رسالة الى السيد روبرت بيروز..عن الشأن اليمني

الكاتب : صفي ضياء   المشاهدات : 368   الردود : 0    ‏2005-09-15
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-09-15
  1. صفي ضياء

    صفي ضياء عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-01-31
    المشاركات:
    1,104
    الإعجاب :
    0
    الثلاثاء 30 أغسطس 2005

    ابقاء الرئيس على الطاقم المقرب، شعوره بالزهو بعد تحقيق الوحدة.. من أهم مشكلات النظام السياسي في اليمن

    د. عبد الله الفقيه

    استاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء






    تلقيت رسالة بالبريد الإلكتروني من السيد روبرت بيروز عالم السياسة الأمريكي المهتم بالشئون اليمنية واحد ابرز اصدقاء اليمن. وقد تضمنت الرسالة السؤال عن رأيي حول قرار الأخ رئيس الجمهورية عدم ترشيح نفسه، وحول الإصلاحات الإقتصادية الأخيرة، وحول الخلاف بين الرئيس وباجمال.

    بدأت علاقة بيروز باليمن عندما جاء اليها في منتصف سبعينيات القرن الماضي بالصدفة وفي ملاحقة إمرأة كان قد قابلها في بيروت ثم تبعها الى اليمن بعد ان كلفت بعمل هنا. وبمرور الزمن تلاشى حب بيروز للمرأة التي كانت السبب في حضوره الى اليمن وحل محله حب اعمق واكثر ديمومة لليمن بسلتتها وقاتها ونخبتها السياسية والثقافية. ولثلاث عقود ظل بيروز إما مقيما في او زائرا لليمن.

    اما انا فبدأت معرفتي

    ببيرزو من خلال قراءتي لأعماله المنشورة عن الجمهورية العربية اليمنية ثم عن الجمهورية اليمنية فيما بعد. ويعد بيروز وا

    دا من اشهر ثلاثة علماء سياسة امريكيين كتبوا عن السياسات اليمنية. وقد عكست كتابات بيروز حتى وقت قريب تعاطفا كبيرا مع اليمن ومع نظام الحكم القائم ربما كان سببه علاقاته الواسعة داخل النظام وخارجه. واذا كان مايكل هدسون هو دون جدل الأكثر شهرة من العلماء الثلاثة فان بيروز هو دون شك الأغزر انتاجا عن اليمن والأكثر التصاقا بمشاكل اليمن. قابلت بيروز خل

    ال زيارته الأخيرة لليمن في ربيع هذا العام حيث ظهر متشائما على غير عادته في نظرته الى مستقبل اليمن. وقد عبر عن تشاؤمه بوضوح في مسودة دراسة نشرت ترجمتها على حلقات في صحيفة «التجمع» لسان حال حزب التجمع الوحدوي اليمني ثم اعادت صحيفة الوسط ترجمتها ونشرها على حلقتين قبل بضعة اشهر.

    الرسالة..!

    نظام يملك القدرة والفعالية على تحقيق اهداف وتطلعات الشعب اليمني في هذه المرحلة الصعبة.



    البروفسيور بيروز... سعدت كثيرا برسالتك الإلكترونية وباهتمامك المتجدد باليمن ماضياً وحاضراً ومستقبلاً...انه من الصعب جدا على المفكر ان يبدي رأيا حول وضع اشبه ما يكون بالفوضى.. ومع ذلك سأحاول ان اعطيك رأيا.. بالنسبة لإعلان الرئيس عزمه عدم الترشح في الانتخابات الرئاسية القادمة (انتخابات 2006) فاعتقد انه كان خطأ في مضمونه وفي توقيت إعلانه وقد اضر، من وجهة نظري، بالنظام الذي يقوده الرئيس وباليمن ككل. ويمكن فهم ذلك التصرف على انه جزء من الفوضى السائدة والتي امتدت الى كل شيء بما في ذلك خطاب الأخ الرئيس وتصرفاته...لا احد يعرف بالضبط ما الذي حدث للرئيس واضعفه بهذا الشكل وجعله يظهر في اكثر من مناسبة وكأنه يطلق النار على نفسه..هناك تفسير يقول أن الرئيس الذي اعتمد طوال سنوات حكمه على نخبة من المستشارين الأكفاء لم يعد يستشر أحدا هذه الأيام. وهناك تفسيرات كثيرة لذلك.

    اولا، يبدو ان صراع مراكز القوى في دوائر النظام قد أطاح ببعض العقول التي لعبت دورا مركزيا في تثبيت نظام الرئيس صالح. وابرز الأمثلة على ذلك هو الدكتور الإرياني الذي لقي من وجهة نظر البعض «جزاء سنمار». فبعد ان سعى الى جعل حزب الرئيس يفوز باغلبية كاسحة ونتيجة لاتباعه سياسة برجماتية وخصوصا في علاقات اليمن الخارجية وجد نفسه مستهدفا من مراكز القوى داخل النظام التي عملت دون كلل او ملل على احراق كرته السياسي.

    وقد نجحت مراكز القوى تلك في خطتها مستفيدة من أخطاء الإرياني نفسه. فالدكتور الإرياني اشتهر بمحاباة اقاربه وابناء منطقته وبشكل لا بد انه استثار الكثير ليس فقط من خصومه ومنافسيه بل من حلفائه السياسيين ايضا. ويروي احد التقارير الصحافية نكتة سياسية لا تخلو من دلالة. وفقا لتلك النكتة فانه في آخر مرة كلف فيها الدكتور الإرياني بتشكيل الحكومة سأله رئيس الجمهورية ان كان له مطلب معين. وقد رد الدكتور الإرياني وفقا للنكتة بقوله «واجعل لي وزيرا من اهلي». وقد اجاب الرئيس طلبه فعين الدكتور مطهر السعيدي قريب الإرياني وزير دولة. وتظهر النزعة المناطقية والإسرية لدى الدكتور الإرياني في سعيه الى توريث الأمانة العامة للمؤتمر الشعبي العام لأحد أقاربه الذي صعد بسرعة الصاروخ الى موقع رئيس دائرة الشباب في الحزب.

    كما استغل خصوم الإرياني في سعيهم للاطاحة به توجهاته البرجماتية في السياسة الخارجية والتي ركزت على مصلحة اليمن بالدرجة الأولى وخصوصا تلك المرتبطة بعلاقات اليمن مع الولايات المتحدة ومع اسرائيل ومع المنظمات المالية الدولية وفي مقدمتها البنك الدولي. فالدكتور الإرياني وفقا للتقرير الصحفي المشار اليه بعاليه كان شديد الحماس لسياسات المنظمات الدولية دون مراعاة لأثر تلك السياسات على الفقراء والذين يشكلون في الحالة اليمنية غالبية السكان. كما ان الدكتور الإرياني إما عن قناعة او نكاية بخصومه السياسيين قد سعى الى تقوية العلاقات اليمنية الأمريكية ودفع بقوة نحو إشراك اليمن في المفاوضات المتعددة الأطراف حول الصراع العربي الإسرائيلي. وسعى الدكتور الإرياني الى استقطاب اليهود الإمريكيين لزيارة اليمن وهو ما فسره البعض بتبني الإرياني لخط تطبيعي مع اسرائيل.

    وقد خسر الإرياني معركته السياسية وتبدو احتمالات عودته بقوة الى الساحة جد ضعيفة. وليس ادل على ذلك من تقديم الإرياني لاستقالته من المؤتمر الشعبي العام قبل فترة وهي الاستقالة التي لم يقبلها الرئيس. وقد اصبح الإرياني اليوم بمثابة سفير اليمن الطائر بين العواصم بحثا عن دور رمزي بعد ان كان من اكثر المقربين من الرئيس واشدهم تأثيرا على قراراته.

    وإذا كانت بعض الأطراف قد كسبت المعركة على حساب الإرياني فان النظام ككل قد دفع وما زال يدفع ثمنا غاليا لغياب الإرياني وخصوصا على الصعيد الدولي. فإبعاد الإرياني عن دائرة صنع القرار المتصل بالعلاقات الخارجية لليمن قد ساهم ولو جزئيا في الوضع الصعب الذي وصل اليه النظام في علاقاته الخارجية وهو الوضع الذي لا يتسع المجال للحديث عنه في هذه الرسالة.




    ثانيا، اختطف الموت بدوره بعض مستشاري الرئيس الذين اثبتت الأحداث أن ادوارهم كانت في

    أخطاء الارياني والمتمثلة بمحاباة أقاربه مكنت مراكز القوى من التغلب عليه واقصائه..



    غاية الأهمية. وابرز الأمثلة على اولئك هو الراحل يحيى المتوكل الذي مات في حادث سير. فكما ترك غياب الإرياني عن دائرة صنع القرار أثرا سلبيا على سياسات اليمن الداخلية والخارجية فإن غياب المتوكل قد ترك اثرا كبيرا على السياسات الداخلية خصوصا تلك المرتبطة بالحفاظ على النظام ورعاية تحالفات الرئيس.

    ثالثا، رغم ان الرئيس صالح بشهادة الكثير من الساسة والمحللين الغربيين وانت في مقدمتهم اشتهر بالاعتماد على مستشارين أكفاء إلا ان الخطاب والفعل السياسي للرئيس في السنوات الأخيرة يظهر ان الرئيس ربما يتخذ القرارات على تعددها وتعقدها بنفسه وبتلقائية وعفوية ودون وجود أُطر مرجعية تنظم الفعل السياسي. ولعل ابرز الأدلة على ذلك هو الظاهرة الجديدة في السياسة اليمنية والمتمثلة في ارتجال الرئيس لخطاباته مع ما في ذلك من خطورة. ومع ان قدرات الرئيس الخطابية ومهارات الإلقاء والإرتجال لديه قد تطورت خلال سنوات حكمه العديدة إلا ان لجوء الرئيس الى هذه الطريقة قد كلفه الكثير وخصوصا في ظل تنامي دور المعارضة وظهور جيل من الصحافيين لم يتردد في توجيه النقد للرئيس وفي كشف التناقض في خطابه السياسي وبطريقة تخلو احيانا من أدب التخاطب. وقد كان الأخ جمال عامر ناشر ورئيس تحرير صحيفة الوسط محقا عندما اشار في عدد سابق من الوسط ان ارتجال الرئيس لخطاباته يشكل احد روافد الأزمة القائمة لأن ذلك الخطاب يرسل في بعض الأحيان الإشارات الخاطئة الى بعض الأطراف.

    رابعا، ربما ادت الحريات التي تم اطلاقها في اليمن منذ عام 1990 وظهور الأحزاب ، وقلاقل الفترة الانتقالية والحرب الأهلية وتحول بعض حلفاء الرئيس الى نقاد ومعارضين الى رد فعل سلبي من قبل الرئيس فانكفأ على انسابه وابناء منطقته وعدد محدود من المحيطين به. وبحكم طبيعة الأشياء فان اولئك الأشخاص قد اصبحوا بحكم قربهم منه يمثلون عيونه التي بها يرى وآذانه التي بها يسمع. ومهما كانت قدراتهم ومستويات ثقافاتهم فان غياب التنوع في خلفياتهم وفي مصالحهم ربما ساهم في الاضطراب الحاصل.

    خامسا، قد تكون المشكلة القائمة متمثلة في إبقاء الرئيس للطاقم المقرب منه على حاله وعدم قدرته على إدخال دماء جديدة الى ذلك الطاقم الذي اصبح يرتبط بالماضي اكثر من ارتباطه بالحاضر. واذا كانت تلك هي المشكلة فان الرئيس ربما يكون قد حرم نفسه من التجدد والقدرة على المواكبة وبطريقة بدت معها تصرفاته وقراراته منفصلة عن الواقع. صحيح ان الرئيس قد مكن نجله احمد وابناء اخيه الراحل محمد وغيرهم من ابناء النخبة من مواقع هامة في الدولة، لكن الصحيح ايضا ان الجيل الجديد من ابناء النخبة والذين ولدوا وفي افواههم ملاعق من ذهب وتلقوا تعليما غربيا سيحتاجون الى وقت طويل لاستيعاب الواقع المتميز للمجتمع اليمني ولبناء قواعد سياسية. واذا كان الرئيس استمد الكثير من التأييد الجماهيري له نتيجة لكفاحه الشخصي فان الجيل الجديد من ابناء النخبة سيجدون صعوبة بالغة في حشد تأييد مماثل.

    سادسا، قد تكون مشكلة النظام متمثلة في اعتماده في بناء النخبة السياسية وفي شغل المواقع المختلفة في اجهزة الدولة وفي المؤسسات المختلفة على معايير الولاء السياسي مما يقوده الى اختيار عناصر لا تتوفر فيها القدرة والكفاءة على القيام بالاعمال المناطة بها. كما تفتقر الى القدرة على الابتكار والتنبؤ بالمشكلات . وهنا لا بد من ايراد إحدى النكات السياسية ذات الدلالة. فكما تقول النكتة فان رئيس الجمهورية قد احضر مجموعة من الخبراء والمتخصصين وطلب منهم المشورة فيما ينبغي اتخاذه في مواجهة الهبوط السريع للريال مقابل الدولار. وحسب الرواية فانه بعد صمت غير قصير رفع احد الحاضرين منهم يده طالبا الكلام ثم قال بعد ان اذن له «أرى ان نسجن الصرافين».

    سابعا، ربما أن الرئيس قد شعر بعد تحقيق الوحدة اليمنية ونجاحه في دحر محاولة الانفصال في عام 1994 وحسمه لتلك الحرب لصالحه وحصول الحزب الذي يتزعمه على اغلبية ساحقة في البرلمان وصلت الى اكثر من 80 في المائة في انتخابات عام 2003 التشريعية، ونجاحه في حل مشاكل الحدود مع جيرانه وخصوصا السعودية، وتعاونه مع الولايات المتحدة في الحرب على الأرهاب، ربما شعر بالزهو واعتقد بانه لا يحتاج الى مشورة احد وانه وحده قادر ليس فقط على حل مشاكل اليمن بل والدول الأخرى ايضا. ويمكن حشد الكثير من لأدلة المستمدة من الخطاب السياسي للرئيس للتدليل على احتمال وجود ذلك الشعور لديه. كما يمكن التدليل على هذا الافتراض بدراسة السلوك السياسي لليمن داخليا وخارجيا. فسيل المبادرات اليمنية لإصلاح الجامعة العربية والأمم المتحدة ولحل الصراعات الدولية بما في ذلك الوضع المتأزم في العراق وفي فلسطين، وغير ذلك من التصرفات تشير الى احتمال وجود ذلك الشعور بالزهو لدى السيد الرئيس. وتؤكد انطباعات الكاتبة القديرة رشيدة القيلي عن لقائها مع الأخ رئيس الجمهورية والتي نشرت في عمودها في الصفحة الأخيرة من عدد الأسبوع الماضي من صحيفة الوسط الأمر ذاته.

    واذا صح ان هذا الاضطراب في السياسات الداخلية والخارجية لليمن يعود الى الزهو الذي يشعر به الرئيس والثقة الزائدة التي تتجاوز القدرات الفعلية للانسان مهما كانت مواهبه وقدراته فإن الرئيس يكون قد اصيب بداء «الغرور» الذي اصاب كثيرين من القادة والزعماء على مر التاريخ. ومع انه يمكن التغلب على هذا الداء إلا ان الحالة يمكن ان تتفاقم وتصبح عصية على المعالجة حينما يجتمع هذا الداء مع داء آخر يصيب المجتمعات ذاتها ألا وهو «النفاق السياسي».

    بالنسبة لخلاف الرئيس مع باجمال اذا صح وجوده فيمكن رده الى اتخاذ الرئيس لقرارات اثرت على قدرة الحكومة على اداء عملها واخص بالذكر هنا قيام الرئيس، وبعد ان اظهرت الحكومة استماتة في التمسك بقانون ضريبة المبيعات، بارضاء التجار المعارضين ولأسباب وجيهة لذلك القانون بتخفيض الضريبة من 10 في المائة مع اعفاء كثير من السلع المستهلكة من قبل محددوي الدخل الى خمسة في المائة مع فرض الضريبة على كل السلع تقريبا. كما قام الرئيس ايضا وبعد دفاع مستميت من قبل الحكومة عن قرارها برفع اسعار البنزين والديزل بالتوجيه للحكومة وكاستجابة للضغوط القبلية القوية بالاكتفاء برفع سعر الديزل بنسبة تزيد قليلا عن 100 في المائة بعد ان كانت قد رفعت السعر بنسبة تقل قليلا عن 200 في المائة.

    خلاف باجمال مع الرئيس قد يحسب لباجمال وقد يحسب للرئيس. قد يحسب لباجمال لأنه - وهو المشهور بولائه غير المحدود للرئيس وتفانيه في تنفيذ التوجيهات - قد اتخذ موقفا ايجابيا قد يساعد الرئيس في مراجعة بعض مواقفه والعمل على تجنب تلك المواقف مستقبلا. وقد يحسب للرئيس لأنه وفي الوقت الذي اظهرت فيه الحكومة تشددا لا يتفق مع طبيعة العمل السياسي فانه (اي الرئيس) وعلى العكس من ذلك قد فضل فيما يخص قانون ضريبة المبيعات وبعد تهرب من مقابلة التجار لعدة شهور مسك العصا من الوسط والحصول على ما يمكن الحصول عليه في ظل المعطيات السياسية القائمة. وقد يحسب الخلاف على الإثنين معا ويقرأ على انه علامة أخرى من علامات ضعف النظام. فاذا كان الخلاف موجودا بالفعل وهو امر اكدته الصحف الحكومية بهجومها بشكل غير مباشر على رئيس الوزراء المعتكف في جنوب اوروبا كما اكدته ايضا عملية الإطاحة برئيس تحرير صحيفة الميثاق الذي قد يكون محسوبا على رئيس الوزراء، فان عدم قدرة الرئيس على اقالة رئيس الوزراء وتشكيل حكومة جديدة ذات قاعدة شعبية اوسع هو امر لا يخلو من دلالة سلبية.

    ومن الطبيعي ان يقود الحديث عن خلاف الرئيس مع رئيس مجلس الوزراء الى الحديث عن الإصلاحات الإقتصادية. فسواء أكان الرئيس عازما على الترشح من جديد للرئاسة، وهو الاحتمال الأقوى، او انه ينوي إنزال نجله احمد كمرشح، وهو الاحتمال الأضعف، فان الوقت المتبقي له حتى حلول موعد الانتخابات الرئاسية القادمة هو حوالي السنة. والمطلوب من الرئيس خلال هذه الفترة القصيرة بذل الكثير من الجهود بغية الحصول على التأييد الشعبي له. وفي ظل الوضع الإقتصادي الصعب للغالبية من سكان اليمن وفي ظل التدهور المستمر في اداء مؤسسات واجهزة الدولة تبدو خيارات الرئيس في سعيه الى الحصول على التأييد الشعبي لفترة رئاسية قادمة محدودة. فهو إما ان يحدث نوعا من التحسن في حياة الناس على الصعيد الإقتصادي وهو امر سيكون صعبا (ولا اقول مستحيلا) بالتأكيد بالنظر الى قصر الفترة المتبقية حتى قيام الانتخابات وبالنظر كذلك الى المعطيات القائمة، او ان يحسن في اداء مؤسسات واجهزة الدولة وبطريقة تكفل خلق الظروف المطلوبة لحدوث نمو إقتصادي. ولتحسين اداء مؤسسات الدولة، وهو شرط اساسي لأي تحسن في الأوضاع المعيشية للناس، فان على الرئيس ان يستهدف الفساد الذي تغول وطغى على كل شيء فأصبح هو الحاكم الفعلي للبلاد.

    وبالطبع فان استهداف الفساد لا ينبغي ان يقتصر على قيام الرئيس في خطاباته السياسية بمهاجمة الفاسدين لأن تصرفات الفاسدين تحسب تلقائيا على الرئيس الذي عينهم لتلك المواقع. ومهاجمة الرئيس للفساد دون اتخاذ اجراءات فعلية ضد الفساد تفقد الرئيس مصداقيته لدى جمهور الناخبين وتجعل فرصته في الحصول على التأييد الشعبي ضعيفة. كما ان مهاجمة الرئيس للفاسدين دون إتخاذ اجراءات فعلية تزيد من فساد الفاسدين لشعورهم بانهم اقوى من اي سلطة داخل البلاد. ويواجه الرئيس صعوبة كبيرة في محاربة الفساد. من جهة فان عدم اتخاذه لإجراءات فعلية ضد اباطرة الفساد داخل الدولة قد يساهم في اضعاف التأييد الشعبي له وبشكل متزايد. من جهة ثانية، فانه وفي ظل الترتيبات السياسية القائمة وبالتحديد في ظل تزعم الرئيس لحزب المؤتمر الذي تنتمي اليه كل قيادات الدولة تقريبا فان استهداف اباطرة الفساد قد يؤدي الى مزيد من الإضعاف للرئيس في مواجهة منافسيه المحتملين. وللخروج من دائرة الفساد المغلقة التي تشكل احد العوامل المهددة لاستقرار اليمن النسبي ولاستمرارية نظامه السياسي فان على الرئيس التفكير بطريقة جديدة تحقق هدفين في نفس الوقت. الهدف الأول هو توسيع قاعدة نظامه السياسي وتجديدها بما يواكب التغييرات الإجتماعية التي شهدتها اليمن خلال السنوات العشرين الأخيرة وبما يكفل كذلك التكيف مع الضغوط الدولية المتزايدة على اليمن للقيام باصلاحات جذرية على الصعيدين السياسي والإقتصادي. اما الهدف الثاني فهو خلق
     

مشاركة هذه الصفحة