سلسلة ءاباء رسول الله صلى الله عليه وءاله وسلم

الكاتب : madani   المشاهدات : 1,323   الردود : 26    ‏2002-03-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-03-10
  1. madani

    madani عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-10-23
    المشاركات:
    397
    الإعجاب :
    0
    الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وشرّف وعظّم وبارك على سيدنا محمد سيد السادات وإمام القادات ورئيس الكل في الحضرات ، وعلى ءاله وأصحابه أصحاب الكمالات . وبعد
    فقد عزمت على نقل بعض أخبار آباء رسول الله عليه السلام وشيء من التفسير لأسمائهم - كما وجدته في كتاب سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ، من تأليف الشيخ محمد بن يوسف الصالحي من أهل القرن العاشر - أو غيرها من الكتب المؤلفة في السيرة النبوية كسيرة الحافظ العراقي أو كتب التاريخ كتاريخ الطبري وما صنفه ابن الأثير رحمهم الله .

    فأدنى ءابائه هو ( عبد الله ) . وعبد الله معناه كما قال ابن الأنباري : العبد الخاضع لله ، من قولهم : طريق معبّد إذا كان وطئها الناس .
    كنية عبد الله : أبو قًثم كما قال ابن الأثير . ويقال للرجل الجموع للخير : قثم .
    وقيل كنيته أبو محمد . ويلقب بالذبيح وذلك أن عبد المطلب لم يكن له من الولد إلا الحارث ، فنذر إن ولد له عشرة أولاد ثم بلغوا أن يمنعوه لينحرن أحدهم عند الكعبة . فلما توافى بنوه عشرة قيل له : أوف بنذرك . فقال لأبنائه ليأخذ كل واحد منكم قِدحاً ( وهو السهم الذي كانوا يستقسمون به ) ثم يكتب فيه اسمه ثم ائتوني ففعلوا . فدخل بهم في جوف الكعبة وقال لصاحب القداح اضرب على َبنيّ هؤلاء بقداحهم ، وأخبره بنذره ، وعزم على ذبح من يخرج سهمه . فضربت القداح وخرج السهم على عبد الله فأخذ الشفرة وقام ليذبحه فقامت إليه قريش من أنديتها وقالوا له : والله لا تذبحه حتى تعذر فيه ، لئن فعلتَ هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه فيذبحه ، فما بقاء الناس على هذا ؟ فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه . وقالوا له : إنطلق إلى الحجاز فإن به عرافة لها تابع من الجن فتسألها ، إن أمرتك بذبحه ذبحتَه وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج فعلتَه .
    فانطلقوا حتى وجدوها بخيبر فقالت لهم : كم الدية فيكم ؟ قالوا : عشرة من الإبل . قالت فارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وعشراً من الإبل واضربوا عليه وعليها بالقداح فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل ، وإن خرجت على الإبل فانحروها .
    فخرجوا حتى قدموا مكة ، فقربوا عبد الله وعشرةً من الإبل وقام عبد المطلب يدعو الله ، ثم ضربوا القداح فخرجت على عبد الله ، فزادوا عشرة وضربوا عليها فخرجت على عبد الله . وهكذا يزيدون في الإبل فتصيب القداحُ عبدَ الله حتى صارت الإبل مائةً ، فضربوا فخرجت عليها . فقالت قريش قد رضي ربك يا عبد المطلب .
    فقال عبد المطلب : لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات . فضرب عليها ثلاث مرات في كلها تخرج على الإبل ، فنُحرت ثم تُركت لا يُصد عنها إنسان ولا سبع .
    وليس لعبد الله ولد غير رسول الله صلى الله عليه وءاله وسلم ، لا ذكر ولا أنثى .
    وأم عبد الله هي فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم .
    من شعره :
    لقد حَـكـمَ السارون في كـل بـلـدةٍ ـــــــ بأن لنا فضلاً على سادة الأرض
    وأن أبي ذو المجد والسؤددِ الذي ـــــــ يُشار به ما بين نشزٍ إلى خفضِ
    وجـدي وآبـاءٌ له أثّــلــوا العـلى ـــــــ قديماً بطيب العِرق والحسَب المحضِ
    توفي ودفن في المدينة المنورة وكانت تسمى يثرب قبل ولادة النبي صلى الله عليه وءاله وسلم .
    والذي عليه المحققون من أهل السنة أنه وآمنة ناجيان ، من أهل الجنة ، كما نص عليه الإمام أبو حنيفة وغيره .
    والله تعالى أعلم
    يتبع إن شاء الله
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-03-11
  3. سيف الله

    سيف الله عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-06-28
    المشاركات:
    1,535
    الإعجاب :
    0
    مرحبا بالشيخ المدني،


    قواكم الله سيدي العزيز، ننتظر المزيد من هذه الفوائد
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2002-03-11
  5. الجزري

    الجزري عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-11-01
    المشاركات:
    320
    الإعجاب :
    0
    ننتظر فوائدكم ايها الشيخ

    الله يجعله في ميزان حسناتك.
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2002-03-12
  7. madani

    madani عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-10-23
    المشاركات:
    397
    الإعجاب :
    0
    عبد المطلب بن هاشم

    بارك الله فيك سيدي سيف الله وأخي الجزري ، وعودة إلى ذكر ءاباء رسولنا صلى الله عليه وءاله وسلم .
    قيل : يكنى أبا الحارث ، وأبا البطحاء . واسمه شيبة الحمد .
    لٌقب عبد الطلب لأن أباه هاشماً قدم المدينة تاجراً فنزل على عمرو بن زيد من بني النجار ، فلمح ابنته سلمى فأعجبته فخطبها إلى أبيها فأنكحه إياها وشرط عليه أنها لا تلد ولداً إلا في أهلها . فمضى هاشم ولم يبنِ بها حتى رجع ، فبنى بها عند أهلها وسكن معها سنين ، ثم ارتحل بها إلى مكة ، فلما أثقلت خرج بها فوضعها عند أبيها ومضى إلى الشام فمات بغزة من وجهه ذلك . وولدت عبد المطلب فمكث بالمدينة سنين ، ثم إن رجلاً من تهامة من بني الحارث بن عبد مناف مرّ بالمدينة فإذا غلمان ينتضلون وإذا غلام فيهم إذا أصاب قال : أنا ابن هاشم أنا ابن سيد البطحاء . فقال له الرجل ممن أنت يا غلام ؟ قال : أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف . فانصرف الرجل حتى قدم مكة فوجد المطلب بن عبد مناف جالساً في الحِجر فقال له : قم يا أبا الحارث . فقام إليه وأخبره بما رأى وقال : وإذا أظرف غلام رأيته قط ولا يحسن أن يُترك مثله . فقال المطلب : أغفلتُه والله ! أما والله لا أرجع إلى أهلي ومالي حتى آتيه .
    فخرج حتى أتى المدينة وعاد بابن أخيه إلى مكة .
    ولما دخل مكة وابن أخيه خلفه بثياب رثة قيل له : من هذا معك ؟ فيقول : هذا عبدي ، خجل أن يقول ابن أخي . ثم ابتاع له حُلة وأجلسه في مجلس بني عبد مناف وأخبرهم خبره ، فكان إذا خرج بحلته يطوف في سكك مكة وكان من أحسن الناس وجهاً يقول الناس : عبد المطلب . لقول عمه ( هذا عبدي ) فثبت اسمه عبد المطلب وتُرك شيبة .
    وكان عبد المطلب يكثر زيارة أخواله ويبرّهم .
    روى البلاذري أن عبد المطلب خضب بالوسِمة وهو نبات يُختضَب بورقه . كان أسرع إليه الشيب فدخل على بعض ملوك اليمن فأشار عليه بالخضاب فغيّر شيبته بالحنة ثم علاه بالوسمة .
    وكان من حُلَماء قريش وحكمائها ، جسيماً أبيض وسيماً طِوالاً فصيحاً ما رآه أحد قط إلا أحبه ، وصار إليه السِقاية والرفادة ، وشرُف في قومه وعظُم شأنه . وكان يُعرف فيه نور النبوة وهيبة الملك .
    ومكارمه أكثر من أن تحصر ، فإنه كان سيدَ قريش وكان قد حرّم الخمر في الجاهلية .
    وقصته مع أبرهة الأشرم الذي أراد هدم الكعبة مشهورة .
    توفي وله مائة وعشرون سنة وقيل خمس وثمانون وقيل غير ذلك .
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2002-03-25
  9. madani

    madani عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-10-23
    المشاركات:
    397
    الإعجاب :
    0
    هاشم بن عبد مناف

    قال الشيخ محمد بن يوسف الصالحي :
    هاشم : اسم فاعل من الهَشم وهو كسرُ الشيء اليابس والأجوف . واسمه : عمرو العُلا ، ولُقّب هاشماً لأنه أول من هَشَمَ الثريد لقومه بمكة وأطعمه ، وذلك أن أهل مكة أصابهم جهد وشدة فرحل إلى فلسطين فاشترى منها دقيقاً كثيراً وكعكاً وقدِم بذلك إلى مكة فأمر به فخُبز ثم نحر جَزوراً وجعلها ثريداً عمّ به أهل مكة ، ولا زال يفعل ذلك حتى استكفوا .
    وهو أول من سنّ الرحلتين ، رحلة الشتاء إلى الحبشة ورحلة الصيف إلى الشام .
    قال الرشاطي : كانت قريش تجارتهم لا تعدو مكة حتى ركب هاشم إلى الشام ، وكان كل يوم يذبح شاة فيصنع جفنة ثريد ويدعو من حوله ، فبلغ ذلك قيصر فدعاه وكلمه فأعجبه كلامه وصار صاحب مكان عنده .
    فلما رأى هاشم ذلك طلب من الملك أن يكتب لقومه كتاباً يؤمنهم ويؤمّن تجارتهم ، فكتب له الكتاب فأتى به قومَه . وكان كلما مر بحي من العرب على طريق الشام أخذ لهم من أشرافهم إيلافاً ( والإيلاف أن يأمنوا عندهم وفي طريقهم ) .
    ثم خرجوا بتجارة عظيمة وخرج هاشم معهم يجوزهم ويوفيهم إيلافهم الذي أخذ لهم من العرب ، فلم يبرح يجمع بينهم وبين العرب حتى ورد الشام . ومات في تلك السفرة بغزة ( من أرض فلسطين ، ولأجله تسمى غزة هاشم ) .
    وروى الزبير بن بكار عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال : كانت قريش تحتفد ، وكان احتفادها أن أهل البيت منهم كانوا إذا هلكت أموالهم خرجوا إلى براز من الأرض فضربوا على أنفسهم الأخبية ثم تناوبوا فيها حتى يموتوا ، خوفاً من أن يُعلم بحالهم . حتى نشأ هاشم وعظم قدره فقال : يا معشر قريش إن العز مع كثرة العدد ، وقد أصبحتم أكثر العرب أموالاً وأعزهم نفراً ، وإن هذا الاحتفاد قد أتى على كثير منكم ، وقد رأيت رأياً . قالوا : رأيك رشيد فمرنا نأتمر .
    قال : رأيت أن أخلط فقراءكم بأغنيائكم فأعمد إلى رجل غني فأضم إليه فقيراً يؤازره في الرحلتين ، فما كان في مال الغني من فضل عاش الفقير وعياله في ظله . قالوا : نِعم ما رأيت . فألّف بين الناس وقطع الإحتفاد .
    وكان هاشم رجلاً موسراً ، وكان يقوم في أول ذي الحجة فيسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها فيخطب داعياً قومه إلى إكرام الحجيج ويناشدهم أن لا يُخرجوا إلا مِن طيّب أموالهم . فكانت بنو كعب بن لؤي كلها تجتهد في ذلك .
    وكان يأمر بحياض من أّدَم فتجعل في موضع زمزم قبل أن تحفر ثم يستقي فيها من الآبار التي بمكة فيشرب الحاج . وكان يطعمهم قبل التروية بيوم بمكة وبمنى وبجَمع وعرفة وكان يثرد لهم الخبز واللحم ، والخبز والسمن ، والسويق والتمر ، ويحمل لهم الماء ، ويتفرق الناس إلى بلادهم .
    وكان هاشم يُخرج في كل سنة مالاً كثيراً ، وكان من أحسن الناس وأجملهم ، وكانت العرب تسميه البدر .
    قال أبو سعد النيسابوري : كان النور يُرى في وجهه كالهلال يتوقد ، لا يراه أحد إلا أحبه وأقبل نحوه .
    وروي أن قيصر بعث إليه رسولاً ليتزوج ابنته لما وجد في الإنجيل من صفته فأبى .
    ولهاشم من الأولاد : نَضلة وبه كان يكنى . وعبد المطلب ، والعقب منه . وأسد والد فاطمة أم سيدنا علي بن أبي طالب عليه السلام والرضوان . وأبو صيفي والشَّفاء وخلدة ورقية وحبيبة .
    مات هاشم بغزة وله عشرون سنة وقيل خمس وعشرون سنة .
    يتبع إن شاء الله
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2002-03-25
  11. أبو الفتوح

    أبو الفتوح مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-12-25
    المشاركات:
    7,833
    الإعجاب :
    31
    اخي المدني

    طنت كتوقع منك ان تتحفنا بتفصيل
    لمأساة مقتل الحسين بعيدا عن مغالاة المغالين وعن إنكار المبطلين
    بارك الله فيك اخي ونفعنا الله واياك بمحبة آل البيت.محبكم ابو الفتوح
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2002-03-25
  13. الجزري

    الجزري عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-11-01
    المشاركات:
    320
    الإعجاب :
    0
    ننتظر فوائدكم ايها الشيخ

    ننتظركم اخونا الكريم.
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2002-03-27
  15. madani

    madani عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-10-23
    المشاركات:
    397
    الإعجاب :
    0
    عبد مناف بن قصي

    سيدي أبا الفتوح
    عذراً لتأخري فقد كنت مشغولاً في الأيام الماضية . وقصة مأساة قتل الحسين بن علي عليه السلام لم تكن غائبة عني ، وفعلاً فقد كنت نويت ذكرها باختصار كما وردت عند أهل السنة ، لكن طرأ عليّ ما صرف نيتي عن ذلك . أما وقد طلبتَ ذلك وأنا لا أرد لك أمراً أمرتني به ، فأبشر إن شاء الله . فإن مجزرة كربلاء لا يقتصر ذكرها على العاشر من محرم ، بل نذكرها مدى الأيام والليالي ونستخلص منها العبر على الدوام .
    سيدي الجزري بارك الله فيك وأشكر لك متابعتك للموضوع .
    تتمة
    ذكر بعض من ألف في السيرة أن اسم عبد مناف : المغيرة . ومعناه أنه يغير على الأعداء ، أو من أغار الحبلَ إذا أحكمه . ودخلت الهاء للمبالغة كما دخلت في علامة ونسّابة .
    ويقال له : عبد مناف ( من أناف ينيف إنافة : إذا ارتفع . فالإنافة : الإشراف والزيادة ، وبه سمي عبد مناف ) .
    كنيته : أبو شمس .
    أمه : حُبّى بنت حُليل بن حُبشية بن سلول بن كعب بن خزاعة .
    ساد في حياة أبيه وكان مطاعاً في قريش وإياه عنى القائل بقوله :
    كانت قريشٌ بيضةً فتفلّقَت *** فالمُحُّ خالصُه لعبد منافِ
    ( والمح هو صفرة البيض )
    وروى البلاذري عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وءاله وسلم سمع جارية تنشد :
    كانت قريش بيضة فتفلقت *** فالمح خالصه لعبد الدار
    فقال رسول الله صلى الله عليه وءاله وسلم لأبي بكر : " كذا قال الشاعر " ؟ قال أبو بكر : لا ، إنما قال لعبد مناف . قال عليه السلام : " كذاك " .
    قال البلاذري : وزعموا أنه وُجد كتاب في حجر : أن عبد مناف أوصى قريشاً بتقوى الله وصلة الرحم .
    يتبع إن شاء الله
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2002-03-27
  17. الجزري

    الجزري عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-11-01
    المشاركات:
    320
    الإعجاب :
    0
    ما شاء الله اخي الكريم

    أكرمكم الله ونفعنا الله بما تعلمتم وزادكم الله علما.
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2002-04-01
  19. madani

    madani عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-10-23
    المشاركات:
    397
    الإعجاب :
    0
    قصي بن كلاب

    بارك الله فيك أخي الجزري
    قُصَيّ من قصا يقصو إذا أبعد ، واسمه زيد .
    قال الرشاطي : وإنما قيل له قصي لأن أباه كلاب بن مرة كان تزوج فاطمة بنت سعد بن سَيَل ، فولدت له زهرة وقصياً . فهلك كلاب وقصيٌ صغير . فتزوج فاطمةَ أمَ قصيٍ ربيعةُ بنُ حرام بن ضَبة فاحتملها ومعها قصي صغير . فولدت فاطمةُ لربيعة رزاحاً وكان أخا قصي لأمه ، فربي في حجر ربيعة ، فسمي قصياً لبعده عن دار قومه .
    ثم إن قصياً وقع بينه وبين ءال ربيعة شر فقيل له : ألا تلحق بقومك ! وعُيِّر بالغربة وكان لا يعرف لنفسه أباً غير ربيعة ، فرجع إلى أمه وشكا إليها ما قيل له . فقالت يا بني أنت أكرم نفساً وأباً ، أنت ابن كلاب بن مرة وقومُك بمكة عند البيت الحرام .
    فأجمع قصي على الخروج ، فقالت له أمه أقم حتى يدخل الشهر الحرام فتخرج في حاجّ العرب ، فلما دخل الشهر الحرام خرج مع حاج قضاعة حتى قدم مكة فحج وأقام ، فعرفت له قريش فضله وقدره وعظّمته وأقرت له بالرياسة والسؤدد ، وكان أبعدها رأياً وأصدقها لهجة وأوسعها بذلاً ، وأبينها عفافا ، وكان أول مال أصابه مالَ رجل قدم مكة بأُدْمٍ كثير فباعه وحضرته الوفاة ولا وارث له فوهبه لقصي ودفعه له .
    وكانت خزاعةُ مستولية على الأبطح ، وكانت قريش تنزل الشعاب والجبال وأطراف مكة وما حولها فخطب قصي إلى حُلَيل بن حُبشية الخزاعي ابنته حُبّى فزوجه ، وحليل يلي الكعبة وأمر مكة .
    فأقام قصي معه ، وولدت له حبى أولاده ، فلما انتشر ولده وكثر ماله وعظم شرفه هلك حليل ، وأوصى بولاية البيت لابنته حبى فقالت لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه . فجعل ذلك لأبي غُبشان بن حليل ، فاشترى قصي منه ولاية البيت بزق خمر وقَعود . فضربت به العرب المثل فقالت : أخسر من صفقة أبي غبشان .
    فلما أخذ قصي مفتاح الكعبة أنكرت خزاعة ذلك وأجمعت على حربه وحرب قريش وطردهم عن مكة .
    فبادر قصي فاستصرخ أخاه رزاح بن ربيعة فحضر هو وإخوته .
    وكانت بنو صوفة تدفع الناس بالحج من عرفة إذا نفروا من منى ، فلم يجسر أحد أن ينفر ولا يرمي حتى يرموا ، فلما كان هذا العام أتى قصي بمن معه من قريش وكنانة وقضاعة فقال لبني صوفة نحن أحق بهذا منكم . فقاتلوه فاقتتلوا قتالاً شديداً فانهزمت صوفة وغلبهم على ما كان بأيديهم من ذلك . ثم إن خزاعة علمت أن قصياً سيمنعهم من البيت كما منع صوفة فاجتمعوا لقتاله وصار بينهم قتال شديد ، ثم إنهم تداعوا للصلح فحكموا يعمر بن عوف بن كعب فحكم بأن قصياً أولى بالكعبة .
    فولي قصي أمر الكعبة ومكة وجمع قومه من منازلهم إلى مكة فملّكوه عليهم ، ولم تكن مكة بها بيت في الحرم وإنما كانوا يكونون بها حتى إذا أمسوا خرجوا . فجمعهم قصي وقال لهم : هل لكم أن تصبحوا بأجمعكم في الحرم حول البيت ؟ فوالله لا يستحل العرب قتالكم وتسكنونه فتسودوا العرب أبداً . فقالوا : أنت سيدنا وأمرنا لك تبع ، فجمعهم ثم أصبح بهم حول الكعبة .
    فصار لقصي الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء ، وحاز شرف مكة جميعاً ، فسمي مجمِّعاً لجمعه قومه .
    وبنى دار الندوة التي كانوا يجتمعون فيها للمشورة وغيرها ، وجعل على قريش خرجاً تخرجه من أموالها تدفعه إليه فيصنع به طعاماً وشراباً للحاج بمكة وعرفة . وكان يسقي الحجيج في حياض من أدمٍ ينقل إليها الماء من خارج مكة ، ثم حفر بئر العجول في مكة .
    ويروى أن قصياً قال للأكابر من ولده : " من عظّم لئيماً شرَكه في لؤمه ، ومن استحسن مستقبحاً شركه فيه ، والعيُّ عيان : عي إفحام وعيّ المنطق بغير سداد ، والحسود : العدو الخفي ، ومن سأل فوق قدره استحق الحرمان .
    مات قصي بمكة ودفن بالحجون ، فتدافن الناس بعده فيه .
    يتبع إن شاء الله
     

مشاركة هذه الصفحة