ثلاثية الفشل الأمريكي .. في ذكرى11سبتمبر

الكاتب : Faris   المشاهدات : 442   الردود : 0    ‏2005-09-15
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-09-15
  1. Faris

    Faris عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-09-28
    المشاركات:
    1,155
    الإعجاب :
    0


    إن الجميع يدرك أن الإدارة الأمريكية لم تر أي مبرر وقتها للتركيز على التحضير الدبلوماسي للحرب، بل مجرد حرص رموز واشنطن على إعطاء التصريحات الملتهبة و التهديدات التي طالت كل الجوار، وفي هذا الصدد يقول الجنرال: "إن الإخفاق الدبلوماسي صار عامل تضاعف للمشكلات التي واجهت الجهود السياسية والعسكرية في سبيل الإستراتيجية التعاونية، و أعطى (الجهاديين) أفضل ظروف الدخول إلى العراق لأجل تأجيج حدة التمرد"

    إذا كان هنري كيسنجر في المقالة التي نشرتها (الواشنطن بوست) قبل أسبوعين قد أجرى مقاربة دقيقة بين الوضع الأمريكي الحالي في العراق و بين ذلك الذي كان في فيتنام محاولاً، استخلاص العبر والخروج بأفضل التوصيات الحاثة على ضرورة الإسراع بإيجاد مخرج سياسي في قالب دولي يحفظ ماء وجه الولايات المتحدة من غير الاعتراف الصريح بإخفاق رهانات المحافظين الجدد في واشنطن، و غلاة منظري مبدأ السيطرة الأمريكية المطلقة على كل صغيرة و كبيرة في الكوكب، فإن ما نشرته نفس الصحيفة - قبل أكثر من أسبوع - تحت عنوان "قبل فوات الأوان في العراق" جاء ترجمة صريحة شجاعة لكل ما حاول المقال الأول تعتيمه بأن أقر كل الحقائق التي صارت تجمع عليها مختلف الكتابات العالمية.

    صاحب المقالة هذه المرة شخص لا يستطيع أحد أن ينكر إلمامه بجملة دقيقة من المعطيات الإستراتيجية و السياسية العالمية و الأمريكية بالخصوص؛ بما أنه كان يشغل منصباً قيادياً رفيعاً في أعلى درجات العسكرية الأمريكية خلال السنوات القليلة الماضية، و هو الجنرال ويسلي كلارك الذي كان قائداً أعلى لقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا خلال حرب كوسوفو و الذي يبتدئ مقالته بالقول: "إن ما يزيد عن نصف الأمريكيين حالياً يعتقدون أن الحرب على العراق كانت خطأ، وهم مصيبون في ذلك"، و هنا يجب التذكير بأن الجنرال كلارك هو مناضل في صفوف الحزب الديمقراطي في الوقت الراهن بعد أن خرج إلى التقاعد، زيادة على أنه كان ضمن قائمة الحزب الانتقائية لأجل اختيار مرشح الديمقراطيين لسباق الرئاسة الأمريكية في تشرين الثاني/نوفمبر من العام المنصرم قبل أن يتم الاتفاق على تقديم جون كيري مثلما يذكر الجميع، و هذه ملحوظة محورية يجب البداية بها حتى نفهم أن المقالة أصلاً تأتي في سياق الضغط المركّز الذي باتت الإدارة الجمهورية بالبيت الأبيض حالياً تتعرض له، بما يعني أن هذا العسكري المحنك لا يحاول التركيز على الأخطاء الأمريكية، و إنما هو ينتقي أفضل التعبيرات و الكلمات لكي يثبت إخفاق الجمهوريين، و هذا الأسلوب -و إن كان اعتيادياً في الغرب- إلا أنه يمكن الاستشهاد به أمام نخبنا حتى نتعلم بعضاً من أبجديات طرائق عمل المعارضة في الميدان السياسي.

    و لكي يشرح الجنرال الأسباب التي لأجلها تعلقت أرجل العملاق الأمريكي في الوحل العراقي فإنه يقول: "منذ بداية مجهودات المرحلة التي تلت الغزو، كنا بحاجة لإستراتيجية تتمفصل على ثلاثة مرتكزات: دبلوماسية سياسية وعسكرية. إن العراق يقع داخل حيز جغرافي يمثل خط التماس المباشر بين الإسلام السني و الشيعي بما يعني أن مهمتنا-لكي تنجح- كانت تقتضي منا أن نلعب دور المحفز على التعاون في المنطقة بدلاً من أن نكون مصدر أزمة إقليمية".

    شبح سيناريو فيتنام يطل من جديد !

    إن الجميع يدرك أن الإدارة الأمريكية لم تر أي مبرر وقتها للتركيز على التحضير الدبلوماسي للحرب، بل مجرد حرص رموز واشنطن على إعطاء التصريحات الملتهبة و التهديدات التي طالت كل الجوار، وفي هذا الصدد يقول الجنرال: "إن الإخفاق الدبلوماسي صار عامل تضاعف للمشكلات التي واجهت الجهود السياسية والعسكرية في سبيل الإستراتيجية التعاونية، و أعطى (الجهاديين) أفضل ظروف الدخول إلى العراق لأجل تأجيج حدة التمرد".

    على الصعيد السياسي يسجل صاحب المقال أيضاً البطء الشديد الذي اتسمت به طريقة الأداء الأمريكية في شأن ضرورة التعجيل بنقل السلطة السياسية إلى العراقيين، و هذا ما نتج عنه جملة مشكلات كان يمكن تفاديها في البداية لعل أبرزها قوله: "إن السَنَة الأولى التي بُعثرت من غير طائل، كانت فترة نشوء و تطور الميليشيات الطائفية، لقد مرت الشهور من غير أن يُنصّب أي سفير للولايات المتحدة في العراق". و هنا يؤكد هذا العسكري على أن تلك اللحظات الثمينة من عمر الأزمة كانت ذات تأثير جوهري على سير الأحداث التي تلتها مؤدية في الظرف الراهن، على حسب قوله، إلى أن : " التطور السياسي لدى العراقيين حالياً لا يتميز بغياب الأمن فقط، و إنما يلازمه غياب واضح لأي مشروع معزز للبنية التحتية العراقية و موفر لأبسط الخدمات الحياتية مثل الكهرباء و الغاز و فرص العمل".

    في انتظار ذلك وعلى الصعيد العسكري، لا يزال الرهان الأمني في الواقع العراقي شيئاً بعيد المنال؛ لأن القوات المحلية التي شكلتها القيادة الأمريكية ليست في مستوى تحمل المسؤولية، و هي على هذا القدر من الضعف بسبب قلة مواردها، وحتى نقص التدريب مثلما يرى القائد السابق لقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا: "لم يُبدأ في العمل المشترك بين الأمريكيين و القوات العراقية إلا بحلول شهر حزيران/يونيو الأخير أي بعد سنتين كاملتين من سقوط نظام البعث، و ذلك حينما أعلن الرئيس بوش عن البدء في مراحل جديدة تقتضي إعداد (فرق انتقالية) لأجل تسليم المشعل للعراقيين إلى جانب تدريبهم على كيفيات محاربة الإرهاب، إننا لا نسجل أي جديد في هذا الإطار، هذا يعني أننا نواجه نفس المشكلة التي عرفناها في فيتنام: بناء الدولة".

    رهان خاسر لكسب القلوب !

    إن المأزق يزداد تعقيداً مع فجر كل يوم جديد، و الرهان الأمريكي على كسب "القلوب و العقول" بدا متعثراً و صار جلياً أن القوات المتحالفة هناك -بما فيها الوحدات العراقية التي تم الاستنجاد بها- لم تعد كافية حتى لمهمة مراقبة الحدود مما جعل الحلم الأمريكي الذي تغنّى "بحرية العراق" يذهب أدراج الرياح خصوصاً حينما نقرأ اعترافاً صريحاً من صاحب المقال: "إن تراكم المشكلات و تكدّسها على مرّ الأشهر أنقص حظوظنا في النجاح، و من هنا فإن الإسراع بتغيير الإستراتيجية قبل فوات الأوان صار لازماً قبل أن يصير خيار الانسحاب مخرجاً لا غنى لنا عنه".

    في هذا الإطار يقترح هذا الديموقراطي أنه يتعين إضفاء قدر من الدبلوماسية على الإستراتيجية المتبعة حالياً في موضوع معالجة الأزمة، و أن أول متطلبات مثل هذا المقترح: "تنظيم مؤتمر لجيران العراق يتناول في المباحثات كل شيء من شؤون اقتصادية و سياسية، ومواضيع تنقّل الأشخاص، بالإضافة إلى ضرورة التأكيد على الحزم فيما يتعلق بنشاطات مراقبة تدفّق "الجهاديين" مثلما يتعين على أمريكا أن تنقص من قدراتها البلاغية في سبيل سماع الأصوات التي تصدر من المنطقة غالباً".

    كيف الخروج من المأزق ..؟؟

    الأمر لا يتعلق فقط بالجانب الدبلوماسي؛ فالجنرال كلارك يرى أن أبعاد المأزق ثلاثية، و تتطلب عملاً مُطوراً في شقيه العسكري و السياسي خصوصاً بما يعني أن هذه الناحية الأخيرة أيضاً لا تستغني عن بعض التطوير من خلال المساهمة في صياغة الدستور المستقبلي الذي يفترض أن تستند إليه كل آليات السلطة العراقية في المراحل القادمة، و يأتي الدور الأمريكي خاصة في هذا المجال عن طريق حرص الولايات المتحدة على أن تتفادى هذه الوثيقة "الخطوط الحمراء" التي من شأنها أن تثير النعرات الطائفية .

    لا تختلف النتائج التي توصل إليها الجنرال كلارك عن تلك التي أشار إليها الوزير كيسنجر إلا في الجانب التقني منها؛ فالمقال الذي بين أيدينا هذه المرة لا يناقش فكرة الانسحاب من حيث المنطلق، و لكنه يشير إلى ضرورة أن يكون هذا نتيجة منطقية لسلسلة إجراءات تحفظ الدور العالمي الأمريكي من الضياع، و إذا كان الغريب فيه عدم اكتراث صاحبه بجسامة الخسائر هناك على عكس الأول، إلا أنه يشدد على فداحة الكارثة التي قد تلحق بالدولة الأمريكية من أساسها إذا ما تم الإقدام على الانسحاب في الظرف الحالي، و تكمن العاطفة الوطنية القوية في صدر كلارك عند كل سطر مما يدع الانطباع بأن صاحبه لا يهدف إلى مجرد تقديم النصح المجاني لإدارة يفترض أنه يعارضها، بل يحاول الظهور بمظهر الرجل القوي القادر على تسيير هذا النوع المبهم من الأزمات.

    يقول قائد الأطلسي خلال أزمة كوسوفو في تسعينيات القرن الأخير: "يجب إشراك كندا، فرنسا و ألمانيا في المجهود الواسع لأجل تشكيل القوات المسلحة و الشرطة العراقيتين مثلما يتعين على دول الجوار أن تساهم بوساطة إرسال مراقبين و تقديم الدعم التقني و عمليات ضرب المتمردين، يجب أن تتواصل -حتى وإن كانت غير كافية وحدها- لأن النصر لن يتحقق قبل كسب القلوب و العقول مثلما يتعين توظيف ما لا يقل عن عشرة آلاف عربي أمريكي من ذوي الكفاءات ليصيروا مترجمين، و أما مشكلة تسرب الجهاديين فإنها يجب أن تواجه بواسطة الإكثار من إقامة مراكز الحراسة المتقدمة إلى جانب تكثيف الدوريات العسكرية المتنقلة".

    في الأخير لا يجد الكاتب بُدًّا من التذكير بأنه يتعين على الإدارة الحالية أن تبلور "إستراتيجية نصر" في مواجهة الطلبات المتزايدة بوجوب الانسحاب، و لقد صرح في المنتدى الذي استضافته فيه نفس الصحيفة بعد نشرها للمقال بساعات ليجيب عن تساؤلات قرائها قائلاً: "إن الأمريكيين يثقون في منتَخَبيهم و قادتهم العسكريين لأن هؤلاء لا يدخلون حرباً إلا إذا كانت هذه الحرب هي الملجأ الأخير على عكس الحالة العراقية التي لم تكن كذلك. من الممكن جداً أنه لن يتسنى لنا يوماً أن نعرف الدوافع الحقيقة التي وقفت وراء هذه الحرب؛ لأن العراق لم يكن مصدر خطر محدق بنا، لقد حذرت من هذا الأمر قبل وقوعه، و لم نكن أبداً مجبرين على خوضه، لقد كانت هذه الحرب خطأ إستراتيجياً".


    المصدر : الإسلام اليوم
     

مشاركة هذه الصفحة