لبنان في مهب عاصفة ميليس

الكاتب : Ameer_1924   المشاهدات : 331   الردود : 0    ‏2005-09-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-09-29
  1. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    لبنان في مهب عاصفة ميليس


    حسن الحسن


    كلما هبت عاصفة سياسية على لبنان، لاح في الأفق سؤالٌ عن مدى إمكانية استمرار هذا البلد كوطنٍ مستقلٍ ومستقرٍ في دولة موحدة بتركيبته الحالية، التي صاغها الإنكليز والفرنسيون، ضمن ما يعرف باتفاقية سايكس-بيكو المشؤومة.

    فقد كالت جملة التفجيرات والاغتيالات الأخيرة، المزيد من الضربات للكيان اللبناني المصطنع على نمط (cut & paste)- أي بالاقتطاع من دول الجوار والإلحاق بجبل لبنان، مما زاد من تصدع توافق تركيبته السياسية غير المتجانسة والهشة أصلاً.

    وجاء اقتحام القاضي الألماني ميلس مع لجنة التحقيق الدولية للحياة السياسية اللبنانية المضطربة بقرارٍ دولي، ليزيد العبئ على كاهل الطبقة السياسية الفاسدة في لبنان، ما أفسح المجال لإماطة اللثام عن طبيعة الصراع الدولي وانعكاساته على النظام السياسي والأمني اللبناني المختل، وإبرازه على صورته الشوهاء الحقيقية.

    ومن حوادث التفجيرات والاغتيالات إلى قضية سلاح حزب الله وموضوع الطائفية السياسية التي يحياها البلد، بدءاً بمارونية رئيس الدولة وصلاحياته، وهي من امتيازات الموارنة حصراً، تلك الامتيازات المشينة، والتي فقدت كل مبرراتها التاريخية والسياسية فضلاً عن الحقوقية، وصولاً إلى المحاصصة في السلطة بين الفرقاء، وكأن لبنان هو شركة مساهمة صرفة لا غير.

    وإضافة للقضايا الداخلية، فهناك حاجة ملحة لتحديد موقف لبنان من مجمل القضايا المطروحة في المنطقة، كقضية احتلال العراق وما يسمى الحرب على "الإرهاب" والعلاقة مع سوريا وما يتعلق بمزارع شبعا، فضلاً عن الموقف بشكلٍ عام من قضية فلسطين واللاجئين وحقوقهم المهدورة إنسانياً منذ أمدٍ بعيد.

    ونتيجة لما سبق، ينبغي أن ينعكس جدلُ الساسة والمفكرين، في نقاش جديٍّ للقضايا العالقة في لبنان، بل ومناقشة ماهية لبنان نفسه ومعنى وجوده ومغزى استمراره على هيئته الحالية، في ضوء حقيقةٍ لم يعد هناك مجالٌ للشكّ فيها أو إغماض الجفن عنها، ألا وهي: إن لبنان لا يمكن أن يشكل دولة نهائية لإحدى طوائفه دون الأخريات، في ظل الواقع الدولي والإقليمي القائم بعيد الحرب العالمية الأولى. كما فشل لبنان في أن يكون وطناً للجميع تحت أي مظلة أو هوية أخرى - بعد كل ما حصل منذ الاستقلال الموهوم عام 1943 وإلى لحظتنا الراهنة- سواء في مرحلته الأولى، حيث كان المطلوب أن يكون لبنان الناشئ شبيهاً "بإسرائيل". أي جزءاً من الغرب مندمجاً جغرافياً مع الشرق، على أساس إبقاء الموارنة أسياداً له. أو في مرحلة القومية الشائنة التي فرضها نظام البعث السوري إبان دخوله إلى لبنان عام 1975، وما أتبعه من سياسات مقززة فيها فضلاً عن سوريا نفسها.

    وبالتالي فإنه من العبث والسخرية بمكان، أن ينتهي النقاش عند تقرير ميليس وملحقاته، التي يُتوقع أن تُبرز أزماتٍ من نوعٍ جديد، وأن تُشكلَ هزاتٍ ارتجاجية تابعة لزلزال اغتيال الحريري، الذي تم استغلاله سياسياً من بعض الدول الغربية، لطرد النظام السوري من لبنان بشكلٍ مهين وبسرعة فائقة، فاجأت الجميع.

    وبهذا يكون التوقف في السجال الدائر في الوسط السياسي والإعلامي اللبناني، عند إقحام الدول الأجنبية في الشؤون الداخلية اللبنانية لتنحية فلان وإقالة آخر أو اعتقال مجموعة من الجناة أو المشتبه بهم لمجرد التشفي والأخذ بالثأر، إنما هو وضع ضمادة على جرحٍ غائرٍ ينزف، لن يلبث أن يتفجر مجدداً عند أول عاصفة سياسية أو أمنية جديدة.

    فما رافق الانتخابات النيابية الأخيرة من فرزٍ طائفيٍ وصراعٍ سياسيٍ، وما أُلحِقَ به من تطاعن إعلامي، يوضح أن الاهتراء ضاربٌ في جذور النظام السياسي اللبناني، وأن سنين الحرب المرّة التي عاشها لبنان، والسفه السياسي الذي سبق تلك الحرب، والإجرام الأمني الذي أعقبها، زادت من حدة التفسخ الطائفي والعنصري، ما ينذر بتفجر لبنان مجدداً، نتيجة للتوترات الكثيرة الداخلية.

    وما يزيد الأمر سوءاً هو ما يلوح في الأفق من رغبة أوروبية عارمة في تصفية حساباتها مع إدارة بوش في لبنان، تلك الإدارة المتورطة في العراق والمنشغلة في أفغانستان والغارقة في كاترينا وريتا، وذلك من خلال تحويل لبنان إلى بؤرة صراعٍ ساخنة لضرب النفوذ الأميركي فيها.

    وبذلك تثأر أوروبا من أميركا لالتهامها العراق منها، فتضيق عليها في لبنان بغية الضغط على الولايات المتحدة وابتزازها وإرغامها على إعادة نظرها في موضوع الهيمنة والتفرد في الساحة الدولية وموضوع عزل أوروبا عن التأثير فيها.

    وعليه فإن الإشارات المختلفة ترجح استعمال فرنسا ما سيؤول إليه تحقيق ميلس، لتسديد ضربة موجعة إلى النظام السوري في عقر داره هذه المرة، وللف الحبل على عنق كبار قادته الأمنيين كما فعلت في لبنان، ولارتباط هؤلاء بشكلٍ وثيقٍ بالرئيسين اللبناني والسوري. ما قد يدفع أميركا للتفكير الجدي بإجراءات احترازية لحماية نفوذها في سوريا ولبنان على حد سواء. وهو ما ينبغي مراقبته حثيثاً في الأيام والأسابيع المقبلة. ولعلّ استمرار وتيرة التفجيرات التي يشهدها لبنان في هذه الفترة إنما تأتي في هذا السياق.

    أخيراً فإن الجبهات المفتوحة على إدارة بوش من الأرض والسماء قد أربكتها فعلاً، وباتت تحتاج إلى كثيرٍ من الوقت والجهد للتصدي لآثارها. الأمر الذي ينذر بحالة التهاب الوضع في لبنان وسوريا معها، في ظل توقع اشتداد التنافس والصراع فيه وعليه بين ضفتي الأطلسي. أضف إلى ذلك حالة الغليان والإحباطٍ المحلي، ما يجعل المنطقة خصبة للتفاعل المتفجر على النمط العراقي، هذا إن لم تجر صفقة ما بين الدول الغربية، يتم من خلالها التفاهم على توزيع النفوذ والغنائم بينهم من خلال إشراك أوروبا (فرنسا - بريطانيا) بشكلٍ أكثر فاعلية، في ما يخطط للمنطقة ككل.




    حسن الحسن- نائب ممثل حزب التحرير المملكة المتحدة

    a_l_hasan*yahoo.dk



    المصدر : http://www.mokarabat.com/s815.htm
     

مشاركة هذه الصفحة