حنان الأم وحليبها .....

الكاتب : أبومطهر   المشاهدات : 480   الردود : 0    ‏2005-09-30
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-09-30
  1. أبومطهر

    أبومطهر قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-05-17
    المشاركات:
    3,631
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم


    الحمد لله ، ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ،وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومَن والاه ومَن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنـا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

    أيها الإخوة المؤمنون ... لا زلنا في البيت المسلم ، لو أن الإنسان تأمَّل في تلك الطبيعة البشرية التي طُبِعَ الإنسان عليها ، كيــف أن الأب والأم مفطوران علـى حُبِّ الوَلَد ، فإن كل رعايتهما ، وكل عطفهما، وكل حنانهما ، وكل رحمتهما إنما هي فطرةٌ فُطِرا عليها ، فليس في القرآن الكريم آيةٌ واحدة تدعو الآباء والأمهات إلى أن يرحموا الأبناء ؛ لأن هذا فطرةٌ في طبع الإنسان ، رحمةً بهذا الإنسان ، استمراراً للنوع الإنساني ، ضماناً لتربية الصغار ، أودع الله عز وجل في كل أبٍ وفي كل أمةٍ دَفْقَةً من العطف ، والحنان ، والرحمة ، والعناية ، والشفقة ،والرأفة بأولادهما .

    ولكن بر الآباء تكليف ، والآن نستخدم هذين المصطلحين ؛ طبعٌ وتكليف ، رحمة الآباء بالأبناء طبعٌ ، وبِرُّ الأبناء بالآباء تكليف ، ومن أجل أن تتحقّق العدالة فكل أبٍ كان طِفلاً ، تلقى رحمةً من أبويه ، تلقى عطفاً وعليه أن يَرُدَّ هذا الذي تلقَّاه منهما بحكم الفطرة عليه أن يردّهما بحكم التكليف .

    فيا أيها الإخوة المؤمنون ... لو تأمَّلتم في بديع صُنع الله عز وجل ، أية أم ؛ مؤمنةٌ ، غير مؤمنةٍ ، مستقيمةٍ ، غير مستقيمة ، تعرف الله ، لا تعرف الله ، أية أم أودع الله في قلبها العطف والرحمة والحنان، ضماناً لتربية الأولاد ، استمراراً للنوع البشري ، هذه فطرةٌ في الإنسان ، والشيء الذي فُطِرَ عليه الإنسان لا يُكَلَّفُ به ، فالإنسان مفطورٌ على حب الطعام والشراب ، فإذا أقبل على الطعام والشراب لا يرقى بهذا لأنه مفطورٌ عليه ، مفطورٌ على حب المال ، فإذا أخذ المال لا يرقى ، ولكن دفع المال تكليف ، أن ينظر إلى امرأةٍ في الطريق هذا مما حَبَّب الله إليه هذا ..



    (سورة آل عمران : من آية " 14 " )

    ولكن غَضَّ البصر تكليف ، والإنسان لا يرقى إلا بالتكليف ، إذا عاكس فطرته ، إذا عاكس ما أودعه الله فيه ابتغاء مرضاة الله عز وجل عندئذٍ يرقى ، يرقى الإنسان بغض البصر ، ويرقى بدفع المال ، ويرقى ببر الوالدين ، ويرقى بالسُكوت عن الغيبة والنميمة ؛ طبيعة النفس تحب أن تسترسل في الحديث عـن الناس ، فإذا ألجمها الإنسان يرقى ، التكاليف في أصلها تُخالف طبيعة النَفْس ، من أجل أن يرقى الإنسان إلى الله عز وجل ، فبر الآباء بالأبناء طبعٌ ، ولكن بر الأبناء بالآباء تكليف .

    فلذلك لو تأمَّلتم صنع الله عز وجل لوصلتم إليه ، ولو تأمَّلتم طبيعة الإنسان ؛ كيف أن الأب والأم شغلهما الشاغل ، أهدافهما ، طموحاتهما ، أن يكون أبناؤهما في أجمل حال ، في أهدأ حال ، في أرقى حال ، هذا من عجيب صُنْعِ الله عز وجل ، أودع في قلوب الآباء والأمّهات تلك الرحمة، وأمر الأبناء أن يردّوا على هذه الرحمة ، ببر الآباء والأمهات .

    أيها الإخوة المؤمنون ... يقول الله سبحانه وتعالى :



    (سورة آل عمران : من آية " 14 " )

    فالابن محبوب .

    آيةٌ ثانية :



    ( سورة الكهف )



    ( سورة الإسراء )

    هذه نعمةٌ يَستحق الله عليها الشُكر ، والدعاء القرآني :



    ( سورة الفرقان )

    لا تقر العين إلا إذا كانت الزوجة صالحةً ، والابن باراً ، هذه طبيعة الإنسان ، هذه فطرة الله التي فطرَ الناس عليها ، لا تبديل لخلق الله .

    إذاً : يا أيها الإخوة المؤمنون ... من خلال هذه المقدمة التي ملخصها : أن محبة الآباء للأبناء طبعٌ ، بينما بر الأبناء بالآباء تكليف ، والطبع لا ترقى به ، إقبالك على الطعام لا يجعلك ترقى عند الله عز وجل ، إطلاق البصر في المُحَرَّمات هذه معصية ولا ترقى بها، لكنك ترقى بغض البصر ، قبض المال لا ترقى به ، ولكنك ترقى بإنفاق المال ، أن تحب الشيّء الآجل لا ترقى به ، الله سبحانه وتعالى خَلَقَ الإنسان عجولاً ، فإذا آثر العاجلة على الآجلة يرقى ، في ملَخَّص الموضوع أن الإنسان لا يرقى إلا إذا خالف نفسه وهواه .



    ( سورة النازعات )

    أيها الإخوة المؤمنون ... ما دامت الرحمة بالأولاد شيءٌ فطر لله الناس عليه ، إذاً من لم يجد عنده هذه الرحمة فهذه حالة شاذة ، حالة مرضية ، النبي عليه الصلاة يقول في حديثٍ صحيح، رواه الإمام الترمذي : ((ليس منا)) .

    أي نفى انتماءه للإسلام ، أيْ ليس مسلماً ، وحيثمـا قرأتم في الأحاديث الشريفة أحاديث كثيرة مفتتحة بقوله عليه الصلاة والسلام : ((ليس منا)) .

    فهذا شيءٌ من الكبائر الذي ينفي عن المُسلم إسلامه ، وينفي عن المؤمن إيمانه ، بل ينفي أن ينتمي مثل هذا الإنسان الذي يفعل هذا الفِعل إلى مِلَّة النبي عليه الصلاة والسلام : ((من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا)) .

    ( من الدر المنثور : عن " عبد الله بن عمرو " )

    الكبير يُعرف حقـه ، يحترم ، والصغير يُرْحَم ، هذا مما أراده النبي عليه الصلاة والسلام تقريراً لفطرةٍ فطر الناس عليها .

    شيءٌ آخر .. الإمام البخاري روى عن أبي هريرة رضي الله عنه حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ((أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ ـ أتى النبي مفعول به مُقَدَّم ، أي أتى رجلٌ النبي عليه الصلاة والسلام ـ ومعه صبيّ فجعل هذا الرجل يَضُمّه إليه تعبيراً عن رحمته به فقال عليه الصلاة والسلام : أترحمه ؟ قال : نعم ، فقال : فالله أرحم بك منك به)) .

    حديثٌ دقيق ولا سيما هـذا الحديث موَجـهٌ إلى الآباء والأمهات ، ما شعورك تجاه طفلك الصغير ؟ إنه قطعةٌ مِنك ، إنه فِلْذة كبدك ، تحب أن تجوع ويشبع ، تحب أن تعرى ويكتسي ، تحب أن تخفض ويرتفع ، هذا الشعور ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول : ((فالله أرحم بك منك به وهو أرحم الراحمين)) .

    بل إن بعض الأحاديث الشريفة تقول : إن النبي عليه الصلاة والسلام رأى امرأةً تُقَبّل ابنها، وهي تخبز على التنور فقال عليه الصلاة والسلام :((فوالله ، لله أرحم بعباده من هذه بولدها)) .

    ( من مختصر تفسير ابن كثير )

    فإذا أردت التَعَمُّق كأن الله سبحانه وتعالى جعل من علاقة الآباء بالأبناء درساً بليغاً تعرف به طَرفاً من محبة الله بخلقه ، من رحمته بهم، شعورك أنت تجاه ابنك العاصي ، تجاه ابنك العاق، تتمنى له كل خير ، تتمنى أن يعود إليك ، لو عاد إليك تنسى كل الماضي ، شعور الأب نموذجٌ مصغرٌ جداً جداً جداً عن رحمة الله سبحانه وتعالى قال : ((أترحمه ؟ قال : نعم ، فقال : فالله أرحم بك منك به وهو أرحم الراحمين)) .

    ولقد روى الإمام البخاري أيضاً حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لبعض من شاهده : ((أتقبلون صبيانكم ؟ فقال هذا الرجل : ما نقبلهم ، فقال عليه الصلاة والسلام : وما أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة)) .

    أيْ أنَّ هذا العطف البليغ بين الآباء والأبناء فطرة ، فمن خالف الفطرة فهذا حالةٌ مرضية شاذة ، ولا ينتمي إلى هذا الدين بأي أنواع الانتماء .

    ولقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :((قَبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس ، فقال الأقرع : يا رسول الله إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم أحداً ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرة عجب وقال: من لا يرحم لا يُرحم)) .

    وفي الحديث القدسي : ((إن كنتم ترجون رحمتي فارحموا خلقي)).

    ( من كنز العمال : عن " أبي بكر " )

    وقد روى الإمام البخاري أيضاً في حديثٍ صحيح ، قال : جاءت امرأةٌ إلى السيدة عائشة ، أعطتها عائشة ثلاث تمرات ، فأعطت كل صبيٍ لها تمرة ، وأمسكت بنفسها بتمرة ، فأكل الصبيانِ التمرتين ونظرا إلى أمّهما ، فعمدت الأم إلى التمرة فشقَّتها نصفين ، فأعطت كل صبيٍ نصف تمرة ـ وحرمت نفسها نصيبها ـ فجاء النبي عليها الصلاة والسلام فأخبرته السيدة عائشة بما رأت من هذه المرأة ، فقال عليه الصلاة والسلام : ((وما يعجبك من ذلك ؟ ـ أي ما المغزى من هذه القصة ؟ ما الذي لفت نظركِ منها ؟ ما موطن العجب ؟ أين كان مركز الثِقل في هذه القصة ؟ ـ فقال عليه الصلاة والسلام : لقد رحمها الله برحمة صبيّها)).

    والحديث الذي أرويه كثيراً مِن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ((أول من يمسك بحلق الجنــة أنا ـ أيْ أول إنسان يدخـل الجنـة هو النبي عليه الصلاة والسلام ـ قال : فإذا امرأةٌ تنازعني تريـد أن تدخـل الجنة قبلي ، قلت : من هذه يا جبريل ؟ ـ طبعاً هي لا تعرفه ، هكذا سياق الحديث ـ قال : يا رسول الله إنها امرأةٌ مات زوجها ، وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلهم)) ـ رعايةً لحقهـم رحمةً بهـم ، تأليفاً لقلوبهم ، جمعاً لشملهم ، تصفيةً لمشاعرهم ، أبت الزواج من أجلهم ـ .

    شيءٌ آخر الإمام البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى رويا معاً حديثاً متفقاً عليه عن أسامة بن زيد نص الحديث : ((أرسلت بنت النبي عليه الصلاة والسلام إلى أبيها أن ابني قد احتضر ـ أي دخل في مراحل النِزاع ـ فاشهدنا ـ أي احضر معنا يا أبتِ يا رسول الله ، يبدو أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في أمر شديد الخطورة مع أصحابه ـ فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام إلى ابنتها يقرؤها السلام ويقول لها ـ وهذا الحديث يحلُّ مشكلات الناس جميعاً ـ يقول لها : إن لله ما أخذ وله ما أعطى)) .

    هذا يُطَبَّق على الأولاد ، وعلى الزوجة ، وعلى الأموال ، ضاع من مالك شيء ، له ما أخذ ، أعطاك شيء له ما أعطى ، كل شيءٍ تنعم به إنما هو مِلْك الله سبحانه وتعالى ، [قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ] ، المالك الحقيقــي لكل شيءٍ هو الله سبحانه وتعالى ، فإذا أعطاك مالاً فهو عارية مستردة .

    سُئـِل أعرابيٌ وبيده قطيع من الإبل ، لمن هذه الإبل ؟ فقال العلماء : أجاب إجابة تعد أبلغ إجابةٍ في اللغة ، قال : لله في يدي ، الله هو مالك المُلك وضعها في يدي عارية مستردة ، فالمال الذي معك لله عز وجل ، ومعنى لله : هو قادرٌ أن يأخذه منك بسببٍ صغير جداً ، أو أن يعطيك أضعافاً مُضاعفة ، فهذا الذي يبخل بمال الله عز وجل من أن ينفقه محدود التفكير ، مُنْطَمِس البصيرة .

    إن لله ما أخذ وله ما أعطى ، طبقها على الصِحَّة ، اعتلت الصحة ، استرد شيء الله عز وجل ، أعطاك صحةً له ما أعطى ، استرد شيء له ما أخذ ، طبِّقها على الصحة ، طبقها على الدَخْل ، على المال ، على الزوجة ، على الأولاد ، على كل شيء ، هذا هو التوحيد ، فقال عليه الصلاة والسلام أرسل إلى ابنته من يقرؤها السلام ، ويقول لها : ((إن لله ما أخذ ، وله ما أعطى، وكل شيءٍ عنده بأجلٍ مسمى فلتصبر ولتحتسب)) .

    فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتيَنَّ ، يبدو أنها مُضطربة ، فقام عليه الصلاة والسلام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل ، فرفع النبي عليه الصلاة والسلام الصبيَّ الذي يحتضر ، وأجلسه في حجره ، ونفسه تُقَعْقِع ، أي على وشك الموت ، ففاضت عينا رسول الله بالدموع ، فقال سعد : يا رسول الله ما هذا ؟ أي أتبكي ؟ فقال : ((يا سعد هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)) .

    مرةً ثانية ، إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي ، وأولى خلق الله برحمتك أولادك ، لذلك النبي الكريم يقول : ((ليس منا من وسَّع الله عليه ثم قَتَّر على عياله)) .

    ( من الجامع الصغير :عن " جبير بن مطعم " )

    وفي حديث آخر : (( درهمٌ تنفقه في سبيل الله ، ودرهم تنفقه كذا وكذا ـ الحديث طويل ـ ودرهمٌ تنفقه على أهلك ، أفضلها ذلك الدرهم الذي تنفقه على أهلك)) ، لماذا ؟

    لأن الآخرين أنت لهم ، وغيرك لهم ، أما أولادك ليس لهم غيرك ، من دون أن يُفْهَم من هذا أن تنفق عليهم إسرافاً وتبذيراً ، هذا لا يرضي الله عز وجل ، الوضع الأمثل :



    ( سورة الإسراء )

    أيها الإخوة المؤمنون ... موضوعٌ آخر متعلقٌ بالبيت الإسلامي ، من عادات الجاهلية التي جاء الإسلام ليقضي عليها ؛ كراهية البنات ، فالإسلام لم يُفَرِّق بين ذكرٍ وأنثى ، ولا بين امرأةٍ ورجل ..



    (سورة آل عمران : من آية " 195 " )



    ( سورة الأحزاب )

    لو أن الله قال : " إن المسلمين " لشملت المُسلمات بحكم قواعد الأصول ، أو بحكم التَغْليب ، ولكن أراد الله من هذه الآيات أن يؤكِّد لنا أن المرأة والرجل سواءٌ عند الله ، وأن الطفل والطفلة ، والذكر والأنثى، والبنت والصبي سواءٌ عند الله عز وجل ، بل إن بعض الفقهاء استنبط أن المرأة والرجل ، أو الصبي والصبية ، أو الصغير والصغيرة ، أو البنت والصبيّ ، أن هؤلاء متساويان في التكليف والتشريف ، ولكن المرأة صُمِّمت بنيتها النَفْسيّة ، بنيتها العقلية ، بنيتها الجسمية تصميماً يتوافق مع خطورة وظيفتها في الحياة ، وإن الرجل صُمِّم تصميماً في بنيته العقلية والجسمية والنفسية يتوافق مع وظيفته في الحياة ، فليس هناك فرقٌ بين المرأة والرجل من حيث التكليف والتشريف .

    أيها الإخوة المؤمنون ... الله سبحانه وتعالى يقول :



    (سورة المائدة : من آية " 8 " )

    وهذا الذي جاء النبي يستشهده على أنه نحل ابنه نِحْلَةً فقال عليه الصلاة والسلام : ((أكلهم وهبت مثل هذا ؟ فقال : لا ، قال : أشهد غيري فإني لا أشهد على جور)) .

    ( من الجامع لأحكام القرآن )

    والله سبحانه وتعالى يقول :



    (سورة المائدة : من آية " 8 " )

    وأصحاب السُنَن ، والإمام أحمد ، وابن حبان كلهم رووا عن النعمان بن البشير قول النبي عليه الصلاة والسلام : ((اعدلوا بين أولادكم ، اعدلوا بين أولادكم ، اعدلوا بين أولادكم)) ، رواه النبي ثلاث مرات : ((اعدلوا بين أولادكم ، اعدلوا بين أولادكم ، اعدلوا بين أولادكم)) .

    الله سبحانه وتعالى وصف تفضيل الذكور على الإناث ، أو تفضيل بعض الأبناء على بعض الأبناء بأنها من الجاهلية ، قال تعالى :



    ( سورة النحل )

    جاءته النبي عليه الصلاة والسلام ابنته السيدة فاطمة حينما ولدت ضَمَّها وشمَّها وقال : ((ريحانةٌ أشمها وعلى الله رزقها)) .

    هكذا المؤمن ، هكذا المسلم . ريحانةٌ أشمها وعلى الله رزقها .

    في القرآن الكريم آيةٌ دقيقة تردّ على هؤلاء ، قال تعالى :



    ( سورة الشورى )

    أن يَهَبَكَ الله ذكراً أو أنثى ، أو ذكوراً أو إناثاً ، أو ذكوراً وإناثاً، أو أن لا يهبك شيئاً ، هذا من تقدير العليم القدير ، ولا حيلة لك بذلك إطلاقاً ، لذلك المؤمن يستسلم ، ويرى أن الذي رزقه هو قسمةٌ له ، وهو راضٍ بهذه القسمة ، وعليه أن يأتمر بأمر الله تعالى في حسن التربية وحسن التنشئة .

    أميرٌ من أمراء العرب طمح إلى غلام ، فأنجبت له امرأته بنتاً ، فغضب غضباً شديداً ، وتألَّم ألماً لا حدود له ، وترك بيت الزوجية ، وذهب إلى بيوت أخرى ، بيوت أقربائه ، غاب عن امرأته سَنَةً ، مرة بعد سنة ، مر أمام بيته فسمع امرأته تداعب بنتها الصغيرة ، التي ولدت منه ، تقول لها :

    ما لأبي حمزة لا يأتيـنا أغضبان ألا نلد البنـينا
    يظل في البيت الذي يلينا تالله ما هذا بأيـديــنا

    ونحن كالأرض لزارعينا وإنما نعطي الذي يعطينا

    * * *

    وقد أثبت العلم أن تحديد نوع المَوْلود كذكرٍ أو أنثى لا علاقة للأنثى به إطلاقاً ، إن علاقته مع الحوين الذي يقذفه الرجل ، ولا علاقة للبويضة إطلاقاً ، ويأتي القرآن الكريم ليقول :



    ( سورة النجم )

    لا من بويضةٍ ، أن يكون هذا المولود ذكراً أو أنثى هذا يتحدّد من قِبَلِ الرجل ، لا من قِبَلِ المرأة ، فهذه المرأة بفطرتها أو بحاستها السادسة قالت :

    ونحن كالأرض لزارعينا وإنما نعطي الذي يعطينا

    * * *

    عندئذٍ دخل إلى بيته ، وعطف على امرأته ، وأقام معها بقية حياته.

    أيها الإخوة المؤمنون ... روى الإمام مُسلم عن أنس بن مالك ، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ((من عال جاريتيتن ـ أيْ بنتين صغيرتين ـ حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين . وضم أصابعه عليه الصلاة والسلام)) .

    ((من عال جاريتيتن)) ، أي ربَّاهما تربية حسنة ، رباهما على حب الله وحب رسوله وقراءة القرآن ، وجعل لباسَهما وفق ما يرضي الله عز وجل ، وعلمهما أمر دينهما .

    ((من عال جاريتيتن حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين ، وضم أصابعه)) .

    وروى الإمام أحمد مسنده عن عُقبة بن عامر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ((من كان له ثلاث بناتٍ فصبر عليهن ، وسقاهن ، وكساهن من جيدَته ـ أي من ماله ـ كن له حجاباً من النار)) .

    وفي حديثٍ آخر : ((من كان له ثلاث بناتٍ أو ثلاث أخواتٍ ـ هذا الذي عنده أختٌ عانس لا يتبرم بها ـ أو بنتانِ أو أختان فأحسن صحبتهن ، وصبر عليهن ، واتقى الله فيهن دخل الجنة)) .

    ( من مسند الإمام أحمد : عن " ابن عبَّاس " )

    معنى ذلك أن البنت بابٌ من أبواب الجنة ، كيف أن برَّ الوالدين باب من أبواب الجنة ، كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام صَعَدَ المنبر فقال : ((رغم أنف رجلٍ أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة)).

    ( من الجامع لأحكام القرآن : عن "أبي هريرة " )

    معنى ذلك أن بر الوالدين بابٌ من أبواب الجنة ، وإن حسن تربية البنات بابٌ من أبواب الجنة .

    ورد في بعض الأحاديث أن البنت التي ربَّاها أبوها تربيةً حسنة، يقال لها : ادخلي الجنة . تقول : لا أدخل الجنة حتى أدخل أبي معي ، فيقال : خذيه وادخلي الجنة ، أما البنت التي ربَّاها تربيةً سيئة وأهملها ؛ فشطت وشردت وانحرفت وفتنت الناس تقول : يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي ، لأنه كان سبباً لي في هذا الفسق والفجور " .

    أيها الإخوة الأكارم ... بقي موضوعٌ أخير ، الولد غالٍ جداً ، ومع ذلك قد يُقَدِّر لله عز وجل موت أحد الصغار ، ما موقف المسلم ؟ الإمام الترمذي وابن حبّان رويا عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((إذا مات ولد العبد قال الله عز وجل لملائكتـه .... الحمـد لله واسترجع قال : إن لله وإنا إليه راجعون ، فيقول الله عز وجل : ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد)).

    بيـت الحمد لمن فقد ابنه صغيراً وصبر واحتسب ، والقصة التي تعرفونها جميعاً ؛ قصة الصحابية الجليلة أم سليم ، التي كانت زوجة لأبي طلحة ، والتي رواها الإمام البخاري ومسلم : كان لهما ابنٌ مريض، خرج أبو طلحة لحاجته وعاد ، فسأل امرأته : كيف حال فلان ابنه ؟ فقالت: يا أبا طلحة إنه في أهدأ حال ،هو قد مات ، ولكن أوهمته أنه مستريح ، صنعت له طعاماً فـأكل، وتزينت فأصاب منها .

    وفي الصباح قالـت له : يا أبا طلحة لو أن الجيران أعطونا عاريةً مستردة ، ثم طلبوها منا ، أفي ذلك وجلٌ أو غضب ؟ قال : لا ، إنها حاجتهم ، قال : فكذلك الله عز وجل استرد عاريته ، ابننا فلان .

    أبو طلحة غضب غضباً شديداً ؛ لماذا أخفت عنه زوجته هذا الخبر ؟ لماذا جعلته يأكل ويصيب منها وابنه ميّت ؟ فذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال : يا رسول الله فعلت زوجتي كذا وكذا ، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن قال له : ((بارك الله لك في ليلتك ، وأثنى على زوجتك)) ، وأنجب منها في هذه الليلة سماه عبد الله ، ولد له تسعة أولاد ممن حفظوا كتاب الله .

    هذا معنى إذا الإنسان حضر عقد قِران الدعاء النبوي : ((بارك الله لكما وعليكما وفيكما)).

    هذه البركـة ، إذا أنعم الله عليك بولدٍ صالح ينفع الناس مِن بعدك فهو استمرارٌ لك ، فهو ذخيرةٌ لك ، فهو العمل الذي لا ينقطع بالموت .

    حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالهم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

    والحمد لله رب العالمين

    * * *

    حنان الأم وحليبها
    الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلُق العظيم ، اللهمَّ صل وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .

    أيها الأخوة الأكارم ... إتماماً لهذا البحث : الحليب ؛ حليب الأم الذي جعله الله عزَّ وجل هبةً ، ومنحةً لهذا الطفل الصغير .

    وهب الله سبحانه وتعالى الصغار رحمةً أودعها في قلوب أمهاتهم ، وفضلاً عن رحمة الأمهات بأبنائهن ، التي هي في الحقيقة رحمة الله بهم ، جعل المرأة ، يسيل ثدياها حليباً من نوعٍ خاص .

    فلبن المرأة ، كما يقول العلماء : مبهرٌ ، ومدهش ، تعجز عن تركيبه ، بخصائصه قِوى البشر ، ولو اجتمعت ، وتعجز عن صنعه ، أضخم المعامل ولو تظاهَرَت .

    تركيبه .. دققوا .. تركيبه في تبدلٍ مستمر ، بحسب حاجات الرضيع ، ومتطلباته ، وبحسب احتمال أجهزته ، وأعضائه ، وهو أكثر ملاءمةً ، وأكثر تركيزاً ، وأكثر احتمالاً ، وأقلُّ ضرراً ، وهو آمن طرق التغذية ، من حيث ، الطهارة ، والتعقيم ، إذ يؤخذ من الحُلمة مباشرةً ، من دون التعرُّض ، للتلوث الجرثومي ، وحرارته ثابتةٌ ، خلال الرضعة الواحدة ، ويصعب توافر هذا الشرط ، في الإرضاع الصناعي ، وفوق ذلك فهو لطيف الحرارة في الصيف ، دافئ في الشتاء ، وهو سهل الهضم ، لا تتجاوز فترة هضمه عن الساعة والنصف ، بينما تزيد فترة هضم حليب القوارير عن ثلاث ساعات ، والطفل الذي يرضع من ثدي أمه ، يكتسب مناعةً ضد كلَّ الأمراض ، لأنَّ في حليب الأم موادَّ مضادَّة ، للالتهابات المعوية ، والتنفسية .

    حالات الربو ، ربو الأطفال ، إنتان الأمعاء ، هذه الأمراض الشائعة ، في الإرضاع الطبيعي ، ينجو منها الصغير .

    وفي حليب الأم ، مواد تمنع التصاق الجراثيم بجدار الأمعاء ، وفي حليب الأم ، مواد حامضيّة ، لقتل الجراثيم ، والإرضاع الوالدي يقي من أمراض الكوليرا ، والزحار ، ومن أمراض شلل الأطفال ، والكزاز ، لأن مناعة الأم كلها في حليبها ، وهو يقي المرضع من أورام الثدي الخبيثة ، هذه الظاهرة المنتشرة ، في معظم أنحاء العالم ، سرطان الثدي ، وإرضاع الطفل من ثدي أمه ، يقي الأم من أورام الثدي الخبيثة، ويقي الرضيع من الآفات القلبية ، والوعائية ، وأمراض التغذية ، والاستقلاب ، بل إن الفطام السريع ، يحدث رضًّا نفسياً ، وانحرافاتٍ سلوكية .

    وحليب الأم سهل التحضير ؛ ليلاً ، ونهاراً ، في السفر ، وفي الحضر ، لأنه جاهزٌ دائماً ، بالحرارة المطلوبة ، وبالتعقيم المثالي ، والسهولة في الهضم ، ولأن فيه المناعة التي تقي معظم الأمراض ، قال الله تعالى :



    ( سورة البلد )



    هدية من الله ..



    قال عكرمة : وابن المسيِّب ، النجدان هما الثديان :



    ( سورة البلد )



    ما الذي يمنعه من أن يطيع الله عزَّ وجل ، ما الذي يمنعه من أن يكون مؤمناً ، [وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ] ، لذلك قال بعض العارفين :

    تداركتنا باللطف في ظلمة الحشـى وخير كفيلٍ في الحشى قد كفلتنا

    وأسكنت قلب الأمهات تعطـفاً علينا وفـي الثديـين أجريـت قوتنا

    وهذا موضوع الخطبة كلها ، أسكن في قلب الأمهات رحمةً ، وأجرى في صدورهن حليباً ، رحمةً معنويةً ، وغذاءً طبيعياً ـ

    وأنشأتنا طفلاً ، وأطلقت ألسناً تترجم بالإقرار أنك ربــنا

    و عرفتنا إياك ، فالحمد دائماً لوجهك إذ ألهمتنا منك رشدنا
    اللهمَّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك .

    اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا . واقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنَّتك ، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبْلغ علمنا ، ولا تسلِّط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا .

    اللهم يا أرحم الراحمين اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وفك أسرنا ، واحسن خلاصنا ، وبلغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا ، مولانا رب العالمين .

    اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك .

    اللهم متِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا وعقولنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا .

    اللهم هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما.

    اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

    والحمد لله رب العالمين



    سلالالالالالالالالالالالالالالالالالالالالالام



    العبد الفقير لله



    أ بـــــو مـــــــطــــــــهـــــــــر
     

مشاركة هذه الصفحة