لكل من اغتر بخوارج العصر ( مقابلة حذيفة نجل عبدالله عزام وعن راية في ؟؟؟)

الكاتب : برق الجنوب   المشاهدات : 2,105   الردود : 4    ‏2005-10-01
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-10-01
  1. برق الجنوب

    برق الجنوب عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-09-28
    المشاركات:
    437
    الإعجاب :
    0
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-10-02
  3. بدوي من شبوه

    بدوي من شبوه عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-10-01
    المشاركات:
    776
    الإعجاب :
    0
    برق الجنوب

    ممكن تقول لي وش هم الخوارج ووش صفاتهم ؟

    ثانيها لو حلفت انك ما قراءت للشيخ عبد الله عزام كتاب واحد متاكد اني ما طذبت في اليمين

    منتظرينك تجاوب على السؤال
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-10-02
  5. برق الجنوب

    برق الجنوب عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-09-28
    المشاركات:
    437
    الإعجاب :
    0
    السلام عليكم
    أخي الحبيب جواب سؤالك قديكون طويل شوي

    لكن ان كنت تريد الحق فلن يهمك طول المقال

    وقدنقلت لكم مقال كتبه أحد الأخوة أرجو ان يكون

    شامل وجواب شافيا لا أطيل عليكم:

    -[grade="00008B FF0000 008000 4B0082"] فتنة الخوارج -

    و خوارج هذا العصر[/grade]


    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

    وبعــد :

    إخوتي في الله : نأتي مع حضراتكم للحديث حول فتنة من أعظم الفتن التي عصفت بالمسلمين ، وهي : " فتنة الخوارج " والتي ما زالت تعصف بها إلى يومنا هذا ، وسيبقى أمرهم إلى أن يخرج في أعراضهم الدجال ، والعياذ بالله جاء في السلسلة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ ينشأ نشء يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم كلما خرج فرق قطع حتى يخرج في أعراضهم الدجال ] . ( حسن ) .

    وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( سَيَخْرُجُ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ كُلَّمَا خَرَجَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ كُلَّمَا خَرَجَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ حَتَّى عَدَّهَا زِيَادَةً عَلَى عَشْرَةِ مَرَّاتٍ كُلَّمَا خَرَجَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّجَّالُ فِي بَقِيَّتِهِمْ )) رواه الإمام أحمد قي مسنده وصححه أحمد شاكر .

    وتدعى أيضاً هذه الفتنة بفتنة التكفير ، حيث إنهم يقولون بخروج صاحب الكبيرة من دائرة الإيمان ، وعملهم الدَّؤوب أيضاً هو : تكفير الحكام , ومن ثمَّ تكفير أعوانهم ، بل وقد يصل بهم الحال إلى تكفير كل من رضي بهم - أي بالحكام - والعياذ بالله ، ومنهم من أطلق للتكفير عنانه فكفَّر كل من لم يكفرهم بزعمهم ، متأولين بذلك نصوص عامَّة في القرآن الكريم دون الرجوع بفهم هذه النصوص ممن أنزلها الله عليه وهو الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وممن جعلهم الله وزراء لنبيه عليه الصلاة والسلام ، ينقلون عنه الدين ويجاهدون دونه فهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أعلم بكتاب الله تعالى ممن دونهم من الخلف نسأل الله العافية .

    وأول ظهور للخوارج يظهرون به يبدأ بالكلمة ، ثمَّ يهيجون الناس ، إلى أن يصل بهم الحال إلى أن يخرجوا على المسلمين بالسلاح ، وهذا ما كان من شأنهم في أول خروج لهم ، فانظر إلى أول الخارجين و هو رجل من بني تميم يدعى " ذو الخويصرة " ، حيث خرج هذا البغيض بكلمة على خير خلق الله أجمعين وهو الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، روى الإمامين الجليلين البخاري ومسلم في صحيحيهما بسندهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال يا رسول الله اعدل فقال : (( ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل )) فقال عمر له ائذن لي أضرب عنقه فقال : دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله إلى رصافه إلى نضيه وهو قدحه إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس )). وفي رواية أقبل رجل غائر العينين ناتئ الجبين كث اللحية مشرف الوجنتين محلوق الرأس فقال يا محمد اتق الله فقال فمن يطيع الله إذا عصيته فيأمنني الله على أهل الأرض ولا تأمنوني فسأل رجل قتله فمنعه فلما ولى قال إن من ضئضئ هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد )). متفق عليه

    جاء في شرح كلمات الحديث للحافظ في الفتح : معنى ( لا يجاوز تراقيهم ) لا تفقهه قلوبهم - أي القرآن - ويحملونه على غير المراد به , ويحتمل أن يكون المراد أن تلاوتهم لا ترتفع إلى الله , وقوله ( يمرقون من الدين ) إن كان المراد به الإسلام فهو حجة لمن يكفر الخوارج , ويحتمل أن يكون المراد بالدين الطاعة فلا يكون فيه حجة وإليه جنح الخطابي , وقوله ( الرمية ) وهو الصيد المرمي , شبه مروقهم من الدين بالسهم الذي يصيب الصيد فيدخل فيه ويخرج منه , ومن شدة سرعة خروجه لقوة الرامي لا يعلق من جسد الصيد شيء . وقوله ( ينظر في نصله ) أي حديدة السهم و " رصافه " عصبه الذي يكون فوق مدخل النصل , والرصاف جمع واحده رصفة بحركات و " نضيه " أي عود السهم قبل أن يراش وينصل , وقيل هو ما بين الريش والنصل قاله الخطابي .

    وقال النووي : قال القاضي : فيه تأولان أحدهما معناه لا تفقهه قلوبهم ولا ينتفعون بما تلوا منه ، ولا لهم حظ سوى تلاوة الفم والحنجرة والحلق إذ بهما تقطيع الحروف ، والثاني معناه لا يصعد لهم عمل ولا تلاوة ولا يتقبل .

    وروى البخاري عن علي رضيه الله عنه أنه قال : إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه …سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة ))

    جاء في شرح الحديث للنووي قال : جاء في قوله صلى الله عليه وسلم : ( أحداث الأسنان , سفهاء الأحلام ) معناه : صغار الأسنان صغار العقول . قوله صلى الله عليه وسلم : ( يقولون من خير قول البرية ) معناه : في ظاهر الأمر كقولهم : لا حكم إلا لله , ونظائره من دعائهم إلى كتاب الله تعالى . والله أعلم . قوله صلى الله عليه وسلم : ( فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا ) هذا تصريح بوجوب قتال الخوارج والبغاة , وهو إجماع العلماء , قال القاضي : أجمع العلماء على أن الخوارج وأشباههم من أهل البدع والبغي متى خرجوا على الإمام وخالفوا رأي الجماعة وشقوا العصا وجب قتالهم بعد إنذارهم , والاعتذار إليهم . قال الله تعالى : { فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } لكن لا يجهز على جريحهم ولا يتبع منهزمهم , ولا يقتل أسيرهم , ولا تباح أموالهم , وما لم يخرجوا عن الطاعة وينتصبوا للحرب لا يقاتلون , بل يوعظون ويستتابون من بدعتهم وباطلهم , وهذا كله ما لم يكفروا ببدعتهم , فإن كانت بدعة مما يكفرون به جرت عليهم أحكام المرتدين , وأما البغاة الذين لا يكفرون فيرثون ويورثون , ودمهم في حال القتال هدر , وكذا أموالهم الني تتلف في القتال , والله أعلم .

    وقال الحافظ في الفتح : وقوله ( حدثاء الأسنان ) أي صغارها , و " سفهاء الأحلام " أي ضعفاء العقول . وقوله ( يقولون من قول خير البرية ) أي من القرآن كما في حديث أبي سعيد الذي قبله " يقرءون القرآن " وكان أول كلمة خرجوا بها قولهم : لا حكم إلا الله , وانتزعوها من القرآن وحملوها على غير محملها . وقوله ( فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم ) .

    وروى مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((جعل يقبض للناس يوم حنين منفضة في ثوب بلال فقال له رجل أعدل يا نبي الله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك فمن يعدل إن لم أعدل قد خبت وخسرت إن كنت لا أعدل قال إن هذا وأصحابه يخرجون فيكم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فقال عمر يا رسول الله ألا أضرب عنقة فإنه منافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي ، إنَّ هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية ))

    وروى مسلم أيضاً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي أَوْ سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَلَاقِيمَهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ )) .

    وجاء أيضاً في صحيح أبي داود عن أبي سعيد الخدري أنه قال : بعث علي عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة في تربتها فقسمها بين أربعة …، قال فغضبت قريش والأنصار وقالت يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا فقال : " إنما أتألفهم " قال فأقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناتئ الجبين كث اللحية محلوق قال اتق الله يا محمد فقال من يطيع الله إذا عصيته أيأمنني الله على أهل الأرض ولا تأمنوني قال فسأل رجل قتله أحسبه خالد بن الوليد قال فمنعه قال فلما ولى قال إن من ضئضئ هذا أو في عقب هذا قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان لئن أنا أدركتهم قتلتهم قتل عاد - صحيح أبي داود -

    شرح الحديث : جاء علي رضي الله عنه ( بذهيبة ) تصغير ذهبة أي قطعة من الذهب ( في تربتها ) إلى النبي صلى الله عليه وسلم ( فقسمها ) أي قسم النبي صلى الله عليه وسلم تلك الذهيبة على أربعة رجال من أهل نجد ، ( فأقبل رجل غائر العينين ) أي غارت عيناه ودخلتا في رأسه ( مشرف الوجنتين ) أي عالي الخدين ( ناتئ الجبين ) أي مرتفعها ( كث اللحية ) أي كثيفها ( قال اتق الله يا محمد ) أي في القسمة ( فقال من يطع الله إذا عصيته أي مع عصمتي وثبوت نبوتي ( أيأمنني الله ) أي يجعلني أمينا ( ولا تأمنوني ) فقال أحد الصحابة دعني أقتله فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال لما أدبر الرجل : ( إن من ضئضئ هذا ) أي من أصله . أنه يخرج من نسله الذين هو أصلهم أو يخرج من أصحابه وأتباعه الذين يقتدون به ويبنون رأيهم ومذهبهم على أصل قوله قوم يقرؤون القرآن ( لا يجاوز حناجرهم ) أي حلوقهم ( يمرقون ) أي يخرجون من الإسلام ( مروق السهم ) أي كخروجه ( من الرمية ). وهو الصيد الذي ترميه وتقصده يريد أن دخولهم في الدين وخروجهم منه ولم يتمسكوا منه بشيء كالسهم الذي دخل في الصيد ثم يقدها ويخرج منها ولم يعلق به منها شيء ( يقتلون أهل الإسلام ) لتكفيرهم إياهم بسبب الكبائر ( ويدعون أهل الأوثان ) أي يتركون أهل عبادة الأصنام وغيرهم من الكفار ، فقال عليه الصلاة والسلام لئن أدركتهم ( لأقتلنهم قتل عاد ) أراد بقتل عاد استيصالهم بالهلاك . فإن عادا لم تقتل وإنما أهلكت بالريح واستؤصلت بالإهلاك .

    وجاء أيضاً في صحيح أبي داود عن أب سعيد الخدري قال : قال صلى الله عليه وسلم : (( سيكون في أمتي اختلاف وفرقة قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية لا يرجعون حتى يرتد على فوقه هم شر الخلق والخليقة طوبى لمن قتلهم وقتلوه يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء من قاتلهم كان أولى بالله منهم قالوا يا رسول الله ما سيماهم قال التحليق - صحيح أبي داود -

    شرح الحديث :

    قوله عليه الصلاة والسلام سيكون في أمتي اختلاف وفرقة ، صفتهم ( قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل ) وكما قال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر : يقولون من قول خير البرية ولكن أعمالهم مخالفة لأقوالهم ، فهؤلاء قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها فكأنها لم يتجاوز حلوقهم ( لا يرجعون ) أي إلى الدين لإصرارهم على بطلانهم ( حتى يرتد ) أي يرجع السهم ( على فوقه ) موضع الوتر من السهم , وهذا تعليق بالمحال فإن ارتداد السهم على الفوق محال فرجوعهم إلى الدين أيضا محال ( هم شر الخلق والخليقة ) ويريد بهما جميع الخلائق ( طوبى لمن قتلهم ) فإنه يصير غازيا ( وقتلوه ) أي ولمن قتلوه فإنه يصير شهيدا ، طوبى لمن جمع بين الأمرين قتله إياهم وقتلهم إياه .

    - ذكرنا أنَّ أول خروج لهؤلاء الخوارج كان بالكلمة وهي التي تفوَّه بها ذلك الشقي ذو الخويصرة في وجه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وأما الخروج الثاني الفعلي والذي كان بالسلاح ، فكان في عهد خلافة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، تحديداً بعد انتهاء المقتلة العظيمة التي كانت بين جيشي معاوية وعلي رضي الله عنهما والتي كان سببها فتنة أججها عبد الله بن سبأ اليهودي الصنعاني لعنه الله ، والتي أودت بمقتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ومن ثم هذه المقتلة العظيمة ، وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله تعالى في حينها ، . ولندع الإمام الجليل - إمام أهل السنة والجماعة - الإمام أحمد رحمه الله يحدثنا عن أول خروج لهم في زمن خلافة علي رضي الله عنه ، فيما يرويه عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عِيَاضِ بْنِ عَمْرٍو الْقَارِيِّ قَالَ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَنَحْنُ عِنْدَهَا جُلُوسٌ مَرْجِعَهُ مِنْ الْعِرَاقِ لَيَالِيَ قُتِلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَتْ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ هَلْ أَنْتَ صَادِقِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ تُحَدِّثُنِي عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تعني الخوارج - قَالَ وَمَا لِي لَا أَصْدُقُكِ قَالَتْ فَحَدِّثْنِي عَنْ قِصَّتِهِمْ قَالَ فَإِنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا كَاتَبَ مُعَاوِيَةَ وَحَكَمَ الْحَكَمَانِ - وهما أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص رضي الله عنهما لأجل نزع الخلاف بين الفئتين - خَرَجَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ فَنَزَلُوا بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا حَرُورَاءُ مِنْ جَانِبِ الْكُوفَةِ وَإِنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا انْسَلَخْتَ مِنْ قَمِيصٍ أَلْبَسَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يعنون ، الخلافة - وَاسْمٍ سَمَّاكَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ - يعنون بذلك اسم أمير المؤمنين - ثُمَّ انْطَلَقْتَ فَحَكَّمْتَ فِي دِينِ اللَّهِ فَلَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَمَّا أَنْ بَلَغَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا عَتَبُوا عَلَيْهِ وَفَارَقُوهُ عَلَيْهِ فَأَمَرَ مُؤَذِّنًا فَأَذَّنَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا رَجُلٌ قَدْ حَمَلَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا أَنْ امْتَلَأَتْ الدَّارُ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ دَعَا بِمُصْحَفٍ إِمَامٍ عَظِيمٍ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَصُكُّهُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ أَيُّهَا الْمُصْحَفُ حَدِّثْ النَّاسَ فَنَادَاهُ النَّاسُ فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَسْأَلُ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ مِدَادٌ فِي وَرَقٍ وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِمَا رُوِينَا مِنْهُ فَمَاذَا تُرِيدُ قَالَ أَصْحَابُكُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ كِتَابُ اللَّهِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمُ دَمًا وَحُرْمَةً مِنْ امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ وَنَقَمُوا عَلَيَّ أَنْ كَاتَبْتُ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - يعني ولم يقل كتب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، اكتفى بالإسم دون اللقب - وَقَدْ جَاءَنَا سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صَالَحَ قَوْمَهُ قُرَيْشًا فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ سُهَيْلٌ لَا تَكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ كَيْفَ نَكْتُبُ فَقَالَ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاكْتُبْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ أُخَالِفْكَ فَكَتَبَ هَذَا مَا صَالَحَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قُرَيْشًا يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا تَوَسَّطْنَا عَسْكَرَهُمْ قَامَ ابْنُ الْكَوَّاءِ يَخْطُبُ النَّاسَ فَقَالَ يَا حَمَلَةَ الْقُرْآنِ إِنَّ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ فَأَنَا أُعَرِّفُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا يَعْرِفُهُ بِهِ هَذَا مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ وَفِي قَوْمِهِ قَوْمٌ خَصِمُونَ فَرُدُّوهُ إِلَى صَاحِبِهِ وَلَا تُوَاضِعُوهُ كِتَابَ اللَّهِ فَقَامَ خُطَبَاؤُهُمْ فَقَالُوا وَاللَّهِ لَنُوَاضِعَنَّهُ كِتَابَ اللَّهِ فَإِنْ جَاءَ بِحَقٍّ نَعْرِفُهُ لَنَتَّبِعَنَّهُ وَإِنْ جَاءَ بِبَاطِلٍ لَنُبَكِّتَنَّهُ بِبَاطِلِهِ فَوَاضَعُوا عَبْدَ اللَّهِ الْكِتَابَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ كُلُّهُمْ تَائِبٌ فِيهِمْ ابْنُ الْكَوَّاءِ حَتَّى أَدْخَلَهُمْ عَلَى عَلِيٍّ الْكُوفَةَ فَبَعَثَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى بَقِيَّتِهِمْ فَقَالَ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِنَا وَأَمْرِ النَّاسِ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ فَقِفُوا حَيْثُ شِئْتُمْ حَتَّى تَجْتَمِعَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا تَسْفِكُوا دَمًا حَرَامًا أَوْ تَقْطَعُوا سَبِيلًا أَوْ تَظْلِمُوا ذِمَّةً فَإِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ فَقَدْ نَبَذْنَا إِلَيْكُمْ الْحَرْبَ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا يَا ابْنَ شَدَّادٍ فَقَدْ قَتَلَهُمْ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا بَعَثَ إِلَيْهِمْ حَتَّى قَطَعُوا السَّبِيلَ وَسَفَكُوا الدَّمَ وَاسْتَحَلُّوا أَهْلَ الذِّمَّةِ فَقَالَتْ أَاللَّهِ قَالَ أَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ كَانَ قَالَتْ فَمَا شَيْءٌ بَلَغَنِي عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَتَحَدَّثُونَهُ يَقُولُونَ ذُو الثُّدَيِّ وَذُو الثُّدَيِّ قَالَ قَدْ رَأَيْتُهُ وَقُمْتُ مَعَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهِ فِي الْقَتْلَى فَدَعَا النَّاسَ فَقَالَ أَتَعْرِفُونَ هَذَا فَمَا أَكْثَرَ مَنْ جَاءَ يَقُولُ قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَسْجِدِ بَنِي فُلَانٍ يُصَلِّي وَرَأَيْتُهُ فِي مَسْجِدِ بَنِي فُلَانٍ يُصَلِّي وَلَمْ يَأْتُوا فِيهِ بِثَبَتٍ يُعْرَفُ إِلَّا ذَلِكَ قَالَتْ فَمَا قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ قَامَ عَلَيْهِ كَمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْعِرَاقِ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ - ويعني بذلك ما رواه أحمد أيضاً عن أَبُي كَثِيرٍ مَوْلَى الْأَنْصَارِ قَالَ كُنْتُ مَعَ سَيِّدِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ قُتِلَ أَهْلُ النَّهْرَوَانِ فَكَأَنَّ النَّاسَ وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ قَتْلِهِمْ فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حَدَّثَنَا بِأَقْوَامٍ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَرْجِعُونَ فِيهِ أَبَدًا حَتَّى يَرْجِعَ السَّهْمُ عَلَى فُوقِهِ وَإِنَّ آيَةَ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا أَسْوَدَ مُخْدَجَ الْيَدِ إِحْدَى يَدَيْهِ كَثَدْيِ الْمَرْأَةِ لَهَا حَلَمَةٌ كَحَلَمَةِ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ حَوْلَهُ سَبْعُ هُلْبَاتٍ فَالْتَمِسُوهُ فَإِنِّي أُرَاهُ فِيهِمْ فَالْتَمَسُوهُ فَوَجَدُوهُ إِلَى شَفِيرِ النَّهَرِ تَحْتَ الْقَتْلَى فَأَخْرَجُوهُ فَكَبَّرَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَإِنَّهُ لَمُتَقَلِّدٌ قَوْسًا لَهُ عَرَبِيَّةً فَأَخَذَهَا بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَطْعَنُ بِهَا فِي مُخْدَجَتِهِ وَيَقُولُ صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَكَبَّرَ النَّاسُ حِينَ رَأَوْهُ وَاسْتَبْشَرُوا وَذَهَبَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَجِدُونَ - قَالَتْ هَلْ سَمِعْتَ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُمَّ لَا قَالَتْ أَجَلْ صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يَرْحَمُ اللَّهُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّهُ كَانَ مِنْ كَلَامِهِ لَا يَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ إِلَّا قَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَيَذْهَبُ أَهْلُ الْعِرَاقِ يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ وَيَزِيدُونَ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيث.

    وقال النسائي رحمه الله ( الخصائص حديث 185) : جاء عن ابن عباس رضي الله عنه قال : لما خرجت الحرورية - أي الخوارج - اعتزلوا في دارهم وكانوا ستة آلاف فقلت لعلي رضي الله عنه : يا أمير المؤمنين أبرد بالظهر لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم قال : إني أخاف عليك قلت : كلا . قال : فقمت وخرجت ودخلت عليهم في نصف النهار وهم قائلون - أي في قيلولة - فسلمت عليهم فقالوا مرحبا بك يا ابن عباس فما جاء بك ؟ قلت لهم / أتيتكم من عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وصهره - أي علي - ، وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله منكم ، وليس فيكم منهم أحد - وهذا يكفي لضلاضهم وبدعهم أنهم لم يؤيدهم أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - لأبلغكم ما يقولون وتخبرون بما تقولون .

    قلت أخبروني ماذا نقمتم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه ؟ قالوا : ثلاث ، قلت : ما هن ؟ قالوا : إما إحداهن فإنه حكم الرجال في أمر الله ، وقال الله تعالى : { إن الحكم إلا لله } ما شأن الرجال والحكم ؟ فقلت هذه واحدة ، قالوا وأما الثانية فإنه قاتل ولم يسبِ - أي لم يأخذ النساء كسبايا حرب - ولم يغنم فإن كانوا كفاراً سلبهم - أي أخذ أموالهم وممتلكاتهم وهي من غنائم الحرب - وإن كانوا مؤمنين ما أحل قتالهم ، قلت هذه اثنان فما الثالثة ؟ قالوا إنه محا نفسه من أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين ، قلت : هل عندكم شيء آخر ؟ قالوا حسبنا هذا .

    قلت : أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما يَرُد قولكم أترضون ؟ قالوا : نعم .

    قلت : أما قولكم حكَّم الرجال في أمر الله فأنا أقرأ عليكم في كتاب الله أن قد صيَّر الله حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم ، فأمر الرجال إن يحكموا فيه قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ }(المائدة: من الآية95) الآية ، فأنشدتكم بالله تعالى أحكم الرجال في أرنب ونحوها من الصيد أفضل أم حكمهم في دمائهم وصلاح ذات بينهم وأنتم تعلمون أن الله تعالى لو شاء لحكم ولم يصير ذلك للرجال ؟ قالوا : بل هذا أفضل . وفي المرأة وزوجها قال الله عز وجل : { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا }(النساء: من الآية35) ، فأنشدتكم بالله حكم الرجال في صلاح ذات بينهم وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في امرأة ، أخرجت من هذه ؟ قالوا نعم .

    قلت : وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم ، أفتسبون أمكم عائشة وتستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمكم ؟ - وهذا بعد خروج عائشة رضي الله عنها ومعها جيش للإنتقام من قتلة عثمان رضي الله عنه والتي تسبب بهذه الفتنة عبد الله بن سبأ الصنعاني اليهودي ما أدي إلى أن انتقلت الفتنة بين جيشي علي وعائشة رضي الله عنهما فكانت بينهم مقتلة كبيرة سميت بوقعة الجمل فكانت الغلبة لجيش علي رضي الله عنه ، وسيأتي الحديث عنها في حينها إن شاء الله تعالى - فإن قلتم : إنَّا نستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم ، ولئن قلتم : ليست بأمِّنا فقد كفرتم لأن الله تعالى يقول : { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ }(الأحزاب: من الآية6) .فأنتم تدورون بين ضلالتين فأتوا منها بمخرج قلت : فخرجت من هذه ؟ قالوا : نعم .

    وأما قولكم : محا أسمه من أمير المؤمنين فأنا آتيكم بمن ترضون وأراكم قد سمعتم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ صَالَحَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لِعَلِيٍّ اكْتُبْ يَا عَلِيُّ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال المشركون: لا والله ما نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لو نعلم أنك رسول الله لأطعناك فاكتب محمد بن عبد الله فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْحُ يَا عَلِيُّ رسول الله ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُكَ امْحُ يَا عَلِيُّ وَاكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، فَواللَّهِ لَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ وَقَدْ مَحَا نَفْسَهُ وَلَمْ يَكُنْ مَحْوُهُ ذَلِكَ يمحوه مِنْ النُّبُوَّةِ أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، فرجع منهم ألفان وخرج سائرهم فقتلوا على ضلالتهم فقتلهم المهاجرون والأنصار . الحديث حسن ، أنظر الصحيح المسند من أحاديث الفتن والملاحم للشيخ مصطفى العدوي .

    أنظر أخي المسلم إلى الفقه العظيم الذي كان يحمله ابن عباس بين جنبيه ، حبر هذه الأمة وترجمان القرآن ، حيث قال لهم : أتيتكم من عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وصهر ، وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله - وهنا الشاهد حيث هم الصحابة أعلم الخلق بتأويل القرآن وتفسيره من غيرهم بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم لأنهم أخذوا هذا القرآن العظيم تلقِّياً ، تلقَّوه غضَّاً طرياً كما أنزل من الفم الطاهر ، فم حبيبهم النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وهذا من بركة دعاء عليه الصلاة والسلام له أن وُفِّقَ لهذا القول حيث قطع الطريق أمامهم في أن يؤوِّلوا القرآن علي غير تأويله الصحيح ، قال ابن عباس قال : (( ضمني النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره فقال اللهم علمه الحكمة وفي رواية علمه الكتاب )) . رواه البخاري .

    فهؤلاء هم الصحابة الذين تفضل الله تعالى عليهم واصطفاهم من بين الخلق كي يكونوا وزراء نبيه يبلغون هذه الأمانة العظيمة الغالية عنه ، ألا وهو الدين الصحيح يبلغوه غضَّاً طرياً كما أنزل ، جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قال : إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه سيئا فهو عند الله سيئ . " معنى رآه المسلمون أي رآه الصحابة " قال الألباني حديث حسن موقوف ، أنظر تخريج الطحاوية.

    وجاء عنه أيضاً أنه قال : (( من كان مستنا فليسن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة . أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أفضل هذه الأمة أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا اختارهم الله لصحبة نبيه ولإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم على آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم .)) أخرجه بنحوه ابن عبد البر في جامع البيان وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر .

    ويتوج قول ابن مسعود وابن عمر ، قول الحق تبارك وتعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً } (النساء:115) وسبيل المؤمنين " أي سبيل الصحابة ، لقوله عليه الصلاة والسلام : (( ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل ( حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك ) وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة ما أنا عليه وأصحابي )) .- جملة ما أنا عليه وأصحابي هي الشاهد على سبيل المؤمنين - ‌الحديث حسن رواه الترمذي عن ابن عمرو أنظر صحيح الجامع .

    فمن رجع من الخوارج إلى رشده وعقله وحكَّم شرع الله تعالى ، أحياه الله تعالى وحقن دمه وأماته على الهدي الصحيح ، وهم الذين تابوا على يد ابن عباس رضي الله عنهما ، وأما من أصر منهم على عناده وضلاله وزيغه بعد هذا التبيان العظيم من حبر هذه الأمة وبعد إقرارهم أنه أقام عليهم الحجة ، أذله الله تعالى وصغره وحقره ، أن جعل قتله على يد خير الناس في زمانهم وهم المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم أجمعين ، وحق عليهم قوله عليه الصلاة والسلام : (( وجعل الذل والصغار على من خالف أمري )) رواه أحمد عن ابن عمر وهو في صحيح الجامع . ذلهم الله تعالى في الدنيا والذل الأعظم ينتظرهم يوم يقوم الناس لرب العالمين ، يوم أن يجعلهم كلاب أهل النار والعياذ بالله ، لأنهم كانوا في الدنيا كالكلاب يهيج بعضهم بعضا على الخروج فخرجوا على كل شيء حتى خرجوا على أنفسهم ، قال صلى الله عليه وسلم " الخوارج كلاب النار " رواه أحمد عن أبي أمامة.وهو صحيح أنظر صحيح الجامع . وفي رواية أخرى له قال : (( شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء وخير قتيل من قتلوا كلاب أهل النار قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفارا قلت يا أبا أمامة هذا شيء تقوله قال بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم )) .

    وأمر الخوارج لم ينته بانتهاء هؤلاء الذين قاتلهم المهاجرون والأنصار ، بل هناك من سيحمل فكرهم ومنهجهم ويكون على شاكلتهم حتى يخرج في أعراضهم الدجال ، كما جاء في سنن ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ينشو نشو يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم كلما خرج قرن قطع كلما خرج قرن قطع حتى يخرج في أعراضهم الدجال )) ، نسأل الله العافية .

    وهنا لي وقفة أعلق فيها على فعل هؤلاء المارقين الخارجين على الأمة وحكَّامها والذي استفحل أمرهم وفتنتهم في زماننا هذا دعاة الحزبية ، ورد أكابر أهل العلم قديماً وحديثاً على خروجهم هذا وتكفيرهم للحكام ، وأيضاً تكفيرهم للمحكومين الذين لم ينتهجوا بنهجهم ويستنوا بسنتهم الخبيثة النتنة . ففي مثل هؤلاء وغيرهم يكون قول الحق جل وعلا : { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ } (الجاثـية:23) . وقوله عليه الصلاة والسلام : (( تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض والآخر أسود مربدا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه )) رواه مسلم عن حذيفة . ‌ما أشرب من هواه من دعوة الجاهلية والحزبية المقيتة الذين رغبوا بالأناشيد المسماة بالأناشيد الإسلامية - زعموا - والتي بها يهيجوا الناس ويثيروهم على غير منهج الحق ، ترى أحدهم يجد في أنشودة من الخشوع ما يفقده مع كلام رب الأرباب ، ولو كانت الطير محشورة كل له أوَّاب . وقوله عليه الصلاة والسلام أيضاً : (( أن أهل الكتاب قبلكم تفرقوا على اثنتين وسبعين فرقة في الأهواء ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء كلها في النار الا واحدة وهي الجماعة ألا وإنه يخرج في أمتي قوم يهوون هوى يتجارى بهم ذلك الهوى كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يدع منه عرقا ولا مفصلا إلا دخله )) قال الألباني حديث صحيح لغيره رواه أحمد عن معاوية رضي الله عنه .

    هؤلاء أهل الهوى الذين يحرضون الناس على أن يسفكوا دماء بعضهم بعضاً بحجة الخروج على الحاكم ، وهذا ما كان من شأنهم في سوريا ومصر والجزائر وغيرهم من الدول ، دون أن يرجعوا إلى عمالقة أهل العلم المشهود لهم في هذا الزمان بالعلم والصلاح ، كالشيخ المحدث العلاَّمة محمد ناصر الدين الألباني ، والشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، والشيخ محمد بن صالح العثيمين ، والشيخ ربيع بن هادي المدخلي وغيرهم من أكابر أهل العلم ، والذين اتخذوا لهم من كتاب الله وسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم شرعةً ومنهاجاً مقتفين بذلك أثر السلف الصالح من الصاحبة والتابعين ومن تبعهم على هذا الخط القويم والصراط المستقيم والذي رسمه لهم رسول رب العالمين ، بفضل ومنة من أرحم الراحمين ، جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وقال : " هذا سبيل الله " ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره وقال : " هذه سبل على كل سبيل شيطان يدعو إليه " ثم قرأ : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيلي ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) صحيح أنظر تخريج الطحاوية للألباني . ماذا قال هؤلاء العمالقة في هذه المسألة مستندين إلى ما جاء في الكتاب والسنة ، وإليك البيان 0

    سؤل الشيخ العلاَّمة ابن باز رحمه الله في مشروعية الخروج على الحاكم وحمل السلاح على من والهم من الشرطة وغيرهم ، فأجاب رحمه الله : بسم الله الرحمـن الرحيم الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه . أما بعد .

    قد نصحنا إخواننا جميعاً في كل مكان - أعني الدعاة - نصحناهم أن يكونوا على علم وعلى بصيرة وأن ينصحوا الناس بالعبارات الحسنة والأسلوب الحسن والموعظة الحسنة وأن يجادلوا بالتي هي أحسن عملاً بقول الله سبحانه : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }(النحل: من الآية125) ) وقوله سبحانه : { وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ }(العنكبوت: من الآية46) . فالله جل وعلا أمر العباد بالدعوة إلى الله وأرشدهم إلى الطريقة الحكيمة ، وهي الدعوة إلى الله بالحكمة يعني بالعلم : قال الله ، قال رسوله ، وبالموعظة الحسنة وجدالهم بالتي هي أحسن ، عند الشبهة يحصل الجدال بالتي هي أحسن حتى تزول الشبهة .

    وأما سب الأمراء على المنابر فليس من العلاج ، فالعلاج الدعاء لهم بالهداية والتوفيق وصلاح النية والعمل وصلاح البطانة ، هذا هو العلاج لأن سبهم لا يزيدهم إلا شراً ، لا يزيدهم خيرا ، سبهم ليس من المصلحة ، ولكن يدعى لهم بالهداية والتوفيق والصلاح حتى يقيموا أمر الله في أرض الله وأن الله يصلح لهم البطانة أو يبدلهم بخير منهم إذا أبوا ، أما سبهم ولعنهم وسب الشرطة أو لعنهم أو ضربهم أو ضرب الخطباء كل هذا ليس من الإسلام ، الواجب النصيحة والبلاغ والبيان ، قال الله جلَّ وعلا : { هذا بلاغ للناس } [ابراهيم 52] ، فالقرآن بلاغ ، والسنة بلاغ ، قال جل وعلا : { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ }(الأنعام: من الآية19) ، قال جل وعلا : { وأنذر الناس } وقال أيضاً { إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ }(هود: من الآية12) .

    فالعلماء هم خلفاء الرسل ، ينذرون الناس ويحذرونهم من عقاب الله ويرشدونهم إلى طاعة الله ، ويأمرونهم بتقوى الله ، ويحذرونهم من معاصي الله ، وينصحون ولاة الأمور من الأمراء وغيرهم ، ينصحونهم يوجهونهم إلى الله ويدعون لهم بالهداية ؛ لأن هذا أقرب إلى النَّجاح وأقرب إلى الخير حتى تنتشر الدعوة ، وحتى يتفقه الناس في الدين ، وحتى يعلموا أحكام الله .

    وسؤل رحمه الله ، أن هناك من يرى أن اقتراف بعض الحكَّام للمعاصي والكبائر موجب للخروج عليهم ومحاولة التغيير وإن ترتب عليه ضرر للمسلمين في البلد ، والأحداث التي يعاني منها عالمنا الإسلامي كثيرة ، فما رأي سماحتكم ؟

    أجاب : " بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه ، أما بعد .

    فقد قال الله عز وجل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } (النساء:59) .

    فهذه الآية نص في وجوب طاعة أولي الأمر ، وهم الأمراء والعلماء ، وقد جاءت السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين أن هذه الطاعة لازمة وهي فريضة في المعروف .

    والنصوص من السنة تبين المعنى ، وتفيد بأن المراد طاعتهم بالمعروف ، فيجب على المسلمين طاعة ولاة الأمور في المعروف لا في المعاصي ، فإذا أمروا بمعصية فلا يطاعون في المعصية ، لكن لا يجوز الخروج عليهم بأسبابها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ((ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة )) رواه مسلم . وقال أيضاً : ((من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية )) رواه مسلم . وقال أيضاً : ((على المرء المسلم الطاعة فيما أحب أو كره إلا أن يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة )) رواه مسلم عن أبي هريرة .

    وسأله الصحابي - لما ذكر أنه سيكون أمراء تعرفون منهم وتنكرون - قالوا : فما تأمرنا ؟ قال : ((أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم )) رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود .

    قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه : (( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله )) ، وقال : (( إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان )) متفق عليه . فهذا يدل على أنهم لا يجوز لهم منازعة ولاة الأمور ولا الخروج عليهم إلا أن يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان ، وما ذاك إلا لأن الخروج على ولاة الأمور يسبب فساداً كبيراً وشراً عظيماً فيختل به الأمن ، وتضيع الحقوق ولا يتيسر ردع الظالم ولا نصر المظلوم ، وتختل السبل ولا تأمن ، فيترتب على الخروج على ولاة الأمور فساد عظيم وشر كبير ، إلا إذا رأى المسلمون كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان ، فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرة ، أما إذا لم يكن عندهم قدرة فلا يخرجوا ، أو كان الخروج يسبب شراً أكثر فليس لهم الخروج ، رعاية للمصالح العامة ، والقاعدة الشرعية المجمع عليها ( أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه ، بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه ) . وأما درء الشر بشرٍّ أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين ، فإذا كانت هذه الطائفة التي تريد إزالة السلطان الذي فعل كفراً بواحاً وعندهم قدرة تزيله بها وتضع إماماً صالحاً طيباً من دون أن يترتب على هذا فساد كبير على المسلمين وشر أعظم من شر هذا السلطان فلا بأس .

    أما إذا كان الخروج يترتب عليه فساد كبير واختلال الأمن والنظام وظلم الناس واغتيال من لا يستحق الإغتيال ، إلى غير هذا منت الفساد العظيم ، فهذا لا يجوز ، بل يجب الصبر والسمع والطاعة في المعروف ومناصحة ولاة الأمور والدعوة لهم بالخير ، والاجتهاد في تخفيف الشر وتقليله وتكثير الخير ، هذا هو الطريق السوي الذي يجب أن يسلك ، لأن في ذلك مصالح للمسلمين عامة ، ولأن في ذلك تقليل الشر وتكثير الخير ، ولأن في ذلك حفظ الأمن وسلامة المسلمين من شر أكثر ، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق " .

    وسؤل رحمه الله ، " نعلم أن هذا الكلام أصل من أصول أهل السنة والجماعة ، ولكن هناك للأسف من أبناء أهل السنة والجماعة من يرى هذا فكراً انهزامياً ، وفيه شيء من التخاذل وقد قيل هذا الكلام … لذلك يدعون الشباب إلى تبني العنف في التغيير ؟ - في لابن تيمية قول أحب أن أذكره هنا في هذه المناسبة وهو : " فلا تجد قط مبتدعاً إلا وهو يحب كتمان النصوص التي تخالفه ويبغضها ، ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها ، ويبغض من يفعل ذلك ، كما قال بعض السلف : ما ابتدع أحد بدعة إلا نُزعت حلاوة الحديث من قلبه " - .

    فأجاب رحمه الله تعالى : " هذا غلط من قائله وقلة فهم ، لأنهم ما فهموا السنة ولا عرفوها كما ينبغي ، وإنما تحملهم الحماسة والغيرة لإزالة المنكر على أن يقعوا فيما يخالف الشرع كما وقعت الخوارج والمعتزلة ، حملهم حب نصرِ الحق أو الغيرة للحق ، حملهم ذلك على أن وقعوا بالباطل حتى كفَّروا المسلمين بالمعاصي ، أو خلَّدوهم في النار بالمعاصي كما تفعل المعتزلة . فالخوارج كفَّروا بالمعاصي ، وخلَّدوا العصاة في النار ، والمعتزلة وافقوهم في العاقبة وأنهم في النار مخلدون فيها ، ولكن قالوا إنهم في الدنيا منزلة بين منزلتين ، وكله ضلال ، والذي عليه أهل السنة هو الحق أنَّ العاصي لا يكفر يمعصيته ما لم يستحلها . فإذا زنا لا يكفر ، وإذا سرق لا يكفر ، وإذا شرب الخمر لا يكفر ، ولكن يكون عاصياً ضعيف الإيمان ، فاسقاً تقام عليه الحدود ، ولا يكفر بذلك إلا إذا استحل المعصية وقال : إنها حلال ، وما قاله الخوارج في هذا باطل ، وتكفيرهم للناس باطل ، ولهذا قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم : ((يمرقون من الإسلام ثم لا يعودون فيه )) رواه مسلم ، وقال : ((يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان )) متفق عليه . هذه حال الخوارج بسبب غلوِّهم وجهلهم وضلالهم

    فلا يليق بالشباب ولا غير الشباب أن يقلدوا الخوارج والمعتزلة ، بل يجب أن يسيروا على مذهب أهل السنة والجماعة على مقتضى الأدلة الشرعية ، فيقفون من النصوص كما جاءت ، وليس لهم الخروج على السلطان من أجل معصية أو معاصٍ وقعت منه ، بل عليهم المناصحة بالمكاتبة والمشافهة ، بالطرق الطيبة الحكيمة ، بالجدال بالتي هي أحسن حتى ينجحوا وحتى يقل الشر أو يزول ويكثر الخير .

    هكذا جاءت النصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله عز وجل يقول : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ }(آل عمران: من الآية159) .

    فتوى الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ، قال : لابد لي قبل الدخول في شيء من التفصيل بأن أُذكِّر - والذكرى تنفع المؤمنين - بقول أهل العلم : (( ما بني على فاسد فهو فاسد )) ، فالصلاة التي تبنى على غير طهارة مثلاً فهي ليست بصلاة ، لماذا ؟ لأنها لم تقم على أساس الشرط الذي نص عليه الشارع الحكيم في مثل قوله صلى الله عليه وسلم (( لا صلاة لمن لا وضوء له )) ، فهما صلى المصلي بدون وضوء فما بني على فاسد فهو فاسد ، والأمثلة في الشريعة من هذا القبيل شيء كثير وكثير جداً .

    فنحن ذكرنا دائماً وأبداً بأن الخروج على الحكام لو كان من المقطوع بكفرهم ، أن الخروج عليهم ليس مشروعاً إطلاقاً ، ذلك لأن هذا الخروج إذا كان ولا بد ينبغي أن يكون خروجاً قائماً على الشرع ، كالصلاة التي قلنا آنفاً إنها ينبغي أن تكون قائمة على الطهارة ، وهي الوضوء ، ونحن نحتج في مثل هذه المسألة بمثل قوله تبارك وتعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } (الأحزاب: من الآية21) .

    إنَّ الدور الذي يمر به المسلمون اليوم من تحكم بعض الحكام - وعلى افتراض أنهم أو أن كفرهم كفر جلي واضح ككفر المشركين تماماً - إذا افترضنا هذه الفرضية فنقول : إنَّ الوضع الذي يعيشه المسلمون بأن يكونوا محكومين من هؤلاء الحكام - ولنقل الكفار مجاراة لجماعة التكفير لفظاً لا معنى ؛ لأن لنا في ذلك التفصيل المعروف - فنقول : إنَّ الحياة التي يحياها المسلمون اليوم تحت حكم هؤلاء الحكام لا يخرج عن الحياة التي حييها رسول الله عليه الصلاة وعلى آله وسلم ، وأصحابه الكرام فيما يسمى في عرف أهل العلم : بالعصر المكي .

    لقد عاش عليه السلام تحت حكم الطواغيت الكافرة المشركة ، والتي كانت تأبى صراحةً أن تستجيب لدعوة الرسول عليه السلام ، وأن يقولوا كلمة الحق " لا إلـه إلا الله " حتى إنَّ عمه أبا طالب - وفي آخر رمق من حياته - قال له : لولا أن يعيرني بها قومي لأقررت بها عينك . أولئك الكفار المصرحين بكفرهم المعاندين لدعوة نبيهم ، كان الرسول عليه السلام يعيش تحت حكمهم ونظامهم ، ولا يتكلم معهم إلا : أن اعبدوا الله وحده لا شريك له .

    - وهنا مداخلة أحب أن أعلق عليها في هذه المناسبة وهي : أتوجه للذين يتهمونا بالتخاذل إذا قلنا لهم اصبروا ، وتراهم متحمسين يثور أحدهم وليس لديه صبر ، لا والله كان النبي صلى الله عليه وسلم أغير من هؤلاء ، كان وهو يطوف بالبيت يرى الأصنام تعبد من دون الله ، بل والأصنام محيطة بالكعبة من كل جانب بل وعلى ظهرها ، والنساء يطفن عرايا ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أغير من هؤلاء ، لما كانت ترفع رايات الدعارة على البيوت ، لكن كان يقول أنا رسول الله ولست عاصيه وهو ناصري ، فالمطلوب " فاستقم كما أمرت " .-

    ونستأنف كلام الشيخ قال : ثم جاء العهد المدني ، ثم تتابعت الأحكام الشرعية ، وبدأ القتال بين المسلمين وبين المشركين ، - وكان أول ما أُذن بالجهاد كان جهاد دفع ، قال تعالى : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } (الحج:39) - . وكما هو معروف في السيرة النبوية .

    أما في العهد الأول - العهد المكي - لم يكن هناك خروج كما يفعل اليوم كثير من المسلمين في غير ما بلد إسلامي .

    فهذا الخروج ليس على هدى الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أُمرنا بالإقتداء به ، وبخاصة في الآية السابقة : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } (الأحزاب:21) .

    فإذاً كل من خالف هدي الرسول عليه السلام فهو لا يكون عاقبة أمره إلا خسرا ، وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم إذاً في إقامة الحكم الإسلامي وتأسيس الأرض الإسلامية الصالحة لإقامة حكم الإسلام عليها ، إنما يكون بالدعوة .

    أولاً : دعوة التوحيد ، ثم تربية المسلمين على أساس الكتاب والسنة .

    وحينما نقول نحن إشارة إلى هذا الأصل الهام بكلمتين مختصرتين ، إنه لا بد من التصفية والتربية ، بطبيعة الحال لا نعني بهما أنَّ هذه الملايين المملينة من هؤلاء المسلمين أن يصيروا أمة واحدة ، وإنما نريد أن نقول : إنَّ من يريد أن يعمل بالإسلام حقاً وأن يتخذ الوسائل التي تمهد له إقامة حكم الله في الأرض ، لا بد أن يقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم حكماً وأسلوباً .

    نحن اليوم في القرن الخامس عشر ، ورثنا هذا الإسلام كما جاءنا طيلة هذه القرون الطويلة ، لم نرث الإسلام كما أنزله الله على قلب محمد عليه الصلاة والسلام ، لذلك الإسلام الذي أتى أُكلَه وثماره في أول أمره هو الذي سيؤتي أيضاً أكُلَه وثماره في آخر أمره ، كما قال عليه الصلاة والسلام : ((" أمتي كالمطر لايدرى الخير في أوله أم في آخره " )) رواه الترمذي وحسنه والعقيلي وغيرهم وصححه الألباني .

    فإذا أرادت الأمة المسلمة أن تكون حياتها على هذا الخير الذي أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ، والحديث الآخر الذي هو منه أشهر : ((ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله )) متفق عليه .

    أقول : لا نريد بهاتين الكلمتين أن يصبح الملايين المملينة من المسلمين قد تبنَّوا الإسلام مصفى وربُّوا أنفسهم على هذا الإسلام المصفى ، لكننا نريد لهؤلاء الذين يهتمون حقاً أولاً بتربية نفوسهم ثم بتربية من يلوذ بهم ، ثم ، ثم ، حتى يصل الأمر إلى الحاكم الذي لا يمكن تعديله أو إصلاحه أو القضاء عليه إلا بهذا التسلسل الشرعي المنطقي .

    القصد أن من أدلة القرآن أ، الإختلاف ضعف حيث أن الله عز وجل ذكر من أسباب القتل هو التنازع والاختلاف { ولا تكونوا من الشركين مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } (الروم:32) ، إذن إذا كان المسلمون أنفسهم شيعاً لا يمكن أن ينتصروا ، لأن هذا التشيع وهذا التفرق إنما هو دليل الضعف .

    إذاً على الطائفة المنصورة التي تريد أن تقيم دولة الإسلام بحق أن تُمَثَّل بكلمة أعتبرها من حِكَم العصر الحاضر ، قالها أحد الدعاة ، لكن أتباعه لا يتابعونه - أي حزب الإخوان المسلمين - ألا وهي قوله : (( أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تُقَم لكم على أرضكم )) .

    فنحن نشاهد ، لا أقول الجماعات التي تقوم بهذه الثورات ، بل أستطيع أن أقول بأنَّ كثيراً منم رؤوس هذه الجماعات لم يطبقوا هذه الحكمة التي هي تعني ما نقوله نحن بتلك اللفظتين" التصفية والتربية " ، لم يقوموا بعد بتصفية الإسلام مما دخل فيه مما لا يجوز أن يُنسب إلى الإسلام في العقيدة أو في العبادة أو في السلوك ، لم يحققوا هذه - أي التصفية في نفوسهم - فضلاً عن أن يحققوا التربية في ذويهم ، من أين لهم أن يحققوا التصفية والتربية في الجماعة التي هم يقودونها ويثورون معها على هؤلاء الحكام ، " وما بني على فاسد فهو فاسد " وما بني على خلاف الإسلام فسوف لا يثمر إلا الخراب والدمار "

    - هذه الفتوى وهذا الكلام من شريط مسجل من " سلسلة الهدى والنور " -830 /1 - عنوان " من منهج الخوارج ".

    وفي جواب له رحمه الله في شريط آخر عن سؤال وجِّهَ إليه وهو : بروز التنظيمات في العالم العربي والإسلامي تُطلق على نفسها مسميات مختلفة ، وذات طابع إسلامي ، وتسعى من خلال ذلك إلى تولي السلطة ، قامت بتكفير الحكَّام المسلمين ؛ وأجازت من ناحية أخرى الخروج عليهم ، فما حكم الشرع في قضية الخروج على الحاكم المسلم ؟

    فأجاب الشيخ رحمه الله : إنَّ علماء المسلمين ممن ينتمون إلى أهل السنة وهم بلا شك تجمعه ثلاثة مذاهب :

    المذهب الأول : مذهب أهل الحديث ، وهو الذي ننتمي إليه - والحمد لله - وعلى منهج السلف الصالح .

    ومنهم من يعرف بالماتريدية .

    ومنهم المعروفون بالأشعرية .

    كل هؤلاء تجمعهم كلمة الإنتساب إلى أهل السنة ، - هذا ما تزعمه الماتريدية والأشاعرة وهو على الحقيقة خلاف ذلك ، حيث إن بين أهل الحديث وهم أهل السنة بحق وبين " الماتريدية والأشاعرة " خلاف عقائدي من جهة تأويل الصفات ، حيث هاتين الأخيرتين يأولون صفات الله تعالى " كالسمع والبصر والمجيء والنزول ، إلخ ، ويحملونها على غير الوجه الذي كان يعتقده الصحابة رضوان الله عليه أجمعين حيث أخذوا هذا القرآن تلقياً من فم الحبيب المصطفى وأثبتوا لله تعالى من الأسماء والصفات ما أثبته الله تعالى لذاته أو ما أثبته له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من غير تحريف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل إلى غير ذلك وإنما أثبتوها كما جاءت ونحن أي أهل الحديث على أثارهم ومنهجهم مهتدون بعون من الله وتأييد منه سبحانه - هؤلاء في هذه المسألة اتفقوا على أنه لا يجوز الخروج على الحكَّام مهما ظلموا ومهما جنوا ، ومادام أنهم لا يزالون يريدون الإسلام ويقيمون الصلاة للأئمة المسلمين وفي أنفسهم أيضاً .

    لذلك فهذه الجماعات التي تعلن كتابةً ومحاضرةً الخروج على الحكام ، هؤلاء في نقدي أولاً : جهلة بحكم الشرع ؛ لأن الرسول عليه السلام تواترت عنه الأحاديث في طاعة الحكام إلا في معصية الله ، كما قال في حديث البخاري " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " وفي أحاديث أخرى أنه تجب طاعتهم ولو ظلموك ، ولو ضربوا ظهرك ما لم تروا كفراً موصداً.

    وهناك قاعدة فقهية أصولية : " أنه إذا وقع المسلم أو المسلمون بين مفسدتين كلٌّ منها مفسدة ، ولكن إحداهما أخطر من الأخرى ، تدفع الكبرى بالصغرى ، أي نرضى رغم الأنوف بالمفسدة الصغرى حتى نُبعِد على أنفسنا المفسدة الكبرى .

    بالإضافة إلى ما ذكرته وأشرت من أحاديث ، القاعدة الأصولية لا خلاف فيها بين علماء أصول والفقه . " إنَّ الخروج على الحكام فتنة أكبر منها .

    وقال رحمه الله : فأنا في شك كبير بين أمرين اثنين : - من إسلام هؤلاء حقيقة أي أخشى أن يكونوا من أعداء الإسلام تلبَّسوا بثياب المسلمين .

    وإن كانت الأخرى ، وهي أنهم مسلمون فعلاً ، ولكنهم جهلة ، في منتهى الجهالة .

    إذن الخروج اليوم لا يجوز إطلاقاً ، لذلك نحن نرى هؤلاء الخارجين أو الدَّاعين إلى الخروج ، هم إما أنهم مدسوسون على الإسلام ، أو أنهم مسلمون ، لكنهم في منتهى الجهل بالإسلام الذي أنزله الله على قلب محمدٍ عليه الصلاة والسلام .

    يبقى كلمة " التكفير " : لا يجوز تكفير الحكام إطلاقاً ، ما دام أنهم يشهدون أن لا إلـه إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، ولذلك فنحن نؤيد كلَّ من يدعو إلى الرد على هؤلاء الخارجين على الحكَّام ، والذين يحثون الناس على الخروج على الحكام ؛ لأن هذا الخروج خروج عن الإسلام .

    من ادَّعى السلفية والتي هي الكتاب والسنة ، فعليه أن يسير مسيرة السلف ، وإلا الاسم لا يغني عن الحقيقة المسمى .

    قد ذكرت آنفاً بأن من دعوة العلماء قاطبة أنه لا يجوز الخروج ، ولا يجوز التكفير ، فمن خرج عن دعوة هؤلاء لا نسميه بأنه " سلفي " ! .

    كذلك المسلم الذي يسمي نفسه مسلماً ، ولكن لا يعمل بالإسلام ، ولذلك قال ربنا تبارك وتعالى : {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } (التوبة:105) .

    الدعوة السلفية هي تحارب الحزبية بكل أشكالها وأنواعها ، والسبب واضح جداً ، الدعوة السلفية تنتمي إلى شخص معصوم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما الأحزاب الأخرى فينتمون إلى أشخاصٍ غير معصومين ، قد يكونوا في أنفسهم صالحين ، قد يكونوا في ذواتهم من العلماء العاملين ولكن أتباعهم ليسوا كذلك .

    وأخيراً وختاماً ، فلان سلفي ، الجماعة الفلانية سلفية ، لكنهم لا يعملون بالدعوة السلفية التي هي الكتاب والسنة والتمسك بما كان عليه السلف ، وإلا فهم خارجون عن الدعوة السلفية ، والدليل الذي أختم به هذا الجواب هو قوله تبارك وتعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً } (النساء:115) .

    فنصحتنا أن يرتدعوا عن سفك دماء المسلمين وتكفير المسلمين ، وأن يلزموا التفقه في الدين ، والعمل بنا جاء به القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فهؤلاء نأمرهم أن يتفقهوا في الدين ، فذلك أفضل لهم من قيام الليل وصيام النهار ، وفي ذلك هدى لهم وردع ٌ فكري وعلمي عمَّا هم ضالعون فيه من التكفير وسفك الدماء .

    نسأل الله أن يهديهم جميعاً سواء الصراط

    · فتوى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين عندما سؤل عن حكم الخروج على الحكام فقال :

    · أولاً : لا يجوز الخروج على الأئمة ومنابذتهم إلا حين يكفرون كفراً صريحاً لقوله عليه الصلاة والسلام " إلا أن تروا كفراً بواحاً " الحديث متفق عليه -- تأمل هذا وعض عليه بالنواجذ ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يعلق الخروج على كفر الحاكم ، وأكثر الثوار يعلقونه على المفسدة والمصلحة ، وفي هذا مخالفة صريحة للرسول صلى الله عليه وسلم ، قال الشوكاني رحمه الله في السيل الجرار ( 4/ 556 ) : " لا يجوز الخروج على الأئمة وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ ، ما قاموا الصلاة ، ولم يظهر منه الكفر البواح ، والأحاديث في هذا المعنى متواترة ؛ ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله ويعصيه في معصية الله ؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " . -- .

    · ثانياً : العلم بكفرهم ، والعلماء هم الذين يقدرونه ، وأنا لا أقدر على أن أحكم على حكوماتهم ؛ لأنني لا أعرفها ، وفي الحديث السابق : " عندكم فيه من الله برهان " .

    · ثالثاً : تحقق المصلحة في ذلك وانتفاء المفسدة ، وتقديرها لأهل العلم أيضاً .

    · رابعاً : القدرة لدي على المسلمين على إزاحة الحاكم الكافر .

    ثم قدَّم رحمه الله نصيحة ذهبية ، فقال ما معناه " وعلى كل حال ، فهذا الكلام نظري ؛ لأن الغالب أن الشوكة والقوة لهذه الحكومات ، وأنا أنصح بالروية والدعوة بالحكمة وترك الدخول في هذه المواجهات … إلخ "

    · وسؤل رحمه الله ما حكم تهييج الناس على حكامهم في المساجد وغيرها ؟

    · فأجاب رحمه الله : النار كما تعلمون أولها شرارة ثم تكون جحيماً ، لأن الناس إذا كره بعضهم بعضاً وكرهوا ولاة أمورهم حملوا السلاح - ما الذي يمنعهم - فيحصل الشر والفوضى .

    وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من رأى من أميره شيئاً يكرهه أن يصبر للحديث الذي جاء عن ابن عباس مرفوعا " من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فميتته جاهلية " متفق عليه ، وقال : " من مات على غير إمام مات ميتة جاهلية " رواه أحمد وهو صحيح . الواجب علينا أن ننصح بقدر المستطاع ، أما أن نظهر المبارزة والاحتجاجات علناً فهذا خلاف هدي السلف ، وقد علمتم الآن أن هذه الأمور لا تَمُتّ إلى الشريعة بصلة ، ما هي إلا مضرة …

    الحجاج بن يوسف الثقفي والذي قام بهدم الكعبة بالمنجنيق ، حيث تحصَّن بها عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ، ثم قتله فيها وذبح سعيد بن جبير من كبار التابعين ، وبلغ منه الظلم إلى أن قتل من المسلمين أكثر من مئة ألف كما جاء عن هشام بن حسان قال : (( أحصوا ما قتل الحجاج صبرا فبلغ مائة ألف وعشرين ألف قتيل )) رواه الترمذي وصححه الألباني . ومعنى صبرا : أي كل من قُتِل في غير معركة ولا حرب ولا خطأ فإنه مقتول صبرا .

    فهذا الحجاج الذي وصل به الظلم إلى أن سفك دم صحابي جليل كما أسلفنا وقتل سعيد بن جبير وهو من أجل التابعين وقتل من المسلمين ما بلغ العدد المذكور آنفاً في الحديث ، رغم هذا كله ما سمعنا أحداً من المسلمين يكفره ، علماً أنه كان يومئذٍ في زمانه معاصره من أفضل الصحابة أمثال عبد الله بن عمر وعبد الله بن العباس ، فلماذا لم يكفِّراه علماً أنهما كباقي الصحابة يقولا كلمة الحق ولا يخافون في الله لومة لائم ، فلماذا لم يكفراه ؟؟؟ .

    الخليفة المأمون قتل من العلماء الذين لم يقولوا بقوله في خلق القرآن ، - من العلم أن القول بخلق القرآن كفر أكبر بإجماع السلف . " أنظر كتاب الشريعة الآجري ( 1/ 489 - 550 ) .

    قتل جمعاً من العلماء وأجبر الناس على أن يقولوا بهذا القول الباطل ، ما سمعنا من الإمام أحمد وغيره من الأئمة أن أحداً منهم اعتصم في أي مسجد أبداً ، ولا سمعنا أنهم كانوا ينشرون معايبه من أجل أن يحمل الناس عليه الحقد والبغضاء والكراهية .

    ولا نؤيد المظاهرات أو الاعتصامات أو ما أشبه ذلك ، لا نؤيدها إطلاقاً ، ويمكن الاصلاح بدونها ، لكن لا بد أن هناك أصابع خفية داخلية أو خارجية تحاول بث مثل هذه الأمور . ( هذا نشر في جريدة المسلمون عدد 540 ص 10 الجمعة 11 محرم 1416 هـ ) .

    وهنا مداخلة وهي ليست من كلام الشيخ رحمه الله ، وهي: قد كان الإمام أحمد رحمه الله يُعذَّب ويُسجَن من أجل أن يقول كلمة الكفر وهي : " القول بخلق القرآن " وكان مع ذلك يحرِّم الخروج على من عذَّبه في ذلك ، روى حنبل بن إسحاق في محنة الإمام أحمد ( ص : 70-72 ) والخلاَّل في السنة (90) بسند صحيح قال حنبل : ( في ولاية الواثق اجتمع فقهاء بغداد إلى الإمام أحمد ، منهم أبو بكر بن عبيد وإبراهيم بن علي المطبخي وفضل بن عاصم ، فقالوا له : يا إمام هذا الأمر قد تفاقم وفشا - أي الزعم بخلق القرآن - فقال لهم الإمام الجليل : فما تريدون ؟ قالوا : نشاورك في أنَّا لسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه ، فناظرهم أبو عبد الله - أي الإمام أحمد - ساعة ، وقال لهم : عليكم بالنكرة بقلوبكم ولا تخلعوا يداً من طاعة ، ولا تشقُّوا عصا المسلمين ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم ، انظروا في عاقبة أمركم ، واصبروا حتى يستريح برٌ أو يستراح من فاجر " .

    فقال حنبل بن إسحاق فدخلت على أبي عبد الله - أي الإمام أحمد - بعد ما مضوا ، فقال أبي للإمام : نسأل الله السلامة لنا ولأمة محمد ، وما أحب لأحد أن يفعل هذا ، وقال أبي : يا أمام ! هذا عندك صواب - يعني الخروج - ؟ فقال : لا ! هذا خلاف الآثار التي أُمرنا فيها بالصبر ، ثم ذكر أبو عبد الله قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن ضربك فاصبر وإن … فاصبر )) رواه أحمد ومسلم ، فأمر بالصبر ..

    تأمل هذا النَّفَس النوراني ، وهذه المتابعة المحضة لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسيان حظ النفس في الإنتقام لها ، مع أنه رحمه الله دُعيَ للكفر الأكبر ، بل ضُرِبَ وسُجِنَ بسبب إبائه !! .

    فأين هذا الإخلاص عند هؤلاء الحزبيين ( الحركيَّين ) الذين يتحركون بغير نصوص الشرع ، وينتصرون لأنفسهم ويتظاهرون بالغيرة على الدين ؟! إنما الغيرة على الدين بالتزام نصوصه والوقوف عند أحكامه .

    والعجب العجاب أنَّ الإمام أحمد رحمه الله في الوقت الذي كان ينهى عن الخروج على الأئمة كان يحرِّض على قتال الخارجين ، فقد روى الخلال في السنة ( 115-119) بأسانيد يصحح بعضها بعضا ، منها رواية حسين الصائغ حيث قال : لمَّا كان أمر بابك ( أي الذي خرج على بني العباس ) جعل الإمام أحمد يحرض الخروج إليه - أي إلى بابك لقتاله - وكتب معي كتاباَ إلى أبي الوليد وإلى البصرة يحرضهم على الخروج إلى بابك ) .

    وأعجب العجاب أن بابك الخُرَّمي هذا خرج على المأمون والمعتصم وهما اللَّذان امتحنا الإمام أحمد امتحاناً شديداً وعذَّباه عذاباً نُكراً ، فلم يمنعه أنتصاره لنفسه من الانقياد للحق ؛ لأنه لا مهرب لمنشد الحق ِّ من التَّحاكم إلى الكتاب والسنة .

    فتدبر نهيه عن الخروج عمَّن دعاه إلى الكفر وسخَّر سلطانه للدفاع عنه وعذَّبه فيه ولماَّ ظهر من يخرج عليهم لم يستنكف أن يكون واحداً من الرعية ، بل محرضاً على القتال الخارج على الذين عذًّبوه من ذوي السلطان !!

    فتدبر هذا لتدرك عزة الإخلاص ، والأمر لله !

    قال العلاَّمة محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله - في أضواء البيان ( 1/57-58) : " والتحقيق الذي لا شك فيه أنه لا يجوز القيام عليه إلا إذا ارتكب كفراً بواحاً عليه من الله برهان " وقد دعا المأمون والمعتصم والواثق إلى بدعة " القول بخلق القرآن " ، وعاقبوا العلماء من أجلها بالقتل والضرب والحبس وأنواع الإهانة ، ولم يقل أحد بوجوب الخروج عليهم بسبب ذلك ، ودام الأمر بضع عشرة سنة ، حتى ولِّي المتوكل الخلافة ، فأبطل المحنة وأمر بإظهار السنة " .

    قال ابن تيمية رحمه الله : " فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به - أي مثال على ذلك أن مني يرتكب الذنب فهو يضر نفسه ويجني عليها بخلاف من يأمر الناس به ويحض عليه ، فهذا أشد وأعظم - والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط ، والذي يكفِّر مخالفه أعظم من الذي يعاقبه ، ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية " أن القرآن مخلوق " ، " وإنَّ الله لا يرى في الآخرة " ، وغير ذلك ، ويدعون الناس إلى ذلك ، ويمتحنونهم ، ويعاقبونهم إذا لم يجيبوهم ، ويكفِّرون من لم يحبهم ، حتى إنهم كانوا إذا أمسكوا الأمير لم يطلقوه حتى يقول بقول الجهمية : ( إنَّ القرآن مخلوق ) ، وغير ذلك ولا يولون متولياً ولا يعطون رزقاً من بيت المال إلا لمن يقول ذلك ، ومع هذا فالإمام أحمد رحمه الله ترحَّم عليهم واستغفر لهم ؛ لعلمه بأنهم لم يبين لهم أنهم مكذبون للرسول ، ولا جاحدون لما جاء به ، ولكن تأوَّلوا فأخطؤوا ، وقلَّدوا من قال لهم ذلك " ( مجموع الفتاوى 23/348-349 ) .

    واعلم أنَّ إطلاق التكفير ليس كتعيينه لأن الحكم بالكفر على معيَّن قد يتخلف لتأوي أو شبهة أو إكراه ، ولذلك تجد السلف كفَّروا فرق من المسلمين بإطلاق ، كالجهمية والرافضة ، ولكن لم يُعيَّنوا بالكفر إلا أناساً معدودين جداً صرَّحوا بشناعات ، وناظرهم علماء السنة ، وأقاموا عليهم الحجة ، كبشر المريسي ، والجعد بن درهم ، وحفص الفرد ، علي خلاف ، والحلاَّج " ( مجموع الفتاوى ابن تيمية 23/349) .

    وقال رحمه الله : " مع أن أحمد لك يُكفِّر أعيان الجهمية ، ولا كل من قال إنه جهمي كفَّره ، ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم ، بل صلَّى خلف الجهمية الذين دعوُا إلى قولهم وامتحنوا الناس ، وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة ، لم يكفرهم أحمد وأمثاله ، بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم ويدعو لهم ، ويرى الإتمام بهم في الصلوات خلفهم والحج والغزو معهم ، والمنع من الخروج عليهم ، ما يراه لأمثالهم من الأئمة .

    وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم ، وإن لم يعلوما هم أنه كفر ، وكان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان ، فيجمع بين طاعة الله ورسوله في إظهار السنة والدين وإنكار بدع الجهمية الملحدين ، وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة - أي الأمراء - والأمة ، وإن كانوا جهَّالاً مبتدعين وظلمة فاسقين " ( مجموع الفتاوى 7/507-508) .

    فتأمل هذا فإنه نفيس ؛ وبه تنج بإذن الله من ورطة التكفير المعيَّن بغير حق ، واستتر بستار أهل العلم في هذا وقلَّدهم ، واقتصد في البحث عن مسائل التكفير ، وإذا كان لا بد من شيء منه فأجمِل كما أجمل السلف ، تنج بإذن الله ، ولا سيما تكفير الولاة .

    وقال الإمام العلامة ابن عثيميين رحمه الله : (( فالله الله في فهم منهج السلف الصالح في التعامل مع السلطان ، وأن لا يتخذ من أخطاء السلطان سبيلا لإثارة الناس وإلى تنفير القلوب عن ولاة الأمور ، فهذا عين المفسدة ، وأحد الأسس التي تحصل بها الفتنة بين الناس .

    كما أن ملء القلوب على ولاة الأمر يُحدِث الشر والفتنة والفوضى ، وكذا ملء القلوب على العلماء يحدث التقليل من شأن العلماء ، وبالتالي التقليل من الشريعة التي يحملونها .

    فإذا حاول أحد أن يقلل من هيبة العلماء وهيبة ولاة الأمر ، ضاع الشرع والأمن ، لأن الناس إن تكلم العلماء ، لم يثقوا بكلامهم ، وإن تكلم الأمراء ، تمردوا على كلامهم ، وحصل الشر والفساد .

    فالواجب أن ننظر ماذا سلك السلف تجاه ذوي السلطان ، وأن يضبط الإنسان نفسه ، وأن يعرف العواقب .

    وليعلم أن من يثور إنما يخدم أعداء الإسلام ، فليست العبرة بالثورة ولا بالإنفعال ، بل العبرة بالحكمة ، ولست أريد بالحكمة السكوت عن الأخطاء ، بل معالجة الخطأ ، لنصلح الأوضاع ؛ لا لنغير الأوضاع ؛ فالناصح هو الذي يتكلم ليصلح الأوضاع لا ليغيرها . [ هذا الكلام نقلاً عن رسالة حقوق الراعي والرعية ، لمجموع خطب الشيخ ابن عثيمين ].

    وقال الالكائي مقرِّراً عقيدة أهل السنة ، وناقلاً هنا عن أحمد بن حنبل قوله : " ومن خرج من إمام من أئمة المسلمين - وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقرُّوا له بالخلافة بأي وجه كان : بالرضا أو بالغلبة - فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن مات الخارج عليه مات ميتةً جاهلية " .

    " ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس ، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق "

    وقد روى أيضاً في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ( 324 ) أن البخاري رحمه الله ذكر هذه العقيدة " أي عدم الخروج على الولاة " وقال : " لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم : أهل الحجاز ، ومكة ، والمدينة ، والكوفة ، والبصرة ، وواسط ، وبغداد ، والشام ، ومصر ، لقيتهم كرَّاتٍ ، قرناً بعد قرن ، ثم قرناً بعد قرن ( أي طبقة بعد طبقة ) ، أدركتهم وهم متوافرون منذ أكثر من ستٍّ وأربعين سنة ، أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين ، والبصرة أربع مرات في سنين ذوي العدد ، بالحجاز ستة أعوام ، ولا أُحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدِّثي أهل خراسان - وسمَّى عدداً من أهل العلم - ثم قال " فما رأيت واحداً منهم يختلف في هذه الأشياء - أي ترك الخروج على الولاة - " .

    فتأمل هذا وأدرك نفسك على مذهبهم قبل أن يُحال بينك وبين الحق .

    وروى أيضاً - أي اللالكائي - في شرح أصول الاعتقاد ( 321-323) أنَّ أبا حاتم وأبا زرعة الرازيان فقد قررا هذه العقيدة - عدم الخروج على الحاكم - فقالا : " أدركنا العلماء في جميع الأمصار : حجازاً وعراقاً وشاماً ويمناً - إي على هذا - .

    قال النووي رحمه الله : " وأمَّا الخروج عليهم وقتالهم : فحرام بإجماع المسلمين ، وإن كانوا فسقة ظالمين ، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته ، وأجمع أهل السنة على أنَّ السلطان لا ينعزل بالفسق )) شرح صحيح مسلم ( 12/229) .

    وقال الطيبي في كتاب الكاشف عن حقائق السنن ( 7/181-182) : " وأما الخروج عليهم وتنازعهم هكذا فهم محرم بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ، وأجمع أهل السنة على أن السلطان لا ينعزل بالفسق ، لتهييج الفتن في عزله ، وإراقة الدماء ، وتفرُّق ذات البين ، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه "

    * ويطيب لي في هذه المناسبة أن أنقل مكالمة تمت مباشرة بواسطة الهاتف من ثوار الجزائر برؤوس الجبال بالشيخ العلاَّمة ربيع بن هادي المدخلي إمام الجرح والتعديل في هذا العصر بشهادة أكابر علماء الأمة في هذا العصر ، كالشيخ محمد ناصر دين الألباني ، وابن باز ، وابن عثيمين وغيرهم ، بتاريخ ( 2 رمضان 1420 هـ ) .

    · قال السائل : " لقد أدرك الأخوة عندنا هنا أنه لا سبيل للهدى وللحق إلا بالرجوع إلى العلماء - علماء أهل السنة - في هذا العصر وسؤالهم ، والتزام أقوالهم بعد ذلك ، وها نحن الآن نعرض عليكم أخطر قضية تجري اليوم على الساحة الجزائرية ، ألا وهي القتال القائم بيننا وبين النظام الحاكم منذ ثمن سنوات ، نريد أن نعرف رأيكم فيه مع أكبر تفصيل ممكن .

    عندنا تساؤلات نحتاج جداً أن تبينوا لنا وجه الحق فيها ، فنطمع منكم - يا شيخنا - في شرح وافٍ وشافٍ ، وأن تشرحوا لنا صدوركم ؛ عسى الله أن يرد على أيديكم من شرد عن الحق ليعود إليه والله المستعان .

    أوَّل السؤال : ما رأيكم في هذا القتال القائم في الجزائر ؟ وعلى أي أساس تبنون قولكم وموقفكم - يا شيخنا - علماً بأننا ننتهج المنهج السلفي ، ونرفع راية أهل السنة والجماعة ، ونبرأ إلى الله من الهجرة والتكفير الذين يرتكبون المجازر والمذابح ، ونبرأ إلى الله من الحزبيين الذين يدندنون حول الإنتخابات والتحزب وغبر ذلك ؟

    قال الشيخ : جزاكم الله خيراً ، أنا أولاً الآن أتهيأ للذهاب للصلاة في المسجد الحرام .

    أذكِّركم بما قد سمعتموه من فتاوى علماء وأئمة السنة في هذا العصر مثل الشيخ الألباني والشيخ ابن باز وابن عثيمين ، فهل سمعتم وقرأتم فتواهم ؟

    السائل : إي نعم بلغتنا ، ولكن حال دون الانتفاع بها بعض الشبه التي نحتاج إلى جوابها منكم يا شيخنا .

    الشيخ : إذاً تُؤَجَّل الإجابة عن الأسئلة هذه إلى أن أعود من الصلاة .

    ثم ضرب لهم الشيخ موعداً آخر من اليوم نفسه .

    ثم قبل انتهاء المكالمة قال الشيخ : أقول : بل أسألك سؤالاً سريعاً : كم نسبة السلفيين هؤلاء ؟

    السائل : هي أمة كثيرة - يا شيخنا - أمة كثيرة !

    الشيخ : طيب إذا كانوا سلفيِّين لماذا لم يرجعوا إلى العلماء قبل أن يدخلوا في هذه المشكلة ؟

    السائل : هم أصلاً كانوا يعتمدون في خروجهم على فتوى للشيخ ناصر الدين الألباني - يعني - فتوى قديمة ، ثم ظهر الآن أنها لم تكن - يعني - بتلك القوة وبتلك السلامة ، والله تعالى أعلم .

    الشيخ : خير إن شاء الله على كل حال البحث يجري بعدين إن شاء الله .

    وعند الموعد اتصل الثوار بالشيخ .

    قال السائل : نحن نحيطكم علماً أن الذي يكلمك الآن هم إخوانك المقاتلون من الجزائر ، وبالضبط المقاتلون : ( الجماعة السلفية للدعوة والقتال ) ، ونحن في إحدى كتائبها : ( كتيبة الغرباء ) البويرة - وهي مدينة قريبة من العاصمة شرقاً - .

    نعود طبعاً بعد أن بلغنا من كلام أهل العلم ما بلغنا أن نطرح عليكم بعض التساؤلات ، وكنا قد أعطيناك بدايتها في الصباح ، وها نحن نعطيك تفاصيلها إن شاء الله عز وجل .

    كما تعلمون - شيخنا -القضية بدأت بظهور الجبهة الإسلامية للإنقاذ على الساحة ، التحزب - يعني - المفهوم ذاك والانتخابات ، ثم توقَّفت الانتخابات وجرى ما جرى في تلك الفترة ، في " 92 " بدأ جماعة من التكفيريَّين عمليات القتل والجبهة الإسلامية للإنقاذ في إبَّان تلك الفترة كانت تدعم القتال بشكل إعلامي فقط ، وتحمَّس الشباب لذلك .

    بعد ذلك انتشر عند الإخوة أن الشيخ ناصر الدين الألباني قد أفتى بهذا القتال ، وقال " عجِّلوا ، عجِّلوا " وهناك شريط مسموع ، في هذه الفترة مع هذه الظروف الإعلامية ومع الظروف المتقلبة - يعني - أصبح الشباب يلتحق أفواجاً ، أفواجاً بهؤلاء المقاتلين .

    قال الشيخ : أسمعني الشريط الذي فيه كلام الشيخ الألباني " عجِّلوا ، عجِّلوا " .

    السائل : ماذا يا شيخ ماذا ؟

    الشيخ : أقول أسمعوني صوت الشيخ الألباني هذا الذي اعتمدتم على فتواه .

    السائل : الشريط موجود ، لكن الشريط بُنيَ على واقعٍ غير واقع الذي سأل الشيخ ، لم يعطه الواقع الصحيح ؛ أوهمه أنَّ ثمَّة عدّة ، وثمة (7) ملايين وهكذا ، فالشيخ قال عجِّلوا ، عجِّلوا ، كأنه أوهمه غير الواقع ، فكان هذا الذي كان .- هذه محاولة إلصاق التهمة بالشيخ الألباني ، ولكنها باءت بالفشل والذي يضحض هذا هو الشريط نفسه الذي يقول عنه السائل ، هو في سلسلة الهدى والنور برقم ( 440/1) -.

    ويتابع السائل كلامه ، قلت : مرت السنوات والشباب السلفي يلتحق بالمقاتلين بناء على أنَّ هذا القتال مشروع ومأذون فيه شرعاً ، ولم يصلنا كلامُ أهل العلم - يعني - الذي يمنع ذلك إلا في السنوات الأخيرة ، وكان كلامهم يدور دائماً حول أناس ، حول الخوارج ، وأنَّ الذين يقاتلون خوارج وأنهم يقتلون النساء والأطفال ، وهلم جرّا .

    لهذا كان الشباب السلفي لا يتأثر بهذه الفتاوى ؛ لأنه يقول دائماً لا تعنيه ، لأنه الشباب السلفي قط لم يقتلوا النساء ولم يقتلوا الأطفال / وليس على منهج الخوارج ، بل يتبرَّأون من ذلك تبرؤاً كاملاً !

    وإثر ذلك في عام " 96" م انقسمت الساحة القتالية إلى ثلاث طوائف :

    الطائفة الأولى : الجيش الإسلامي للإنقاذ ، وهذا تابع للجنهة الإسلامية للإنقاذ ، ومنهجهم هو التحزب والدعوة إلى رجوع الحزب والإنتخابات .

    والطائفة الثانية " جماعة التكفير " جماعة عنتر زوابري ، هذه التي قد سمعتم عنها في الإعلام مجازرها وفظائعها وسبيَها للنساء ، وحكمها بالكفر الجماعي للشعب الجزائري .

    طائفة ثالثة : " الجماعة السلفية للدعوة والقتال " هذه من جهة تتبرَّأ من المجازر والمذابح والتكفي العام ، ومن جهة تتبرَّأ من الحزبية ، ولا تطالب بانتخابات ، إنها خرجت ظناً منها أن هذا جهاد مشروع مبني على فتاوى العلماء ، وأن هذا عمل صالح ، إلى أن بلغها مؤخراً كلام كثير من أهل العلم ، العثيمين والفوزان وغيرهم من أهل العلم ، مما جعلنا في حيرة من أمرنا ، فها نحن الآن نعود إليكم ، ونستشهد إن شاء الله عز وجل ، ونبحث عن الحق حتى نعود إليه يا شيخنا فما رأيكم في هذا القتال وفق هذه المعطيات ؟

    الشيخ : أقول بارك الله فيكم :

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ، أما بعد ،

    فأرى أنك تفرَّق بين السلفيِّين وجماعة التكفير ؟

    السائل : إي نعم !

    الشيخ : وفهمت من خلال كلامك أنكم تتبرَّؤون ممن يكفِّر التكفير العام الشامل للشعب ، فهذا يعطيني على أنكم أيضاً تُكَفِّرون ؟

    السائل : إي نعم ، إي نعم ! نحن ليس على هذه الصورة ، وإنما على صورة أخرى .

    قال الشيخ : كيف تكفيركم ؟

    السائل : الجماعة يكفرون الحاكم ، لهذا خرجوا عليه .

    الشيخ : الحاكم والجيش والوزراء ومن حولهم ؟

    السائل : إي نعم ! كلُّ من دخل في طائفة الحاكم قاتلوه معه !

    الشيخ : قاتلوه على أساس أنه كافر ؟

    السائل : إي مش كفر عيني ، إي على أساس ليس كفر تعيين - يا شيخنا - ليس كل واحد من أفراد الطائفة يكفر كفر عيني !

    الشيخ : الحاكم الآن تكفِّرونه ؟

    السائل : أي نعم !

    الشيخ : لماذا تكفِّرونه ؟

    السائل : بناء على أنه نحَّى الشريعة الإسلامية وعوَّضها بقوانين وضعية ، وحارب المسلمين وأنه أفتى فيه الشيخ ناصر الدين الألباني كما أسلفت لك سابقاً .

    الشيخ : لا ! الآن ، الآن على فتوى الألباني الجديدة ؟

    السائل : الجديدة ؟ ها هنا وقع استغرابنا وحيرتنا يا شيخنا !

    الشيخ : الألباني يُكفِّر حكَّام الجزائر ، أو العثيمين ، أو الفوزان - يعني - قالوا بأن الحكَّام كفار ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله !

    السائل : لم يقولوا ذلك يا شيخنا .

    الشيخ : طيِّب ، وأنتم عندكم أن كفرهم بواح وفيه من الله برهان كأن قالوا بأن الإسلام هذا لا يصلح ، بأنه رجعية ، وأن القوانين هذه أفضل من الإسلام ، قالوا هذا ؟

    السائل : هذا لم نسمعه منهم يا شيخنا .

    الشيخ : إذاً ما عندكم دليل واضح على أنهم كفَّار الكفر البواح ، هذا يُعامل بما جاء في الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في موقف المسلم من الحاكم المنحرف .

    الحكَّام الذين تعرفون وتنكرون وقال فيهم : (( يهتدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي )) ، وأحاديث كثيرة جداً ، حتى أن الرسول لمَّا قالوا له : أنقاتلهم ؟ قال : " لا ما أقاموا فيكم الصلاة " يعني أنهم يُغّيِّرون في الإسلام إلى آخر شيء .

    إذا بقوا يصلون ويدعون الإسلام لا يقاتلون ولا يُخرَج عليهم ، هل عرفتم هذه الأشياء ؟

    السائل : نحن نسمع من فضيلتكم - يا شيخنا - نتعلَّم منكم الآن .

    الشيخ : إي بارك الله فيكم ادرسوا هذه الأحاديث وادرسوا كلام العلماء وادرسوا كلام الألباني ، وعليكم بطلب العلم .

    ثم أنا أسألك : هذه ثمان سنوات ما هي ثمار القتال ؟ ما استفاد المسلمون من هذا الجهاد ؟

    السائل : لحدّ الآن لا شيء يا شيخ !

    الشيخ : كم قُتل ، وكم من المال ، وكم من الأعراض انتُهكت ، وكم ، وكم …؟

    السائل : الكثير ! الكثير !

    الشيخ : الكثير ! الكثير ! أنتم أيدتم هذا الوضع ، أيَّدتم التكفيريِّين الذين يسفكون الدماء ، وتشجَّعوا بكم ، وعاضدتموهم ، وإن قلتم إنَّكم سلفيُّون ، وإنكم تخالفونهم في الرأي ، ولكنهم يستفيدون من وقوفكم إلى جانبهم ، وزادوا بكم جرأة على هذا الشعب فسحقوه سحقاً ، فلم يبقوا لهم ديناً ولا دنيا ! هل هذه الصفات يرضى بها الإسلام ؟

    السائل : لا يا شيخنا ! نحن قد جرى بيننا وبين هؤلاء قتال ونزاع طبعاً .

    الشيخ : السبب الذي أوصل الشعب الجزائري الذي كان متجهاً إلى السلفية بأمته وشبابه وفتياته ، جامعيين وغيرهم ، متوجهين نحو المنهج السلفي ، هذا الوضع أحسن أو حينما جرت هذه الثورة وهذه الفتن ؟

    السائل : الوضع الآن ليس بأحسن ، سيئة لحد الآن !

    الشيخ : أليس لكم عبرة في هذا ؟! أليس هذا برهاناً على أنَّ هذا الجهاد ، جهادٌ كان منطلقاً من جهل ، ومن فتاوى - يعني نسأل الله العافية - لم يستنجدوا بالعلماء ، واتخذوا أصحاب الشرور رؤوساً جهالاً ، فيفتون بغير علم ، فيضلُّون ويُضلِّون ، ولم يقفوا عند حد الضلال والإضلال ، بل تجاوزوه إلى سفك الدماء وهدم الإسلام .

    الإسلام هُدم في الجزائر هدماً شديدا شنيعاً ، بفعل هؤلاء !!

    وربما لو لم يتعجلوا ومشوا بالعلم والبصيرة لربما كانت دولة الإسلام في الجزائر ، ولكن لجهلهم وسوء نواياهم ؛ لأن نواياهم سيئة لا يريدون إلا الملك فقط ، لا يريدون إعلاء كلمة الله ، يريدون أن يتسنَّموا هم قمة الحكم ، ولهذا السبب جعلت الإنتخابات والديمقراطية والكلام الفارغ .

    وهم ليس لهم إلا مصارعة الحكام ، ولا هَمَّ لهم إلا أن يتسنَّموا قمة الحكم فقط ، ثم بعد ذلك يديرون ظهورهم للإسلام .

    فهؤلاء لو وصلوا إلى الحكم لزادوا الناس خوفاً وظلماً وابتعدوا عن الإسلام …

    السائل : شيخنا ! على حسب قولكم إذاً لا يمكن الحكم بكفر الحاكم من الحكام وإن كان يحكم بغير ما أنزل الله حتى يحكم عليه العلماء بذلك .

    الشيخ : نعم ! حتى يرى العلماء فيه كفراً بواحاً ، ثم بعد صدور الفتوى ، هل يُقاتَل أو لا يُقاتَل ؛ لأن الله يقول :

    {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ }(لأنفال: من الآية60) هذا إذا كان كافراً . أنا جاءني شباب في أول هذا القتال ، فقلت : أعددتم للقتال ، وهم كفار عندكم ؟ قال : لا !

    قلت ما عندكم قوة وهم عندهم طائرات ، وعندهم دبابات ، وعندهم كذا ، من ورائهم بريطانيا وأمريكا ، والدول كلها ، وأنتم ما عندكم شيء ، فأنتم ما أعددتم العدة التي ترهبون بها عدو الله ، قد أعددتم العدة التي تُطمِعون عدوَّ الله فيكم وفي الإسلام ، فلو كان الحاكم كافراً كفراً بواحاً ، لكان يجب أن يُرجَع في ذلك إلى العلماء ، فهم الذين يقدِّرون المفسدة والمصلحة ، ومتى يُشرَع القتال ومتى لا يُشرَع إلخ ، لا للسفهاء والجهلة وأصحاب الأهواء الطامحين إلى الملك ، فهذا من الخطأ ، وقد عرفتم حصاد هذا التهور .

    فعليكم بالتوبة إلى الله تبارك وتعالى ، فقد لا تسلمون من المسؤولية أمام الله في الدماء التي أُبيحت ، وفي الأعراض التي أُنتهكت ، وفي الأموال التي سُلِبَت ونُهبت ، فتوبوا إلى الله توبة نصوحاً ، فإنَّ عليكم المسؤولية أمام الله عز وجل ؛ لأنكم شاركتم هؤلاء ، فتوبوا إلى الله توبة نصوحا فيما وقع في حق المسلمين المظلومين ، ثمَّ شمِّروا عن ساعد الجد في طلب العلم ، والله يقبل التوبة .

    السائل : شيخنا ! إذا رؤساء المقاتلين لم يستجيبوا لهذه الدعوات الطيبة ، ما واجب كل مقاتل في حق نفسه ؟

    الشيخ : أقول بارك الله فيك : هؤلاء المقاتلون هل هم تكفيريون أم هم الذين يدعون السلفية ؟

    السائل : أقول الذين يدعون السلفية .

    الشيخ : الذين يدعون السلفية : أنا أظن أنَّ في سلفيتهم خللاً كبيراً جدَّاً ، بحيث لم يبق عندهم من السلفية إلا الإدعاء ، وإلا لو كانوا سلفيين ما خرجوا أولاً .

    وثانياً : حينما جاءتهم فتوى العلماء لعادوا أدراجهم إلى بيوتهم ، فأنا أعتقد أنَّ هؤلاء يحملون السلفية إسماً ، وليسوا صادقين في سلفيتهم ، ولو كانوا صادقين كما قلت ما دخلوا في هذه الفتنة ، ولو دخلوها لخرجوا منها بسرعة ، بمجرد سماع كلام العلماء .

    السائل : شيخنا ! ما هو واجب كل جندي الآن من المقاتلين ، إذا رؤسائهم أبوْا الاستجابة لهذه الدعوة الطيبة ؟

    الشيخ : حقه أن يتوب إلى الله ويرجع يا أخي ! هذا حقه يا أخي !

    هذا لا يجوز ؛ لأن الجهاد هذا أولاً : هو يُكفِّر الحكومة ، هذا حكم جائر لا شك أنه طاغوت ، القوانين الطاغوتية ، لكن هل كل واحد يؤمن بهذا الطاغوت ؟ حتى الحاكم نفسه يؤمن بهذا الطاغوت ؟ وهل نحن على بصيرة وعلى برهان واضح أنَّ هذا هو الكفر البواح ؟ ما فيه أدلة بارك الله فيك ، أخوه مسلم يصلي .

    على كل حال عنده على الأقل كفر ، وهذا ظالم لا شك ، فاجر ، لكنت لا يخرج من دائرة الإسلام إلا بدليل واضح كالشمس ، وكثير من المسلمين مكرهين .

    القتل كله في المسلمين والمساكين والضعفاء ، قد يكونون مكرهين ، ينبغي إدراك هذه الأشياء بارك الله فيك .

    فأوصي نفسي وإياكم بتقوى الله ، والتشمير عن طلب العلم ، وادرسوا هذه الأبواب خاصة دراسة واعية ، ادرسوا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره من كتب السنة والعقائد السلفية ، ومن جامع المسانيد لابن كثير ، وكتب الفقه ، وكتب ابن تيمية ، وابن القيم ، وادرسوا الأمور هذه تماماً .

    وقبلها ادرسوا العقيدة ، تمكَّنوا فيها ، والشريعة الإسلامية ، وتمكنوا فيها .

    والشعب الجزائري يحتاج إلى علماء ، ما يحتاج إلى مقاتلين جهلة فجرة ، ما يحتاج إلى هذا الصنف الذي أوصله إلى هذه الهوية السحقية من الجهل والضلال والفقر والضياع ، يريد علماء حكماء يسيرون بالأمة في الطريق الإسلامي الصحيح ، ويدفعون عنهم المفاسد ، ويقدِّرون المصلحة ويضعونها في موضعها ، والمفسدة يضعونها في موضعها ، ما يريد هؤلاء الناس الطائشين ، فتجنَّبوا هؤلاء ، عليكم بالعلم بارك الله فيك ، العلم والعمل وتقوى الله والإخلاص في كل ذلك ، وشمِّروا عن ساعد الجد لدعوة الناس إلى المنهج السلفي الذي هو دين الله الحق .

    - هذا الكلام جزء من شريط سمعي لإمام الجرح والتعديل في هذا العصر الشيخ العلاَّمة ربيع بن هادي عمير المدخلي - تسجيل إعلام كتيبة الغرباء - جرت هذه المكالمة في الثاني من رمضان عام " 1420" هـ - .



    - ملاحظة : تم نقل أقوال العلماء الأفاضل من كتاب " فتاوى العلماء الأكابر فيما أهدر من دماء في الجزائر " جمع وتعليق الشيخ عبد المالك بن أحمد رمضاني الجزائري ، بتزكية من العلاَّمة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله - .

    وقبل أن أختم هذه الرسالة أضع بين يديك أخي المسلم بعض من الأحاديث التي تشير إلى مدى حرمة المسلم عند الله تعالى وعظمة حرمة دمائه : ولكن قبل هذا سأذكر لهؤلاء الخارجين المارقين بعض الأحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن بدون تعليق عليها ، لهؤلاء الذين يخرجون على الحكام ويهيجون الناس للقيام بالمظاهرات والإفساد في البلاد من حرق للمؤسسات والشركات والله أعلم بعد ذلك بالتبعات ، قال صلى الله عليه وسلم : [ من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه ] . ( صحيح ) السلسلة الصحيحة .

    وجاء عن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس . قال حذيفة قلت كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك ؟ قال تسمع وتطيع الأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع )) .

    و عن أنس بن مالك قال نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( لا تسبوا امراءكم ولا تغشوهم ولا تبغضوهم واتقوا الله واصبروا فإن الأمر قريب )) رواه أحمد وقال الألباني إسناده جيد .

    وعن عوف بن مالك الأشجعي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( خيار أئمتكم [ أي حكامكم ] الذين يحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم [ أي يدعون لكم ] وشرار أئمتكم الذي تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنوهم ويلعنوكم قال قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك ؟ قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة لا ما أقاموا فيكم الصلاة ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة . رواه مسلم .

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية ولكن يأخذ بيده فيخلوا به فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه )) صحيح ظلال الجنة .

    وأما عن حرمة دماء المسلمين : أولاً من قوله تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} (النساء:93) .

    وقوله تعالى : { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً } (الفرقان:69) .

    اخوتي في الله ولعظم هذا الأمر [ أي أمر القتل ] ، فإن الاسلام لم يحرّم دماء المسلمين فحسب بل حرّم دماء المشركين والكافرين غير المحاربين قبل إقامة الحجة عليهم ودعوتهم للإسلام ، وكذلك من كان له عهد أو آمان عند أحد من المسلمين ، وكذلك أهل الذمة من أهل الكتاب وغير ذلك ممن لهم عهد وميثاق ، فهذه بعض الأحاديث التي وردت في هذا الباب :- عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : (( من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة ، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما )) " رواه البخاري " ومعنى يرح رائحة الجنة : أي لم يجد ريحها ولم يشمها . وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( من قتل رجلا من أهل الذمة ؛ لم يجد ريح الجنة ، وإن ريحها لتوجد من مسيرة سبعين عاما )) " رواه النسائي وهو صحيح انظر صحيح الترغيب والترهيب " . وعن عمرو بن الحمق قال : قال صلى الله عليه وسلم : (( من أمّن رجلاً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل ، وإن كان المقتول كافراً )) " رواه النسائي وهو صحيح أنظر صحيح الجامع "

    فإذا كان هذا بحق من قتل كافراً بغيرحق فكيف بقتل المسلم الموحد ، فالأمر جدّ خطير بل إنّ ترويع المسلم يعدّ جرماً وإنه من الكبائر فكيف بقتله . أنظر الى بعض هذه الأحاديث التي وردت بالنهي عن ترويع المسلمين فضلاً عن قتلهم :

    قال صلى الله عليه وسلم : (( لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً )) " رواه أبو داود ، أنظر الصحيح المسند " .

    و قال صلى الله عليه وسلم : (( لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يديه فيقع في حفرة من النار )) " رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه " .

    وقال صلى الله عليه وسلم : (( من أشار الى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه وإن كان أخاه لأبيه وأمه )) " رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه " .

    وقال صلى الله عليه وسلم : (( من حمل علينا السلاح فليس منّا )) " رواه البخاري عن عمر رضي الله عنه " .

    وأما قتل المؤمن فتلك الطّامة الكبرى ، إسمع أخي في الله بعض ما ورد من أحاديث المصطفى التي ترّهب من قتل المسلم :

    فقد روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه قال ، قال صلى الله عليه وسلم : (( لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً )) . أي يبقى المؤمن في أمل من أن الله تعالى سيقبل التوبة منه على ذنب اقترفه إن تاب الى الله مالم يسفك دما حراما ، عندها يضيق عليه حاله ويخشى عليه أن لا تداركه رحمة الله تعالى بالتوبة عليه فيكون من الخاسرين . ولهذا قال إبن عمر إنّ من ورطاة الأمور التي لا مخرج منها لمن أوقع نفسه فيها ، سفك الدم الحرام بغير حلّه . وكان يرى رضي الله عنه في عدم قبول التوبة للقاتل .

    وقال صلى الله عليه وسلم : (( كل ذنب عسى الله أن يغفره ، إلا من مات مشركا ، أو قتل مؤمنا متعمدا )) " رواه أبو داود والحاكم عن أبي الدرداء وهو صحيح أنظر صحيح الجامع " .

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سأله سائل فقال يا أبا العباس هل للقاتل من توبة فقال ابن عباس كالمعجب من شأنه ماذا تقول فأعاد عليه مسألته فقال ماذا تقول مرتين أو ثلاثا قال ابن عباس سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول يأتي المقتول متعلقا رأسه بإحدى يديه متلببا قاتله باليد الأخرى تشخب أوداجه دما حتى يأتي به العرش فيقول المقتول لرب العالمين هذا قتلني فيقول الله عز وجل للقاتل تعست ويذهب به إلى النار رواه الترمذي وحسنه والطبراني في الأوسط ورواته رواة الصحيح واللفظ له .

    وقد قتل أسامة بن زيد رضي الله عنهما رجلاً من المشركين بعد أن نطق بكلمة الإسلام وهو في المعركة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقال لا إلـه إلا الله ؟ فقال أسامة يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح . قال : " أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا ؟!" وفي رواية " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ . قاله مرارا . رواه مسلم .

    وفي رواية قال لأسامة بن زيد : أقتلته بعدها أن قال : لا إله إلا الله ؟ قال : إنما قالها تعوذا قال : ( هلا شققت عن قلبه ؟ ) وقال : ( إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم ) . ثم عاد وقال : أقتلته بعد أن قال لا إلـه إلا الله ؟!

    فما يزال يكررها حتى تمنيت - أي يقول أسامة - أنِّي لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم !! " رواه البخاري ومسلم ، أي تمنى رضي الله عنه لو أسلم بعد قتله حتى يغفر له ذنبه ، حيث من المعلوم أن الإسلام يجب ما قبله . فتامّل :

    1 - فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنعه كون القاتل هو حِبَّه أسامة من تعنيفه ، وتعظيم الجناية في عينيه ، خلافاً للمستخفين بدماء المسلمين / مع أن أسامة رضي الله عنه كان متأوِّلاً قاصداً نصرة الدين ، مقاتلاً لرجلٍ من المشركين ، لم ينطق بكلمة " لا إلـه إلا الله " إلا تحت بارقة السيف .

    كل القرائن توحي بأنه لم يُرِد بكلمة التوحيد إلا حقن دمه ، لا سيما وأنه مشرك من أصله ، مع ذلك حرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله ، بل عنَّف حبه هذا التعنيف الذي لم يُعهَد مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى تمنى أسام أنه لم يعرف الإسلام قبل هذه الحادثة ، فأين هم الذين يعرفون لكلمة " لا إلـه إلا الله " حُرمتها ؟!

    وعلى هذا ، فمن كان متأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجاملن هذه الجماعات والأحزاب الخارجة عن الحق وعن الهدي المستقيم الذين يهيجون الناس ويحرضوهم على الخروج والإقتتال ، كما لم يُجامل رسول الله صلى الله عليه وسلم حِبَّه أسامة رضي الله عنه .

    2- إنَّ الرجل المشرك لم يكن مسالماً ، ولكنه جاء مقاتلاً ، بل قتل من المسلمين عدداً ، بل كاد لا يسلم منه أحد ، كما قال جندب بن عبد الله رضي الله عنه : " …فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله … " رواه مسلم . وبعد أن ذكر قَتْلَ أسامة له ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لِمَ قَتَلْتَهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ وَقَتَلَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَتَلْتَهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي قَالَ وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ فَجَعَلَ لَا يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) رواه مسلم . إذا كان هذا في حق مشرك آذى المسلمين بسيفه وقاتلهم ، فكيف بقتل مسلمٍ قد يكون مصلياً مزكياً صوَّاماً ، كل ذنبه أنَّه شرطيٌّ أو عسكريٌّ ؟! فلا إلـه إلا الله ما أشد قسوة القلوب !

    قال عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما وقال ابن عمر رضي الله عنهما إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله " رواه البخاري والحاكم وقال صحيح على شرطهما .

    3- إنَّ إسامة بن زيد رضي الله عنهما وقع فيما وقع فيه ، ولم يسبق له أن عرف حُكمَ ما وقع فيه ، ولا كان لديه واقعة تشبهها فيقيس عليها حالته ، فكان لا بد من اجتهاده ، وكان لا بدَّ من وقوع أحد الأمرين : غمَّا قتل الرجل أو تركه .

    إذن فالفُرَص التي لديه محدودة جدّاً ، ولا سيما وهو في معركة ، وقد وجد بين يديه مشركاً شجاعاً ومقاتلاً قوياً ، لم يقدر عليه غيره . كلُّ هذه القرائن لم تشفع له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى قال فيه ما قال ! .

    فتأمَّل هذا - رحمك الله - متجرِّداً عن الهوى ، ومتدثِّراً بلباس التقوى .

    واعلم أن هذا التصرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو سيرته في الدماء ، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يتساهل في هذا الباب أبداً ، ومثله ما رواه جابر قال : خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه فقال هل تجدون لي رخصة في التيمم فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال : " قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي - أي الجهل - السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب شك موسى على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده " . رواه أبو داود ، وحسنه الألباني .

    فتأمَّل غضب النبي صلى الله عليه وسلم في حق نفسٍ مؤمنةٍ واحدة ! فكيف بمن يسطوا على أنفس مسلمة من الجيش والشرطة الآمنة في مراكزها مستحلي دماءهم بزعمهم أنهم كفرة أو أعوان للحكام الكفرة - زعموا - بل وصل الحال بهؤلاء المارقين أنهم أعملوا السيف والفأس في إزهاق أرواحٍ مسلمة ، كما حدث هذا في الجزائر في رمضان وهم يؤدون صلاة التروايح ، فكانوا يزهقون أرواح المسلمين ويذرونهم يتشحطون في دمائهم وأهلوه ينظرون ؟! .

    لقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الدعاء الشديد على مجاهدين مجتهدين في ظنهم ، ولقد حقت عليهم هذه الدعوة لولا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد قال : (( اللَّهُمَّ إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ آذَيْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَّارَةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) وفي رواية : (( فأيما أحدٍ دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل … )) متفق عليه .

    قال ابن تيمية - رحمه الله - : " فإنَّ هؤلاء أخطؤوا بغير اجتهاد ؛ إذ لم يكونوا من أهل العلم " .

    وعن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( يجثو المقتول يوم القيامة على الجادَّة - أي على الطريق الذي لا بد من المرور منه - ، وإذا مر به قاتله قال : يا رب ! قتلني هذا ، فيقول له : لِمَ قتلته ؟ فيقول : أمرني فلان ! فَيُعذَّب القاتل والآمر )) رواه الطبراني وهو حسن .

    وعن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق رواه ابن ماجه بإسناد حسن ورواه البيهقي والأصبهاني وزاد فيه ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار وفي رواية للبيهقي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

    ( صحيح لغيره ) وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول ما أطيبك وما أطيب ريحك ما أعظمك وما أعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك ماله ودمه اللفظ لابن ماجه .

    اخوتي في الله أعاذني الله وإياكم من الزيغ والضلال بعد الهدى ، وأن يجنبنا وإياكم الفتن ما ظهر منها وما بطن

    ونسأل الله تعالى لهذه الأمة المحمدية العفو والعافية

    آمين ، آمين ، آمين
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-10-02
  7. بدوي من شبوه

    بدوي من شبوه عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-10-01
    المشاركات:
    776
    الإعجاب :
    0
    تقول في نقلك
    (وتدعى أيضاً هذه الفتنة بفتنة التكفير ، حيث إنهم يقولون بخروج صاحب الكبيرة من دائرة الإيمان )


    فهات لي دليل على كلامك هذا ؟
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-10-02
  9. برق الجنوب

    برق الجنوب عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-09-28
    المشاركات:
    437
    الإعجاب :
    0
    [​IMG]

    [​IMG]

    [​IMG]


    مارايك يا أعرابي شبوة

    ولك التحيات

    أخوك برق الجنوب
     

مشاركة هذه الصفحة