التويجري يكتب عن النعمان.. في ذكرى وفاته

الكاتب : ابن الحالمة   المشاهدات : 696   الردود : 1    ‏2005-10-01
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-10-01
  1. ابن الحالمة

    ابن الحالمة عضو

    التسجيل :
    ‏2005-04-06
    المشاركات:
    112
    الإعجاب :
    0
    التويجري يكتب عن النعمان.. في ذكرى وفاته
    27/09/2005 نيوزيمن - خالد التويجري



    الأستاذ

    غدا ذكرى وفاة الأستاذ أحمد محمد النعمان (27 سبتمبر 1996م)، الصانع الأول لقضية الأحرار كما سماه رفيق دربه الأستاذ محمد محمود الزبيري.
    نيوزيمن ينشر مقالا نشر على حلقات في مجلة (المجلة) بقلم المثقف والسياسي السعودي خالد التويجري السكرتير الخاص للعاهل السعودي الملك عبد الله.

    ليس وفاءً.. بل واجب نقصر دونه.. المذكرات نوع من الظلال والقذف والظلم.. من لي؟ من يؤمنني من أهواء نفسي؟ لن أكتب مذكرات.. لن أجرح من جرح نفسه كما تراءى لي.. لن أحمل فأساً أهدم به هذا وأعفي منه ذاك... رحم الله قومي وأهلي من يمنيين وغير يمنيين.. لقد ودعت كل شيء لم يبق لي غير غربتي مع نفسي، ومع الناس، ومع الزمان والمكان

    أحمد محمد النعمان


    * تمر الأيام والسنون فلا يعيرها التاريخ التفاتاً، حيث لاتمايز بينها إلا بالأحداث التي تؤرخ بها، فسنة (1965م) قد لا تعني شيئاً بالنسبة للكثيرين، لكنها تتحول إلى شيء فريد إذا ما عرفنا أنها السنة التي توفى فيها (ونستون تشرشل) أعظم سياسي إنكليزي في عصره.
    كما أن سنة (1616م) قد لا يكون لها مكان في ذاكرة الإنسان وخاصة المفكرين والأدباء والشعراء إلا حينما تقترن بوفاة الكاتب الإنجليزي (شكسبير)..
    هذان رمزان عظيمان في بلادهما، بكتهما بريطانيا وخلدتهما في ذاكرة الأجيال من خلال تخليدها لإنجازاتهم وأعمالهم.
    إذن فالتاريخ يصنعه الإنسان وليس العكس..

    في السادس والعشرين من شهر أبريل، سنة (1909م) مر ذلك اليوم في طرقات (ذو لُقيان) قرية من قرى اليمن، كان يبحث عن حدث يستطيع من خلاله ذلك اليوم أن يجد له مكاناً متميزاً في التاريخ..
    طرق الأبواب فلم يفتح له أحد، وحينما عزم على الرحيل سمع صرخة آتية من دار في أسفل تلك القرية.. شده الصوت بحدته، فأسرع الخطى باتجاه تلك الدار، وحينما وصل إليها طرق الباب ففتح له صاحب الدار..
    بادره التاريخ قائلاً: صرخة من هذه؟ أجابه الرجل: إنها صرخة طفلي الجديد "أحمد محمد النعمان"..
    ومنذ ذلك اليوم لازم التاريخ (النعمان)، وتحرك من خلاله في أرض اليمن، وأصبح نديمه في حله وترحاله.. والسؤال الذي يطرح نفسه علينا: أين هذا الرجل في ذاكرة المؤرخ؟..

    ألأنه أحمد محمد النعمان نسته الذاكرة العربية وتجاوزته بصلف وغرور كما فعلت مع غيره؟
    لا أدري.. لكننا لو حاولنا أن نستنطق الكثير من شباب الجيل ونسألهم عنه لوقفوا طويلاً يبحثون عن الإجابة، وسيعودون بخفي حنين، فلا مكان للنعمان في ذاكرة شباب امتلأت مساحتها بالأقزام..
    إنه عصر المسوخ لكل الشخصيات العربية المؤثرة والفاعلة والمفكرة في تاريخنا العربي.
    واليوم سنعود لذلك النديم -التاريخ- وسنمسك بتلابيب ثوبه الفضفاض، مطالبينه بأن يتحدث لنا عن رفيق دربه.. عن حياته.. كفاحه ومعاناته.. فرحه وحزنه.. شقائه وغربته.. فذاكرة التاريخ مليئة بأسماء الرجال المؤثرين في تكوينه..
    من هذه الأسماء الأستاذ أحمد محمد النعمان فمن هو هذا الرجل؟ ولماذا بات علينا أن نكتب عنه؟ الإجابة على هذين السؤالين تاريخ بحد ذاته، يحتاج المؤرخ فيه إلى مقدرة متميزة لكي يتمكن من تحديد ملامح الإجابة.. ولأني لست مؤرخاً رأيت من المناسب أن أترك القلم في يد التاريخ ليخط لنا بعضاً مما يعرفه عن المعلم الكبير.. فمن خلاله نستطيع أن نرى الصورة أكثر وضوحاً، مستعينين في ذلك ببعض الوثائق التاريخية، والرسائل الخاصة التي أودعها النعمان جزءاً كبيراً من تاريخه وفكره وتصوراته.. وهي رسائل لم تر النور بعد..

    أما لماذا نكتب عنه؟ فهذا سؤال نقرأ إجابته من الذاكرة العربية.. فالبعض يرى النعمان رجلاً سياسياً، أو مناضلاً، لكن القلة هي التي تعرفه عقلاً مفكراً، وإنساناً خلاقاً، وروحاً نزاعة للخير متدفقة للحب.. فاليمنيون ينادونه بـ(أبو الأحرار).. وآخرون عرفوه وزيراً للزراعة في الحركة التي أطاحت بالإمام يحيى وأعلنت الميثاق الوطني سنة (1948م) ثم سجيناً نتيجة لفشل تلك الحركة.. أما جيل الثورة في اليمن فقد عرفه وزيراًَ للحكومات المحلية سنة (1962م) فمندوباً لليمن في الجامعة العربية.
    وهناك من يتذكره رئيساً لمجلس الشورى اليمني سنة (1964م).. ثم رئيساً للحكومة اليمنية مرتين.. الأولى سنة (1965م) والثانية (1971م).. وما بين تلك وهذه شرف النعمان الكثير من المناصب السياسية.. إلا أنه كان أكبر من ذلك كله.. فصغرت عليه المقاعد الحكومية.. ضاقت به فضاق بها..
    عرفته منذ أكثر من خمسة عشر عاما.. وكان قد هجر السياسة من غير رجعه.. كان ذلك أول لقاء لي بالرجل الكبير.. ومن يومها لم أترك مجلساً ضمه وعلمت به، إلا وحضرته، ولا قصاصة ورق كتبت عنه أو كتبها إلا وحرصت على قراءتها.. لقد شدني النعمان إليه وانتزعني من نفسي لنفسه بدماثة خلقه، وتفكيره، وتواضعه، كما شد الكثيرين غيري.. يقول في ذلك الكاتب العربي عبد الله القصيمي: "اعتقد أن الذين نحبهم لا نعجب بهم، وأن الذين نعجب بهم لا نحبهم.. وما أقل الذين نجمع لهم بين حبنا وإعجابنا.. فالحب والإعجاب لا يجتمعان في الغالب، لأن أسبابهما مختلفة.. فالإعجاب نوع من الرهبة والإكبار، وهو يتجه إلى الأعلى كالحقد الذي يصعد ولا ينزل في تحركاته إلا قليلا.. أما الحب فينطلق من الشهوة أو الرثاء أو الرحمة أو التوافق أو الشعور بالتفوق على المحبوب.. فالحب عطاء أو أخذ، أما الإعجاب فانبهار وانزعاج أو عجز.. فمن هذا الذي يستطيع أن يجمع بين حبنا وإعجابنا.. بين من لا يجتمعان؟.. إذا ما جلست إلى الشيخ أحمد للمرة الأولى فستشعر أن الحدود بينك وبينه قد تلاقت ثم تداخلت وتلاشت.. ولن تشعر حينئذ أنك محصور في حدودك أمام حدود أخرى تشعرك بالغربة أو بالوحشة أو بالحراسة.. ستجد نفسك التي ظللت عنها، ومعانيك الفاضلة الحبيسة الحائرة تتحرك وتنطلق وتلتقي بك.. ستجد ذخائر الإنسان فيك ومفاهيمه العليا بفيض وحنان وسهولة.. ستلتقى للمرة الأولى بالإنسان المختبئ في نفسك والمختبئ في الإنسان -الآخر- والذي تدرك أنه موجود وإن كنت لا تلقاه ولا تعرف مكانه!! ستجده في النعمان الذي انتصرت فضيلته على أقوى الرذائل وأفتك الأحقاد وأشرس المخاوف والشكوك..!".
    بهذه الكلمات يفتح المفكر العربي عالم النعمان لنا.. سندخله لتقرأ فيه ونتعلم منه مالم يعلمنا إياه معلم العصر..

    ** ليس كثيراً القول أن (النعمان) أصدق الشهود على واحدة من أهم مراحل تاريخ اليمن.. وقد أهله نضاله وأدبه وتواضعه، ليكون هذا الشاهد الذي مايزال يشغلنا حتى اليوم، فترانا نكتب عنه.. فلم يُعرف عنه أي تصرف مشين أو معيب، حتى من كان يختلف معهم.. ففي رسالة بعث بها سنة (1936م) إلى الأمير أحمد، ولي عهد اليمن آنذاك يشرح فيها أسباب هجرة اليمنيين، لم يتجاوز أدب النصيحة وهو المعارض، ولم يسيء الخلق وهو الغاضب..
    أبداً.. لقد كان يدرك أن المساس بأميره مساس برمز وطني.. يقول له في تلك الرسالة التي أسماها (الأنة الأولى): "يا صاحب السمو: يرفع المهاجرون من رعيتكم المخلصون إلى مسامعكم شكواهم، ويبثون ما في نفوسهم، ويشرحون آلامهم، غير هيابين ولا وجلين لاعتقادهم أنهم يخاطبون منقذاً عظيماً، وزعيماً مخلصاً رحيماً..
    إن أشد آلام الإنسان -يا صاحب السمو- الألم الذي لا يستطيع أن يشكوه، وما أشد آلام رعيتكم، وما أعجزهم عن الشكوى، بل وما أخوفهم من الأنين والتوجع والتأوه.. أناشدك الله إلا ما أصغت سمعك لشكوانا، ولو كان فيها ما لا يطاق سمعه ولا يحتمل وقعه، فالمريض المشرف على الهلاك يضطر لبث آلامه تفصيلا لا إجمالا، حتى يتمكن طبيبه من العلاج.. رجاؤنا إليك أن لا تتأثر -يا صاحب السمو- بأي فكرة يروجها من لا خلاق لهم، كي تظل فضائحهم ومظالمهم في طي الخفا... لقد أغلقت في وجوهنا -يا صاحب السمو- أبواب العدل، وانسدت علينا طرق الإنصاف، وضرب بيننا وبين جلالة إمامنا بحجاب، فوقف لنا العمال والحكام وزبائنهم بكل سبيل وقفة الذئاب أمام الشياة!!".
    بهذه الكلمات خاطب المصلح (النعمان) أميره (المتوكلي).. فلم يسمح للهواجس والظنون أن تأخذ لها مساحة على الورق، أو أن تحدد نوع العلاقة وطبيعتها فيما بينه وبين الأمير.. لقد كان نزاعاً إلى إثارة مكامن الخير في نفس أميره.. كان مؤمناً بها.. لم يدفعه نفاد الصبر أو الملل إلى التآمر وسفك الدماء.. ففي سنة (1948) أطاحت حركة الأحرار بالإمام يحيى، فعاد النعمان إلى اليمن من مهجرة في عدن، وعين وزيراً للزراعة في الحكومة الجديدة، إلا أن الحركة فشلت فأعدم من أعدم، وأسر من أسر، وكان النعمان أحد نزلاء سجون (حجه).. يقول عن ذلك في رسالة بعث بها إلى صديق له سنة (1985): (بعد قيام حركة (1948) التي فشلت بقيادة عبد الله بن أحمد الوزير وانتصر فيها الإمام أحمد فأعدم الكثيرين ممن أدينوا بمباشرة قتل الإمام يحيى، وبالتآمر على القتل، اعتقلت مع المعتقلين سنوات في سجون (حجه) حتى عفا عني الإمام أحمد لأني لم أكن مشتركاً في قتل أبيه ولا متآمراً على القتل، وقد أطلق كلمته الشجاعة في وجوه المحرضين له على القتل فقال: "تالله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده")..
    رحمك الله أيها الإمام أحمد.. لقد كنت نافذ الرؤية.. عادلاً في حكمك، لم تأخذك مشاعر الثأر والحقد بعيداً عن نزعات الخير في نفسك، فقد كنت خير من يعرف (النعمان) ويعرف دخائل نفسه وسريرته، ولولا هذا لما عفوت عنه وقلت قولك المأثور..

    يواصل (النعمان) رحلته مع الإصلاح، فيواجه أحداث (1955) التي قام فيها الأمير عبد الله (شقيق الإمام أحمد) وبعض أخوته بالاتفاق مع الضابط أحمد الثلايا بانقلاب أبيض محاولين حمل الإمام على التنازل عن العرش لأخيه.. وخلال حصار الإمام أحمد في قصره طلب من البدر (ابن الإمام) الإفراج عن بقية المسجونين ليتعاونوا معه، وسافر إلى المملكة العربية والسعودية للاجتماع بالمسئولين فيها وبالوفد المصري لتتعاون الدولتان على حل مشكلة اليمن، وعاد من المملكة إلى تعز بعد فشل حركة الأمير عبد الله مرافقاً للوفد السعودي برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد (وزير المعارف آنذاك) والوفد المصري برئاسة السيد حسين الشافعي.

    وتتوالى محاولات النعمان للإصلاح، فيسافر ثانية للملكة مرافقاً للأمير البدر لحث السعوديين على إقناع الإمام أحمد بضرورة تحسين الأحوال.. وبرغم محاولاته اليائسة لإقناع الإمام بتغيير سياسته وانتهاج سياسة جديدة مستعيناً برجالات العرب سراً وعلانية إلا أنه لم يفلح.. فخرج إلى المملكة للمرة الثالثة مع وفد برئاسة الأمير البدر، وكان قد تمكن اليأس من نفسه في إقناع الإمام أحمد بآرائه الإصلاحية الذي كاشفه بقول الشاعر:

    إني لأغمض عيني ثم أفتحها على كثير ولكن لا أرى أحداً

    وفي الثامن من أغسطس (1955) تخلى النعمان عن الوفد، كما تخلى عن آخر منصب له في العهد الإمامي فهاجر إلى مصر مستأنفاً نشاطه السياسي في العلن.
    لقد كان النعمان وطنياً مخلصاً، يرفض أن تفرض القوة لغتها، وتبطش بيدها، وتسفك الدماء، حتى وإن كان الهدف إصلاحياً.. كما كان يرفض أي تدخل في شؤون اليمن الداخلية وهذا سبب آخر في شقاءه ومعاناته، فعندما قامت ثورة 26سبتمبر 1962م وأعلنت الجمهورية استدعى من القاهرة للمشاركة في الحكم فأسند إليه منصب وزير الحكومات المحلية، ولأنه كان معارضاً لسياسة الانتقام والحرب التي انتهجتها الحكومة اليمنية بقيادة الرئيس السلال، نفي إلى القاهرة مع مجموعة من الشخصيات اليمنية..
    وعندما يتذكر النعمان ذلك نجده يقول في رسالة لأحد أصدقائه سنة (1985م) "إن حركة (1962) التي قام بها بعض الضباط والقبائل والتجار كانت بمساندة فعلية وتحريض صريح وتدخل سافر من مصر في عهد الرئيس عبد الناصر، وقد تصدرها المشير عبد الله السلال والدكتور عبد الرحمن البيضاني.."
    إن هذه النظرة للنعمان تجاه المساندة الفعلية والتحريض الصريح لتدخل حكومة مصر آنذاك لم تأت من فراغ، فقد كان يشعر بأن تلك الخطوة هي الأولى في خطوات ستجلب لليمن المتاعب وتجره بعيداً عن خططه الإصلاحية..
    نُفي النعمان من قبل رجال الثورة (الإصلاحيين!!) واعتقد البعض أنها نهاية مشواره مع الإصلاح، فالنظام تبدل وحل محله نظام جديد..
    لكن النعمان لم ير الاختلاف في نوع النظام، أو شكله بل رآه في بعض مواقف رجاله.. وها هو يرى الأخطاء ذاتها تستفحل على يد النظام الجديد..
    ولأنه النعمان بجَلَده وقوته وصبره تتحرك بوصلة التاريخ تجاهه فيحركها صوب العودة من منفاه إلى اليمن...

    *** عاد النعمان إلى اليمن من منفاه سنة (1964) رئيساً لمجلس الشورى، واستمر يحاول مع أنصار السلام والاستقرار إقناع المسؤولين عن الحرب بضرورة العدول عنها واللجوء إلى المصالحة الوطنية.. لكنه لم يفلح في مسعاه.
    وفي سنة (1965) كُلف بتشكيل الوزارة، فكان أول عمل قام به عقد مؤتمر السلام في (خمر) هدفه: المصالحة الوطنية، وتعديل الدستور، وقيام مجلس الشورى ومجلس جمهوري.. لكن الرئيس السلال تمسك بخيار الحرب فاضطر النعمان إلى تقديم استقالته آسفاً..
    من أغرب الأحداث التي واجهها النعمان اعتقال السلطات المصرية له مع عدد كبير من المسؤولين اليمنيين عندما كانوا في زيارة رسمية للقاهرة، فزج بهم في السجون الحربية بأمر من الرئيس جمال عبد الناصر، وفي ذلك يقول الأستاذ النعمان في رسالة لأحد أصدقائه: "بعد الخلاف مع الرئيس عبد الناصر وأنصاره عام (1966) ورفضه لنصحي ورأيي ومصارحته لي بقوله: "أنت مش حتقنعني لا شعراً ولا نثراً" ثم تم اعتقالي في مصر عاماً و22يوماً، في زنزانة مغلقة مع المجموعة الكبيرة التي بلغ عددها نحو ستين شخصاً مدنيين وعسكريين"..
    وفي رسالة أخرى يقول النعمان عن ذلك: "عندما وقفنا أمام السجون أنا وزملائي ورجال حكومتي آنذاك، فإذا مكتوب على باب السجن (السجون الحربية للتأديب والتهذيب والإصلاح!!).

    يدخل النعمان إلى السجن الحربي في مصر لكن روحه المكابدة تبقى في عنفوانها وصبرها وسخريتها.. فقد روي عنه أنه عندما كان في الزنزانة طلب من الحارس لأن يفتح له الباب للذهاب إلى دورة المياه، فأجابه الحارس، ليس الآن وقت ذهابك (للحمام)..
    ابتسم الأستاذ الكبير، وأمسك بورقة صغيرة وكتب رسالة إلى عبد الناصر قال فيها كلمته المشهورة "جئنا نطالب بحرية القول فأصبحنا -يا فخامة الرئيس- نطالب بحرية البول".. ولعل هذه الرسالة كانت أحد أسباب إفراج الرئيس عبد الناصر عنه سنة (1967).. فسافر إلى بيروت وهو أكثر اقتناعاً بضرورة تحقيق أهداف مؤتمر (خمر) للسلام..
    وفي بيروت يُعين النعمان عضواً في المجلس الجمهوري الذي تم إعلانه عقب انتفاضة 5 نوفمبر (1967).. وفي ذلك يقول في رسالة خاصة لصديقه: "بعد حركة المشايخ عام (1967م) ضد العسكريين وإعفاء المشير السلال من رئاسة الجمهورية وقيام مجلس جمهوري يمثل رئاسة الدولة ويتألف من القاضي عبد الرحمن الإرياني، والأستاذ أحمد محمد النعمان، والشيخ محمد علي عثمان، أعلنت استقالتي من عضوية المجلس حين رفض رأيي في المصالحة الوطنية ووقف الحرب الأهلية بين أنصار الملكية والجمهوريين".

    هذا الموقف المشرف دفع بالسلطات اليمنية إلى إصدار قرار بسحب جنسيته وطعنت في وطنيته عبر وسائل الإعلام..
    كل ذلك لم يردع المناضل اليمني من مواصلة نضاله، فعاد سنة (1971)إلى اليمن بعد أن تحقق السلام وتمت المصالحة الوطنية فعين عضواً في المجلس الجمهوري..
    إلا أنه يستقيل مرة أخرى بعد قيام مجلس الشورى، فيكلف للمرة الثانية بتشكيل الحكومة، لكنه لا يلبث أن يقدم استقالته لعدم القبول بسياسته المالية.

    في 18نوفمبر (1973) انتخب عضواً في المجلس الجمهوري بالإضافة إلى عضويته في المكتب السياسي للاتحاد اليمني.. وفي 13يونيو (1974) وضع النعمان حداً لمشواره السياسي فاستقال من المجلس الجمهوري، وغادر اليمن مع الرئيس عبد الرحمن الإرياني إلى دمشق فبيروت.. وخلال تواجده هناك (كُرم!!) رجل اليمن باغتيال ابنه (محمد) وزير الخارجية اليمني آنذاك في بيروت، ثم استقر به المقام في المملكة العربية السعودية، وهناك راودت النعمان فكرة الهجرة إلى مصر، فعلم بذلك صديقه عبد الله القصيمي الذي اختار القاهرة منفاً اختيارياً له فبعث برسالة له، قال فيها: "إلى الرجل بكل تفاسيره، ونماذجه وفي مواجهاته لكل الظروف والحالات والأحداث.. إلى شامخ التاريخ والهامة والذات والقلب والعقل.. إلى الأستاذ أحمد محمد النعمان.. لقد ازددت حباً واحتراماً وتقديراً لجلالة الملك فيصل، ولكل آل سعود، ولكل رجال المملكة، لما أضفوا عليك من حب وحنان واهتمام ورعاية، ومن كل ما أنت به جدير وله أهل.. ولقد أدركت الفرق جيداًُ بينهم وبين هؤلاء العسكر المتعاقبين على سرقة الحكم والسلطان، بالانقلابات المتآمرة البائسة القبيحة.. وإنكم لتعلمون أني كنت أدرك كل هذه الفروق بين هؤلاء وهؤلاء قبل أن نصاب بكل هذه التجارب المريرة الرهيبة التي أوقعها بنا وبكل العالم العربي هؤلاء العساكر العرب، السارقون للحكم والسلطان والمجد.
    أيها الإنسان الكبير.. علمت أن هناك فكرة تقول بانتقالكم إلى القاهرة للإقامة..لا..لا.. أيها الإنسان الكبير.. إن مكة والمدينة والرياض يرفضن ذلك.. وإن استقبال جلالة الملك فيصل وآل سعود لكم وحبهم ورعايتهم وتكريمهم واهتمامهم بكم ليرفض هذه الفكرة.. وإن ذكرياتكم عن القاهرة، ومن هذه الذكريات اعتقال رجال دولة اليمن حينما جاءوا زواراً وضيوفا وباحثين عن المشورة وعن الحب والمنطق والصدق والإنقاذ والفروسية العربية.. نعم.. إن هذه الذكريات لترفض هذه الفكرة.. ترفضها بغضب وكرامة وانفجاع بل وذهول.. إن منطق وأخلاق وضمائر جميع الأشياء لترفض ذلك، ترفض دون أن تقبل حتى مجرد الحوار فيه.. إن هواي أن تكونا في القاهرة ولكن حبي ومنطقي يرفضان بل وينكران هواي هذا.. (كتب في 19/8/1974م)..

    ويبقى النعمان في المملكة حتى سنة 1987 حيث يذهب في رحلة علاج رحبة إلى جنيف زاحمته فيها الذكريات والآلام، فلا هو بالذي استسلم لها ولا هي بالتي تركته.

    **** يبقى الكبير كبيراً حتى لو حاول بعضهم النيل منه.. يتقاصر دونه الأقزام ويبقى شامخاً أمامهم.. إن نظروا إليه اضطروا لرفع رؤوسهم لرؤيته، وإن نظر إلى موضع قدمه رآهم حوله منتشرين.. وهكذا النعمان.. عرفناه كبيراً مهيباً شامخاً، عفيفاً.. لا يتبع أهوائه أو شهواته، فعندما كتب له أحد الأصدقاء مشيراً عليه بأن يبدأ في كتابة مذكراته، أجابه الرجل الكبير قائلاً: "هنا تموت الكلمات على فم القلم، وتتجمد أناملي، وترتعش يدي خوفاً من محاصرة الذكريات والأحداث لشيخوختي التي لا تحتمل..
    ترك كل شيء.
    ليظلمني من ظلمني - سامحه الله- أو يذكرني بالخير من يذكر - جزاه الله خير- فالمذكرات في فهمي نوع من الظلال والقذف والظلم.. من لي؟ من يؤمنني من أهواء نفسي؟ كفى أيها الأخ عذاباً.. لن أكتب مذكرات.. لن أجرح من جرح نفسه كما تراءى لي.. لن أحمل فأساً أهدم به هذا وأعفي منه ذاك... رحم الله قومي وأهلي من يمنيين وغير يمنيين.. اختلفت كثيراً وحملتني تصوراتي على معاداة حكام بلدي وأئمته من اجل شعب اليمن، وطال الخلاف، ودخلت السجون، وشردونا، وشُرّد أهلنا وشردت عائلاتنا وآخر المطاف سجن الرئيس عبد الناصر.. لقد ودعت كل شيء لم يبق لي غير غربتي مع نفسي، ومع الناس، ومع الزمان والمكان".

    لقد جئت -يانعمان اليمن- في الزمان والمكان الخطأ، وكنت سابقاً لعصرك.. متحركاً يقلق الآخرين بحركته.. عاداك الكثيرون..
    لكنهم عجزوا أن يكبحوا الإنسان الخلاق في ذاتك، وجبنوا عن أن يغتالوك كما فعلوا بنجلك (محمد).. لقد كانوا يخافون التاريخ.. لأنهم يخافون أنفسهم، وصدق القصيمي حين قال: "إن اليد التي انبسطت بالقتل والتمثيل إلى الأصهار والأقارب والأشقاء قد جبنت أو سحرت، فلم تستطع أن تمتد إلى الشيخ أحمد وكان في قبضتها، لقد كان المعنى الكبير والفضيلة العزلاء في هذا المجاهد الصابر، أقوى من معنى الإثم والجريمة في إخافة الطغيان وتجريد نفسه من معنى الأخوة ومعنى الإمارة، ومعنى السيادة، ومعنى الأسرة، ومعنى التاريخ!!.. فيد هذا الطغيان التي لا تهب إلا الموت والخراب قد جرأت على قتل هذه المعاني والتقاليد والمقدسات في الأشقاء السيوف -سيوف الإسلام- ولكنها- وهذا هو القدر الغامض أو القدر المفسر- قد تراخت ثم انهزمت وعجزت أمام المعنى الكبير والفضيلة العزلاء!! لقد أحس الحكم الطاغي أنه يواجه في الشيخ أحمد فكرة المستقبل وشخصية الشعب اليمني المنتظرة، إنني أحترم هذا المجاهد الصابر لأنه فكرة، وإنسان، ومحبة، وأحترمه مرة أخرى لأنه حياة وليس تاريخاً.. وأقدر فيه هذا المغزى الكبير.. أقدر فيه أنه من هناك.. وأنه نتيجة صحيحة من غير مقدمات، ونغم من غير أوتار.. لقد أعطى للميت روحاً.. وأعطى للروح أملاً.!".

    لقد عانى النعمان من أهله وقومه.. من تاريخه وواقعه.. من نفسه القلقة.. وذلك أمر طبيعي لرجل يصنع التاريخ فيؤثر به ويتأثر منه.. إنه الشخصية الحاضرة والمتفاعلة والمتجددة، وهو الرمز في ذاكرة الزمن وذاكرة الأجيال.. أعطى، فتفانى، فأجزل العطاء.. ولم يقف عند أول عقبة واجهته ويقول اكتفيت.. أبداً.. لقد أتعب النعمان خصومه ولم يتعبوه.. كان في سباقه الطويل مع النضال الأسرع، والأقدر، والأميز، ولأنه كذلك سبق المرحلة وتجاوزها..
    ومن هذه حاله وطموحاته لابد أن يشعر بأنه لم يحقق شيئاً، وبهذا أحس النعمان فكتب لصديق له سنة (1405) قائلاً: "أخي إذا قرأت هذه الرسالة لا تأخذها عاطفة لشيخ هرم بلغ من الكبر عتيا، أو تظن أن إرادته قد نحتها الدهر وعصف بها.. أبداً.. أبداً.. إن الإرادة والإيمان لا يضيعان في وحشة الطريق وضبابه عند الرجل المؤمن والشجاع.. اليوم ويدي صفر من نتيجة آمالنا الكبار التي سقط من أجلها الشهداء في اليمن وفي الوطن العربي الكبير وسائر أقطار الإسلام، لا شيء أقوله إلا اللهم لطفك ورحمتك بعبادك الضعفاء.. فعالم الأقوياء والسفهاء والمجانين والمتطرفين والحاقدين والدجالين والمنافقين والعصابات الإرهابية والزعامات الصارخة المجنونة التي خرجت من المجهول في القرن العشرين، والتي، لا نعرف من أين أتت وفي أيه تربة نبتت.. هذا العالم بكل هذه الفئات يكاد يعصف بإيمان أشد الناس إيماناً ويزلزل يقينهم..".

    إنه عصر الجحود -يانعمان- لا مكان فيه للرجال الكبار، ففي عالم النفاق والمادة، يتحرك بعض المؤرخون على أرض القوة لتجسيد أعمال سادتهم.. أما أنت أيها الشيخ الجليل فستبقى في ذاكرة الزمن إلى أن تمتد يد المؤرخ النزيه إليها فتثير البلادة فيها.. وإلى أن يحين ذلك سأبقى متذكراً أبيات أمير البيان الأمير (شكيب أرسلان) والتي حفظتها عنه أيام مصاحبتك إياه، فأصبحت أنيسك ترددها في كل حين:
    يساورني طول الدجى وأساوره
    ملال وطرفي ساهد الليل ساهره
    ولولا التقى ناديت يا حبذا الردى
    وقلت متى تلقى إلى بشائره
    لعمرك ما في العيش أرب لعاقـل
    توغل في علم الحقيقة خاطره
    تسلسل آلام وترداد محنة
    تراوحه في صبحه وتباكره
    وخيبة آمال وفقد أحبة
    وبعد طوال السجن فالموت آخره

    ويبقى النعمان المناضل والمصلح والمفكر مع آلامه وأحزانه، يعايشها في بلاد الغرب طريح الفراش، عزاؤه في ذلك ما قاله في رسالة بعث بها إلى صديقه فقال: "عزائي هو أن كل شيء في مجتمعنا يراق ويضيع، وخاصة الفكر والمفكرين والمخلصين الناصحين.. سأودعك - يا أخي- بهذه الرسالة.. ومن يدري فقد تكون وداعاً للحياة غداً أو بعد غد.. إنه قدر لا مهرب منه ولا يخافه إنسان عاقل "وماتدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت".."..

    أضع قلمي الآن مودعا (أبو الأحرار) وما كرهت في حياتي لحظة مثل هذه اللحظة.. فكم كان بودي أن لا تقف الرحلة أبداً..

    فعذراً يا شيخي الجليل إن قصرت عن الواجب.. فما أنا سوى صدى للذكرى رفض أن تمتصه صخور الوادي فأراق نفسه على الورق..
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-06-30
  3. الامام الصنعاني

    الامام الصنعاني عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-06-23
    المشاركات:
    1,771
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله خيرا علي هذا الكلام عن الزعيم النعمان والذي اتمني ان يكون معظمه صحيحا ... لكن كما قيل قديما ان الثورة يقوم بها الابطال وينحرق بها الشرفاء وياكل منها الجبناء ولا حول ولا قوة الابالله .....
     

مشاركة هذه الصفحة