فلسفة الحب في صورتها الإنسانية المثلى

الكاتب : أحمد العجي   المشاهدات : 828   الردود : 3    ‏2005-09-11
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-09-11
  1. أحمد العجي

    أحمد العجي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2002-07-04
    المشاركات:
    4,356
    الإعجاب :
    0
    ما إن تقع عينيك على كتاب «طوق الحمامة» لابن حزم حتى تشرع مُسرعاً في قراءته، خاصة إذا ما كنت قد سمعت به من قبل وقد كونت عنه فكرة خاصة، ولكن سرعان ما تتماهى فكرتك هذه عقب الانتهاء من قراءته مباشرة أو أثناءها، وفي نفس الوقت ربما غيَّرت فكرتك عن ابن حزم.. ذلك السفر الموسوعي النادر بين الفقهاء!
    كتاب «طوق الحمامة» صنف خصيصاً للحب ولكن كيف؟!!
    هذا ما سنتناوله بين ثنايا هذه السطور..
    يقول ابن حزم في تعريفه للحب «الحب- أعزَّك الله- أوله هزل وآخره جد- دقت معانيه بجلالتها عن أن توصف فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة، وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة إذ القلوب بيد الله عز وجل »...
    ويرى أيضاً أنه «اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع..، وهو أيضاً داء عياء فيه الدواء منه على قدر المعاملة، ومقام مستلذ وعلة مشتهاة لا يود سليمها البُرء ولا يتمنى عليها الافاقة، يزين للمرء ما كان يأنف منه ويسهَّل عليه ما كان يصعب عنده حتى يُخيل الطبائع المركبة والحيلة المخلوقة..»
    علاماته:
    يقول في علامات الحب: «وللحب علامات يفقدها الفطن ويهتدي إليها الذكي فأولها إدمان النظر، والعين باب النفس الشارع وهي المنقبة عن سرائرها والمعبرة لضمائرها والمعربة عن بواطنها، فترى الناظر لا يطرق، يتنقل بتنقل المحبوب وينزوي بانزوائه ويميل حيث مال كالحرباء مع الشمس ومنها - العلامات - الاقبال بالحديث فما يكاد يقبل على سوى محبوبه، وإن التكلف ليستبين لمن يرمقه فيه والانصات لحديثه إذا حدث واستغراب كل ما يأتي منه وكأنه عين المحال وخرق العادات وتصديقه وإن كذب وموافقته وإن ظلم، والشهادة له وإن جار... ومنها أيضاً الاسراع بالسير نحو المكان الذي يكون فيه، والتعمد للقعد بقربه والدنو منه.. والتباطؤ في الشيء عن القيام عنه، ومنها بهت يقع وروعة تبدو على المحب عند رؤية من يحب فجأة وطلوعه بغتة، ومنها اضطراب يبدو على المحب عند رؤية من يشبه محبوبه أو حتى عند سماع اسمه فجأة.
    فوائد الحب:
    يقول في فوائده: كم بخيل جاد، وقطوب تطلَّق، وجبان تشجَّع، وغليظ الطبع تطرَّب، وجاهل تأدب، وتفل تزيَّن، وفقير تجمَّل، وذي سنٍ تفتى، وناسكٍ تفتَّك، ومصون تبذَّل..
    يقول: وهذه العلامات تكون قبل استعار نار الحب وتأجج حريقه وتوقد شعله واستطارة لهبه أما إذا تملّكه وأخذ مأخذه فحينئذٍ ترى الحديث مرارا والاعراض عن كل ما حضر إلا عن المحبوب جهاراً.
    كما أن من شواهده: التضايق في المكان الواسع والمواسعة في المكان الضيق والمجاذبة على الشيء يأخذه أحدهما وكثرة الغمز الخفي وتعمد لمس اليد عند المحادثة وما أمكن من الأعضاء الظاهرة...الخ
    وأيضاَ حب الوحدة والأنس بالانفراد ونحول الجسم ولا وجع فيه، والسهر من أعراض المحبين وقد قال ابن حزم شعراً:
    تعلمت السحائب من شئوني فعمَّت بالحيا السكب الهتونِ
    وهذا الليل فيك غدا رفيقي بذلك أم على سهري معيني
    فإن لم ينقض الاظلام عني ألا ما أطبقت نوماً جفوني
    فليس إلى النهار لنا سبيل وسهرٌ زائدٌ في كل حين
    ويعرض للمحبين القلق عند أحد أمرين:
    أحدهما: عند رجاء لقاء من يحب فيعرض عند ذلك حائل، والثاني عندحادث يحدث بينهما من عتاب لا يدري حقيقته إلا بالوصف:
    أقمتُ الى أن جاءني الليل راجياً لقاءك ياسؤلي وياغاية الأمل
    فأيأسني الاظلام عنك ولم أكن لأيأس يوماً إن بدا الليل يتصل
    وعندي دليل ليس يكذب خيره بأمثاله في مشكل الأمر يستدل
    لأنك لو دمت الزيارة لم يكن ظلام ودام النور فينا ولم يزلِ
    ومن آياته مراعاة المحب لمحبوبه وحفظه لكل مايقع منه وبحثه عن أخباره حتى لا تسقط عنه دقيقة ولا جليلة وتتبعه لحركاته، ولعمري لقد ترى البليد بصيراً في هذه الحالة ذكياً والغافل فطناً!!
    باب الحب:
    قد يقع الحب من نظرة واحدة فقط فيمتد طويلاً وقد لا يقع إلا مع المداومة والمراسلة ومما أُثر عن المأمون ابن الرشيد في خلافة أبيه أنه استحسن جارية يوماً ما وهي تصب الماء على يد الخليفة فأشار بجفنه نحوها فغضبت تلك الحسناء ثم كسرت من حاجبيها فتأخر صب الماء على يد الرشيد، لحظتها عرف أن في الأمر شيئاً فاستحلفها بحقيقة الأمر فكلّمه بما حصل فالتفت الى المأمون وقال له هي لك!! ففرح المأمون وقال في ذلك شعراً:
    ظبي كتبتُ بطرفي من الضمير إليه
    قبلته من بعيدٍ فاعتل من شفتيه
    ورد أخبث ردٍ بالكسر من حاجبيه
    فمابرحت مكاني حتى قدرت عليه
    وفي هذه النظرة وهذا الحب المباشر منها يقول ابن حزم : «وإني لأطيل العجب من كل من يدعي أنه يحب من نظرة واحدة ولا أكاد أصدقه ولا أجعل حبه إلا ضرباً من الشهوة.. ومالصق بأحشائي حب قط إلا مع الزمن الطويل وبعد ملازمة الشخص لي دهراً.. وما قللت شيئاً قط بعد معرفتي به.. ومن زعم أنه يحب اثنين ويعشق شخصين متغايرين فإنما هذا من جهة الشهوة التي ذكرنا»..
    تأثيره:
    يقول: «وأعلم- أعزك الله- أن للحب حكماً على النفوس ماضياً وسلطاناً قاضياً وأمراً لا يُخالف وحداً لا يُعصى وملكاً لا يتعدى وطاعة لا تُصرف ونفاذاً لا يُرد، وأنه ينقض المِزرْ «القوى» ويحل المُبرم ويُحلل الجامد، ويحل الثابت ويحل الشغاف ويُحِلُ الممنوع»...
    وقد يحب في محبوبه صفة لم يستحسن بعدها صفة غيرها مما يخالفها يقول عن نفسه: «دعني أخبرك أنني أحببت في صباي جارية لي شقراء الشعر فما استحسنت من ذلك الوقت سوداء الشعر ولو أنها على الشمس أو على صورة الحسن نفسه، وإني لأجد هذا من أصل تركيبي من ذلك الوقت لا تؤاتيني نفسي على سواه ولا تحب غيره البتة، وهذا العارض بعينه عرض على أبي، إلى أن وافاه الأجل».
    الاشارة بالعين:
    يقول عن الاشارة بلحظ العين: «وإنه ليقوم في هذا المعنى المقام المحمود ويبلغ المبلغ العجيب ويُقطع به ويُتواصل ويوعد ويُهدد، ويُنتهز ويُبسط ويؤمر ويُنهى وتُضرب به الوعود وينبه على الرقيب ويضحك ويحزن، ويسأل ويُجاب ويُمنع ويعطي، ولكل واحدٍ من هذه المعاني ضرب من هيئة اللحظ... فالاشارة بمؤخرة العين الواحدة نهي عن الأمر، وتفتيرها إعلام بالقبول، وإدامة نظرها دليل على التوجع والأسف وكسر نظرها آية الفرح، والاشارة الى إطباقها دليل على التهديد أو قلب الحدقة الى جهة ما ثم صرفها بسرعة تنبيه على مُشار إليه، من الاشارة الخفية بمؤخر العينيين كلتاهما سؤال، وقلب الحدقة الى جهة من وسط العين الى الموق بسرعة شاهد المنع، وترعين الحدقتين من وسط العينيين نهي عام، وسائر ذلك لايدرك إلا بالمشاهدة، واعلم أن العين تنوب عن الرسل ويدرك بها المراد...»
    أما عن التواصل بالمراسلة والمكاتبة فإن رد الجواب ووقوعه بيد المحب سرور يعدِل اللقاء، ولهذا ترى العاشق يضع الكتاب على عينيه وقلبه ويعانقه، يقول ابن حزم:
    جوابٌ أتاني عن كتاب بعثته فسكَّن مهتاجاً وهيَّج ساكناً
    سقيت بدمع العين لما كتبتهُ فعال مُحبٍ ليس في الود خائناً
    فما زال ماء العين يمحو سطوره ياماء عيني قد محوت المحاسنا
    غدا بدموعي أول الخط بيننا وأضحى بدمعي آخر الحظ بائنا
    يقول: ولقد رأيت كتاب المحب الى محبوبه وقد قطع في يده بسكين له فسال الدم واستمد منه وكتب به الكتاب أجمع ولقد رأيت الكتاب بعد جفوفه فما شككت أنه بصبغ ---».
    وهذا قد يعد من صبر المحب على محبوبه يقول في ذلك : « لا يقولن قائلٌ أن صبر المحب على ذلة المحب، دناءة في النفس، فقد أخطأ وقد علمنا أن المحبوب ليس له كفواً ولا نظيراً فيقارض بأذاه وليس سبُّه وجفاه مما يُعير به الانسان ويبقى ذكره على الأحقاب، يقول:
    ليس التذلل في الهوى يستنكر فالحب فيه يخضع المستكبر
    لاتعجبوا من ذلتي في حالةٍ قد ذلَّ فيها قبلي المستبصر
    ليس الحبيب مماثلاِ ومكافياً فيكون صبرك ذلة إذ تصبر
    تفاحة وقعت فآلم وقعها هل قطعها منك انتصاراً يُذكر
    أما عن فلسفته تجاه المرأة إزاء مسألة النكاح والحب فيقول : «وإنك لترى المرأة الصالحة المسنة المنقطعة الرجاء من الرجال أحب أعمالها إليها وأرجاها للقبول عندها سعيها في تزويج يتيمة وإعارة ثيابها وحليها لعروسٍ مقلة وما أعلم علة تمكن هذا الطبع من النساء إلا أنهن متفرغات البال من كل شيء إلا من الجماع ودواعيه والغزل وأسبابه، والتآلف ووجوهه لا شُغل لهن غيره ولا خلقن لسواه والرجال مقتسمون في كسب المال وصحبة السلطان وطلب العلم.. ويقول: إن المرأة إذا بقيت بلا شغل إنما تشوق الى الرجال وتحن الى النكاح، ولقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن مالا يكاد يعلمه غيري لأني رُبيت في حجورهن ونشأت بين أيديهن ولا جالست الرجال إلا و أنا في حد الشباب ... وهن علمنني القرآن وروَّينني كثيراً من الأشعار ودرَّبنني في الخط»..
    ويقول أيضاً: وشيء أصفه لك تراه عياناً وهو أني ما رأيت قط امرأة في مكان تحس أن رجلاً يراها أو يسمع حسَّها إلا وأحدثت حركة فاضلة كانت عنها بمعزل وأتت بكلام زائد كانت عنه في غنيَّة مخالفين لحركتها وكلامها ورأيت التهمُم لمخارج لفظها وهيئة تقلبها، والرجال كذلك، إذا أحسُّوا بالنساء، وأما إظهار الزينة وترتيب المشي وإيقاع المزح عند خطور المرأة بالرجل واجتياز الرجل بالمرأة فهذا أشهر من الشمس في كل مكان والله تعالى يقول: «قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم» وقال : «ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن» فلولا علم الله عز وجل برقة إغماضهن في السعي لايصالهن حبهن للقلوب ولطف كيدهن في التحيل لاستجلاب الهوى لما كشف الله عز وجل هذا المعنى البعيد الغامض الذي ليس وراءه مرمى..
    وقد قال في وصف امرأة جميلة الحسن:
    فريدة صاغها الرحمن من نور جلَّت ملاحتها عن كل تقدير
    لو جاءني عملي في حسن صورتها يوم الحساب ويوم النفخ في الصور
    لكنت أحظى عباد الله كلهم بالجنتين وقرب الخرَّد والحور
    وفي نهاية الكتاب يشير ابن حزم رحمه الله الى أفضل التعفف قائلاً: «ومن أفضل ما يأتيه الانسان في حبه التعفف وترك ركوب المعصية والفاحشة وألا يرغب عن مجازاة خالقه بالنعيم في دار المقامة وألا يعصي مولاه المتفضل عليه الذي جعله مكاناً وأهلاً لأمره ونهيه وأرسل اليه رسلاً وجعل كلامه ثابتاً لديه... ويقول:
    «وأنا أعلم أنه سينكر علي بعض المتعصبين على تأليفي لمثل هذا ويقول : إنه خالف طريقته وتجافى عن جهته وما أُحل لأحد أن يظن في غير ما قصدته قال تعالى «يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم».


    _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _




    م ن ق و ل
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-09-12
  3. درهم جباري

    درهم جباري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-16
    المشاركات:
    6,860
    الإعجاب :
    1
    الحبيب / أحمد ..

    موضوع غني بالفوائد ، أراه تلخيصا جميلا لكتاب ( طوق الحمامة ) يغني عن العودة إلى الكتاب ..

    وكم هي آراء ابن حزم صائبة في الحب ولكنها جانبت الصواب شيئا ما في المرأة ..

    شكرا جزيلا أيها الحبيب على نقلك المميز ..

    ولك الحب .
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-09-20
  5. ABUTASNEM_ALAJI

    ABUTASNEM_ALAJI عضو

    التسجيل :
    ‏2005-08-18
    المشاركات:
    166
    الإعجاب :
    0
    موضوع اكثر من رائع تسلم
    عزيزي احمــــــــــد
    على جهود الطيبه والتي دايمن تفيدنا بمواضيعك المفيده
    الامام والله يوفقك
    اخوك ابوتسنيم
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-09-21
  7. خيول للنصر

    خيول للنصر عضو

    التسجيل :
    ‏2005-04-06
    المشاركات:
    96
    الإعجاب :
    0
    [ و توجد ايضا فلسفة نفسية للحب فى صورتها الواقعية اليمنية
     

مشاركة هذه الصفحة