العدوان وفتنة المسلمين. لو ظهرت أظافرها وأنت ساكت وأنت تعلم فأنت مشارك في الإثم والعدوان. كان النساء في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم إذا خرجن من بيوتهن إلى الصلاة يخرجن متبذلات بعيدات كل البعد عن الزينة – متلفعات بالأكسية، لا يعرفن من الغَلَس...لا يعرفن...كأنهن غِربان...أسود في أسود لا يرى منها شيء.
    والآن زوجاتنا، بناتنا، أخواتنا، وحتى أمهاتنا...كثير من المسلمين يعيشون حالة عجيبة من التقصير ونندهش من هذا الشهر الذي هو فرصة للتوبة و التغيير...كيف لم يحدث فيه تغير في الحجاب؟ زينة وماكياج وبهرجة وتجمل ولبس أحسن الثياب وتبخر وتطيب وخلوة بالسائق وهذا الزوج الذي يقر الخبث في أهله...هؤلاء الناس رجالاً و نساءً ما موقفهم أمام الله والسيئة تضاعف في رمضان ما لا تضاعف في غيره؟ تضع حجابها في السيارة فإذا نزلت إلى المسجد لبسته، كحال الرجل الذي يحمل معه المشلح، فإذا وصل إلى مكان الوليمة الرسمية نزل فترجّل فلبس المشلح ودخل! و هكذا يفعل هؤلاء أو بعض هؤلاء ورجالهم في غيهم ساجرون...ورجالهم في سبل الشيطان ماشون منهمكون. (أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية)! تقول: ما علاقتنا؟ ما علاقتك؟ {قوا أنفسكم و أهليكم ناراً وقودها الناس و الحجارة}
    لا لإهمال الأطفال في البيت ولا لإحضار المزعجين إلى المساجد لإشغال المصلين والتلبيس على الإمام والتشويش على عباد الله. أوصوهن بعدم الانشغال بالقيل والقال وارتفاع الأصوات بعد الصلاة لدرجة يسمعها الإمام و الناس. أوصوهن بتراص الصفوف وسد الخلل وملئ الفُرَج فصفوف النساء في المساجد مليئة بالمآسي. انصحوا نساءكم أن لا يقضوا رمضان في المطبخ، وليبقين من الأوقات للعبادة فهي الأساس وهي الهدف وهي أعظم شيء في هذا الشهر. لا تكلفوهن بكثرة الطبخ، بل أنتم تنهوهن عن التمادي والتفنن وتضييع الأوقات فيه...هذا من وضيفتكم.
    يا عباد الله، تجنبوا تحويل ليالي هذا الشهر الكريم إلى ليالي أنس مع الخلائق و مجالس معاصي، ولعب ورقص، ومسلسلات وأغاني، وطبل و زمر، وولائم يتفنن فيها في المأكولات، و ترمى فيها الأطعمة في براميل القمامة. الأمر أعظم من ذلك!
    قد رشحوك لأمر لو فطنت له...فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
    إذا كنا نخفف من صلاة التراويح حتى لا يشرد المتذمرون و لا يهرب المقصرون الكسالى و حتى يدرك أصحاب الأعمال و الوظائف أعمالهم فهذا لا يعني أن تنقطع العبادة بعد صلاة التراويح، بل بقي لك من قراءة القرآن والصلاة – مثنى مثنى – إذا أردت دون أن تعيد الوتر...بقي لك متسع، والنوم مبكر و إدراك الفجر وأكلة السَحَر...مناقشة جمع الزكوات وتوزيع الصدقات ووصل الرحم وبر الفقراء...قال الله تعالى {و بالأسحار هم يستغفرون} ولم يقل يطبلون ويزمرون! وهؤلاء الناس في الأسحار يطبلون و يزمرون وقت النزول الإلهي في الثلث الأخير من الليل في شهر رمضان في الليالي المباركة يعصون الله سبحانه و تعالى. يقول الله (هل من سائل فأعطيه؟) و أصحابنا في وادٍ آخر...(هل من تائب فأتوب عليه؟) و هؤلاء القوم في لهوهم وشغلهم عن ربهم و عن العبادة. تجنبوا قرناء السوء في هذا الشهر الفضيل. أيها الشباب:دعوا الأرصفة وأقبلوا على الله... أيها الشباب:دعوا الأرصفة وأقبلوا على الله واتركوا العود وهلم إلى التوبة وإلى هذا الموسم الفضيل. اللهم اجعلنا ممن عمّر هذا الشهر بالعبادة ...اللهم أعنا فيه على ذكرك و شكرك وحسن عبادتك...وارزقنا توبة نصوحا...وعملاً متقبلا...وصياماً مبرورا...وقياماً مشكورا. اللهم إنا نبرأ إليك من تقصيرنا...اللهم إنا نسألك أن تتجاوز عما أسرفنا فيه من حق أنفسنا. أقول قولي هذا و استغفر الله لي ولكم.
    الحمد لله...وسبحان الله...ولا إله إلا الله...والله أكبر...ولا حول ولا قوة إلا بالله...أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، رب العرش العظيم، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن. سبحانه والله الذي لا إله إلا هو...إنه ينبغي علينا أن نحبه أكثر من أي شيء. اللهم اجعلنا ممن يحبونك واجعل حبك أحب إلينا من الماء البارد على الظمأ. صلى الله وسلم على نبينا محمد السراج المنير...الداعي إلى الله بإذنه...البشير النذير...الذي أدى رسالة ربه وبلغ الدعوة ووفى الأمانة – صلى الله عليه و على آله و صحبه أجمعين – الذي حبه مقدم على حب البشر أجمعين.
    (لا يؤمن أحدكم حتى يكون رسول الله أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)اللهم أجعل حب رسولك مما تعمر به قلوبنا.
    أيها المسلمون عمرة في رمضان تعدل حجة، أجر عظيم وموسم فضيل وثواب جزيل ورب كريم،أبواب الخير مشرعة والبقية عليك يا عبد الله لإكمال المشوار،(عمرة في رمضان تعدل حجة).وفضيلة هذه العمرة في جميع أيام الشهر، هذه الحجة ليست قاصرة على العمرة في العشر الأواخر فإذا رأى المسلم أن من مصلحة عبادته استباق الازدحام الشديد جداً الذي لا يطيقه ويعطله عن أعماله وعن شغله حتى في نفسه وطعامه وشرابه فعليه أن يبادر وإذا رأى أن تشتيت ليالي العشر بالأسفار وفوات القيام سيتحقق فلا بأس عليه أن يعتمر في العشر الأول أو الأواسط، أو كان ممن للمصلحة في بقائه في بلده في العشر الأواخر، أو يخشى عدم التمكن من حجز مكان للسفر فليبادر الآن بالذهاب فالبيت قريب والسبيل آمن والأجر عظيم؛ كم من الناس يتمنون أن يعتمروا وأن يأمّوا البيت العتيق فلا يتمكنون...ولا يستطيعون من ظلم ظالم... أو فقر فقير لا يستطيعون أن يأتوا البيت العتيق، فأنت قريب والسبيل آمن ولله الحمد فلماذا لا تبادر بالذهاب.
    ونوصي إخواننا الذين سيذهبون في رمضان إلى مكة والآن العطلة دراسية قريبة وبعدها سيعقبه سفر وأسفار نوصي الذين يذهبون لقضاء العشر وغيرها بجوار بيت الله الحرام بما يلي:-
    أولاً:اغتنام الوقت في تحصيل أكبر قدر من الأجر، واجتناب الانشغال بسفاسف الأمور كتضيع الوقت في الطبخ والبحث عن الأطعمة فكل مما تيسر،وكذلك الانشغال في الصف في الأسواق،أسواق مكة وتضيع الواجبات الأساسية والأهداف الأساسية من رحلة العمرة.
    ثانياً:الطالة المكث في بيت الله الحرام ما أمكن، والاعتكاف فإن فيه أجر عظيماً حتى لا يذهب الوقت في المساكن والشقق المستأجرة فتعظم الخسارة فصل الصلاة بالصلاة،وطف ،وانتظر الصلاة بعد الصلاة في المسجد الحرام فمن جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة.
    ثالثا:ًعدم إضاعة الوقت بالكلام في الحرم مع الأصحاب والأصدقاء أو استقبال الغادين والرائحين واستيقاف الأصحاب والفرجة على الناس والطائفين، وإنما دع الوقت الأكبر لعبادة ربك والخلوة به.
    رابعاً:ربط الحزام في مسألة النوم،وعدم الإكثار منه لأنك ستكون في حالة استنفار لأجل العبادة.
    خامساً:عدم الاشتغال بالمفضول عن الفاضل بأمور وأنشطة تعطل عن المقصود الأساسي لرحلة العمرة، فخذ من هذا وهذا واجعل السهم الوافر للهدف الأساسي والأعظم أجرا.
    سادساً:الاستعداد الدائم والتبكير لصلوات،لآن بعض الناس يضيعون تكبيرة الإحرام تقصيراً ولا يعلم قدر ثواب إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام في الحرم إلا الله عز وجل؛ فهنيئاً لمن طابت سفرته وعظمت عبادته وأصاب بعمرته السنّة.
    اللهم اجعلنا من أهل السنة والقائمين بالسنة والمحافظين على السنة أحينا على السنة وأمتنا على السنة اللهم اجعل شهرك هذا شهر نصر للإسلام والمسلمين وشهر عزة وتمكين للمجاهدين،اللهم اقمع أعداء الدين اللهم شرّدهم وشرّد من خلفهم،اللهم اجعلهم عبرة للمعتبرين،اللهم أهلك اليهود وأعوانهم وطهّر بلاد المسلمين من رجزهم وانجاسهم،اللهم إن في العباد والبلاد من اللئواء والشدة والضنك مالا نشكوه إلا إليك،اللهم ارفع الظلم عن المظلومين،اللهم فرج هم المهمومين ونفس كرب المكروبين وفك أسرى المأسورين واجعل بلاد المسلمين على التوحيد خالصةً لك قائمة لك،اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الزيغ والفساد والعناد،اللهم ارزقنا توبة نصوحة ومغفرة في هذا الشهر العظيم،نسألك بأسمائك الحسنى أنت الكريم أنت المنان أنت الحي القيوم أن تغفر لنا ي ساعتنا هذه أجمعين وأن تجعلنا من عتقائك من النار في هذه الساعة من يوم الجمعة من شهر رمضان أنت أكرم الأكرمين وأنت أرحم الراحمين أنت إلـهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا سواك سبحانك وتعالى،تعاليت وتقدست أسمائك؛إن الله يأمر بالإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يغظكم لعلكم تذكرون فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون. [/grade]
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-10-03
  13. علي المآربي

    علي المآربي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-03-10
    المشاركات:
    5,835
    الإعجاب :
    0
    بشائر وفضائل بقدوم رمضان
    الحمدُ للهِ الذي أنشَأ وبَرَا ، وخَلَقَ الماءَ والثَّرى ، لا يَغِيبُ عَنْ بَصَرِهِ صَغِيرُ النَّملِ في الليلِ إذا سَرَى ، وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ لَه ، لا يَعزُبُ عَنْ عِلمِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ في الأرضِ ولا في السَّماء ، ((لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى)) ، وأشهدُ أنَّ نبيَّنا محمداً عبدُهُ ورَسُولُهُ المعُوثُ بالرَّحمَةِ والهُدى ، صلى الله عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَنْ سَارَ على نهجِهِ واقتفى ، أما بعد:
    أيها الأحبةُ في الله: إنَّ مَشهَدَ رَمَضَانَ مِنْ المَشَاهِدِ الحَيَّةِ في حَياةِ المُسلمين ، وإنَّ مِنْ تَوفِيقِ اللهِ تعالى لِعَبدِهِ ، أنْ يُبَلِّغَهُ مَشَاهِدَ الخيرِ وأيَّامُ الطَّاعَةِ ، وشَهرُ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ المشاهِدِ العَظِيمَةِ في حَيَاةِ المُسلِمِين ، يَنتَظِرُونَهُ في كُلِّ عَامٍ مَرَة ، ويَشهَدُونَ بِلُقيَاهُ عَظِيمَ الفَرحَةِ في قُلُوبِهِم . وقد كانَ النبيُّ  يَعُدُّ شُهُودَ هَذَا الشَّهرِ مِنْ نِعَمِ اللهِ تعالى ، فَيُبَشِّرُ بِهِ عِنْدَ قُدُومِهِ ، فعَنْ أبي هريرة  قال قالَ رسولُ اللهِ  يُبَشِّرُ أصحَابَهُ: { قَدْ جَاءَكُمْ شَهرُ رَمَضَانَ ، شَهرٌ مُبَارَكٌ ، افتَرَضَ اللهُ عَلَيكُمْ صِيَامَه ، تُفَتَّحُ فِيهِ أبوابُ الجَنَّة ، وتُغَلَّقُ فِيهِ أبوابُ الجَحِيم ، وتُغَلُ فِيهِ الشَّيَاطِين ، فِيهِ لَيلَةٌ خَيرٌ مِنْ ألفِ شَهرْ مَنْ حُرِمَ خَيرَهَا فَقَدْ حُرِم } رواه أحمد . وفي صَحِيحِ السُّنَّةِ ما يُبَيِّنُ بِجَلاءٍ عَنْ فَضَائِلٍ عَظِيمَةٍ تَصحَبُ هَذَا الشَّهر ، وتَحِلُّ مَعَ قُدُومِه ، وهِيَ كَثِيرَةٌ عَظِيمَةٌ نَسُوقُ بَعضاً مِنْها:
    أولاً: أنَّ الصِّيَامَ يَغفِرُ الذُّنُوبَ ويُكَفِّرُ السَيِّئَات : قالَ  : { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيماناً واحتِسَاباً غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه } متفق عليه .
    ثانِياً: أنَّ اللهَ تعالى خَصَّ نَفسَهُ يِجَزَاءِ الصَّومِ دُونَ غَيرِهِ ، فقال : قالَ اللهُ تَعَالى: { كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ لَهُ إلا الصَّومَ فإنَّهُ لِي وأنَا أجزِي بِهِ } متفق عليه.
    ثالِثاً: أنَّ الصِّيَامَ يَشفَعُ لِصَاحِبِهِ يَومَ القِيَامَة ، قال  : {الصِّيَامُ والقُرآنُ يَشفَعَانِ للعَبدِ يَومَ القِيَامَة ، يَقُولُ الصِّيَام: أي رًبٍّي مَنَعتُهُ الطَّعَامَ فَشَفِّعنِي فِيهِ ، ويَقُولُ القُرآنُ مَنعتُهُ النَّومَ بالليلِ فَشَفِّعنِي فِيهِ ، قالَ : فَيَشفَعَانِ} رواهُ أحمد .
    رابِعَاً: أنَّ الصَّومَ وِقَايَةٌ وحِجَابٌ مِنْ النَّار ، قال  : {الصِّيَامُ جُنَّةٌ يَستَجِنُّ بِهَا العَبدُ مِنْ النَّار} رواه الطبرانِيُّ وصَحَحَهُ الأبانِي .
    خَامِسَاً: أنَّ خَلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أطيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسك ، عن أبي هُريرَةَ  قال قال رسول الله : { لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْك } متفق عليه.
    سادِساً: أنَّ للصَّائِمِ فَرحَتَانِ: فَرحَةٌ عِنْدَ فِطرِهِ ،وفَرحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. متفق عليه.
    سَابِعَاً: أنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ للصَّائِمِينَ بَاباً خَاصَاً يَدخُلُونَ مِنْهُ الجَنَّةَ يَومَ القِيَامَة، عَنْ سَهلِ بنِ سَعدٍ  قال قال رسول الله : { إنَّ في الجَنَّةِ بَاباً يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ ، يَدخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَومَ القِيَامَة ، لايَدخُلُ مِنْهُ أحَدٌ غَيرُهُمْ يُقَالُ : أينَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ فَيَدخُلُونُ ، فإذا دَخَلُوا أُغلِقَ فَلَمْ يَدخُلْ أحَد } متفق عليه.
    ثامِنَاً: أنَّ العُمرَةَ فِي رَمَضَانَ تَعدِلُ حَجَّةً مَعَ النَّبي  ، قالَ  لأُمِّ سِنَانِ : { مَالَكِ لاتَحُجِّي مَعَنَا؟ قالَت: إنَّ فُلانُ لَهُ ناضِحَانِ حَجَّ على أحدِهِمَا ، والآخَرُ نًستَقِي عَليهِ ، فقالَ  : اعتَمِرِي في رَمَضَانَ فإنَّ عُمرَةً في رًمًضًانً كًحٍجَّةٍ مَعِي} متفق عليه . تاسعاً: أنْ المُحافَظَةَ على صلاةِ القِيَام في رَمَضَان سَبَبَ لغُفرَانِ الذُّنُوب ، يقول النبي  : {مَنْ قامَ رَمَضَانَ إِيماناً واحتِسَاباً غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، ومَنْ قَامَ لَيلَةَ القَدرِ إِيماناً واحتِسَاباً غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِهِ} متفق عليه .
    عاشِراً: أنْ للهَ تَعَالى عُتَقَاءَ مِنْ النَّارِ في كُلِّ يومٍ وليلةٍ من رَمَضَان ، يقول النبي  : {إنَّ للهِ تَبَارَكَ وتعالى عُتَقَاءُ في كُلِّ يَومٍ وليلة} يعني في رمضان . [رواهُ البزَّار] .
    الخير بادٍ فيك والإحسان ُ *** والذكرُ والقرآن ُ يارمضانُ
    والصوم فيك عبادة ٌ ورياضةٌ *** تسمو بها الأرواحُ والأبدانُ
    والشّهر فيك مكبّلٌ ومغللُ *** والبرُّ فيك مجلّلٌ هتان ُ
    والليل فيك نسائمٌ هفّافةُ *** رقصت لطيب عبيرها الرّهبانُ
    والفجر فيك عبادةُ وتلاوةُ *** والصبح فيك سِعايةٌ وأمان ُ
    والروح فيك طليقةُ رفرافةٌ *** أحلامها الغفرانُ والرضوانُ
    والجسم فيك حبيسةُ أطماعه *** لا يستريح إذا سما الوجدان ُ
    والناس فيك تآلفٌ قد ضمهم *** وأظلّهم ظلُّ الهدى الفينانُ
    فكأنهم جسمٌ يئن إذا اشتطى *** عضو به وكأنّهم بنيان
    عباد الله:
    إنَّ مِنْ دَلائِلِ الحِرمَانِ -عافانا الله وإياكم منه-أنْ تَجِدَ أنَّ البَعضَ مِنْ النَّاس يَشهَدُ هَذَا الشَّهرَ العَظِيم ، وهُوَ في غَفلَةٍ ونَومٍ عَمِيقٍ لا يُلقِي لَهُ بالاً بِضَيَاعِ هَذِهِ الفَضائِلُ والخيراتُ مِنْه ، بل إنَّ الأشنَعَ مِنْ ذلك -أيها الأحبة-أنَّ البعضَ لا يَرَى في لَيَالِيِهِ فُرَصاً نغمس في الخطيئة في لياليه ، ونعيش في أوقاته وكأنما هي فُرص للمعصية ، وأوقات مهيأة للولوغ في الجريمة ، وحين نكون كذلك فما أحقنا بالعزاء في قلوبنا ، فشهر لا تنعم الروح بلقياه ، ولا تسعد بمصاحبة أيامه روح هي في أمَسِّ الحاجة إلى عتاب صادق ، ومحاسبة دقيقة قبل رحيل مثل هذه الأيام من حياتها . وفقنا الله وإياكم لاستقبال شهرنا ، وجنبنا الله عواقب الحرمان .



















    فيدارسه القرآن
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    لقد كانَ القُرآنُ الكريمُ مَدرَسَةً رَبَّانِيَّةً تَرَبَّى فيها المسلمونَ الأوائِلُ حينما أدركوا أنَّ الفلاحَ والنَّجَاحَ مَنُوطَاً بالإِقبَالِ على هَذَا القُرآنِ وفِهمِ مَعَانِية ، ولِذَلِكَ كَانَتْ قِراءَتَهُمْ قِرَاءَةَ تَدَبُّرٍ ، وفِهمٍ للمَعَانِي ، ونَقَلَتْ لَنَا السِّيَرُ حَالَ القَومَ عِنْدَ قِرَاءَةِ القُرآنِ والإِقبَالِ عليهِ ، فعَنْ عبدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ  أتيتُ رسولَ اللهِ  وهُوَ يُصَلِّي ولِجَوفِهِ أزِيزٌ كأزِيزِ المِرجَلِ مِنْ البُكَاء. رواه أحمد. وباتَ ليلةً مِنْ الليالي يَقرَأُ آيةً ويُرَدِّدُهَا حتى بَلَقَ الفَجرُ وهِيَ قَولُهُ تعالى : (( إنْ تُعَذِّبهُمْ فإِنَّهُمْ عِبَادُك وإنْ تَغفِرْ لَهُمْ فإِنَّكَ أنتَ العَزِيزُ الحكيم)) سورة المائدة (118) ، وهذا ابنُ مُلَيْكَةَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى يقول : " سَافَرتُ مَعَ ابنِ عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ مِنْ مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ فكانَ يَقُومُ نِصفَ الليلِ فَيَقرَأُ القُرآنَ حَرفاً حَرفاً ثم يبكي حتى تسمع له نشيجاً " ويقول اسحاق ابن إبراهيم الطبري عن الفضيل ابن عياض رحمه الله تعالى : " كانت قراءته شهية بطيئة مترسلة كأنه يخاطب إنساناً ، وكان إذا مرّ بآية فيها ذكر الجنة يردد فيها ويسأل ". وعن سعيدِ ابنِ جُبَيرٍ ـ رحمه الله تعالى ـ أنه ردد قوله تعالى : (( واتقوا يوماً تُرجعون فيه إلى الله )) البقرة (281) .. وردد قول الله تعالى : (( فسوف يعلمون * إذِ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يُسحبون )) غافر (71) ، وروي أنه أحرم بنافلة فاستفتح إذا السماء انفطرت فلم يزل فيها حتى نادى مناد السحر . وعن عامر ابن عبد قيس ـ رحمه الله تعالى ـ أنه قرأ ليلة سورة غافر ، فلما انتهى إلى قوله تعالى (( وأنذرهم يوم الآزفة إذِ القلوب لدى الحناجر كاظمين )) غافر (18) ، فلم يزل يرددها حتى أصبح ، ونقل عنه أنه قرأ قوله تعالى (( فقالوا ياليتنا نُرد ولا نكذّب بآيات ربنا )) الأنعام (27) . فجعل يبكي ويرددها حتى أسحر . وردد الحسن البصري رحمه الله ليلة : (( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها )) النحل (18) ، حتى أصبح فقيل له في ذلك فقال : " إن فيها معتبراً ما نرفع طرفاً ولا نرده إلا وقع على نعمة ، ومالا نعلمه من نعم الله أكثر ". وبات تميم الداري يردد قول الله تعالى : (( أم حسب الذين يعملون السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات )) الجاثية (21) . قال النووي رحمه الله تعالى : " وقد بات جماعة من السلف يتلوا الواحد منهم الآية الواحدة ليلة كاملة أو معظمها يتدبرها عند القراءة " . وقال ابن القيّم رحمه الله تعالى : " هذه كانت عادة السلف يردد أحدهم الآية إلى الصبح " . . وقال رحمه الله تعالى : " فإذا قرأه بتفكّر حتى إذا مر بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه ، كررها ولو مئة مرة ولو ليلة ، فقراءة آية بِتَفَكُّرٍ وتَفَهُمٍ خيرٌ مِنْ قِرَاءَةِ خَتمَةٍ بِغَيرِ تَدَبُّرٍ وتَفَهُّمٍ ، وأنفَعُ للقَلبِ ، وأدعى إلى حصولِ الإيمانِ وذَوقِ حلاوةِ القُرآن". وقال ابنُ قُدَامَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى : " وليُعلَمْ أنَّ ما يَقرَأهُ ليسَ بِكَلامِ بَشَرٍ ، وأنْ يَستَحضِرَ عَظَمَةَ المُتَكَلِّمِ سُبحَانَه ، ويَتَدَبَّرَ كَلامَه ، فإنَّ التَّدَبُّرَ هُوَ المَقصُودُ مِنْ القِرَاءَة ، وإنْ لَمْ يَحصُلُ التَّدَبُّرُ إلا بِتَردِيدِ الآيةِ فليُرَدِّدهَا ". اهـ . هكذا كانت حياة السَّلَفِ رحمهم الله جميعاً ، وهكذا كانت قراءَتُهُمْ ومُلازَمَتُهُمْ لِكِتَابِ رَبِّهِم تبارَكَ وتعالى ، أفلا تَرَونَ أيها الصَّائِمُونَ أننا في أمسِ الحاجَةِ إلى هَذِهِ النَّوعِيَّةِ مِنْ الإِقبالِ والقِرَاءَةِ والتَّدَبُّر ؟ إنَّ أخذَ كِتَابِ اللهِ تعالى على أنه مصدرُ عِزٍ للأُمَّةِ وفَلاحِهَا هُوَ الحَلُّ لأنْ نَعُودَ إلى هَذَا القُرآنِ مِنْ جديد . وحينَ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ في وَاقِعِ الأُمَّةِ تَحقِيقَاً عَمَلِياً حِينَهَا يُمكِنُ أنْ نُحَقِّقَ لِذَوَاتِنَا وأمَّتِنَا الأمَلَ المَنشُود .
    نفعنا الله وإياكم بالقرآن ورزقنا تبره وفهم معانية إنه ولي ذلك والقادر عليه .


    العمرة في رمضان
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن العمرة في رمضان من الفرص العظيمة التي ينبغي للصائم أن يحرص عليها ، وحريّ بالواحد منا أن يمّم وجهه إلى تلك البقاع المباركة لينال موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال صلى الله عليه وسلم قال : { العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما .... الحديث } (36) وعن أبي هريرة أن النبي  قال: { الحاج المعتمر وفد الله تعالى } . (37) . وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال  لأُمِّ سليمٍ : { عُمرَةٌ في رمضان تقضي حجة أو حجة معي}.(38) . وحينما يعتمر الصائم خلال أيام هذا الشهر المبارك أنما ينال من فضل الله تعالى وعظيم أجره الشيء الكثير . فاحرص أيها الصائم الكريم على أداء هذه العمرة في مثل هذه الأيام . وإذا نويت السفر لهذه العمرة المباركة فلا تنسى حفظك الله تعالى أن تتزوّد بالمال الحلال ، وإياك أن يصحبك في هذه الرحلة مال مظلوم من أجير أو نحوه أو مال ربا ، أو مال أخذته دون أن يكون لك فيه حق فإن الله تعالى لايقبل إلا ما كان طيباً ، وليكن حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه : إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً ، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال تعالى : (( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً )) الآية ، وقال تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات مارزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون )) ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ، يمد يديه إلى السماء يارب ، يارب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب له ؟ (39) . وإذا جد عزمك على الرحيل فتخلّص من هذه الحقوق ، وليكن لك نفس تواقة إلى العفو والصفح فحقيق بمن يقطع أميال كبيرة نحو بيت الله يرجو ثواب الله تعالى أن يتجرد من الخصام والنزاع والفرقة والشتات بينه وبين جيرانه وأهله وإخوانه ، وليكن حديث رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم حين قال : ( تعرض الأعمال على الله تعالى كل اثنين وخميس فيغفر الله لكل عبد لايشرك به شيئاً إلا المتخاصمين فيقول الله تعالى : انظروا هذين حتى يصطلحا ) . (40) على بالك حين سفرك المبارك . وخير لك قبل أن تنوي سفرك أن تتجرد من كل حقوق بني آدم . وحينما تبدأ طريقك تذكّر دعاء السفر ، ولازم الدعاء فإن للمسافر دعوة لاترد . فإذا وصلت إلى الميقات فتجرد من ثيابك واغتسل وتطيب ثم ألبس إحرامك إزار ورداء ثم أنوي بقلبك أداء هذه العمرة ولبي بها قائلاً لبيك اللهم عمرة . واشتغل في طريقك بالتلبية ، وذكر الله تعالى ، وقراءة القرآن فإذا وصلت إلى بيت الله تعالى فابدأ بالطواف من الحجر الأسود وحافظ على سنية الاضطباع كما فعل رسولك صلى الله عليه وسلم وطف سبعة أشواط مشيراً بيديك إلى الحجر قائلاً الله أكبر متخشعاً ، ذاكرا ، منيباً ، أوّاباً ، تذكر خطيئتك وذنبك وتقصيرك في جنب مولاك وليكن دعاءك إلى الله تعالى برغبة ورهبة مؤملاً الخير داعياً بالبر ، وتخير من الدعاء جوامعه وليس هناك دعاء معين إلا ما بين الركن اليماني والحجر الأسود فردد دائماً في كل شوط : اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار . فإذا ما أتممت أشواط الطواف السبعة فصلي ركعتين خلف المقام إن تيسر أو في أي مكان آخر ، ثم إذا انتهيت فتوجه إلى المسعى فإذا وصلت إلى الصفا فارقاه واقرأ قول الله تعالى : (( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما ، ومن تطوع خيراً فهو خير له ...... الآية ) سورة البقرة ، ثم استقبل القبلة وارفع يديك للدعاء واقرأ هذا الدعاء : لا إله إلا الله وحده لاشريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله نصر عبد وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده وكررها ثلاث مرات وادعو الله تعالى ثم انصرف إلى المروة داعياً ، متخشعاً لمولاك جل وعلا واشتغل بالدعاء والذكر وقراءة القرآن وإذا وصلت إلى العلمين الأخضرين فاسعى سعياً شديداً وهذا خاص بالرجل أما المرأة فتقتصر على المشي فقط دون السعي . فإذا وصلت إلى المروة فاستقبل القبلة وارفع يديك واذكر الدعاء الذي ذكرته على الصفا ثلاثاً وزد من الدعاء لربك ما تراه مناسباً من أمر دينك أو دنياك ، وهكذا سبعة أشواط فإذا أنتهيت من هذا السعي فلم يبق عليك إلا أن تحلق رأسك أو تقصره والحلق أفضل وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثاً ، وللمقصرين مرة واحدة ، ومن المهم أن تدرك أنك إذا أحببت أن تقصّر فلا بد من تعميم الرأس ، أما المرأة فتأخذ من رأسها بقدر أنملة .ولتكن آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ، حسن التعامل مع المعتمرين والزائرين لبيت الله تعالى . وبتمام هذا الأمر تكون قد انتهيت من أداء هذه المناسك .فسفراً سعيداً وعمرة متقبلة . وعدت إلى أهلك سليماً والله يتولاك برعايته .
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-10-03
  15. علي المآربي

    علي المآربي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-03-10
    المشاركات:
    5,835
    الإعجاب :
    0
    بشائر وفضائل بقدوم رمضان
    الحمدُ للهِ الذي أنشَأ وبَرَا ، وخَلَقَ الماءَ والثَّرى ، لا يَغِيبُ عَنْ بَصَرِهِ صَغِيرُ النَّملِ في الليلِ إذا سَرَى ، وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ لَه ، لا يَعزُبُ عَنْ عِلمِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ في الأرضِ ولا في السَّماء ، ((لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى)) ، وأشهدُ أنَّ نبيَّنا محمداً عبدُهُ ورَسُولُهُ المعُوثُ بالرَّحمَةِ والهُدى ، صلى الله عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَنْ سَارَ على نهجِهِ واقتفى ، أما بعد:
    أيها الأحبةُ في الله: إنَّ مَشهَدَ رَمَضَانَ مِنْ المَشَاهِدِ الحَيَّةِ في حَياةِ المُسلمين ، وإنَّ مِنْ تَوفِيقِ اللهِ تعالى لِعَبدِهِ ، أنْ يُبَلِّغَهُ مَشَاهِدَ الخيرِ وأيَّامُ الطَّاعَةِ ، وشَهرُ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ المشاهِدِ العَظِيمَةِ في حَيَاةِ المُسلِمِين ، يَنتَظِرُونَهُ في كُلِّ عَامٍ مَرَة ، ويَشهَدُونَ بِلُقيَاهُ عَظِيمَ الفَرحَةِ في قُلُوبِهِم . وقد كانَ النبيُّ  يَعُدُّ شُهُودَ هَذَا الشَّهرِ مِنْ نِعَمِ اللهِ تعالى ، فَيُبَشِّرُ بِهِ عِنْدَ قُدُومِهِ ، فعَنْ أبي هريرة  قال قالَ رسولُ اللهِ  يُبَشِّرُ أصحَابَهُ: { قَدْ جَاءَكُمْ شَهرُ رَمَضَانَ ، شَهرٌ مُبَارَكٌ ، افتَرَضَ اللهُ عَلَيكُمْ صِيَامَه ، تُفَتَّحُ فِيهِ أبوابُ الجَنَّة ، وتُغَلَّقُ فِيهِ أبوابُ الجَحِيم ، وتُغَلُ فِيهِ الشَّيَاطِين ، فِيهِ لَيلَةٌ خَيرٌ مِنْ ألفِ شَهرْ مَنْ حُرِمَ خَيرَهَا فَقَدْ حُرِم } رواه أحمد . وفي صَحِيحِ السُّنَّةِ ما يُبَيِّنُ بِجَلاءٍ عَنْ فَضَائِلٍ عَظِيمَةٍ تَصحَبُ هَذَا الشَّهر ، وتَحِلُّ مَعَ قُدُومِه ، وهِيَ كَثِيرَةٌ عَظِيمَةٌ نَسُوقُ بَعضاً مِنْها:
    أولاً: أنَّ الصِّيَامَ يَغفِرُ الذُّنُوبَ ويُكَفِّرُ السَيِّئَات : قالَ  : { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيماناً واحتِسَاباً غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه } متفق عليه .
    ثانِياً: أنَّ اللهَ تعالى خَصَّ نَفسَهُ يِجَزَاءِ الصَّومِ دُونَ غَيرِهِ ، فقال : قالَ اللهُ تَعَالى: { كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ لَهُ إلا الصَّومَ فإنَّهُ لِي وأنَا أجزِي بِهِ } متفق عليه.
    ثالِثاً: أنَّ الصِّيَامَ يَشفَعُ لِصَاحِبِهِ يَومَ القِيَامَة ، قال  : {الصِّيَامُ والقُرآنُ يَشفَعَانِ للعَبدِ يَومَ القِيَامَة ، يَقُولُ الصِّيَام: أي رًبٍّي مَنَعتُهُ الطَّعَامَ فَشَفِّعنِي فِيهِ ، ويَقُولُ القُرآنُ مَنعتُهُ النَّومَ بالليلِ فَشَفِّعنِي فِيهِ ، قالَ : فَيَشفَعَانِ} رواهُ أحمد .
    رابِعَاً: أنَّ الصَّومَ وِقَايَةٌ وحِجَابٌ مِنْ النَّار ، قال  : {الصِّيَامُ جُنَّةٌ يَستَجِنُّ بِهَا العَبدُ مِنْ النَّار} رواه الطبرانِيُّ وصَحَحَهُ الأبانِي .
    خَامِسَاً: أنَّ خَلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أطيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسك ، عن أبي هُريرَةَ  قال قال رسول الله : { لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْك } متفق عليه.
    سادِساً: أنَّ للصَّائِمِ فَرحَتَانِ: فَرحَةٌ عِنْدَ فِطرِهِ ،وفَرحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. متفق عليه.
    سَابِعَاً: أنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ للصَّائِمِينَ بَاباً خَاصَاً يَدخُلُونَ مِنْهُ الجَنَّةَ يَومَ القِيَامَة، عَنْ سَهلِ بنِ سَعدٍ  قال قال رسول الله : { إنَّ في الجَنَّةِ بَاباً يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ ، يَدخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَومَ القِيَامَة ، لايَدخُلُ مِنْهُ أحَدٌ غَيرُهُمْ يُقَالُ : أينَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ فَيَدخُلُونُ ، فإذا دَخَلُوا أُغلِقَ فَلَمْ يَدخُلْ أحَد } متفق عليه.
    ثامِنَاً: أنَّ العُمرَةَ فِي رَمَضَانَ تَعدِلُ حَجَّةً مَعَ النَّبي  ، قالَ  لأُمِّ سِنَانِ : { مَالَكِ لاتَحُجِّي مَعَنَا؟ قالَت: إنَّ فُلانُ لَهُ ناضِحَانِ حَجَّ على أحدِهِمَا ، والآخَرُ نًستَقِي عَليهِ ، فقالَ  : اعتَمِرِي في رَمَضَانَ فإنَّ عُمرَةً في رًمًضًانً كًحٍجَّةٍ مَعِي} متفق عليه . تاسعاً: أنْ المُحافَظَةَ على صلاةِ القِيَام في رَمَضَان سَبَبَ لغُفرَانِ الذُّنُوب ، يقول النبي  : {مَنْ قامَ رَمَضَانَ إِيماناً واحتِسَاباً غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، ومَنْ قَامَ لَيلَةَ القَدرِ إِيماناً واحتِسَاباً غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِهِ} متفق عليه .
    عاشِراً: أنْ للهَ تَعَالى عُتَقَاءَ مِنْ النَّارِ في كُلِّ يومٍ وليلةٍ من رَمَضَان ، يقول النبي  : {إنَّ للهِ تَبَارَكَ وتعالى عُتَقَاءُ في كُلِّ يَومٍ وليلة} يعني في رمضان . [رواهُ البزَّار] .
    الخير بادٍ فيك والإحسان ُ *** والذكرُ والقرآن ُ يارمضانُ
    والصوم فيك عبادة ٌ ورياضةٌ *** تسمو بها الأرواحُ والأبدانُ
    والشّهر فيك مكبّلٌ ومغللُ *** والبرُّ فيك مجلّلٌ هتان ُ
    والليل فيك نسائمٌ هفّافةُ *** رقصت لطيب عبيرها الرّهبانُ
    والفجر فيك عبادةُ وتلاوةُ *** والصبح فيك سِعايةٌ وأمان ُ
    والروح فيك طليقةُ رفرافةٌ *** أحلامها الغفرانُ والرضوانُ
    والجسم فيك حبيسةُ أطماعه *** لا يستريح إذا سما الوجدان ُ
    والناس فيك تآلفٌ قد ضمهم *** وأظلّهم ظلُّ الهدى الفينانُ
    فكأنهم جسمٌ يئن إذا اشتطى *** عضو به وكأنّهم بنيان
    عباد الله:
    إنَّ مِنْ دَلائِلِ الحِرمَانِ -عافانا الله وإياكم منه-أنْ تَجِدَ أنَّ البَعضَ مِنْ النَّاس يَشهَدُ هَذَا الشَّهرَ العَظِيم ، وهُوَ في غَفلَةٍ ونَومٍ عَمِيقٍ لا يُلقِي لَهُ بالاً بِضَيَاعِ هَذِهِ الفَضائِلُ والخيراتُ مِنْه ، بل إنَّ الأشنَعَ مِنْ ذلك -أيها الأحبة-أنَّ البعضَ لا يَرَى في لَيَالِيِهِ فُرَصاً نغمس في الخطيئة في لياليه ، ونعيش في أوقاته وكأنما هي فُرص للمعصية ، وأوقات مهيأة للولوغ في الجريمة ، وحين نكون كذلك فما أحقنا بالعزاء في قلوبنا ، فشهر لا تنعم الروح بلقياه ، ولا تسعد بمصاحبة أيامه روح هي في أمَسِّ الحاجة إلى عتاب صادق ، ومحاسبة دقيقة قبل رحيل مثل هذه الأيام من حياتها . وفقنا الله وإياكم لاستقبال شهرنا ، وجنبنا الله عواقب الحرمان .



















    فيدارسه القرآن
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    لقد كانَ القُرآنُ الكريمُ مَدرَسَةً رَبَّانِيَّةً تَرَبَّى فيها المسلمونَ الأوائِلُ حينما أدركوا أنَّ الفلاحَ والنَّجَاحَ مَنُوطَاً بالإِقبَالِ على هَذَا القُرآنِ وفِهمِ مَعَانِية ، ولِذَلِكَ كَانَتْ قِراءَتَهُمْ قِرَاءَةَ تَدَبُّرٍ ، وفِهمٍ للمَعَانِي ، ونَقَلَتْ لَنَا السِّيَرُ حَالَ القَومَ عِنْدَ قِرَاءَةِ القُرآنِ والإِقبَالِ عليهِ ، فعَنْ عبدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ  أتيتُ رسولَ اللهِ  وهُوَ يُصَلِّي ولِجَوفِهِ أزِيزٌ كأزِيزِ المِرجَلِ مِنْ البُكَاء. رواه أحمد. وباتَ ليلةً مِنْ الليالي يَقرَأُ آيةً ويُرَدِّدُهَا حتى بَلَقَ الفَجرُ وهِيَ قَولُهُ تعالى : (( إنْ تُعَذِّبهُمْ فإِنَّهُمْ عِبَادُك وإنْ تَغفِرْ لَهُمْ فإِنَّكَ أنتَ العَزِيزُ الحكيم)) سورة المائدة (118) ، وهذا ابنُ مُلَيْكَةَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى يقول : " سَافَرتُ مَعَ ابنِ عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ مِنْ مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ فكانَ يَقُومُ نِصفَ الليلِ فَيَقرَأُ القُرآنَ حَرفاً حَرفاً ثم يَبكِي حتَّى تَسمَعَ لَهُ نَشِيجاً " ويقولُ إسحاقُ ابنُ إبراهيمَ الطبريُ عَنْ الفُضَيلِ ابنِ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ تعالى : " كَانَتْ قِرَاءَتُهُ شَهِيَّةً بَطِيئَةً مُتَرَسِّلَةً ، كَأنَّهُ يُخَاطِبُ إنسَاناً ، وكانَ إذا مَرَّ بآيَةٍ فيها ذِكرُ الجَنَّةِ يُرَدِّدُ فِيهَا ويَسأل ". وعنْ سَعِيدِ ابنِ جُبَيرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ـ أنَّهُ رَدَّدَ قَولَهُ تَعَالَى : ((وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)) (البقرة:281) ورَدَّدَ رَحِمَهُ اللهُ قَولَ اللهِ تعالى : (( فَسَوفَ يَعلَمُونَ * إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ)) (غافر:71)، ورُوِيَ عَنهُ - رَحِمَهُ اللهُ - أنَّهُ أحرَمَ بِنَافِلَةٍ فاستَفتَحَ ((إذا السماء انفطرت)) فلَمْ يَزَلْ فِيهَا حَتَّى نَادَى مُنَادِ السَّحَرِ . وعَنْ عَامِرِ ابنِ عَبدِ قَيسٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ـ أنَّهُ قَرَأ لَيلَةً سُورَةَ غَافِر ، فلمَّا انتهى إلى قَولِهِ تعالى: (( وأنذِرْهُمْ يَومَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كاظِمِين)) غافر (18) ، فلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا حتَّى أصبَحَ ، ونُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ قولَهُ تعالى: ((فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)) (الأنعام: من الآية27) . فجَعَلَ يَبكِي ويُرَدِّدُها حتَّى أسحَر . ورَدَّدَ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ ليلةً : (( وإنْ تَعُدُّوا نِعمَةَ اللهِ لا تُحصُوهَا )) النحل (18) ، حتَّى أصبَحَ فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقَالَ : " إنَّ فِيهَا مُعتَبَرَاً مَا نَرفَعُ طَرَفاً ولا نَرُدُّهُ إلا وَقَعَ على نِعمَة ، ومالا نَعلَمُهُ مِنْ نِعَمِ اللهِ أكثر ". وباتَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ يُرَدِّدُ قَولَ اللهِ تعالى : (( أمْ حَسِبَ الذينَ يَعمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أنْ نَجعَلَهُمْ كالذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَات )) الجاثية (21) . قالَ النَوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : " وقَد بَاتَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ يَتلُوا الوَاحِدُ مٍنْهُمُ الآيةَ الوَاحِدَةَ لَيلَةً كَامِلَةً أو مُعظَمَهَا يَتَدَبَّرُهَا عِنْدَ القِرَاءَةِ " . وقالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : " هَذِهِ كَانَتْ عَادَةُ السَّلَفِ يُرَدِّدُ أحَدُهُمُ الآيَةَ إلى الصُّبح " . . وقال أيضاً : " فإِذَا قَرَأهُ بَِتَفَكَّرْ حتى إذا مَرَّ بِآيَةٍ وهُوَ مُحتَاجٌ إليها في شِفَاءِ قَلبِهِ ، كَرَّرَهَا ولَو مِئَةَ مَرَّةٍ ولَو لَيلَة ، فقِرَاءَةُ آيةٍ بِتَفَكُّرٍ وتَفَهُمٍ خيرٌ مِنْ قِرَاءَةِ خَتمَةٍ بِغَيرِ تَدَبُّرٍ وتَفَهُّمٍ ، وأنفَعُ للقَلبِ ، وأدعى إلى حصولِ الإيمانِ وذَوقِ حلاوةِ القُرآن ". وقال ابنُ قُدَامَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى : " وليُعلَمْ أنَّ ما يَقرَأهُ ليسَ بِكَلامِ بَشَرٍ ، وأنْ يَستَحضِرَ عَظَمَةَ المُتَكَلِّمِ سُبحَانَه ، ويَتَدَبَّرَ كَلامَه ، فإنَّ التَّدَبُّرَ هُوَ المَقصُودُ مِنْ القِرَاءَة ، وإنْ لَمْ يَحصُلُ التَّدَبُّرُ إلا بِتَردِيدِ الآيةِ فليُرَدِّدهَا". اهـ . هكذا كانت حياة السَّلَفِ رحمهم الله جميعاً مع القرآن الكريم، وهكذا كانت قراءَتُهُمْ ومُلازَمَتُهُمْ لِكِتَابِ رَبِّهِم تبارَكَ وتعالى ، أفلا تَرَونَ أيها الصَّائِمُونَ أننا في أمسِ الحاجَةِ إلى هَذِهِ النَّوعِيَّةِ مِنْ الإِقبالِ على كتاب الله ، قِرَاءَةً وتَدَبُّراً ؟ إنَّ أخذَ كِتَابِ اللهِ تعالى على أنه مصدرُ عِزٍ وفلاحٍ للأُمَّةِ هُوَ الحَلُّ لأنْ نَعُودَ إلى هَذَا القُرآنِ مِنْ جديد . وحينَ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ في وَاقِعِ الأُمَّةِ تَحقِيقَاً عَمَلِياً ، حِينَهَا يُمكِنُ أنْ نُحَقِّقَ لِذَوَاتِنَا وأمَّتِنَا الأمَلَ المَنشُود .
    نفعنا الله وإياكم بالقرآن ورزقنا تدبُرَهُ وفهم معانية إنه ولي ذلك والقادر عليه .

    العمرة في رمضان
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد
    فإن العمرة في رمضان من الفرص العظيمة التي ينبغي للصائم أن يحرص عليها ، وحريّ بالواحد منا أن يمّم وجهه إلى تلك البقاع المباركة لينال موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال صلى الله عليه وسلم قال : { العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما .... الحديث } (36) وعن أبي هريرة أن النبي  قال: { الحاج المعتمر وفد الله تعالى } . (37) . وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال  لأُمِّ سليمٍ : { عُمرَةٌ في رمضان تقضي حجة أو حجة معي}.(38) . وحينما يعتمر الصائم خلال أيام هذا الشهر المبارك أنما ينال من فضل الله تعالى وعظيم أجره الشيء الكثير . فاحرص أيها الصائم الكريم على أداء هذه العمرة في مثل هذه الأيام . وإذا نويت السفر لهذه العمرة المباركة فلا تنسى حفظك الله تعالى أن تتزوّد بالمال الحلال ، وإياك أن يصحبك في هذه الرحلة مال مظلوم من أجير أو نحوه أو مال ربا ، أو مال أخذته دون أن يكون لك فيه حق فإن الله تعالى لايقبل إلا ما كان طيباً ، وليكن حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه : إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً ، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال تعالى : (( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً )) الآية ، وقال تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات مارزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون )) ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ، يمد يديه إلى السماء يارب ، يارب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب له ؟ (39) . وإذا جد عزمك على الرحيل فتخلّص من هذه الحقوق ، وليكن لك نفس تواقة إلى العفو والصفح فحقيق بمن يقطع أميال كبيرة نحو بيت الله يرجو ثواب الله تعالى أن يتجرد من الخصام والنزاع والفرقة والشتات بينه وبين جيرانه وأهله وإخوانه ، وليكن حديث رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم حين قال : ( تعرض الأعمال على الله تعالى كل اثنين وخميس فيغفر الله لكل عبد لايشرك به شيئاً إلا المتخاصمين فيقول الله تعالى : انظروا هذين حتى يصطلحا ) . (40) على بالك حين سفرك المبارك . وخير لك قبل أن تنوي سفرك أن تتجرد من كل حقوق بني آدم . وحينما تبدأ طريقك تذكّر دعاء السفر ، ولازم الدعاء فإن للمسافر دعوة لاترد . فإذا وصلت إلى الميقات فتجرد من ثيابك واغتسل وتطيب ثم ألبس إحرامك إزار ورداء ثم أنوي بقلبك أداء هذه العمرة ولبي بها قائلاً لبيك اللهم عمرة . واشتغل في طريقك بالتلبية ، وذكر الله تعالى ، وقراءة القرآن فإذا وصلت إلى بيت الله تعالى فابدأ بالطواف من الحجر الأسود وحافظ على سنية الاضطباع كما فعل رسولك صلى الله عليه وسلم وطف سبعة أشواط مشيراً بيديك إلى الحجر قائلاً الله أكبر متخشعاً ، ذاكرا ، منيباً ، أوّاباً ، تذكر خطيئتك وذنبك وتقصيرك في جنب مولاك وليكن دعاءك إلى الله تعالى برغبة ورهبة مؤملاً الخير داعياً بالبر ، وتخير من الدعاء جوامعه وليس هناك دعاء معين إلا ما بين الركن اليماني والحجر الأسود فردد دائماً في كل شوط : اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار . فإذا ما أتممت أشواط الطواف السبعة فصلي ركعتين خلف المقام إن تيسر أو في أي مكان آخر ، ثم إذا انتهيت فتوجه إلى المسعى فإذا وصلت إلى الصفا فارقاه واقرأ قول الله تعالى : (( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما ، ومن تطوع خيراً فهو خير له ...... الآية ) سورة البقرة ، ثم استقبل القبلة وارفع يديك للدعاء واقرأ هذا الدعاء : لا إله إلا الله وحده لاشريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله نصر عبد وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده وكررها ثلاث مرات وادعو الله تعالى ثم انصرف إلى المروة داعياً ، متخشعاً لمولاك جل وعلا واشتغل بالدعاء والذكر وقراءة القرآن وإذا وصلت إلى العلمين الأخضرين فاسعى سعياً شديداً وهذا خاص بالرجل أما المرأة فتقتصر على المشي فقط دون السعي . فإذا وصلت إلى المروة فاستقبل القبلة وارفع يديك واذكر الدعاء الذي ذكرته على الصفا ثلاثاً وزد من الدعاء لربك ما تراه مناسباً من أمر دينك أو دنياك ، وهكذا سبعة أشواط فإذا أنتهيت من هذا السعي فلم يبق عليك إلا أن تحلق رأسك أو تقصره والحلق أفضل وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثاً ، وللمقصرين مرة واحدة ، ومن المهم أن تدرك أنك إذا أحببت أن تقصّر فلا بد من تعميم الرأس ، أما المرأة فتأخذ من رأسها بقدر أنملة .ولتكن آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ، حسن التعامل مع المعتمرين والزائرين لبيت الله تعالى . وبتمام هذا الأمر تكون قد انتهيت من أداء هذه المناسك .فسفراً سعيداً وعمرة متقبلة . وعدت إلى أهلك سليماً والله يتولاك برعايته .
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-10-03
  17. علي المآربي

    علي المآربي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-03-10
    المشاركات:
    5,835
    الإعجاب :
    0
    أحكام حضور المسجد

    أحكام

    حضور المسجد



    عبدالله بن محمد العسكر
    السعودية - الخرج
    alaskar@islamway.net



    المقدمة
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ، ومن استن بسنته وسار على نهجه وسلم تسليماً كثيراً . أما بعد:
    فنظراً لأهمية المسجد في الإسلام ، وكثرة الأحكام الشرعية المرتبطة به ، والتي لا يستغني عن معرفتها كل مسلم . خاصةً وأن المسجد يرتاده المسلم في كل يوم خمس مرات . فربما عنَّت له جملة من المواقف يحتاج فيها لمعرفة الحكم الشرعي المختص بها . إضافةً إلى أن المسجد له قداسة وخصوصية تختلف عن غيره من الأماكن والبقاع ، فهو مكان مبارك له عند الله حرمة وإجلال . يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " أحب البقاع إلى الله مساجدها " .( )
    من هذا المنطلق كان حقاً على أهل العلم وطلابه تخصيص دراسة مستقلة بشؤون المسجد ، وبذل الوسع والطاقة في البحث والدراسة المستفيضة في كل ما يتعلق به من أحكام شرعية ، ومسائل فقهية .
    ولقد أعان الله ويسر _ بفضله وجوده _ على إتمام هذا البحث في هذا الموضوع ، والرجوع إلى عدد من المراجع الحديثية والفقهية واللغوية ، وتقليب النظر بين طيات صفحاتها للخروج برؤية واضحة تعين الباحث على إعطاء نتائج وتوصيات يستفاد منها مستقبلا بحول الله وقوّته .ولقد تم البحث في هذا الموضوع عن طريق تقسيمه إلى ثلاثة فصول : تحت كل فصل جملة من المباحث التي يتفرع عن بعضها مطالب متعددة ، وذلك وفق التقسيم التالي :

    الفصل الأول : المساجد بيوت الله
    وتندرج تحته المباحث التالية :
    المبحث الأول : تعريف المسجد
    المبحث الثاني: المسجد في الإسلام
    المبحث الثالث : فضل المشي إلى المسجد واستشعار العبودية في ذلك
    المبحث الرابع : حث الشرع على بناء المساجد والعناية بها
    المبحث الخامس : مشروعية الإسراع إذا أقيمت الصلاة
    المبحث السادس : مشروعية تشبيك الأصابع حين الخروج إلى المسجد

    الفصل الثاني : حرمة المسجد وخصوصيته
    وتندرج تحته المباحث التالية :
    المبحث الأول : المسألة والتبايع في المسجد
    المبحث الثاني : دخول الحائض والجنب للمسجد
    المبحث الثالث : حضور من أكل البصل والثوم إلى المسجد
    المبحث الرابع : حجز الأماكن في المسجد
    المبحث الخامس: زخرفة المسجد ونقشه وتلوينه
    المبحث السادس : دخول الكافر للمسجد
    المبحث السابــع : البصاق في المسجد

    الفصل الثالث :أحكام المصلي في المسجد
    وتندرج تحته المباحث التالية :
    المبحث الأول : أحكام المسبوق
    المبحث الثاني : مشروعية السترة وأحكامها
    المبحث الثالث : تحية المسجد
    المبحث الرابع : السلام على المصلي
    المبحث الخامس : أداء المصلي لنافلة حال الإقامة
    ولقد أفدت – بحمد الله – كثيراً من دراسة وبحث هذا الموضوع ، الذي هو مرتبط بحياتنا اليومية بشكل متكرر ، وإني لأرجو أن أكون قد ساهمت في تقديم ما ينفعني وينفع غيري من طلاب العلم , كما آمل أن أكون قد أسهمت في إثراء المكتبة الإسلامية بجهد المقل ، وعسى الله أن ينفع به من كتبه ومن قرأه .
    والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد .
    وكتبه
    عبدالله بن محمد العسكر
    21/5/1424هـ _21/7/2003م


    الفصــل الأول

    المساجد بيوت الله



    المبحث الأول : تعريف المسجد
    المبحث الثاني: المسجد في الإسلام
    المبحث الثالث : فضل المشي إلى المسجد واستشعار العبودية في ذلك
    المبحث الرابع : حث الشرع على بناء المساجد والعناية بها
    المبحث الخامس : مشروعية الإسراع إذا أقيمت الصلاة
    المبحث السادس : مشروعية تشبيك الأصابع حين الخروج إلى المسجد



    المبحث الأول :تعريف المسجد
    وفيه مطلبان :
    المطلب الأول : التعريف اللغوي
    المطلب الثاني : التعريف الشرعي

    المطلب الأول : التعريف اللغوي :
    لفظ المسجد يدور في مفهومه ومعناه حول مادة ( سَجَدَ ) ، فلا بد من التعرف على معنى هذه المادة ؛ من أجل الوصول إلى المعنى المراد للمسجد .
    جاء في ( مختار الصحاح ) : " سَجَدَ : خضع ومنه سُجُودُ الصلاة وهو وضع الجبهة على الأرض ... والاسم السِّجْدَةُ بكسر السين ،و السَّجَّادَةُ : الخُمْرة... والمَسْجَدُ بفتح الجيم جبهة الرجل حين يصيبه أثر السجود .( )
    وجاء في ( لسان العرب )( ) :
    " سَجَدَ يَسْجُدُ سجوداً وضع جبهته بالأَرض ، وقوم سُجَّدٌ سجود... والمَسْجَدُ الـمسجِد الذي يسجد فـيه ، والـمِسْجَدَةُ : السَّجَّادَةُ والـخُمْرَةُ الـمسجود علـيها. والـمَسْجَدُ بالفتـح جبهة الرجل حيث يصيبه نَدَبُ السجود . وقوله تعالـى :( وأن الـمساجد للَّه) ؛ قـيل : هي مواضع السجود من الإِنسان الـجبهة والانف والـيدان والركبتان والرجلان . وقال اللـيث فـي قوله عز وجل ( وأن الـمساجد للَّه ) قال: السجود مواضعه من الـجسد والأَرض مساجد واحدها مسجَد .وقال : الـمسجِد اسم جامع حيث سُجد علـيه وفـيه . فأَما الـمسجد من الأَرض فموضع السجود نفسه "
    وجاء في ( القاموس المحيط ) ( ) :
    سَجَدَ: خَضَعَ، وانْتَصَبَ، ضِدٌّ.( ).
    وأسْجَدَ: طَأْطَأَ رَأسَهُ، وانْحَنَى، وأدامَ النَّظَرَ في إمْراضِ أجْفانٍ .
    والمَسْجَدُ، كمَسْكَنٍ: الجَبْهَةُ، والآرابُ السَّبْعَةُ مَساجِدُ.
    والمَسْجِدُ: المَسْجَدُ ، وسَجِدَتْ رِجْلُهُ، كفَرِحَ: انْتَفَخَتْ، فهو أسْجَدُ.
    والأسْجادُ في قولِ الأسْوَدِ بنِ يَعْفُرَ:
    من خَمْرِ ذِي نُطَفٍ أغَنَّ مُنَطَّقٍ وافى بها كدراهِمِ الأسْجادِ
    ... وعَيْنٌ ساجِدَةٌ: فاتِرَةٌ.
    ونَخْلَةٌ ساجِدَةٌ: أمالَها حَمْلُها، وقولُه تعالى:{وادْخُلوا البابَ سُجَّداً}، أي: رُكَّعا
    وجاء في ( مفردات القرآن ) ( ) :
    " سجد- السجود أصله : التطامن (التطامن: الانحناء) والتذلل، وجعل ذلك عبارة عن التذلل لله وعبادته، وهو عام في الإنسان ، والحيوانات، والجمادات، ... والمسجد: موضع الصلاة اعتبارا بالسجود " .

    المطلب الثاني : التعريف الشرعي
    هناك تعريفات قصرت مفهوم المسجد على جزء من المعنى المراد الذي يدور عليه هذا البحث .فمن ذلك :
    قال الزجاج : "كل موضع يتعبد فـيه فهو مَسْجِدٌ. أَلا ترى أَن النبـي صلّـى اللَّه علـيه وسلّـم قال "جعلت لـي الأَرض مسجداً وطهوراً " ( )
    وهنا نلحظ أن الزجاج عمم مفهوم المسجد بكل ما تقام فيه العبادة ، وعلى هذا فالكنيسة والبيعة والصومعة _ على هذا التعريف _ تعدُّ مسجداً !! لأنها مكان يتعبد فيه . ولاشك أن هذا التعريف غير مراد هنا .
    وقد عرفه ابن الأعرابي بقوله :" مسجَد بفتـح الـجيم مـحراب البيوت؛ ومصلـى الـجماعات "( )
    وهذا المعنى فيه عموم أيضا ، وإن لم يكن كالعموم في تعريف الزجاج . فهنا قد أدخل محاريب البيوت ، وكذلك المصليات التي تقام فيها الجماعات . وهذا ليس هو المراد من هذا البحث ، فإن المصلى له أحكام تختلف عن المسجد ، كما سنذكر ذلك في طيات البحث _ إن شاء الله _
    والتعريف الذي يختاره الباحث ويميل إليه مأخوذ من تعريف النبي صلى الله عليه وسلم للمسجد ؛ وذلك حين أرشد ذلك الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد ( وكان جاهلا لم يعرف حرمة المسجد ولا ماذا يعني ) فقال له صلى الله عليه وسلم :" إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ " ( )

    من خلال ذلك التعريف النبوي يتضح أن المسجد هو :
    مكان مخصوص له أحكام مخصوصة بني لأداء عبادة الصلاة وذكر الله وقراءة القرآن .
    ومما يعضد هذا التعريف قول الله تعالى في كتابه الكريم :( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ) ( )
    ومن خلال التعريف اللغوي واشتقاقاته يتبين أن تلك الاشتقاقات تعود إلى معنيين :
    الأول : أن المسجِد هو مكان العبادة .
    الثاني : أن المسجِد هو موضع السجود .
    وكلا المعنيين يشتمل عليه التعريف الشرعي: فإن المسجد هو المكان الذي تقام فيه الصلاة ، والصلاة عبادة من العبادات ، فهو مكانها الأصلي الذي تؤدى فيه .
    وكذلك فإن من أبرز معالم الصلاة وحركاتها السجود . والسجود :هو وضع الجبهة على الأرض ، وهذه الأرض التي يسجد عليها هي المسجد ؛ بناء على ما قرره الباحث من أن الصلاة تقام في الأصل في المسجد .

    المبحث الثاني : المسجد في الإسلام
    وفيه مطلبان :
    المطلب الأول : مكانة المساجد عموما في الإسلام
    المطلب الثاني : المسجد الحرام ( مكانته وخصائصه )

    المطلب الأول : مكانة المساجد عموما في الإسلام
    لقد كان العرب في الجاهلية أمة ممزقة لا يربطها رابط ، ولا يلمها شعار . فوضى في الحياة ، واضطراب في الموازين ، وخلل في نظم العيش ، حتى أراد لله لهذه الأمة العزة بعد الذل ، والرفعة بعد الانحدار وذلك حين أكرمها بأعظم رسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، وحين اختار لها أعظم شريعة ، وهي شريعة الإسلام الخالدة المطهرة من كل نقص وعيب .
    وكان المسلمون في بداية أمرهم ضعفاء يخافون أن يتخطفهم الناس . وجلسوا على تلك الحال ثلاث عشرة سنة حتى أذن الله لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بالهجرة فهاجر هو وصحابته إلى المدينة التي كانت تسمى ( يثرب ) . فبدأت بذلك مرحلة جديدة من تاريخ الإسلام ؛ بل هي في الحقيقة البداية لدولة الإسلام الفتية .
    لقد أدرك الرسول القائد ، والمعلم الحاذق : رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم أن أصحابه ومن دخل في دينه يحتاجون إلى تربية وتعليم ، وتوجيه وإرشاد ، وذلك يتطلب مكاناً يجتمعون فيه ، ويتدارسون شرائع الإسلام وأحكامه في رحابه . فكان أول عمل بدأ به _عليه السلام _ أن شرع هو وصحابته الكرام في بناء المسجد كما جاء ذلك عن أنسِ بْنِ مَالِكٍ _ رضي الله عنه _ قَالَ : قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ أَعْلَى الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ ( بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ) ... وَأَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلأ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، فَقَالَ :" يَا بَنِي النَّجَّارِ ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا " قَالُوا : لا وَاللَّهِ لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلا من اللَّهِ . فَقَالَ أَنَسٌ : فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ : قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ وَفِيهِ خَرِبٌ وَفِيهِ نَخْلٌ . فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالْخَرِبِ فَسُوِّيَتْ ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ . فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ وَهُوَ يَقُولُ:
    اللَّهُمَّ لا خَيْرَ إِلا خَيْرُ الآخرهْ فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ ( )
    منذ تلك اللحظة صار المسجد منارة تشع في أرجاء دولة الإسلام الناشئة ، وقبساً يشع في سمائها الوضّاءة : حيث أصبح مكان أداء العبادة من الصلوات والاعتكاف ، كما أصبح ملتقىً للمسلمين ومنتدىً لحواراتهم .وهو المكان الذي يبث من خلاله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أحاديثه النورانية فيصلح المعوج ، ويهدي الضال ، ويرشد الحائر ، وينفس عن المكروب ، كما أنه كان أيضاً كان بداية الانطلاقة لجيوش الإسلام التي فتحت مشارق الأرض ومغاربها ، في عهده وعهد من جاء بعده من خلفاء المسلمين .
    بل لقد كان المسجد منتدىً أدبياً ترسل منه الكلمة الصادقة ، ويُفتخر فيه بأمجاد المسلمين ، ويوجه الناس فيه إلى معالي الأمور والبعد عن **** القول ورديء الفعال.
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ عُمَرَ مَرَّ حَسَّانَ وَهُوَ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَحَظَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ حَسَّان : قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ : فَقَالَ :أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَجِبْ عَنِّي اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ . ( ) .
    كما أن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ قد استغل المسجد ليجعله مكاناً لسجن الأسرى ، ولهذا مغزىً دعوي وتربوي مهم ، ألا وهو : أن يكون الأسير الكافر على قرب من رؤية مشاهد الصلاة والمصلين وهم يصطفون خلف إمام واحد في انتظام وخشوع وسكينة ، وليلحظ المسلمين وهم يرتادون هذا المسجد خمس مرات كل يوم ، ما بين مصلٍ ، وتالٍ للقرآن ، وداع باكٍ من خشيةِ الله . فإذا رأى الأسير هذه المشاهد كان لذلك أبلغ الأثر في نفسه ، ولعله أن يكون مدعاة لإسلامه ، كما فعل النبي _ صلى الله عليه وسلم _ مع ثمامة بن أثال ( ) حين أوثقه في إحدى سواري المسجد ثلاثة أيام لينظر إلى المسلمين وهم يصلون وليسمع الذكر لعله أن يحيي ما مات في قلبه ، وقد حدث ذلك حين أعلن ثمامة إسلامه بعد أن شرح الله صدره للإسلام .( )
    مما سبق يظهر بجلاء مكانة المسجد في الإسلام وأهميته في تاريخ المسلمين ، وكيف عزت الأمة وعلا شأنها حين ارتبطت به روحياً وجسدياً ، أما حين تخلت عنه ، وحصرت مهمته في أداء الصلاة فحسب ؛عند ذلك وصلت إلى ما وصلت إليه من الذلة التي لا تخفى على كل ذي عقل وبصيرة .

    المطلب الثاني : المسجد الحرام ( مكانته وخصائصه )( )
    البيت الحرام هو أول بيت وضع للناس في الأرض رفع قواعده إبراهيم عليه السلام .ومن ذلك اليوم رفع إبراهيم صوته في الناس بالحج ، وبلغ الله صوته إلى جميع البشرية فأصبح البيت مثابة للناس وأمنا ، إليه يفدون وله يعودون .
    نراه على مدار الساعة لا يخلو من طائف ، أو راكع ، أو ساجد ، أو ذاكر لله ، أو متأمل متفكر. ومع هذا كله فالناس في شوق دائم إليه فلا يكادون يفارقونه حتى تهيم القلوب إلى لقياه والعودة إليه .
    وقد خصه الله جل وعلا بخصائص ومميزات تختلف عن غيره من المساجد ، فزاد حبُّ الناس له وتعلقهم به، ومن تلك الخصائص :
    1- أنه قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها . وقد أرضى الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك فقال سبحانه: ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون )( ).
    2- جعله الله جل وعلا مثابة للناس وأمنا فإليه تتجه قلوبهم ، وبه تتعلق أفئدتهم . ثم إن الحق جل وعلا جعل من دخله آمناً كما قال جل شأنه : ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وطهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود )( )
    3- زيادة أجر الصلاة فيه على غيره بأضعاف مضاعفة . فعن جابر_ رضي الله عنه_ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم _ قال : "صلاة في مسجدي أفضل من ألف فيما سواه إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في سواه " ( )
    4- أنه كما تضاعف الأعمال الصالحة فيه فإن السيئات فيه تعظَّم ( ولا نقول : تضاعف ) ؛ لحرمة المكان ، قال الله تعالى: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) ( )
    5- تحريم صيد ما به من طائر أو غيره على المحرم وغير المحرم، وهذا بالإجماع ( )
    6- لا يجوز قطع شجره وحشيشه الأخضرين البريين إلا الإذخر( )
    فقد طلب العباس رضي الله عنه من النبي صلى الله أن يستثنيه نظرا لحاجة أهل مكة الشديدة له فأذن له ( ) .
    7- حرمة دخول الكفار له . قال الله جل وعلا : ( يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله ممن فضله إن الله عليم حكيم ) ( )
    8- لا يجوز أخذ لقطته إلا لمن أراد أن يعرفها أو يسلمها إلى ولي الأمر ولا يحل تملكها بحال من الأحوال لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ولا تحلُّ لقطتها إلا لمنشد " ( )
    9- المسجد الحرام أحد المساجد الثلاثة التي يجوز شد الرحال إليها ولا يجوز شد الرحال إلى غيرها لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ : " لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى" ( )


    10- حرمة القتال فيه إلى يوم القيامة . قال أبو هريرة _ رضي الله عنه _ : ( لما فتح الله عز وجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين وإنها لن تحل لأحد كان قبلي وإنها أحلت لي ساعة من نهار وإنها لن تحل لأحد بعدي فلا ينفر صيدها ولا يختلى شوكها ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين : إما أن يفدى وإما أن يقتل " ( )




    المبحث الثالث
    فضل المشي إلى المسجد واستشعار العبودية في ذلك

    لا إشكال في تفضيل المشي إلى المسجد على الركوب ، لا لذات الخطا وإنما لتكثير الحسنات ؛ لأن _النبي صلى الله عليه و عن سلم _قد بين فضيلة المشي إلى المسجد ورغب في ذلك كثيراً، فمن ذلك :
    1- عن أبي هريرة _ رضي الله عنه _ قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ قلنا بلى يا رسول الله . قال : إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة إلى الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط )( )
    2- عن أبي موسى الأشعري _ رضي الله عنه _ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم )( )
    3- عن أبيِّ بن كعب _ رضي الله عنه _ قال : ( كان رجل لا أعلم رجلاً أبعد إلى المسجد منه وكان لا تخطئه صلاةً ، فقيل له : لو اشتريت حماراً تركبه في الظلماء وفي الرمضاء . قال : ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي ) .فأخبر النبي عليه السلام بذلك فقال : " قد جمع الله لك ذلك كله "( )
    4- عن جابر بن عبدالله _ رضي الله عنهما _ قال : قال رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ لبني سلمه حين أرادوا القرب من المسجد لبعد بيوتهم : " يابني سلمة : دياركم تكتب أثاركم ، يابني سلمة : دياركم تكتب أثاركم "( ) .

    5- عن بريدة الأسلمي _ رضي الله عنه _ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة " ( )
    ذكر الشيخ البهوتي أن السنة في حق الماشي إلى المسجد أن يقارب بين خطاه لتكثر حسناته ( ) مستدلاً بما رواه عبد بن حميد عن زيد بن ثابت قال : أقيمت الصلاة وخرج رسول الله يمشي وأنا معه فقارب بين الخطا فقال لي : " تدري لم فعلت هذا " ؟ لتكثر خطاي في طلب الصلاة " ( ) .
    وعلى المسلم حين يخرج من بيته إلى المسجد أن يستشعر تلك الخطوات التي يمشيها ، وأنها عبادة يتقرب بها إلى الله . وحين يطرق سمعه نداء الإيمان ( حي على الصلاة ) فإن الواجب عليه أن يهب سريعاً ملبياً ذلك النداء الذي يخاطب القلوب قبل الأسماع . فيتوضأ ويلبس الجميل من ثيابه لأنه ذاهب ليقابل ربه حين يقف في صلاته . فلا بد له من استشعار ذلك جيداً ، فالذي سيقابله ليس مسئولاً ولا ملكاً من ملوك الأرض ،بل هو سيد الملوك وصاحب الملك والجبروت .
    فإذا خرج من بيته ردد ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله حين يريد الخروج إلى المسجد بقوله : " اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَعَنْ يَمِينِي نُورًا وَعَنْ يَسَارِي نُورًا وَفَوْقِي نُورًا وَتَحْتِي نُورًا وَأَمَامِي نُورًا وَخَلْفِي نُورًا وَعَظِّمْ لِي نُورًا "( ) ويحتسب عند ذلك خطواته ، فله بكل خطوة حسنة ، وبالأخرى محو سيئة حتى يصل إلى بيت الله ، والشوق يدفعه ، والحنين إلى المسجد يسوقه . فقلبه معلق بذلك المسجد الذي تهوي إليه أفئدة المؤمنين ، وترتاح فيه نفوس الصالحين ، وتطمئن له قلوب المتقين , فهنيئاً له هذا التعلق المحمود ؛ لأن جزاءه الاستظلال بظل عرش الرحمن يوم البعث والنشور حين تدنو الشمس من رؤوس الخلائق قدر ميل . في ذلك الموقف يكون هو من المستظلين بظلال العش الوارف .قال صلى الله عليه وسلم : ( سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... ( وذكر منهم ) : ورجلٌ قلبه معلق بالمساجد )( ).
    قال الإمام أحمد _ رحمه الله_ : " واعلموا أن العبد إذا خرج من منـزله يريد المسجد يأتي الله الجبار الواحد القهار العزيز الغفار ،وإن كان لا يغيب عن الله تعالى حيث كان ولا يعزب عنه مثقال حبةٍ من خردل ولا أصغر من ذلك ولا أكبر في الأرضين السبع ولا في السموات السبع ولا في البحار السبعة ولا في الجبال الصم الصلاب الشوامخ البواذخ وإنما يأتي بيتا من بيوت الله يريد الله ... فإذا خرج من منـزله فليحدث لنفسه تفكراً وأدباً غير ما كان عليه وغير ما كان فيه قبل ذلك من حالات الدنيا وأشغالها وليخرج برغبة ورهبة وبخوف ووجل وخضوع وذل وتواضع لله عز وجل )( )

    المبحث الرابع
    حث الشرع على بناء المساجد والعناية بها
    لقد حرص الشرع المطهر على بناء المساجد وعمارتها ، ورتب عظيم الأجور لعمّارها ؛ لما لذلك من أثر فعال وإيجابي في حياة المسلمين .
    وعمارة المساجد وبناؤها المأمور بها في الشرع تنحصر في جانبين :
    الأول : العمارة الحسية
    ويعنى بها بناء مكان يأوي إليه الناس ليصلوا فيه ويتعبدوا ربهم تحت جدرانه .
    وقد ثبت جملة من النصوص الشرعية تحث على بناء المساجد والعناية بشؤونها وحفظها من الأوساخ والأدران ، ومنع السفهاء والغوغاء من الإضرار بها ، فمن تلك النصوص :
    1- قال تعالى : ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخشى إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المفلحين )( ) .
    2- وحذر من إفسادها فقال: ( ومن أظلم ممن منع مساجد أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزيٌ وفي الآخرة عذابٌ عظيم )( )
    3- عن عائشة _ رضي الله عنها _ قالت : " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب " ( ) .
    4- عن جابر بن عبد الله _رضي الله عنهما_ قال : قال _ صلى الله عليه وسلم _ : " من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة ( ) بنى الله له بيتاً في الجنة " ( )

    قال ابن حجر : " حمل أكثر العلماء ذلك على المبالغة لأن المكان الذي تفحص القطاة عنه لتضع فيه بيضها وترقد عليه لا يكفي مقداره للصلاة فيه " ( )

    الثاني : العمارة المعنوية
    والمراد بها أداء الصلاة فيها والاعتكاف وقراءة القرآن وذكر الله ، واتخاذا منطلقاً للتوجيه والتربية ونحو ذلك . فالبناءان ( الحسي والمعنوي ) لا ينفكان عن بعضهما .
    أما مجرد عمارة المسجد وزخرفته والتباهي بحسن بنائه وتصميمه مع خلوه من العباد والمصلين فليس مراداً في الشرع كما هو حاصل في كثير من بلاد الإسلام اليوم ، ولله درّ القائل :
    منائركم علت في كل حيٍّ ومسجدكم من العبّاد خالي
    وجلجلة الأذان بكل فجٍّ ولكن أين صوتٌ من بلالِ( )
    ومما جاء من النصوص الشرعية التي تحث وترغب في عمارة المسجد بالمفهوم المعنوي السالف الذكر :
    1- قال تعالى :( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار)( )
    2- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم : " من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً كلما غدا أو راح" ( )
    3- عن أني هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ قلنا : بلى يا رسول الله .قال : " إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط " ( )
    4- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم :" إذا توضأ أحدكم فأحسن وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه خطيئة حتى يدخل المسجد ، وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت تحبسه ، وتصلي عليه ( يعني الملائكة ) ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه : اللهم اغفر له اللهم ارحمه مالم يحدِث فيه "( )
    والنصوص في هذا الباب متوافرة شهيرة ، وليس المقام مقام تقصٍّ وتتبُّع ؛ وإنما هو إشارة ومَلَْمح .


    المبحث الخامس
    الإسراع إذا أقيمت الصلاة
    حين تقام الصلاة : هل يشرع للمسلم أن يسرع ويسعى في ذهابه للمسجد أم يمنع من ذلك ؟
    هذه المسألة فيها خلاف قديم حتى بين الصحابة _ رضي الله عنهم _ :
    فالقول الأول: الجواز
    وبعضهم خص جواز الإسراع فيما إذا كان سيدرك تكبيرة الإحرام . وقد حد شيخ الإسلام ابن تيمية _ رحمه الله _ إدراك تكبيرة الإحرام في حالة ما إذا كان المأموم خلف الإمام وقت تكبيرة الإحرام، أما إذا لم يدرك المأموم الإمامَ حالة تكبيرة الإحرام فلا يكون مدركا لها.
    وهذا القول ( أعني جواز السعي إلى الصلاة طمعاً في إدراك تكبيرة الإحرام ) هو قول ابن عمر ، كما نقله عنه ابن عبد البر ( ) ، وروي ذلك عن عمر نفسه وابن مسعود كما ذكره ابن رشد ( ) ، وهو قول الإمام مالك _رحمه الله_ إلا أنه اشترط عدم السعي والعدو . وقال بهذا القول شيخ الإسلام ولكن قيده بما إذا كان بإمكانه إدراك تكبيرة الإحرام وبشرط ألا يكون ذلك بعجلة تقبح ( ) . وقد حكى ابن قدامة أنه قول الإمام أحمد( ) .
    ودليلهم : ما روي عن بعض الصحابة أنهم كانوا يعجلون إذا تخوفوا فوات التكبيرة الأولى وطمعوا في إدراكها.وبعضهم يستدل بقول الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون )( )

    القول الثاني : منع الإسراع على كل حال :
    وهو مروي عن أنس بن مالك وأبي ذر وزيد بن ثابت. ودليلهم : ما جاء عن أبي هريرة _رضي الله عنه _ قال: قال صلى الله عليه وسلم : " إذا ثوِّب بالصلاة ( ) فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة ) ( ) ّ
    وجاء عن أبي قتادة _ رضي الله عنه _قال :( بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذْ سمع جلبة رجال ، فلما صلى قال :" ما شأنكم" ؟ قالوا : استعجلنا إلى الصلاة ، قال : " فلا تفعلوا إذا أتيتم إلى الصلاة فعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" ( ).
    وهذا القول فيما يظهر هو القول الصحيح والأقرب لعموم الأحاديث التي تنهي عن الإسراع أو السعي في الإتيان إلى الصلاة ، ولو كان هناك تخصيص في جواز السعي لمن طمع في إدراك تكبيرة الإحرام لذكره النبي صلى الله عليه وسلم للذين أحدثوا جلبة وصوتا . وهذا كثير في أحاديثه عليه السلام كقوله _ صلى الله عليه وسلم _ : " أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" ( ) . فهنا خص الصلاة المكتوبة .
    ومثل ذلك حديث :" لا تفعلوا إلا بفاتحةِ الكتاب " ( ) فاستثنى هنا الفاتحة .
    وأما من قال من الصحابة خلاف ذلك فلعله لم يبلغهم الحديث . ولا فرق في ذلك بين صلاة الجماعة : فرضا كانت كالصلوات الخمس ، أو نفلا كالعيدين والكسوف والتراويح ، أو كان ذلك في صلاة الجمعة ؛ فالإسراع منهي عنه على كل حال جملة وتفصيلاً ؛ لعدم تخصيص حال دون حال كما سبق ، والله أعلم .
    وأما من استدل بالآية السالفة :( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ... ) فيمكن أن يجاب على استدلالهم بأن يقال : إنه ليس المراد بلفظ ( السعي ) في القرآن العدو والركض دائما ؛ بل قد يأتي بغير هذا المعنى .ومما يدل على ذلك : قوله تعالى : ( إن سعيكم لشتى ) ( ) أي : عملكم . وقوله : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم )( ) والسعي حتما لا يراد به هنا الجري والركض ؛ بل المراد الاستمرار في سلوك الفساد ونشره في الأرض . وكذلك الحال في الآية التي استدل بها القائلون بجواز السعي فإن السعي الوارد في الآية يراد به :المبادرة بالعمل ، وليس الجري والعدو . ( )






    المبحث السادس
    مشروعية تشبيك الأصابع حين الخروج إلى المسجد
    تشبيك الأصابع على أربعة أحوال :
    الحال الأولى : عند ذهابه إلى المسجد .
    الحال الثانية : في المسجد قبل الصلاة .
    الحال الثالثة : أثناء الصلاة .
    الحال الرابعة : بعد الصلاة في المسجد .
    أما الحالات الثلاث الأولى فقال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية : " أما التشبيك بين الأصابع فيكره من حين يخرج ، وهو في المسجد أشد كراهة ، وفي الصلاة أشد وأشد" ( ).
    والدليل على كراهة تشبيك الأصابع حين الخروج من المسجد :
    1- ما رواه كعب بن عجرة _ رضي الله عنه _ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إذا توضأ أحدكم ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبكنَّ بين يديه فإنه في صلاة " ( )
    2- ما روي عن ابن عمر _ رضي الله عنهما_ أنه قال في الذي يصلي وهو مشبك أصابعه : " تلك صلاة المغضوب عليهم " ( ).
    أما الحالة الرابعة وهي : تشبيك الأصابع بعد الصلاة فلا بأس بذلك . والدليل على ذلك :
    مَا جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ _ رضي الله عنه _ قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى صَلاتَيِ الْعَشِيِّ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّه غَضْبَانُ وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَوَضَعَ خَدَّهُ الأيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى ، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ ، فَقَالُوا : قَصُرَتِ الصَّلاةُ ،... الحديث ). ( )


    الفصل الثاني

    حرمة المسجد وخصوصيته


    المبحث الأول : المسألة والتبايع في المسجد
    المبحث الثاني : دخول الحائض والجنب للمسجد
    المبحث الثالث : حضور من أكل البصل والثوم إلى المسجد
    المبحث الرابع : حجز الأماكن في المسجد
    المبحث الخامس: زخرفة المسجد ونقشه وتلوينه
    المبحث السادس : دخول الكافر للمسجد
    المبحث السابــع : البصاق في المسجد




    المبحث الأول : المسألة والتبايع في المسجد

    وتندرج تحته المطالب التالية :
    المطلب الأول : حكم نشدان الضالة
    المطلب الثاني : حكم التبايع في المسجد
    المطلب الثالث : دخول الغرف المبنية في المسجد في هذا الحكم
    المطلب الرابع : حكم السؤال للفقير في المسجد
    المطلب الخامس : حكم وضع الملصقات والإعلانات في المسجد

    المطلب الأول : حكم نشدان الضالة
    لقد حرم الشرع المطهر نشدان المرء ضالته أومفقوداته الشخصية في المسجد ؛ صيانة لحرمته ورفعة لمنـزلته ؛ إذ إن المساجد لم تبن لهذا الشيء.
    جاء في ( فتاوى اللجنة الدائمة ) " لا يجوز أن يسأل الإنسان عن شئ فقده في المسجد كبطاقته أو مفاتيح أو حيوان له أو حتى طفل ضائع " ( )
    والدليل على ذلك ما جاء عن أبي هريرة _ رضي الله عنه _ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:( من سمع رجلاً ينشد ضالةً في المسجد فليقل : لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبنَ لذلك ) ( )

    المطلب الثاني : حكم التبايع في المسجد
    التبايع : هو البيع والشراء ، وجاء في لسان العرب : " ابتاعَ الشيء : اشتراه ، وأَباعه : عَرَّضه للبـيع " ( ) .
    وحكم التبايع في المسجد كحكم نشدان الضالة ، وحرِّم لنفس العلة المذكورة ؛ لما جاء عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد

    فقولوا : لا أربح الله تجارتك "( )

    المطلب الثالث : دخول الغرف المبنية في المسجد في هذا الحكم
    أجابت اللجنة الدائمة للإفتاء بما نصه : " أما الغرف ففيها تفصيل : فإن كانت داخلة في سور المسجد فلها حكم المسجد ... أما إن كانت خارج سور المسجد ولو كانت أبوابها فيه فليس لها حكم المسجد ؛ لأن بيت النبي صلى الله عليه وسلم الذي تسكنه عائشة كان بابه في المسجد ولم يكن له حكم المسجد )( )
    وقال الشيخ ابن عثيمين حين سئل عن الغرفة المبنية لتكون مكتبة للمسجد هل لها حكم المسجد : " إذا كانت هذه المكتبة مقتطعة من المسجد فهي من المسجد وإذا كانت بنيت لا على أنها من المسجد ، مثل أن يكون هذا الرجل اشترى أرضاً وتملكها ثم خطط فقال : هذه للمكتبة وهذا للمسجد فليس لها حكم المسجد سواء كان بابها داخل المسجد أو خارج المسجد ... فإن كانت مقتطعة من المسجد فحكمها حكم المسجد : بمعنى أن الإنسان لو كان معتكفاً ثم دخل فيها فإنه لا يبطل اعتكافه ، ولو أنه كان على جنابة فإنه لا يلبث فيها إلا بوضوء ولا يصح فيها بيع ولا شراء)( ).

    المطلب الرابع : حكم السؤال للفقير في المسجد
    لا شك أن تكفف الناس وسؤالهم أموالهم مما لا يليق بالمسلم ؛ ولهذا نهى الشرع عن ذلك ونفَّـر منه .فعن عَبْداللَّهِ بن عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ "( )
    ولكن لو احتاج إلى ذلك حاجة حقيقية ولم يكن له قدرة على تحصيل المال فلا حرج حينئذٍ .ولا فرق _ والحال ما ذُكِر _ بين أن يكون السؤال في المسجد أو في غيره ؛ حيث لم يرد ما يمنع من ذلك شرعاً .قال شيخ الإسلام ابن تيمية :" أصل السؤال محرم في المسجد وخارج المسجد إلا لضرورة ؛ فإن كان به ضرر وسأل في المسجد ولم يؤذِ أحداً بتخطية رقاب الناس ولا غير تخطية ولم يكذب فيما يرويه ويذكر من حاله ولم يجهر جهراً يضر بالناس مثل أن يسأل والخطيب يخطب ، أو وهم يستمعون علماً يشغلهم به ونحو ذلك جاز )( )

    المطلب الخامس : حكم وضع الملصقات والإعلانات في المسجد
    قال الشيخ ابن جبرين : " أما الإعلانات التجارية فلا يجوز إدخالها إلى المسجد ولا في المكتبة الخيرية التي هي تابعة للمسجد ، وأما الإعلانات التي فيها شيء من الفائدة كإعلانات عن دروس أو عن محاضرات مثلاً أو عن حملة لا يقصد منها إلا النفع العام للذين يسجلون فيها أو عن مميزات كتب أو نشرة علمية أو معرض كتب أو ما أشبه ذلك ، فمثل هذا سيستعان به على الخير فلا مانع أن يعلن عنها " ( )




    المبحث الثاني
    دخول الحائض والجنب للمسجد
    ويندرج تحته المطالبان التاليان :
    المطلب الأول : حكم دخول الحائض والجنب المسجد
    المطلب الثاني : مرور الحائض والجنب بالمسجد من غير مكث فيه

    المطلب الأول : حكم دخول الحائض والجنب المسجد
    يحرم على الجنب البقاء في المسجد ، وذلك لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا )( )
    قال الإمام الشافعي _ رحمه الله_ : " قال بعض أهل العلم بالقرآن معناه : لا تقربوا مواضع الصلاة ... لأنه ليس في الصلاة عبور سبيل إنما عبور السبيل في موضعها وهو المسجد "( ).
    وأما دليل منع الحائض من المكث في المسجد فحديث عائشة رضي الله عنها قالت : قال لي النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : " ناوليني الخمرة ( يعني السجادة ) من المسجد " قالت : إني حائض ، قال : " إن حيضتك ليست في يدك " ( ).
    فقولها : ( إني حائض) دليل على أنه قد استفاض عند الصحابة العلم بمنع الحائض من البقاء في المسجد، لكن عائشة _ رضي الله عنها _ ظنت أن دخول المسجد ولو بنية عدم المكث فيه مما تمنع منه الحائض أيضاً، فبين لها النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الفهم غير صحيح .
    وأما حديث : ( إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب ) ( )
    فالصحيح أنه حديث لا يثبت عن الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ كما حقق ذلك العلامة الألباني .( )

    لكن ألا يوجد استثناء من هذا الحكم ؟
    الصحيح أن الجنب يمكن استثناؤه من هذا الحكم لكن بشرطين :
    1- إذا كان ذلك لحاجة : كحضور درس أو الاحتماء من برد أو غبار ونحو ذلك .
    2- إذا توضّأ وضوءه للصلاة ؛ لأن الوضوء يخفف الجنابة وإن كان لا يزيلها بالكلية .
    والدليل على ذلك ما جاء عن عطاء بن يسار قال : " رأيت رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة " ( )
    أما الحائض فهل يجوز لها ذلك أم لا ؟
    الذي يظهر أنه يقاس حالها على حال الجنب فيجوز لها ذلك لكن بالشروط التي سلف ذكرها في حق الجنب مضافا إليها شرط ثالث وهو :أن تضع ما تأمن به تلويث المسجد .
    المطلب الثاني : مرور الحائض والجنب بالمسجد من غير مكث فيه
    الصواب أن ذلك جائز في حقهما إذا احتاجا إلى ذلك بدليل ما ذُكر في نهاية الآية السالف ذكرها وهي قوله تعالى : ( ولا جنباً إلا عابري سبيل ) ،وهذا في حق الجنب .
    أما بالنسبة للحائض :فالدليل على إباحة مرورها بالمسجد لحاجة حديث عائشة السابق حين أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بإحضار الخمرة من المسجد .( )




    المبحث الثالث
    حضور من أكل البصل والثوم إلى المسجد

    لا شك أن المسلم مأمور بأن تكون رائحته طيبة في عموم أحواله ، إلا أن ذلك الأدب الإسلامي يزداد تأكيده إذا أراد الخروج إلى المسجد.
    فعلى المسلم أن يبتعد عن كل ما يجلب له كريه الروائح .فهو مأمور بالتنظف ، وأيضا مأمور بترك أكل أو شرب أو استعمال كل ما تنبعث منه روائح كريهة ؛ لأنه بفعله هذا يعطي صورة غير لائقة بالمسلم . إضافة إلى أنه قد يؤذي غيره بهذه الروائح ، ولهذا فإن الشرع قد نهى عن تناول شئ من المأكولات التي تُصدر روائح مستَكرَهه لمن سيحضر الجماعة .
    وبالتالي فلا يجوز حضور الجماعة لمن أكل ثوماً أو بصلاً أو كل ما له رائحة كريهة . والأدلة على ذلك ما يلي :
    1- عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أكل من هذه الشجرة _ يريد الثوم _ فلا يغشانا في مساجدنا " ( ).
    2 -وعنه رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : " من أكل البصل و الثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا ، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم " ( ) .

    المبحث الرابع
    حجز الأماكن في المسجد

    اعتاد بعض الناس وضع سجادة أو بساط أو عصا في المساجد وهي ظاهرة تكثر في المسجد الحرام على وجه الخصوص بشكل لافت للنظر. وهذا الفعل مخالف لنصوص الشريعة من عدة وجوه :
    أولاً : أن المسلم مأمور أن يتقدم إلى المسجد بنفسه لا بسجادته وعصاه .
    ثانياً : أنه ربما أحدث فراغاً في الصفوف إذا أقيمت الصلاة ولم يأتِ صاحب هذه الفُرُش ؛ لأن كثيراً من الناس لا يصلي عليها بحجة أنه هناك من حجز هذا المكان !!
    ثالثاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يوطِّن الرجل في المكان في المسجد كما يوطِّن البعيرُ ( ) .
    وكثير من هؤلاء الذين يحجزون الأماكن لهم يجعلونها في مواقع ثابتة لا تتغير .
    لكن ينبغي أن نذكر ههنا أن النهي عن لزوم مكان واحد في المسجد هو خاص بصلاة الفريضة في المسجد ، أما أداء الفريضة في البيت أو النافلة سواء في المسجد أو البيت فلا حرج في أن يلزم المرء في أدائها مكان ثابتا . ومما يدل على ذلك :
    1- ما جاء في حديث عتبان بن مالك الأنصاري وفيه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : فوددت أنك تأتي فتصلي من بيتي مكاناً أتخذه مصلى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أفعل"( )
    2- عن يزيد بن أبي عبيد قال: كنت آتي مع سلمة بن الأكوع فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف ، فقلت : يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة ؟ قال : فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها ( ) .
    رابعاً : أن صاحب هذه الفرش يجعله يتّكل عليها فلا يحضر مبكراً إلى المسجد ، لأنه قد ضمن المكان سلفا ، وهذا فيه مخالفة للمسارعة والتبكير إلى الطاعات والقُرَب .
    لكن يستثنى مما سبق في النهي عن حجز مكان في المسجد أمران :
    1- من تقدم إلى المسجد وفي نيته انتظار الصلاة ثم عرض له عارض من وضوء ونحوه فقام فلا حرج عليه في وضع عصا أو سجادة حتى يرجع لأنه أحق بهذا المكان ؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به " ( ) .
    2- من وضع عصاه أو سجادته في مكان في المسجد هو في الأصل موجود فيه كالمعتكف
    مثلاً فلما أقيمت الصلاة تقدم وأكمل الصفوف فإن له حق الرجوع إلى مكانه بعد الصلاة .
    وأما من جاء ووجد مكاناً محجوزاً فماذا يصنع ؟
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " ليس لأحد أن يتحجر من المسجد شيئاً لا سجادة يفرشها قبل حضوره ولا بساطاً ولا غير ذلك ، وليس لغيره أن يصلي عليها بغير إذنه ، لكن يرفعها ويصلي مكانها في أصح قولي العلماء " ( )




    المبحث الخامس
    زخرفة المسجد ونقشه وتلوينه

    أباح بعض أهل العلم زخرفة المساجد ونقشها وتلوينها ؛ لما فيه من تعظيم المساجد والرفع من شأنها ( ) وأغلب أهل العلم يقولون بالكراهية ، بل عدّ الشوكاني ذلك بدعة ( ) . وقد وردت نصوص وآثار تدل على أن زخرفة المساجد من الأمور المنكرة في الشرع منها :
    1- عن أنس رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد " ( )
    2- قال ابن عباس _ رضي الله عنهما _ : " لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى " وقال أنس _ رضي الله عنه _ : " يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلاً " ( ).
    3- لما أمر عمر بن الخطاب _ رضي الله عنه _ البنَّاء بتجديد المسجد النبوي قال له : " أكنَّ الناس ( أي: استرهم واحفظهم ) من المطر ، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس)( ) .
    4- عن أبي الدرداء _ رضي الله عنه _ قال : " إذا زوقتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم ) وفي رواية ( فالدبار عليكم " ( ).
    قال الشيخ يوسف الوابل تعليقاً على قول عمر : " رحم الله عمر ، فإن الناس لم يأخذوا بوصيته ولم يقتصروا على التحمير والتصفير بل تعدوا ذلك إلى نقش المساجد كما ينقش الثوب ، وتباهى الملوك والخلفاء في بناء المساجد وتزويقها حتى أتوا في ذلك بالعجب ... ولا شك أن زخرفة المساجد علامة على الترف والتبذير وعمارتها إنما تكون بالطاعة والذكر فيها ويكفي الناس ما يكنهم من الحر والقر والمطر )( ).

    المبحث السادس
    دخول الكافر للمسجد

    أما المسجد الحرام بمكة فإن دخول الكافر إياه حرام بإجماع العلماء لصريح الآية التي تنهى عن ذلك قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) ( )
    وعلى هذا فإنه يحرم على المسلمين أن يمكنوا أي كافر من دخول المسجد الحرام وما حوله من مما هو داخل في حدود الحرم .
    وأما بقية المساجد فلم يرد في الشرع ما يمنع دخول الكافر إياها، بل ورد ما يدل على الجواز خاصة إذا كان هناك مصلحة شرعية أو حاجة تدعو إلى ذلك لسماع ما قد يدعوه إلى الدخول في الإسلام ، أوكان محتاجاً إلى الشرب من ماء المسجد أو ما أشبه ذلك فلا بأس به ( )
    وقد كانت وفود المشركين تأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد ( المسجد النبوي ) ولم يرد في الأحاديث أنه كان يمنع أحداً منهم من الدخول . كما أنه ثبت عنه _ عليه السلام _ أنه كان يوثق بعض الأسرى في المسجد ليسمعوا الذكر والقرآن لعلهم أن يسلموا كما فعل مع ثمامة بن اثال _ رضي الله عنه . ( )


    المبحث السابــع
    البصاق في المسجد
    ويندرج تحته مطلبان :
    المطلب الأول : حكم البصاق في المسجد
    المطلب الثاني : حكم البصاق في أثناء الصلاة

    المطلب الأول: حكم البصاق في المسجد
    بداية يجوز أن يقال في اللغة : ( بصاق وبزاق وبساق) ( )
    أما حكم البصاق في المسجد فالصحيح أنه لا يجوز لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " البصاق في المسجد خطيئة "( ) .ومن كان لا بد فاعلاً فعليه الكفارة ، والكفارة هي دفن هذا البصاق . لما جاء في تكملة الحديث السابق : " وكفارتها دفنها " .
    ودفن البصاق أو النخام في المسجد يكون فيما إذا كانت أرضية المسجد ترابا أو حصباءً ، أما إن كانت صلبة أو مبلطة فيمسحها بما يزيلها بخرقة أو نحوها .
    والأولى ألا يبصق المسلم في المسجد إلا لحاجة اعترضته فإن احتاج فعل مع كفارتها التي سلف ذكرها .
    أما من تركها بلا إزالة فقد ارتكب خطيئة وذنبا عليه أن يستغفر الله منه . فعن أبي ذر _ رضي الله عنه _ مرفوعاً قال : قال صلى الله عليه وسلم : " ووجدت في مساوئ أعمال أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تدفن " ( )

    المطلب الثاني : حكم البصاق في أثناء الصلاة
    وهو على حالين :
    الحال الأولى :إذا كان يصلي مع جماعة
    فإن اعترضه البصاق فإنه يبصق في ثوبه أو عمامته أو ردائه ويحكه ببعضه حتى يذهب أثره . والدليل ما جاء عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد الصحابة إلى ذلك .( )
    الحال الثانية :إذا كان يصلي منفرداً
    وقال : "إذا أقام أحدكم في صلاته فلا يبزق قبل قبلته ، ولكن عن يساره أو تحت قدمه ، ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ورد بعضه على بعض " .
    فهنا جاز له البصاق بشرط ألا يبصق أمامه ( باتجاه القبلة )ولا عن يمينه وإنما يبصق عن شماله أو تحت قدمه .
    والدليل على منع المصلي من البصاق أمامه : ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البصاق تجاه القبلة وقال : " إن الله قِبَل وجه المصلي " ( )
    وقد عزل النبي صلى الله عليه وسلم إماماً لأنه بصق تجاه القبلة وقال له :" إنك قد آذيت الله ورسوله " ( ).
    وعن عبدالله بن عمر_ رضي الله عنهما_ مرفوعاً : " يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه "( ) . وحمل بعض أهل العلم هذه الأحاديث على المنع من البصاق تجاه القبلة في الصلاة أو غيرها في المسجد أو غيره كما ذكر ذلك الحافظ بن حجرالعسقلاني ( ) .
    وأما الدليل على المنع من البصاق عن اليمين فهو حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البصاق عن اليمين وقال : " إن عن يمينه ملكا "( )
    وقد يورد على حديث أبي هريرة السابق إشكال في قوله : " إن عن يمينه ملكاً " ؛ حيث إنه من المعلوم أن على الشمال أيضا ملكاً فلماذا نهي عن البصاق جهة اليمين وأبيح جهة الشمال ؟
    يجاب عن ذلك بأحد جوابين :
    الأول : أن يقال أن البصاق جهة اليسار مقيد بالصفة الآنفة الذكر وهي البصاق في الرداء .
    الثاني : أن يقال إن الملك الذي على اليمين أفضل ممن هو على الشمال لما جاء عن أبي أمامة _ رضي الله عنه _ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل ، وكاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات ، فإذا عمل الشخص حسنة كتبها صاحب اليمين عشراً ، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال : دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر )( ) .




    الفصل الثالث

    أحكام المصلي في المسجد

    المبحث الأول : أحكام المسبوق
    المبحث الثاني : مشروعية السترة وأحكامها
    المبحث الثالث : تحية المسجد
    المبحث الرابع : السلام على المصلي
    المبحث الخامس: أداء المصلي لنافلة حال الإقامة



    المبحث الأول
    أحكام المسبوق

    لا بد أن يعلم ابتداء أن على من أتى إلى المسجد والإمام يصلي أن يدخل معه على أية حال وجد الإمام . والدليل على ذلك ما يلي :
    1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : "إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا "( ) . قال ابن حجر : "واستدل به على استحباب الدخول مع الإمام في حالٍ وجد عليها" ( ) .
    2- عن عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : " إذا وجدتم الإمام ساجداً فاسجدوا ، أو راكعاً فاركعوا ، أو قائماً فقوموا ، ولا تعتدوا بالسجود إذا لم تدركوا الركعة " ( )
    واليوم نرى كثيراً من الناس لا يدخل مع الإمام إلا إذا كان قائماً أو جالساً للتشهد وهذا قد حرم نفسه من خير كثير . فقد حرم نفسه من السجود الذي أجره عظيم وقد نقل عن بعض السلف قوله : ( لعله لا يرفع رأسه من السجدة حتى يغفر له ) ( ) .
    وأما التفصيل في أحوال المسبوق حين دخوله المسجد فكما يلي :
    أولاً : أن يكون الإمام قائماً .
    ويجب على المأموم هنا أن يدخل مع الإمام. والصلاة هنا على حالين :
    1- إذا كانت الصلاة جهرية : فعلية أن ينصت بعد أن يكبر تكبيرة الإحرام حتى يفرغ الإمام من الفاتحة لأنه مأمور بالاستماع والإنصات لقراءة الإمام . فإذا انتهى الإمام من قراءة الفاتحة فإنه يقرأ دعاء الاستفتاح ثم يتعوذ ويبسمل ويقرأ الفاتحة إن ظن أن ذلك يكفيه قبل شروع الإمام في القراءة بعد الفاتحة . وفي الغالب أنه لا يكفيه ، وإن كان الأمر كذلك فيترك الاستفتاح ويشرع في الفاتحة مباشرةً .
    فإن شرع الإمام في القراءة وهو لا يزال يقرأ الفاتحة فهل يتمُّها أم يقف ؟ الراجح : أنه يتوقف عن القراءة ليستمع لقراءة الإمام لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إنما جعل الإمام ليؤتَـمَّ به ، فإذا كبّر فكبروا ، وإذا قرأ فأنصتوا " ( )
    2) إذا كانت الصلاة سرية: فإنه كذلك يدخل مع إمامه فإن غلب على ظنه أن الوقت سيكفيه للاستفتاح والتعوذ والبسملة وقراءة الفاتحة قبل ركوع الإمام فَعَل ، وإلا اقتصر على الفاتحة لأن قراءتها واجبة والاستفتاح سنة . فإن ركع الإمام قبل أن يتم المأموم الفاتحة ركع معه وسقطت عنه الفاتحة ويكون بذلك مدركاً للركعة .
    وينبغي للمأموم في الصلاة السرية أ ن يقرأ بالسور الطوال أو عدداً من القصار إن كان لا يحفظ إلا هي وذلك في حالة إطالة الإمام الصلاة . فلا ينبغي له أن يقرأ سورة قصيرة ثم يسكت . قال ابن تيمية : " من سكت غير مستمع ولا قارئ في الصلاة لم يكن مأموراً بذلك ولا محموداً ؛ بل جميع الصلاة لا بد فيها من ذكر الله تعالى "( )
    ثانياً : أن يكون الإمام راكعاً :
    وهنا يكون المأموم مدركاً للركعة إن لم يستتم الإمام واقفاً ، أما إن استتم واقفاً فلا يعد المأموم مدركاً للركعة معه .
    وقد حدد أهل العلم ضوابط يمكن بها معرفة إدراك الركعة من عدم إدراكها :
    قال الإمام أحمد :" إذا أمكن يديه من ركبتيه قبل أن يرفع الإمام فقد أدرك "( ) .
    وقال ابن قدامة :" إذا انتهى إلى قدر الإجزاء من الركوع قبل أن يزول الإمام عن قدر الإجزاء فهذا يعتد له بالركعة ويكون مدركاً لها ، فأما إن كان المأموم يركع والإمام يرفع لم يجزه " ( )
    وقال الشيخ ابن باز : " إذا أدرك المأموم الإمام راكعاً أجزأته الركعة ولو لم يسبح المأموم إلا بعد رفع الإمام . لعموم قوله _ صلى الله عليه وسلم _ : " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ) خرجه مسلم في صحيحه . ومعلوم أن الركعة تدرك بإدراك الركوع " ( ) .
    إذاً فمن خلال ما سبق نقله من أقوال لأهل العلم يظهر أن المأموم إن ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة . والمقصود بالركوع أن يمكن يديه من ركبتيه كما سبق عن الإمام أحمد . وقد جاء عن أبي هريرة مرفوعاً : " من أدرك ركعة في الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه "( ) .
    ومن دخل والإمام راكع فهو بالخيار إن شاء كبر للإحرام ثم كبر للركوع ، وإن شاء اكتفى بتكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع لكنّ هناك شرطا مهما وهو: أن يكبر للإحرام وهو واقف لا وهو راكع ؛ لأن القيام ركن من أركان الصلاة ، وهذه نقطة مهمة يجب الانتباه لها . ولذلك قال الإمام أحمد " على الداخل أن يكبر للإحرام قائماً فإن أتى بها حال انحنائه للركوع لم يصح" ( ) .
    والسبب في إجزاء تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع هو أن حال الركوع يضيق في الغالب عن الجمع بين التكبيرتين ، وكذلك لاجتماع عبادتين من جنس واحد في محل واحد فأجزأ الركن وهو تكبيرة الإحرام عن الواجب وهو تكبيرة الركوع ، فكان كطواف الإفاضة يغني عن طواف الوداع ( ) .
    وهنا تتبادر إلينا مسألة وهي حكم الركوع دون الصف ثم الدخول فيه ؟
    والراجح في هذه المسألة هو جواز ذلك ، وهو قول زيد بن ثابت وقد فعله ابن مسعود وزيد ابن وهب وسعيد ابن جبير وغيرهم ( ) .
    ولكن قد يقال : هذا من فعل الصحابي ، وفعله إذا خالف النص فلا يؤخذ به فلعله لم يبلغهم حديث أبي بكرة _ رضي الله عنه _ حين ركع دون الصف ، فقال له عليه السلام : " زادك الله حرصا ولا تعد " ( ).
    وهذا الرد فيه وجاهة لولا أن هناك حديثاً عن ابن الزبير يعضد القول الأول ، وهو أن عبد الله بن الزبير قال وهو على المنبر : " إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل ثم يدب راكعاً حتى يدخل في الصف فإن ذلك من السنة " ( ) فقوله من ( السنة ) له حكم الرفع ، فدل ذلك على أن للداخل إلى المسجد والإمام راكع أن يركع دون الصف ثم

    يدخل في الصف ورجح هذا القول من المعاصرين الشيخ الألباني ( ) والشيخ البسام ( )
    أما حديث أبي بكرة فلأهل العلم تأويلات في المقصود بنهي النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكرة ، منها : أنه نهاه عن السعي ، قال ذلك ابن حجر ( ) ولذلك روي بلفظ : ( لا تعدُ ) من العدو ، وليس لا تَعُد أي للفعل ، على أنه لو كان المقصود (لا تَـعُد ) فإن المراد لا تعد للسعي . وقد ضبطت ( لا تُعِد) أي لا تعد الصلاة فهي صحيحة .( ) وعلى كلٍ فلعل الأقرب أن النهي لسعيه وعدوه ، والله أعلم .
    ثالثاً : أن يكون الإمام ساجداً أو بين السجدتين :
    وهنا أيضاً كما سبق فإنه ينبغي أن يدخل معه و لا يفوت على نفسه الخير والدليل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : " إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فكبروا ولا تعدوها شيئاً " ( ) .
    وهنا مسألتان :
    المسألة الأولى :
    إذا دخل المصلي مع الإمام وهو ساجد وكبر تكبيرة الإحرام ثم انحط ساجداً فهل يكبر للسجود أم لا ؟
    في المسألة قولان : القول الأول : لا يكبر ؛ لأن السجود هنا لا يحسب له به ركعة بخلاف الركوع . قال ابن قدامة : " إن إدراك الإمام في ركن غير الركوع لم يكبر إلا تكبيرة الافتتاح وينحط بغير تكبير"( ).
    والقول الثاني : يكبّر ؛ لأنه ولو لم تحسب له ركعة فقد حسبت له سجدة . وكل سجدة لها تكبير فيكبر حينئذٍ. ولأنه يلزمه متابعة الإمام إذا دخل في الصلاة والإمام قد كبر للسجود فعليه أن يكبر مثله .

    المسألة الثانية :
    ماذا يصنع لو كبر للصلاة والإمام ساجد ثم لما أراد المأموم أن يتبعه في السجود رفع الإمام رأسه ؟
    الذي يظهر أنه يرجع معه و لا يسجد لفوات محل المتابعة حينما رفع الإمام رأسه .
    رابعاً : إذا كان الإمام في التشهد الأخير :
    على ما سبق ينبغي الدخول معه لعموم الحديث " فما أدركتم فصلوا " ( )
    ؛ لكن إن كان معه غيره فالأولى له أن ينتظر حتى يسلم الإمام ويصلون جماعة أخرى ، ولا يبدؤون بصلاتهم حتى يفرغ الإمام من صلاته لئلا تكون تقام جماعتان في وقت واحد . والسبب في عدم القول بدخوله معهم إذا كان معه غيرُه أو غلب على ظنه أنه سيأتي غيره أن الجماعة قد فاتته ؛ وهي تُدرك بالركعة كما في حديث أبي هريرة " من أدرك ركعة في الصلاة فقد أدرك "( )
    ويحسن بنا هنا أن ننبه إلى أمرين :
    الأمر الأول : يجوز على الصحيح من أقوال أهل العلم إقامة جماعة ثانية في المسجد وقد فعل ذلك أنس بن مالك وابن مسعود وهو قول عطاء .
    وأما ما ورد عن بعض السلف من كراهية إقامة جماعة ثانية في المسجد وأنهم كانوا يصلون فرادى فلعله محمول على ما إذا اعتاد أناس إقامة جماعة دائمة في مسجد له إمام راتب يصلون وحدهم ويخرجون وحدهم فهذا لا يجوز لأنه يؤدي إلى تفريق الكلمة وهو سبب لاختلاف القلوب .
    ومما يدل على جواز إقامة جماعة ثانية في المسجد ( أن رجلاً جاء إلى المسجد بعد الفجر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد انقضت الصلاة فقال عليه السلام : " من يتصدق على هذا " فقال أبو بكر : أنا ) ، ثم صلى معه جماعة( ) . الأمر الثاني : إذا صلى المسلم الفريضة في مسجد أو في غيره ثم جاء إلى مسجد آخر وهم يصلون فإنه يسن له أن يدخل معهم في صلاتهم ويجعلها له نافلة حتى ولو كان الوقت وقت نهي ، كمن صلى العصر ثم جاء إلى المسجد فوجدهم يصلون صلى معهم . والدليل على ذلك حديث سريع بن الأسود في قصة الرجلين اللذين صليا في رحالهما ، ثم جاءا إلى المسجد والناس يصلون ، فجلسوا حت انقضت الصلاة . فرآهما النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بهما فجيء بهما ترعد فرائصهما ، فقال لهما : " مالكما لم تصليا معنا ألستما مسلمين ؟ " قالا : بلى يارسول الله ، لكنّا صلينا في رحالنا. قال : " لا تفعلا إذا جئتما إلى المسجد والناس يصلون فصليا معهم فإنها لكم نافلة " ( ). . والسبب في الأمر لهما بالصلاة : أولاً: لإدراك فضيلة الجماعة ، وثانياً: لكيلا يساء الظن بهما .























    المبحث الثاني
    مشروعية السترة وأحكامها

    ويندرج تحت هذا المبحث المطالب التالية :
    المطلب الأول : معنى السترة ومقدارها
    المطلب الثاني : مشروعيتها وفائدتها
    المطلب الثالث : المسافة التي تكون بين المصلي وبينها
    المطلب الرابع : حكم وضع السترة
    المطلب الخامس :مشروعية وضع الخط في حال عدم وجود السترة
    المطلب السادس : المرور بين يدي المصلي وقطع الصلاة
    المطلب السابع : حكم المرور بين يدي المصلي
    المطلب الثامن : مشروعية السترة في الحرم وحكم المرور بين يدي
    المصلي هناك
    المطلب التاسع : الصمود إلى السترة و الانحراف عنها

    المطلب الأول : معنى السترة ومقدارها
    السترة : هي ما ينصبه المصلي تجاه القبلة أمامه .
    وأما مقدارها : فالصواب أنه لا حد لطولها وعرضها إلا أنه ورد في بعض الأحاديث تحديدها بمؤخرة المرحل ( الشداد الذي يوضع على البعير ليجلس فوقه الراكب ) ، فمن ذلك حديث عائشة رضي الله عنها قالت : سئل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك عن سترة المصلي فقال : " مثل مؤخرة الرحل "( )
    لكنّ هذا ليس ملزماً إنما هو الأفضل ، وذلك لسببين :
    أولاً : لأن مؤخرة الرحل تختلف من رحل إلى آخر ، وثانياً : لأنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى إلى عنَـزة وإلى سهم وإلى سرير وإلى حربة بل ورد الصلاة إلى شجرة كما ثبت عن بعض السلف أنهم صلوا إلى غير ما يساوي مؤخرة الرحل فبعضهم صلى إلى حجر في الصحراء وبعضهم إلى قلنسوته ( ) .

    المطلب الثاني : مشروعية السترة وفائدتها :

    أما مشروعيتها فلا جدال أنها مما يشرع للمصلي فعله وقد حكى ابن رشد وابن عبد البر وابن قدامة الإجماع على مشروعيتها.( )
    وأما فائدتها فمن ذلك :
    1- أنها تقطع نظر المصلي عما أمامه فتجعل بصره محصوراً في موضع سجوده .
    2- أنها تمنع المرور بين يدي المصلي وتمنع قطع صلاته لأن المصلي إذا وضع لنفسه سترة فكأنه جعل أمامه منطقة محرمة فلا يمر منها الشيطان ولا غيره ، أما إذا لم يفعل فقد يكون من مر بين يديه غير ملوم لأنه لا يعلم أنه يصلي .( )

    المطلب الثالث : المسافة التي تكون بين المصلي وبينها

    اختلف في ذلك على أقوال لعل أرجحها ما جاء ذكره في حديث سهل بن سعد الساعدي قال : " كان بين مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الجدار ممر شاةٍ "( ). ومعنى قوله : ( مصلى رسول الله ) أي موضع سجوده . فيكون بين موضع سجوده وسترته قدر ممر شاة ، وهو نصف ذراع تقريباً .
    أو يمكن قياسها من موضع القدمين فيكون المقدار ثلاثة أذرع تقريباً . وقد ورد في حديث ابن عمر ما يدل على هذا ، حيث إن النبي _صلى الله عليه وسلم _ صلَّى في جوف الكعبة وبينه وبين الجدار مقدار ثلاثة أذرع( )

    المطلب الرابع : حكم وضع السترة
    في المسألة قولان :
    القول الأول : الوجوب : وهي رواية عن الإمام أحمد ( ) وبه قال الشوكاني ( ) .
    ونصره الألباني ( ). ومن أدلتهم :
    1- حديث سبرة الجهني _ رضي الله عنه _ قال : قال صلى الله عليه وسلم : " ليستتر أحدكم ولو بسهم "( ).
    2- عن عبدالله بن عمر _ رضي الله عنهما_ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تصلِِ إلا إلى سترة ، ولا تدع أحداً يمر بين يديك فإن أبى فلتقاتله فإن معه القرين "( )
    3- عن عبدالله بن عباس _رضي الله عنهما _ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إذ جاءت شاة تسعى بين يده فساعاها ( أي سابقها ) حتى ألزق بطنه بالحائط ومرت من ورائه " ( )
    هذه أشهر أدلة القائلين بالوجوب . وحديث ابن عباس الأخير الاحتجاج به على الوجوب احتجاج ضعيف ؛ فإن غاية ما فيه أن النبي _صلى الله عليه وسلم _ حرص ألا تمر الشاة بيت يديه ، وليس فيه ما يدل على وجوب اتخاذ السترة .

    القول الثاني : الاستحباب وهو قول جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين وهو المشهور عن الأئمة الأربعة . لهم أدلة منها :
    1- حديث ابن عباس _ رضي الله عنهما_ قال : " أقبلت راكباً على حمار أتان وأنا يومئذٍ قد ناهزت الاحتلام ورسول _ صلى الله عليه وسلم _ يصلي بمنى إلى غير جدار فمررت بين يدي بعض الصف وأرسلت الأتان ترتع في الصف فلم ينكر علي ذلك أحد)( )
    فقوله : ( إلى غير جدار) يعني إلى غير سترة ، ولعل مما يؤيد ذلك أن ( منى ) لم يكن لها بناء أو جدران فدل ذكره للجدار على أن المقصود السترة ، وليس جدار البنيان .
    2- عن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ قال: " صلى رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ في فضاء ليس بين يديه شئ" ( )
    3- و مما يدل على ذلك أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته أنى اتجهت به( ) . ومعلوم أنه لم تكن أمامه سترة وهو راكب على الراحلة .
    من خلال هذه الأدلة يتبين أن القول الراجح عدم وجوب السترة ؛ لكون هذه الأدلة قد صرفت أدلة الوجوب فيبقى الحكم على الاستحباب . وإن قيل بتأكيد سنيتها فهو أولى.
    وأما القول بالوجوب ففيه مشقة وحرج . فإن الإنسان قد يصلي على راحلته أو في البرية فيصعب وجود السترة معه .

    المطلب الخامس : مشروعية وضع الخط في حال عدم وجود السترة
    في هذه المسألة خلاف على قولين :
    القول الأول : مشروعية ذلك ، وهو مذهب سعيد بن جبير والثوري وأحمد والأوزاعي( ) مستدلين بحديث أبي هريرة _ رضي الله عنه _ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً فإن لم يجد فلينصب عصاً ، فإن لم يكن فليخط خطاً ثم لا يضره من مر بين يديه " ( ) .
    ثم اختلف القائلون بمشروعية الخط في كيفية رسمه ، فقال بعضهم : يخط خطاً معترضاً مثل الهلال ، وبعضهم يرى أنه خط طولي مستقيم كما ذكر ذلك ابن مفلح ( ) .
    القول الثاني : عدم مشروعية ذلك وقد ردوا الاستدلال بالحديث السابق لكونه لم يثبت بل هو ضعيف عندهم وهو مذهب الجمهور وهو القول الراجح لضعف الحديث كما بينه الشيخ الألباني ( ).

    المطلب السادس : المرور بين يدي المصلي وقطع الصلاة
    أما عموماً فلا يقطع الصلاة شيء باستثناء ثلاثة أشياء وهي : المرأة والحمار والكلب ، فهذه وقع فيها الخلاف ، كما وقع الخلاف في جزئياتها ، فالمرأة : هل يقصد بها البالغة أم عموم الأنثى ؟ والحمار : هل يقصد به الأهلي أم عموم الحمير ؟ وكذلك الكلب : هل يقصد به الأسود أم عموم الكلاب ؟
    وعلى كلٍ قطع هذه الأشياء للصلاة فيه خلاف بين أهل العلم على ثلاثة أقوال :
    القول الأول : أنه يقطعها هذه الأشياء الثلاثة وهو قول أبي هريرة وأنس بن مالك ورواية عن ابن عباس وقول عطاء والحسن ومذهب أهل الظاهر ورواية في المذهب ورجحها شيخ الإسلام وانتصر وقرر أنها هي المذهب واختار هذا القول ابن القيم والشوكاني والسعدي وابن باز وابن عثيمين ( ). وحجتهم حديث أبي ذر _ رضي الله عنه _ قال صلى الله عليه وسلم : " يقطع صلاة الرجل المسلم إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل : المرأة والحمار والكلب الأسود " وفيه " الكلب الأسود شيطان " ( ) .
    وذهب بعض أهل العلم إلى أكبر من ذلك فيمن يقطع الصلاة إضافةً إلى ما سبق فذكروا الخنـزير واليهودي والمجوسي والنصراني مستدلين بحديث جاء عند أبي داود ، إلا أنه حديث منكر لا يحتج به كما ذكر ذلك أبو داود نفسه( ) .
    القول الثاني : يقطع الصلاة بعض هذه الثلاثة . قال الإمام أحمد :" يقطعها الكلب الأسود ، وفي نفسي من الحمار والمرأة شيء ، أما المرأة فلحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهي معترضة بينه وبين القبلة ، وأما الحمار فلحديث ابن عباس أنه مر بين يدي بعض الصف"( ).
    القول الثالث : أنه لا يقطع الصلاة شيء مما سبق . وهذا هو مذهب جماعة من الصحابة بل هو مذهب أكثرهم كعثمان وعلي وابن عمر وعائشة وابن عباس في الرواية الأخرى عنه وقد سئل _ رضي الله عنه _ عن القطع فقال : " كلا ، إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه لا يقطع الصلاة شيء ولكن ادرؤوا ما استطعتم " . وهذا القول هو مذهب الجمهور بكل تأكيد كما نص على ذلك الترمذي والنووي وقال به ابن عبد البر ( ) وهو القول الراجح للأدلة التالية :
    1- حديث عائشة السابق حينما ذُكر لها حديث أبي ذر رضي الله عنه قالت : " ساويتمونا
    بالكلاب والحمر ؟ لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا معترضة بينه وبين القبلة اعتراض الجنازة فإذا قام مددت رجلي فإذا سجد غمزني والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح "( )
    وقد أجاب القائلون بالقطع على هذا الحديث فقالوا : إن الحديث المبين للقطع نص على المرور وهذا الحديث ليس مروراً ، بل هو اضطجاع .
    ولكن يمكن أن يرد عليهم بأن يقال : ينظر إلى العلة فإن كانت التشويش فهو حاصل في المرور وفي الاضطجاع أكثر . وحتى لو لم تكن العلة تلك فإن هناك رواية صحيحة في البخاري مسلم أن عائشة كانت تنسل بين رجلي السرير يعني تتحرك من أمام الرسول صلى الله عليه وسلم ( ). وفي هذا دلالة أنها مرَّت بين يديه ، ولم يثبت عنه أنه أعاد الصلاة .
    2- حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم فصلى قال : " فجاءت جاريتان قد اقتتلتا واختصمتا فجاءتا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فنـزع يد إحداهما من الأخرى وما بالا بذلك " ( ) أي استمر في صلاته .
    3- حديث الفضل بن عباس وهو من أقوى الأدلة لمن ثبت عنده ، قال : جاءنا رسول صلى

    الله عليه وسلم في بادية لنا فصلى ليس شيء يستره وكلبة لنا وحمارة تعبثان بين يديه )( ) .
    4- أن الشيطان الذي هو الكلب الأسود ورد أنه لا يقطع الصلاة لما ورد في حديث أبي الدرداء بسند صحيح أن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ اعترض له إبليس بشهاب من نار وهو يصلي يريد أن يضعه في وجهه فتعوذ منه النبي _صلى الله عليه وسلم _ ثلاثا وقال : " ألعنك بلعنة الله " ، ثم أخذه النبي صلى الله عليه وسلم وخنقه حتى وجد برد لسانه على يده ، وقال بعد ذلك " والله لو لا دعوة أخي سليمان لأصبح موثوقاً يلعب به صبيان أهل المدينة " ( )
    ففي هذا الحديث لم ينقل عنه عليه السلام أنه أعاد الصلاة بسبب اعتراض الشيطان بين يديه .
    5- أنه لا يكاد ينقل عن أحد من الصحابة ولا من التابعين أنه استأنف صلاته ( أعادها ) من مرور أحد بين يديه ، فدل ذلك على أن الأمر عندهم مشتهر بعدم القطع وإنما المقصود بالقطع الوارد في حديث أبي ذر هو نقصان الأجر أو نقصان الخشوع كما ذكر ذلك الإمام الصنعاني ( ) .

    المطلب السابع : حكم المرور بين يدي المصلي
    المرور بين يدي المصلي على نوعين :جائز و ممنوع .
    فالجائز يكون في حالتين :
    1_ المرور بين يدي المأموم دون الإمام . ودليله حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : " أقبلت راكباً على أتانٍ وأنا يومئذٍ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس فمررت بين يدي بعض الصفوف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ، ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك علي أحد " ( )
    2) المرور بين يدي المصلي لكن خلف السترة فهذا جائز لا حرج فيه. و الأمر فيه واضح.
    ويمنع في حالة واحدة : إذا كان المرور بين يدي المنفرد أو الإمام أي بينه وبين السترة .
    • والمرور بين يديه من كبائر الذنوب ودليله حديث أبي جهيم بن الحارث _ رضي الله عنه _ قال : قال رسول الله  : " لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه ( ) لكان أن يقف أربعين "( ). يعني : لو يعلم ماذا عليه من الإثم لوقف قبل أن يمر أربعين ، والمقصود أربعين سنة كما في رواية البزار ( أربعين خريفاً )( )
    فهذا دليل حرمة المرور بين يدي المصلي ، وعظم هذه المعصية التي تساهل فيها كثير من الناس !!
    ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه يجب على المصلي أن يمنع أحداً يمر بين يديه ، ودليل ذلك حديث أبي سعيد الخدري _ رضي الله عنه _ قال : قال _ صلى الله عليه وسلم _ : " إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان ) وفي رواية ( فإن معه القرين )( ) وهذا يؤكد أهمية وضع السترة حتى يعلم المار أن هناك من يصلي فلا يمر بين يديه .
    وقد ذكر الشوكاني : ( معنى( المقاتلة ) الواردة في الحديث عن القاضي عياض والقرطبي أنها المدافعة ، وروي عن بعض الشافعية حقيقة القتال ، وقال القاضي عياض :" إن دفعه بما يجوز فهلك فلا قَوَد عليه باتفاق العلماء" وأما إن كان بما لا يجوز فعليه الدية . وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قاد رجلاً دفع آخر يريد المرور بين يديه فكسر أنفه ) . ( ) .
    المطلب الثامن : مشروعية السترة في الحرم وحكم المرور بين يدي المصلي هناك
    هاتان مسألتان :
    فالمسألة الأولى : مشروعية السترة في الحرم .
    والقول الصحيح فيها أنها تشرع في الحرم وغيره ولا فرق في ذلك لجملة من الأدلة منها :
    1- حديث أبي جحيفة _ رضي الله عنه _ قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجر فصلى بالبطحاء الظهر والعصر ركعتين ونصب بين يديه عنَـَزة )( )
    2- حديث جابر في وصفه لحجة النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) فجعل المقام بينه وبين البيت( ) .
    3- عن صالح بن كيسان قال : " رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة ولا يدع أحداً يمر بين يديه "( )
    فهذه النصوص صريحة في مشروعية السترة في الحرم .
    المسألة الثانية : هل يجوز المرور في الحرم بين يدي المصلي ؟ وهل للمصلي منع أحد يمر بين يديه ؟
    لاشك أن الأولى وضع السترة كما سبق ، وأما المار بين يدي المصلي في الحرم فالأولى له الاحتراز وتحري عدم المرور لكن هل يحرم مروره ؟ فيه خلاف بين أهل العلم ولعل المترجح في هذه المسأله الترخص في المرور . وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية ، حيث ذكر جواز المرور بين يدي المصلي في مكة رجلا أو امرأة ، وهذا عنده من خصائص مكة ( ).
    وقد بين الشيخ ابن باز بكلام جزل نافع الرأيَ الوسط في هذه المسألة وهو قول يوافق يسر الشريعة وسماحتها .حيث قال : " المسجد الحرام لا يحرم المرور فيه بين يدي المصلي لكونه مظنة الزحام ويشق فيه التحرز من المرور بين يدي المصلي ، وقد ورد بذلك حديث صريح فيه ضعف لكنه ينجبر بما ورد في ذلك من الآثار عن ابن الزبير وغيره : أنه كان يصلي والناس يطوفون أمامه ، وفي حديثٍ ضعيف آخر ورد أن المرأة كانت تمر بين يديه ، ومثله في المعنى المسجد النبوي وغيره من المساجد إذا اشتد فيها الزحام وصعب التحرز من المارة لقوله عز وجل : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم" متفق عليه . وأما المصلي في الحرم فليس له أن يمنع المار بين يديه لما ورد في ذلك من آثار عن السلف تدل على أنهم كانوا لا يمنعون المار بين أيديهم في المسجد الحرام من الطائفين وغيرهم ، فوجب التيسير" ( ) ..
    وعلى كلٍ فالأمر يقدر بقدره : فبعض أجزاء الحرم تختلف عن بعض وأوقاته تختلف عن بعض ، فما كان فيه مشقة وحرج فإنه يُتسامح فيه ، وما ليس كذلك فيبقى الحكم على ما هو عليه .
    المطلب التاسع : الصمود إلى السترة و الانحراف عنها
    ذكر بعض أهل العلم كابن قدامة( ).أنه ينبغي للمصلي ألا يصمد إلى السترة بل ينحرف عنها يميناً أو شمالاً مستدلين بحديث ضباعة بنت المقداد ابن الأسود عن أبيها قال : " رأيت رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ إذا صلى إلى سترة جعلها على حاجبه الأيمن أو حاجبه الأيسر لم يتوسطها " ( )، ولكن هذا الحديث ضعيف كما قال ابن القيم والألباني( ) .
    وبذلك يبقى الحكم على الأصل وهو أن يجعل السترة قبالة وجهه ولا ينحرف عنها . قال ابن عبدالبر : " وأما استقبال السترة والصمد لها فلا تحديد في ذلك عند العلماء ، وحسب المصلي أن تكون سترته قبالة وجهه " ( ) .


    المبحث الثالث
    تحية المسجد
    وتندرج تحته المطالب التالية :
    المطلب الأول : حكم تحية المسجد
    المطلب الثاني : أداء تحية المسجد قبل العيد في المصلى
    المطلب الثالث : أداء التحية أثناء وقت الآذان الثاني يوم الجمعة

    المطلب الأول : حكم تحية المسجد
    جمهور أهل العلم على أن تحية المسجد الأمر بها للندب لا للوجوب.
    قال ابن حجر: "اتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب " ( ) ، وقال النووي إنه : " إجماع المسلمين " ( ) ، وفي نقل النووي للإجماع نظر فقد ذكر القاضي عياض وابن بطال أن مذهب أهل الظاهر الوجوب ( ) . وممن اختار هذا القول الصنعاني و الشوكاني وقال _ رحمه الله_ :" الظاهر ما قاله أهل الظاهر من الوجوب " ( ) .
    أدلة أصحاب القول الأول :
    1-حديث عبد الله بن بسر _ رضي الله عنه _ قال : جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اجلس فقد آذيت " وفي رواية : " أنيت " ( ) أي أبطأت وتأخرت .
    وأجيب عن هذا الحديث بما يلي :
    أ_ أن المراد بقوله : ( اجلس ) أي لا تتخط وليس ترك التحية .
    ب_ يحتمل أن هذا الصحابي صلى في أول المسجد ثم جاء يتخطى الناس .
    ج _ وقيل كان ذلك قبل الأمر بالتحية .
    د - وقيل كان ذلك في نهاية الخطبة الثانية فلو أمره بالصلاة لفاتته تكبيرة الإحرام . ذكر ذلك ابن قدامة ( ) .
    2) حديث أنس بن مالك _ رضي الله عنه _ في قصة ضمام بن ثعلبة لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عما يجب عليه من الصلاة قال : " الصلوات الخمس " فقال هل علي غيرها ؟ قال: " لا ، إلا أن تطوع " ( ) وأجيب عن هذا الحديث بما يلي :
    أ- قوله ( إلا أن تطوع ) ينفي وجوب الواجبات ابتداءً ، أما ما كان لسبب فإنه لا ينفي الوجوب . مثل إتمام الحج والعمرة حتى ولو كانا نفلين فما دام شرع فيهما وجب الإتمام ، ومثل وجوب كفارة النذر والظهار والحلف وغيرها لم يذكر في الحديث ، ومع هذا فهو واجب .
    ب- أن التعاليم الواقعة في مبادئ الشريعة لا تصلح لصرف ما تجدد من الأوامر عن الوجوب لأن الشريعة جاءت شيئاً فشيئاً ، وإلا للزم من ذلك أن الواجبات في الشرع هي ما ذكر فقط ومعلوم أنها أضعاف ذلك بكثير .
    جـ - أن من المتمسكين بحديث ضمام بن ثعلبة من قال بوجوب بعض الصلوات كالعيد وركعتي الطواف والجنازة فما أجابوه من إجابات فهي كذلك إجابات تقال هنا .
    3) عن زيد بن أسلم قال : " كان أصحاب رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ يدخلون المسجد ويخرجون ولا يصلون " ( )
    وهذا الحديث ليس صريحاً في أنهم جلسوا في المسجد ولم يصلوا .
    4) حديث أبي واقد الليثي في خبر الثلاثة نفر الذين دخلوا المسجد فجلس أحدهم في حلقة الذكر ، واستحيا الآخر ، وأدبر الثالث ( ). فقالوا : إنه جلس ولم يصلِّ . ولكن ليس في الحديث ما ينفي أنه صلّى .
    أدلة أصحاب القول الثاني :
    1) حديث أبي قتادة قال _ صلى الله عليه وسلم _ : " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين " ( ) قالوا : الأمر هنا يقتضي الوجوب حيث لا صارف معتبر عندهم
    2) حديث جابر _ رضي الله عنه _ قال: ( دخل رجل يوم الجمعة والرسول _ صلى الله عليه وسلم _ يخطب فقال :" صليت " ؟ قال: لا ، قال:" فصل ركعتين "( ).
    قالوا :فقطعه للخطبة ليأمر الصحابي بالتحية مع أنه سينشغل بها عن الخطبة ظاهره الوجوب .
    وقد استنبط بعض العلماء فوائد من هذا الحديث تخص موضوعنا هذا منها :
    قال ابن حجر : " يجوز أداء التحية حتى ولو جلس الداخل إلى المسجد إذا كان الوقت الذي جلسه يسيرا ً" . ( )
    ذكر الألباني : أنه لا فرق بين المسجد الحرام وغيره من المساجد في التحية ، فإنه تحيته كغيره من المساجد ، وأما حديث ( من أتى البيت فليحيه بالطواف ) فقال عنه :" لا أعلم في السنة القولية والعملية ما يشهد لمعناه " ( )
    3) عن أبي قتادة _ رضي الله عنه _ قال :قال _ صلى الله عليه وسلم _ : " أعطوا المساجد حقها " قيل : وما حقها ؟ قال :" ركعتين قبل أن تجلس " ( )
    والذي يظهر _ من خلال بحث هذه المسألة _ أن القول بالوجوب قولٌ قوي له وجاهته ، ولكن الذي يدعونا إلى عدم الأخذ به أنه خلاف رأي الغالبية الساحقة من العلماء سلفاً وخلفاً ، ويستبعد أن تخفى عليهم هذه الأدلة التي أوردها أصحاب القول الثاني ؛ بل الذي يظهر أنها معلومة لديهم ، لكن الصارف لها مستفيض عندهم ويكاد يكون أمراً مسلّماً . فالإمام مالك _رحمه الله_ مثلاً روى حديث أبي قتادة في موطأه ثم قال بعيده :" وذلك حسن وليس بواجب "( ) .
    وقال ابن عبد البر : " لا يختلف العلماء أن ذلك من السنة وليس بواجب عند أحد إلا أهل الظاهر فإنهم يوجبونهما والفقهاء بأجمعهم لا يوجبونهما" ( يقصد الركعتين ) ( ).
    من خلال ذلك فالقول الأقرب للصواب أن تحية المسجد سنة مؤكدة جداً لا ينبغي تركها والله أعلم .
    وههنا مسألة : هل تؤدى تحية المسجد لمن أداها ثم خرج ودخل والفاصل قصير ؟
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "إذا تكرر منه دخول المسجد يستحب له أن يعيد التحية " ( ) وقال الشوكاني : " التحية مشروعة إن تكرر دخول المسجد ولا وجه لما قال البعض من عدم التكرار قياساً على المترددين إلى مكة في سقوط الإحرام عنهم " ( ) .
    ويرى الشيخ سلمان العودة عدم فعل ذلك لأن من خرج وعاد بعد وقت يسير يعد في حكم من هو في المسجد( ).

    المطلب الثاني : أداء تحية المسجد قبل العيد في المصلى
    هل السنة أداء تحية المسجد أو غيرها من النوافل في مصلى العيد أم أنها تترك ؟ وقع في ذلك خلاف بين أهل العلم على قولين :
    لقول الأول : أنها تُصلى ، ولا فرق بين مصلى العيد ولا غيره . وهو مروي من فعل أبي هريرة ، وأنس بن مالك ، والحسن . وقد جاء عن علي بن أبي طالب أنه أتى المصلى فرأى الناس يصلون فقيل له في ذلك ، فقال:" لا أكون الذي ينهى عبداً إذا صلى " وهو قول الشافعي ( ).
    وقال ابن حزم :" والتنفل قبلهما في المصلى حسن " ( )
    وكذلك قال ابن عبد البر ( )واختاره من المعاصرين الشيخ ابن عثيمين ( )
    ومن اشهر ما استدلوا به :
    1) فعل بعض الصحابة كما سبق .
    2) أن المصلَّى له أحكام المسجد بدليل أمر النبي صلى الله عليه وسلم باعتزال الحـيَّض له .
    3) أن يوم العيد كغيره من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها ، فالواجب أن يكون كغيره في الإباحة .
    4) عدم وجود دليل على المنع .
    5) أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة السجود .
    القول الثاني : المنع ، وهو قول ابن عباس وابن عمر وابن مسعود وهو مذهب أهل المدينة ومنهم الإمام مالك وأهل الكوفة والأوزاعي ( ) وقال به الإمام أحمد ( ) وقد ذكر الإمام مالك : " أن ابن عمر لم يكن يصلي يوم الفطر قبل الصلاة ولا بعدها " ( ) . وقال الزهري: " ما علمنا أحداً كان يصلي قبل خروج الإمام يوم العيد ولا بعده " ( )، وقال ابن حجر :" والحاصل أن صلاة العيد لم يثبت أن لها سنة قبلها ولا بعدها خلافاً لمن قاسها على الجمعة "( ). وقال ابن القيم : "ولم يكن هو _ صلى الله عليه وسلم _ ولا أصحابه يصلون إذا انتهوا إلى المصلى قبل الصلاة ولا بعدها " ( ) .
    واختاره من المعاصرين الشيخ ابن باز ( ) والشيخ الفوزان ( ) . ومن أدلتهم :
    1) فعل النبي _ صلى الله عليه وسلم _ كما في حديث ابن عباس قال: " خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أضحى أو فطر فصلى ركعتين ولم يصل قبلها ولا بعدها "( )وقد اعترض عليهم بأن ذلك معلوم لأن الرسول _صلى الله عليه وسلم _ إمام فمن الطبيعي أنه لم يصل غير صلاة العيد حين خرج للناس .
    2) فعل بعض الصحابة كابن عمر وكذلك ابن عباس حيث ثبت أنهما لم يصليا كما سبقت الإشارة إلى ذلك .
    3) ما روي عن علي بن أبي طالب أنه رأى قوماً يصلون قبل العيد فقال: " ما كان هذا يفعل في على عهد رسول الله _ صلى الله عليه وسلم " ( )

    لكن الحديث ضعيف كما قال العراقي ( )
    ويتضح مما سبق : أن الأولى والأكمل ترك الصلاة قبل العيد في المصلى لأنه فيما يظهر فعل عامة الصحابة كما نقله غير واحد من أهل العلم ممن سلف ذكرهم . وأما ما روي عن بعضهم من أنه صلى فهو اجتهاد منهم خالفهم فيه غيرهم من الصحابة ، والصحابي إذا خالفه غيره من الصحابة في مسألة فلا يكون قوله حجة كما هو مقرر عند أهل الأصول .
    ولكن من فعل وصلى فله سلف في ذلك ، ولا يجب الإنكار عليه .قال ابن عبد البر: " الصلاة فعل خير لا يجب المنع منها إلا بدليل لا معارض له فيه ". وقال داود الظاهري : " لكل واحد منهم سلف فيما ذهب إليه من الصحابة والتابعين "( ).
    وأما الاستدلال على الصلاة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعزل الحيض فقد أجاب الشيخ سلمان العودة : بأن ذل ليس صريحاً في كون العلة لأجل دخول الحائض المصلى بل ربما خشية قطع الحيَّض للصفوف ( ).

    المطلب الثالث : أداء التحية أثناء وقت الآذان الثاني يوم الجمعة
    يحدث كثيرا حينما يأتي المسلم لصلاة الجمعة وقد شرع المؤذن في الأذان الثاني ، فيحتار: هل يردد مع المؤذن ثم يصلي التحية أم يصليها ليستمع إلى الخطبة ؟
    وهذه المسألة اختلف فيه أهل العلم على قولين :
    القول الأول : أداء التحية مباشرة ، قال الشافعي: " نقول ونأمر من دخل المسجد والإمام يخطب والمؤذن يؤذن ، ولم يصل ركعتين أن يصليهما ، ونأمره أن يخففهما فإنه روي في الحديث أن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ أمر بتخفيفهما " ( )
    وهذا هو مذهب الحسن وابن عيينة وأحمد وإسحاق ( )
    والذي نقله ابن قدامة عن الإمام أحمد أنه قال : " إذا دخل المسجد فسمع المؤذن استحب له انتظاره ليفرغ ، ويقول مثل ما يقول جمعاً بين الفضيلتين " . ( ) وهذا ظاهره أن الإمام أحمد يقول بالترديد مع المؤذن قبل بالتحية ؛ ونقل المرداوي عن بعض الحنابلة هذا القول( ). ورجحه من المعاصرين الشيخ سلمان العودة ( )، والشيخ مشهور حسن ( ) .
    القول الثاني : تقديم الترديد للأذان على تحية المسجد ؛ لأن كلا الأمرين سنة وبالإمكان الجمع بينهما وإدراك الفضيلتين ، ولو صلى وترك الترديد فقد فاته وقت الترديد ولا يمكن إدراكه بعكس أداء التحية فإنها لا يشترط أن تُصلى على الفور . وهذا ما رجحه الشيخ ابن باز وقال عن الذي صلى ولم يجب المؤذن إن ذلك : " خلاف الأفضل لأنه يفوته بذلك فضل إجابة المؤذن "( ) . وهذا _ والله أعلم _ هو الأقرب للصواب ، وفيه جمع بين الأدلة .
    أما قول أصحاب القول الأول : ( إن سماع الخطبة واجب فيُقدم ) ، فلا يستقيم ؛ لأن الذي ردد مع المؤذن ثم صلى التحية لا يقال إنه ترك أو أخل بسماع الخطبة ، فحاله كحال من أتى والإمام يخطب فلا يقال له اجلس حتى تستمع وإنما يؤمر بالصلاة وينهى عن الإخلال بسماع الخطبة .


    المبحث الرابع
    السلام على المصلي
    ويندرج تحته مطلبان :
    المطلب الأول : حكم إلقاء السلام على المصلي .
    المطلب الثاني : كيف يرد المصلي السلام
    المطلب الأول : حكم إلقاء السلام على المصلي .

    لا شك أن السلام على من هم جلوس في المسجد سنة فهو من جملة السلام على القوم . لكن هل يسلم الداخل إلى المسجد على من كان يصلي أم لا ؟
    في مذهب الإمام أحمد روايتان ذكرهما ابن مفلح ( ) إحداهما القول بالكراهة ، والثانية عدمها . وهو الراجح لجملة من الأحاديث منها :
    1- ما جاء عن ابن مسعود _ رضي الله عنه _ قال :" كنت آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه فيرد علي فأتيته فسلمت عليه وهو يصلي فلم يرد علي " ( ) . وكان _ عليه السلام _ يرد على ابن مسعود في الصلاة باللفظ ثم نُسخ الحكم فمنع من الحديث في الصلاة بغير ما ورد فيها. وهو هنا _ صلى الله عليه وسلم _لم يُنكر على ابن مسعود السلام في كلا الحالين .
    2- ومن الأحاديث ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: " خرج رسول الله _صلى الله عليه وسلم _ إلى قباء يصلي فيه فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي " ( ) .
    3- عن صهيب _ رضي الله عنه _ قال : " مررت بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه " ( ) .
    كل هذه الأحاديث تدل على جواز السلام على المصلي بدليل إقرار النبي _ صلى الله عليه وسلم _ للصحابة في هذا الفعل .
    المطلب الثاني : كيف يرد المصلي السلام
    علمنا من حديث ابن مسعود حرمة الرد باللفظ ؛ بل حكى ابن مفلح أن من فعل ذلك فعليه أن يعيد صلاته ( ) ، فكيف يكون الرد إذاً ؟
    هناك عدة طرق لرد السلام لمن كان في أثناء الصلاة ، كلها ثبتت بالأحاديث الصحيحة ، فمنها :
    1- بسط الكف بحيث يكون بطنها أسفل وظهرها أعلى . ودليلها ما جاء في حديث ابن عمر السابق قال :" قلت لبلال : كيف رأيت رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ يرد حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي ؟ قال : يقول هكذا " وبسط كفه وبسط جعفر بن عون ( أحد الرواة ) كفه وجعل بطنه أسفل وجعل ظهره فوق .
    2- الرد بالإشارة بالإصبع . والأظهر أنها السبابة لأنه أيسر ولأن العادة جرت برفعها . وجاء ذلك في حديث صهيب السابق وقال في آخره : " فرد إشارةً بإصبعه " .
    3- الإيماء بالرأس ، ورد ذلك في حديث ابن مسعود السابق حيث قال :" فأومأ برأسه"
    قال الشوكاني : " ويجمع بين الروايات أنه صلى الله عليه وسلم فعل هذا مرة وهذا مرة فيكون جميع ذلك جائزا " ( ) .
    ويحسن التنبيه هنا إلى أن الأولى ترك السلام على المصلي إن كان يُظن أنه سيرد بلسانه حتى لا يقع في محذور، ذكر ذلك ابن تيمية _ رحمه الله _ ( )

    المبحث الخامس
    أداء المصلي للنافلة حال الإقامة

    ويندرج تحت هذا المبحث المطالب التالية :
    المطلب الأول : حكم الشروع في صلاة النافلة بعد سماع الإقامة
    المطلب الثاني : من شرع في النافلة قبل الإقامة ثم أقيمت الصلاة
    المطلب الثالث : مشروعية السلام في حالة قطع النافلة


    المطلب الأول : حكم الشروع في صلاة النافلة بعد سماع الإقامة
    الراجح من أقوال العلماء أن من دخل المسجد ثم أقيمت الصلاة فإنه يحرم عليه الشروع في النافلة ؛ لورود النهي عن ذلك في حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه _ قال : قال رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ : " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " ( )
    وقد استثنى بعض أهل العلم من ذلك سنة الفجر لعظم أجرها وتأكيد سنيتها . واشترطوا ألا تفوته الجماعة بسبب أدائها ، روي ذلك عن أبي حنيفة والأوزاعي مستدلين بزيادة في حديث أبي هريرة السابق ونصها :" فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الفجر " ( ) والصواب أنه لا استثناء من الحكم السابق لا سنة الفجر ولا غيرها ، وأما الزيادة التي استدل بها من قال باستثناء سنة الفجر فهي زيادة على اسمها لا تثبت كما ذكر ذلك البيهقي نفسُه الذي روى هذه الزيادة ( ) ، وقد حقق ابن القيم _ رحمه الله _ القول في هذه الرواية وأثبت ضعفها ( ) .
    قال أبو عمر ابن عبد البر: " قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا أقيمت الصلاة ...) والحجة عند التنازع :السنة ، فمن أدلى بها فقد أفلح ، ومن استعملها فقد نجا " ( )
    وقد ذكر النووي _ رحمه الله_ الحكمة في المنع من الشروع في النافلة بعد سماع الإقامة فقال : " الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع فيها عقب شروع الإمام ، والمحافظة
    على مكملات الفريضة أولى من التشاغل بالنافلة " ( ) ونقل عن القاضي قوله : " وفيه حكمة أخرى : وهو النهي عن الاختلاف على الأئمة " ( ).
    المطلب الثاني : من شرع في النافلة قبل الإقامة ثم أقيمت الصلاة
    هذه المسألة اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال :
    القول الأول : يقطع الصلاة ويدخل معهم في الفريضة . مستدلين بعموم الحديث : " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " .( )
    قالوا : الحديث عام يشمل من شرع في النافلة بعد الإقامة أو قبلها ، وليس هناك تخصيص . وقد روي عن بيان قال: " كان قيس بن أبي حازم يصلي يؤمنا ، فأقام المؤذن للصلاة وقد صلى ركعة فتركها ثم تقدم فصلى بنا "( ) .
    القول الثاني : لا يقطعها بل يتمها خفيفة ، واشترط بعضهم كابن قدامة ( ) وشيخ الإسلام ابن تيمية ( ) ألا تفوته الجماعة بسببها .
    واستدلوا بعموم قوله تعالى : " ولا تبطلوا أعمالكم " ( ) . وأجابوا عن حديث أبي هريرة بأنه محمول على من شرع في النافلة بعد الإقامة . واختار هذا القول الشيخ محمد بن إبراهيم حيث قال _ رحمه الله_ :"لا يظهر لي أنه يقطع الصلاة وهو ما درى ( يعني لم يعلم بإقامة الصلاة إلا بعد الشروع في النافلة ) ما يظهر لي أن هناك شيئاً صريحاً عن الرسول - صلى الله عليه وسلم _ أنه يقطعها " ( )
    القول الثالث : التفصيل : فإن كان قد أتم الركعة الأولى وشرع في الثانية فله أن يتمها خفيفة ويسلم ، وإن كان لا يزال في الركعة الأولى فإنه يقطعها.ورجح هذا القول من المعاصرين الشيخ ابن عثيمين ( ).

    المطلب الثالث : مشروعية السلام في حالة قطع النافلة
    الراجح أن من قطع الصلاة فإنه لا يسلم منها ، وذلك لسببين :
    السبب الأول : أن التسليم خاص بالصلاة الكاملة لقوله _صلى الله عليه وسلم _ : " مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم " ( )
    السبب الثاني : أن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ أمر من أحدث في صلاته أن يأخذ بأنفه ثم لينصرف ولم يأمره بالسلام ( ) .

    والحمــد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد






    الخاتمة

    بعد هذا المشوار في هذا البحث يمكن للباحث أن يخلص إلى أهم النتائج التي توصل إليها في بحثه ، وهي على النحو التالي :
    1- التعريف الأدق للمسجد والذي يجمع بين التعريف اللغوي والشرعي هو أنه : مكان مخصوص له أحكام مخصوصة بني لأداء عبادة الصلاة وذكر الله وقراءة القرآن .
    2- مكانة المسجد في الإسلام أشمل من كونه محلا للصلاة والذكر ، بل هو ميدان للتعليم والتربية والإعداد .
    3- المشي إلى المسجد يفضل الركوب إليه ؛ وذلك لكثرة الخطا التي يؤجر المسلم عليها .
    4- بناء المساجد على نوعين : حسي ومعنوي ، ولكل منهما فضائله وأجوره .
    5- الإسراع والعدو إلى المسجد لا يجوز حتى ولو بحجة سماع الإقامة أو إدراك الركعة .
    6- تشبيك الأصابع يكره في ثلاث حالات : عند الذهاب إلى المسجد ، وفي المسجد قبل الصلاة
    وأثناء الصلاة ( وهو أشدها كراهة ) . ويجوز بعد الصلاة في المسجد .
    7- تحريم نشدان المرء ضالته أومفقوداته الشخصية في المسجد ؛ صيانة لحرمته ورفعة لمنـزلته ؛ إذ إن المساجد لم تبن لهذا الشيء .
    8- تحريم التبايع في المسجد ؛ لنفس العله المذكورة في رقم (7) .
    9- الغرف المبنية في المسجد إن كانت داخلة في سور المسجد فلها حكم المسجد ، أما إن كانت خارج سور المسجد ولو كانت أبوابها فيه فليس لها حكم المسجد .
    10- سؤال الفقير الناس في المسجد لم يرد ما يمنع منه في الشرع بشرط ألا يكذب السائل في دعواه ، ويكون محتاجا وغير قادر على سد حاجته .
    11- الإعلانات التجارية لا يجوز إدخالها إلى المسجد ولا في المكتبة الخيرية التي هي تابعة للمسجد ، وأما الإعلانات التي فيها شيء من الفائدة كإعلانات عن دروس أو عن محاضرات أو نحو ذلك فلا بأس بذلك .
    12- يحرم على الجنب والحائض البقاء في المسجد ، ويجوز لهما المرور به للحاجة فقط .
    13- لا يجوز حضور الجماعة لمن أكل ثوماً أو بصلاً أو كل ما له رائحة كريهة إلا إذا وضع المصلي ما يزيل تللك الرائحة ؛ لما في ذلك من أذى للمصلين وتأثير على خشوعهم .
    14- يحرم حجز الأماكن في المسجد بسجادة أو عصا أو نحو ذلك ، ويستثنى من ذلك :
    أ- من تقدم إلى المسجد وفي نيته انتظار الصلاة ثم عرض له عارض من وضوء ونحوه فقام فلا حرج عليه في وضع عصا أو سجادة حتى يرجع لأنه أحق بهذا المكان .
    ب - من وضع عصاه أو سجادته في مكان في المسجد هو في الأصل موجود فيه كالمعتكف
    مثلاً فلما أقيمت الصلاة تقدم وأكمل الصفوف فإن له حق الرجوع إلى مكانه بعد الصلاة .
    15- زخرفة المساجد ونقشها وتلوينها والمبالغة في ذلك أقل أحوالها الكراهة ، لما فيها من إشغال المصلين ومشابهة اليهود .
    16- لا بأس بدخول الكافر إلى المسجد حيث لم يأت في الشرع ما ينهى عن ذلك ؛ باستثناء المسجد الحرام فلا يجوز دخول الكافر له .
    17- البصاق في المسجد لا يجوز ، ومن فعل فعليه كفارة وهي دفن ذلك البصاق .وأما من اعترضه البصاق وهو في الصلاة فلا حرج أن يبصق لكن لا يبصق تجاه القبلة ولا جهة اليمين . وإنما جهة شماله أو تحت قدمه . هذا إذا كان يصلي منفردا ، أما إذا كان في جماعة فيبصق في ردائه أو منديل أو نحوهما .
    18- المسبوق إلى الصلاة إذا دخل المسجد فليدخل مع الإمام على أية حال كان عليها المصلون
    19- قراءة الفاتحة تسقط على من كان مسبوقا ووجد الإمام راكعا .
    20- من دخل المسجد والناس في التشهد الأخير فغن كان معه أحد انتظر حتى يسلم الإمام ، ثم يصليان جماعة ، وإن كان منفردا فليدخل مع الإمام .
    21- السترة سنة مؤكدة ، ولا حد واجب لطلها ولا عرضها . لكن الأفضل ان تكون بمقدر مؤخرة الركب .
    22- مقدار المسافة بين المصلي وسترته من عند مكان سجوده قدر ممر شاة ، وهو نصف ذراع تقريباً .و من موضع القدمين ثلاثة أذرع تقريباً .
    23- عدم مشروعية وضع خط في الأرض عند عدم وجود سترة ؛ لضعف الحديث في ذلك .
    24- عدم صحة النهي عن الصمود إلى السترة ، لعدم ثبوت حديث يمنع من هذا الأمر .
    25- لا يقطع صلاة المسلم مرور أحد بين يديه ، والحديث الوارد في ذلك يحمل على إنقاص الأجر وليس فساد الصلاة .
    26- حرمة المرور بين يدي المصلي وأن ذلك من الكبائر ، ووجوب منع المصلي لمن يريد أن يمر بين يديه .ويجوز المرور في حالتين :
    أ _ المرور بين يدي المأموم دون الإمام .
    ب_ المرور من وراء السترة .
    27- السترة تشرع في الحرم وغيره ولا فرق بينه وبين سائر المساجد في هذه المسألة .
    28- إذا اشتد الزحام فلا بأس بالمرور بين يدي المصلي ،سواء في الحرم أو في غيره . ولا ينبغي للمصلي أن يمنع أحدا من ذلك للحرج الشديد على الناس .
    29- تحية المسجد سنة مؤكدة جدا ، والقول بالوجوب ليس بالبعيد .
    30- الأولى والأكمل ترك الصلاة قبل العيد في المصلى ، ولكن من فعل وصلى فله سلف في ذلك ، ولا يجب الإنكار عليه.
    31- إذا دخل المصلي المسجد يوم الجمعة والمؤذت يؤذن فإنه يردد مع المؤذن أولا ثم يؤدي التحية ؛ لأن كلا الأمرين سنة وبالإمكان الجمع بينهما وإدراك الفضيلتين .
    32- السلام على المصلي جائز ، والرد عليه يكون بالإشارة لا باللفظ : إما بالإصبع أوببسط الكف أو إيماء بالرأس .
    33- لا يجوز للمصلي الشروع في النافلة بعد سماع الإقامة .
    34- من شرع في النافلة ثم أقيمت الصلاة : فإن كان قد شرع في الركعة الثانية أتم الصلاة خفيفة . وإن كان لا يزال في الأولى قطع الصلاة بلا تسليم ودخل مع الإمام .
























    ثبت المصادر والمراجع
    مرتبة حسب الاحرف الأبجدية

    1) الآداب الشرعية ، ابن مفلح المقدسي تحقيق: شعيب الأرناؤوط وعمر القيام ، مؤسسة الرسالة ، بيروت . الطبعة الأولى 1416 هـ
    2) إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل ، محمد ناصر الدين الألباني ، المكتب الإسلامي ، بيروت ، الطبعة الثانية 1405 هـ
    3) الاستذكار . الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار والأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار . تصنيف ابن عبد البر، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع . الطبعة الأولى – تاريخها ( 1421 هـ).
    4) أشراط الساعة ، يوسف بن عبدالله الوابل ، دار ابن الجوزي ، الطبعة الثامنة 1418هـ
    5) إعلام الموقعين عن رب العالمين ، ابن قيم الجوزية ،المحقق / محمد المعتصم بالله البغدادي ، دار الكتاب العربي ،بيروت الطبعة الأولى 1416 هـ
    6) الأم ، محمد بن إدريس الشافعي ، دار المعرفة ، بيروت ، الطبعة الثانية ، 1393هـ
    7) الإنصاف ، علي بن سليمان المرداوي ، دار إحياء التراث ، بيروت ، تحقيق : محمد أحمد الفقي ، الطبعة وتاريخها ( بدون )
    8) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد القرطبي ، تحقيق ماجد الحموي ، دار ابن حزم ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولى 1416هـ - 1995م .
    9) تفسير القرطبي ، محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي ، تحقيق أحمد البردوني ، دار الشعب ، القاهرة ، الطبعة الثانية ، 1372هـ
    10) تهذيب الأسماء ، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف بن حزام ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان ، 1996م
    11) توضيح الأحكام من بلوغ المرام، عبدالله البسام ، مكتبة النهضة الحديثة ، مكة المكرمة،الطبعة الثالثة 1417 هـ .

    12) الجامع الصحيح المسند لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه ، محمد بن إسماعيل البخاري ، دار القلم ، بيروت ، رقم الطبعة ( بدون ) ، تاريخها 1987م
    13) زاد المعاد في هدي خير العباد،ابن قيم الجوزية تحقيق:شعيب وعبدالقادر الأرناؤوط مؤسسة الرسالة ومكتبة المنار الإسلامية ، بيروت ، الكويت ،الطبعة السابعة والعشرون 1414 هـ
    14) سبل السلام شرح بلوغ المرام . محمد بن إسماعيل الصنعاني ، تحقيق عصام الدين السبابطي وعماد السيد ، دار الحديث ، القاهرة ، الطبعة الأولى 2000م .
    15) سلسلة الأحاديث الصحيحة ، محمد ناصر الدين الألباني ، مكتبة المعارف ، الرياض 1415هـ 1995م .
    16) سلسلة الأحاديث الضعيفة ،محمد ناصر الدين الألباني ، مكتبة المعارف ، الرياض ،الطبعة الأولى 1421هـ
    17) سنن ابن ماجة ، محمد بن يزيد أبو عبدالله القزويني ، دار الفكر ، بيروت ، رقم الطبعة وتاريخها ( بدون )
    18) سنن أبي داود ، أبو سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي ، المكتبة العصرية ، بيروت ، رقم الطبعة وتاريخها (بدون )
    19) سنن البيهقي الكبرى ، أحمد بن الحسين بن علي البيهقي ، دار الباز ، مكة المكرمة ، الطبعة ( بدون ) 1414هـ
    20) سنن الترمذي ، محمد بن عيسى الترمذي ، دار إحياء التراث العربي ،بيروت ، رقم الطبعة (بدون ) ، تاريخ الطبعة 1983م
    21) السنن الكبرى ، أحمد بن شعيب أبو عبدالرحمن النسائي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، رقم الطبعة الأولى ، تاريخها 1991م
    22) سنن سعيد بن منصور ، سعيد بن منصور ، تحقيق : سعد الحميد ، دار العصيمي ، الرياض ، الطبعة الأولى 1414هـ
    23) الشرح الممتع شرح زاد المستقنع ، محمد بن صاح العثيمين ، مؤسسة آسام ، الرياض ، الطبعة الأولى ، 1415هـ
    24) شرح بلوغ المرام ، سلمان بن فهد العودة . الدار والطبعة وتاريخها ( بدون )
    25) صحيح ابن خزيمة ، محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري ،المكتب الإسلامي ، بيروت ، الطبعة ( بدون ) ، 1391هـ .
    26) صحيح الإمام مسلم ، مسلم بن الحجاج النيسابوري ، دار إحياء التراث العربي، بيروت ، رقم الطبعة ( بدون ) ، تاريخها 1972م .
    27) صحيح سنن أبن ماجة ، محمد ناصر الدين الألباني ، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع ، الرياض.الطبعة الثانية 1421 هـ _ 2002 م .
    28) صحيح سنن أبي داوود ، محمد ناصر الدين الألباني ، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع ، الرياض.الطبعة الثانية 1421 هـ _ 2002 م .
    29) صحيح سنن الترمذي، محمد ناصر الدين الألباني . مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الرياض .الطبعة الثانية 1422هـ _ 2002 م .
    30) صحيح مسلم بشرح النووي . حققه عصام الضبابطي . دار الحديث ، القاهرة .الطبعة الرابعة 1422 هـ _ 2000 م .
    31) صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، ناصر الدين الألباني . مكتبة المعارف ، الرياض الطبعة ( بدون ) 1417هـ - 1996م .
    32) ضعيف سنن ابن ماجة ، محمد ناصر الدين الألباني ، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع ، الرياض ، الطبعة الثانية 1421 هـ
    33) ضعيف سنن أبي داود ، محمد ناصر الدين الألباني ، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع ، الرياض ، الطبعة الثانية 1421 هـ
    34) فتاوى أركان الإسلام ، محمد بن صالح العثيمين ، جمع وترتيب : فهد السليمان ،دار الثريا، الرياض ، الطبعة الأولى ،1421هـ
    35) فتاوى اللجنة الدائمة : جمع وترتيب أحمد بن عبد الرزاق الدويش ، الإدارة العامة للطبع والترجمة ، الرياض ، الطبعة الأولى ، 1416 هـ ـ 1996 م
    36) فتاوى في تربية الشباب ، ( أجاب عنها الشيخ ابن عثيمين والشيخ ابن جبرين ) ، جمعها: عادل بن محمد آل عبدالعالي ، الدار ( بدون ) ، الطبعة الأولى 1418 هـ
    37) فتاوى و رسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ، جمع وترتيب : محمد عبدالرحمن بن قاسم - الطبعة الأولى - 1399هـ
    38) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني . تحقيق عبد العزيز بن باز دارا لمطبعة السلفية ، القاهرة ، الطبعة الثالثة 1407 هـ .
    39) الفروع ابن مفلح الحنبلي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى 1418هـ 1997 م .
    40) فقه السنة ، الشيخ السيد سابق . دار الفتح للإعلام العربي ، القاهرة . الطبعة الأولى 1418 هـ _ 1998 م .
    41) القاموس المحيط ، محمد بن يعقوب الفيروز أبادي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، الطبعة الأولى 1422 هـ .
    42) كشاف القناع ، منصور بن يونس البهوتي ، دار الفكر ، بيروت ، الطبعة ( بدون ) 1402هـ
    43) لسان العرب ، جمال الدين أبو الفضل ابن منظور ، دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان ، الطبعة الثانية 1419هـ .
    44) مجمع الزوائد ، محمد بن أبي بكر الهيثمي ، دار الريان ، القاهرة ، الطبعة ( بدون ) 1407هـ
    45) المجموع شرح المهذب ، أبو زكريا محيي الدين النووي ، تحقيق محمد المحبب المطيعي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولى 1422 هـ .
    46) مجموع الفتاوى لابن تيمية ، جمع وترتيب : عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، الطبعة الأولى 1423 هـ .
    47) مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز، إعداد : عبدالله الطيار وأحمد بن باز، دار الوطن ، الرياض ،الطبعة الأولى1416 هـ
    48) المحلى ، أبو محمد بن حزم الأندلسي ، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار التراث ، القاهرة الطبعة وتاريخها ( بدون ) .
    49) مختار الصحاح ، عمر ابن أبي بكر بن عبد القادر الرازي ، دار الحديث ، القاهرة الطبعة وتاريخها ( بدون) .
    50) مسائل الإمام أحمد بن حنبل ، رواية ابنه عبدالله ،المكتب الإسلامي ، بيروت، الطبعة الثالثة ، 1408هـ
    51) المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ، جمعها: محمد بن عبدالرحمن بن محمد بن قاسم ، الدار ( بدون) ،الطبعة الأولى 1418 هـ
    52) المسند ، أحمد بن حنبل أبو عبدالله الشيباني ، مؤسسة قرطبة ، القاهرة ، الطبعة وتاريخها ( بدون )
    53) مفردات القرآن ، الراغب الأصبهاني ،اعتنى به :محمد أحمد خلف الله ، مكتبة الأنجلو المصرية ، القاهرة ، الطبعة وتاريخها( بدون )
    54) الملخص الفقهي ، تلخيص صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان . دار ابن الجوزي ، الدمام ، الطبعة العاشرة 1420هـ - 1999 م .
    55) الموطأ ، مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي ، دار إحياء التراث العربي، القاهرة ، الطبعة وتاريخها ( بدون )
    56) نيل الأوطار للإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني ، تحقيق وضبط د/ كمال الجمل وآخرون، مكتبة الإيمان ، القاهرة ، الطبعة الأولى 1419 هـ _ 1999م .









    الفهرس
    الموضوع الصفحة
    المقدمة........................................................................ 1
    الفصل الأول : المساجد بيوت الله ......................................... 5
    المبحث الأول : تعريف المسجد وبيان مكانته في الإسلام ...........................6
    المبحث الثاني: فضل المشي إلى المساجد واستشعار العبودية في ذلك ..............13
    المبحث الثالث : حث الشرع على بناء المساجد والعناية بها .......................16
    المبحث الرابع : مشروعية الإسراع إذا أقيمت الصلاة .............................19
    المبحث الخامس : مشروعية تشبيك الأصابع حين الخروج إلى المسجد ............22
    الفصل الثاني : حرمة المسجد وخصوصيته .............................23
    المبحث الأول : المسألة والتبايع في المسجد .......................................24
    المبحث الثاني : دخول الحائض والجنب للمسجد ....................................27
    المبحث الثالث : حضور من أكل البصل والثوم إلى المسجد ..........................29
    المبحث الرابع : حجز الأماكن في المسجد .........................................30
    المبحث الخامس: زخرفة المسجد ونقشه وتلوينه ....................................32
    المبحث السادس : دخول الكافر للمسجد ..........................................33
    المبحث السابــع : البصاق في المسجد ............................................34
    الفصل الثالث :أحكام المصلي في المسجد.................................37
    المبحث الأول : أحكام المسبوق .....................................................38
    المبحث الثاني : مشروعية السترة وأحكامها ..........................................44
    المبحث الثالث : تحية المسجد ........................................................54
    المبحث الرابع : السلام على المصلي .................................................61
    المبحث الخامس: أداء المصلي لنافلة حال الإقامة ......................................63
    الخاتمة ...........................................................................66
    ثبت المصادر والمراجع .......................................................69
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2005-10-03
  19. علي المآربي

    علي المآربي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-03-10
    المشاركات:
    5,835
    الإعجاب :
    0
    رمضان كيف نستقبله وكيف نستغله

    بسم الله الرحمن الرحيم


    **رمضان.....كيف نستقبله؟؟....وكيف نغتنمه؟؟


    تقديم :
    إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ به من
    شرور أنفسنا ، وسيأت أعمالنا ,من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمد عبده ورسوله اللهم صلى على محمد النبي
    وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وآل بيته كما صليت على
    آل ابراهيم انك حميد مجيد...
    يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ
    مُسْلِمُونَ  102 آل عمران .
     يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَـقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا   1  النساء .
     يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلً سَدِيدًا   70  يُصْلِـحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا   71  الأحزاب 
    أما بعد :
    فأن أصدق الحديث كتاب الله , وخير الهدى هدى محمد  ، وشر الأمور محدثاتها , وكل محدثة بدعة , وكل بدعة ضلالة ,
    وكل ضلالة فى النار, وبعد ….
    فان شهر رمضان من الأزمان التى لها عند المسلمين مكانةٌ عظيمةٌ , هذه المكانة ليست مجرد شجون وتقدير لما لايرتبطون به , لا بل هى مكانةٌ ترتبط بها القلوب والأبدان لما تجده النفوس من
    بهجةٍ وفرحةٍ واطمئنان وحب للخيرات وفعل للطاعات وتهيؤ
    عظيم فى القلوب ولين فى الأبدان لفعل الخيرات وترك المنكرات , ولاشك أن هذا يشعر به كل مسلم وان قل ايمانه لأن شهر
    رمضان هو زمنُ لين القلوب واطمئنانها ولو نسبياً , وزمنُ تعاون الناس على كثير من البر والطاعات , وفعل الخيرات , فأنت ترى الناس تختلف مسالكهم
    فى رمضان عن غيره لوقوع الصيام منهم جماعة مما يجعل لهم صورة جماعية طيبة فى بعض الأمور كإجتماع الناس فى البيوت للإفطار حتى
    تخلو الطرقات فى القرى والمدن من المارة الا القليل , والتى
    لاتكون كذلك فى مثل هذه الأوقات فى غير رمضان , وغير ذلك من المظاهر الجماعية والتى تحدث فى رمضان ولا يمكن أن تحدث فى
    غيره باستقراء الواقع الا أن يشاء الله شيئا...وذلك -مثلا -مثل أجتماع الناس على قيام رمضان , ومثل امتلاء المساجد فى صلاة الفجر على غير عادة الناس فى غير رمضان فى أزماننا, هذا وغيره كثير
    يدل دلالة واضحة على تلك المكانة التى هى لهذا الشهر فى قلوب
    العامة والخاصة من المسلمين , وتلك المكانة التى تكون فى
    القلوب تتفاوت فى قلوب المسلمين بما يترتب عليه تفاوتا بينا فى مسالكهم وعاداتهم فى هذا الشهر أفرادا وجماعات , وهذا التفاوت ليس هو فقط فى المقدار والأثر والقوة لا بل هو أيضا فى نوعه بمعنى أنه
    ليس فقط تفاوتا فى كمه وقوته بل فى كيفيته ونوعيته........ وصدق ربنا
    اذ يقول :" إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى"  4  الليل......نعم فان سعى
    الناس عموما فى أمر دينهم ودنياهم لشتى خاصة فى مثل تلك الأزمان الفضيلة , فبين مقدر لقدره ومضيع , وكاسب وخاسر , وموفق ومغبون , وضال ومهتد , وتقى وفاجر عافانا الله من التضيع والخسران والغبن والضلال والفسوق والكفران وجعلنا بفضله
    ومنه وجوده من المؤمنين الفائزين فى الدنيا والأخرة فى رمضان
    وغيره من شهور العام ....آمين ....آمين

    *أيها الاخوة الكرام كيف نستقبل..ونغتنم.. رمضان ؟
    وقبل الاجابةِ أسأل نفسى واياك أخى الكريم سؤالا يقرب المسألة , وهذا السؤال هو لو أن لك صاحب أو قريب أو رحم عزيز عليك ,غاب عنك أحد عشر شهرا ثم علمت بمجيئه اليك زائرا عما قريب , ماذا أنت صانع لملاقاة واستضافة هذا الضيف والجائى الكريم العزيز عليك , ماذا انت صانع ؟...سأترك الاجابة لك ولكن بشرط أن تجيب بأنصاف وموضوعية ...واذا وفقق الله
    لاجابةٍ صحيحة منصفة بما يليق وشأن ضيفك وزائرك الذىافترضنا أنه عزيز بل عزيز عليك جدا ..جدا.... فاسأل نفسك ماذا هو الحال اذا كان هذا الزائر هو شهر رمضان المبارك ؟
    ونحن سوف نستقبل فى غضون أيام هذا الضيف...هل تعرفه...وماذا أعددت له وكيف ستستقبله وتتعامل معه؟
    أولا :من هو شهر رمضان ؟
    هــــــــو : الشهر التاسع فى ترتيب الشهور التى هى عند الله اثنى عشر شهرا من يوم أن خلق الله السموات والأرض,وعلى الترتيب الذى أنشأه عمر رضى الله عنه...
    قال تعالى:  إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا
    فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ  ....الآية  36  التوبة
    وهــــــو : الشهر الذى أنزل الله فيه القرآن .
    قال تعالى :  شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ
    مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ  ......الآية  185  البقرة
    *وهــــــو: الشهر الذى أبتعث الله فيه نبيه وخليله وخاتم رسله
    محمد  .
    وهــــــو : الشهر الذى جعل الله منه الى رمضان ما بعده كفارة :
    بوب مسلم فى كتاب الطهارة : باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر *
    وفيه : عن أبي هريرة أن رسول الله  كان يقول الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر *
    *وهــو: الشهر الذى اذا دخلت أول ليلة من لياليه كان ما كان
    من الخير اسمع :
    عند البخارى فى كتاب الصوم : عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله  قال إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة *
    وفى رواية عنه أيضا : قال رسول الله  إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين*
    وهــو : الشهر الذى جعل الله فيه لأصحاب الذنوب والخطايا المخرج وكذلك لطالبى الجنة والعلو فى الدين :
    فعند البخارى فى كتاب التوحيد : عن أبي هريرة عن النبي  قال من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها قالوا يا رسول الله أفلا ننبئ الناس بذلك قال إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة *
    وعند مسلم فى كتاب صلاة المسافرين : عن أبى هريرة حدثهم أن رسول الله  قال من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه *
    وهــو : الشهر الذى جعل الله فيه العمرة كحجة ليس هذا
    فحسب بل كحجة معه صلى الله عليه وسلم :
    فعند البخارى فى كتاب الحج : عن عطاء قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يخبرنا يقول قال رسول الله  لامرأة من الأنصار سماها ابن عباس فنسيت اسمها ما منعك أن تحجين معنا قالت كان لنا ناضح فركبه أبو فلان وابنه لزوجها وابنها وترك ناضحا ننضح عليه قال فإذا كان رمضان اعتمري فيه فإن عمرة في رمضان حجة*
    وفى رواية:" عمرة في رمضان تعدل حجة" متفق عليه.
    وفى رواية: قال فإن عمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي*
    قوله :  عمرة في رمضان تعدل حجة  في الثواب، لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض. للإجماع على أن الاعتمار لا يجزيء عن حج الفرض. وقال ابن العربي: حديث العمرة هذا صحيح وهو فضل من الله ونعمة فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها. وقال ابن الجوزى: فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت كما يزيد بحضور القلب وخلوص المقصد.
    وهــو : الشهر الذى جعل الله فيه ليلة هى خير من ألف شهر فى دين وعمل العبد المؤمن :
    فعند البخارى فى كتاب صلاة التراويح:عن عائشة قالت كان رسول الله يجاور في العشر الأواخر من رمضان ويقول :
    تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان *
    وعند مسلم فى كتاب صلاة المسافرين:عن زر قال سمعت أبي بن كعب يقول وقيل له إن عبد الله بن مسعود يقول من قام السنة أصاب ليلة القدر فقال أبي والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان يحلف ما يستثني و والله إني لأعلم أي ليلة هي هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله  بقيامها هي ليلة صبيحة سبع وعشرين وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها*
    وأنت تعلم قوله تعالى:  ليلة القدر خير من ألف شهر  ....
    وهـــو : خير الشهور على المؤمنين وشر الشهور على المنافقين :
    ففى الحديث أن النبى  قال:" أظلكم شهركم هذا بمحلوف رسول الله ما مر على المسلمين شهر هو خير لهم منه ولا يأتي على المنافقين شهر شر لهم منه إن الله يكتب أجره وثوابه من قبل أن يدخل ويكتب وزره وشفاءه من قبل أن يدخل ذلك أن المؤمن يعد فيه النفقة للقوة في العبادة ويعد فيه المنافق إغتياب المؤمنين واتباع عوراتهم فهو غنمٌ للمؤمن ونقمةٌ على الفاجر"......  أحمد...والبيهقى عن أبي هريرة .وحسنه الألبانى فى صحيح الترغيب..
    *وإذا نظرت لهذا الحديث الجامع ترى أن ذلك وكأنه واقع يراه القاصى والدانى...المؤمنون يعدون عدة البر يجهز زكاة ماله لينفقها فى رمضان...ويرتبون المال للتوسيع على الأهل والأولاد...ويعدون أسباب إعانة المساكين والفقراء...وكذا إطعام الصائمين....وفى المقابل المنافقون ممن يعدون العدة بالأفلام والتمثليات والفوازير....ألخ....فصدق الصادق المصدوق هو غنمٌ للمؤمن ونقمةٌ على الفاجر,,,,,,,,
    **ولو ظللت أعرف بمن يكون هو هذا الضيف العزيز ما وفيت الكلام على مكانته ولكن المقصود هو كيف نستقبل هذا الضيف المكرم ؟
    *...كــــــــــــــــيف...؟؟؟؟؟
    ومن ثم لابد أن أذَكِر أولاُ بأمور هامة أولها: نحــــــن المسلمين :
    لكم أسأنا استقبال هذا الضيف لأنه لطالما يزورنا ويأتيناكل عام فى نفس الموعد وهو ضيف كريم يأتى بالهدايا الكثيرة العظيمة النفع التى يحتجها كل أحد من الخلق وخاصة المسلمين ونحن نقابل لك بأن نأخذ من هداياه ما يعجبنا ونرمى فى وجهه ما لا يعجبنا ونحن فى ذلك من المغبونين ... وصدق ربنا اذ يقول:"ان سعيكم لشتى".....نعم ان سعى العباد فى الدين لشتى
    , وخاصة فى رمضان , فمضيع ومستهتر ومغبون ومفتون وغير ذلك من مسالك الباطل والتضييع , ولكن هناك أهل الحكمة وشكر النعمة ..جعلنا الله منهم .. أهل تقدير العطايا والمنح
    الربانية- الذين يرجون ثواب ربهم ويخافون عذابه ويتقون سخطه بطلب مرضاته - نعم هم من يطلبون النجاة ويسلكون مسالكها فيعرفون لرمضان قدره ويستقبلونه بالتوبة وفعل الخيرات وترك المنكرات , يحكى عن السلف أنهم كانو يظلون ستة أسهر يدعون ربهم أن يبلغَهم رمضان , فاذا جاء أحسنوا استقباله , فاذا رحل عنهم ظلوا ستة أشهر بعده يسألون الله قبول ما قدموا فيه من
    الصيام والقيام والصدقة وغير ذلك مما قدموا من البر ....أرأيت كيف كان حالهم ... وكيف صار حالنا , نسأل الله أن يصلحنا ويصلح بنا ويحسن مآلنا ويجعلنا فى شهر رمضان من الفائزين ,
    كان السلف أذا انقضى رمضان يقولون رمضان سوق قام ثم
    انفض ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر , اللهم اجعلنا فيه
    وفى سائر ايامنا وأعمارنا من الرابحين المفلحين ....أمين ....أمين...
    نحــــــــن ياسادة : كم من مرات ومرات جعلناه يرحل عنا وهو حزين لا يرى منا الا الوكسة والجرى وراء الدنيا الحقيرة والرضى بالدنية فى الدين , والميل مع الذين يتبعون الشهوات
    ميلا عظيما , والتولى عن العمل لله ,ويري كذلك زهدنا فى
    أخرتنا وعدم نصرتنا لربنا ,,,,,,,,,, ففعل المنكرات , وسهرٌ أمام التلفاز فى الليالى الرمضانية - هكذا يسمونها من يقيمونها - وهى فى الحقيقة ليالى شيطانية لا رمضانية , فالليالى الرمضانية هى ليالى القيام واجتماع الناس فى المساجد والتسحر استعدادا لصيام يرضاه
    الله جل وعلا وغير ذلك من الذكر والتلاوة هذه هى الليالى الرمضانية , وكذلك لكم رحل عنا رمضان وهو يرى حال المسلمين المتردى الذين هم فى أشد الحاجة لما جاءهم به من الخير الكثير الذى جعله الله لعباده التائبين المقبلين الذين يبحثون عن
    مخرج من ورطة الذنوب وتخفيفا لثقلها عن عاتقهم ...
    نحــــــــن أيها الاخوة : يأتينا هذا الشهر هذه المرة وهناك متغيرات كثيرة الشيشان وما أدراك ما الشيشان وتدنيس بيت المقدس والتعدى عليه من أبناء القردة والخنازير,والهوان والاستضعاف
    الذى تعيش فيه الأمة دولا وجماعات وأفراد حكاما ومحكومين ,
    فقتل وتشريد وهدم للبيوت وتحريق للممتلكات , قتل للأطفال والكبار والنساء والرجال ابادة هنا وهناك , ومسح للدول الاسلامية من على خريطة العالم كما يحدث فى فلسطين والشيشان , وغطرسة كافرة تعربد بحقد أسود وجبروت طاغى فى كل حدب وصوب , وإذلال للقادة والملوك والممكنين قبل المستضعفين , ووصف للإسلام والمسلمين بالإرهاب وغير ذلك , فانا لله وانا اليه راجعون ...
    ان رمضان ذلك الضيف الكريم يأتى هذه الزيارة ونحن نعانى
    من انهزامية يزرعها فينا دعاة السلام ...عفوا بل دعاة الاستسلام والذلة لغير الله مع الاعراض عن الله...انهزمية يزرعها فينا دعاة العلمانية , ويدعمها حبنا للدنيا الذى هو من أعظم أسباب تلك الانهزامية ففى الحديث الصحيح من حديث ثوبان أن النبى  قال : " يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قيل يا رسول الله : فمن قلة يومئذ؟ قال: لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل يجعل الوهن في قلوبكم وينزع الرعب من قلوب عدوكم
    لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت".أخرجه أحمد وابو داود .
    *يأتى علينا هذا الضيف ياسادة ونحن نلعق مرار تسلط اليهودعلى بيت المقدس وتكبرهم علينا حكاما ومحكومين , دولا وجماعات وأفراد , نلعق مرارة ابادة الروس الملاحدة الملاعين للمسلمين فى الشيشان أنتهكو حرماتهم وهدموا وخربوا أرضهم وانتهكوا أعراضهم ومسحوا دولة معترف بها فى المجتمع الدولى مسحوها أو هكذا يحاولون ولن يمكن الله لهم ...فانا لله وانا اليه راجعون ...
    خلاصة القول أن هذا الضيف العزيز الكريم بما كرمه به الله تعالى يأتى علينا ونحن أزلة مستضعفين أنهكتنا ذنوبنا وشهواتنا وحرمنا طلب المقامات العليه , مقامات الجهاد والمجاهدة مقامات البذل لله تعالى مقامات عز الطاعة والانابة الى الله تعالى , خلاصة القول أن هذا الضيف سوف يجيئ ليجد فينا ومنا حالا لايسر حبيب ولكن يسرعدو , يسر الشيطان الذى يقعد للمسلم بكل صرط , يسر اليهود الذين برون منا الانهزامبة أمام تصلفهم وكبرهم ...فاجتمعات ولجان ومؤتمرات لاتتمخض الا عن زيادة ذل وهوان انا لله وانا اليه راجعون...حالٌ لايسر الا دعاة الاستسلام لليهود لأنهم قُهروا نفسيا أمام الدولة العظمى كما يحلوا لهم أن يسموها للغطرسة الأمريكية تلك الأسطورة التى هى إلى زوال تقريبا خاصة بعد ما أوضح مدى خوار الأسطورة التى لاتقهر والأمن الذى لايخترق...ها قد أخذ الله القرية الظالمة بعض الأخذ...وهو على كل شئ قدير...وإن هلاكهم قريب...ألم تر تلك الأية التى ظهرت فى عقر دارهم.....فنحن نخور ونركع فى محراب الطغيان الأمريكى..واليهودى ...وغيره.... وطبعا لايجر ذلك الا الى الصغار والذل لاالعز والكرامة...فحسبنا الله ونعم الوكيل ....فحالنا يسادة يسر كل عدو قل أو كثر ....بعد أو قرب.... والى الله المشتكى ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم......
    *هذا بعض ما ينبغى أن نعرفه ابتداء ....وذلك قبل أن نتكلم عن كيفية استقبال هذا الضيف العزيز....
    *ولابد هنا أيها الاخوة الكرام من معرفة أن هذا الضيف : يأتى ومعه كثير من أسباب الاعانة والتغيير التى يمن الله بها على عباده المؤمنين الذين يؤمنون أنهم لاينبغى لهم أن يهنوا ولاينبغى أن يحزنوا , ولا ينبغىبحال أن ينهزموا أويضعفوا أو يصيبهم الخور أمام عدوهم , وولاينبغى كذلك أن يذلوا لغير الله تعالى المعز المذل الكبير المتعال الذى اذا أراد
    شيئا قال له كن فيكون بيده الخير وهو على كل شئ قدير ,
    وذلك لأنه سبحانه قد وعدهم بأنهم الأعلون ان كانوا مؤمنين قال
    تعالى:  وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ 
    39  آل عمران ...وكذلك هم يستبشرون بوعد الله تعالى حيث قال :  وَعَـدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنـُوا مِنْكُمْ وَعَمِلـُوا الصَّالِحـَاتِ
    لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ  55  ا لنور
    ولذلك لابد... ثم لابد.....ان أردنا الخلاص مما نحن فيه من الغبن وقلة الايمان وكثرة الشرور.... أن نكون من أولائك الذين يقدرون هذا الضيف قدره ويحفظون عليه مكانته التى أنزلها الله
    اياه ويتنعمون بكثير الفضائل والكرائم والهبات والهدايا والنعم الربانية التى يبعث بها الله تعالى مع هذا الضيف العزيز.... أليس كذلك ...لابد أن نجعل استقبالنا لهذا الضيف الكريم نقطة تحول كبيرة فى حياتنا الايمانية وفى انفسنا , نقطة تحول نتحول بها :
    أولا : من كثرة الذنوب والمعاصى التى لاتنتهى سواء الدائم منها....مثل شرب الدخان وسماع الأغانى والمعازف والتبرج وعرى البنات والاختلاط وحلق اللحى والكسب الحرام من الوظائف المحرمة مثل العمل فى البنوك والضرائب والأعمال التى
    فيها ظلم العباد أو الحكم بغير ما أنزا الله والنظر الى المحرمات
    وظلم الزوجات واسأة التربية للأولاد وغير ذلك كثير من الذنوب التى يقع فيها الكثير...دائما...ليل نهار... أو ما نأتيه حينا مثل الزنا
    والغيبة ....التعاون فى بعض المنتديات على الاثم والعدوان كما هو فى منكرات الأفراح والأعراس وما شابه , والليالى القبيحة المسامة بالليالى الرمضانية حيث يجتمع البنات والشبات مع الرجال والأولاد ...فى فعل المنكرات ومشاهدة المحرمات أو قضاء الليل فى اللعب والصراخ والمجون والسهرات الملونة ..... فقد أصبح البر والطاعات وفعل الخيرات وترك المنكرات والتعاون على البر والتقوى , صار ذلك فى حياتنا وأحوالنا ...أحيانا ...أحيانا....أحيانا...فلابد اذا من التحول من هذا الحال الى العكس ولن بكون ذلك بالآمانى والتمنى , لا لن يكون ذلك الا بتغيير النفس , والمجاهدة فى الخروج من هذا الأسر أسر الدنيا والاخلاد لها , أسر الشهوات وحب المال والرضى بالحياة الدنيا والاطمئنان لها ,فلابد اذا من تغيير النفس لابد....ثم لابد..قال تعالى:" إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ...."  11  الرعد...ولن يكون ذلك الا أن تبدأ بالتوبة , التوبة من الحال الذى يعرفه كل منا من نفسه ....ولاينبغى أن نتقلل عيوبنا وذنوبنا وكأنها شئ هين لا ثم لا فهذا شأن المنافقين والعياذ بالله تنبه..
    فعند البخارى فى كتاب الدعوات:عن الحارث بن سويد حدثنا عبدالله بن مسعود حديثين أحدهما عن النبي  والآخر عن نفسه قال إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا قال أبو شهاب بيده فوق أنفه*
    أرأيت إياك...إياك أن تفعل ذلك....فذنوبنا أهلكتنا أو كادت فلابد
    من التغيير والهجرة الى الله تعالى دون مكابرة فاننا عباد الله ان
    جادلنا عن افسنا فى الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنا فى الأخرة من...من...قال تعالى:  هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا 
     109  النساء.
    فلنجعل من رمضان بما فيه من صنوف البر الكثيرة معسكر توبة نتحول فيه من أصحاب معاصى وسيئات الى أصحاب طاعات وفعل خيرات وليس هناك من الطاعات طاعة جمعت مافى التوبة من خير وفضل من الله تعالى ولذلك أمر الله بها :-
    قال تعالى:  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ   8  التحريم …
    قال تعالى :  أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
     74  المائدة....
    وقال تعالى:  وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ   3  هود...
    وقال تعالى:  وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ   52  هود …وقال تعالى:  وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ   90  هود …
    وقد شدد الله تعالى على من لم يتب فقال تعالى:  وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ  11  الحجرات..
    فيا أخى : إن أردت أن يتوب الله عليك وتنجو من حالك السئ قبل الموت فتب قال تعالى:  إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  160  البقرة
    ياأخى الكريم: ان اردت أن يحبك الله فتب قال تعالى:  إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ   222  البقرة …
    ياأخى الحبيب: ان أردت أن يغفر الله لك ويرحمك .... وانت صاحب الذنوب التى كالجبال والتى لعلها تكون سبب الهلاك والعياذ بالله....ان اردت ذلك فتب قال تعالى:  إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ   89  آل عمران...
    ياأخى فى الله: ان أردت أن يأتيك الله الأجر الذى يمكن أن يكون سببا للخلاص من ورطة الذنوب فتب قال تعالى:  إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا   146  النساء...
    ياأخى الحبيب: ان أردت الخير كل الخير فتب قال العلى الكبير:
     فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُنْ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ   74  التوبة..
    واعلم أخى أن الله تعالى الغنى الحميد القائل فى محكم التنزيل
     يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ  15  فاطر … وقال تعالى:  وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ  97  آل عمران … وقال تعالى:  وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ   133  الأنعام …
    وقال تعالى :  وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ  6  العنكبوت...
    ومع هذا كله فانه جل وعلا يطلب منك الرجوع إليه تعالى , ويفتح لك بابا من أوسع الأبواب لترجع منه , وحتى لاتجد الطريق ضيقا فقد وسع الله
    فى باب التوبة وجعله مفتوحا على مصرعيه للعبد طيلة حياته مالم يغرغر , أو تطلع الشمس من مغربها  يعنى وقت الساعة  ... وليس هذا فحسب بل ان الغنى عنك وعن العالمين سبحانه, من يفتقر له كل من فى السموات والأرض , يفرح بتوبة عبده التائب ففى الحديث الصحيح أن النبى  قال:" "لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض فلاة دوية مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه، فالله تعالى أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته"
    متفق عليه من حديث ابن مسعود وأنس. زاد مسلم في حديث
    أنس "ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" ورواه مسلم بهذه الزيادة من حديث النعمان بن بشير... أرأيت أخىكيف يفرح الله بتوبة العبد من أن العبد هو المحتاج والله هو الغنى , ياللعجب الفقير العاجز دائم الحاجة
    لا يفرح بالتوبة وهو فى أشد الحاجة اليها , كن أخى من الفرحين بالتوبة التى لعل وراءها رحمة رب العالمين سبحانه..
    قال تعالى :  قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ   58  يونس.....
    فهذا من أول ما ينبغى أن نجعله من أعمالنا فى أستقبال شهر
    رمضان لنكون ممن يستقبله استقبالا حسنا .....
    وثانـــيا :..أن تجعل من رمضان سببا لنيل الشرف وأن تكون من أهل الشرف خروجا من قهر الذل ذل المعاصى والانهزامية وهذا الشرف ليس فى عضوية مجلس الشركاء فهذا مزيد من الذلة
    ليس الشرف والعز فى مثل ذلك , وليس الشرف كذلك فى جمع الأموال والاستكثار من التجارات لأنه موسم ...نعم هو موسم ...ولكن للبر والحسنات لا للجنيهات والريالات...نعم هو موسم ...للبر والطاعات لا للمكاسب والتجارات.... الشرف الذى أقصده هنا هو قيام الليل ففى الحديث الصحيح أن رسول الله  قال :" أتاني جبريل فقال: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس"... أخرجه الحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان عن سهل بن سعد البيهقي في شعب الإيمان عن جابر" وقال الألبانى رحمه الله فى صحيح الجامع .حسن برقم  73 
    وفى الحديث "من قام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"......القيام وما أدراك ما القيام ذلك البر الذى لما تركه المسلمون تركوا معه سببا عظيما من أسباب عزهم فالعز طريقه فى أمرين:
    الأول: الأنس بالله ليلا والترهب له , وجمع القلب عليه والانكسار ليلا فيورث ذلك الاخبات والاخلاص ,
    والثانى :البذل والجهاد فى الله نهارا فى طلب العلا علما وعملا وأمرا بالمعروف
    ونهيا عن المنكر وهذا يورث الفداء والاباء , قيام الليل لا تضيعه واغتنم ما وعد الله به على لسان نبيه  حيث قال:" من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".. متفق عليه..... فهذا ثانيا... ....
    *وثــالــثا:... *ادخال السرور على أخيك :
    أن دخول شهر رمضان على المسلمين هو بمثابة دخول الغوث عليهم فى دينهم ودنياهم , فأبواب الفرج تتفتح وفى الحديث "اذا كان رمضان فتحت أبواب الخير" ولم يقيد أو يستثن , وهذا معناه
    أن كل أبواب الخير الدنيوية والأخروية تفتح , وكلنا يشهد
    بذلك ويحسه , حتى أن الناس تقول { رمضان الرزق فيه واسع } ,
    ومن هذا المنطلق لابد أن تجعل من رمضاب باب خير عليك وعلى أهل بيتك , فلا مانع من التوسيع على أهل بيتك بلا تكلف واسراف , والتوسيع على أخوانك من أرحامك ومن جيرانك ومن أصحابك هو من أفضل الأعمال ...
    ففى الحديث الصحيح أن النبى  قال : " أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن سرورا، أو تقضي عنه دينا، أو تطعمه خبزا "..... أخرجه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج
    والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة وابن عدي في الكامل عن
    ابن عمر,وقال الألبانى فى صحيح الجامع حسن ,برقم
     1096  وقال أيضا :" من أفضل العمل إدخال السرور على المؤمن: تقضي عنه دينا، تقضي له حاجة، تنفس له كربة". أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن ابن المنكدر مرسلا,وفى
    صحيح الجامع برقم .  5897  ,صحيح .
    أرأيت أخى كيف أن ادخال السرور على أخيك من أفضل الأعمال وهذا الفضل يزداد أذا كان جارا ففى الحديث الصحيح ان النبي  قال:" ليس المؤمن الذي لا يأمن جاره بوائقه "... أخرجه الطبراني في الكبير عن طلق بن علي,وفى صحيح الجامع برقم
     5380  ,صحيح.
    وقال أيضا صلى الله عليه وسلم :" ليس المؤمن بالذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه ".....أخرجه البخاري في الأدب والطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن عن ابن عباس.,وفى صحيح الجامع برقم  5382 ,صحيح .
    فياليتنا نخرج من سوء نفوسنا ونستقبل هذا الضيف العزيز
    بادخال السرور على الأهل والجيران والأصحاب ونجعل من
    رمضان ملتقى الأحبة فى الله نطعمهم ونخفف عنهم ونشاركهم فى قضاء حوائجهم ولو بالدعاء ممن لم يجد ولنتذكر فى هذا المقام قول الهادى البشير عليه الصلاة والسلام وهو يقول :"  ترى المؤمنين: في تراحمهم، وتوادهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى عضواً، تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى  .البخارى ومسلم..... وبناءً على هذا فلنستقبل رمضان من منطلق تحولنا عن الاساءة لأخواننا الى التواد والتعاطف والتراحم , لنستقبل هذه الأيام الفضيلة ونحن جسد واحد , جسد الاسلام والمسلمين هذا ثالثا ...
    ورابــــعا : ...حسن الخلق ولين الجانب والألفة :
    فلنجعل من رمضان نقطة تحول من سوء الخلق والفظاظة
    الأحقاد والغل وسوء الطوية وسوء معاشرة الأزواج والاساءة لهن
    , والنشوز على الأزواج وعدم طاعتهم , والخروج من كبر
    النفس , والتعالى بعضنا على بعض , وتقطيع الأرحام والسعى فى الأرض فسادا , وفحش اللسان والكذب والخيانة والغيبة والنميمة...وغير ذلك..من السوء فلنتحول من ذلك كله ومن
    كل خلق سئ , نجعل من أيام هذا الشهر معسكرا تربويا , نقيم أنفسنا فيه على الأخلاق الحسنة وهى فرصة عظيمة لتحصيل ذلك الخير الكثير ففى الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم:" إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة القائم الصائم"...... أبو داود وابن حبان في صحيحه عن عائشة.وقال الألبانى رحمه الله فى صحيح الجامع برقم  1932  صحيح .
    وعنه أيضا صلى الله عليه وسلم:"أثقل شيء في ميزان
    المؤمن خلق حسن إن الله يبغض الفاحش المتفحش البذيء"......البيهقى.عن أبي الدرداء,وقال فى صحيح الجامع برقم  135  ,صحيح .
    ويكفى أن تعرف أن النبى  سمى ووصف البر بأنه حسن الخلق كما فى الحديث : " البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس".أخرجه البخاري في الأدب وصحيح مسلم والترمذي عن النواس بن سمعان
    *أن يأمنك الناس وتهجر المعاصى فذلك ثمرة حسن الخلق:
    وفى الحديث:"المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهـم، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب". ابن ماجة عن فضالة بن عبيد,وقال الألبانى فى صحيح الجامع برقم  6658  ,صحيح.

    *واعلم أن الألفة من شيم المؤمنين :
    ففى الحديث :" المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس"....أخرجه الدارقطني في الأفراد والضياء عن جابر,وفى صحيح الجامع برقم  6662  ,وقال حسن .
    وفى الحديث أيضا : " المؤمن يألف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف".....أخرجه أحمد في مسنده عن سهل بن سعد, وفى صحيح الجامع برقم  6661  ,وقال صحيح .
    وفى الحديث : " المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم".....أخرجه أبو داود والترمذي والح