عن الديمقراطية، حرية التعبير، والصحافة اليمنية! دراسة بقلم د. عبدالله الفقيه

الكاتب : saqr   المشاهدات : 454   الردود : 0    ‏2005-09-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-09-29
  1. saqr

    saqr عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-07-19
    المشاركات:
    832
    الإعجاب :
    1
    عن الديمقراطية، حرية التعبير، والصحافة اليمنية! د.عبدالله الفقيه* 9/29/2005

    يعتمد الذين يقولون بوجود قدر من الديمقراطية في اليمن في حكمهم الى حد كبير على وجود درجة معينة من حرية الصحافة. وعلى العكس من ذلك فان القائلين بغياب الديمقراطية في اليمن يعتمدون في وجهة نظرهم على القمع الذي يمارس ضد الكلمة الحرة. والواضح ان الفريقين يخطئان في اختيار معيار القياس ويخطئان بالنتيجة في الأحكام التي يتم التوصل اليها. فالديمقراطية، وفي بلد كاليمن، لا يمكن التدليل على وجودها او غيابها بوجود الصحافة الحزبية او الأهلية ولا بوجود صحف جريئة لا تتردد في انتقاد رئيس الجمهورية. فالصحافة، اولا، مجرد وسيلة من وسائل التعبير عن الرأي، ودرجة أهميتها وتأثيرها ترتبط بالبيئة التي يعيش فيها الانسان اليمني بابعادها المختلفة. والصحافة، ثانيا، لا تكفي وحدها، وفي غياب الشروط الأخرى، للحكم على الدرجة المتاحة من حرية التعبير او على وجود الديمقراطية بوجه عام.

    حرية التعبير

    تكفل الدولة، وفقا لدستور الجمهورية اليمنية، حق المواطنين اليمنيين في الإعراب عن الرأي بالقول والكتابة والتصوير. ولو ان الدستور توقف عند ذلك الحد لكان ذلك افضل. لكنه وكالعادة اضاف عبارة "في حدود القانون". وبدلا من ان يصبح حق المواطنين في التعبير عن آرائهم مضمون بقوة الدستور، اصبح القانون هو الذي يحدد الحلال والحرام في مسائل الكتابة والتصوير والكلام.

    وكنتيجة للخلل الموجود في الدستور فان الحكومة اليمنية ما زالت حتى اليوم ترفض - وفي تحد واضح للعقل والمنطق - السماح لليمنيين بامتلاك القنوات الإذاعية والتلفزيونية وتصر على اتباع سياسة لا تهدر فقط حق الناس في التعبير عن آرائهم بالوسائل المناسبة ولكن تهدر ايضا قدرة المجتمع اليمني على مواجهة الغزو الفكري والمعرفي والقيمي، وتجعل المواطن اليمني غير قادر على الحفاظ على هويته. كما تضعف، تلك السياسة، قدرة المجتمع اليمني على المنافسة في السوق الإعلامية الإقليمية والدولية، وتحرم المجتمع من آلاف الوظائف التي يمكن للاعلام الخاص خلقها. ومن المؤسف فعلا ان الحكومة اليمنية ما زالت تتبع سياسة اعلامية ترتبط بالماضي وتعيش حالة قطيعة مع الحاضر والمستقبل. واخشى ما يخشاه الإنسان هو ان تدرك الحكومة اليمنية خطأ هذه السياسة بعد فوات الأوان وبعد ان يكون جيراننا قد وصلوا في هذا الجانب الى مرحلة من التطور لا نستطيع معها منافستهم او حماية انفسنا.

    وفي ظل سياسة حرمان المواطن اليمني من امتلاك وسائل التعبير الأكثر فعالية والتي تمكنه من التعبير عن رأيه في مختلف المسائل وعلى كافة الاصعدة، يصير الحديث عن حق المواطنين في التعبير عن آرائهم مقصورا على ما يكتبونه في الصحف. فإلى اي حد تساهم الصحافة اليمنية في ترسيخ حرية التعبير عن الرأي؟ وهل يعكس وضع الصحافة اليمنية في الوقت الحالي وجود مناخ يمكن معه القول بان النظام القائم الآن في الجمهورية اليمنية يكفل حق الناس في التعبير؟

    بالنسبة للصحافة في اليمن، فمن المهم هنا الإشارة الى بعض العوامل التي تؤثر على دورها. أولا، تمثل الصحافة، في اي بلد كان، جزءا بسيطا من منظومة الإعلام. ثانيا، لا تلعب الصحافة في اليمن دورا مؤثرا نظرا لضآلة عدد الناس الذين يقرأون الصحف وهي ضآلة يمكن ارجاعها الى اسباب اجتماعية تتعلق بنسبة الأمية العالية في المجتمع اليمني وبتركز سكان اليمن في الإرياف، والى اسباب اقتصادية تتعلق من جهة بضعف قطاع الأعمال الخاص والذي يمكن ان يخلق الموارد اللازمة للصحف ويمكنها من تبني سياسات توزيعية تزيد من عدد القراء، ومن جهة ثانية فانها ترتبط بالظروف المعيشية للمواطن اليمني والذي تمثل قراءة الصحف بالنسبة له رفاهية لا يستطيع دفع تكلفتها من ماله ووقته وفكره. ثالثا، تحول الطبيعة الاستبدادية للنظام القائم، رغم شعار الديمقراطية الذي يرفعه، دون تطور الصحافة، حيث يلاحظ انه يتم استهداف اي صحيفة يمكن ان تلعب دورا مؤثرا في التنوير وفي التغيير.

    ومع أخذ الملاحظات السابقة في الاعتبار يمكن الحديث عن الصحافة اليمنية باشكالها الثلاثة المختلفة (صحف السلطة، صحف الأحزاب، وصحف الأفراد) وعن الدور الذي تلعبه في تعميق حرية التعبير.

    صحف السلطة

    تنقسم صحف السلطة، في اليمن، الى عدة انواع. فهناك صحف الدولة وهناك صحف الحزب الحاكم، وهناك صحف المعارضة المنضوية خلف "عسيب" الحزب الحاكم. بالنسبة لصحف الدولة، وتتصف بكثرة العدد مغ غياب التنوع، فقد تحولت في السنوات الإخيرة وبفعل تسييس الوظيفة العامة واتباع المعايير الحزبية في التعيين (في كثير من الأحيان على حساب الكفاءة) الى ادوات للدعاية الفجة للحاكم. وفي الوقت الذي ينفق فيه الشعب مئات الملايين على تلك الصحف التي يمكن الاكتفاء بواحدة منها فقط، فان تلك الصحف لا تتردد في الكثير من الأحيان عن تسخير تلك الموارد للاضرار بالمصالح الوطنية للشعب اليمني. وبدلا من ان تلعب دورا محايدا في الصراع السياسي وان ترسخ مجموعة من القيم الوطنية المشتركة التي ينبغي ان تكون فوق الأحزاب والقبائل، فانها وفي سبيل خدمة بعض المصالح الفردية الضيقة تتحول الى مدافع عن الفساد وعن منتهكي الحقوق والحريات. ولم تتوقف عند ذلك الحد، بل ذهب عدد قليل منها ابعد من ذلك وبطريقة لا يمكن تفسيرها باستخدام العقل حيث بدأت بتحريك الأوراق المناطقية والطائفية والعرقية والقبلية.

    ثم تاتي بعد ذلك صحف الحزب الحاكم ويمكن تصنيفها هي الأخرى الى انواع. فهناك الصحف الناطقة صراحة باسم الحزب الحاكم وابرزها صحيفة الميثاق "تأسست في عام 1982" و22مايو و تعز (ت، ابريل 1993) و المسيلة، وهي تكمل في دورها صحف الحكومة. ولا تختلف الصحف الناطقة باسم الحزب الحاكم او المقربة منه في محتواها عن الصحف الرسمية التي "يديرها الحزب الحاكم باعضاء من الحزب الحاكم ولصالح الحزب الحاكم" إلا في كون الأخيرة اسوء من الأولى طباعة وتحريرا ومضمونا. وبعد ذلك ياتي نوع آخر من الصحف التابعة للحزب الحاكم، وهي صحف يمتلكها اعضاء في الحزب الحاكم او جماعات متنفذة داخله، او مجموعات حزبية تقدم نفسها على انها معارضة مع انها تابعة للحزب الحاكم، وتقوم تلك الصحف بالترويج للحزب الحاكم وقياداته العليا وتوجهاته بطريقة غير مباشرة. وابرز تلك الصحف هي المرأة، الأسبوع،صوت المعارضة، و النهار "ت 2000."

    ضمن صحف الحزب الحاكم مجموعة ثالثة من الصحف تصدرها الأجهزة الأمنية والاستخباراتية. ويتمثل دور النوع الأخير من الصحف في نشر "الكذب الصراح" وإثارة البلبلة والتشويش على الناس والطعن في عروض معارضي النظام وتصفية الحسابات بين مراكز القوى داخل النظام. وابرز الأمثلة على النوع الأخير من الصحف هو صحيفة الشموع (ت 1996) وحفيدتها "اخبار اليوم."

    صحف المعارضة

    تحتل الصحف الناطقة باسم التجمع اليمني للاصلاح، وابرزها صحف الصحوة (ت 1985) والعاصمة (ت 1996)، والصحف المقربة منه مثل صحيفة الناس، موقعا هاما بين صحف المعارضة. ورغم ان تلك الصحف بدأت حزبية ضيقة النظرة ولا ترى ابعد من انف الحزب، فان الملاحظ ان التطورات السياسية على الصعيدين المحلي والإقليمي والدولي قد ادت الى حدوث تحولات كبيرة في نهج تلك الصحف بحيث تحولت من صحف ناطقة باسم احزابها الى صحف ناطقة باسم الشعب. وتتبنى الصحف الناطقة باسم الإصلاح او المقربة منه وعلى نحو متزايد خطاً ينحاز الى الحرية المسئولة وهو ما سيكون له عميق الأثر على مستقبل الحرية في اليمن. واذا كانت صحف الحزب الحاكم تفتقر الى سياسة إعلامية واضحة وخصوصا تجاه موضوعات مثل الإصلاح السياسي والفساد والحقوق والحريات، فان صحف الإصلاح تمتلك رؤية واضحة للمستقبل الذي تريده للبلاد.

    وتمتاز صحف الإصلاح والصحف المقربة منه بدرجة عالية من المهنية والمصداقية والانتظام والمسئولية الوطنية، وكلها خواص تفتقر اليها معظم الصحف الناطقة باسم الحزب الحاكم او المحسوبة عليه. وتستفيد صحف الإصلاح من عاملين اساسيين: اولهما الموارد المالية التي تسيطر عليها قيادات التجمع والتي تاتي من استثمارات اسرة الشيخ الأحمر وبعض اعضاء الإصلاح الآخرين؛ وثانيهما وجود تنظيم قوي للتجمع اليمني للاصلاح يمتد راسيا ليضم كافة الطبقات وأفقيا ليضم كافة الفئات المكونة للنسيج الإجتماعي اليمني. بالنسبة للموارد المالية، فقد مكنت صحف الاصلاح من تجنب ابتزار الداعمين. اما التنظيم القوي، فقد مكن صحف الإصلاح من خلق قاعدة من القراء تتجاوز حدود المراكز الحضرية الى الداخل اليمني.

    ولعل نقطة الضعف الكبيرة بالنسبة لصحف حزب الإصلاح وتلك المقربة منه تتمثل في كونها محكومة فيما تتناوله بطبيعة العلاقة بين الرئيس والشيخ الأحمر من جهة وبطبيعة التوازنات بين الأجنحة المختلفة داخل التجمع اليمني للاصلاح من جهة ثانية. ويمكن التدليل على ما يذهب اليه الكاتب هنا بالاشارة الى تجربة الصحفي الموهوب ورئيس تحرير الصحوة السابق نبيل الصوفي. فعندما حاول الصوفي تجاوز "خط التوازنات" القائم في محاولة لتغليب جانب الحرية والمهنية، وجد نفسه خارج الصحوة.

    وتصدر صحف الإصلاح بانتظام ولا تتعرض للكثير من مضايقات السلطة برغم انها على المدى المتوسط والبعيد تغذي ما يمكن اعتباره ثورة في الوعي السياسي للمجتمع اليمني. ويقتصر رد فعل السلطة على توجيه الصحف التي تسيطر عليها بالرد على طروحات صحف الإصلاح المتعلقة بالفساد وانتهاك الحقوق والحريات عن طريق الهجوم على الحزب وقادته مع اهمال القضايا محل الخلاف. وقد كان ابرز الأمثلة واكثرها دلالة على افتقار الحزب الحاكم للسياسة والحكمة هو الهجوم الذي تم شنه ضد الشيخ الأحمر قبل عدة شهور.

    وقد يكون السبب في اتباع السلطة لسياسة غض الطرف عن صحف الإصلاح هو قدرة تلك الصحف على التكيف مغ ثوابت ومتغيرات العلاقة بين الشيخ والرئيس وبطريقة تبقي الخطوط مفتوحة مع الجميع.

    بالنسبة للصحف الناطقة باسم الأحزاب القومية فهي، باسثناء الوحدوي، غير منتظمة، وهي في مجملها (بما في ذلك الوحدوي وان بدرجة اقل) تعاني من الانكفاء على الذات والتركيز على القضايا الهامشية التي ترتبط بالماضي اكثر من ارتباطها بالحاضر وبالخارج اكثر من الداخل وبالأموات اكثر من الأحياء وبالعاطفة اكثر من العقل. واذا كانت الوحدي "تأسست في سبتمبر 1990"، لسان حال التنظيم الوحدوي الناصري، هي الأكثر انتظاما بين الصحف القومية، فانها في معظم اعدادها اشبه ماتكون بنشرة داخلية يكتبها اعضاء الحزب ليقرأها اعضاء الحزب ايضا. ومع ان هناك محاولات ملموسة للخروج ب"الوحدوي" من نفق "الايديولوجيا" القومية والنزول بها الى الشارع اليمني، إلا ان تلك المحاولات لم يكتب لها النجاح حتى الآن. ومع ان الوحدوي تقوم ايضا بنشر الكثير من تقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، ربما بحكم عمل رئيس تحريرها في الجهاز، إلا ان تلك التقارير اصبحت جد نمطية ومن الصعب القول بانها تساهم في نشر الوعي او تضيف شيئا هاما او تساهم في تعميق الحريات. والتحدي الحقيقي امام الوحدوي - التي يكن لها كاتب هذا المقال كل تقدير - هو ان تحدث تحولا في مضمونها مشابهاً للتحول الذي حدث في صحف الإصلاح وان تنفتح على سائر الأحزاب والأفكار والأشخاص حتى تستطيع ان تلعب دورا اقوى في توسيع نطاق الحريات الصحفية.

    وتعاني صحف البلاغ "تأسست في اكتوبر 1990" والحق والأمة، وهي صحف ناطقة باسم او مقربة من الأحزاب المحسوبة على المذهب الزيدي، من نفس مشاكل الصحف المعبرة عن الأحزاب القومية فيما يتعلق بعدم الانتظام والانكفاء على الذات والحديث عن موضوعات تهم الأقلية وليس الأكثرية من الناس، وترتبط بالماضي اكثر من ارتباطها بالحاضر والمستقبل.

    بالنسبة لصحيفة الثوري، لسان حال الحزب الإشتراكي اليمني، فرغم انها، حتى الماضي القريب على الأقل، من اكثر الصحف إنتقادا للسلطة ومن اجرائها في تناول الموضوعات إلا انه يلاحظ تبني بعض كتابها لخط تبسيطي مصلحي ينظر الى المشاكل القائمة على مستوى الساحة على انها مشاكل ناتجة عن طبيعة العلاقة بين الجنوب والشمال وترد تلك المشاكل جملة وتفصيلا الى ارتباط الجنوب بالشمال. وبرغم التنوع في تناول الصحيفة للموضوعات وفي توجهات الكتاب فانها ما زالت غير قادرة على ان تبلور توجها وطنيا ينظر الى المشاكل والتحديات القائمة على مستوى الساحة اليمنية على انها تخص كل اليمنيين وليس منطقة بعينها.

    ومع ان بعض القراء، بمن فيهم كاتب هذه السطور، يجدون في بعض ما تنشره الثوري ملامسة عميقة لمشاكل اليمن، الا ان التوجه الانفصالي لبعض كتاب الصحيفة والذي يطفو من حين لآخر، يثير قلق الكثيرين من قراء الصحيفة (الشماليين على الأقل) ويجعلهم بالتالي اقل ثقة بما تطرحه. والقلق الذي تثيره بعض كتابات الثوري، لدى كاتب هذا المقال على الأقل، لا يرجع الى الخوف على الوحدة اليمنية بل يرجع الى الخوف من ان تقود تلك الكتابات الى بلورة خط يجزئ النضال الوطني بطريقة تضعف الحركة الوطنية والديمقراطية في البلاد. فالمطالبة "باصلاح مسار الوحدة" رغم مشروعيتها، لايمكن في الظرف الحالي الا ان تضعف المطلب الأهم والأشمل وهو "الاصلاح السياسي الشامل" الذي يعيد الاعتبار لكل اليمنيين ويصلح جميع الاختلالات بما في ذلك مسار الوحدة.


    ورغم أن تأثير الثوري يبدو محدودا بحكم صغر قاعدتها من القراء، إلا ان جرأتها في تناول الكثير من القضايا، قد جعلتها هدفا للتصفية من قبل النظام. وقد تمثل ذلك في عدد من الخطوات بما في ذلك القضايا العديدة التي رفعت ضدها في فترة وجيزة.

    بالنسبة لصحيفة الشورى، الناطقة باسم اتحاد القوى الشعبية وهو احد الأحزاب المحسوبة على المذهب الزيدي، فيلاحظ انها تختلف كثيرا عن الصحف الناطقة باسم او المقربة من الأحزاب المحسوبة على المذهب الزيدي. فقد اختطت الصحيفة لنفسها، منذ تاسيسها في السنة الثانية لقيام الوحدة، خطا تنويريا انفتح على اليمن واليمنيين وناصر دون هوادة قضايا الحريات.

    وبرغم ان السلطة تشن حربا دعائية شعواء ضد الحزب الذي تصدر عنه الصحيفة وضد قادته وتتهمهم بالامامية (العمل على اعادة حكم الائمة) وبالعمالة وغير ذلك من التهم إلا ان الصحيفة استطاعت ان تخلق لنفسها قاعدة كبيرة من القراء وفي كل الأحزاب. كما استطاعت ان تلعب دورا هاما في تعزيز حرية التعبير داخل المجتمع اليمني. وتمثلت مساهمات الشورى الأخيرة في التنوير في سلسة المقالات/التحقيقات التي نشرتها عن توريث الحكم وعن جمع المسئولين، وفي انتهاك واضح للعديد من مواد الدستور، بين التجارة والوظائف القيادية في الدولة. وقد اتسمت تلك المقالات بدرجة عالية من المصداقية ولاقت قبولا غير عادي في الشارع اليمني.

    وقد تم استهداف الصحيفة بطرق عدة خلال سنوات عمرها. فقد تم تفريخها (اصدار صحف بنفس الإسم) وتفريخ الحزب الذي تنطق باسمه مرارا. وتم في عام 2004 اتهام رئيس تحريرها، الأخ عبد الكريم الخيواني، ومحاكمته وادانته وايداعه السجن بجريمة "الحوثية" (مساندة الحوثي). وسجن الخيواني لمدة سبعة اشهر وتوقفت الصحيفة عن الصدور لنفس المدة. واضرت قضية الخيواني بسمعة النظام في الداخل والخارج وبمصالح الشعب اليمني. وخسرت اليمن بحسب بعض المصادر حوالي مائتي مليون دولار كانت ستحصل عليها هذا العام على شكل مساعدات من بعض المانحين. ولم تبال السلطة القائمة بكل ذلك. وكان همها الأول والأخير هو اسكات ذلك الصوت الذي يزداد عدد مريديه يوما بعد آخر.

    ولما لم تفلح الطرق المختلفة في تغيير خط الصحيفة، لجأ النظام، كما يتهمه الكثيرون في المعارضة، الى فبركة انقلاب حزبي استولى على مقرات الحزب والصحيفة وبدأ يصدر الشورى بالطريقة التي يريدها. وقد نجحت السلطة في الوقت الحالي على الأقل في سعيها لاسكات صحيفة "الشورى" التي اثبتت خلال سنوات عمرها انها اكبر من اي حزب وأعلى من اي صوت و انها قادرة على ان تكون سلطة فوق السلطة.

    صحف الأفراد

    وبالاضافة الى صحف الثوري والشورى، والدور الريادي الذي لعبته الصحيفتان في اسقاط الخطوط الحمراء التي تقيد حرية التعبير، ظهرت صحيفة ثالثة هي "الوسط" لصاحبها ورئيس تحريرها الأخ جمال عامر. وبرغم حداثة النشأة وعدم وجود حزب يقف خلف الصحيفة، فقد لوحظ انها وخلال فترة قصيرة استطاعت ان تشق طريقها الى المرتبة الاولى بين الصحف اليمنية من حيث المهنية والانتظام والجرأة في التناول والمساهمة في توسيع نطاق الحريات. واستطاعت الصحيفة منذ العدد الأول ان ترسم لنفسها خطا قويا لا يتردد في طرح ادق الاسئلة واكثرها حساسية بالنسبة للنظام. واذا كان النظام قد خوف الناس من الشورى باتهامه لها بانها لسان حال القوى الإمامية المضادة للجمهورية، وهو اتهام يفتقر الى اي دليل، وخوف الناس من الثوري بالحديث عن معاداتها للوحدة وهو اتهام تأبى الثوري في بعض تناولاتها الا ان تؤكده، فان النظام لم يجد اكليشة معينة يضع فيها جريدة الوسط وان كان قد جرب في مناسبات معينة استخدام التهم الجاهزة مثل تحميل الصحيفة مسئولية اندلاع حرب صعدة الثانية.

    وبينما كان النظام مشغولا في حياكة المؤامرات ضد الثوري والشورى، كانت صحيفة الوسط تتقدم بهدوء لتملأ الفراغ الذي تركه الغياب الجبري للصحيفتين إما بسبب عدم القدرة على الطباعة (حالة الثوري) او بسبب الإنقلاب المدعوم من السلطة على الحزب الذي تصدر عنه الصحيفة (حالة الشورى). ولا بد ان مخبري النظام الذين عادوا الى ممارسة نشاطهم بهمة عالية اثناء وبعد انتفاضة الديزل في يوليو الماضي قد لاحظوا الإقبال الواسع على "الوسط". ولأن النظام، وبعد تجربة الخيواني المريرة، يريد الحفاظ على مظاهر الديمقراطية الزائفة على الأقل امام الخارج، فقد حاول اسكات الوسط بطريقة مختلفة. واذا كان في قضية الخيواني، وهو امر يحسب له، قد سخر اجهزة الدولة للانتقام من صحفي، فانه في قضية الوسط، وهو امر يحسب عليه، قد احل "المافيا" محل أجهزة الدولة. وقد فات على النظام بان اللجوء إلى أساليب المافيا يمثل خطأ مزدوجا. هو خطأ لأن توظيف اساليب المافيا لا يعفي النظام من المسئولية الإخلاقية والقانونية امام المجتمع الدولي وامام مواطنيه من باب اولى . وهو خطأ ايضا لأن النظام باصراره على توظيف هذا الأسلوب المرة بعد الأخرى يبدو كمن يطلق النار على قدمه. فالناس كما يقولون على دين حكامهم.

    غياب الحرية

    في الوقت الذي يرفع فيه النظام الحالي في اليمن لافتة الحرية والديمقراطية، فانه يقوم وباضطراد غير مسبوق، بممارسة اشد انواع القمع ضد المواطنين ويصادر حقهم في التعبير عن آرائهم بطرق شتى. فهناك المصادرة للحقوق بشكل كامل كما هو الحال بالنسبة للحظر القائم على تأسيس القنوات الإذاعية والتلفزيونية وهو امر لم يعد مقبولا حتى في اشد الانظمة استبدادا. وهناك اسلوب تشجيع الانقلابات داخل الأحزاب والعمل على تفريخ الصحف. وهناك المحاكمات والقضايا التي لا تنتهي. وفي الوقت الذي يموت فيه اليمنيون من الفقر والمرض فان النظام لا يتردد في هدر مئات الملايين من الأموال العامة على صحف لا هدف لها سوى الدفاع عن الفساد وتزييف الوعي واستخدام ما يجوز وما لايجوز في الحفاظ على الوضع الراهن بكل علاته.

    اما بالنسبة لحرية الصحافة، والتي يقدمها النظام كبديل لحرية الإعلام، فان الصحف التي تحاول اختبار تلك الحرية سرعان ماتجد نفسها في مأزق. ذلك ما اكدته تجربة صحف الشورى، الثوري، الوسط، ومؤخرا النداء. بالنسبة للشورى فقد فشل النظام في تدجينها بنفس الطريقة التي دجن بها صحيفة الأيام (تأسست في عام 1958) ولكنه نجح في مسخها. اما الثوري فيبدو، ويتمنى الكاتب ان يكون على خطأ، ان العناصر الموالية للنظام داخل الحزب الإشتراكي قد نجحت في الوصول الى مواقع هامة في اجهزة الحزب وهي في طريقها لتوظيف تلك المواقع للانقضاض على الخط المناصر للحرية والشفافية والمساءلة العامة، مع الإبقاء بالطبع على الخط الذي يستشف من طروحاته تأييده للانفصال. وها هي الوسط بدورها تتعرض لأبشع انواع الاستهداف حيث تم خطف وترويع صاحبها وبطريقة همجية كشفت عن قبح لا نظير له. واذا كانت الإنظمة الاستبدادية تلجأ الى اعتقال الصحفيين والمفكرين وايداعهم السجون، فان الأنظمة الفاشية والنازية هي وحدها التي تلجأ الى اساليب الخطف والتهديد والترويع، وهي وحدها التي تقسم الناس الى سادة وعبيد ولا تتردد في إثارة النعرات المناطقية والطائفية والعرقية وبشكل يهدد السلم الإجتماعي.

    وفي مواجهة الهجمة الشرسة على الحريات في اليمن فان على الصحافيين الذين دفعوا وما زالوا يدفعون ثمنا غاليا في سبيل تثبيت حق اليمنيين في التعبير عن آرائهم وفي تقويم حكامهم ان لا تخرجهم تصرفات النظام غير المسئولة عن نضالهم في سبيل حرية تستند في المقام الأول الى مبدأ المسئولية الإ جتماعية والوطنية.

    واذا كان النظام، وفي سبيل الدفاع عن مصالح شخصية واسرية وفئوية ضيقة يبدو مستعدا لتجاوز كل الخــطوط بما في ذلك الدفع بالبلاد الى اتون الصراعات المناطقية والطائفية والعرقية، فان على الصحفيين والمثقفين وقادة الرأي والسياسيين سواء أكانوا في السلطة أو في المعارضة ان يتجنبوا الإنزلاق نحو المطالبة بمصالح فئوية أو مناطقية أو عرقية أو حزبية. فما لم تكن هناك حقوق لكل اليمنيين باختلاف مناطقهم وقبائلهم ومذاهبــهم وطبقاتهم فلن تكون هناك حقوق لأي منطقة أو فئة أو طبقة أو سلالة.



    --------------------------------------------------------------------------------

    *أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء

    نقلاً عن صحيفة الوسط العدد(71)
     

مشاركة هذه الصفحة