الجهاد في سبيل الله الحلقة (12)

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 503   الردود : 0    ‏2002-03-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-03-10
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    أقوال العلماء في كثرة العدو وقلة المسلمين

    كان المسلمون في مبدأ الأمر مأمورين أن يقف الواحد منهم أمام عشرة من الكفار، وإذا فر في هذه الحالة اعتبر آثما، ثم خفف الله عنهم بعد ذلك، فأجاز لهم الفرار من العدو إذا زاد عدده عن ضعفهم، وأوجب على الواحد منهم الوقوف أمام الاثنين.

    لقول الله تعالى: ( يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ) [ الأنفال 65-66 ]

    وللعلماء في هاتين الآيتين رأيان:

    الرأي الأول:
    أن آية الضعف ناسخة للآية التي قبلها، فيجب على المسلم أن يقف أمام اثنين من الكفار، ويجوز له الفرار من أكثر م نذلك. ويرى بعض العلماء أن ذلك جائز، ولكن ليس من قبيل نسخ الآية الثانية للأولى، وإنما هو من باب التخفيف للحكم.

    الرأي الثاني:
    أن ذكر العدد في الآيتين ليس مقصودا لذاته، وأن المسلمين إذا وقفوا في الصف لقتال الكفار، فليس لهم حق الفرار من العدو والتولي عن الزحف مطلقا، واستدلوا بنهي الله سبحانه عن أن يولي المسلمون عدوهم أدبارهم، وبحديث أبي هريرة الذي مضى ذكره قريبا، وفيه عد الرسول صلى الله عليه وسلم التولي يوم الزحف من الموبقات.

    قالوا: وآخر الآية التي ادُّعِيَ نسخُها، وهو قوله تعالى: ( بأنهم قوم لا يفقهون ) يدل على أن انتصار المؤمنين على الكافرين هو بسبب حسن قصدهم واعتمادهم على ربهم، لأنهم يقاتلون في سبيل الله، راجين نيل رضاه وإعلاء كلمته والفوز بالشهادة في سبيله، وهم بهذا الفقه يقدمون الموت على الحياة، والله معهم وناصرهم على عدوهم، بخلاف أعدائهم الكافرين – مهما كثر عددهم – فليس عندهم فقه يجعلهم يثبتون في المعركة ثبات المؤمنين، والثبات من أهم أسباب النصر، والله تعالى في صف عباده المؤمنين، فكثرة الكفار لا تنفعهم، وقلة المؤمنين لا تضرهم إذا ثبتوا.

    وقد أثبتت التجارب التاريخية انتصار العدد القليل الثابت من المؤمنين على العدد الكثير من عدوهم، كما نص الله تعالى على ذلك في قوله تعالى: ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) [ البقرة 249 ]

    ومن ذلك ما حصل في معركة بدر، حيث كان عدد الكافرين ألفا، وعدد المسلمين ثلاثمائة يزيد قليلا.

    من ذلك ما حصل في معركة مؤتة، حيث كان عدد المسلمين ثلاثة آلاف مقاتل، وعدد عدوهم من الروم مائتا ألف.

    ومن ذلك ما حصل لجيش طارق بن زياد في الأندلس، حيث كان عدد المسلمين سبعمائة وألف مقاتل، وعدد جيش العدو سبعون ألف مقاتل.

    وعلى هذا الرأي ابن حزم رحمه الله الذي حمل – كعادته - على من ادعى نسخ الآية الأولى بالثانية وأنه يفهم منها جواز الفرار من العدو الكثير العدد، فقال: " وأما الآية فلا تعلق لهم فيها، لأنه ليس لهم فيها نص ولا دليل بإباحة الفرار من العدد المذكور، وإنما فيها أن الله تعالى علم أن فينا ضعفا، وهذا حق إن فينا لضعفا، ولا قوي إلا وفيه ضعف بالإضافة إلى ما هو أقوى منه، إلا الله تعالى وحده، فهو القوي الذي لا يضعف ولا يغلب. وفيها أن الله تعالى خفف عنا، فله الحمد،وما زال تعالى ربنا رحيما بنا يخفف عنا في جميع الأعمال التي ألزمنا، وفيه أنه إن كان منا مائة صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منا ألف يغلبوا ألفين بإذن الله، وهذا حق، وليس فيه أن المائة لا تغلب أكثر من مائتين ولا أقل أصلا، بل قد تغلب ثلاثمائة، نعم وألفين وثلاثة آلاف، ولا أن ألفا لا يغلبون إلا ألفين فقط، لا أكثر ولا أقل. ومن ادعى هذا في الآية فقد أبطل وادعى ما ليس فيها منه أثر ولا إشارة ولا نص ولا دليل. بل قد قال عز وجل: ( كم من فئة قبيلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) فظهر أن قولهم لا دليل عليه أصلا.

    ونسألهم عن فارس شاكي السلاح قوي لقي ثلاثة من شيوخ اليهود الحربيين هرمى، مرضى، رجالة، عزلا، أو على حمير، أله أن يفر عنهم؟ لئن قالوا: نعم ليأتُنَّ بطامة يأباها الله والمؤمنون وكل ذي عقل، وإن قالوا: لا لَيَتْرُكُنَّ قولهم " [ المحلى 7/292-293 ]

    ويرد على هذا الرأي إشكال، وهو أن المسلمين قد يرون – أحيانا أن لا طاقة لهم بقتال الكفار ذوي الكثرة العَدَدِية، أو القوة العُدَدِية، فما ذا يفعلون؟ إذ وقوفهم أمام عدوهم قد يكون فيه استئصالهم، وفيه تكليفهم بما لا يطاق، وهو خلاف شرع الله، وإن فروا كانوا آثمين متولين عن الزحف، وهو كذلك تكليف بما لا يطاق.

    والجواب: أن الله تعالى قد جعل لهم مخرجا باتباع أحد أمرين:

    الأمر الأول:
    التحيز إلى فئة منهم ولو بعدت كما مضى. وهذا يشمل رجوع المجاهدين إلى إمام المسلمين لطلب النجدة

    الأمر الثاني:
    التحرف للقتال. وهو الانتقال من مكان إلى مكان آخر يمكنهم فيه التحصن و الثبات، ولو ولوا العدو أدبارهم في الظاهر، لأنهم إنما يفعلون ذلك ليتمكنوا من الثبات والمصابرة والمغالبة.

    فلا يبقى عذر للمسلم أن يفر من عدوه بدون نية هذين الأمرين. [ راجع بدائع الصنائع 9430 والمحلى 7292 ]

    وهذا الرأي قوي، وهو اللائق بعزة المسلم واستبساله واعتماده على ربه.
    وقد يشكل عليه كون الآية كون آية التخفيف قد حدد فيها العدو المغلوب بمائتين، وعدد المسلمين الغالبين مائة، وهكذا ألف من المسلمين يغلب ألفين من الكافرين بنسبة واحد إلى اثنين، والآية التي قبلها فيها مائة تقابل ألفا، بنسبة واحد إلى عشرة، مما حمل بعض المفسرين – وعلى رأسهم الإمام ابن جرير – على القول بالنسخ. [ راجع جامع البيان عن آي القرآن 10/41 ].

    ويمكن أن يجاب عن ذلك بما يأتي:

    الأول:
    حمل ذكر العدد على أقصى ما يستطيع المسلمون الثبات أمامه، سواء في كثرة عدده أو عدده، مع مراعاة الترف والتحيز المذكورين.

    الثاني:
    حمل الآية الأولى ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) على حال قوة المسلمين، والآية الثانية: ( فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين … ) على حال ضعفهم.

    فهنا حالتان:
    حالة قوة يثبت فيها الواحد من المسلمين لعشرة من الكفار.
    وحالة ضعف يثبت فيها الواحد من المسلمين لاثنين من الكفار. فهو تخفيف وليس بنسخ. [ راجع روح المعاني 10/31، في ظلال القرآن 10/1550 ]

    الثالث: حمل الآية الأولى على الندب، وحمل الآية الثانية على الوجوب [ راجع تفسير المنار 10/93 ]

    والذي يظهر هو الرأي الثاني الذي قواه ابن حزم رحمه الله. وقد سبق إيراد الإشكال عليه والجواب عنه. والله أعلم.
     

مشاركة هذه الصفحة