العلمانية و الديمقراطية و أولوية السياسة؟؟؟

الكاتب : نبض عدن   المشاهدات : 403   الردود : 0    ‏2005-09-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-09-25
  1. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    .بهدف الاستفادةمن كل شي وتفعيل المجلس السياسي قررت انا فتح بابللنقاش حول العلمانيه والديمقراطيه واولويه السياسة وهناك اتجاهات منتوعه في الفكر العربي والانساني لها وجهات نظر منتوعه حول تلك المفاهيم وكل ما اتمني انا ان يكون للاخوة والاخوات مشاركه معنا في النقاش ويكون لنا راي في ذلك ؟؟؟؟ يقول سلامه كيلة ,,, يبدو أن النقاش حول العلمانية يفتح على موضوعات متعدِّدة، تتعلّق بالتاريخ كما تتعلّق بالراهن. و لكنها تتعلّق أيضاً بمعنى السياسة و بطبيعة الفهم السياسي الذي ينتشر بين المثقفين و الفاعلين السياسيين. و بالتالي فهو يشعِّب المسائل، و يتناول ربما " عقل " مرحلة بأكملها. لكن المسألة المركزية التي يشير إليها تتعلّق بالفهم السياسي تحديداً، لهذا نلمس أن مفهوم العلمانية و ضرورتها، كما الليبرالية، أُخضع لمسألة السياسة التي تقول بأولوية الديمقراطية. و بات الهدف السياسي المباشر ( أو الراهن ) هو المهيمن، و النزّاع لأن يجبَّ كل المسائل الأخرى، رغم أن العديد من المداخلات تناولت العلمانية. التي كان تناولها مدخلاً لتلمّس هذه الإشكالية في الفكر التي تحصر القضايا في مسألة واحدة .
    عن العلمانية:
    حيث سنلمس الخلاف التاريخي حول تقييم الصراع بين تيارين في الفكر العربي، الأوّل: هو التيار الديمقراطي العلماني، و الثاني: هو التيار الأصولي الإسلامي.
    فالدكتور برهان غليون يشير إلى " إنقسام المثقفين " في مداخلته في الحوار الدائر حول العلمانية ( د. برهان غليون ، إنقسام المثقفين: مساهمة في النقاش حول العلمانية و الإسلامية، موقع الرأي 19/ 8/ 2005 ). و هو هنا يعيدنا إلى تصوّره الذي طرحه خلال ثمانينات القرن العشرين، حينما أشار في كتابه " إغتيال العقل " إلى التناحر بين التيارين، محاولاً كما أشار في تعليق لاحق، أن يفصل بينهما لكي يؤسِّس لحوار ديمقراطي بينهما. و هو هنا يلمس ذلك أيضاً و إنْ بصيغة أبسط، حيث يضع مفهوم الهوية ( الذي يقوم على أسسٍ إسلامية ) في مقابل التيار الديمقراطي العلماني، أي تيار الحداثة. ليشير إلى " القطيعة بين تيار الهوية و تيار الحداثة ". ليدعو إلى " تجاوز القطيعة بين تيارات إسلامية و تيارات علمانوية " ، عبر تجدّد الهوية " و إستعادة الأنا التاريخية المبادرة في إستيعاب الحداثة و توطينها ".
    و يبدو مفهوم الهوية هنا مفهوم مركزيّ، و هو يرتبط بالتحديد بالإسلام. و هذا ما يوقع النقاش في إلتباسات. فماذا تعني الهوية؟ و هل الإسلام هوية؟ و من أيّ نوع؟ المشكلة التي لم يلمسها د. برهان هي أن مفهوم الهوية متغيّر، و إذا كان الإسلام هو هوية ثقافية ( و أيديولوجية ) في مرحلة تاريخية، و يجري التعريف إستناداً إليه ( رغم أن التعريف القومي كان حاضراً بصيغة ما )، فإن نشوء الفكر الحديث، الذي يشتمل الديمقراطية و العلمانية، قد أسَّس لإنتصار المفهوم القومي، عبر إنتصار الدولة/ الأمة بدل الإمبراطورية
    و لهذا مال مفكّرو عصر النهضة العربية إلى الربط بين الأفكار الديمقراطية العلمانية و القومية ( العربية أو المصرية ). و بالتالي باتت تتبلور هوية جديدة تعرِّف البشر في هذه المنطقة، و كانت إطار مواجهة الهيمنة الرأسمالية ( ربما كان جمال الدين الأفغاني هو الوحيد الذي ربط مواجهة الهيمنة الرأسمالية بالإسلام، أما رجال الدين الآخرين فقد ربطوا ذلك بالإطار القومي ). و هذا ما كان يجعل الإسلام كهوية جزءاً من الماضي، دون أن يلغي الدين الإسلامي، و دون أن نتجاهل مؤثّرات ذلك التاريخ في الثقافة.
    و بالتالي فقد كان الإنشقاق الذي شهده النصف الأوّل من القرن العشرين، هو إنشقاق بين مشروعين فكريين/ سياسيين: مشروع نهضويّ عربيّ يقوم على أسس الديمقراطية و العلمانية و الإقتصاد الحرّ و بناء الصناعة و ينطلق من الإطار العربي. و آخر يهدف إلى إعادة بناء الدولة الإسلامية عبر تطبيق الشريعة. و هو التمايز الذي بدأ بين محمّد عبده و عبد الرحمن الكواكبي، و تواصل من عبده إلى رشيد رضا و حسن البنّا ( و نشوء الإخوان المسلمين )، إلى سيّد قطب و " الإسلام الجهادي "، كإتّجاه أصوليّ يستعيد الماضي و يرفض " الغرب " ( ليس الهيمنة الغربية بل الحضارة الغربية ). و من الكواكبي إلى عبد الحميد الزهراوي ( و شهداء النهضة )، إلى على عبد الرازق ( الذي أصّل فصل الدين عن الدولة )، و طه حسين و ساطع الحصري و قسطنطين زريق، و هو الإتّجاه الذي حمل مشروع الحداثة.
    و لقد كان الصراع بينهما حتميّاً، إنطلاقاً من أن إتّجاه كان يسعى لإعادة إنتاج الماضي و الحفاظ على البنى التقليدية القائمة آنئذ، و آخر كان يسعى لإنتصار الحداثة التي ولدت في أوروبا ( بما فيها الصناعة التي هي أسّ الحداثة ). و كانت العلمانية تعني تحييد الدين ( مع إعطاء الحرّية الدينية )، و مواجهة المشروع السياسي الإقتصادي الأصولي. الأمر الذي جعل هذا " التناحر " موضوعياً ، و جزء من الصراع الإجتماعي الواقعي، حيث تدامجت الأصولية مع السلطات الملَكية و الطبقة الإقطاعية، و تهادنت مع الإستعمار. بينما مثّلت تيارات الحداثة ( القومية و الشيوعية ) قوى المواجهة ضد الإستعمار و محاولات التطوّر و تأسيس الدولة الحديثة.
    و في هذا الوضع كان الإسلام يستمرّ كدين و كتراث ثقافي، و كانت الحداثة تفترض تأسيس بنية إقتصادية و تكويناً سياسياً فكرياً جديدين، هما ذاك الذي تبلور مع نشوء البرجوازية الأوروبية، و الذي بات يمثّل مستقبل مجتمع كان لازال يعيش القرون الوسطى، كمجتمع زراعيّ يقوم على الكفاف، و يعيش التخلّف الثقافي و المجتمعيّ الشامل. و لأن حامل هذا المشروع، أي البرجوازية، لم يكن منسجماً معه، نتيجة إرتباطه بالبنى الإقطاعية و تشبيكه مع القوى الإستعمارية أو مهادنته لها، فقد عاش مأزقاً، و بدا كأفكار معلّقة في الهواء، الأمر الذي دفع الفئات الوسطى إلى مقدّمة المسرح معلنة علمانية ملتبسة، أو أنها أبقت الشريعة كمصدر أساسيّ في التشريع، كما أبقت الأحوال الشخصية خاضعة للدين مع إعطائها صبغة " مدنية " عبر إخضاعها للدولة. و بالتالي دون أن يتحقّق المشروع النهضوي في مختلف أبعاده.
    و المسألة هنا لا تتعلّق بالخلاف حول العلمانية فقط، رغم أهمية ذلك في مواجهة قوى تسعى لفرض الدولة الدينية، بل أن المسألة تتعلّق بمشروع الحداثة ككل، أي ببناء الصناعة و تحديث الفكر و المجتمع و النظام السياسي، حيث أن المشروع الأصولي لا يحمل حلم التصنيع الذي هو جوهريٌّ لتحقيق الحداثة ذاتها، على العكس فإن المنطق الإقتصادي لكل الحركة الأصولية يقوم على الليبرالية بأردأ أشكالها، أي الحرّية المفرطة في التملّك و الآليات مفرطة العفوية للسوق. لأنها تركّز على التجارة ( التي فيها تسعة أعشار الربح ) بدل الإنتاج. و تعلن رفضها لكل الحداثة " الغربية " التي هي صورة مستقبلنا، مشدِّدة على رفض " سياسات التغريب و التبعية الحضارية و مشتقاتها ". مصمِّمة على أن المشروع الليبرالي ( أي الديمقراطي العلماني ) هو مشروع " غربيّ ". رافضة " العادات و التقاليد البالية من جهة، و المستوردات المنحرفة من جهة ثانية ". و للفكر الغربي ككل ( محمّد الحسناوي " عن الصحوة الإسلامية في سوريا " موقع الرأي 26/8 ، نقلاً عن صحيفة القدس العربي ). و بالتالي مؤسِّسة لإعادة " القيم " و البنى التقليدية القديمة في مواجهة مجتمع يسعى إلى الحداثة. و هنا يجري الدفع بإتّجاه العودة للتدخُّل في التعليم و في القيم الشخصية. بمعنى أنه حتى مستويات " العلمانية الموضوعية " ستتعرّض للتآكل، أو تسعى الحركة الأصولية لشطبها.
    هذا الميل الأصولي يفرض التأكيد على العلمانية من أجل إنتصار الحداثة. و هو المحرّض لأن تتحوّل العلمانية إلى مطلب سياسيّ، يتضخّم أحياناً، و يمكن أن يتحوّل إلى أيديولوجيا لدى بعض القطاعات. و هو شبيه بوضع فرنسا و كل الدول التي كانت الكنيسة الكاثوليكية تصارع من أجل تأبيد سلطتها. حيث يصبح إقرار علمانية الدولة هو المدخل لتراجع هذا الميل، و تحقيق الحريات الدينية. و بالتالي فإن المسألة هنا لا تتعلّق بـ " تجاوز القطيعة "، لأن المشروعين متناقضين، و لأن تأكيد العلمانية ضرورة من أجل الديمقراطية، و كذلك لأن صياغة الهوية يفترض التأكيد على الدولة/ الأمة و ليس على الهوية الدينية، حيث أن مبدأ المواطنة ينطلق من هذا الأساس، ليتساوى كل المواطنين بعلاقتهم بالدولة مع إختلافهم الديني. فالدولة المدنية الحديثة هي محايدة تجاه الأديان.
    ما حاولت قوله هو أن القطيعة لم تكن بين الحداثة و الهويّة، بل كانت بين الحداثة ( التي تتضمّن الهويّة ) و البنى التقليدية. فالإسلام السياسي لا يعبّر عن الهويّة، بل يعبّر عن مشروع إقتصاديّ إجتماعيّ و سياسيّ مستجلب من الماضي. و هذا التمييز مهمّ و ضروريّ، حتى حين التفكير بـ " تحالف ما "، لأنه سيكون تحالفاً مؤقتاً و لحظياً، لأن أوجه الإختلاف و التناقض أعلى من أوجه التوافق، فنحن إزاء مشروعين متناقضين، ( رغم أنه يمكن أن يجري التوافق الجزئي على قضية في لحظة محدّدة )، يجيبان بشكل متناقض على سؤال التقدّم الذي أشار إليه د. برهان. و لم تكن مسألة الهوية هي الفيصل بينهما، لأن التيار الحداثي قام بتجديد الهوية عبر تحويلها من الإرتباط بالدين إلى الإرتباط بالبشر، الأمر الذي بلور الهوية القومية التي تتضمّن كل التاريخ السابق و لا تقطع معه. حيث قام بتغيير " طبيعة الأنا الجمعية الفاعلة " التي يشير إليها د. برهان، بما تقتضيه الحداثة ذاتها و ما يتوافق مع التطوّر التاريخي الذي فرض التبلور القومي كأساس للتكوين العالمي الحديث.
    منطق السياسة:
    و هذا يدخلنا في المسألة الأخرى التي تواجه النقاش الراهن، و هي مسألة سطوة اللحظة الراهنة، التي تفضي إلى حصر الرؤية في هدف سياسيّ وحيد، و إعتبار أن أيّ ميل لطرح أهداف أخرى يقود إلى التشويش، و تفكيك " التحالف " الذي يجري التصوّر على أنه ممكن و ضروري. و بالتالي تتقزّم السياسة إلى أن تكون مجرّد تكتيك، و تضيع تمايزات التيارات السياسية و إختلافاتها( و تناقضاتها ). و ليتشكّل " خطاب موحّد " يتناول قضية واحدة هي الديمقراطية. و يصبح محور الإستبداد/ الديمقراطية هو الطاغي، و الذي يحتلّ " العقل "، و تُصاغ البرامج السياسية إنطلاقاً منه، و يدخل الفكر لكي يعطي التبرير النظري له. و لتصبح كل القوى ذات " لون واحد ". و بالتالي تضيع المسافة بين الرؤية التي تعني تصوّراً للواقع في مجمل مستوياته، و الأهداف العامة التي تسعى أية قوّة لتحقيقها. و بين الهدف الأساسي في لحظة من اللحظات، لمصلحة إلغاء الرؤية و تضخيم الهدف الأساسي. الأمر الذي يقود – في الواقع – إلى العجز عن تحشيد القوى عكس ما يعتقد أصحاب هذا المنطق، لأن تأسيس القوى الفاعلة يستند إلى الرؤية و مجمل الأهداف ( أي طرح الأهداف السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية ). و عادة يفرض تحديد هدف كهدف مركزيّ له الأولوية، تشبيك تحالفات مع قوى أخرى في لحظة محدَّدة، و لمرحلة مؤقتة، و هذا ما يسمّى: التكتيك.
    أما الإنطلاق من التكتيك فقط ، فهو يحصر التحالفات في القوى المتضرِّرة من الممارسة ( و هنا الإستبداد ) التي تحسّ بها هي و لا تحسّ بها كل الفئات الإجتماعية بالضرورة. و بالتالي يكون المستوى السياسي هنا هو مجال الفاعلية، و تُخرج كل الفئات الإجتماعية من مجالها، رغم أن هذا المستوى يؤثّر في وجودها، لكنها تعتبر أن السياسة " رجس من عمل الشيطان "، لهذا تميل إلى التكيّف في " الإطار الإجتماعي "، الذي يعني عيش " الحياة العادية " بمعزل عن هموم السياسة و مشاكلها. لكنها تدافع عن مصالحها الحياتية و تتفاعل مع المسائل الوطنية/ القومية.
    لهذا سيبدو التركيز على المستوى السياسي كإنعزال عما هو مجتمعي، و التقوقع في إطار عدد محدَّد ممن يعملون في السياسة. و لهذا تبقى الفاعلية محدودة و منحصرة، و أيضاً بعيدة عن مشكلات الفئات الشعبية المتذمّرة ( نتيجة العاملين سابقي الذكر ). و هو الوضع الذي لا يقود إلى تجاوز الإستبداد نحو الديمقراطية.
    هنا نقع في إشكالية منهجية تتمثّل في الأولوية التي تحظى بنشاطنا: هل هي إزالة الإستبداد و إنتصار الديمقراطية، أم هي بناء الرؤية و تأسيس حركة مجتمعية فاعلة؟ في الشق الأوّل من السؤال يبدو أننا قادرون على الفعل، حيث أن وضع المسألة في هذا الإطار يشير إلى فعلٍ عمليّ، أي إلى مقدرة على حشد قوى من أجل حسم الصراع في هذه اللحظة لمصلحة التحويل من الإستبداد إلى الديمقراطية. بينما يشير الشقّ الثاني إلى ضرورة بلورة الرؤية و السعي لتأسيس القوى عبر التفاعل مع الحركة المجتمعية، لكن دون تجاهل الشقّ الأوّل، و بالتالي تجاهل أن الديمقراطية هي هدف مركزيّ الآن. و الذي يفصل بين الشقّين هو أن تفاقم الصراع الداخلي لم يصل إلى لحظة " الحسم " و فق الوضع الداخلي ذاته، و طبيعة الحراك الإجتماعي ( و ليس السياسي فقط ) القائم. ليفترض التركيز على هذا الهدف و تأسيس التحالفات الضرورية من أجل تحقيقه.
    الأولوية هنا تصبح جزءاً من حشد عام، و لتحقيق إتّساقه و تنظيمه، و لا تكون من أجل تحقيق تغيّر نوعي لا تتوافر القوى لتحقيقه. هذا الأمر الذي يحتاج إلى جهود كبيرة من أجل إعادة بناء القوى بعد التدمير الهائل الذي تعرّضت له بفعل الإستبداد ( و لأسباب تتعلّق ببنيتها و رهاناتها و طريقة عملها ).
    هذا النقاش في جوهر ما تناوله كل من جهاد مسوتي ( جهاد مسوتي، الديمقراطية أوّلاً و أخيراً ، موقع منتدى الأتاسي )، و غسان مفلح ( غسان مفلح، الليبرالية خارج النصّ، موقع الحوار المتمدّن 29/8/2005 )، في ردّهما حول مسألة العلمانية و الليبرالية. حيث إعتبر جهاد أن أولوية الديمقراطية تجعلنا نتجنّب التشويش عبر طرح مسائل أخرى ليس هذا وقتها، و كذلك رأى أن لها أولوية حتى من أجل النقاش فقط . بينما يشير غسان إلى أن النقاش حول الليبرالية هو " خارج النصّ " لأن الأولوية هي للديمقراطية، و بالتالي يجب تركيز الجهود من أجل تحقيقها قبل كل هذه " الثرثرة " ( و هذا تعبير منّي )، بل من أجل أن نستطيع النقاش الحرّ. و كما أشار د. عبد الرزاق عيد في ردّه على النقاش حول العلاقة بين الليبرالية و الديمقراطية ( و هو ما فعله د. برهان غليون )، أننا لا نملك ترف النقاش ( د. عبد الرزاق عيد، النخب السورية و ترف الإختيار بين الديمقراطية و الليبرالية، كلنا شركاء تاريخ 8/ 8/ 2005 ) و كأننا متمترسون في الخنادق في حرب ضروس.
    كل ذلك يشير إلى أن المسألة بدت و كأننا في لحظة حسم الصراع، و ليس في لحظة إستنهاض القوى من أجل الصراع بعدما حاق بها من تدمير. و هي قراءة خاطئة للواقع تتنافى مع تقييم هؤلاء لوضع الحركة السياسية المعارضة، و لوضع السلطة كذلك. و فيه تغييب لوضع الطبقات الإجتماعية. و ليبدو أن المسألة تتعلّق بـ " ردّة فعل " على ما هو قائم، و ليست نتاج تحليل شامل للواقع و تحديد لممكناته.
    بمعنى أن هناك عدم تمييز بين أن يكون الوضع يحتمل التغيير، و لهذا يمكن تأسيس تحالفات على نقطة واحدة و مع قوى متنوّعة. و بين أن يكون المطلوب هو تأسيس قوى قادرة على لعب دور في مدى زمني معيّن، الأمر الذي يفرض تأسيس رؤية ( و هي غائبة لدى الحركة السياسية ) في إطار الفعل الواقعي. أي أن هناك عدم تمييز بين اللحظة التي تفرض الحركة و الوضع الذي يستلزم توضيح الرؤية و تنظيم نشاط الفئات الإجتماعية المتململة، و تشكيل قوّة مجتمعية فاعلة. بمعنى أن معنى " اللحظة " سيكون مجال نقاش هنا، و بالتالي مجال خلاف كذلك، لأن المتداول هو التركيز على الحركة دون رؤية، و على التحالف دون تصوّر، و" الغرق في اللحظة ".
    و هذا مرض مزمن، تكرّس في إطار الحركة الشيوعية بفعل الطابع الستاليني الذي حكمها، و الذي جعلها تُخضِع الرؤية و الفكر لما هو تكتيكي. و تُخضِع الرؤية للحركة. و هو مرض لازال مستشرياً في إطار الحركة السياسية، و هو الذي يحكم الردود في الغالب. و هو " المرض " الذي يقوم على الإستنفار الدائم و كأن التغيير سيحدث غداً. لهذا يكون الحوار و التفكير و البحث هو خارج الموضوع، لأنه ترف في إطار الصراع الواقعي، و مشوّش على نشاط عملي يومي ( بل لحظي ). الأمر الذي يُخضِع الحركة للعماء، و يدفعها للتخبّط المستمرّ، و يلحقها ( بما هي حركة عشوائية ) بالقوى التي تعي مصالحها و لها رؤيتها، كما حدث طيلة عقود من تاريخ الحركة الشيوعية العربية ( و السورية خصوصاً ).
    هذه المسألة جوهرية، و تفرض أن تتبلور الرؤية و تتحدَّد المصالح، و تُصاغ الأهداف. و هو جهد نظريّ ضروريّ، و يمكن أن يتحقّق في اللحظة التي يجري فيها النشاط السياسي. و مَنْ يؤسِّس لتناقض بين النشاطين ( النظري و العملي ) هو " المتوتّر " فقط، الذي يميل إلى " الحركة "، التي ستكون عشوائية بالتالي، و الذي يخلط بين أن الوضع يجب أن يتغيّر، و أن هناك إمكانات واقعية لتغييره. بين الأمل بتغييره و أن هناك إمكانية فعلية لتغييره. هذا الخلط هو الذي يُنتج " التوتّر "، و يقود إلى سياسة خاطئة، إنفعالية و عفوية.
    إذن، من الضروري أن نحدِّد معنى " اللحظة الراهنة "، و هل تفرض " خطوة عملية " التي هي أفضل من دزّينة برامج؟ أم تفرض خطوة عملية تؤسِّس لإعادة بناء الحركة السياسية؟ أي هل أن التناقضات نضجت إلى الحدّ الذي يفرض الحسم، أم أنه من الضروري تصعيد التناقضات عبر بلورة الرؤية و تطوير نشاط الطبقات الإجتماعية؟ و بالتالي فالخلاف هنا يتمظهر حول " الخطوة العملية ". حيث أن " التوتّر " يقود إلى خلط اللحظات، و التسرّع نحو " العمل " دون إمكانات واقعية، و في الوقت نفسه الهروب من السعي لبناء الإمكانات الواقعية. بمعنى أن ضغط الواقع الإستبدادي يفرض الرفض دون تأسيس الآليات التي تسمح بتغيير الواقع الإستبدادي، ليتأسّس الرفض على ردّة الفعل و ليس على الوعي. أي على الحسّي و ليس على الوعي.
    هذا الوضع هو الذي يؤسِّس للتعامل مع الواقع و كأننا " عشية الثورة "، أو " عشية التغيير ". و بالتالي يوجِد حالة " التوتّر " المستمرّة، لأن التغيير سيحدث غداً، و حيث يجب التركيز على هذه النقطة و تجميع كل القوى من أجلها. الأمر الذي يجعل السياسة هي الأساس، و بالتالي يلغي التأسيس النظري، و تحديد الرؤية الشاملة المعبّرة عن إتّجاه سياسي محدَّد أو عن مصالح طبقية إجتماعية. حيث سيبقى المتحكّم بالرؤية هو هذه " اللحظة " المستمرّة، حتى حينما يحدث التغيير بفعل قوى أخرى، حيث تعود " اللحظة " لتسيطر من جديد، و يتحدَّد " الموقف السياسي " فيها دون لمس أية مسائل أخرى. و هكذا لا يتأسّس تراث نظريّ سياسيّ، و تغيب الرؤية العامة، و بالتالي تبقى في إطار " الحركة الدائبة " دون تأسيس الرؤية و الأهداف التي هي وحدها تؤسِّس حركة إجتماعية فاعلة تحوّل الحزب إلى قوّة تغيير فعليٍّ.
    و هذا هو منطق بيرنشتاين الذي أكّد على أن الحركة هي كل شيء بينما الهدف النهائي هو لا شيء. أي باتت تناقضات اللحظة منفلتة من التناقض العام و غير خاضعة له، و بات التكتيك ( الذي هو الهدف اللحظي ) كل شيء بينما ضاعت الرؤية و الأهداف، و إنتصرت الحركة العشوائية التي تخضع لمتطلبات اللحظة فقط.
    هنا بات معنى السياسة في إطار الإلتباس أو التقزيم إلى مستوى " اللحظة " أو التكتيك. رغم أن " اللحظة " أو التكتيك يجب أن تتأسّس على ضوء رؤية هي التعبير عن مصالح طبقة ( أو طبقات )، و عن تصوّرها البديل و آليات تحقيق ذلك. لتكون اللحظة هي خلاصة كل ذلك، و تصبّ في سياق تصوّر عام، و التي على ضوئها يمكن صوغ التحالفات. و ليس من قيمة حقيقية لـ " اللحظة " ( أو الهدف الرئيسي ) دون قوّة فعلية تعبّر عن الحركة المجتمعية. لأنها تتضمّن هدفاً يجب كسره، و دون قوّة ليس من إمكانية لذلك. بمعنى أن تحديد الهدف المركزي و تشديد الهجوم عليه دون وجود قوّة فعلية لن يُفضي سوى إلى الفشل، و لهذا يصبح للهدف الرئيسي معنى حينما تحدِّده قوّة فعلية.
    و بالتالي فإن التركيز على الديمقراطية و إعتبارها الهدف الأوحد في الوضع الراهن، لن يبدو إلا كمسخرة لأنه يلغي الطابع العام لكل الإتّجاهات الفكرية السياسية و الطبقية، و يزيد في إضعافها بالتالي. دون أن تتحقّق الديمقراطية نتيجة هذا الفعل.
    هذا الوضع هو الذي يفرض النقاش حول مختلف القضايا، كما يفرض السعي لتأسيس حركة مجتمعية فاعلة يمكنها أن تصبح قوّة تغيير. و هو العمل الذي يحتاج إلى تجاوز " التوتّر " و " ردود الأفعال "، و التفكير العميق بالواقع السوري الراهن.
    لسنا في الخنادق لكي لا يكون لدينا ترف الحوار، لأننا نسعى لإعادة تأسيس الحركة السياسية، و لأننا نهدف إلى تفعيل النشاط المجتمعي. و لهذا يجب أن تُطرح كل القضايا للحوار دون التقوقع في شرنقة ( الإستبداد/ الديمقراطية ) لأنه لا خلاص من الإستبداد ( الراهن و القادم )، و لا طريق إلى الديمقراطية الحقّة إلا عبر ذلك. فنحن لا نريد " ديمقراطية شكلية " باتت تُمارس، رغم أهمية أي إنفراج، و ليس من ديمقراطية حقّة دون تحقيق تطوّر أساسيّ في الإقتصاد، و دون حقوق للطبقات الشعبية. و هذا هو أساس أيّ عمل مستقبليّ.
    الصراع السياسي ضمن الحدود القائمة ضروري، و لكن يجب السعي لتأسيس رؤية للواقع تسمح بإعادة تأسيس الحركة السياسية. و هذا و ذاك متكاملان، و لا يجب أن نتجاهل أيٍّ منهما، لأن المستقبل يفترض إعادة بناء الرؤية ، فقد تلاشت كل التعبيرات الفكرية الطبقية التي تمثّل الإتّجاهات المختلفة فيما عدا الإسلام السياسي الذي بدا أنه يسيطر على مجال التعبير السياسي و " الجهادي ". و لهذا يكون من الضروري إعادة تأسيس تلك التعبيرات الآن، لأن السيطرة على مجال التعبير السياسي التي تمّت تبعت إنهيار كل الإتّجاهات السياسية القومية و الشيوعية و الوطنية العامة، و خلْق فراغ فكريّ أسّس لعودة " الوعي الديني " في المجال السياسي. لهذا بدا أن للإسلام السياسي دور في مقاومة أنظمة الإستبداد، و من ثَمّ في مقاومة " الإمبريالية " ،أو الإستكبار العالمي، أو الغرب الصليبي. و أصبح يُنظر إليه من هذه الزاوية فقط ، أي بتجاهل رؤيته الكليّة و مشروعه " التاريخي "، و إجابته على سؤال التقدّم ( أو التطوّر ). و بالتالي بعقد " مصالحة " معه أو مع أحد أطرافه ( المعتدل أو الجهادي كما يُسمّى ) تلغي " الذات " ، و تضيِّع كل التيارات الأخرى، بحجّة أن مواجهة الإستبداد أو مواجهة الإمبريالية تقتضي ذلك، و تفرض عدم تقديم التصوّر المتكامل الذي يعبّر عن هذا التيار أو ذاك ( القومي أو الماركسي أو الديمقراطي )، كما تفرض عدم اللجوء إلى نقد هذا التيار الأصولي لأن ذلك يوجد تحسّسات تمنع التحالف أو التنسيق الذي هو ضرورة في مواجهة الإستبداد أو الإمبريالية( مع ملاحظ أن التيار الذي يدعم " الجهاد الإسلامي " ضد الإستكبار العالمي يتناقض مع التيار الذي يدعم التيار الإسلامي الذي يناهض الإستبداد و بالعكس، و كلّ منهما يرفض الآخر ). الأمر الذي يُبقي المشروع المجتمعي الوحيد المطروح هو المشروع الذي يقدّمه الإسلام السياسي بمختلف تلاوينه، و الذي لا يحقِّق التطوّر الإقتصادي الإجتماعي و لا يأتي الديمقراطية، لأن واقعه يقول أنه يسعى لتطبيق قوانين تخصّ الإقتصاد و المجتمع و الأحوال الشخصيّة و السياسة تبلورت منذ ما يقارب الخمسة عشر قرناً.
    أقول أخيراً أن التحالفات و " التكتكات " تجري بين قوى سياسية متبلورة، و في لحظات تفرض الضرورة ذلك، أو يمكن الوصول إلى توافقات طويلة الأمد تؤسٍِّ لتحالف طويل الأمد، و هذا يتحقَّق بين قوى متقاربة عكس التحالف المشار إليه آنفاً. إذن، يجب رؤية الواقع قبل التفكير في الصراع السياسي.
     

مشاركة هذه الصفحة