هذا ماقالة احد اعداء الاسلام وهذا رد الدكتور منصور علية.. لاناسخ ولا منسوخ في القران

الكاتب : No Way   المشاهدات : 464   الردود : 1    ‏2005-09-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-09-16
  1. No Way

    No Way عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-05-24
    المشاركات:
    373
    الإعجاب :
    0
    هذة مقالة احد الاقباط المعادين للاسلام بتاريخ 07-03-2005 نتمنى اخذ دقائق معدودة لقراءته

    http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?t=2&aid=32956

    وهذا رد الدكتور احمد صبحي منصور علية بتاريخ 16-03-2005
    [/color]لا ناسخ ولا منسوخ فى القرآن الكريم

    النسخ فى القرآن يعنى الكتابة والاثبات وليس الحذف والالغاء

    أولاً: قضية النسخ فى القرآن

    معنى النسخ فى القرآن: الكتابة والإثبات
    (1) فى لغتنا العادية نقول "نسخ المذكرة" أى كتبها، ونقول أطبع لى هذا الكتاب ألف نسخة، وذهبت إلى مكتب النسخ لأنسخ على الآلة الكاتبة عشر نسخ من هذه المذكرة ونقول "انسخ لى بالخط النسخ".والمعنى المألوف للنسخ هنا هو الكتابة والإثبات وليس الحذف والإلغاء، وهذا فى اللغة العربية التى نزل بها القرآن والتى لا تزال نستعملها.
    وقد جاءت كلمة "نسخ" ومشتقاتها فى أربعة مواضع فى القرآن الكريم، وكلها تعنى الكتابة والإثبات وليس عكسها.
    وهذه المواضع هى:

    (1) يقول تعالى:﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة 106).
    (2)ويقول تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ إِلاّ إِذَا تَمَنّىَ أَلْقَى الشّيْطَانُ فِيَ أُمْنِيّتِهِ فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ﴾ (الحج 52).
    (3) ويقول تعالى: ﴿هَـَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقّ إِنّ كُنّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية 29).
    (4) ويقول تعالى: ﴿وَلَماّ سَكَتَ عَن مّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الألْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لّلّذِينَ هُمْ لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (الأعراف 154).
    ولنتوقف مع كل آية على حدة لنتعرف على معنى كلمة "نسخ" فى القرآن الكريم.

    (1) يقول تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة 106).
    وحتى نتعرف على المعنى المراد بالآية علينا أن نبدأ القصة من أولها من خلال القرآن. فقد كان مشركو مكة يطالبون النبى بآية حسية حتى يؤمنوا به ﴿وَقَالُواْ لَن نّؤْمِنَ لَكَ حَتّىَ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعاً. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنّةٌ مّن نّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجّرَ الأنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً. أَوْ تُسْقِطَ السّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىَ فِي السّمَآءِ وَلَن نّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ حَتّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبّي هَلْ كُنتُ إَلاّ بَشَراً رّسُولاً. وَمَا مَنَعَ النّاسَ أَن يُؤْمِنُوَاْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَىَ إِلاّ أَن قَالُوَاْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَراً رّسُولاً﴾ (الإسراء90: 94).
    وقد تكرر رفض الله سبحانه وتعالى إنزال آية حسية وهذا ما نلحظه فى القرآن الكريم ﴿وَيَقُولُ الّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مّن رّبّهِ قُلْ إِنّ اللّهَ يُضِلّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيَ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ (الرعد 27).. ﴿وَيَقُولُ الّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مّن رّبّهِ إِنّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد 7).﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مّن رّبّهِ قُلْ إِنّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَىَ أَن يُنَزّلٍ آيَةً وَلَـَكِنّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (الأنعام 37).

    وقد أوضح القرآن المانع فى إنزال آية- أو معجزة حسية- على الرسول عليه السلام، فالمعجزات الحسية- أو الآية الحسية- لم تجعل الأمم السابقة تؤمن بالأنبياء ولن تجعل مشركى العرب يؤمنون، وفى ذلك يقول تعالى ﴿بَلْ قَالُوَاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ الأوّلُونَ. مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء5،6).
    وأوضح رب العزة للرسول أنهم لن يؤمنوا حتى لو جاءتهم آية، إلى أن يأتيهم العذاب بعد الموت ﴿إِنّ الّذِينَ حَقّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلّ آيَةٍ حَتّىَ يَرَوُاْ الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ (يونس 96،97).
    ويقول الله تعالى أنه لو أنزل على رسوله كتاباً من السماء ورآه المشركون ولمسوا الكتاب بأيديهم فلن يؤمنوا وسيرمونه بالسحر ﴿وَلَوْ نَزّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـَذَآ إِلاّ سِحْرٌ مّبِينٌ﴾ (الأنعام 7).

    ويقول الله تعالى أنه لو صعد المشركين المعاندين إلى السماء وطاف بهم حول النجوم فلن يهتدوا ولن يفسروا ذلك إلا بالسحر ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مّنَ السّمَاءِ فَظَلّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقَالُواْ إِنّمَا سُكّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مّسْحُورُونَ. وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيّنّاهَا لِلنّاظِرِينَ﴾ (الحجر 14: 16).
    وكان المشركون يقسمون بالله جهد أيمانهم أنهم سيؤمنون إذا جاء لهم الرسول بآية حسية وأوضح القرآن أنهم لن يؤمنوا ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لّيُؤْمِنُنّ بِهَا قُلْ إِنّمَا الاَيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ. وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوّلَ مَرّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. وَلَوْ أَنّنَا نَزّلْنَآ إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلّمَهُمُ الْمَوْتَىَ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ شَيْءٍ قُبُلاً مّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوَاْ إِلاّ أَن يَشَآءَ اللّهُ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ (الأنعام 109: 111).

    لقد كانت الآيات السابقة التى نزلت على الأنبياء السابقين معجزات حسية تناسب وضع الأنبياء وأقوامهم وعصورهم، كانت الآيات حسية مؤقتة مادية يشهدها القوم بأنفسهم ولا تفلح فى هدايتهم فيأتيهم الهلاك، وذلك ما حدث مثلاً لقوم ثمود حين طلبوا آية، فخلق الله لهم ناقة من الصخر فعقروا الناقة، فأهلكهم الله. والآية كانت تأتى نذيراً بالهلاك لمن يطلب ألآية ثم يكفر بعد أن يأتى بها النبى، واختلف الوضع بالنبى الخاتم المبعوث للعالم كله من عصره وإلى أن تقوم الساعة، وقد أنزل الله عليه آية عقلية مستمرة متجددة الإعجاز لكل عصر، يتحدى بها الله الأنس والجن إلى قيام الساعة، ألا وهى القرآن الكريم.
    وقد رفض المشركون القرآن وطلبوا آية حسية مادية كالتى جاء بها موسى وعيسى. ورفض الله أن ينزل عليهم آية للتحدى سوى القرآن، وأوضح السبب فى عدم إنزال هذه الآية الحسية وهو أن الآية الحسية لم تفلح فى هداية القوم فقال ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نّرْسِلَ بِالاَيَاتِ إِلاّ أَن كَذّبَ بِهَا الأوّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالاَيَاتِ إِلاّ تَخْوِيفاً﴾ (الإسراء 59). وأضاف القرآن سبباً آخر منع إنزال الآية الحسية ألا وهو الاكتفاء بالقرآن وجاء ذلك صريحاً فى قوله تعالى ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مّن رّبّهِ قُلْ إِنّمَا الاَيَاتُ عِندَ اللّهِ وَإِنّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مّبِينٌ. أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىَ عَلَيْهِمْ إِنّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىَ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (العنكبوت 50،51).

    وكان النبى يحزن لإصرار قومه على إنزال آية حسية وتأكيد القرآن على أنه لن تنزل آية حسية اكتفاء بالقرآن وإعجازه، فينزل الوحى يخفف عن الرسول ويسرى عنه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنّهُ لَيَحْزُنُكَ الّذِي يَقُولُونَ فَإِنّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ وَلَـَكِنّ الظّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (الأنعام 33). فالمشركون يصدقون نبوته ولكنهم يجحدونها، وما طلبوا آية إلا على سبيل العناد، ثم يخبر القرآن النبى بأن الرسل السابقين صبروا على الإيذاء حتى نصرهم الله وأنه لا تبديل لكلمات الله فلا آية حسية ستأتى وسينصره الله: ﴿وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىَ مَا كُذّبُواْ وَأُوذُواْ حَتّىَ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأنعام 34). ثم تقول الآية التالية للنبى أنه إذا عظم عليه إعراضهم وتصميمهم على آية حسية فعليه أن يتصرف بنفسه ويصعد للسماء أو يهبط للأرض ليأتيهم بآية: ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأرْضِ أَوْ سُلّماً فِي السّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَ فَلاَ تَكُونَنّ مِنَ الْجَاهِلِينَ. إِنّمَا يَسْتَجِيبُ الّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَىَ يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (الأنعام 35،36).

    وفى موضع آخر يسرى رب العزة عن رسوله بألا يحزن، فما هو إلا نذير والله هو الوكيل على كل شىء ﴿فَلَعَلّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىَ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (هود 12).
    وانتقل النبى للمدينة، فطلب منه بعض اهل الكتاب آية حسية مثلما طلب المشركون فى مكة. وقد أوضح القرآن استحالة أن يؤمنوا مهما جاءتهم آيات ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ بِكُلّ آيَةٍ مّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنّكَ إِذَاً لّمِنَ الظّالِمِينَ﴾ (البقرة 145). فالواقع أنهم رفضوا القرآن حسداً وهو نفس الموقف الذى وقفه مشركو مكة.
    لذا يقول تعالى عن بعض أهل الكتاب والمشركين ﴿مّا يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْكُمْ مّنْ خَيْرٍ مّن رّبّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (البقرة 105).
    ثم تقول الآية التالية ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة 106). أى ما نثبته وما نكتب من آية أو معجزة- أو ننسها والمقصود انتهاء ونسيان زمنها لأنها معجزة حسية وقتية تنتهى بانتهاء زمانها- فيأت الله بخير منها أو مثلها، لأن الله على كل شىء قدير. فالله هو الذى أنزل الآيات المختلفة على الأنبياء السابقين، يثبت اللاحقة ويجعلها تنسى الناس السابقة، واللاحقة إن لم تكن مثل السابقة فهى خير منها.

    ويبدو أن بعض المؤمنين طلب من النبى فى المدينة أن يأتى بآية حسية كما كان يحدث لموسى وواضح أن ذلك بتأثير يهود المدينة لذا قال تعالى فى نفس الموضع ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىَ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلّ سَوَآءَ السّبِيلِ﴾ (البقرة 108).
    ثم توضح الآية التالية أثر بعض يهود المدينة فى ذلك ﴿وَدّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مّن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمُ الْحَقّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتّىَ يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة 109). وهذا هو النسق القرآنى لقوله تعالى ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾.

    إذن فالمقصود بكلمة آية فى قوله تعالى ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ هى المعجزة التى ينزلها الله على الأنبياء. وقد كانت آية محمد عليه السلام خير بديل للناس، وفى ذلك يقول الله تعالى ﴿وَإِذَا بَدّلْنَآ آيَةً مّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ قَالُوَاْ إِنّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (النحل 101). فالله تعالى أبدلهم بالآيات الحسية آية عقلية هى القرآن ولكنهم اتهموا محمداً بالافتراء، لذا تقول الآية التالية توضح لنا المقصود ﴿قُلْ نَزّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رّبّكَ بِالْحَقّ لِيُثَبّتَ الّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَىَ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل 102).
    فالقرآن هو آية النبى محمد عليه السلام نزل به جبريل ليثبت الذين آمنوا.. وكل فقرة من القرآن هى آية فى حد ذاتها. فإذا كان أحد الأنبياء قد آتاه الله آية حسية أو آيتين فإن الله تعالى أعطى خاتم النبيين آلاف الآيات وهى مجمل الآيات فى القرآن الكريم.

    والمهم أن كلمة ننسخ فى آية ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ هو بمعنى الإثبات والكتابة وليس الحذف. وأن الآية المقصودة هنا هى المعجزة التى يأتى بها كل نبى، وقد كانت معجزة النبى خير الآيات، ولأن الحديث هنا عن معجزات يتلو بعضها بعضاً فى تاريخ الأنبياء كان تذييل الآية بتقرير قدرة الله على كل شىء ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. كما كان بدء القصة بموقف أهل الكتاب والمشركين من معجزة القرآن وحسدهم لها..هذا هو السياق القرآنى لكلمة ومعنى النسخ فى تلك الآية الكريمة من سورة البقرة .ثم نعود لباقى الآيات التى ورد فيها لفظ النسخ ومشتقاته فى القرآن الكريم.

    (2) يقول تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ إِلاّ إِذَا تَمَنّىَ أَلْقَى الشّيْطَانُ فِيَ أُمْنِيّتِهِ فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ فِتْنَةً لّلّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ﴾ (الحج 52،53).
    والمعنى العام للآيات أن الشيطان يحاول دائماً التدخل ليفسد الوحى الذى ينزل على كل رسول أو نبى، ويتجلى ذلك التدخل الشيطانى بالأحاديث الكاذبة المنسوبة لله أو للرسول والتى تعارض الوحى الحقيقى، والله تعالى لا يحذف هذا الوحى الشيطانى ولكن يسمح بوجوده إلى جانب الوحى الصادق لتتم عملية الاختبار، فالمشرك ينخدع بالوحى الضال ويتمسك به ويصغى إليه وفى سبيله يضحى بما يعارضه من كتاب الله. أما المؤمن الصادق فيتمسك بالقرآن ويزداد إيمانا به، ويعلم أن القرآن حق اليقين حين أخبر سلفاً عن كيد الشيطان ونشره للأحاديث الضالة التى أصبحت منسوخة أى مكتوبة ومدونة ومتداولة فى آلاف المجلدات.
    وانظر حولك لترى اعجازالقرآن الذى نبأ سلفا بتلك الكتب التراثية المليئة بالأحاديث الضالة . وطالما انها ليست من وحى الله تعالى ولم يعرفها عصر النبى ولم تتم كتابتها الا بعد النبى بقرون فان مصدرها الوحيد هو الشيطان . والله تعالى هو الذى سمح بكتابتها – او نسخها فى ملايين النسخ ، وفى نفس الوقت جعل القرآن محكما ، وأعطى الفرصة كاملة فى حرية الاختيار لكل انسان فى أن يختار الحق القرآنى ويكتفى به ، أو أن يختار الباطل الشيطانى وينظر من خلاله للقرآن ليخضع كلام الله تعالى للاحاديث الضالة الشيطانية. ومقابل هذه الحرية المطلقة فى الايمان بحديث القرآن وحده أو الايمان بغيره تكمن المسئولية العظمى للانسان يوم الدين.
    ونعود إلى تفصيلات الآيات ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ إِلاّ إِذَا تَمَنّىَ أَلْقَى الشّيْطَانُ فِيَ أُمْنِيّتِهِ﴾ يعنى أنها طريقة مستمرة للشيطان، كلما جاء نبى أو رسول وتمنى هداية قومه أجمعين أضاع الشيطان هذه الأمنية، ونعلم أن الأقلية دائماً تتبع النبى وأن الأكثرية يكونون من أتباع الشيطان. وتبين الآية أسلوب الشيطان فى صراعه ضد النبى وهى الإلقاء للوحى الضال، وهى وظيفة الشيطان وأتباعه فى تاريخ كل نبى، ونعلم ما حدث لبنى إسرائيل حين ذهب موسى للقاء ربه ثم عاد فوجدهم يعبدون العجل وكان ذلك بوحى من الشيطان وأوحى به الى السامرى وأعلنه السامرى لقومه، وحين اعتذروا لموسى ﴿قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَـَكِنّا حُمّلْنَآ أَوْزَاراً مّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السّامِرِيّ﴾ (طه 87).ويعبر السامرى عن وحيه الشيطانى حين يقول ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مّنْ أَثَرِ الرّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ (طه 96).

    هذه هى نوعية الإلقاء الشيطانى، فالشيطان يلقى بوحيه الضال ليسد الطريق امام النبى وأمنياته بأن يؤمن به الجميع، فلا يدع الشيطان لهذه الأمنيات أن تتحق. ويسمح الله بكتابة وتدوين- أى نسخ- هذا الوحى الشيطانى يقول تعالى ﴿فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ﴾ أى يكتب الله ما يلقيه الشيطان، وفى المقابل ﴿ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ﴾ لتكون حجة على الوحى الشيطانى وأعوانه. أما ما يلقيه الشيطان فينسخه الله أى أن يسمح الله له باستمراره ووجوده، والتعليل جاء فى قوله تعالى:" لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ فِتْنَةً لّلّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ﴾اذن ما تم نسخه من القاء الشيطان هو موجود وليس محذوفا ، ولأنه موجود فسيكون اختبارا للذين فى قلوبهم مرض. وفى نفس الوقت يكون ذلك الوحى الشيطانى المكتوب المنسوخ فى مجلدات وكتب – يكون دليلا للمؤمنين ليزدادوا ايمانا. تقول الآية التالية ﴿وَلِيَعْلَمَ الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنّهُ الْحَقّ مِن رّبّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾.
    ثم تقول الآية أن الوحى الشيطانى سيظل مكتوباً ومدوناً أى منسوخاً- وسارى المفعول إلى أن تقوم الساعة، يقول تعالى ﴿وَلاَ يَزَالُ الّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مّنْهُ حَتّىَ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ (الحج 55). والأحاديث الضالة كثيرة مكتوبة ومنسوخة ومدونة فى ملايين النسخ، ولكنها مما يعارض القرآن، ومع ذلك فأكثرية الناس يؤمنون بها ويدافعون عنها وسيظل هذا موقفهم إلى يوم القيامة، وبذلك ينجح الشيطان فى غواية الأكثرية من البشر. تمعن تلك المعانى بتدبر قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ إِلاّ إِذَا تَمَنّىَ أَلْقَى الشّيْطَانُ فِيَ أُمْنِيّتِهِ فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ فِتْنَةً لّلّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ﴾ (الحج 52،53).

    مقارنة بين آيات سورتى الأنعام والحج:

    وهذا المعنى عن وجود الوحى الشيطانى حرباً على وحى الله تعالى وأنبيائه جاء فى قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِيّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ إذن ذلك الوحى الشيطانى إنما يوحى ويدون ويكتب وينسخ ويسجل بمشيئة الله ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام112).وذلك نظير قوله تعالى فى سورة الحج ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ إِلاّ إِذَا تَمَنّىَ أَلْقَى الشّيْطَانُ فِيَ أُمْنِيّتِهِ فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الحج 52).
    ونتابع آيات سورة الأنعام ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ. وَلِتَصْغَىَ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مّقْتَرِفُونَ﴾ (الأنعام 112،113). بالوحى الشيطانى المكتوب والمنسوخ والمدون يرضونه ويتمسكون به ويتخذونه دستوراً لسلوكهم يتملك عليهم قلوبهم وأفئدتهم.ونظير ذلك ما يقوله تعالى فى سورة الحج ﴿لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ فِتْنَةً لّلّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾.

    والمؤمن يحتكم إلى الله تعالى فى ذلك الوحى الشيطانى المدون فى ملايين النسخ ﴿أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الّذِيَ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصّلاً﴾ (الأنعام 114).ونظيره ما يقوله تعالى فى سورة الحج ﴿وَلِيَعْلَمَ الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنّهُ الْحَقّ مِن رّبّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ فما جاء فى سورة الحج يؤكد ما جاء فى سورة الأنعام. من أن معنى النسخ هو الكتابة والتدوين. انظر الجدول المرفق فى الملاحق.
    وهكذا فالقرآن مكتوب أو منسوخ، والروايات الضالة مكتوبة أى منسوخة، وكل إنسان يختار لنفسه ما يريد، ويوم القيامة آت بالحساب.

    (3) ويقول تعالى ﴿هَـَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقّ إِنّ كُنّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية 29).
    جاءت الآية فى معرض الحديث عن يوم القيامة ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ. وَتَرَىَ كُلّ أُمّةٍ جَاثِيَةً كُلّ أمّةٍ تُدْعَىَ إِلَىَ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. هَـَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقّ إِنّ كُنّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية 27: 29).
    ففى يوم الحساب كل أمة تكون جاثية، تنتظر دورها حين تدعى إلى كتاب أعمالها الذى يسجل أحداث عصرها. ويقال لهم أن كتاب أعمالهم ينطق عليهم بالحق إذا كانت نستنسخ ما كانت كل أمه تعمله. فقوله تعالى ﴿إِنّ كُنّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أى تكتب أعمالهم نسخاً. وقد جاءت آيات عديدة تتحدث عن وظيفة الملائكة التى تسجل أو تنسخ أعمال البشر، يقول تعالى ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لاَ نَسْمَعُ سِرّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىَ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (الزخرف 80). فالملائكة تكتب وتسجل- أو تنسخ كل أعمالهم.
    يقول الله تعالى عن بعض المشركين ﴿أَفَرَأَيْتَ الّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لاُوتَيَنّ مَالاً وَوَلَداً. أَطّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتّخَذَ عِندَ الرّحْمَـَنِ عَهْداً. كَلاّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً﴾ (مريم 77: 79). أى أن الملائكة ستنسخ أى تكتب قوله الآثم وسيؤاخذ به.

    يقول تعالى عن المنافقين ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيّتَ طَآئِفَةٌ مّنْهُمْ غَيْرَ الّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ﴾ (النساء 81). أى أن أعمالهم يسجلها الله مهما أخفوها.
    إذن قوله تعالى ﴿إِنّ كُنّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يعنى نكتب ونسجل وندون ونثبت. وليس بالطبع معناها أنا كنا نحذف أو نلغى ما كنتم تعملون.

    4 ويقول تعالى ﴿وَلَماّ سَكَتَ عَن مّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الألْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لّلّذِينَ هُمْ لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (الأعراف 154).
    فالآية تتحدث عن موسى حين رجع إلى قومه غضبان أسفا وقد وجدهم يعبدون العجل، فتملكه الغضب وألقى الألواح، ثم حين هدأ وسكت عنه الغضب أخذ الألواح وفى نسختها أى فى المدون والمسجل والمكتوب فى هذه الألواح.
    وفى آية أخرى يقول تعالى عن نفس الألواح ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِن كُلّ شَيْءٍ مّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف 145). إذن فالنسخ هنا كما فى الآيات الأخرى معناه الكتابة والإثبات والتدوين وليس العكس.

    ثانياً: النسخ بمعنى الحذف اتهام للقرآن

    وأولئك الذين يجعلون النسخ معناه الإلغاء والحذف يتهمون القرآن بأن ألفاظه متناقضة متضاربة معوجة. ورب العزة يرد عليهم ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَنْزَلَ عَلَىَ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لّهُ عِوَجَا. قَيّماً لّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مّن لّدُنْهُ وَيُبَشّرَ الْمُؤْمِنِينَ الّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ (الكهف 1،2).
    ويقول تعالى ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لّعَلّهُمْ يَتّقُونَ﴾ (الزمر 28). والعجيب أننا لا نزال نستعمل كلمة "نسخ" بمعنى كتب، وأشهر أنواع الخط الذى تكتب به اللغة العربية هو خط النسخ لأن القرآن "منسوخ به" أى مكتوب به.

    ثالثاً: النسخ فى التراث القديم معناه الكتابة والإثبات


    والأعجب أن كتب التراث والأحاديث تعترف بأن معنى النسخ هو الكتابة والإثبات وليس الحذف والإلغاء، فالبخارى فى أحاديثه عن كتابة المصحف يقول أن عثمان أمر بأن (ينسخوها من المصاحف) أى يكتبونها. وفى رواية (فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلى إلينا بالصحف ننسخها فى المصاحف) أى نكتبها فى المصاحف، وتقول الرواية (فأرسلت بها حفصة إلى عثمان.. فنسخوها فى المصاحف) أى نكتبها، وتقول رواية أخرى "ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف فى المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة" ويقول زيد بن ثابت "لما نسخنا الصحف فى المصاحف" أى أن كل رويات تدوين المصحف استعملت كلمة "نسخ" بمعنى كتب ودون وأثبت وليس بمعنى حذف وألغى وأبطل.. وأهمية هذه الروايات فى كونها تستعمل كلمة نسخ بمعنى كتب فيما يخص المصحف- أو القرآن. إلا أن العصر العباسى ما لبث أن غير المفهوم إلى النقيض تماماً.

    رابعاً: الجذور الدينية والتاريخيةللقائلين بحذف الأحكام تحت دعوى النسخ:

    فى عصر الرسول عليه السلام كره المشركون ما أنزل الله وطالبوا بالإتيان بكلام آخر غير القرآن، أو بحذف بعض القرآن، وجاء الرد بأن النبى لا يملك ذلك وأنه متبع للوحى يخاف عذاب يوم عظيم.
    يقول الله تعالى﴿وَإِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيّنَاتٍ قَالَ الّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـَذَآ أَوْ بَدّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيَ أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيَ إِنْ أَتّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَىَ إِلَيّ إِنّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (يونس 15).
    وفى سورة الإسراء يقول تعالى عن محاولات المشركين ضد القرآن والنبى ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاّتّخَذُوكَ خَلِيلاً. وَلَوْلاَ أَن ثَبّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً. إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ (الإسراء 73: 75).
    إن حفظ الله للقرآن حال دون محاولات المشركين التأثير على النبى إذ ثبته الله وقواه فباءت محاولاتهم فى تحريف القرآن أو حذف بعض آياته بالفشل. إذن كان مشركو مكة أول من دعا لحذف الآيات، ولم يستخدموا تعبير النسخ بالمفهوم الخاطئ الذى يعنى الحذف، وجاء الرد بأن الرسول لا يملك أن يبدل كلام الله وأن حفظ الله للقرآن فوق كيد المشركين.
    وتردد فى القرآن أن كلام الله لا مجال فيه للتبديل أو الحذف أو الإضافة يقول تعالى ﴿وَتَمّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاّ مُبَدّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنعام 115).
    ويقول تعالى لرسوله ولنا: ﴿وَاتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبّكَ لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (الكهف 27).وتكرر نفس المعنى فى مواضع أخرى ﴿وَلاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأنعام 34). ﴿لَهُمُ الْبُشْرَىَ فِي الْحَياةِ الدّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (يونس 64). ويكفى أن رب العزة يقول عن القرآن الكريم: ﴿الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمّ فُصّلَتْ مِن لّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود 1).

    فكيف يكون القرآن محكماً فى آياته ثم يأتى من يقول أن آياته فيها المحذوف حكمه والباطل تشريعه ويسمى ذلك نسخاً؟؟ لا يقول ذلك الا من كان عدوا للقرآن غير مؤمن به .!!
    وبعد عصر النبوة والخلافة الراشدة انشغل المسلمون بالفتوحات والصراعات الداخلية إلى أن استقرت أمورهم نسبياً فى العصر العباسى حيث تم صبغ المجتمع المسلم بطابع ثقافى دينى استمر حتى يومنا هذا.
    والدليل على تبعيتنا للعصر العباسى أن أئمتنا فى الفقه والحديث والتفسير وعلم الكلام والفلسفة هم أبناء العصر العباسى، وإن أسفار التراث المقدسة هى ما كتبها العصر العباسى خصوصاً ما اتصل منها بالحديث والتفسير والتصوف والتشيع.

    وفى العصر العباسى أتيح لأبناء أهل الكتاب والمجوس الذين أسلموا أن يقودوا الحركة العلمية بما لهم من تراث ثقافى سابق، ولا يستطيع أحد أن ينكر دور "الموالى" فى ريادة الحركة العلمية منذ بدايتها إلى تطورها ونضجها. وفى العصر العباسى الثانى بالذات انتسب أولئك الموالى لأسماء عربية وإلى "ولاء" القبائل العربية المشهورة، وأهملوا أصولهم القديمة وأصبحوا ضمن النسيج الذى قام عليه المجتمع المسلم، وكانوا فيه أعمدته العقلية والثقافية. ومن الطبيعى أن تعود من خلالهم المفاهيم القديمة التى كانت سائدة قبل الإسلام واستترت فى فترة الفتوح، وبعد كمون عادت للظهور مستترة بأحاديث منسوبة للرسول وبتأويلات للقرآن فأمكن تطويع العقائد الإسلامية الأصلية لأهواء المسلمين الجدد أبناء أهل الكتاب وأصحاب الثقافة القديمة.
    ومن خلال اختراع الحديث والتفسير كان علاج الفجوة بين ما يقوله القرآن وبين ما يؤمن به المسلمون الجدد فى العصر العباسى، فما لا يتفق مع القرآن مع هواهم كانوا يعطلون حكمه بدعوى أنه "منسوخ" وما يريدون إضافته للإسلام كانوا يخترعون له حديثاً ينسبونه للنبى عليه الصلاة والسلام، أو يقوم "التفسير" أو "التأويل " بذلك حين يضعون آراءهم ليغيروا بها معانى الآيات، وبمرور الزمن تصبح آراء المفسرين حكماً على كلام الله، ولا تقوم الآية القرآنية بمفردهم دليلاً إلا إذا كان معها ما يؤكدها من كلام المفسرين.وهذا لايزال سائدا حتى الآن يؤكد الاعتقاد السائد لديهم ان القرآن لايكفى فى الهداية ولا بد معه من كتب الأئمة من أحاديث أو تفسير لنفهم من خلالهم كلام الله تعالى طبقا لاعتقادهم حتى لو خالف وضوح الآيات القرآنية .

    على أن مفهوم النسخ- معنى الحذف والتبديل والإلغاء- له جذور فى التاريخ الإسرائيلى، حيث تفنن بعض اليهود فى التحايل على أوامر الله والتحايل على أحكام التوراة. هذا مع أن الله أخذ عليهم العقد والميثاق ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءِكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مّن دِيَارِكُمْ ثُمّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (البقرة 84).
    وبعد الإقرار والشهادة يذكر القرآن كيف كانوا ينقضون العهد ويبطلون الأحكام حسب أهوائهم لتتمشى التوراة مع مصالحهم، يقول الله تعالى فى الآية التالية: ﴿ثُمّ أَنْتُمْ هَـَؤُلآءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مّنْكُمْ مّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىَ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدّونَ إِلَىَ أَشَدّ الّعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة 85).
    أى أنهم أبطلوا العمل ببعض الآيات وآمنوا ببعضها، أو بتعبير القرآن ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.أو بتعبير العصر العباسى قالوا أن هذه الآية الأخرى منسوخة وذلك لأن الأحفاد فى العصر العباسى سلكوا مسلك أجدادهم شبراً شبراً.
    وفى عصر أبى جعفر المنصور ثانى الخلفاء العباسيين ظهر العالم اليهودى أبو عيسى ابن يعقوب الأصفهانى، الذى ابتكر فى اليهودية مصطلح النسخ فى التوراة بمعنى الحذف والإلغاء للأحكام، وتبعه جماعة عرفوا بالعيسوية، وأولئك العيسوية وزعيمهم كانوا أول من استخدم مصطلح النسخ بمعنى الحذف وإلغاء الحكم. ولم يوافق أغلبية اليهود فى العصر العباسى على ما ذهب إليه العيسوية فى ذلك المعنى الجديد لكلمة النسخ- لأسباب لا محل لذكرها هنا- وكانت طائفة الشمعونية اليهودية أظهر من أنكر وجود النسخ- بمعنى الحذف فى التوراة.

    والذى يهمنا هنا أن الجدال بين اليهود حول مصطلح النسخ الجديد وعلاقته بنصوص التوراة أمتد إلى حلقات العلم عند المسلمين فى العصر العباسى، حيث كان لليهود دور الريادة العلمية فى تاريخ الحضارة والفكر عند المسلمين، ويكفى أن نذكر من أساطير اليهود فى ذلك المجال كعب الأحبار ووهب بن منبه وأخاه وعبد الله بن سلام، وأولئك دارت حولهم ورايات الحديث والسنة والتفسير والقصص وتاريخ الأنبياء والأمم السالفة.
    وكان طبيعياً بسبب هذه الريادة أن ينزع الدارسون المسلمون إلى تقليد كل ابتكار يهودى، ومن هنا انتقلت عدوى مدلول النسخ الجديد إليهم، ولكن واجهتهم مشكلة أن القرآن ليس كالتوراة، إذ هو نص محفوظ بقدرة الله، فوق محاولات التغيير والتحريف والإبدال ﴿إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر 9). ﴿إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ بِالذّكْرِ لَمّا جَآءَهُمْ وَإِنّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لاّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت 41،42)
    والمتمسكون بدعوى النسخ بمعنى إبطال وإلغاء حكم الآية- تغلبوا على مشكلة كون القرآن محفوظاً من التحريف بادعاء أن النسخ عندهم فى المعنى وليس فى اللفظ، وفى الحكم وليس فى النص. وبذلك تحول القرآن فى رأيهم إلى مجرد نصوص يتلاعبون بها حسب الهوى، يبطلون أحكام بعضها، ويضربون بعضها ببعض، وبذلك اتسعت الفجوة بين المسلمين والقرآن بحيث أن التشريعات القرآنية الحقيقية ضاعت وسط دعاوى النسخ بمعنى الإلغاء مع الأقاويل المنسوبة للنبى والاجتهادات الفقية التى ارتدت ثوب الحديث، والتى أتيح لها أن تبطل الأحكام القرآنية.

    خامساً: مظاهر إلغاءالأحكام القرآنية بدعوى النسخ

    خضع النسخ بمعنى إلغاء الحكم للأهواء والاجتهادات الخاطئة. فمن العلماء من بالغ فى دعواه حتى أبطل معظم الأحكام القرآنية (بدعوى النسخ) مثل ابن حزم فى كتابه "الناسخ والمنسوخ" ومنهم من توسط فى دعواه مثل السيوطى، وبعضهم قال أن عدد الآيات المنسوخة- أى الملغاة الحكم- يبلغ 565 آية.. وهو تطرف ممقوت لأن الآيات التشريعية فى القرآن تبلغ فقط حوالى المائتين..!!
    ويمكن أن نقسم مظاهر إلغاء الأحكام القرآنية- بدعوى النسخ- إلى مظهرين:
    (1) إلغاء حكم آية بآية أخرى.
    (2) إلغاء حكم آية بحديث أو برأى فقهى.
    إلغاء حكم آية بآية أخرى:
    بسبب عدم الفهم للآيات المتشابهة فى الأحكام فى الموضوع الواحد أسرعوا بإلغاء حكم بعضها وضربه بالأخرى تحت دعوى النسخ، ولم ينتبهوا للفوارق الدقيقة بين الآيات المتشابهة فى الموضوع الواحد، وكيف أنها تضع التفصيلات فى الأحكام لكافة الاحتمالات. ونأخذ بعض الأمثلة للتوضيح.

    (1) فى قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَىَ حَتّىَ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَىَ بِاللّهِ حَسِيباً. لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنّسَآءِ نَصِيبٌ مّمّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمّا قَلّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مّفْرُوضاً﴾ (النساء 6،7).
    قالوا إن الآية منسوخة- أى ملغاة فى الحكم بقوله تعالى ﴿إِنّ الّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىَ ظُلْماً إِنّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ (النساء 10). ويرون أن قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قد ألغاه التحذير من أكل أموال اليتامى ظلماً.
    وذلك حمق فى التفكير لأن الآية الأولى أباحت الأكل بالمعروف للفقير الذى يكون وصياً على مال اليتيم ﴿وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أما الآية الأخرى فقد أضافت حكماً تشريعياً مترابطاً هو التحذير من أكل مال اليتيم ظلماً. والآيتان معاً تؤديان حكماً تشريعياً مترابطاً هو إباحة الأكل بالمعروف للوصى على اليتيم إذا كان فقيراً، مع التحذير من أكل مال اليتيم ظلماً وعدواناً. إذن لا تعارض بين الآيتين.. ولا مجال لدعوى النسخ بمعنى الحذف والإلغاء.

    (2) وقالوا إن آية: ﴿إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة 60) قد ألغى حكمها ما جاء فى الآيات الأخرى عن الإنفاق والصدقات، مثل ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (البقرة 215). وآية ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مّا رَزَقْنَاكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبّ لَوْلآ أَخّرْتَنِيَ إِلَىَ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصّدّقَ وَأَكُن مّنَ الصّالِحِينَ﴾ (المنافقون 10). وآية ﴿وَفِيَ أَمْوَالِهِمْ حَقّ لّلسّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (الذاريات 19). وآية ﴿وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة 34).

    والقائلون بهذا الرأى لم يعرفوا الفرق بين الإنفاق التطوعى فى سبيل الله وبين الزكاة الرسمية التى يجمعها الحاكم فى الدولة المسلمة وينفقها فى مصارفها المحددة فى آية ﴿إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فالدولة هى التى تحدد المستوى الاقتصادى للفقراء والمساكين وهى التى تنفق على الموظفين (العاملين عليها) أى القائمين على الزكاة، وهى التى تقيم أماكن إيواء لأبناء السبيل، ثم تنتهى الآية بقوله تعالى ﴿فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ﴾ أى أن ذلك التوزيع فرض إلهى لابد من تنفيذه.. فكيف يجرؤ بعضهم على إلغائه بدعوى النسخ؟

    وقد عرفنا مصارف الزكاة وتوزيعها الذى تقوم به الدولة، أما الصدقة التطوعية فقد تحدث القرآن عن مستحقيها فى قوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فأحق الناس بالصدقة التطوعية هو الوالدان والأقربون ومن يعرفه الإنسان من اليتامى والمساكين ثم ابن السبيل، والله تعالى عليم بما يفعله كل إنسان يتطوع للخير. والذى ينفق تطوعاً فى سبيل الله يجعل فى ماله حقاً محدوداً معلوماً لكل سائل يقابله، ولكل محروم يعرفه، وهو الذى يقدر ظروفه واحتياجاته، والله تعالى يقول: ﴿وَالّذِينَ فِيَ أَمْوَالِهِمْ حَقّ مّعْلُومٌ. لّلسّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج 24،25).
    ومقدار الصدقة التطوعية هو ما يزيد عن حاجة الإنسان، وبالقدر المعقول، والله تعالى يقول ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. والعفو هو الزائد عن الحاجة ومعناه الاعتدال فى الصدقة بدون إسراف أو تقتير، يقول تعالى ﴿وَالّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ (الفرقان 67). ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىَ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مّحْسُوراً﴾ (الإسراء 29).
    وينبغى على الإنسان أن يسارع بالزكاة والصدقة حتى لا يندم عند الاحتضار، وفى ذلك يقول تعالى ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مّا رَزَقْنَاكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبّ لَوْلآ أَخّرْتَنِيَ إِلَىَ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصّدّقَ وَأَكُن مّنَ الصّالِحِينَ﴾. وإذا بخل بماله ومات وقد اكتنز الأموال دون أن ينفقها فى سبيل الله، فالقرآن يقول عنه ﴿وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
    باختصار إن كل الآيات التى تتحدث عن الصدقة والزكاة يكمل بعضها بعضاً ولا يناقض بعضها بعضاً، وليس هناك نسخ فى أحدها بمعنى الإلغاء والحذف. وليس هناك عوج فى كتاب الله ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَنْزَلَ عَلَىَ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لّهُ عِوَجَا. قَيّماً﴾ (الكهف 1،2).

    (3) وقالوا إن هناك آيتين فى عدة المرأة الأرملة أحداهما تنسخ- أى تبطل- الأخرى فآية ﴿وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيّةً لأزْوَاجِهِمْ مّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (البقرة 240). قالوا عنها أنها باطلة الحكم بسبب آية ﴿وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ (البقرة 234). فهموا أن الآيتين متعارضتان، تبطل إحداهما الأخرى، وقد أخطأوا حين ظنوا أن الآيتين تتحدثان عن عدة المرأة الأرملة، وظنوا أن الآية الأولى تجعل عدة الأرملة حولاً كاملاً والآية الثانية تجعل عدتها أربعة أشهر وعشرا.
    والواقع أن الآية الأولى تتحدث عن (المتعة) الواجبة للأرملة بعد وفاة زوجها، وللأرملة متعة كما للمطلقة، والقرآن أوجب المتعة للمطلقة وجعلها حقاً لها، كما أوجب المتعة للأرملة. وصية لها، فقال تعالى ﴿وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيّةً لأزْوَاجِهِمْ مّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنْفُسِهِنّ مِن مّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. وَلِلْمُطَلّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتّقِينَ﴾ (البقرة 240،241). فالآيتان هنا تتحدثان عن (متعة) الأرملة ثم (متعة) المطلقة، فمن حق الأرملة أن تقيم فى بيت زوجها المتوفى عنها طيلة سنة كاملة، ولا يحق لأحد أن يخرجها من بيتها قبل العام، ولا يتعارض حقها فى المتعة مع حقوقها الأخرى فى الميراث. أما المطلقة فلها متعة طلاق يحددها العرف أو المعروف أى ما يتعارف عليه الناس. أذن الآيتان لا شأن لهما بموضوع العدة وإنما بموضوع المتعة.

    أما الآية الأخرى فهى تتحدث عن (عدة) الأرملة بعد وفاة زوجها، تقول ﴿وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ (البقرة 234). والدليل الواضح على أنها تتحدث عن العدة أن الآية تستعمل لفظ "التربص" أى الانتظار فالأرامل ﴿يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ والمطلقات عدتهن أن يتربصن بأنفسهن ثلاثة حيضات، ويقول تعالى ﴿وَالْمُطَلّقَاتُ يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ (البقرة 228).إذن لا مجال للتعارض والتناقض بين الآيتين (240، 234) فى سورة البقرة فالأولى تتحدث عن (متعة) الأرملة، والأخرى تتحدث عن (عدة) الأرملة.. وشتان بين هذا وذاك.
    (4) وقد قالوا بأن الآيات المكية التى تأمر بالصبر قد أبطلتها (أو نسختها) آيات القتال التى نزلت فى المدينة، وطبيعة الدعوة للإسلام التى نزلت فى القرآن تنفى ذلك ولا شأن لدين الإسلام بما يفعله المسلمون.

    (أ) فلا مجال للإكراه والعنف فى الدعوة للإسلام سواء كان المسلمون ضعافاً أو أقوياء. ففى السورة المكية يقول تعالى: ﴿فَذَكّرْ إِنّمَآ أَنتَ مُذَكّرٌ. لّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ﴾ (الغاشية 21،22). ﴿نّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ (ق 45).
    ويتكرر نفس المعنى فى المدينة حين كان المؤمنون أقوياء ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ﴾ (البقرة 256).. إذن لا تعارض ولا حذف...

    (ب) ولأن الدعوة للإسلام تقوم على السلم وأتباعها قليلون فى البداية فى مواجهة طغاة فلابد أن يعانى أتباعها من الاضطهاد، وهنا يكون الأمر بالصبر وارداً فى الآيات المكية ﴿وَاصْبِرْ عَلَىَ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ (المزمل 10). ولكن نرى الصبر يأتى ضمن الأوامر فى الفترة المدنية ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتّقُواْ اللّهَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران 200).

    (ج) وحين تقوم لهم دولة فى محيط الشرك الذى يتآمر عليهم يتحتم عليهم الجهاد لحماية أنفسهم ولرد الاعتداء.وفى مصطلحات القرآن الكريم فالمشركون والكفار – فى مجال التعامل البشرى – هم المعتدون الظالمون المجرمون.أما المسلمون المكؤمنون فهم المسالمون الذين لايعتدون على أحد ولا اكراه عندهم فى الدين .
    وقد يفهم بعضنا أن الجهاد ورد فى الآيات المدنية فقط، ولكن نقرأ فى سورة الفرقان المكية قوله تعالى للنبى عن القرآن: ﴿فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً﴾ (الفرقان 52).والتعليل واضح وبسيط وهو أن الجهاد يعنى النضال بالكلمة وبالدعوة وبالنفس وبالمال.. فالجهاد أعم من القتال.. ولم يكن هناك قتال فى مكة ولكن هناك جهاد فى مكة وفى المدينة..
    والمهم أن الصبر والجهاد وعدم الإكراه فى الدين يأتى فى السورة المكية والسورة المدنية، إذن لا مجال للتناقض أو النسخ بمعنى الإلغاء والحذف.

    سادساً: قضية التدرج فى التشريع

    والقائلون بالنسخ بمعنى الإلغاء والحذف يستدلون بالتدرج فى التشريع على أنه يأتى تشريع جديد يلغى التشريع القديم أو على حد قولهم ينسخه..
    والتدرج فى التشريع له فى القرآن مظهران أحدهما يخص العلاقات المتغيرة بين المسلمين وأعدائهم, والآخر يختص بالإيجاز فى التشريع الذى يعقبه التفصيل.. وهذا وذاك لا ينتج عنه إلغاء للأحكام أو على حد قولهم نسخ.
    التدرج فى التشريع فى العلاقات المتغيرة
    إن العلاقة بين المسلمين وأعدائهم تتذبذب بين الضعف والقوة، والقرآن يضع التشريع المناسب لكل حالة.. فإذا كان المسلمون أقلية مستضعفة مضطهدة فليس مطلوباً منهم أن يقاتلوا وإلا كان ذلك انتحاراً.وإذا كان المسلمون قوة فلا يجوز فى حقهم تحمل الاضطهاد والأذى، بل عليهم أن يردوا العدوان بمثله، وإذا كان المشركون يقاتلونهم كافة فعليهم أن يردوا العدوان بمثله . وعلى المسلمين فى كل حالة أن ينفذوا التشريع الملائم لهم، وذلك لا يعنى بالطبع إلغاء التشريع الذى لا يتفق مع حالهم، فذلك التشريع فى محله تطبقه جماعة مسلمة أخرى إذا كانت فى الوضع المناسب لذلك التشريع.

    ان تشريع القرآن فيما يخص العلاقات بين المسلمين وأعدائهم فى أروع ما يكون التشريع، إذ أن له ركائز ثابتة تتمثل فى المبادئ الأخلاقية الدائمة من حسن الخلق والتسامح والصبر على الأذى والاعراض عن الجاهلين ورد السيئة بالتى هى أحسن ورعاية الجواروحفظ حق الجار والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وأن يقولوا للناس حسنا . ثم له قوانين متغيرة حسب الأحوال ، فالمسلمون فى ضعفهم لا يجب عليهم القتال لدفع الاضطهاد، وإنما عليهم الصبروالتحمل والهجرة اذا أمكن . أما إذا كانت لهم دولة فدولتهم الاسلامية تقوم أساسا على قيم الاسلام الكبرى من السلام والحرية المطلقة للعقيدة وتحريم الاكراه فى الدين وتطبيق العدل الصارم والمساواة بين الناس جميعا والديمقراطية المباشرة وهى التوصيف الحقيقى للشورى الاسلامية ، ورعاية حقوق العباد أو حقوق الانسان. دولة بهذه المواصفات لا يمكن أن تعتدى على دولة أخرى بل تلجأ للحرب الدفاعية اذا هوجمت فقط اذا لم يكن هناك من سبيل آخرلتفادى الحرب لأن الحرب فى تشريع القرآن هى مجرد استثناء . وحتى اعداد القوة القصوى ( الانفال60) ليس للاعتداء وانما للردع وتخويف القوة الباغية من الهجوم على الدولة المسلمة المسالمة. وبهذا الاستعداد الحربى يمكن اقرار السلام ومنع الحرب وحقن دماء العدو المتحفز للحرب والذى يغريه ضعف الآخر.هذا اذا كانوا فى دولة اسلامية عليها أن تتقوى لارساء السلم ولتكون قادرة على الدفاع ، ومحرم عليهم الاعتداء على الغير أو رد الاعتداء بأكثر منه. وطبيعى أنه لا يوجد دولة مستضعفة للأبد كما لا توجد قوة مسيطرة إلى مالا نهاية، وبذلك تظل تشريعات القرآن سارية فوق الزمان والمكان بجوانبها الأساسية الثابتة والقانونية المتغيرة.

    جدير بالذكر ان النبى محمد عليه السلام حين كان مع المسلمين فىمكة يعانى معهم اضطهاد المشركين المعتدين نفذ ومعه المسلمون الأوائل كل التشريعات المناسبة للوضع القائم من الصبر على الأذى والتسامح مع المعتدين مع الثبات على الحق والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة . ثم بالهجرة وبتكوين أول وآخردولة اسلامية حقيقية قام النبى بتطبيق كل التشريعات القرآنية السالفة الذكر. ولكن بموته عليه السلام بدأت الفجوة بين المسلمين وتشريعات القرآن وتطورت سريعا من اهمال الشورى الاسلامية بمعنى الديمقراطية المباشرة الى حكم الأقلية القرشية فى عهد الخلفاء الراشدين ، الى الفتوحات العربية وتكوين امبراطورية وفق السائد فى العصور الوسطى بالقدر الذى يخالف تشريعات القرآن ، وما نجم عن احتكار سادة قريش للسلطة والثروة من قيام الفتنة الكبرى أو الحرب الأهلية ، والتى أدت بدورها الى انهاء النظام شبه الديمقراطى للخلفاء الراشدين ليحل محله حكم الأمويين الوراثى الاستبدادى الظالم ، ثم حل محله النظام العباسى الذى وقع على عاتقه تبرير الوضع السائد وتسويغه اسلاميا. ولأنه وضع يناقض تشريعات الاسلام والسيرة الحقيقية للنبى وسنته الحقيقية فمن المستحيل التوفيق بين النقيضين، كما كان مستحيلا تحريف القرآن ليجارى الوضع القائم، كما كان مستحيلا أيضا أن يتنازل الخليفة العباسى عن سلطاته المطلقة وملكيته المنفردة للبلاد والعباد ليعيد العدل الاسلامى والشورى الاسلامية. كان الحل علاج الفجوة بين حقائق الاسلام والقرآن باختراع دين موازى يحمل اسم الاسلام فقط ولكن يناقضه متفقا مع الأوضاع السائدة. الحق يقال ان ذلك التزييف والاختراع بدأ فى الفتنة الكبرى حيث عزز المتصارعون بالسيف مواقفهم بأحاديث منسوبةللنبى ، وسبق بذلك أبوهريرة المتحالف مع الأمويين ، ثم اتسع الزيف شيئا فشيئا فى الدولة الأموية عن طريق القصاصين أو رواة الأساطير فى المساجد, ولكن ظل جهدهم شفهيا أتيح له فى الدولة العباسية الكهنوتية أن يتم نسخه أى تدوينه فى نسخ ومجلدات. ومن العصرالعباسى ورثنا ذلك الدين العباسى البشرى المزيف المناقض للاسلام ، والذى تم شرحه وتفصيله فى العصر المملوكى. وورثنا أيضا عن ذلك الدين العباسى اتهام القرآن بأنه محتاج الى وصاية التفسير والحديث والتأويل حتى لايتاح للنورالقرآنى أن يصل للعقول. ولذا يؤمن المسلمون بتعطيل تشريع الرحمن بحجة النسخ بمعنى الحذف والتدرج فى التشريع.

    التدرج فى التشريع بمعنى الايجاز والتفصيل

    والنوع الآخر من التدرج فى التشريع يتمثل فى الإيجاز ثم التفصيل، فقد نزل التشريع فى مكة يتحدث عن عموميات لأن التركيز فى الوحى المكى كان على العقيدة وتطهيرها من الشرك.. ومن الطبيعى أن التفضيلات الآتية لا يمكن أن تكون متناقضة مع الأسس الإجمالية التى نزلت من قبل.
    وإذا كان دعاة النسخ بمعنى الحذف والإلغاء فى التشريع يستدلون على مذهبهم بأن تشريع الخمر جاء متدرجاً يلغى اللاحق منه السابق فإننا نرى فى تشريع تحريم الخمر حجة لنا عليهم، فتحريم الخمر جاء على سبيل الإيجاز والإجمال فى الوحى المكى فى قوله تعالى ﴿قُلْ إِنّمَا حَرّمَ رَبّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقّ﴾ (الأعراف 33).فالخمر من ضمن الإثم المحرم. وجاء تحريمه على سبيل الإجمال فى مكة ضمن عموميات التشريع المكى، ثم جاءت التفصيلات فى المدينة حين سئل النبى عليه السلام عن حكم الخمر فنزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نّفْعِهِمَا﴾ (البقرة 219).
    وطالما كان فى الخمر إثم كبير فهى محرمة فى مكة قبل المدينة، لأن الإثم القليل حرام فكيف بالإثم الكبير؟!! ثم يأتى تفصيل آخر يؤكد تحريم الخمر وذلك بالأمر باجتنابها ﴿يَـَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِنّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة 90).
    إذن لم تكن الخمر حلالاً ثم نزل تحريمها، ولم ينزل وحى بالسماح بالخمر ثم نزل تشريع آخر يلغى ذلك السماح.. وإنما نزل تحريمها اجمالا ضمن تحريم الإثم، ثم نزل التفصيل يؤكد ما سبق. أما قوله تعالى ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىَ حَتّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ (النساء 43) فلا شأن لها بالخمر وسكرة الخمر، بل أن كلمة (سكر) و(سكارى) لم تأت فى القرآن عن الخمر، إذ جاءت بمعنى الغفلة عند المشرك فى قوله تعالى ﴿لَعَمْرُكَ إِنّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الحجر 72). وجاءت بمعنى المفاجأة عند قيام الساعة ﴿وَتَرَى النّاسَ سُكَارَىَ وَمَا هُم بِسُكَارَىَ﴾ (الحج 2). وجاءت بمعنى الغيبوبة عند الموت فى ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ﴾ (ق 19). وجاءت بمعنى الغفلة وعدم الخشوع وغلبة الكسل والانشغال عن الصلاة عند أداء الصلاة فى قوله تعالى ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىَ﴾ وإذا قام الإنسان للصلاة وعقله غائب وقلبه مشغول بأمور الدنيا فهو فى حالة غفلة ولن يفقه شيئاً مما يقول فى صلاته، لذا تقول الآية ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىَ حَتّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾.

    سابعاً: إلغاء حكم آية بحديث بشرى

    التجنى على رسول الله بأنه قال كلاماً يخالف القرآن معناه معاداة النبى واتهامه بالكذب على الله، هذا مع أن الله تعالى مدح الرسول بأنه ما تقول على الله شيئاً فى الدين يقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ. لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَمَا مِنكُمْ مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (الحاقة 44: 47).
    والإيمان بالرسول معناه تبرئته من ذلك الزيف المنسوب إليه والذى يخالف التشريع القرآنى، ومعناه الإيمان بأن النبى كان فى حيلته متبعاً للوحى فبذلك نزل القرآن يأمره بأن يتبع ما يوحى به الله إليه. وعليه فإن دعوى إلغاء التشريع القرآنى بأحاديث منسوبة للنبى ينبغى منذ البداية أن نبرئ الرسول عليه السلام منها، ويدفعنا إلى ذلك حب النبى والإيمان به والدفاع عنه من تلك الاتهامات التى تنال من النبى ومن دين الإسلام.
    لقد توارث العصر العباسى تشريعات تخالف تشريع القرآن وقد حافظوا على تلك التشريعات المخالفة، وفى سبيلها اخترعوا أحاديث نسبوها للنبى كى يضعوا لها أسساً تشريعية، ولأنها تخالف النصوص القرآنية كان ادعاء النسخ بمعنى الإلغاء هو السبيل الوحيد لإرساء تلك التشريعات ضمن تشريعات الإسلام، وبذلك أضاعوا تشريعات القرآن أو بتعبيرهم "أصبحت منسوخة" بتلك الأحاديث البشرية.

    إلغاء تشريع القرآن فى المحرمات فى الزواج:

    وبعض تلك الأحاديث البشرية كانت فى الأصل آراء فقهية جاء بها القياس الفقهى، مثل تحريم الجمع بين الزوجة وعمتها أو خالتها قياساً على تحريم الجمع بين الزوجة وأختها، ومثل قولهم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب قياساً على تحريم الزواج بالأم المرضعة والأخت من الرضاع. وبذلك أضاعوا تشريع القرآن فى المحرمات فى الزواج.
    لقد أحل القرآن الزواج من كل النساء واستثنى (من تزوجها الأب، الأم، البنت، الأخت، العمة، الخالة، بنت الأخ، بنت الأخت، الأم التى أرضعت، الأخت من الرضاع، أم الزوجة التى دخل بها الزوج، من تزوجها الإبن، أخت الزوجة التى فى عصمة زوجها ما لم تسقط العصمة بملك اليمين) وبعد أن ذكر القرآن أولئك المحرمات وأحوالهن بالتفصيل قال ﴿وَأُحِلّ لَكُمْ مّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (النساء 24).

    ومعناه أن القرآن أحاط المحرمات فى الزواج بسور جامع مانع، جمع كل المحرمات داخل السور ومنع أن يضاف إليهن أو يؤخذ منهن، وخارج هذا السور الجامع المانع يحل للإنسان أن يتزوج من يشاء. وذلك التشريع القرآنى الجامع المانع المحدد القاطع ألغاه تشريع مخالف يحرم ما أحل الله.
    وعلى سبيل المثال، فإذا أراد رجل أن يتزوج عمة امرأته. فالقرآن يبيح ذلك لأن الجمع بين الزوجة وعمتها وخالتها حلال، بدخل ضمن قوله تعالى ﴿وَأُحِلّ لَكُمْ مّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ولكن ذلك الحديث يحرم ما أحل الله. وإذا أراد رجل أن يتزوج (خالته من الرضاع) قال له القرآن ﴿وَأُحِلّ لَكُمْ مّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وقال له الفقه وعلم الحديث أن ذلك حرام لأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب بزعمهم.. وقد يقال لا عبرة بأى تشريع يخالف القرآن خصوصاً إذا كان التشريع القرآنى حاسماً واضحاً جامعاً مانعاً مفصلا.. وذلك كلام حق.. ولكن الواقع أن المسلمين تناسوا تشريع القرآن فى سبيل تلك الأحاديث، والحجة الجاهزة لديهم أن تلك الأحاديث قد "نسخت" أى ألغت تشريع القرآن الواضح الجامع المانع.

    إلغاء تشريعاته فى الوصية لوارث:

    ومن هذه النوعية تلك الفتوى الفقهية التى ارتدت ثوب حديث نبوى يقول "لا وصية لوارث". وقد جعلوا تلك الفتوى تصادر التشريع القرآنى الذى يبيح الوصية لوارث، وليس يبيح فقط بل يأمر بالوصية لبعض الورثة ويجعل ذلك فرضاً على الإنسان حين يشرف على الموت، إن الله تعالى يقول ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتّقِينَ﴾ (البقرة 180). فالآية تفرض الوصية عند الموت للوالدين إذا كانا معا أو أحدهما على قيد الحياة، وتفرض الوصية للأقارب سواء كانوا ورثة أو لم يكونوا.. ومعروف أن للوالدين نصيباً مفروضاً فى الميراث إلى جانب الوصية، يقول تعالى عن حق الوالدين فى الميراث ﴿وَلأبَوَيْهِ لِكُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا السّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لّمْ يَكُنْ لّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلاُمّهِ الثّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلاُمّهِ السّدُسُ﴾ (النساء 11). إذن للوالدين نصيب مفروض فى الميراث ولهما أيضاً نصًيب مفروض فى الوصية ولكن ذلك كله لم يغن شيئاً أمام حديث منسوب زوراً للنبى يقول "لا وصية لوارث" فأسرعوا بإلغاء الحكم فى قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتّقِينَ﴾.
    وتناسوا ما فى الآية من عبارات الإلزام والتأكيد مثل "كتب عليكم" "حقاً على المتقين".
    وتناسوا التفصيل القرآنى الحكيم الذى جاء بشأن الوصية أن من يبدل وصية الموت عقابه شديد عند الله ﴿فَمَن بَدّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنّمَا إِثْمُهُ عَلَى الّذِينَ يُبَدّلُونَهُ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وتأتى الآية التالية لتبيح التدخل فى إصلاح الوصية إن كان فيها ظلم ليستقيم العدل، يقول تعالى ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ﴾
    وتناسوا أن آيات الميراث فى القرآن جعلت تنفيذ الوصية وسداد الديون قبل توزيع الميراث.
    وتناسوا أن كلام القرآن عن الوصية جاء بصيغة مطلقة تدل على حق الإنسان فى أن يوصى بوارث أو غير وارث فتقول آية الميراث ﴿مِن بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾..
    وتناسوا حكمة التشريع القرآنى فى الميراث والوصية، فقواعد الميراث تقوم على أنصبة محددة لا مجال فيها للتعديل أو التبديل، وفيها يتم توزيع التركة بالنصف وبالربع وبالثمن والسدس والثلث هكذا بالتحديد، ومصير من يتعدى تلك الحدود أن يكون خالداً فى النار ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مّهِينٌ﴾ (النساء 13،14). ولكن الوصية يمكن أن يراعى بها الإنسان الظروف الاستثنائية والحقوق الطارئة.

    ولتوضيح ذلك أحكى قصة واقعية جاءنى صاحبها يستفتينى، فهو رجل فلاح مكافح استطاع بمساعدة ابنه الأكبر أن يشترى عشرة أفدنة، واستطاع مع ذلك أن يقوم على تعليم ابنه الثانى حتى تخرج، ثم ذهب إلى الخارج وعاد ميسوراً قد اكتنز الأموال وأقام العمارات واشترى الأراضى، هذا فى الوقت الذى استنفذ فيه الكفاح والبلهارسيا صحة الأخ الأكبر وأثقلته رعاية والده وأبنائه الكثيرين.. وجاء الأب العجوز يشكوا جحود ابنه الثانى الذى أخذ ولم يعط، ويريد أن ينصف ابنه الأكبر الذى كافح بأن يكتب له جزءاً من الأرض التى استطاع الأب بمجهود ذلك الابن أن يشتريها، وروى لى الأب أنه ذهب للعلماء فى أمر تلك الوصية فأفتوا له بأنه لا وصية لوارث . وذلك الفلاح يرى بفطرته السليمة أن العدل أن يتميز الأخ الأكبر فى التركة فى مقابل كفاحه ومعاناته، ويرى أن من الظلم أن يتساوى الابن الأصغر مع أخيه الأكبر، وأن الوصية هى التى ستصلح الوضع. وقلت له أن الفطرة السليمة عنده هى التى جاء بها التشريع القرآنى حين جعل الوصية فرضاً مكتوباً ليتم بها إصلاح مثل تلك الحالات حتى يستقيم العدل.

    أكذوبة الرجم ألغت تشريعات القرآن فى عقوبة الزنا:
    وعقوبة الرجم للزانى والزانية لم تأت فى القرآن، وإن كانت قد جاءت فى التوراة الموجودة لدينا وتأثر المسلمون بذلك فأفاضوا عقوبة الرجم لجريمة الزنا فى حالة الإحصان أو الزواج، وقد انشغل الفقهاء بأحاديث الرجم التى ألغت التشريعات القرآنية الخاصة بعقوبة الزنا، بحيث أصبحت تلك التفصيلات القرآنية مجهولة.
    وقد جاءت عقوبة الزنا فى القرآن على النحو التالى:
    1- الزانية والزانى إذا ضبطا فى حالة تلبس، فالعقوبة مائة جلدة أمام الناس، بذلك بدأت سورة النور بافتتاحية ترد على أولئك الذين يتجاهلون وضوح القرآن وبيان تشريعاته، يقول تعالى فى تلك الافتتاحية الفريدة ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيّنَاتٍ لّعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ﴾ وبعدها قال تعالى مباشرة ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُواْ كُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
    2- ومن الصعب إثبات حالة التلبس فى جريمة الزنا، ومن الصعب أيضاً أن يحدث إقرار بالوقوع فى الزنا ينتج عنه عقوبة الجلد، ولكن من السهل أن يشاع عن امرأة ما بأنها سيئة السلوك، وتتكاثر الشواهد على سوء سمعتها، وحينئذ لابد من عقاب مناسب بعد الإشهاد عليها بأربعة شهود بأنها اللاتى (يأتين الفاحشة) ولكن لم يتم ضبطها، وذلك العقاب ليس الجلد، وإنما هو عقاب سلبى، يكون بمنعها عن الناس ومنع الناس عنها إلى أن تموت أو تتزوج وتتوب، يقول تعالى ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنّ فِي الْبُيُوتِ حَتّىَ يَتَوَفّاهُنّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً﴾ (النساء 15).

    3- وجاءت تفصيلات القرآن بعقوبة الجارية، إذا وقعت فى الزنا.
    فإن كانت الجارية تحت سيطرة سيدها أو يجبرها على ممارسة البغاء فليس عليها عقوبة، إذ أنها لا تملك حرية الاختيار، يقول تعالى ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصّناً لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنّ فِإِنّ اللّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنّ غَفُورٌ رّحِيمٌ﴾ (النور 33).
    وإذا تزوجت الجارية وتحررت من سيطرة مالكها ووقعت فى جريمة الزنا فعقوبتها خمسون جلدة أى نصف ما على المتزوجات الحرائر إذا وقعن فى الزنا ﴿فَإِذَآ أُحْصِنّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (النساء 25).

    4- وقد تكون الزانية زوجة مطلقة لا تزال فى فترة العدة، ومن حق المطلقة فى فترة العدة أن تظل فى بيت الزوجية، ولكن تفقد هذا الحق إذا وقعت فى الزنا، وحينئذ يكون من حق زوجها أن يطردها ولكن بشرط أن تكون جريمة الزنا مثبتة حتى لا يتاح لزوجها أن يتجنى عليها بالباطل، يقول تعالى عن تلك الزوجة المطلقة ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنّ مِن بُيُوتِهِنّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ﴾ (الطلاق1).
    والقرآن يصف الفاحشة بأنها "فاحشة مبينة" أى مثبتة ضماناً لعدم الافتراء بلا دليل.. وعقوبة الطرد هنا تضاف إلى العقوبة الأخرى وهى مائة جلدة.

    5- وهناك عقوبة أخرى لتلك الزوجة المطلقة إذا وقعت فى الزنا بعد الطلاق، وهى أنه من حق الزوج أن يمنعها عن الزواج إلى أن تدفع له بعض ما أعطاه لها فى الصداق أو المؤخر. والشرط أن تكون جريمة الزنا فى حقها مثبتة بالدليل، يقول تعالى ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنّ إِلاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ﴾ (النساء 19). والعضل هو منع المرأة من الزواج، والقرآن يحرم العضل إلا فى حالة المطلقة الزانية.. فيجعل من حق الزوج أن يمنعها الزواج إلى أن تعيد له بعض ما دفعه إليها فى المهر.

    6- وفى كل الأحوال فالمرأة الزانية التى لا تتوب عن الزنا لا يتزوجها المؤمن، وتلك عقوبة أخرى إضافية، يقول الله تعالى ﴿الزّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور 3).

    7- وتأبى تفصيلات القرآن إلا أن تضع عقوبة للزنا فى حالة استثنائية ومستبعدة، وهى افتراض وقوع نساء النبى أمهات المؤمنين فى تلك الجريمة، وهنا تكون العقوبة مائتى جلدة فى تلك الجريمة، أى ضعف ما على النساء الحرائر، وفى المقابل فلهن فى عمل الصالحات ضعف ما للمحسنات، يقول تعالى ﴿ياَ نِسَآءَ النّبِيّ مَن يَأْتِ مِنكُنّ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً. وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنّ للّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ (الأحزاب 30،31).
    ولأن العقوبة هنا مضاعفة كان لابد من كون الجريمة مثبتى أو بالتعبير القرآنى "من يأت منكن بفاحشة مبينة" فالأمر هنا يخص نساء النبى أمهات المؤمنين، وهو أمر فظيع هائل لابد من التثبيت فيه.

    8- والتشريع القرآنى المحكم يصف عقوبة الزنا- التى هى الجلد- بأنها "عذاب". والعذاب يعنى أن يظل الجانى حياً لا يموت، وبتعبير آخر لا محل هنا لعقوبة الرجم التى تعنى الموت.
    والقرآن حين تحدث عن عقوبة الزنا قال ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُواْ كُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ لم يقل الزانى المحصن والزانية المحصنة أو غير المحصنة، وإنما جاء بالوصف مطلقاً "الزانية والزانى" وقدم الزانية على الزانى لأن المرأة هى العامل الأكثر تأثيراً فى تلك الجريمة، بينما قال عن السرقة ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوَاْ﴾ لأن الرجل هو الأساس والعنصر الغالب فى جريمة السرقة.
    والمهم أن عقوبة الزنا مطلقاً هى الجلد ﴿فَاجْلِدُواْ كُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ووصف القرآن عقوبة الجلد هنا بأنها عذاب فقال ﴿فَاجْلِدُواْ كُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إذن فالجلد هو العذاب..
    وفى حالة الجارية التى تزنى بعد زوجها قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أُحْصِنّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أى خمسون جلدة، أى أنه وصف عقوبة الجلد للجارية بأنه عذاب.. والقائلون بأن التى تتحصن بالزواج ثم تزنى تعاقب بالرجم كيف يفعلون ﴿فَعَلَيْهِنّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ هل يمكن تصنيف الرجم؟ وهل هناك نصف موت؟
    وفى حالة نساء النبى يقول التشريع القرآنى ﴿ياَ نِسَآءَ النّبِيّ مَن يَأْتِ مِنكُنّ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. فوصف عقوبة الجلد بأنه "عذاب" أى مائتا جلدة.. والقائلون بأن عقوبة المتزوجة هى الرجم كيف يحكمون بمضاعفة الرجم لنفس الشخص؟ وهل يموت الشخص مرتين؟
    والرجل إذا عجز عن إثبات حالة التلبس بالزنا على زوجته ولم يستطع إحضار الشهود فيمكن أن يشهد بنفسه أنها زانية أربع مرات، ويؤكد شهادته الخامسة بأن يستجلب لعنة الله عليه إن كان كاذباً، وتلك الحالة اللعان، ويمكن لزوجة المتهم أن تدفع عن نفسها وقوع حد الزنا بأن تشهد أربع شهادات بالله بأن زوجها كاذب فى اتهامها ثم تؤكد فى شهادتها الخامسة بأن تستجلب غضب الله عليها إن كان زوجها صادقاً فى اتهامه، يقول تعالى ﴿وَالّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللّهِ إِنّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ. وَالْخَامِسَةُ أَنّ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللّهِ إِنّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ. وَالْخَامِسَةَ أَنّ غَضَبَ اللّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (النور 6: 9).

    ويهمنا هنا أن وصف عقوبة الزنا بأنها عذاب، فقال "ويدرؤ عنها العذاب" وهو نفس الوصف الذى سبق لعقوبة الجلد.. إذن عقوبة المتزوجة المحصنة هى الجلد وليس الرجم.
    ثم إن تشريعات القرآن فى الآيات السابقة تعامل المرأة الزانية على أنها تظل حية بعد اتهامها بالزنا وإقامة عقوبة الجلد عليها وكذلك الزانى فالقرآن الكريم يحرم تزويج الزانى أو تزويج الزانية من الشرفاء، فلا يصح لمؤمن شريف أن يتزوج زانية مدمنة للزنا ولا يصح لمؤمنة شريفة أن تتزوج رجلاً مدمناً على الزنا ﴿الزّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور 3). ولو كان مصير الزانى أو الزانية هو الرجم موتاً لما كان هنا تفصيل فى تشريعات حياته طالما هو محكوم عليه بالموت، ونفس الحالة فى إضافة عقوبات للمطلة الزانية بإخراجها من البيت ومنعها عن الزواج حتى تدفع بعض المهر، وإذا كانت هناك عقوبة الرحم على تلك الزانية المحصنة لما كان هناك داع لتشريع يمنعها عن الزواج ثانياً ويسمح بطردها من البيت فى فترة العدة.

    وأكثر من ذلك.
    فالله تعالى يتوعد الزناه بمضاعفة العذاب والخلود فيه يوم القيامة، إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً، فأولئك يبدل الله تعالى سيئاتهم حسنات ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً. إِلاّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـَئِكَ يُبَدّلُ اللّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً﴾ (الفرقان 69،70). فإذا كان مصير الزانى هو الرجم السريع فلن تكون له فرصة للتوبة والإيمان والعمل الصالح المتراكم الذى تتبدل به سيئات الزنا إلى حسنات. بحيث تختفى عنه صفة الزانى ليحل محلها وصف الصالح عند الله تعالى..
    ومع هذا البيان الواضح فى تشريعات القرآن فإن أحاديث الرجم والانشغال بها أضاعت تشريعات القرآن فيما يخص تفصيلا العقوبة فى جريمة الزنا، أو بتعبيرهم "نسختها" وأبطلت حكمها. ومع أن عقوبة الرجم لم ترد فى القرآن ومع أن العقوبة الواردة فى جريمة الزنا تؤكد على أنه الجلد فقط إلا أن اقتناع المسلمين بأكذوبة الرجم جعلته الأساس التشريعى السائد حتى الآن فى كتب التراث وفى تطبيق الشريعة لدى بعض الدول (الإسلامية). ويكفينا فى التدليل على عمق التأثر بذلك التشريع المخالف للقرآن أن القارئ لنا الآن يدهش أشد الدهشة حين يكتشف أن الرجم ليس من تشريع القرآن والإسلام.. وكفينا فى عمق التأثر بذلك التشريع المخالف للقرآن أنه على أساسه قتل الآلاف رجماً وسيقتل مثلهم فى المستقبل، وذلك بحكم ما أنزل الله به من سلطان، ويقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقّ﴾ (الأنعام 151). ويقول ﴿وَالّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إِلَـَهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ (الفرقان 68).
    إن من أعظم الحرمات حرمة النفس البشرية.. ومن أعظم الجرائم أن تقتل تلك النفس الزكية بغير حكم أنزله الله تعالى الذى خلق النفس والذى أنزل الشرع..
    وأعظم الجرائم على الإطلاق أن تفترى تشريعاً بقتل النفس الزكية ثم تنسبه إلى الله تعالى ورسوله..
    ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذّبَ بِآيَاتِهِ إِنّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ. وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـَؤُلآءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىَ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (يونس 17،18).
    ٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭
    الخاتمة
    وبعد.. لنتذكر الآتى:
    1- أن النسخ فى القرآن وفى اللغة العربية يعنى الكتابة والإثبات وليس الإلغاء والمحو. أن مصطلح النسخ بمعنى إلغاء الأحكام الشرعية بدأه اليهود فى العصر العباسى ثم انتقل منهم للمسلمين.
    2- استطاع العصر العباسى أن ينشئ له شريعة خاصة تأخذ من القرآن ما يوافق هواها، وما لا يوافق أبطلوه تحت دعوى النسخ بمعنى الإلغاء والمحو، وكان سهلاً أن يؤسسوا لأحكامهم التشريعية سنداً عن طريق نسبتها للنبى عليه السلام.
    3- وكانوا يبطلون الأحكام التشريعية لبعض الآيات باختراع تناقض بينها وبين آيات أخرى، ويقولون أن هذه الآية نسخت تلك الآية، ولم يحاولوا فهم التفصيلات فى المتشابه القرآنى، ولم يكترثوا بتأكيد القرآن على أنه لا عوج فيه، وأنه لا تبديل لكلمات الله ولا تناقض فى شرع الله.
    4- اعتمدوا قضية التدرج فى التشريع سنداً لرأيهم فى النسخ بمعنى الحذف والإلغاء. مع أن التدريج فى التشريع يتعلق بالعلاقات المتغيرة وبالتفصيلات التشريعية التى تأتى بعد الإيجاز والإجمال، وليس فى ذلك تناقض على الإطلاق.
    5- جاءوا بفتاوى بشرية جعلوها أحاديث نبوية واستطاعوا بها إلغاء التشريعات القرآنية مثل "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" و"يحرم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها". ومثل "لا وصية لوارث". ومثل أكذوبة الرجم للزانى.
    6- أن التيار الدينى الذى يسعى للحكم ويرفع لواء تطبيق الشريعة يضع عينه على تلك التشريعات المكتوبة فى العصر العباسى خصوصاً الحدود وحد الرجم.
    وتلك الشريعة العباسية لم يعرفها الرسول، والعجيب أنهم يدافعون عنها ويرونها شريعة الإسلام مع أنها أحكام ما أنزل الله بها من سلطان، والأعجب منها يتهمون القوانين الوضعية بأنها حكم ما أنزل الله بها من سلطان.
    7- لا جدال فى أن تشريعات الله هى المثلى لكل زمان ومكان.. ولكن المشكلة أن بعضنا يجترئ على شرع الله فيبطله ويتمسح بدين الله. ودين الله تعالى أحوج إلى من يعانى فى سبيل إظهار حقائقه، وليس محتاجاً إلى من يتاجرون به ويشترون به ثمناً قليلاً.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-09-16
  3. No Way

    No Way عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-05-24
    المشاركات:
    373
    الإعجاب :
    0
    د. احمد صبحي منصور
    ( مفكر اسلامي مستقل )


    البيانات الشخصية

    الاسم / احمد صبحي منصور محمد علي
    تاريخ الميلاد / 1/3/1949 .
    محل الميلاد / ابو حريز – كفر صقر – الشرقية – مصر .
    الحالة الاجتماعية / متزوج ويعول .
    العمل الحالي / باحث مستقل في الدراسات الاسلامية .

    المؤهلات العلمية :

    1- الشهادة الاعدادية الازهرية سنة 1964 الترتيب : الثاني علي مستوي الجمهورية .
    2- الثانوية العامة نظام الثلاث سنوات خارجي سنة 1976 – القسم الادبي، اثناء الدراسة في التعليم الثانوي الازهري.
    3- الثانوية الازهرية : ادبي – سنة 1969 الترتيب : الرابع علي الجمهورية .
    4- الاول علي قسم التاريخ والحضارة الاسلامية في السنوات الاربع بكلية اللغة العربية – جامعة الازهر ( 1969 : 1973 ).
    5- الاجازة العلمية ( الليسانس) قسم التاريخ بجامعة الازهر سنة 1973 بتقدير عام جيد جدا مع مرتبة الشرف .
    6- الماجيستير في التاريخ الاسلامي والحضارة الاسلامية 1975 ( جيد جدا )
    7- الدكتوراة : شعبة التاريخ والحضارة – بمرتبة الشرف الاولي ( 1981 ) جامعة الازهر – كلية اللغة العربية – قسم التاريخ . في التاريخ الاسلامي والحضارة.
    8- كان قد قدم رسالته للمناقشة في مارس 1977 ، فتعرض لاضطهاد داخل الجامعة الازهرية استمر ثلاث سنوات، حتى اضطروه الى حذف ثلثى الرسالة، وقد كانت حول اثر التصوف في مصر العصر المملوكي، أي اثره دينيا واخلاقيا واجتماعيا وسياسيا وعلميا ومعماريا واقتصاديا.. الخ. وبسبب اظهار الرسالة لاثار التصوف السيئة في هذه النواحي ، فقد ثار الشيوخ علي الباحث لكي يرغموه على تعديل كتابته لتكون دفاعا وتبريرا عن اولياء الصوفية الذين يقدسهم شيوخ الازهر، ورفض الباحث، واستمرت معاناته معهم ثلاث سنوات ممنوعا من مناقشة رسالته، الي ان وصلوا الى حل وسط وهو حذف اثر التصوف في الحياة الدينية والسلوكيات الاخلاقية، وبعد حذف ثلثي الرسالة حصل على الدكتوراه بمرتبة الشرف الاولى.


    بيانات الخبرة في التدريس والعمل الجامعي (1987 – 1985 )

    1- العمل بالتدريس في كليات جامعة الازهر في مجال التاريخ الاسلامي والحضارة الاسلامية 1977 1985ـ في كليات جامعة الازهر آلاتية :
    كلية اللغة العربية بالقاهرة ، كلية اللغة العربية بالزقازيق – كلية التربية ، المواد الاسلامية في كليات الطب والاسنان والتجارة واللغات والترجمة ، كلية الدعوة بطنطا ، كلية الدعوة بالقاهرة ، حيث كان الباحث يقوم بوظيفة المدرس كاملة طوال السنوات الثلاث 1977 الي 1980 ، التي منعوه فيها من مناقشة رسالة الدكتوراه و حقه في الترقي من مدرس مساعد الي مدرس، وقد ادرك قسم التاريخ والحضارة الذي يعمل فيه الباحث مدرسا مساعدا وقتها مدى الاضطهاد الذي يقع على الباحث، مع تقدير القسم لنبوغه العلمي فاعطوه -وهو مدرس مساعد نفس مهام المدرس اثناء تلك السنوات الثلاث.
    2- سكرتير قسم التاريخ والحضارة بكليات اللغة العربية ( 1982 – 1984 ) و المسئول عن ندوة القسم الاسبوعية .
    خبرات اخري مختلفة في مجال العمل العام ( 1980 – )
    1- سكرتير عام جماعة دعوة الحق الاسلامية ، وهي تسيطر علي عشرات المساجد في القاهرة والجيزة وطنطا والمنوفية والشرقية ودمياط .( 1980 – 1986 ) .
    2- الخطيب والمحاضر الاول لجماعة دعوة الحق الاسلامية في نفس الفترة ( 1980 – 1986 ).
    3- سكرتير و مدير تحرير مجلة الهدي النبوي التي تصدرها جماعة دعوة الحق ( 1985 – 1987 ).
    4- القاء محاضرات وندوات في ولايات ( واشنطن ، اريزونا ، سان فرانسيسكو ) { يناير : اكتوبر 1988 }.
    5- عضو مجلس امناء المنظمة المصرية لحقوق الانسان ، والمشرف علي امانة التثقيف والفكر فيها فيما بين ( 1994 – 1995 ) .
    6- عضو مؤسس للجمعية المصرية للتنوير ( 1993- ) والامين العام لها فيما بين ( 1993-1998).
    7- عضو مؤسس للحركة الشعبية لمواجهة الارهاب ، ومقرر لجنة الفكر ( 1994 – 1996 ) .
    8- عضو ومستشار الجمعية الدولية لأبن خلدون ( Ibn Khaldoun Society ) ( 1996 - ) .
    9- المنسق العام لدراسات المجتمع المدني والتحول الديمقراطي ، ومشروع التطرف والارهاب في مركز ابن خلدون ومستشار المركز في الشئون الاسلامية .
    10- المستشار الديني لكثير من منظمات المجتمع المدني ، ومراكزه مثل المنظمة المصرية لحقوق الانسان، مركز القاهرة لحقوق الانسان ( 1990 - ) .
    11- ادارة الندوات في مراكز مثل المنظمة المصرية لحقوق الانسان ، والجمعية المصرية للتنوير ( 1994 - ) .
    12- حضور ندوات عربية ودولية في تونس واليمن وليبيا وانجلترا وامريكا ( 1987 – 2000 ) .
    13- ادارة رواق ابن خلدون وهو ندوة اسبوعية استمرت بدون انقطاع من الثلاثاء 2/1/1996 حتى 20 / 6/ 2000 .

    أهم المنشورات :

    ( أ ) ابحاث ومقالات في الصحف والمجلات المصرية والعربية :
    اكثر من خمسمائة بحث ومقال من ( 1982 : 2001 )
    في ( الاخبار والجمهورية ، الاهالي ، روزاليوسف ،العربي الناصري ، القاهرة ، ابداع ، مجلة التنوير ، مجلة المجتمع المدني ، جريدة الخليج ، ادب ونقد ، العالم اليوم ، سواسية ، حواء ، سطور ، رواق بن عربي ، الانسان والتطور ، حقوق الناس، الهدي النبوي ، الاهرام ، الاهرام ويكلي ، جريدة الخليج ، الوطن الكويتية ، الوطن المصرية ، الميدان ، الاحرار ) الخ .
    (ب ) كتب عربية منشورة :
    1 - السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة سنة 1982
    2 - البحث في مصادر التاريخ الديني سنة 1984
    3- شخصية مصر بعد الفتح الاسلامي سنة 1984 .
    4- التاريخ والمؤرخون : دراسة في تاريخ التأريخ : سنة 1984 .
    5- التاريخ والمؤرخون : دراسة في المادة التاريخية : سنة 1984 .
    6- اسس البحث التاريخى سنة 1984
    7- غارات المغول والصليبيين سنة 1985
    8- العالم الاسلامي بين عصر الراشدين وعصر الخلفاء العباسيين 1985
    9- حركات انفصالية في التاريخ الاسلامي سنة 1985
    10- دراسات في الحركة الفكرية في الحضارة الاسلامية سنة 1985
    11- الانبياء في القرآن الكريم : دراسة تحليلية سنة 1985
    ملحوظة :
    حوكم المؤلف في جامعة الازهر 1985 : 1987 ثم تركها سنة 1987 بسبب المؤلفات الخمس الاخيرة .
    12-المسلم العاصي :هل يخرج من النار ليدخل الجنة . سنة 1987.
    ملحوظة :صودر هذا الكتاب ودخل المؤلف بسببه السجن شهرين سنة 1987
    13 مصر في القرآن الكريم سنة 1990
    14- حقائق الموت في القرآن الكريم سنة 1990
    15- حد الردة : دراسة اصولية تاريخية سنة 1993 ، اعيدت طباعته سنة 2000 وترجم الي الانجليزية سنة 1998 .
    16- عذاب القبر والثعبان الاقرع سنة 1995 ، اعيدت طباعته سنة 2000 .
    17- حرية الرأي بين الاسلام والمسلمين سنة 1994
    18- قضية الحسبة في الاسلام سنة 1995 ، ونشر ثلاث مرات في نفس العام .
    19- مقدمة لكتاب جاك بيرك عن اعادة ترجمة القرآن سنة 1995 .
    20- مقدمة ابن خلدون : دراسة اصولية تاريخية : سنة 1998 .
    21- النسخ في القرآن معناه الكتابة و الاثبات وليس الحذف والالغاء سنة 2000
    22- العقائد الدينية في مصر المملوكية بين الاسلام والتصوف سنة 2000

    (جـ ) وهناك اكثر من اربعين مؤلفا غير منشور ، اهمها موسوعة التصوف المملوكي ، وموسوعة القرآن والفكر السني .
    وكل هذه المؤلفات المنشورة وغير المنشورة تدور في اطار المشروع الفكري للمؤلف الذي يهدف الي الاحتكام للقرآن الكريم في تراث المسلمين وعقائدهم لتبرئة الاسلام من تهم التطرف والارهاب .
    د. احمد صبحي منصور http://www.rezgar.com/m.asp?i=627
    يونية 2001
     

مشاركة هذه الصفحة