نظام النقد الدولي

الكاتب : Ameer_1924   المشاهدات : 3,227   الردود : 16    ‏2005-09-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-09-12
  1. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    نظام النقد الدولي (1)

    الذهب: مراحله التاريخية:

    قبل أن نبدأ بالحديث عن الواقع الجديد والمرحلة الجديدة التي يمر بها الذهب، نعرض بعض الأسئلة:

    1 - هل ما زال الذهب يشكل تغطية للنقد؟

    2 - هل ما زال سعر النقد مرتبطاً بالذهب؟

    3 - هل يعتبر الذهب أداة استثمار مربحةً؟

    4 - ما دور الذهب في سوق البورصات المالية؟

    5 - هل ينظر إلى الذهب كطوق تحوّطي ضد التضخم؟


    إن استعراض هذه المسائل - كما سنرى فيما بعد - يبيِّن أن هناك تخلياً عن النظرة التاريخية للذهب وإلقاء نظرة واقعية محدثة عليه، وهي أنه غدا كغيره... سلعةً من السلع.

    إن كلفة استخراج أونصة الذهب تبلغ الآن (261) دولاراً، وتدني سعرها عن هذا المبلغ في السوق يعني بكل تأكيد إغلاق المناجم التي لا تستطيع استخراجها بأقل من هذا السعر. وكانت أولى الضحايا شركة (إيست راند بروبرتي مايز) في جنوب أفريقيا المعروفة اختصاراً بـ (إي. آر. بي. أم)، التي مضى على تأسيسها أكثر من ماية عام، إذ أعلنت أنها ستصفّي أعمالها.

    هناك دول يعتمد اقتصادها على الذهب، وهي في معظمها دول فقيرة كروسيا والصين وأندونيسيا وأوزبكستان والبرازيل والبيرو وجنوب أفريقيا. هذه الدول هي في عداد أكبر (10) دول منتجة للذهب في العالم.

    في أوائل شهر تموز 1999 قام بنك إنكلترا المركزي ببيع كمية (25) طناً= (804000) أونصة من احتياطه من الذهب في إطار خطة لبيع نصف هذا الاحتياطي أي (415) طناً. فكان هذا بمثابة ضربة قاسية جديدة تضاف إلى ضربات عديدة سابقة وجهت إلى هذا المعدن الثمين، والأهم من ذلك أنها ضربة قاسية لدوره.

    لقد بيعت الأونصة ساعتئذٍ بـ (260.20) دولاراً. وبعد ثلاث ساعات فقط بيعت الأونصة بـ(257.60) دولاراً.

    وكان قد سبق بنك إنكلترا هذا عديد من البنوك المركزية، ببيع كميات من مخزونها من الذهب، منها بنوك بلجيكا وهولندا والأرجنتين وأستراليا وكندا. كما أن مصرف إنكلترا لن يكون الأخير، فسويسرا تفكر حالياً ببيع (1300) طن، وصندوق النقد الدولي يقوم بدراسة لبيع (300) طن= عشرة ملايين أونصة. وقد صرح مدير هذا الصندوق أخيراً أنه بصدد بيع أربعة عشر مليون أونصة من الذهب، من أجل تخفيف عبء الديون عن الدول الفقيرة، وقيمتها (3) ملياراً.

    وتقدّر مؤسسة (غولد فيلد ذي ميزل سيرفسيز) أن المصارف المركزية قد تخلّت عن مقتنياتها من الذهب، ابتداءً من العام 1989 بمعدل (315) طناً سنوياً.

    مع وجود المعارضة في الأوساط السياسية والاقتصادية في بريطانيا للانضمام إلى منطقة اليورو، فإن من سياسة رئيس الوزراء طوني بلير أن يدخل بريطانيا، ويضمّها إلى منطقة اليورو. ولهذا البيع، الذي قام به بنك بريطانيا المركزي من كميات الذهب المقررة، ارتباط بالسياسة التي ينتهجها بلير. إذ يريد أن يكون احتياطي النقد (الإسترليني) 40% من اليورو و40% من الدولار و20% من الين الياباني. وقد صرح وزير خارجية بريطانيا في خطاب ألقاه في رجال الأعمال في كندا أن عرض اليورو كنقد عالمي فيه فوائد كثيرة.

    كأن الاتجاه يسير بهذا المعدن المتوهج إلى تكثيف صناعة المجوهرات. وتشير الإحصائيات إلى أن هذه الصناعة استخدمت (2048) طناً في العام 1989، ثم ارتفعت هذه الكمية إلى (3145) طناً في العام 1998. وهذا يعني أن ثلاثة أرباع منتوج الذهب تطالها صناعة المجوهرات، بعد أن كان، قبل مضيّ عقد من الزمن، لا يستعمل منه إلا ثلث الإنتاج فقط.

    ومن العوامل التي تتحكم في تهميش الذهب في هذه الأيام:

    أ‌- الدولار، مدعوماً بفائض هائل من الإنتاج الأميركي مما يمسك على أسعاره، وبذلك لا يكون بحاجة إلى ارتباطه بالذهب.

    ب‌- التضخم المالي، ومعالجته بالتدخل من قبل صندوق النقد الدولي، بعد أن كانت معالجته بالقدر المخزون من احتياطي الذهب، ومعالجته أيضا بالتناسب في الميزان التجاري بين صادرات البلد ووارداته، يضاف إلى ذلك ضمانة أسواق تتلقى ناتج البلد المعني، محوطاً بحماية سياسية.

    أما لو حصل تراجع في قيمة الدولار، استشراء في موجة التضخم، فإن الذهب يكون له دور في العودة إليه، وبالتالي ترتفع أسعاره. ولكن لا توجد مؤشرات على حصول هذين الأمرين، وهما: تراجع قيمة الدولار، واستشراء موجة التضخم.

    أمامنا الآن ظواهر حسية في سوق الاستثمارات المالية. فالذي استثمر من الذهب بقيمة ماية دولار مثلاً عام 97، أصبحت قيمة استثماره اليوم أقل من سبعين دولاراً. أما الذي استثمر في الأدوات المالية في البورصات المالية، فإن استثماره زاد عن (250) دولاراً. ولذلك، فإن الذهب لا يعطي مردوداً استثمارياً لأصحابه، أي إنه لا يعتبر ملجأً استثمارياً آمناً.

    لقد بدأ الذهب يفقد دوره النقدي التاريخي، كونه وضع بموجب اتفاق بريتون وودز مع الدولار كمساندٍ له، أي وضع في المؤخرة، فسلب منه زمام المبادرة. وفقد وظيفتيه الأساسيتين.

    الأولى: كونه وسيلة الدفع الرئيسة في العمليات التجارية.

    والثانية: هي استخدامه كتغطية للعملات التي يتحدد سعرها على ضوء نسبة هذه التغطية.

    هذا الدور المزدوج للذهب أصبح غير موجود، منذ أن أعلن الرئيس الأميركي نيكسون نقاطه الأربع بتاريخ 15/8/71.

    كانت أولى الضربات التي تلقاها الذهب من حيث دوره النقدي إبان الحرب العالمية الأولى. فقد انهار نظام اعتماده كتغطية كاملة للعملات. وعندما أعيد العمل به جزئياً سنة 1922 انهار مجدداً مع حصول الأزمة الاقتصادية العالمية التي أصابت الولايات المتحدة الأميركية سنة 1929، ثم عمّت معظم العالم. وفي سنة 1937 لم تعد هناك دولة تعتمده كتغطية كاملة لعملتها. وفي عام 1939 اشتعلت الحرب العالمية الثانية، فكانت فرصة أميركا بدورها لتصدير السلاح لدول الحلفاء. وبذلك عالجت أزمتها الاقتصادية، وواتتها الفرصة لتأخذ زمام قيادة الحلفاء، مروراً بهم، إلى قيادة العالم.

    إلا أنه كان من غير الممكن إزاحة الذهب عن دوره العالمي والإطاحة به عن عرشه. فلما لاحت تباشير النصر للحلفاء، أخذت أميركا تخطط لبناء هيكلية جديدة للمملكة العالمية لتتربع على عرشها. ففتحت ثلاث قنوات هي:

    الاولى: اقتصادية، وتتمثل في اتفاقيات بريتون وودز وما أفرزته من أجهزة كصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وبعدهما بقليل منظمة (الغات).

    الثانية: سياسية، وتتمثل في الهيكلية الدولية التي قامت عليها هيئة الأمم، بأجهزتها المتعددة مثل مجلس الأمن الدولي وغيره.

    الثالثة: عسكرية، وتتمثل في امتلاكها السلاح النووي، وإقامتها الأحلاف العسكرية والقواعد العسكرية.

    يعتبر الاقتصاد الوطني الأميركي بحجمه الهائل هو التغطية الفعلية للنقد الأميركي (الدولار)، إضافة إلى وجود التغطية الحقيقية للدولار وهي الرصيد من المخزون الذهبي، والذي كان يشكل في تغطيته للدولار أكثر من 100% عند نهاية الحرب العالمية الثانية.

    وإذا وجد هناك منافس جديد يملك إنتاجاً وطنياً يضاهي الاقتصاد الأميركي كماً وجودةً، تلجأ أميركا إلى السلاح الثاني وهو الثقل السياسي الذي أفرزته الهيكلية الدولية بإعطائها مركز الدولة الأولى في العالم. فلو فرضنا أن اليابان وجدت كعملاق اقتصادي يستطيع أن يزاحم نظيره الأميركي - وقد حصل ذلك - فإنها لا تمتلك الثقل السياسي والتأثير السياسي الذي تستطيع به أميركا اقتحام أسواق العالم، وحمايتها كما تريد.

    وإذا صدف ووجد العامل الثاني، وهو التأثير السياسي – كما حصل مع الجنرال ديغول – فإن أميركا حينئذٍ تتفرد بامتلاك العامل الثالث وهو الوجود العسكري.

    وعندما نقول الوجود العسكري، لا يعني هذا امتلاك السلاح النووي والقوة النووية، وإنما يعني أنها تمتلك (600) قاعدة عسكرية في أنحاء العالم، كما تمتلك أربع عشرة حاملة طائرات، وتهيمن على مياه البحر المتوسط بأسطولها السادس الذي يتكون من حوالي ماية قطعة بحرية، كما تمتلك الأسطولين السابع في المحيط الهادي والخامس في المحيط الهندي، اللذين اندمجا في أسطول واحد هو الخامس، وأصبحت قاعدته الرئيسة في البحرين. وبموجب حلف الأطلسي فإن لها وجود عسكري في كل دولة من دول أوروبا الغربية. أما مخزونها النووي وامتلاكها لأجيال متطورة من الصواريخ العملاقة فحدّث عنه ولا حرج. وعندها أسطول لا يضاهى من الغواصات الذرية التي تطلق الرؤوس النووية، والتي تمخر عباب المحيطات. وبذلك يكون لها وجود عسكري ضخم فعّال ومؤثر في كل بقعة من بقاع العالم.

    إذاً، فالقناة الأولى التي افتتحتها أميركا وهي القناة الاقتصادية، بدأت بها من اتفاقية بريتون وودز 1944 وتوّجت بذلك الدولار على رأس النقد العالمي، وأسلمته زمام المبادرة لقيادة العالم اقتصادياً، ووضعت الذهب في الخلف كركيزة داعمة (احتياط) فقط كخطوة أولى لإخراجه من الساحة العالمية اقتصادياً.

    إن قيمة الذهب انخفضت ما بين 1980 و2003 إلى 32% مما كانت عليه، فهي الآن (800) دولار عام 1980. وكانت حينئذٍ (أي في 1980) قد ارتفعت معدلات التضخم بشدة في الدول الصناعية، وبخاصة بعدما ما أصاب العالم من اضطراب سياسي جراء وجود السوفيات في أفغانستان، واندلاع الحرب العراقية – الإيرانية. فكانت النار مشتعلة في منطقة حساسة تمدّ العالم بأسره برافدها النفطي، مع الترقب والخوف وإثارة الحساسيات التي تعتبر هذا الاضطراب تهديداً لتلك المنطقة بأسرها. فكان من جرّاء ذلك هذا التضخم الهائل والارتفاع المضطرد لأسعار الذهب. كل ذلك خشية أن تطال الكارثة المنطقة البترولية، وتدفع بها إلى عالم المجهول، إما بتغييرات وانقلابات أو انفجارات تؤدي بالتالي إلى انفلات أزمّة التحكم في مادة البترول من أيدي أباطرة الإجرام.

    مادة البترول هذه كانت عاملاً مهماً في إشعال الحرب العالمية الأولى. ومادة البترول هذه كانت عاملاً مهماً في هزيمة ألمانيا النازية. ومادة البترول هذه كانت عاملاً في الاضطرابات السياسية والعسكرية الأخيرة في منطقة الخليج. ومادة البترول هذه هي عنوان التحكم في رقاب ستة مليارات من البشر، يثقلهم كابوس الظلم والفقر والتقتيل والتشريد. فمن يمتلك السيطرة على هذه المادة السوداء من إنتاج وتكرير ونقل وتوزيع؟؟؟

    إن مستوى احتياطي الذهب في البنوك المركزية والمؤسسات المالية الآن لا يزيد عن 5% بالنسبة لموجود الاحتياطيات الأخرى من العملات الأجنبية. ويرى الخبراء والمحللون الاقتصاديون الرأسماليون أن هذا التقليل من الذهب كاحتياطي يتمشى مع التوجه العالمي، حيث يقلل من مخاطر تقلبات أسعار الذهب. وقد أصبحت البدائل الاستثمارية كالسندات بالدولار أفضل من حيث العوائد، خاصة مع استخدام الدولار كأداة للتدخل في سقوف الصرف الأجنبي.

    نريد من بحثنا هذا ألا تبقى هذه المشكلة الاقتصادية في برج عاجي لا يعالجها ولا يفهمها إلا الأخصائيون. بل لا بد من عرضها للرأي العام العالمي ليلمس بيده فساد النظام الاقتصادي الرأسمالي، الذي أوجد هذه الطبقية البغيضة: طبقية الأسياد والعبيد، طبقية الغنى الفاحش المرعب والفقر المدقع المميت الذي فيه كل الإهانة مصحوبة بالتعذيب والتنكيل، والتهجير والتشريد، وفتح أسواق النخاسة. ثم ليعلم هذا الجيل من البشر أين تكمن سعادة هذا الإنسان، في أي نظام وأي تشريع وأي اقتصاد؟!.ولكي نجعل الأمر واضحاً نقول:

    1- لا يوجد نظام عالمي من الأنظمة القائمة في عالم اليوم، يخلو من العيوب والتعقيدات وإيجاد المشاكل. إن النظام الوحيد الذي يخلو من هذه العيوب هو نظام الإسلام، وإن لم يكن قائماً بعد في عالم اليوم، وذلك لأن صدق النظام والتشريع يأتي من صدق مشرِّعه، وصحة الفكر تأتي من صحة مصدره.

    2- إن وضع الجمل المناسبة التي تحتوي التعاريف يجد فيه الباحث صعوبة، وتحتاج إلى دقّة وتأمل. ولكن الصعوبة الحقيقية تكمن في وضع التعاريف التي تتعلق بالاقتصاد، وخاصة في عالمنا الحاضر.

    3- المشاكل النقدية التي من الممكن أن تتعرض لها كل دولة هي: مشكلة العجز في ميزان المدفوعات، وكيف نشأت هذه المشكلة، ثم مشكلة علاج هذه العجز بالقضاء عليه نهائياً.

    4- مشكلة العجز في ميزانية الدولة تكمن في أمرين اثنين: (أ) زيادة النفقات التي تقوم على عاتق الخزينة وقلة الواردات إلى هذه الخزينة، أي زيادة المدفوعات، وقلة الدخول والواردات. و(ب) العجز في الميزان التجاري، أي زيادة الواردات من السلع والخدمات المستوردة من الخارج، على الصادرات من منتوجات الدولة سواءاً أكانت سلعاً أم خدمات. هذا هو واقع المشكلة التي يمكن أن تصاب بها كل دولة.

    5- يرى الباحثون الاقتصاديون في النظام الرأسمالي أن علاج الاختلال في ميزان المدفوعات يكون بإيجاد السيولة النقدية. فأنشأوا ما يسمى (حقوق السحب الخاصة) لتسهيل مهمة الحكومة في تمويل العجز. ولكنهم يرون أنه لا بد من القضاء على هذه الظاهرة، وليس علاجها فقط. فيقولون إن القضاء على ظاهرة العجز في ميزان المدفوعات لأية دولة يقع على عاتق السياسة المالية والتجارية. ولكن أية سياسة مالية وتجارية؟ هل هي خاصة بالدولة ذاتها؟ أو بالسياسة المالية الدولية؟

    6- إن هذه التعقيدات المالية والنقدية، ووجود ظاهرة الخلل في ميزان المدفوعات، لم تكن موجودة في القرن التاسع عشر، لاعتماد الجميع على قاعدة الذهب. فلما أسقطت قاعدة الذهب إبان الحرب العالمية الأولى تولدت المشاكل النقدية والمالية، وبدأت تتوالى الأزمات الاقتصادية.

    فكان تخلّي العالم عن قاعدة نظام الذهب هو الذي أوجد هذه المشاكل التي يعاني منها العالم اليوم، بغض النظر عن وجود دول غنية ودول متخلفة (نامية).

    7- التضخم النقدي والنمو الاقتصادي، وهما ظاهرتان تضرُّ إحداهما بالأخرى. ذلك أن النمو الاقتصادي لأية دولة يصاحبه التضخم وهو انتفاخ غير طبيعي، أي هو ورم في جسم سليم له عواقب وخيمة. ولا يعالج هذا التضخم وهذا الورم – لتبقى العافية مصاحبة للنمو الاقتصادي – لا يعالج إلا بالانضباط إلى قاعدة ثابتة، ولا تكون هذه إلا قاعدة نظام الذهب. أما القواعد المستحدثة مثل قاعدة (حقوق السحب الخاصة) وعملية الإكثار من الأرصدة من مختلف العملات المعتبرة - كالدولار والجنيه الإسترليني والمارك الألماني والين الياباني - فإن الاعتماد عليها له محاذير كثيرة. وبالتالي تكون الدولة مقودةً بزمام هو في يد الدولة صاحبة الرصيد الأكثر والأقوى عندها، كالدولار مثلاً. فما أكبر خطورة الارتباط بالدولار! كيف وقد أصبح الدولار قاعدة التحويل العالمية بعد 15/8/71، حيث ألغي استبداله بالذهب؟!

    8- يقول بعض الباحثين: إن نظام النقد الدولي الحالي هو نظام طبيعي. أي إنه منبثق من التجارب العملية والأحداث الواقعية، استناداً إلى الاتفاقيات الدولية والأحداث العالمية والتجارب العملية والطرق التي استعملها التجار في تسوية العمليات التجارية على الصعيد الخارجي، بالإضافة إلى الأنظمة الإدارية والسياسية التي تنبثق من النصوص والقوانين الوضعية. وهكذا، يكون نظام النقد الدولي مع الانظمة الإدارية والسياسية، كل ذلك مستند في وجوده إلى عقل الإنسان، وتجارب الإنسان مستفيداً من أخطائه.

    9- لم يدرِ هؤلاء الباحثون والمتشرعون إدارياً وسياسياً وقضائياً ومالياً أن النظرة في بحث أية مشكلة يجب أن تكون منصّبة على هذا الإنسان، وإن المشكلة هي مشكلة الإنسان، وليست مشكلة مالية ولا إدارية ولا سياسية. وإنما المشكلة أية مشكلة هي مشكلة الإنسان من حيث هو إنسان. وهذا يعني أنه لا بد من الرجوع والاحتكام والتقيد بالتشريع الذي وضعه خالق الإنسان لمعالجة مشاكل الإنسان من حيث هو إنسان سواء المالية منها، أم القضائية، أم السياسية، أم الاجتماعية. كل هذه هي مشاكل إنسان، فتبحث على أساس أنها مشكلة إنسان. وهذا يقتضي الإيمان بالأحكام والتقيد بالتشريع الذي أنزله خالق الإنسان، وهو التشريع الإسلامي والنظام الإسلامي.

    10- إن نظام النقد الداخلي لأية دولة إنما يفرَض بقوانين ويطبق بقوة القانون. ولكن نظام النقد الدولي، وإن وضع بقوانين ترتكز إلى اتفاقيات وتحت إشراف مؤسسات دولية، إلا أنه يطبق بقوة القانون، ولا يوجد سلطة دولية تمتلك قوانين دولية تلزم بها سائر الدول، وإن كانت مرتبطة موقعة على مواد نظام صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وبالتالي على مواد قانون اتفاقية (الغات) منظمة التجارة العالمية. أي لا يطبق نظام النقد الدولي بقوة القانون.

    لكنه كما يقولون يرجع في الالتزام به إلى الناحية النفسية (سيكولوجياً) حسب الفكرة التي تتكون لدى الجماعات في وضعها الثقة بنظامٍ ما. وهذه ظاهرة في منتهى الخظورة. لأننا لو رجعنا إلى الأزمات النقدية التي اندلعت نيرانها على الصعيد الخارجي لوجدنا أنها تعود إلى هذه الظاهرة، أي تحكم النزعة النفسية في تقبّل القانون وبالتالي الالتزام به. والحقيقة إن الذي يتكون لدى هذه الجماعات ليس ثقة بقانون أو نظامٍ ما. وإنما هو رؤية مصلحية آنية فقط. وبالتالي يستساغ التلاعب بهذا القانون أو ذاك، والاحتيال عليه وخرقه بالمخادعة والتلاعب، وأحياناً كسره من قبل الدولة ذات الهيمنة والنفوذ عالمياً، كما فعل نيكسون عام 1971 عندما أبطل العمل بنظام استبدال الدولار بالذهب، ضارباً عرض الحائط بكل ما بينه وبين شركائه الرأسماليين من اتفاقيات والتزامات. فيكون نيكسون بهذا القرار قد كسر العمود الفقري لاتفاقية بريتون وودز، وأطاح بالذهب عن عرشه الذي اقتعده طيلة قرون طويلة، وسلب منه أهم صلاحياته الأساسية: وهي كونه أداة الدفع الرئيسة في العمليات التجارية، وأداة التغطية للعملات التي يتحدد سعرها على ضوء نسبة هذه التغطية.

    إن الدولار نقد متحيز له هوية محددة. فلا يصحّ أن يوضع موضع الذهب أو أن يقوم بالدور الذي يقوم به. فبأي مسوّغ يصبح الدولار قاعدة نظام النقد الدولي؟ هل يستطيع أن يقف موقف الذهب في عالميته، وعدم تحيّزه واستمراريته وقوته الذاتية التي منحتها له القر ون الطويلة؟ فالذهب لا يحتاج إلى فائض من الإنتاج تغطيةً له، ولا يحتاج إلى نفوذ سياسي يستند إليه. وإنما الدول الغنية والضعيفة والجماعات والأفراد، الجميع لديه سواء، لثباته في المحافظة على سعر الصرف تلقائياً. فلا يحتاج إلى قوة قانون، ولا إلى ضمانة دولية. وفي كل هذا ضمان وأمان من التلاعب بأسعار الصرف، وضمان وأمان من حدوث الأزمات.

    لقد خاضت أميركا التجربة، وأنزلت الذهب عن عرشه، وسلبت منه صلاحياته، ونصّبت بدله الدولار، وأعطته تلك الصلاحيات التي لا تتوفر إلا في الذهب، وفي نظام الذهب، ظناً منها أن يكتمل لها القعود على عرش المال عالمياً، بضمانة هيمنتها السياسية، وحماية قوتها العسكرية.

    إن الإسترليني لم يخرج من منطقة نفوذه، والمارك الألماني يتمتع بنفس القوة التي يتمتع بها الدولار، والفرنك الفرنسي له منطقة يدور فيها.

    لماذا لم يستطع الدولار أن يزيح الإسترليني والمارك والفرنك من الساحة، أو على الأقل من مناطق النفوذ القديمة؟ وهذه المصارف المركزية العالمية مليئة بالأرصدة من هذا القطع النادر جنباً إلى جنب مع الدولار. فكيف وقد ظهر له منافس جديد يزاحمه في الساحة الدولية ألا وهو (اليورو) العملة الأوروبية الموحدة، والذي تتبناه إحدى عشرة دولة قوية في إنتاجها، سليمة في اقتصادها، تتمتع بفائض في ميزان مدفوعاتها، وضمن مجموعة اقتصادية متماسكة سياسياً؟

    هذا هو الذي كانت تخشاه أميركا، وهو وجود تكتلات نقدية خارج الأطر الدولية، يحميها اتحاد اقتصادي قوي سياسياً وإنتاجياً، بعكس التجمعات الاقتصادية القائمة على أساس اتفاقيات مصلحية فقط، مثل منظمة (آسيان) ومنظمة (آيبك) ومنظمة (نافتا)، ويضاهي هذه المنظمات الإقليمية مؤتمرات اقتصادية مثل (مؤتمر برشلونه) ومؤتمر (بانكوك).

    11- إذا قمنا بعملية مقارنة بين نظام النقد الداخلي لأية دولة ونظام النقد الدولي نجد أن هناك اختلافاً مهماً بينهما. حيث إن كلاً منهما يحتاج إلى وحدة نقدية ثابتة من أجل قياس القيم، وتسوية المدفوعات، والاحتفاظ بالأرصدة والمدخرات.

    أما نظام النقد الداخلي فيعتمد نقداً واحداً وهو النظام الوطني في عمليات التسوية والأرصدة والمدخرات، في حين أن نظام النقد الدولي يحتاج في هذه العمليات إلى نقدين: نقد البلد الدائن، ونقد البلد المدين. وهذه تعتبر نقطة ضعف في نظام النقد الدولي القائم، وهي نقطة بالغة الخطورة، وتعني فيما تعنيه التحكم الكامل في مقدّرات البلد المدين. حيث لا يوجد على الصعيد الدولي سلطة نقدية واحدة يعود إليها وحدها حق تحديد كمية النقد المصدرة، وتحديد قيمة الوحدة النقدية.

    أما الصلاحيات التي أعطيت لصندوق النقد الدولي باعتباره المؤسسة العالمية، فإن صندوق النقد الدولي هذا ومنذ تأسيسه وضع متحيزاً للدولة الأقوى والأغنى. وتحيزه ظاهر في تسلطه على الدول النامية من خلال الشروط التي يضعها عندما يتدخل لعلاج ظاهرة الاختلال في ميزان المدفوعات. وقد ظهرت مواقفه المتحيزة واضحة في علاجه للأزمات النقدية العالمية التي نشأت مؤخراً في جنوب شرق آسيا والبرازيل وروسيا وغيرها. وإذا أضفنا إلى هذا كله أن الصندوق له أثر كبير في افتعال الأزمات الاقتصادية آنفة الذكر، نرى أنه لزاماً لا بد من علاج جذري لنظام النقد الدولي يتناول أول ما يتناول صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، مضافاً إليهما منظمة التجارة العالمية بقوانينها التي تصبّ الفوائد كلها في قنوات الدول الصناعية الكبرى، وبخاصة أميركا.

    12- إن نظام النقد الوطني ينحصر حق تحديد كمية النقد المصدرة، وتحديد قيمة الوحدة النقدية فيه في يد البنك المركزي للدولة المعنية. فالبنوك المركزية هي التي تحدد حجم الكتلة النقدية في التداول. لكن استعمالها يعود إلى الافراد أو الوحدات الاقتصادية على مختلف أنواعها، ويقوم البنك المركزي بدور المراقب والمنظم فقط.

    أما بالنسبة لنظام النقد الدولي، فالشأن ليس كذلك. إذ المصارف المركزية والمصارف المالية هي التي تحدد كمية السيولة المصدرة، وفي الوقت نفسه هي التي تقوم باستعمالها. وعندنا من المراكز المالية علاوة على البنك المركزي الفدرالي الأميركي الكثير.

    13- يقولون: أن نظام النقد الدولي قابل للتطوير والارتقاء لأنه كأي شيء يخضع لقانون النسبية في الزمان والمكان. فالنظام الذي يصلح في بيئة ما، يمكن ألا يصلح إذا نقل إلى بيئة أخرى. والنظام الذي سار سيراً حسناً في الماضي، ربما لم يعد صالحاً في الزمن الراهن. وهذا ينطبق على نظام النقد الدولي (كذا يقولون).

    ونقض هذا القول: آتٍ من أن النظام – أي نظام – إنما يوجد لتنظيم علاقات الإنسان، وحل مشاكله، ورعاية شؤونه. ومشاكل الإنسان مهما تعددت وتنوعت تبقى مشاكل إنسان، حتى لو كانت مشاكل مالية أو اقتصادية، أو مشاكل اجتماعية وسياسية. والإنسان لم يتغير منذ الأزمنة الغابرة وحتى يرث الله الأرض وما عليها. خلقه الله بشراً سوياً، فتبقى مشاكله محصورة في إنسانيته، أي في فطرته. أي أن مشاكله تنبثق عن غرائزه وحاجاته العضوية، فلا تغيير ولا تبديل ولا تحوير. وعليه فإن الإنسان لا يخضع لقانون نسبية الزمان والمكان، وقانون نسبية الزمان والمكان لا يكون تأثيره إلا في الوسائل والأساليب فقط. أما الأحكام التي تعالج المشاكل، وترعى بها الشؤون، فهي ثابتة، وليست خاضعة لهذا القانون. والوسائل والأساليب هي الأدوات والحالات التي تنتقى انتقاءً لتسهيل تطبيق الحكم الشرعي أو القانون عند القيام به أو تنفيذه.

    ثم إنه إن كان البحث في نظام النقد الدولي من حيث هو نظام، فهو ثابت لا يتغير ولا يخضع لقانون نسبية الزمان والمكان. وأما (النقد) من حيث هو أداة ووسيلة، فأمره يرجع إلى اصطلاح الناس على اتخاذه أداةً أو وسيلةً. وقد استقر اصطلاح الناس منذ القدم على اتخاذ (الذهب) ليكون هو أداة النقد، لميزات كثيرة يتمتع بها هذا المعدن الثمين. فالنقد هو مقياس تقدير السلع، وهذه هي الأثمان، وهو مقياس تقدير المنافع والخدمات، وهذه هي الأجور.

    14- كان التعامل النقدي في مراحله الأولى يتمثل في كونه نقداً سلعياً، أي ممثلاً بسلعة استهلاكية أو معدنية. فلم يكن من السهل أبداً عقد الصفقات كبيرة القيمة (مليون مثلاً). لاستحالة عدّ النقود ونقلها من أجل تسديدها.

    ولكن عندما وصل النقد إلى مراحله الأخيرة أي مرحلة النقود الائتمانية، أصبح من السهل عقد الصفقات كبيرة القيمة، إذ لم يعد علينا سوى تحرير شيك بالقيمة المطلوبة مهما بلغت. بل تعدى الأمر ذلك إلى أسلوب معاملات البورصات التي تتم بالمليارات بواسطة التلفون أو الأنترنت.

    ففي المراحل الأولى - عندما كان النقد سلعياً ومعدنياً - لم تكن تظهر هذه التعقيدات والأزمات التي تصيب الاقتصاد العالمي. فلم يكن هناك اضطرابات حادة ولا تضخم نقدي، لأن النقد يومئذ لم يكن خاضعاً لإدارة الحكومة فيما يتعلق بكمياته المصدرة.

    أما في المراحل الأخيرة التي ظهرت فيها الأزمات والاضطرابات - وهي مراحل النقود الاعتبارية - فقد تم تهميش الذهب ثم إلغاؤه، وأصبح باستطاعة الحكومة إصدار أية كمية تشاء من النقد وأصبح هذا النقد إلزامياً، وهو نقد اعتباري وليس نقداً حقيقياً. فالنقد الحقيقي يمتلك قوة إبراء ذاتية كالذهب. أما النقد الاعتباري القانوني فإنه لا يملك قوة إبراء ذاتية، وإنما يستمد قوته من إصدارات قانونية. وهنا يلعب حجم الإنتاج دوره في غطاء النقد مضافاً إليه الثقل السياسي للدولة المصدرة نفسها .

    مجلة الوعي
    http://www.al-waie.org/

    [يتبع]
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-09-13
  3. مشتاق ياصنعاء

    مشتاق ياصنعاء مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-03-02
    المشاركات:
    22,338
    الإعجاب :
    766
    موضوع شيق جدا


    بإنتظار البقية ...

    خالص المحبة والتقدير
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-09-13
  5. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0

    حياك الله اخي الفاضل..مشتاق ياصنعاء

    و اشكر لك حسن مرورك و اهتمامك بالموضوع
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-09-13
  7. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    نظام النقد الدولي (2)

    مراحل نظام النقد الدولي – الذهب

    مر نظام النقد الدولي، منذ أوائل القرن التاسع عشر، في ثلاث مراحل هي: نظام القاعدة الذهبية، ونظام قاعدة الصرف بالذهب، ونظام تفرُّد الدولار وإلغاء الذهب.

    النظام الأول: وقد ظهر هذا النظام في مطلع القرن التاسع عشر، وساد العالم في الربع الأخير منه، واستمر إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى. أما ما هو نظام القاعدة الذهبية؟ يقول خبراء الاقتصاد الدولي: هو نظام يكفل التداول الحر لقطع المسكوكات الذهبية، ويؤمن في الوقت نفسه حرية عملية تبديل أشكال النقد المتداول بالذهب، كما يؤمن على الصعيد الخارجي حرية تصدير واستيراد هذا المعدن الاصفر من دون قيد أو شرط. ولا غرابة إذا قلنا: إن القسم الساحق من دول العالم طبق هذا النظام، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فأصبح هو نظام النقد الداخلي والدولي على حد سواء.

    ولكن هذا النظام يقوم على ركائز أهمها:

    (أ‌) أن يكون هناك كفالة أو ضمانة قانونية (سعر قانوني) بين الوحدة النقدية ومعدن الذهب الصافي. فمثلا ينص القانون البريطاني على أن وحدة النقد، أي الجنيه الإسترليني، يساوي غرامين من الذهب الصافي. وينص القانون الفرنسي على أن الفرنك الفرنسي يساوي غراماً واحداً... وهكذا. ولذلك يجب أن يكون التداول معتمداً على ركيزة قانونية للمسكوكات الذهبية، تحتوي مادياً على كمية الذهب التي نص عليها القانون.

    أما إذا كان التداول لا يعتمد على المسكوكات الذهبية، بل على أشكال نقدية أخرى، فإن المصرف المركزي يجد نفسه مجبراً بقوة القانون، على تقديم الذهب لكل من يطلبه، استناداً إلى السعر الرسمي.

    (ب‌) ومن أجل ثبات قيمة الوحدة النقدية، لا بد من وجود حرية التبديل المطلقة، بالنسبة إلى الجميع، استناداً إلى السعر الرسمي، ما يعني أن الفرد، الذي يملك نقداً ورقياً، له كل الحق في الاستغناء عنه، والحصول في المقابل على الذهب من المصرف المركزي. ومن أجل تحقيق هذه العملية وتثبيتها، لا يستطيع البنك المركزي أن يصدر كميات كبيرة من الأوراق النقدية للتداول. ونلاحظ من ذلك، أن هذه العلاقة القانونية بين النقود الورقية وكمية الذهب الرسمية، مع حرية التبديل طبعاً، هي بمثابة ضمان لقيمة الوحدة النقدية. ويكون في هذا أمان من الذبذبات والاضطرابات النقدية الحادة، وضمان من حصول الأزمات النقدية والمالية.

    وإذا لم يكن هناك انضباط قانوني، وزادت كمية النقد المتداول عن حاجة النشاط الاقتصادي، فإن هذا يضعف من قيمة النقد، كما يضعف ثقة الجمهور به، فيسارع الجمهور إلى تركه والحصول على الذهب مكانه. وهذه الحركة إذا اشتدّت تؤدي إلى ذوبان الأرصدة الرسمية من الذهب، وبالتالي إلى إفلاس النظام النقدي برمّته.

    إن من ميزات العودة إلى نظام قاعدة الذهب، أنه يملك على الصعيد الخارجي، القدرة التلقائية على تثبيت سعر الصرف، وإعادة التوازن إلى ميزان المدفوعات.

    16- لماذا يجب العودة إلى قاعدة نظام الذهب؟

    ـ أولاً: قدرته التلقائية على تحقيق الاستقرار.

    ـ ثانياً: تثبيت قيمة الوحدة النقدية على الصعيد الداخلي والخارجي على حد سواء.

    ـ ثالثاً: توازن النظام النقدي واستقراره، ومنع حدوث أي اختلال بين سعر الذهب الرسمي وسعره التجاري.

    ـ رابعاً: تصدير واستيراد الذهب للجميع ومن دون أي قيد أو شرط، لأن حرية خروج الذهب ودخوله تؤمن ثبات سعر الصرف.

    ـ خامساً: حرية التبديل (الصرف) بالنسبة للجميع، أي تبديل أشكال النقد الورقية بالذهب، استناداً إلى السعر الرسمي القانوني، وذلك من المصرف المركزي.

    وبفضل هذه العملية، لا يستطيع البنك المركزي أن يصدر كميات كبيرة من الأوراق المصرفية للتداول.

    ومن الملاحظ، أن هذه العلاقة القانونية بين النقود الورقية وكمية الذهب الرسمية، مع حرية التبديل، تكونان ضماناً لقيمة الوحدة النقدية.

    17- استمرار الاعتماد على نظام القاعدة الذهبية، من بداية القرن التاسع عشر إلى ما قبل الحرب العالمية الاولى. فقد كانت الأرقام القياسية للأسعار بالذهب، عام 1910 تقريباً، في المستوى نفسه سنة 1890.

    وأهم ميزات نظام القاعدة الذهبية قدرته على تثبيت سعر الصرف، وبتعبير أدق، حصر تقلباته ضمن حدود ضيقة. وهذه ميزة مهمة، لأن من شأن تقلب سعر الصرف بصورة عنيفة، إحداث اضطرابات مهمة في التجارة الخارجية، وفي الأوضاع النقدية الدولية على حد سواء.

    وتثبيت سعر الصرف أمر مهم في الحياة الاقتصادية، وهذه حقيقة يحسّ بها الاقتصاديون في الدرجة الأولى، ولذلك فإن صندوق النقد الدولي، حتى بعد إلغاء نظام القاعدة الذهبية، أدرك أهمية تثبيت سعر الصرف، ولذلك فإنه فرض على الدول الأعضاء المحافظة على سعر صرف ثابت، وإن كان يسمح بتقلبه ضمن حدود ضيقة بنسبة 1% في الاتجاهين (هبوطاً وارتفاعاً). ولكن الفرق بين النظامين يأتي من أن عملية التثبيت في نظام القاعدة الذهبية تحدث بصورة تلقائية. لأن النظام المذكور يحتوي على أجهزة تنطلق تلقائياً عندما تظهر بوادر الاختلال، وتحول دون حدوث تقلبات مهمة في هذا السعر. وأما في ظل النظام القائم (إشراف صندوق النقد الدولي) فإن عملية التثبيت تجري بوساطة سياسية، أي تدخلٌ له خلفية سياسية.

    ولكن كيف يتم ذلك؟

    من المعلوم، أن سعر الصرف، في ظل القاعدة الذهبية يتحدد استناداً إلى وزن الذهب الصافي الذي يعيّنه القانون للوحدة النقدية. فإذا فرضنا أن الحكومة البريطانية حددت الجنيه الإسترليني بغرامين من الذهب الصافي، والحكومة الأميركية حددت الدولار بغرام واحد، فيكون سعر الصرف بين البلدين: 1ج = 2د. ويسمى هذا السعر بسعر التوازن.

    18- بقي نظام القاعدة الذهبية سائداً ومعمولاً به، والاقتصاد في عافية، بعيداً عن الأزمات والاضطرابات الحادة. ولم يذكر أن حدثت أية أزمة اقتصادية لا في الدخل ولا في الخارج.

    بقي هذا النظام (القاعدة الذهبية) إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى، حيث اضطرت الدول المتحاربة إلى تعليقه، لأن الحرب، لِسِـعتها وشمولها قد استهلكت أموالاً طائلة، فاقت موارد أية دولة من الدول المتحاربة، حتى إن الموارد التقليدية لم تكن تكفي إلا لسدّ جزء يسير منها. وأصبح لا بد من اللجوء إلى البنوك المركزية من أجل إصدار نقود إضافية، ولكن المصارف المركزية في ظل القاعدة الذهبية لا تستطيع أن تصدر كمية إضافية؛ لأنها مقيدة بعملية التبديل، أي ضمانة تبديل الذهب بالأوراق المصرفية. فكان من جراء ذلك، أن عمدت الحكومات المتحاربة إلى إعفاء مصارفها المركزية من عملية التبديل هذه، وأقرّت التداول الإلزامي للأوراق المصرفية، أي علّقت نظام القاعدة الذهبية.

    حينئذٍ، استطاعت المصارف المركزية إصدار كميات هائلة من الأوراق النقدية، أي النقد القانوني الإلزامي، دون أن يرتبط بنظام القاعدة الذهبية، وعندئذٍ تراكمت ديون الحكومات من المصارف المركزية. فمثلاً: بلغت ديون فرنسا للمصرف المركزي ما يزيد على (21) ملياراً من الفرنكات، وارتفعت كمية النقد في التداول من 7 إلى 17 مليار فرنك. ولكن المبالغة والإفراط في إصدار النقود آل إلى إحداث اضطرابات نقدية حادة. ففي ألمانيا مثلاً بلغ التضخم النقدي درجةً قضي فيها على الوحدة النقدية، مع أن ألمانيا خرجت من الحرب منهزمة، وقد تراكمت عليها مليارات الماركات، نتيجة خسارتها الحرب، والتزامها بدفع مليارات أخرى غرامات للدول المنتصرة. وكذلك لم تكن الدول المنتصرة بمنأى عن إغراقها في أزمات اقتصادية حادة.

    وللبحث عن علاج لهذه الكارثة النقدية، اجتمعت الدول الرئيسة في جنوة سنة 1922، واتفقت على العودة إلى نظام القاعدة الذهبية. لكنهم اصطدموا بمشكلة جديدة واجهتهم، وهي أن القسم الأكبر من أرصدة العالم الذهبية، وبخاصة من أرصدة الدول المتحاربة الأوروبية، قد أرسل إلى الولايات المتحدة الأميركية لتغطية الاستيراد. والعودة إلى نظام القاعدة الذهبية، تقتضي وجود قاعدة ذهبية واسعة. فاقترح المؤتمرون وجود شكل جديد، يسمح بتوفير الذهب، والاحتفاظ بمزايا النظام المذكور، مع الاحتفاظ بنظام السبائك، ويتمثل في احتفاظ البنك المركزي بأرصدته الذهبية، ولكن على شكل سبائك من وزن معين يعتبر كحد أدنى (كان الحد الأدنى للسبيكة في فرنسا (12) كيلوغراماً وسعرها (215000) فرنك). وبما أن نظام السبائك هذا يصعب استعماله على الأفراد عند الاستبدال؛ لأنهم منعوا الاستبدال إلا لمن ملك السبيكة المعنية، وهذا ليس في متناول الأفراد. وبذلك أصبح نظام القاعدة الذهبية مقيداً. إلا أن هذه القاعدة الذهبية المقيدة بحد أدنى لوزن السبيكة، القابلة للتبديل، هذه القاعدة لم تستمر طويلاً؛ لأنها اصطدمت باندلاع الأزمة العالمية الكبرى سنة 1929، حيث انهارت أسعار الأسهم، وطفق المتعاملون بالتخلص منها، فحدث إقبال شديد على الأوراق النقدية، وسبب ذلك منعطفاً على تبديل الأوراق بالذهب، فعلقت دول العالم أجمع عملية تبديل الذهب لنقودها الورقية، وبذلك توفي نظام القاعدة الذهبية، وبدأ أولاً في بريطانيا سنة 1931، ثم في الولايات المتحدة الأميركية سنة 1933، وأخيراً في فرنسا سنة 1936.

    19- بعد أن اندلعت نيران الحرب العالمية الثانية، سار العالم على صعيد النقد الدولي خبط عشواء، حيث أن كل دولة كانت تتخذ الإجراءات التي تحفظ مصالحها الخاصة فقط، دون النظر إلى أو الاهتمام بما ستحدثه هذه الإجراءات، من آثار سيئة بالنسبة للآخرين. وللخروج من هذه الفوضى، وحتى لا يقع العالم في وضع يشبه الوضع الذي أسفرت عنه الحرب العالمية الأولى – وعندما لاحت بوادر النصر سنة 1944 – سارع المسؤولون إلى عقد مؤتمر دولي في بريتون وودز، لوضع الأسس العامة لتنظيم الأوضاع النقدية على الصعيد الدولي/ وتنمية التجارة الخارجية، وحركات رؤوس الأموال. فكان لا بد من إزالة الحواجز التي تراكمت خلال الحرب.

    جـرى البحــث في هذا المـؤتمـر في أمــور مهـمــة هي:

    تعلق الأساس الأول بالذهب: فقد جعل المؤتمر الذهب المحور الذي يدور عليه نظام النقد الدولي الجديد، فاشترط على الدول الأعضاء إعادة ربط نقدها بالذهب. أي يجب أن تحدد كل دولة وزناً معيناً من الذهب الصافي لوحدتها النقدية، وذلك من أجل تحديد وتثبيت سعر الصرف. ولكن هذا لا يعني حرية التبديل بالذهب، حيث لم يسمح للأفراد، ولا لأية هيئة كانت، بطلب الذهب مقابل الأوراق النقدية من المصرف المركزي، إلا الدولار الأميركي وحده أعيد تبديله بالذهب بالنسبة إلى الأرصدة الخارجية. ومن هنا أخذ الدولار الأميركي يتميز عن سائر نقود العالم، لأنه فقط هو الذي اكتسب هذه الميزة، وأعطي هذه الصلاحية. وقد حددت أميركا سعر الدولار الرسمي بالذهب، بواقع 35 دولاراً للأونصة. وقد كان الدافع الأميركي لجعل الدولار قابلاً للتحويل إلى ذهب، بالسعر الذي حددته هو عاملين: العامل الأول: إن أميركا خرجت، بعد الحرب العالمية الثانية، وهي تحتوي معظم الأرصدة الذهبية في العالم، التي كانت تقدر آنذاك (38) مليار دولار كان يوجد منها في أميركا وحدها (25) ملياراً أي حوالى ثلثي ذهب العالم. أما العامل الثاني فهو رغبة أميركا بالهيمنة السياسية والاقتصادية على العالم؛ لأن الدول أصبحت غير ملزمة بالاحتفاظ بكامل أرصدتها النقدية بالذهب بل كذلك بأوراق نقدية صادرة من أميركا (دولارات)، تلتزم أميركا بتبديلها ذهبا عند الطلب، بالسعر الذي حددته.

    وقد سمي نظام بريتون وودز بنظام الصرف بالذهب؛ لأنه أقر احتفاظ الدول في أرصدتها بنقد ورقي، قابل للتبديل بالذهب، وهو الدولار، يصرف ذهباً بسعر محدد. وهكذا أصبح النقد الورقي المحلي لأية دولة لا يحوّل مباشرة إلى ذهب إلا إذا كان تابعاً للدولار مقوماً به. (أو الاسترليني ومقوماً به).

    وقد اشترط مؤتمر بريتون وودز كذلك على الدول الأعضاء، أن تقوم بتثبيت سعر صرفها، مع سماح في تقلبات سعر الصرف بنسبة معينة 1%. وقد استمر الإسترليني كذلك إلى حد ما في الدرجة الثانية، ولكن لم يستمر طويلاً.

    لقد أنيـطت مهمـة الإشـراف على تطبيق تثبيـت أسـعار الصـرف بصندوق النقد الدولي. كما أعطيت له صلاحية التدخل لعلاج الخلل في ميـزان المدفوعات. وقد تعدّت مهمة الصندوق هذه إلى تقديم المساعدات، والقروض، والاستشـارات الفنية، لمساعدة الدول على التغلب على مشاكلها. وقد استمر نظام النقد هذا (نظام الصرف بالذهـب) حتى إعـلان نكسـون بنــود الإصلاحات، الذي بموجبه ألغي نظام الصرف بالذهب، أي ألغيت قاعدة تبديل الدولار بالذهب، لينفرد الدولار في ميدان الساحة النقدية في العالم، ويذهب نظام الذهب إلى حيث لا رجعة. ولكن ما الذي ألجأ نكسون إلى إصدار قرار إلغاء تبديل الدولار بالذهب؟

    إنها أسباب تفاقم الأزمات المتتالية للدولار... وسنأتي على ذكرها فيما بعد.

    فكانت المرحلة التاريخية الأولى لنظام النقد الدولي، وهي القاعدة الذهبية، قد بدأت أوائل القرن التاسع عشر، حتى قبيل الحرب العالمية الأولى. وكان العالم خلالها خلواً من الأزمات الاقتصادية، والاضطرابات المالية. وطيلة هذه الحقبة، والذهب متربع على عرش النقد الدولي.

    أما المرحلة الثانية، من الرحلة التاريخية لنظام النقد الدولي، فقد بدأت من تطبيق اتفاقية بريتون وودز حتى إعلان نكسون بنوده الأربعة بتاريخ 15/8/1971 محاولة منه لإنقاذ الاقتصاد الأميركي من الانهيار.

    بعدها بدأت المرحلة الثالثة لنظام النقد الدولي، وهي في كافة جوانبها مرحلة سياسية.

    مجلة الوعي
    http://www.al-waie.org/

    [يتبع]
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-09-14
  9. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    نظام النقد الدولي (3)

    مرحلة ما بين الحربين 1914 – 1944م



    نظـام النقـد الدولي (القاعـدة الذهبية) عُـلّق العمل به طوال الحرب العالمية الأولى/ حيث وقعت الاضطرابات النقدية، وخلخلت الوحدة النقدية.

    وقبل أن ندخل في بحث مرحلة ما بين الحربين، نعيد استعراضاً تاريخياً لهذه المرحلة الأولى من نظام النقد الدولي.

    ــــــــــ

    كانت العلاقات الاقتصادية الدولية، حتى سنة 1914، تكوّن نظاماً متكاملاً. أي كان يسير على قاعدة ذهبية ثابتة، هي القاعدة الذهبية. ولعبت أوروبا دوراً مسيطراً على العالم. وكانت إنكلترا هي الدولة المتفوقة، وكان التنظيم الاقتصادي والمالي في العالم متركزاً حول لندن.

    كان العالم حينذاك منقسماً إلى مجموعتين: المجموعة الأولى صناعية أو في طريقها إلى التصنيع، والمجموعة الثانية غير صناعية. وكانت دول المجموعة الصناعية، وهي الأقل عدداً، تنهب المواد الأولية، والمواد الغذائية، عن طريق الاستعمار. ودول المجموعة الثانية تستورد المنتجات المصنعة. وبذلك وجد انقسام بدائي في العمل على المستوى العالمي بالفعل. وكانت إنكلترا أقدم الدول في ميدان التصنيع، تقوم بالمتاجرة تقريباً بربع تجارة العالم، وكانت في الوقت نفسه مصنع العالم.

    لقد كانت قاعدة الذهب كاملة (قبل مرحلة السبائك الذهبية)، وكان دور بريطانيا واضحاً تماماً فيما يتعلق بالنقد والأموال، حتى الحرب العالمية الأولى، وكان تحويل العملة يتم عالمياً حيث كان مفتوحاً للجميع في داخل البلاد وخارجها. وكان لكل فرد يقيم، أو لا يقيم في أي دولة من الدول، إمكانية الحصول من البنك المركزي على الذهب، وبدون حدود، وبسعر محدد، نظير أوراق العملة أو العملة الأجنبية. وكان من الممكن استبدال العملة الوطنية، والعملة الأجنبية والذهب، ببعضها بدون شروط ولا حدود وبأسعار معروفة وثابتة، مما يمكن القول بأنه كانت مساواة في التبادل.

    والواقع هو أن تسيير هذا النظام للمدفوعات الدولية كان يخضع للندن، المكان النقدي والمالي الوحيد، الذي كان يقوم بدور المنظّم. وكان وسط مدينة لندن يتعامل في المواد الأولية أكثر من أي مركز آخر، وكان يموّل الغالبية العظمى للتجارة العالمية، وكان هو مصرف العالم، وكانت إنكلترا تقوم بـ 40% من الاستثمارات الدولية، وكان مفتاح الحركة العالمية للتبادل يتمثل في ميزان الإسترليني الذي كانت المصارف الأجنبية تحتفظ به في لندن. إذ إن الطرق التي كانت تأخذها الائتمانات الدولية كانت تتجمع صوب لندن، وهي آتية من كل المراكز النقدية الأخرى في العالم، والتي كانت مرتبطة ببعضها عن طريق لندن، وكانت قيم المبادلات المطبقة في كل دولة في العالم تناقش في لندن، وبمعنى آخر، كان استقرار وتنظيم الائتمانات واقتصاد العالم يعتمد على حسن سير هذه الآلة المالية في قلب لندن. وكانت قاعدة الذهب في الواقع، هي قاعدة النقد، وهي قاعدة الإسترليني. وكانت آلية الدفع مضمونة، وفي مركز نقدي ومالي واحد في العالم، وكان هناك مركز واحد في نظام المدفوعات الدولية.

    خلال الحرب العالمية الأولى، أو عند نهايتها، بدا أن المجموع المتجانس الذي يشكل نظام العلاقات الاقتصادية الدولية قد تحطّم. إذ إن حرية التعاملات كانت قد تركت مكانها لعمليات مراقبة من كل نوع، وترك المجال العالمي مكانه لمجالات وطنية، والوحدة تركت مكانها للتفتت. وخلال مدة ثلاثين عاماً، كان النظام التجاري والنقدي المبني على سيطرة إنكلترا قد انهار. إذ إن الأزمة والحروب قد أسرعت بارتفاع البعض، وبتدهور أحوال البعض الآخر.

    إذاً، وفي خلال ثلاثين عاماً (من سنة 1914- 1945)، انهار النظام العالمي تماماً. فقد تسببت إعادة توزيع القوى العالمية والتطور الاقتصادي معاً، في تفتيت نظام المبادلات والمدفوعات الدولية (أي انتهـت المرحلـة التاريخية الأولى لنظام النقد الدولي).

    فبالنسبة لتغير وجهة المبادلات التجارية وطرق التعامل، أفادت الحرب بعض الدول نتيجةً لبُعدها. وهكذا نجد الولايات المتحدة الأميركية، التي لم تدخل الحرب إلا في عام 1917، تنمّي إنتاجها وصادراتها بدرجة كبيرة. وكذلك الحال بالنسبة لليابان التي كثفت وضاعفت جهودها الإنتاجية ووجهت مطامعها نحو جنوب شرق آسيا. ومن ناحية أخرى، كانت الدول المتحاربة الأوروبية قد وصلت بدرجات متفاوتة حافة الخراب المالي (مثل فرنسا التي دارت المعارك على الأقاليم الأكثر تصنيعاً فيها) وكانت قد استخدمت رأسمالها بطريقة مكثفة، دون أن تتمكن من تجديده، الأمر الذي أدى إلى انخفاض صادراتها من المواد المصنعة.

    أما بالنسبة للتعديلات التي أدخلت على وسائل المبادلات، فكانت قوية بحيث إنها أدت إلى انغلاق بعض الدول على نفسها. فقد وضعت بعض الدول الأوروبية تنظيماً، يؤدي إلى تقليل الإنفاق من العملة الأجنبية، والمحافظة على الصرف بين العملة الوطنية والعملات الأخرى. والواردات كانت غالباً ما تخضع لاحتكار الدولة (كما حصل في فرنسا)، بينما كانت عمليات منع التصدير تهدف إلى ضمان تموين الأهالي بشكل أحسن. كل ذلك كان من أجل الحماية الوطنية لإعادة البناء. وهكذا طبقت إنكلترا عام 1921 قانون حماية الصناعة، وحمت بعض الصناعات التي كانت قد نشأت أثناء فترة الحرب. وزادت فرنسا من رسوم تعرفتها الجمركية. واختارت الولايات المتحدة تعرفة جديدة للحماية، متوسطة بين تعريفة الذبذبات، والتعريفات الحرة، سنة 1922، بعد انعقاد مؤتمر جنوة. وقام المؤتمر الاقتصادي العالمي، الذي دعت إليه عصبة الأمم سنة 1927 بالتوصية بضرورة التخلي عن إجراءات الحماية، وضرورة خفض الرسوم الجمركية.

    ولكن الأزمات التي حدثت سنة 1929، واستمرت طيلة الثلاثينات، تسببت في الدول الصناعية في بطالة ضخمة. وأصبح للتوازن الداخلي أولوية على التوازن الخارجي. الأمر الذي أدى إلى القطيعة النهائية لنظام المبادلات الدولية. ففيما بين عامي 1929- 1936، قامت الولايات المتحدة، التي كانت أول دولة تصيبها الأزمة – بل ابتدأت منها – قامت بزيادة حمايتها سنة 1930. وفرضت بريطانيا تعريفة من أجل الحماية، ووثقت صلاتها بالكومنولث عن طريق نظام تعريفة أفضليات 1932. وقامت فرنسا كذلك برفع رسومها، ولكن بنوع خاص، ووضعت موانع على استيراد المنتجات الزراعية. وقد فشلت مؤتمرات عديدة كانت قد عقدت من أجل معالجة هذه الأوضاع. وأخيراً لم تتردد بعض الدول في تعديل قيمة عملتها (فخفضت قيمة الجنيه الإسترليني في شهر أيلول 1931، والدولار سنة 1933، والفرنك سنة 1936، 37و38). وطبقت الولايات المتحدة اتفاقيات تبادلية مع دول أميركا الوسطى وأميركا الجنوبية، ووافقت على خفض الرسوم الجمركية.

    وقد أوصى مؤتمر جنوة سنة 1922، بأن تحتفظ الدولة بعملات معادلة للذهب، مثل الإسترليني والدولار والفرنك، وكانت هذه الدول تمتلك رصيداً من الذهب. ولكن هذا النظام أُبدل في الثلاثينيات بنظام (الكتل النقدية). فقد كانت دول الكومنولث، وبسبب علاقاتها التجارية والنقدية والمالية مع بريطانيا، تحتفظ بالجنيه الإسترليني، وأصبحت أعضاء في الكتلة النقدية للإسترليني، التي كانت بريطانيا الدولة الرئيسية فيها. وعندئذ مجموع الكتلة يمثل في علاقاته مع الخارج تطوراً مماثلاً إلى حد بعيد، وخاضعاً لسياسة المكان الرئيسي.

    وفي أثناء الحرب العالمية الثانية، زاد الانقسام بين المناطق النقدية، ووجدت كتل نقدية متعددة، كانت الأولى منطقة الإسترليني، لكن تحديدها لم ينتج عن قرار اتخذ من جانب واحد في لندن، وإنما من حرية الاشتراك لعدد من البلدان، التي كانت تطبق – تحت إدارة بريطانيا – سياسة متكاملة فيما يتعلق بمراقبة النقد، والأفضليات التجارية، ووضعوا، في ودائع متساوية من النقد في لندن، العملات والذهب الذي كانوا قد حصلوا عليه (وفي نظير ذلك وضع مبلغ ائتماني من الجنيهات لحساب كل دولة منها). بينما كانت المبالغ المودعة بالاشتراك تخدم احتياجات المجموع في هذه المنطقة، وكانت تدار في الصالح العام عن طريق بريطانيا، ثم ظهرت مناطق أخرى (مثل منطقة الفرنك، ومنطقة الاسكود، ومنطقة الفرنك البلجيكي)، وكانت تقترب في مظاهرها العامة من منطقة الإسترليني. وإذا كان الانتماء قد نتج، لا عن طريق حرية الاشتراك، وإنما عن طريق المشاركة في نظام سياسي واقتصادي ومالي معين، فإن التعاملات كانت حرة في داخل المنطقة، وكانت الإمكانيات الموضوعة بالاشتراك، والتي تستخدم طبقاً لخطة موضوعة، في تجاوب مع احتياجات كل الأعضاء، وعمل المجموع تجاه الخارج، وبإشراف من الدولة الأم.

    كانت أميركا ترى أن هذه الكتل النقدية تشـكـل مناطـق مغلقة أمام تجارتها، أي أن وجودها كان يشكل تعارضاً مع مبدأ حرية التجارة، فقضت عليها نهائياً بوجود اتفاقية بريتون وودز. وذلك أولاً بتوقيع ميثاق الأطلنطي مع بريطانيا الذي وقعه تشرتشل. في حين رأى ديغول في اتفاق بريتون وودز تتويجاً للولايات المتحدة على عرش المجموعة الدولية.

    هذا باختصار موجز لما بين الحربين العالميتين، حيث لم يكن هناك شيء نستطيع وضع الأصبع عليه فيما يتعلق بنظام نقدي عالمي. ولذلك فإن التفتيت كان عميقاً على المستوى الدولي، وكانت الأزمة الاقتصادية والحرب قد ترافقت مع تقليل حجم التجارة الدولية، والتبادلات النقدية والمالية، فانغلقت الدول على نفسها، وحاولت أن توازن ميزان مدفوعاتها بوسائل ثنائية. وبنوع خاص كان مركز التنسيق لمجموع العملات الدولية قد سار في طريق تدهور لا يمكن إصلاحه، واستعد مركز جديد لأخذ مكانه.

    المرحلة الثانية لنظام النقد الدولي:

    إن نظام النقد الدولي الجديد، في حقيقته، والذي أطلق عليه اسم (نظام الصرف بالذهب)، لم يظهر بشكل رسمي وعالمي إلا بعد توقيع اتفاقية بريتون وودز. وفي هذا المؤتمر تميز الدولار بأهمية خاصة، وتبعه في الدرجة الثانية الجنيه الإسترليني. (لقد ظهر نظام الصرف بالذهب، بعض الوقت، بعد مؤتمر جنوة 1922، لكنه انهار تحت ضغوط الأزمة الاقتصادية 1929 كما هو مبين فيما بعد).

    استطاعت الولايات المتحدة الأميركية، بفضل الحرب العالمية الثانية، أن تكدس في صناديقها أكثر من ثلثي ذهب العالم، أي حوالي (25) ملياراً من الدولارات. وفي المقابل كانت أرصدة الدولار في العالم لا تذكر. فالدولار آنئذٍ كان مغطى بالذهب بنسبة تفوق 100% بكثير. لذا كان من السهل على الحكومة الأميركية إعادة تبديل الدولار ذهباً. استمر الوضع على هذا النحو إلى مطلع الستينات، حين انقلبت الآية، وأخذت أرصدة الولايات المتحدة من الذهب بالتناقص، وأرصدة الدولار في العالم بالازدياد. وأصبحت الارقام في سنة 1960 (18.8) مليار أرصدة ذهبية و(18.7) مليار أرصدة دولار في الخارج. وللتذكير كانت هذه الأرقام سنة 1949 (24.5) مليار أرصدة ذهبية، و(6.2) مليار أرصدة دولار في الخارج. وواصل هذا السير المتناقض لأرصدة الذهب، وأرصدة الدولار، سبيله طوال الستينات. ففي 1965 انخفضت الأرصدة الذهبية الأميركية إلى (14) مليار، وارتفعت كمية أرصدة الدولار في الخارج إلى (25.2) ملياراً. وعندما نصل إلى أزمة الذهب الشهيرة التي اندلعت في 19 آذار 1968 نلاحظ أن الأرقام أصبحت على النحو التالي:

    (11) مليار أرصدة ذهبية، وحوالي (35) مليار أرصدة دولار خارجية. وأصبحت الأرقام في 15/5/71 أي أثناء أزمة الدولار الأخيرة- وهي التي تدخل نيكسون واتخذ إجراءاته المشهورة بشأنها – (10.332) مليار أرصدة ذهبية مقابل أكثر من (40) مليار أرصدة دولار في الخارج.

    يعود السبب في كل هذا التناقض إلى عجز ميزان المدفوعات الأميركي. أما كيفية نقصان الأرصدة الأميركية من الذهب؟ فإنه يعود إلى ازدياد الطلب الخاص على الذهب من أجل الاكتناز أو المضاربة.

    فبعد أن ضعفت الثقة الجماعية بالنقود الورقية الإلزامية بعامة، وبالدولار بخاصة، بسبب التضخم النقدي الذي عمّ أكثر دول العالم، وبعد أن تطلع الجميع إلى الخطاب الذي ألقاه الجنرال ديغول سنة 1965، ودعا فيه إلى ضرورة العودة إلى نظام الذهب، حصلت حركة اندفاع على الذهب لم تعرف في التاريخ من قبل. فكميات الذهب التي كانت تطلب للاكتناز أو المضاربة في أزمة عام 1968 كانت تقدر بمئات الأطنان في اليوم الواحد. وللحيلولة دون هذه الانتكاسة، اضطرت الولايات المتحدة إلى سد النقص في العرض، لكي تحول دون ارتفاع سعر الذهب عن السعر الرسمي من أرصدتها الرسمية، الأمر الذي آل إلى نقصان هذه الأرصدة إلى حد تهديدها بالذوبان. ولذلك اضطرت الدول الأعضاء، أمام هذه الكارثة، إلى إلغاء (مجمع الذهب)، في اجتماع واشنطن سنة 1968، وإلى إنشاء سوق حرة للذهب إلى جانب السوق الرسمية. وهذا يدفع بالطلبات الخاصة إلى التوجه إلى السوق الحرة، والشراء منها بالسعر الذي تحدده قوى العرض والطلب.

    هذا هو السبب الرئيسي الذي أدى إلى ذوبان الأرصدة الذهبية الرسمية في الولايات المتحدة، مع العلم بأن بعض الدول – وبخاصة فرنسا – طلبت منها أيضاً تبديل قسم من أرصدتها الرسمية من الدولار ذهباً، الأمر الذي أسهم بدوره في ذوبانها.

    قبل أن نتابع الحديث عن أزمة الدولار الأميركي، نودّ الإشارة إلى أنه على الرغم من أن فترة النصف الأخير من عقد الستينيات شهدت حالات أزمات نقدية عديدة، في كثير من الدول الغنية، مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا، وعلى رأسها أميركا، إلا أن العيب الحقيقي، الذي أدى إلى تفاقم هذه الأزمات وتوسعها دولياً، يعود إلى صميم قاعدة نظام النقد الدولي، وليس إلى الاضطرابات المالية المحلية.

    إن قضية أزمة الدولار الأخيرة تلفّها في الحقيقة اعتبارات سياسية. إذاً هي تختلف عن الأزمات السابقة؛ لأنها أصابت مباشرة وبصورة صريحة النقد الأساسي، نقد الأرصدة الدولية _ أي الدولار الأميركي نفسه. فالأمر لم يعد متعلقاً بالاطراف – أي بالنقود الأخرى – وإنما بالصميم، أي بأساس نظام النقد الدولي.

    الأزمات النقدية من منظور سياسي:

    عقدت الدول الكبرى: الولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد السوفييتي، وبريطانيا (باستثناء فرنسا)، في أواخر الحرب العالمية الثانية، مؤتمراً اعتبر عن حق من أخطر المؤتمرات الدولية وهو مؤتمر مالطا. وكان الهدف منه اقتسام العالم، كغنيمة حرب فيما بينها. ولكن الجنرال ديغول الذي لم يحضر هذا المؤتمر، بل ولم يبلّغ بانعقاده من الأصل، لم يغفر لحلفائه تصرفهم هذا. حيث استبعدت فرنسا من حضوره عمداً، لا سيما وأنها قد اشتركت في الحرب، وضحّت مثلما ضحّوا، وقاست أكثر مما قاساه أي بلد آخر. لذا غرس ديغول في نفسه فكرة ضرب هذا المؤتمر ومحو آثاره، أي أضمر في نفسه الانتقام من حلفائه.

    ولكن الحرب أسفرت عن مؤتمر آخر أشد منه أهمية وهو مؤتمر بريتون وودز، الذي عقد في أميركا سنة 1944، من أجل تنظيم الأوضاع النقدية الدولية.

    وكان مما أسفر عنه هذا المؤتمر هو تمييز الدولار الأميركي بالدرجة الأولى، والجنيه الإسترليني بالدرجة الثانية، بين نقود العالم. وفي المقابل أهمل الفرنك الفرنسي، وتراكمت الآثار السيئة التي خلّفها المؤتمر في نفس ديغول. فآلى على نفسه إلا أن يضرب النفوذ الأميركي، وأن يعطي فرنسا المكانة التي تستحقها على الصعيد الدولي.

    وعندما عاد إلى الحكم سنة 1958 بدأ فوراً بتطبيق مخططه. فأنشأ قوة نووية ضاربة لفرنسا، وطلب سحب القوات الأميركية المرابطة فيها، ثم انسحب من الحلف الأطلسي، كما طبق سياسة الانفتاح على الاتحاد السوفييتي. ثم بدأ بإصلاح الوضع الاقتصادي في بلاده، حيث كان قد ورث عن الجمهورية الرابعة اقتصاداً متردياً، نتيجة حرب الجزائر، وغيرها من الحروب السابقة. ونستطيع القول: إن فرنسا، قبل عودة الجنرال ديغول إلى الحكم، وصلت إلى حد الإفلاس على صعيد النقد الخارجي، إذ إن عجز ميزان مدفوعاتها بلغ أرقاماً مخيفة، وبلغت قروضها من الخارج الحد الأقصى، حتى استنفدت مصادر الاقتراض الخارجية كافة. فبدأ بالعلاج منهياً حرب فرنسا مع الجزائر، بأن أجرى تعديلات في الدستور الفرنسي، وأخرج الجزائر من كونها مقاطعة فرنسية. ثم سهل توقيع اتفاقية إيفيان، التي أخذت الجزائر بموجبها الاستقلال، رغم ضغوط أميركا وبريطانيا. ثم سددت فرنسا القسـم الأكبــر من ديـونـهـا وبخـاصـة ما كان منها لأميركا. واستـطـاعـت أن تجمع كمية كبيرة من الأرصدة النقدية، قاربـت (6) مليارات من الدولارات. واستبدل الفرنك القديم بآخر من نوع جديد، حتى تكونت لدى فرنسا كومة هائلة من الأرصدة الذهبية تفوق حاجتها للسيولة النقدية، كـل ذلك مـن أجـل ضـرب الدولار الأميركي. ولكن هل يستطيع الفرنك الفرنسي أن يناطح الدولار الأميركي العملاق؟ وأخيراً، لجأ إلى وسيلة تعتبر ناجعة، وهي ضرب نظام النقد الدولي القائم، فأخذ ينادي بالعودة إلى نظام القاعدة الذهبية. أي الاستعاضة عن الدولار، الذي اتخذ قاعدة للصرف الدولي بالذهب كأساس لنظام النقد الدولي.

    ومما أوجد هزة عنيفة في عالم المال والاقتصاد، الهجوم الذي وجهه الجنرال ديغول إلى النظام النقدي الدولي والذي تمثل في ما جاء في خطابه المشهور الذي ألقاه في 14 شباط 1965. ومن الأفكار الرئيسية التي وردت فيه: إيجاد تكتل أوروبي في مواجهة الولايات المتحدة، ولو أن بريطانيا سارت في هذا المخطط مع فرنسا، لحصل التعجيل في ضرب الدولار. ثم انتقاد صلب نظام النقد الدولي القائم، حيث كان هذا النظام في البداية يرتكز إلى الدولار الأميركي، الذي تفوق نسبة غطائه الذهبي 100%، كما كان نقداً صعباً نادراً، تسعى الدول كافة للحصول عليه.

    أما الآن فإن القسم الأكبر من الأرصدة الذهبية الأميركية قد ذاب، ولم يعد الدولار مغطى بالذهب، إلا بنسبة ضئيلة تقرب من 20%. وفي المقابل، ازدادت الأرصدة الذهبية، في بلدان السوق الأوروبية المشتركة، إلى حد يعادل أو يفوق حجم الأرصدة الأميركية. وأصبحت السوق الأوروبية تتشكل من خمس عشرة دولة. حيث أزيل ما بينها من الجمارك، وفتحت أسواقها للمبادلات التجارية الحرة بين الدول الأعضاء، مع تنقل الأيدي العاملة بحرية فيما بينها، بموجب اتفاقية ماسترخت. وأخيراً وجد الاتحاد الأوروبي سياسياً، فله برلمان وبنك مركزي اتحادي. ثم أصدر هذا الاتحاد نقداً جديداً في 1/1/1999 سمي (اليورو). وها هي أوروبا باتحادها السياسي والاقتصادي، وتبنّيها عملة نقدية عالمية جديدة، تكون قد حققت الرغبات التي كان الجنرال ديغول يسعى لتحقيقها. ولولا لجوء أميركا إلى حلف الأطلسي، وتوسعته، وتفعيله، لهبطت إلى مستوى نصف ما هي عليه الآن.

    ولكن ما هو مدى تأثر الدولار من الأزمات المالية الحادة التي حدثت في العالم؟ أزمة جنوب شرق آسيا، ثم أزمة البرازيل، والأزمة الروسية المستفحلة التي استعصت على أي علاج؟ كما يمكننا القول إن أميركا اللاتينية، في معظمها، تعيش أزمات مالية واقتصادية!؟ نضيف إلى ذلك الأزمات الحادة التي أصابت الدولار نفسه بشكل خاص، والاقتصاد الاميركي بشكل عام، والمرض المزمن الذي أصاب ميزان المدفوعات الأميركي، منذ عقد الستينات حتى اليوم، مع التذبذب في الميزان التجاري بين دولة وأخرى، أو منطقة وأخرى.

    كل هذه الأحداث، وهذه الهزات، وهذه الأزمات، ما مدى تأثيرها على الدولار الذي لا يزال يتربع على عرش المبادلات والتحويلات المالية؟ ولا يزال يعتبر هو قاعدة الصرف النقدية بين جميع العملات في العالم؟؟؟

    إن أميركا سخرت قوى عديدة، وعوامل، ووسائل شتى، واتخذت إجراءات كثيرة، حافظت بها على هيبة الدولار، ومكانة الدولار، وقوة الدولار. وإن كان هو في ذاته يترنح، وكأنه ينتظر الضربة القاضية التي تطيح به عن عرشه، وبالتالي يطاح بدولة الدولار ذاتها.

    أما العوامل والوسائل والإجراءات، التي تلجأ أميركا إليها، لتثبيت الدولار، والحفاظ على هيبته، ومكانته فهي:

    أولاً: صندوق النقد الدولي: حيث يستقطب الصندوق دول العالم، وهي الدول الأعضاء الموقعة على اتفاق بريتون وودز، والتزامها بقوانينه وشروطه. وهي الدول ذاتها التي وقعت على اتفاقية البنك الدولي وشروطه.

    ولما كان العالم ينقسم إلى دول غنية وصناعية، ودول فقيرة نامية، كان لا بد أن تعيش الدول الفقيرة النامية تحت رحمة الدول الغنية. فقد وجدت هذه الدول ابتداءً على شكل لا تستطيع معه العيش بذاتها. فقد أغرقت بالديون إلى الحد الذي التهم ويلتهم إجمالي إنتاجها المحلي، سواءً الإنتاج الغذائي، أو الإنتاج الاستهلاكي الآخر. فعاشت وتعيش على الديون المتتابعة المتراكمة، ويتبع هذه الديون الحمل الثقيل الذي يقصم الظهر وهو جدولتها. فتصبح عاجزة عن سداد الفواتير لهذه الديون، لا بل تتضاعف وتتضاعف، والجدولة مستمرة، والإنتاج المحلي وغير المحلي لا يفي بجزء يسير من فوائد هذه الديون (الربا). فتبقى هذه الدول في عجز دائم في ميزان مدفوعاتها، وفي اضطراب دائم في ميزانها التجاري. هذا مع عيش الكفاف، وأقل من الكفاف، أي تحت خط الفقر. فتتولد عندها المشاكل الداخلية، وتأخذ في المعاناة من هذه المشاكل، فتتسع الهوة بين الحاكم والمحكوم، وتتحول هذه الدول إلى دكتاتوريات، لا تلتزم بقانون، ولا تعرف للقوانين معنى. فيهب صندوق النقد الدولي لمعالجة ميزان المدفوعات، وإنقاذ اقتصاد البلد، ولكن بماذا؟؟؟ بفرض شروط وإجراءات تتعلق بالإصلاح الاقتصادي، ولكن على حساب الشعوب الكادحة. وتتلخص شروطه ومتطلباته في:

    1) زيادة الضرائب.

    2) رفع الدعم عن كثير من المواد الضرورية.

    3) زيادة الأسعار.

    4) فرض ضرائب إضافية مثل ضريبة المبيعات.

    5) تخفيض سعر النقد المحلي.

    وإجراءات أخرى كثيرة. فيكون صندوق النقد الدولي بذلك قد أغرق البلد، وأنهك قواه، وفرض عليه الدولار فرضـاً، ليصول ويجول دخولاً وخروجاً. وهكذا يكـون العمـل مع كل الدول النامية الفقيرة. وبذلك تكون قوة الدولار خارج بلده أكبر منها في بلده نفسه.

    ثانياً: ثم لجأت أميركا إلى أمر آخر، فرضته الآن على الدول صاحبة الفائض في ميزان مدفوعاتها وهو: حقوق السحب الخاصة.

    إن جميع النشاطات الاقتصادية تدخل في مجال عمل صندوق النقد الدولي. وتمتد آثار قراراته لتشمل جميع دول العالم. ويكون تدخله هامشياً أحياناً، كما هو بالنسبة للدول الاشتراكية – هذا قبل تفتيت الاتحاد السوفييتي، ويكون شديد الأهمية أحياناً أخرى، بالنسبة للدول النامية. حيث يمسك الصندوق أهم مفاتيح السياسة الداخلية والخارجية، ويفرغ استقلال هذه الدول من جوهره الحقيقي ليحوله إلى مجرد استقلال نظري أجوف، ويدخلها في إطار نظام التبعية. ولنعد قليلاً إلى الحرب العالمية الأولى، فقد دفعت نفقات تمويلها الدول الاستعمارية، لطبع كميات من النقود الورقية، دون وجود تغطية ذهبية لها. وبالتالي كان لا بد من إيجاد حل شامل للأزمة النقدية في هذه الدول. فقررت الاجتماع في جنوة الإيطالية سنة 1922 وقررت استبدال نظام الذهب (القاعدة الذهبية) بنظام جديد هو (قاعدة الصرف بالذهب)، أو الصرف الذهبي، أو معيار الصرف الذهبي. ويقضي هذا النظام بإمكانية تغطية الإصدار الورقي المحلي بنقود قابلة للتحويل بالذهب، عوضاً عن التغطية الذهبية المباشرة. وهذا ما تم تطبيقه على المستعمرات. حـيـث قامـت الدول الاسـتعماريـة، عـن طـريــق هذا النظام، بعملية نهب وسرقة للاحتياطيات النقدية لمستعمراتها. فاستبدلت ذهباً بنقود ورقية لا تمتلك تغطيتها الذهبية، لمجرد أنها أطلقت على عملاتها اسم (العملات الصعبة). وهنالك ظهرت الكتل النقدية.

    أما علاقات الدول الاستعمارية ببعضها، فإن مؤتمر جنوة قدم حلاً لمشكلة عجزها عن تغطية عملاتها بالذهب، وتأمين ثبات أسعار الصرف. حيث قرر المؤتمر أن المصارف المركزية لا تقوم بتغطية، وتبديل عملاتها، بما يعادلها من الذهب، إلا لحساب المصارف المركزية للدول الأخرى.

    وهذا النظام النقدي الذي قام على ميزان القوى العسكرية السياسي، سرعان ما وجد نفسه في مواجهة عدم توازنه مع الآليات الاقتصادية، التي تعبر عن الحاجة لنقود تحمل قيمتها، أو تعبر فعلاً عن قيمة حقيقية. وهكذا انهار النظام النقدي الدولي، تحت ضغوط الأزمة الاقتصادية سنة 1929. حيث أعلنت بريطانيا وقف تبديل الإسترليني بالذهب، ثم تبعتها بقية الدول الاستعمارية، وتم تخفيض أسعار صرف (العملات الصعبة).

    وبدأت مرحلة من الفوضى النقدية، استمرت حتى الحرب العالمية الثانية، حتى انعقد مؤتمر بريتون وودز سنة 1944. وكانت قراراته قد صيغت تحت تأثير قوى عسكرية وسياسية جديدة. فميزان القوى العسكري السياسي الجديد هو الذي كان له التأثير الكبير في اتفاق بريتون وودز. فأن يصدر نظام نقد دولي جديد بقرار سياسي، وينتهي نظام نقد دولي سابق بقرار سياسي، لهو التحكم والاستبداد. ومن هنا تأتي الأزمات، وتأتي المعاناة، وتتسع الفوارق الطبقية، ويحيط الفقر بخناق آلاف الملايين من البشر، ويبدأ النهب والسرقة لثروات الدول النامية.

    أزمة الثلاثينات:

    أصيب اقتصاد الولايات المتحدة الأميركية بضربة قاتلة سنة 1929، وامتد لهيبها حتى أصاب العالم بأسره. عندئذٍ بادرت الدول ذات الشأن الاقتصادي والمالي باتخاذ إجراءات وقائية. فأصدرت في 13/7/1931 قراراً بمنع إخراج الماركات خاج حدودها، وصادرت جميع العملات الأجنبية والذهب الموجود لدى مواطنيها، ثم رفضت تبديل الماركات بالذهب، وأصبحت الحكومة هي التي تحدد سعر صرف العملات، عوضاً عن المصرف الألماني المركزي.

    وبتاريخ 30/9/31 قررت الحكومة البريطانية وقف تبديـل الإسـتـرليـنـي بالذهـب، وتقـويـم سـعـر صرفه تجاه بقية العملات في الأسواق المالية، ومباشرة قامت جميع المستعمرات البريطانيـة باتـخـاذ نفس الإجـراءات.

    وبين شهري كانون أول وتموز 1932، قررت اليابان تعويم صرف الين، وفرضت مبدأ مراقبة الصرف، ثم جمدت تبديل الين بالذهب.

    وفي سنة 1934 ألغت الحكومة الأميركية إبدال الدولار بالذهب، وسحبت جميع القطع الذهبية من التداول، وخفضت قيمة الدولار بنسبة 41%.

    وفي 1935 تخلّت بلجيكا ولوكسمبورغ عن تبديــل عملتـها بالذهـب.

    وفي 1936 أعلنت فرنسا، وهولندا، وإيطاليا، وسويسرا، عن وقف إبدال عملاتها بالذهب.

    الفترة 1939- 1944 تدمرت اقتصاديات دول أوروبا الغربية، والاتحاد السوفييتي واليابان، نتيجة الحرب العالمية الثانية، وتدفقت كميات هائلة من الاحتياطيات الذهبية نحو الولايات المتحدة تسديداً لثمن مشتريات عسكرية، أو هرباً من جحيم الحرب، حيث أصبحت الولايات المتحدة تمتلك ثلثي الاحتياطي العالمي من الذهب. إلا أن الدولار لم يكن عملة دولية، لأن واشنطن لم تكن تمتلك مستعمرات، تفرض عليها استعمال نقدها، وتكوين كتلة نقدية للدولار، مثلما حصل بالنسبة للإسترليني.

    لا يوجد هناك تحديد للفترة التي تركز فيها نظام نقد دولي ابتداءً، ولكن من المعروف، منذ القدم، أن الذهب كان هو المرجع في كل المعاملات التجارية والمالية، وهو المعدن الذي يتخذ للادخار أو الكنز، وهو المعدن الذي تقوَّم به الأثمان كما تقوَّم به أجور الخدمات. وهكذا كان الملوك، والأباطرة، وكبار رجالات المجتمع، من أمراء، وقوّاد، وكبار السياسيين، يتسابقون إلى اقتناء هذا المعدن الثمين، والتكثير منه ما أمكن. ولكن بداية القرن التاسع عشر كانت فترة تركز، لاستعمال هذا المعدن من حيث المبادلات التجارية، أو التحويلات المالية والنقدية، أي الصرف والأثمان والأجـور. فسـار العالم على نظام (القاعدة الذهبية)، ولم يكن هناك أية أزمات مالية ولا انتكاسات اقتصادية؛ لأن كل دولة التزمـت بأن تـتخذ من الذهب معيـاراً محدداً، تلتـزم به في إصدارها لأوراق البنكنوت البديلة سواءً منها الدولار أم الإسترليني أم الفرنك أم المارك أم الين. ولكن مردّ كل هذه الأنواع من العملات إلى الذهب. فالتعامل هو أصلاً بالذهب، ولكن هذه الأوراق عبارة عن بديل، مقدر بمقدار معين من الذهـب، مغـطى بـه .

    مجلة الوعي
    http://www.al-waie.org/


    [يتبع]
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-09-14
  11. تلميذ الزمن

    تلميذ الزمن عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-12-10
    المشاركات:
    1,669
    الإعجاب :
    0
    موضوع رااااااائع جدا جدا جدا

    عرفت فيه اشياء كثيرة عن نظام النقد

    ونظرا لان الموضوع طويل جدا فأني قرات الجزيئن وهما رائعان جدا

    وجاري قراءة بقية الموضوع

    اشكرك جدا اخي
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-09-15
  13. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0

    مرورك الأروع اخي الفاضل

    و اشكر لك حسن تفاعلك مع الموضوع

    مع خالص التحية
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-09-15
  15. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    نظام النقد الدولي (4)

    تاريخ تقويم العملات المؤثرة في العالم



    تم اعتماد آلية مراقبة الصرف وتثبيته، على ضوء تحديد قيم أغلب العملات المستخدمة في التبادل الدولي كما يلي:

    1- الجنيه الإسترليني:

    تم تحديد قيمة الجنيه بوزن (7.988) غرام من الذهب، بموجب قانون صدر بتاريخ 22/6/1816. وكان الإسترليني يحتل المرتبة الأولى بين عملات التجارة العالمية، بنسبة 21% من إجمالي مدفوعات التجارة الدولية عام 1900.

    2- الفرنك الفرنسي:

    تحددت قيمته بوزن (322.58) ملليغرام ذهب، بموجب قانون صدر بتاريخ 10/4/1802. وكان يحتل المرتبة الثانية بنسبة 8% من التجارة الدولية سنة 1900.

    3- المارك الألماني:

    تم تحديد قيمته بوزن (398.2) ملليغرام ذهب، بموجب قانون صدر بتاريخ 9/8/1873. ولم يكن المارك يلعب دوراً مهماً في التجارة الدولية.

    4- الروبل الروسي:

    تحددت قيمته بوزن (744) ملليغرام ذهب، بموجب الأمر الإمبراطوري الصادر سنة 1897. ولم يكن الروبل يلعب دوراً خارج حدود الإمبراطورية القيصرية.

    5- الدولار الأميركي:

    بعد تقلبات عديدة، تحددت قيمة الدولار بوزن (1.5) غرام ذهب، بموجب القانون الصادر بتاريخ 14/3/1900 والمعروف باسم (ميثاق المعيار الذهبي). ولم يكن الدولار يلعب أي دور على المستوى العالمي، نظراً لعدم وجود مصرف مركزي (تأسس مصرف الاحتياط الفيدرالي سنة 1913).

    سار العالم، طيلة فترة القرن التاسع عشر حتى بداية الحرب العالمية الأولى سنة 1914، وهو ملتزم بنظام (القاعدة الذهبية)، وما يتعامل به من أوراق قانونية تصدرها المصارف المركزية هي أوراق نائبة، أو بديلة عن ذهب هو غطاء لها 100%. حتى إنه كان لهذه الدول مسكوكات ذهبية مقدرة بمقدار معين، ونسب ثابتة لباقي مسكوكات الدول الأخرى، كما ذكر سابقاً.

    فنظام النقد الدولي، وهو قائم على الذهب، لا يعترف بهوية معينة. وليس له وطن معين ينحاز إليه. فهو قائم على الحيادية وعدم التحيز. فليس هناك مجال لأن تحدث أزمات اقتصادية، ولا مشاكل مالية أو نقدية. فالكل يسعى لتوفير ما أمكن من هذا المعدن الثمين ليكون لديه رصيد يقوّي به اقتصاده، ويغطي به أوراقه القانونية الورقية المتداولة.

    ولما بدأت الحرب العالمية الأولى، واتسع نطاقها، واتسع نطاق متطلبات المجهودات الحربية والنفقات العسكرية، خرج الأمر عن إطاره المعتاد، وبدأت الدول في إصدار نقد ورقي قانوني إلزامي، وبكميات هائلة جداً تتساوى مع حجم النفقات الحربية؛ فانفرط عقد نظام النقد الدولي؛ لأن كل إمكانيات الدول المتحاربة قد سخّرت لهذه الحرب، وغدت وقوداً لها.

    ولما انتهت الحرب العالمية الأولى، وحاولت الدول المنتصرة الإفاقة من هذه المحنة المدمرة، وأخذت تلمّ شعثها. فانعقد مؤتمر جنوة الآنف الذكر للدول الكبيرة، وبحثوا فيه ضرورة العودة إلى نظام (القاعدة الذهبية). ولكن الانضباط حسب هذه القاعدة يحتاج إلى لملمة جميع الأطراف، ثم الاتفاق على معايير وقواعد تعود بها المياه إلى مجاريها. فإذا بالعالم يصطدم بكارثة اقتصادية، وأزمة مالية مدمرة هي أزمة 1929، التي ابتدأت من أميركا، حتى دمرت اقتصادها بالكلية، ثم اتسعت حتى عمّت العالم بأسره، وبقيت هكذا مستعصية على أي علاج حتى بدأت الحرب العالمية الثانية.

    كان الذهب، في يوم من الأيام، يدرج في عداد النقود السلعية. وعبارة النقود السلعية تعني: الماشية، الحبوب، الاسماك المجففة، وسبائك الشاي، وغيرها. فإذا أخذنا الماشية، وسلخنا عنها صفة النقدية، تبقى قيمتها قائمة، لأنها قادرة على إشباع حاجة أساسية عند الإنسان. ولكن إذا أخذنا الذهب، ونزعنا عنه صفة النقدية، فإنه حينئذٍ ينحدر إلى أهبط المستويات، حيث إنه لا يشبع في ذاته حاجة عند الإنسان.

    كان الدولار، ابتداءً من سنة 1946، عندما بوشر العمل باتفاق بريتون وودز، مغطى بالذهب بنسبة 100% وبقي كذلك حتى سنة 1960. وهذا يعني أن أصحاب الأرصدة من الدولارات إذا أرادوا تبديله بالذهب بالسعر الرسمي، استناداً إلى بنود الاتفاقية المذكورة، فإن الولايات المتحدة تستطيع تأمين ذلك بسهولة.

    وهكذا سار نظام النقد الدولي، طوال الفترة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى نهاية الخمسينيات، سيراً حسناً. وهذا يرجع إلى الأسباب التي جعلت من الدولار الأميركي نقداً قوياً ثابتاً، لا يمكن أن يُشكّ في قيمته. واستقر الدولار. واستقرار قيمة الدولار، وثقة المجتمع الدولي به، معناه استقرار نظام النقد الدولي، على اعتبار أنه الأساس، بيد أن كل شيء له نهاية.

    لقد انقلب الوضع رأساً على عقب، منذ نهاية الخمسينيات وأوائل الستينيات، حتى أخذت الأزمات والاضطرابات النقدية تتعاقب. فما هي الأسباب يا ترى؟؟؟

    الأزمات النقدية الحادة بدأت بالانفجار فعلياً من 1967، ثم تعاقبت بعد ذلك. لكن بوادر الاضطرابات أخذت في الظهور منذ نهاية الخمسينات. وبالتحديد في مطلع 1958.

    خسرت الولايات المتحدة من أرصدتها الذهبية، في الفترة الممتدة من شهر كانون الثاني 1958 إلى شهر كانون الأول 1960، خمسة مليارات دولار. إذ كان حجم هذه الأرصدة سنة 1958 (22.8) ملياراً من الدولارات، فانخفض في سنة 1960 إلى (18.8) ملياراً. ويعود السبب في ذلك إلى أن كمية الدولارات في الخارج، رسمية كانت أو خاصة، ازدادت بنسبة محسوسة. حيث أخذت السلطات النقدية المسؤولة في العالم تلمس تراكم العجز في ميزان المدفوعات الأميركي. وعندئذٍ بدأت الثقة بالدولار تتضعضع، مما أدى إلى زيادة الطلب على الذهب. فأخذ الأفراد يسارعون إلى اكتناز الذهب. كما أخذت المصارف المركزية تطلب من الولايات المتحدة الأميركية تبديل قسم من أرصدتها بالذهب، وأخذت تسدد عجز ميزان مدفوعاتها بالدولار فقط دون استعمال الذهب (وهنا تكمن الخطورة). وقد بلغت أزمة الذهب أشدّها سنة 1960، عندما أخذت بعض المصارف المركزية تضاعف طلبها على الذهب، من الولايات المتحدة الأميركية، ومن سوق لندن أيضاً.

    ويمكن القول أنه، لأول مرة منذ 1954، وصل الطلب على الذهب مستوى لم تعد كميات الذهب المستخرجة جديداً تكفي لتلبيته. وهكذا ارتفع الذهب في 20 تشرين الأول 1965 من (35) دولاراً للأونصة، حسب بريتون وودز، إلى (40) دولاراً. ما يفيد أن الثقة بالدولار الأميركي قد فقدت، وفقدان الثقة بالدولار يعني تضعضع نظام النقد الدولي. فاضطرت الولايات المتحدة، أمام هذه الأحداث الخطيرة، إلى التحرك. وأعلنت أن باستطاعة مصرف بريطانيا أن يحصل على الذهب من الولايات المتحدة، من أجل عرضه للبيع في سوق لندن، لتثبيت السعر عند مستوى (35) دولاراً للأونصة. إلا أن تصريح الولايات المتحدة هذا لم يستطع تهدئة الأوضاع؛ لذا طلبت معونة البلدان الرئيسية في العالم من أجل معالجتها. وبذلك تم إنشاء (مجمع الذهب).

    حقوق السحب الخاصة:

    عندما قاربت المرحلة الثانية في سلسلة (نظام النقد الدولي) على الانتهاء، وهي مرحلة الصرف بالذهب، حاملةً معها مآسي وأزمات مالية حادة، رأت أميركا – كما رأى كثير من الخبراء الاقتصاديين – أنه لا بد من الانتقال إلى مرحلة جديدة تنقذ الاقتصاد الأميركي من الأزمات التي تردّى فيها، وتعيد للدولار عافيته؛ لأن نظام النقد الدولي الحالي يومئذ كان من إفرازات اتفاقية بريتون وودز. وقد رأت أميركا أن هذا النظام يثقل كاهل الاقتصاد الأميركي، ويوقع دولارها واقتصادها في ورطة لا تستطيع الوقوف أمامها، وهي الصرف بالذهب، أي صرف الدولار بالذهب؛ لأن هذه الوظيفة أوكلت للدولار وحده. فلما اتسع نطاق إصدار النقد الورقي الإلزامي، وكانت المصارف المركزية العالمية ملتزمة بضمان حمايته، وتسهيل عملية صرفه، بموجب الصلاحية التي منحتها المصارف المركزية العالمية، المرتبطة بشروط صندوق النقد الدولي، عند التوقيع على اتفاقية بريتون وودز، أرادت أميركا كسرها وإلغاءها، فقامت بعدة إجراءات علاجية كمقدمة للتخلص من نظام النقد الدولي. ومن أهم هذه الإجراءات، الإجراء الذي دخل حيّز التطبيق العملي في أول 1970، ويعرف باسم «حقوق السحب الخاصة» أو كما يطلق عليه في بعض الأحيان «الذهب الورقي». وكان الهدف من هذه الإجراءات أن تجعل من الدولار النقد الدولي بكل ما في هذه الكلمة من معنى؛ لتتخلص من التزامها باستبدال الدولار بالذهب، وينتهي شيء اسمه الذهب من المعاملات المالية والتجارية، ويوضع نظام الصرف بالذهب على الرفّ، كما وضع من قبله نظام القاعدة الذهبية، في نهاية الحرب العالمية الثانية بموجب اتفاقية بريتون وودز.

    كان احتياطي أميركا الذهبي قد وصل إلى حالة الذوبان، ولكثرة الأوراق الدولارية المبعثرة والمنتشرة في أنحاء العالم، كثر الطلب على استبدال الدولار بالذهب وبخاصة من قبل فرنسا أيام ديغول وبعده.

    أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية، اقتضت ظروف ومتطلبات ونفقات الحرب رحيل الأرصدة الذهبية، من دول أوروبا الغربية وغيرها إلى الولايات المتحدة الأميركية. وما انتهت الحرب العالمية الثانية إلا وخزائن دول الحلفاء خاوية من الأرصدة الذهبية؛ لأنها في معظمها انصبّت في خزائن المصارف المركزية والخزينة الأميركية. فما كان من أميركا إلا أن عمدت إلى وضع قاعدة جديدة لنظام النقد الدولي، كسرت بها القاعدة الذهبية، ووضعت بدلها، بموجب اتفاقية بريتون وودز، قاعدة الصرف بالذهب، وجعلت من الدولار مرجعاً دولياً، يصرف بموجبه معيارٌ متفقٌ عليه وهو (35) دولاراً لكل أونصة من الذهب، يتعهد المصرف الفدرالي الأميركي باستبدالها وصرفها. وأخذ الاقتصاد الأميركي في النمو والاتساع طيلة فترة الخمسينيات، لأن أميركا نصبت نفسها سيدةً لهذا العالم. فأخذت على عاتقها بناء ما تهدّم، وأغدقت المعونات والمساعدات على ما سمي بالدول النامية، والتزمت بإنشاء أحلاف عسكرية، وبناء قواعد عسكرية في معظم أرجاء العالم، وأفرطت في تطوير السلاح النووي والصاروخي، وتبنّت خطة غزو الفضاء. فاقتضى ذلك منها أن تطبع من الدولارات ما يفوق الحصر، وتاهت هذه الدولارات في الأرض شرقاً وغرباً، وكانت تسمى بالدولارات الضائعة.

    ولكن اتفاقية بريتون وودز تلزمها باستبدال الدولارات بالذهب، وفي بداية الستينيات كانت قد انتهت فترة ازدهار الاقتصاد الأميركي، وظهر العجز في ميزان مدفوعاتها، وأخذ يزداد ويتفاقم، فبدأت الأزمات الاقتصادية.

    كان من المعلوم يومئذ أنه يوجد هناك رأيان على الصعيد الدولي: رأي تتزعمه الولايات المتحدة الأميركية، ومن ورائها بريطانيا، وهو أن حجم السيولة الدولية غير كافٍ، ويجب العمل على زيادته لتأمين حاجة النشاط التجاري الدولي. والرأي الثاني تتزعمه فرنسا، وهو على النقيض تماماً من الرأي الأول، حيث يرى أن حجم السيولة الدولية يمر في حالة فائض، الأمر الذي يسبب الاضطرابات النقدية الدولية.

    ولكن انتصر الرأي الأول، فكان لا بد من إصلاح الوضع، بالقضاء على عجز ميزان المدفوعات الأميركي، الذي يعتبر من المصادر الهامة للسيولة الدولية. وقد آل هذا الانتصار إلى خلق عنصر جديد من عناصر السيولة الدولية، وهو حقوق السحب الخاصة. ويرى البعض أن خلق هذا العنصر الجديد المبتدع لا يرمي فقط إلى زيادة حجم السيولة الدولية، وإنما أيضاً إلى إزاحة الذهب من الصعيد الدولي، وإحلال الدولار مكانه. وهذا ما تسعى له أميركا. وقد تثبت هذا الوضع بعد إعلان نيكسون مبادئه الاربعة يوم 15/8/1970.

    ومن أجل تطبيق هذه الفكرة عملياً، كان لا بد من أخذ موافقة الدول المعنية عليه. ففي الاجتماع الذي عقدته البلدان الأعضاء، في نادي الدول العشر في 28/8/67، عرضت هذه الخطوط على الجمعية العامة لصندوق النقد الدولي، خلال اجتماعها في ريو دي جانيرو في شهر ايلول 1967، حيث قرر المجتمعون أولاً – وذلك تحت ضغط الدول الأوروبية – أن عملية إصدار هذا العنصر يجب أن تجري بموافقة 85% من عدد أصوات الدول الأعضاء في الصندوق؛ ولأن الدول الأوروبية الاعضاء في السوق تستطيع أن تحول دون إصدار كمية من حقوق السحب هذه لأنها تمتلك من هذه الناحية حق النقض (الفيتو). مع العلم أنه في اتفاقيات بريتون وودز كانت الولايات المتحدة وحدها تملك هذا الحق بالنسبة إلى القرارات النقدية المهمة. كما نصت الاتفاقية على أن حقوق السحب هذه هي تسهيلات نقدية إضافية، أي إنها عنصر مساعد لعناصر السيولة النقدية التقليدية. إذ لا يلجأ إلى استعمالها إلا إذا اقتضت الحاجة، أي إذا لم يعد حجم هذه السيولة يكفي بسبب الطلب عليه. هذا يعني أنه لا يمكن استعمال العنصر الجديد، إلا ضمن شروط وظروف محددة، أي خلافاً للعنصر السابق، وهو حقوق السحب العادية.

    أما بالنسبة لتسديد حقوق السحب الخاصة، فقد ورد في الاتفاقية أن البلد الساحب، أي البلد المدين، مجبر على تسديد 30% فقط من قيمة قرضه. أما الـ 70% الباقية فإنه ليس مجبراً على تسديدها، أي إنها تبقى معلقة في الهواء بدون تسديد. وهذا البند الجديد يقتصر حق استعماله على البلدان المدينة فقط، وهي صاحبة العجز في ميزان المدفوعات. وبذلك لا يحق للبلدان الدائنة صاحبة الفائض اللجوء إلى استعمال الحق المذكور، ولا يحق استعمال هذا العنصر إلا في حالة المديونية.

    ولقد وضع سقف – أي حدّ أعلى – لحقوق السحب هذه، أي وضعت الاتفاقية سقفاً للمقدار الذي يستطيع أن يسحبه بلد مدين على بلد دائن، أي في حالة فائض. لكن البلدان صاحبة الفائض هي التي تقوم بتمويل عمليات السحب، وليس الصندوق. وأما السقف، أي الحد الأعلى للسحب، فيجب ألا يتعدى، بأي حال من الأحوال، ثلاثة أضعاف حصته من حقوق السحب العادية. فلو فرضنا أن حصة فرنسا من حقوق السحب هذه هي (100) مليون دولار، فإنه لا يمكنها أن تسحب عليها أكثر من (300) مليون دولار.

    وهناك ظاهرة أخرى تنص عليها الاتفاقية، وهي أن صندوق النقد الدولي له الحق وحده في تحديد نوع النقود التي يراد سحبها. ولذلك لا يترك للبلد الساحب حق اختيار النقد الذي يريد سحبه. ويلاحظ هنا أن هناك فرقاً بين حقوق السحب الخاصة، وحقوق السحب العادية. ففي الأخيرة يحق للبلد الساحب اختيار النقد الذي يرغب فيه، بخلاف حقوق السحب الخاصة، حيث إن الصندوق هو الذي يقرر نوع النقد الذي يراد سحبه.

    هذه هي الخطوط العامة لاتفاقية حقوق السحب الخاصة، التي وافق عليها القسم الساحق من البلدان الأعضاء، فيما عدا البلدان الغنية المصدرة للنفط مثل العراق، والكويت، وليبيا والسعودية؛ لأنها تملك كميات كبيرة من القطع الأجنبي، أي إنها في حالة فائض دائمة. وعلى كلٍٍ فقد دخل نظام حقوق السحب الخاصة الميدان العملي بتاريخ 1/1/1970.

    أما طبيعة هذا العنصر وهو حقوق السحب الخاصة، فإنه لا يحق استعماله إلا في حالة حدوث عجز في ميزان المدفوعات، فهو في حقيقته قرض، أو بتعبير أدق هو عبارة عن فتح اعتماد للبلد الساحب لدى صندوق النقد الدولي. وهو في طبيعته لا يختلف عن طبيعة الاعتمادات التي تفتحها المصارف التجارية لزبائنها من الشركات التجارية.

    ولكن من أين يأتي صندوق النقد الدولي بالأموال اللازمة لذلك؟ طبعاً هو لا يقرض من أمواله الخاصة، وإنما من الاشتراكات التي دفعتها إليه البلدان الأخرى. وبعبارة أخرى يقتصر دور الصندوق على كونه يلعب كهمزة وصل، بين البلدان صاحبة الفائض التي تقدم الاشتراكات، والبلدان صاحبة العجز التي تقترضها.

    حقوق السحب العادية نصت عليها اتفاقية بريتون وودز عند إنشاء صندوق النقد الدولي، وبموجبها يحق للبلد الساحب أن يختار النقد الذي يريد اقتراضه، ويجب عليه تسديد المبلغ المسحوب بكامله في الأوقات المحددة.

    أما حقوق السحب الخاصة فجاءت لاحقة في اتفاق جديد، بعد مضيّ أكثر من عشرين عاماً على تأسيس الصندوق. وهي خاصة للدول ذات العجز في ميزان المدفوعات، كما أنها لا تملك حرية اختيار النقد الذي تريد اقتراضه. وأما تسديد المبلغ المسحوب، فيجبر البلد المدين على تسديد 30% من المبلغ، في حين تذهب 70% الباقية مع الهواء.

    في الفترة التي كانت المناقشات دائرة حول وضع بنود حقوق السحب الخاصة، كان العجز في ميزان المدفوعات الأميركي حوالي (20) بليون دولار. فكان التشديد ظاهراً في موقفها حيال إقرار تسديد 30% فقط، وأما الـ70% الباقية فإنها تذهب في الهواء، أي لا تلزم الدولة المستفيدة من حقوق السحب هذه بدفع أو تسديد ما فوق 30% من المبلغ المقترض.

    لقد ظهر خلاف عندما أريد تحديد كمية حقوق السحب الخاصة، التي يجب أن تصدر. فالولايات المتحدة الأميركية، على اعتبار أنها في حالة عجز بنياني، أرادت أن يصدر في كل عام (5) مليارات دولار ولمدة (5) سنوات. أما ألمانيا الغربية، وبلدان أوروبا الشمالية – على اعتبار أنها في حالة فائض دائم – فقد حاولت الحد من إصدار ههذ الكمية. وبعد مناقشات طويلة وشاقة، تم الاتفاق على أن يصدر بصورة تدريجية كمية تبلغ (9.5) مليار دولار في مدة 3 سنوات (3.5 مليار خلال 1970، و3 مليار خلال 1971، وتصدر الكمية المتبقية أي ثلاثة مليارات دولار خلال 1972).

    ما هي الأسباب التي استند إليها تحديد هذه الكمية وهي 9.5 مليار دولار دون سواها؟

    ظاهرياً لا يوجد أي أساس لذلك، وإنما كان حصيلة المناقشات والمفاصلات التي جرت بين الفريقين.

    ولكن بواطن الأمور وخفاياها تشير إلى غير ذلك. وهذا الحال يعيدنا إلى سعر الذهب وإلى حجم الأرصدة الذهبية في العالم.

    كان سعر الذهب الرسمي في ذلك التاريخ (35) دولاراً للأونصة الواحدة من الذهب. ولم يكن يوجد إلا سعر واحد للذهب. ولكن بعد إيجاد السوق الحرة أصبح يوجد له سعران: السعر الرسمي وهو (35) دولاراً والسعر الحر وهو (44) دولاراً للأونصة.

    فتكون كمية السحب المحددة المذكورة وهي (9.5) مليار دولار، هي كمية الفرق بين السعر الرسمي والسعر التجاري الحر، مع نسبة الأرصدة الموجودة كغطاء. وهذه الدراسة قامت بها المصارف المركزية على ضوء ما لديها من أرصدة ذهبية. فهذه إذن هي في حد ذاتها لعبة، والمستفيد منها أميركا فقط. ومجرى المناقشات الحادة التي تجري بين المجتمعين يبين أن أميركا كانت تريد عدم التسديد بالمرة. حتى إن طريقة التسديد الجزئية هذه التي اتفق عليها وهي (30%) كانت غامضة، إذ تركت لسلطات الصندوق تحديدها.

    ويعتبر بعض المختصين في الاقتصاد الدولي أن عملية حقوق السحب الخاصة هذه ما هي إلا مؤامرة دولية، حاكتها البلدان الغنية ضد البلدان الفقيرة، وسيكون أثرها الرئيسي الإسهام في تعميق الهوّة التي تفصل الآن بين هاتين الكتلتين من البلدان.

    وخلاصة القول إن حقوق السحب الخاصة هي عنصر جديد أضيف إلى عناصر السيولة الدولية السابقة. كما أنها ترمي بصورة صريحة إلى مساعدة البلدان الكبرى، التي تعاني من عجز مزمن في ميزان مدفوعاتها مثل بريطانيا والولايات المتحدة. كما يرى المختصون في هذا المضمار أن الاستمرار في إصداره في الأمد الطويل سيؤدي حتماً إلى إحداث اضطرابات نقدية مهمة. كما أن خلق هذا النظام يعتبر انتصاراً جديداً للولايات المتحدة، التي تسعى إلى استبعاد الذهب من الصعيد النقدي الدولي.

    فحقيقة هذه الحالة الجديدة، وهي حقوق السحب الخاصة، أنها عبارة عن فتح اعتماد جديد في صندوق النقد الدولي. والمستفيد الأول من هذه الحالة هو الولايات المتحدة الأميركية، نظراً لحجم العجز الذي أصاب ميزان مدفوعاتها، ولأن 70% من هذه القروض، وهذا الاعتماد، ستذهب وبدون تسديد. فهي عبارة عن عملية إنقاذ للدولار الأميركي المتعثر. بل هي مقدمة لتفرّد الدولار في ساحة الاقتصاد الدولية، نتيجة تنحية الذهب كلياً عن أن يكون له أية علاقة بنظام النقد الدولي.

    وهذه الاتفاقية في حقيقتها أيضاً هي إجبار البلدان صاحبة الفائض الدائم – كالسعودية – على تقديم كميات مجانية من السلع والخدمات بالإضافة إلى رأس المال إلى البلدان صاحبة العجز .

    مجلة الوعي
    http://www.al-waie.org/


    [يتبع]
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-09-17
  17. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0

    نظام النقد الدولي (5)

    ثم وجدت حالتان أخريان تتعلقان بالسيولة الدولية، وهما:

    1- اتفاقية (سواب) عمليات (سواب). 2- تسهيلات نقدية (أذونات روزا).

    1- عملية الـ (سواب): وهي تبديل نقد وطني بنقد أجنبي، وبتعبير أدق هي: عملية مقايضة بين نقدين. وتجري هذه العملية على الشكل التالي، على الصعيد العملي:

    يأتي مصرف مركزي يعاني من أزمة نقدية صعبة، ويبيع – استناداً إلى اتفاق مسبق – كمية من نقده الوطني إلى مصرف مركزي آخر، فيدفع له قيمتها بالقطع الأجنبي، ويتعهد المصرف البائع، في الوقت نفسه، بأن يعود ويشتري هذه الكمية، بعد مدة محدودة، من المصرف المشتري، بسعر صرف اتفق عليه في البداية. فأولاً: تكون عملية المقايضة، أو عملية التسليف هذه، هي في الواقع عملية مؤقتة، تعقد عادةً لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتمديد.

    وثانياً: هي عملية مضمونة ضد تقلبات أسعار الصرف، وضد تخفيض قيمة النقد، على اعتبار أن سعر الصرف، بين النقدين المتبادلين، قد حدد، واتفق عليه مسبقاً، عند عقد عملية المبادلة.

    وثالثاً: تهدف هذه العملية إلى مساعدة مصرف مركزي اعترضته صعوبات نقدية مفاجئة، وذلك بمدّه ببعض الموارد المالية اللازمة لمواجهتها. ولكن المصرف المركزي، الذي يوافق على مساعدة مصرف مركزي آخر، يتقاضى مقابل ذلك معدل فائدة منخفض هو 2%.

    فالعملية إذن هي عملية ضخ سلفة من بلد يملك أرصدة غزيرة إلى بلد مصاب بعجز خطير في ميزان مدفوعاته، لكي يستطيع هذا الأخير أن يزيد، بصورة اصطناعية، كمية أرصدته النقدية الدولية، لمواجهة الاستحقاقات الملحّة المترتبة عليه. ومن البديهي أنه يجب على البلد المدين أن يسدد، في تاريخ الاستحقاق، قيمة السلفة التي تلقّاها بقطع قوي؛ لذا يوجد بعض الخطر بالنسبة إليه، ولكن هذا الخطر ليس مهماً؛ لأن البلد المعني، إذا لم يستطع تجميع كمية القطع القوي لتسديد قيمة السلفة، فإنه يستطيع طلب تمديدها مرات متتالية. كما إنه يستطيع أن يلجأ إلى عملية (سواب) جديدة لتسديد قيمة العملة الأولى. وشأن ذلك أن يؤول إلى تراكم في التسليفات، يشكل خطراً كبيراً بالنسبة إلى وضع البلد، وحتى بالنسبة إلى الوضع الدولي للنقد. ومن مجريات هذه العملية يتبين أن الانتفاع من هذا المصدر للسيولة الدولية مقتصر على البلدان المتقدمة الغنية. أما البلدان الفقيرة، التي هي في أمسّ الحاجة إلى مثل هذه السيولة لمواجهة مختلف مشاكلها، فإنها لا تستطيع الاستفادة منه، ويعود السبب في ذلك إلى ضعف نقدها، وعدم الحاجة إليه على الصعيد الدولي للنقد.

    كانت شبكة عمليات (سواب 175) في أول ظهورها، أي حوالي سنة 1962، تشمل (12) مصرفاً أوروبياً وكندياً وسويسرياً. ولكنها سرعان ما انتشرت، حتى أصبحت تشمل المصارف المركزية في البلدان المتقدمة كلها، وحتى البلدان التي مانعت في الاشتراك فيها مثل فرنسا التي عادت ووافقت فيما بعد.

    كانت هذه العمليات، في نقطة البداية، تساوي (2.4) مليار دولار، ثم ارتفعت إلى (3.45) مليار دولار. استعمل القسم الأكبر منها لدعم الدولار الأميركي والجنيه الإسترليني. أما الآن، فقد ارتفعت هذه القيمة بنسبة كبيرة جداً. ونذكر، على سبيل المثال، أن مقدار العملات الأجنبية الذي وضع تحت تصرف الحكومة الأميركية، بفضل هذه العمليات، في 9 آذار 1973، بلغ (11.73) مليار دولار.

    2- ومن التسهيلات للسيولة النقدية ما يسمى (أذونات روزا).

    والذي اخترع هذا المصدر الجديد هو الولايات المتحدة الأميركية. وسميت بهذا الاسم استناداً إلى الأمين العام للخزانة الأميركية (روزا) الذي ابتكرها.

    تصدر هذه الأذونات بشكل سندات محررة بنقد البلد الذي يوافق على شرائها، والذي يدفع قيمتها بنقده الوطني. وينحصر استعمالها بين الهيئات الرسمية، أي المصارف المركزية والحكومات.

    وأول استعمال لأذونات روزا كان سنة 1962، حيث باعت الولايات المتحدة الأميركية لإيطاليا كميةً منها، ثم وسعت نطاق بيعها إلى عدد كبير من البلدان، بلغت قيمتها عند نهاية 1964 ما يعادل (1440) مليون دولار. ولهذه العملية أهمية لدى البائع والمشتري. حيث إنها تتيح للبلد البائع زيادة كمية السيولة النقدية لديه بصورة سريعة، أي تساعد على حل مشاكله النقدية. وتسمح للبلد المشتري بتحويل هذه السندات إلى دولارات بصورة سريعة، كما حصل مع إيطاليا، لتزيد حجم أرصدتها من الدولارات، عندما قامت ببيع تلك السندات. وهذه العملية لا يستفيد منها إلا الدول الغنية.

    إن العالم اليوم، بعد ذهاب دولة الإسلام، وسقوط الاشتراكية، يعيش على نظام واحد، من الناحية الاقتصادية والمالية، هو نظام الاقتصاد الحر أو حرية السوق، لا سيما وهو مرتبط من ناحية شكلية بصندوق النقد الدولي. وها هي منظمة التجارة العالمية (الجات) في طريقها إلى أن يرتبط بها كل بلد من بلدان العالم. إن هذه المؤسسات: صندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، وبعض المؤسسات المالية الأخرى، كالنوادي المالية وغيرها، هي من نتاج ممارسات الحرية الاقتصادية بكل سيئاتها. إنّ حيتان الرأسمالية قد اتخذوا هذه الإجراءات، ليتمكنوا من التحكم والسيطرة على المال وشؤون المال. وبحسب قاعدة الغاية تبرر الوسيلة، قاموا بتأسيس مثل هذه المؤسسات ليضفوا المشروعية على تصرفاتهم واحتكاراتهم.

    إن العالم اليوم يخضع لتصنيف معين: تابع ومتبوع، أي دول غنية أو دول صناعية، ودول نامية أو دول متخلفة. وبالتالي فإن هذا يجعل معظم شعوب العالم، أي الغالبية العظمى، تعيش تحت وصاية حفنة من الناس، أو بالأحرى، تجعل الملايين من البشر تنتظر الهبات والصدقات ممن يسمون أنفسهم الدول الغنية. حصلت الحرب العالمية الأولى، وذهب وقوداً لها قرابة عشرة ملايين من البشر. وحصلت الحرب العالمية الثانية، وذهب وقوداً لها قرابة خمسين مليوناً من البشر. ناهيك عن الحروب الجانبية، محلية وإقليمية. ففي القارة الأفريقية، الثورات المحلية التي تقف وراءها مؤامرات الدول الرأسمالية. تحصد الآلاف من البشر حصداً. كل هذا من أجل ماذا؟ تُرى هل هذا من أجل إنقاذ البشرية، وتوفير العيش الرغيد لها؟ أو من أجل اعتناق مبدأ، وتطبيق أحكامه على هذه القطاعات من البشر؟ أو أنه من أجل مصالح ذاتية ورغبات أنانية.

    إنها لتحقيق مصالح الدول الاستعمارية، وإحكام قبضتها على ثروات الدول التابعة لها. ولكي تعطي نهب الثروة سنداً قانونياً، فقد أخذت هذه الدول الاستعمارية تركز قواعد وثوابت تسميها نظماً وقوانين، لتحكم قبضتها على ناصية التابعين. ولنأخذ رأس الهرم وقمة الأمر، وهي الولايات المتحدة الأميركية ومعها الدول السبع الغنية، ونستعرض المؤسسات والهيئات الاقتصادية والمالية، التي يرتبط بها جميع البشر على هذه الكرة.

    لقد تحدثنا طويلاً عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وأتينا إلى المرحلة الأخيرة التي توقف عندها نظام النقد الدولي الحالي. كل ذلك وأميركا تتدرج في هذا المضمار، تسابق الأحداث، وتحول دون عودة الذهب إلى سدة النظام النقدي. وهكذا عملت على إلغاء الذهب نهائياً، وتثبيت الدولار على عرش المال عالمياً. وكم هي الأزمات المالية التي مرت بها الدول الغنية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، حتى جاء دور تنحية الذهب جانباً، وبقي الدولار وحيداً في قمة مكانته، وعندئذ بدأت الأزمات الجماعية!

    كانت الأزمات المالية قبل تحويل صرف الدولار بالذهب تنحصر في الدولة الواحدة بعينها، ثم اتسعت لتشمل مجموعات من الدول، يعدّ سكانها مئات الملايين، مثل أزمة جنوب شرق آسيا، وأزمة البرازيل التي أصاب غبارها معظم القارة اللاتينية، ثم أزمة روسيا.

    عندما يحصل حدث سياسي له تأثير على الأمن والسلام الدوليين، تتحرك هيئة الأمم، ويهرع مجلس الأمن الدولي ليحيط بالمشكلة، ويعالجها بوسائل تخديرية، ليبقي عليها كمشكلة يثيرها أنى يشاء ومتى يشاء، بوضعه مراقبين دوليين، أو قوات سلام دولية، مع تشكيل لجان إغاثة ومعونات ومساعدات، لتبقى المشكلة مشكلة.

    ولكن عندما تحدث مشكلة اقتصادية، فإن علاجها يكون فقط من اختصاص الولايات المتحدة الأميركية؛ لأنها تراهن على التدخل فيها بواسطة صندوق النقد الدولي، حيث إنه المؤسسة التي تحافظ على الدولار، وتدافع عن الدولار، وترعى سلامة الاقتصاد الأميركي من الانتكاسة أو الاعتلال.

    فصندوق النقد الدولي مؤسسة تعنى بشؤون المال والاقتصاد، فهي مؤسسة اقتصادية نقدية مالية. أما عمل هذه المؤسسة فهو عمل سياسي، وإجراءاتها سياسية، وتتحرك في ظروف سياسية، ولأغراض سياسية.

    إن الأحداث العالمية، التي سبقت مؤتمر بريتون وودز، كانت تنذر بالمفاصلة بين عهد قديم، وهو اللهيب الذي التهم معظم العالم، ودمر معظم العمران في العالم، جراء الحرب العالمية الثانية، وبين عهد جديد، زعموا أنه يتوفر فيه الخير والأمن والاستقرار لشعوب العالم، بمقتضى الإفرازات والمؤسسات التي قام عليها بناء العالم الجديد، عالم ما بعد الحرب الثانية .

    مجلة الوعي
    http://www.al-waie.org/


    [يتبع]
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2005-09-19
  19. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0

    نظام النقد الدولي (6)

    العصر الذهبي للدولار قد ولّى

    قلنا إن معظم مخزون الذهب العالمي كان مكدّساً في الولايات المتحدة الأميركية، وذلك أنه جراء الحرب العالمية الثانية الواسعة انهزمت وتحطمت دول، وذابت دول، وتفتتت دول، واتسعت رقعة دول. وجرى اهتبال الفرص، والتطلع إلى تحقيق المكاسب، والانتقال من مكانة إلى أخرى فوقها، حتى اعتلاء عرش العالم، وسقوط دول إلى هاوية الاحتراق.

    فلقد احترقت فرنسا، ودُمرت بريطانيا، واحتُلت أوروبا بكاملها من قبل النازية. وكانت موسكو تتنزل عليها قذائف المدفعية الألمانية كالمطر المنهمر، واليابان تنتقل في انتصاراتها من جزيرة إلى أخرى في المحيطين الهادي والهندي.

    بريطانيا تستصرخ أميركا، وأميركا تنتظر فرصة متربصة حتى حصلت على ما تريد، حيث أخذت توقيعاً من تشرشل رئيس الوزراء البريطاني بفتح مستعمراتها أمام العبور الأميركي. ثم حدثت معركة بيرل هاربر، فأعلنت أميركا الحرب ساعتئذٍ على اليابان وألمانيا وإيطاليا (دول المِحْوَر).

    ثم انتهت الحرب إلى ما انتهت عليه، وخرجت أميركا من الحرب تموج في غناها، وفي تكدس الذهب في خزائنها، فاستطاعت إيجاد نظام الصرف بالذهب، من خلال مؤتمر بريتون وودز، ثم ألغت هذا النظام سنة 1971، وأصبحت الأزمات النقدية الدولية تتلاحق. وأكثر عنصر فاعل في هذه الأزمات هو عجز ميزان المدفوعات الأميركي، وسبب ذلك أن الولايات المتحدة تعتبر مصرفاً دولياً، ومصدراً للنقد الدولي، فإنها إذا ما وقعت في عجز في ميزان مدفوعاتها، فإنها ليست بحاجة إلى سيولة دولية من أجل تغطيته.وإنما تستطيع القضاء عليه بنقدها الوطني. وهذا هو ما تفعله الولايات المتحدة منذ مدة طويلة. فمن الملاحظ أن مصدر السيولة الدولية هو فائض ميزان مدفوعاتها الممثل بالذهب أو بالنقود القوية للتحويل، وصندوق النقد الدولي، والمصارف المركزية الكبرى.

    ونستطيع أن نقول الآن كيف وصلت الولايات المتحدة إلى تكديس هذا العجز الهائل في ميزان مدفوعاتها، والذي هو في الواقع دَيْن عليها؟

    الجواب: إن هذا العجز المتراكم في ميزان المدفوعات الأميركي قد حصل بفعل ميكانيكية نظام النقد الدولي. وتفصيل ذلك:

    إذا حصل عجز في ميزان مدفوعات أي بلد لا يعتبر مصدراً للنقد الدولي، فإنه لا يمكن أن يستمر أكثر من بضع سنوات. وإذا لم يسارع ذلك البلد إلى القضاء على هذا العجز، فإنه يحدث له أضرار نقدية واقتصادية بالغة.

    أما بالنسبة للبلد الذي يعتبر مصدراً للنقد الدولي – أي أميركا – فالأمر يختلف كثيراً. إذ إن هذا البلد ليس مضطراً إطلاقاً للقضاء على عجز ميزان مدفوعاته. لا بل على النقيض، فإنه يستطيع أن يتركه يتراكم مدة طويلة للغاية. والسبب في ذلك هو أنه يستطيع بكل بساطة أن يغطيه بنقده الوطني، على اعتبار أنه نقد شبه دولي، ومقبول في كل مكان، إذ إن كل دولة في حاجة إليه، وهي ليست في حاجة إلى نقد دولة غيرها، ومن البديهي أن الحصول على نقده الوطني ليس عملية صعبة، كما هو الشأن بالنسبة للبلدان الأخرى، التي تضطر، من أجل تغطية عجز ميزان مدفوعاتها، إلى الحصول على الذهب، أو القطع الأجنبي. وعملية الحصول هذه ليست سهلة إطلاقاً. من هنا نرى أنه لا يوجد أي سبب نقدي أو اقتصادي يجبر الولايات المتحدة على القضاء على عجز ميزان مدفوعاتها. فالأمر يتعلق بمصلحتها الداخلية فقط. فإذا رأت أن مصلحتها الداخلية تقضي عليها بإصدار كميات إضافية من الدولارات، فإنها تفعل ذلك، ولا يهمها مطلقاً الآثار السيئة التي يمكن أن تحدث جراء ذلك في الخارج. وما على البلدان الأخرى إلا أن تدبر أمرها وتحتاط. في الأزمة العالمية الكبرى المشهورة، خفضت الولايات المتحدة دولارها في شهر كانون الثاني 1934 بنسبة 40.9%، وقد مر الدولار الأميركي في مرحلة تضخم نقدي فظيعة، ما كان يستدعي تخفيض نقدها. وقد كان يتداخل مع العامل الاقتصادي، في التخفيض، العامل السياسي، وبخاصة من بريطانيا؛ ولذلك فإن أزمة الذهب، وارتفاع سعره الجنوني سنة 1968، قد افتعلتها بريطانيا، بمساندة فرنسا، لضرب الدولار. فبعد أن الغي (مجمع الذهب) اتفق على أن يكون للذهب سعران، عندئذٍ قامت بريطانيا بتخفيض نقدها الإسترليني، إذ كان يعتبر رافداً للدولة، فاضطرت أميركا إلى تخفيض الدولار.

    ومنذ العام 1968 – 1973، وأزمات الدولار متتالية، أشهرها أزمة 1971، حيث لجأ نيكسون إلى إصدار قراراته المشهورة بإسقاط الذهب، وإبعاده عن عمليات التحويل، وتثبيت الأسعار.

    وفي سنة 1972، قامت ألمانيا بامتناع شراء الدولار، ورفعت قيمة المارك إلى ما نسبته 4%، فاضطرت أميركا إلى تخفيض قيمة الدولار إلى ما نسبته 6%.

    وفي سنة 1973، عندما حصلت مضاربات حادة في سوق المضاربات الأوروبية، كانت بريطانيا على رأس المضاربين، فاضطرت الولايات المتحدة إلى تخفيض قيمة الدولار إلى ما نسبته 10%، وكانت بريطانيا حينها قد خفضت نسبة الإسترليني إلى 14% ولندن هي أهم مراكز تجميع الذهب، وسوق عالمي للذهب. ووضع سعرين للذهب يعني الانفلات من صلاحيات صندوق النقد الدولي، وتعريض الدولار إلى تلقي الضربات.

    وإذا تتبعنا النشرة المالية نجد أن تقييم كافة العملات بما فيها الذهب والبترول لا يكون إلا بالدولار. فانخفاض الدولار وارتفاعه لا يحصل عملياً، حيث إنه المقياس الذي تقاس به كافة العملات من حيث ارتفاع أسعارها وانخفاضها، وأما ارتفاع الدولار وانخفاضه، فبأي مقياس نقيسه؟؟

    وحقيقة ارتفاعه وانخفاضه يكون غير مباشر وذلك بالعمل على رفع بعض العملات، فيكون انخفاضه غير مباشر، أو تخفيض بعض العملات فيكون ارتفاعه غير مباشر. ولذلك فإن الاقتصاد الأميركي لا يتأثر بالهزات المالية والاقتصادية، ولا يظهر ذلك عليه إلا في المدى الطويل، فيبقى الدولار في مركزه كقاعدة للتحويل وأساس للصرف مدعوماً سياسياً.

    فصندوق النقد الدولي مؤسسة مالية، ولكن دوره وإن تحرك مالياً في الظاهر، إلا أنه في حقيقته تحرك سياسي. فهو مؤسسة مالية، وعملها سياسي، فهو رافد من روافد السياسة الأميركية في العالم، كما أنه مرجع لكافة المؤسسات المالية الأخرى، كالمصارف المركزية الكبرى والنوادي المالية، وصناديق الإقراض والإنماء، وصناديق الاستثمار والتوفير. كل هذه مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بصندوق النقد الدولي مالياً ثم سياسياً. فعندما حدثت مشكلة تيمور الشرقية مثلاً ورفضت إندونيسيا الموافقة على إرسال قوات سلام دولية، بادر كلينتون على الفور مهدداً بقطع المساعدات والمعونات العسكرية عن أندونيسيا. فتبعه صندوق النقد الدولي مهدداً بإيقاف القروض والمساعدات التي وضعت لإنعاش الاقتصاد الإندونيسي الذي كان قد هبط إلى الحضيض.

    إن الكتلة الأوروبية بوحدتها السياسية والاقتصادية تشكل عامل انفصال أي عامل تحدٍّ (كتلة مستقلة فيها كل مقومات الاستقلالية) إذ استطاعت أن تخرج إلى عالم المال والاقتصاد نقداً جديداً هو اليورو تدعمه سياسياً وإنتاجياً وينساب في تحركه تلقائياً في مناطق عديدة من العالم، وبخاصة المناطق التي تريد أن تتخلص من كابوس الدولار وهيمنة الدولار، بالإضافة إلى الأسواق التقليدية التي تتحرك فيها دول أوروبا بناءً على تواجدها القديم – زمن الاستعمار -.

    وقد ساعد اليورو في منافسته الدولار، ما اعترى ميزان المدفوعات الأميركي من عجز، فقد بلغت تراكمات العجز في ميزان العجز الأميركي، في أوائل شهر كانون الأول 2003، (491) مليار دولار – واستمرار هذا العجز في الزيادة والارتفاع، يؤدي إلى تآكل الدولار، فهذه نسبة الدولار مع العملات الأخرى قد تدنت إلى حد ينذر بكارثة تصيب الدولار، والاقتصاد الأميركي عموماً.

    إن العجز في ميزان المدفوعات هو عبارة عن ديون متراكمة على تلك الدولة، كما إن وجود العديد من المليارات الموزعة في أسواق العالم، وفي مصارف العالم، يعرض الدولار إلى حافة الخطر، لأنه لا يثبت أمام المضاربات المالية.

    وبما أن العالم مرتبط ارتباطاً وثيقاً في معاملاته المالية والتجارية، فإن العصر الذهبي لللدولار قد ولّى، فقد فقدت كثير من الأوساط المالية ثقتها بالدولار، لفقدانها ثقتها بسلامة سير السياسة الأميركية في العالم. كما أن الأوساط المالية والاقتصادية، في كثير من مناطق العالم، تبحث لها عن ملاذ آمن تأوي إليه، لتتقي ضربات التقلبات والأزمات الاقتصادية، الناتجة عن الاضطرابات السياسية الحالية.

    فالأوساط المالية والاقتصادية تنظر إلى الدولار كعدو لها، والمراقبون والمحللون الاقتصاديون يتطلعون إلى عهد جديد، ونظام نقدي دولي جديد، فنظام النقد الحالي لا لون له، فالدولار يتآكل جراء العجز المتراكم في ميزان المدفوعات الأميركي، وموجات التضخم التي يمر بها الاقتصاد الأميركي تضعف قوة الدولار الشرائية، والمضاربات النقدية في الأسواق الدولية تؤدي إلى وقوع الدولار في أزمات متلاحقة، لكثرة الدولارات المنتشرة في العالم (الدولارات الضائعة).

    والنفقات المترتبة على كاهل الميزانية الفدرالية تثقل كاهلها إلى حد ينوء بها الناتج المحلي. إن بنداً واحداً يلتهم الآن نصف الميزانية الفدرالية، وهو بند الإعانات الاجتماعية للمسنين، وفي العام 2003 استهلك هذا البند وحده 75% من الميزانية الفدرالية، ويقول الخبراء إنه سنة 2013 سيأتي على الميزانية برمتها، فكيف بهذه الميزانية، وما يترتب عليها من إنفاق على التسليح العسكري، والإنفاق على غزو الفضاء، والإنفاق على المعونات الخارجية لتثبيت نفوذها؟

    لما كان الدولار متربعاً على عرش المال العالمي، بقي الإسترليني عملة احتياطية، له مساحات يوجد فيها، وهي دول الكومنولث، وهو في حد ذاته يعتبر من العملات الصعبة، يصلح لأن يوضع رصيداً في البنوك المركزية العالمية، وكذلك الفرنك والمارك والين، فهذه تأخذ الأهمية نفسها في اعتبارها عملات صعبة تدخرها البنوك المركزية في خزائنها.

    وإذا أتينا إلى دول الاتحاد الأوروبي، واستقلاليته الاقتصادية، نجد أن زمن الهيمنة الدولارية قد ولّى، حيث ظهر في ساحة المال عالمياً منافس قوي للدولار وهو (اليورو)، وإذا أضفنا إلى كل ذلك الاضطرابات السياسية التي تواجه أميركا نتيجة استراتيجيتها الجديدة في العالم، نجد أن حجم المساحة التي يتحرك فيها الدولار ليست آمنة، بقدر المساحة التي يتحرك فيها اليورو، وكلاهما يتنافسان في حلبة السباق، وهكذا أميطت العالمية عن الدولار، بظهور اليورو أولاً، وفقدان صندوق النقد الدولي لكثير من صلاحياته ثانياً، ثم التطلع إلى العودة إلى قاعدة الذهب ثالثاً، وبخاصة والاتحاد الأوروبي الآن يهيء نفسه لهذا، لا سيما وأن اعتماد اليورو عملة موحدة لدول أوروبا، قد بني على أساس وضع رصيد ذهبي له.

    إذ نصت اتفاقية (ماسترخت) في شباط 1992، في سياق إنشاء العملة الموحدة اعتباراً من سنة 1999، أن انتقال البنوك المركزية الوطنية إلى النظام الأوروبي للبنوك المركزية، برئاسة البنك المركزي الأوروبي، سيترافق بجمع مبلغ مبدئي قدره (50) بليون يورو من الذهب من الدول المشاركة، كما قرر مجلس المحافظين في البنك المركزي الأوروبي سنة 1998 أن نسبة 15% من احتياطاته المبدئية البالغة (29.5) بليون يورو، التي من المقرر أن تحول له في 1/1/1999، يجب أن تكون ذهباً.

    ودعت مجلة (فورتشن) الأميركية صراحةً إلى بناء نقدي جديد يستند إلى عدة عملات رئيسية بدل اعتماده على الدولار الأميركي، كما دعت إلى عودة الذهب إلى النظام النقدي، بعد إقرار سعر عالمي وواقعي له. وذكرت مجلة (الإكونومست) البريطانية، في عددها الصادر بتاريخ 22/9/97، أن المصارف السويسرية قد نصحت زبائنها سراً بالاحتفا ظ بنسبة 10% على الأقل من موجوداتهم بالذهب، كما إن بعض المستشارين الماليين قد نصحوا شركات وممولين خليجيين بتحديد سقف لمقتنياتهم من الدولار، نتيجة للخوف من تدهور متزايد في أسعار الدولار، وللحفا ظ على تركيبة متوازنة من الموجودات النقدية والذهبية.

    إنه وإن كان الدولار قد تربع على عرش المال، وكان في أوج عظمته، إلا أن المصارف في سويسرا، وهي تعتبر ملاذاً آمناً وسرياً للمدخرات والاستثمارات المالية، فإنها كانت تحتفظ بكميات هائلة من الأرصدة الذهبية تقدر بآلاف الأطنان. وتقول آخر الإحصائيات إن البنوك المركزية تحتفظ بحوالي (30) ألف طن من الذهب .

    مجلة الوعي
    http://www.al-waie.org/

    [يتبع]
     

مشاركة هذه الصفحة