من أعلام الدعوة د. مصطفى السباعي.. العالم.. الداعية.. المجاهد

الكاتب : الحُسام اليماني   المشاهدات : 2,047   الردود : 37    ‏2005-09-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-09-06
  1. الحُسام اليماني

    الحُسام اليماني مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-06-07
    المشاركات:
    3,541
    الإعجاب :
    0
    الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله كان أحد العلماء البارزين والدعاة المشهورين والمصلحين المعدودين ، وكانت له مع ذلك جهود سياسية واجتماعية مؤثرة ، وهو نموذج من النماذج التي تحتذى، وقدوة يقتدي بها أهل الإسلام في زماننا وفي كل زمان .

    ولادته ونشأته
    ولد الدكتور مصطفى حسني السباعي عام 1915م في مدينة حمص بسورية، ونشا في أسرة علمية عريقة، وكان أبوه وأجداده يتولون الخطابة في الجامع الكبير بحمص، وقد تأثر في أول نشأته بأبيه العالم المجاهد الشيخ حسني السباعي، فلقد كان لأبيه مواقف وطنية مشرفة، حيث ساهم في المقاومة المسلحة ضد الفرنسيين، وقيادة المجاهدين الثائرين ضد الاستعمار والطغاة والمستبدين.
    وكان الدكتور مصطفى يصحب أباه إلى مجالس العلم التي يعقدها مع فقهاء حمص، وبدأ يحفظ القرآن الكريم، وتلقى مبادئ العلوم الشرعية حتى بلغ السن التي تخوله دخول المدرسة الابتدائية، حيث التحق بالمدرسة المسعودية، وبعد أن أتم دراسته الابتدائية فيها التحق بالثانوية الشرعية وأتم دراسته فيها عام 1930م بنجاح باهر لما كان يتمتع به من ذكاء مبكر ونباهة متوقدة ونشاط وثاب، فكان لذلك محط إعجاب أساتذته وجميع معارفه.
    ورأى أن يتابع دراسته الشرعية، فسافر إلى مصر والتحق بقسم الفقه بالجامعة الأزهرية عام 1233م، ثم انتسب إلى كلية أصول الدين ونال إجازتها بتفوق، والتحق بعدها بقسم "الدكتوراه "لنيل شهادتها في التشريع الإسلامي وتاريخه، وقدم أطروحته العلمية "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" التي نالت درجة الامتياز عام 1949م، وقد أدهش كبار العلماء في الأزهر بدقته العلمية، واستيعابه للموضوع من كل جوانبه، وأصبح كتابه القيم من أهم المراجع في التشريع الإسلامي لكل باحث وعالم وطالب علم.
    وقد أحب الدكتور مصطفى مهنة التدريس رغبة منه في نشر العلم وتربية النشء على أخلاق الرجولة والفضيلة، وانخرط في سلك التعليم، فكان يدرّس اللغة العربية والتربية الدينية في مدارس حمص الثانوية، ثم انتقل إلى دمشق وعمل مع إخوانه على إنشاء مدرسة تحقق ما يصبو إليه من أهداف في التربية والتعليم، فأسس "المعهد العربي الإسلامي" في دمشق، وكان أول مدير لهذا المعهد. ثم وقع عليه الاختيار ليكون أستاذًا في كلية الحقوق بجامعة دمشق، فعين فيها عام 1950م، فكان من ألمع أساتذة الجامعة في فن التدريس وخصب الإنتاج العلمي.
    وفكر الدكتور السباعي في إنشاء كلية خاصة مستقلة للشريعة الإسلامية تكون إحدى كليات الجامعة وتعمل على تخريج علماء في الشريعة الإسلامية على أرفع المستويات العلمية والفكرية.. ونجحت مساعيه رغم العراقيل والصعوبات التي وضعت في طريقه، وتم تأسيسها عام 1955م، وكان أول عميد لها إلى جانب قيامه بالتدريس في كلية الحقوق والقيام بمسؤولياته الأخرى كداعية وصاحب فكرة.

    لقد كان السباعي طاقة جبارة لا تعرف الوقوف عند حد.. ولا تعرف الاكتفاء بالعمل في ميدان واحد، فكان أُمَّة حية دائبة النشاط والحركة والتطلع إلى أكبر الأهداف وأسمى الغايات، وكان يهدف لإحياء التراث الفقهي الإسلامي العظيم، فعمل مع إخوانه الذين شاركوه تأسيس كلية الشريعة على إنشاء موسوعة للفقه الإسلامي تهدف إلى إحيائه وصياغته صياغة جديدة وتبويبه وتصنيفه على أحدث الأساليب المتبعة في العالم، وأخرج المشروع إلى حيز الوجود، وكان أول رئيس لهذه الموسوعة. وكان بالإضافة إلى ذلك رئيسًا لقسم الفقه الإسلامي ومذاهبه في جامعة دمشق، كما عني بمناهج التربية والتوجيه في الكلية، وكان يحرص على توجيه الطلاب توجيهًا مباشرًا، فأحدث درسًا أسبوعيًّا سماه "قاعة البحث" تولى إدارته بنفسه، وكان يحرص على هذا الدرس حتى في أيام مرضه الشديد، ولمّا طالبه إخوانه بشيء من الراحة لجسمه كان يقول: "خير لي أن أموت وأنا أقوم بواجبي نحو الله من أن أموت على فراشي، فالآجال بيد الله، وإن ألمي من حرمان الطلاب من دروس التوجيه أشد وأقسى من آلامي الجسدية، وحسبي الله وعليه الاتكال".

    نشاطه:
    [​IMG]لقد كان السباعي - رحمه الله - طاقة جبارة من النشاط المتوقد الذي لا يعرف الملل ولا الفتور.. فليس غريبًا أن يخوض الميادين المختلفة، ويكافح في جبهات متعددة، ثم ينجح ويتفوق في كل هذه الميادين.
    1- كفاحه الوطني: لقد رافقت نشأتَه منذ الصغر ظروفٌ قاسية مرت بها البلاد.. من استعمار وفساد وتخلف وجهل ومظالم اجتماعية وسياسية، ولقد تحسس السباعي هذه المآسي، وهبّ متمردًا على هذا الواقع السيئ، وكان أول عمل قام به تأليف جمعية سرية لمقاومة مدارس التبشير الأجنبية، ودعا إلى محاربة الاستعمار ومدارسه ومظالمه من فوق المنابر بخطب مثيرة، وكان يقود المظاهرات الصاخبة، مما أزعج السلطات الاستعمارية والحاكمة، فألقي القبض عليه لأول مرة عام 1931م بتهمة توزيع نشرات ضد سياسة فرنسا في المغرب، ولكنهم أفرجوا عنه تخفيفًا للهياج الشعبي الذي عقب اعتقاله، واعتقل مرة ثانية عام 1932م وسجن عدة أشهر، وعندما أفرج عنه سافر إلى مصر عام 1933م والتحق بالأزهر ليتابع دراسته، وهناك اشترك مع إخوانه في العمل الوطني، فتزعم طلاب الأزهر وقاد المظاهرات ضد الاحتلال البريطاني، مما دعا المستعمرين الإنجليز إلى القبض عليه وسجنه عام 1934م، ثم سجنوه مرة ثانية عام 1940م، وأخرجوه من مصر، وما كاد يصل إلى سورية عام 1941م حتى قبض عليه الفرنسيون خوفًا من أن يثير عليهم الجماهير، فزجوه في سجون حمص ولبنان مدة سنتين ونصف.
    أما قضية فلسطين فقد كانت عند السباعي قضية العقيدة ومقدساتها المهددة.. فلما أعلن قرار التقسيم طاف أنحاء البلاد يثير الجماهير المؤمنة ويلهب فيها روح الاستشهاد في سبيل الله.. وفي عام 1948م اندفع في مقدمة الركب يقود كتائب الشباب المؤمن، فخاض بهم المعارك القاسية حول مدينة القدس، وفي أرض المعركة استمروا يقاتلون ببسالة وشجاعة نادرتين إلى أن توقف القتال بتوقيع الهدنة وإبعاد المجاهدين عن أرض المعركة.
    2- كفاحه في مجال السياسية: كان السباعي على رأس الذين لا يعدون السياسة مهارة في كذب.. أو لباقة في خداع.. وإنما السياسة أن يهتم المسلم بأمر المسلمين ليكون منهم، وأن خير السياسة ما كان قائمًا على تقوى وهدى وبصيرة. والسباعي لم يكن ابنًا لمدينة حمص وحدها وإنما كان ابن الإسلام أينما كان. ولذلك اختارته دمشق نائبًا عنها في الجمعية التأسيسية عام 1949م، وسرعان ما لمع نجمه كبرلماني شعبي متفوق.. إذ كان الصدى الحقيقي المعبر لأماني الشعب وآلامه والصوت المدوي الذي يصدع بالحق ولا يداري، ويقارع الباطل ولا يهادن، ويترفع عن المكاسب والمغانم ولا يساوم.. فاتجهت إليه الأنظار والتفت حوله القلوب، وانتخب نائبًا لرئيس المجلس وأصبح عضوًا بارزًا في لجنة الدستور وأحد الأعضاء التسعة الذين وضعوا مسودة الدستور. وقد بذلت له العروض بإلحاح وإغراء للدخول في الوزارات المتعاقبة فرفضها مؤثرًا العمل الشعبي، والعيش مع مشكلات الجماهير وقضاياها.
    3- كفاحه في الدعوة وبعث الفكرة الإسلامية: لقد ساهم السباعي في تأسيس وقيادة عدة من الجمعيات الإسلامية في حمص وفي غيرها، ولما سافر إلى مصر عام 1933م اتصل بالداعية الكبير حسن البنا، ورأى فيه بغيته وطريقته، ولما عاد إلى سورية تابع نشاطه في الدعوة إلى الإسلام، وأعلن قيام "جماعة الإخوان المسلمين" عام 1945م، وقاد الجماعة قيادة الحكيم، وأوجد في سورية تيارًا إسلاميًّا واعيًّا استقطب خيرة الشباب.
    4 - كفاحه في ميدان الصحافة: لقد أدرك السباعي أهمية الصحافة كسلاح فعال في يد الفكرة الإسلامية تستخدمه في توجيه وقيادة الرأي العام وتوعية الجماهير بأهدافها وقضاياها، فأنشأ لذلك جريدة "المنار" من سنة 1947م إلى سنة 1949م، وعالج فيها أهم مشاكل الأمة ببيانٍ مشرقٍ وأسلوب مثير وجرأة نادرة وتحليل دقيق. وفي عام 1955م أسس مع إخوانه جريدة "الشهاب" التي استمرت حتى عام 1958م. وفي نفس العام 1955م أصدر مجلة "المسلمون" بعد احتجابها في مصر. وفي عام 1958م رأى تغيير اسم المجلة فسماها "حضارة الإسلام" وأعطاها من جهده وفكره ما جعل منها مدرسة للفكر الإسلامي الأصيل، وجعلها منبرًا للدفاع عن قضايا العالم الإسلامي الكبير، وأفرد فيها بابًا للقضية الفلسطينية باسم "الدرة المغتصبة".
    وهكذا كانت حياة السباعي - رحمه الله - صفحات تاريخية تزخر بالمفاخر والمآثر والبطولات والتضحيات وجلائل الأعمال.. فكان الداعية الفذ الذي وهب دعوته وفكرته كل ذرة من جهده وفكره وقلبه وروحه وأعصابه وحياته.. وحتى السنوات الأخيرة من حياته والتي هجم فيها عليه المرض واستمر ثماني سنوات حمل خلالها من الآلام ما لا يقدر على حمله رجال من أولي العزائم . ورغم هذه الآلام فقد كانت فترة مرضه هذه من أخصب فترات حياته إنتاجًا فكريًّا وأدبيًّا واجتماعيًّا.
    وضرب أستاذنا السباعي عليه رحمة الله خلال مراحل مرضه أروع آيات الصبر الجميل مع ما فيه من الرضا والتسليم لقضاء الله.

    مؤلفاته الفكرية:

    الدكتور السباعي موسوعة فقهية واعية وعقلية نيرة أنتجت مئات الأبحاث.. وعشرات الكتب في مختلف الموضوعات الفقهية والفكرية.. وزود المكتبة الإسلامية بثروة ضخمة وإنتاج متميز، ومن أهم هذه الكتب:
    1- أحكام الزواج .
    2- أحكام الأهلية والوصية.
    3- أحكام المواريث.
    4- الوصايا والفرائض.
    5- أخلاقنا الاجتماعية. طبع مرات متعددة، الأولى عام 1375هـ.
    6- اشتراكية الإسلام. ألفه عام 1959م وطبع ثلاث مرات.
    7- السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، طبع مرتين الأولى عام 1960م.
    8- أحاكم الصيام وفلسفته.
    9- نظام السلم والحرب في الإسلام.
    10- الدين والدولة في الإسلام.
    11- مشروعية الإرث وأحكامه في الإسلام.
    12- المرونة والتطور في التشريع الإسلامي.
    13- القلائد من فرائد الفوائد، طبع عام 1962م.
    14- هكذا علمتني الحياة، ألفه عام 1962م وطبع مرتين.
    15- المرأة بين الفقه والقانون، طبع مرتين الأولى عام 1962م، والثانية عام 1966م.
    16- من روائع حضارتنا، طبع مرتين الأولى عام 1959م. والثانية عام 1968م.
    17- الأحوال الشخصية.
    18- السيرة النبوية.


    شعره:
    لقد عرف الناس السباعي قائدًا مجاهدًا، ومرشدًا مربيًّا، وعالمًا فقيهًا، وخطيبًا ناثرًا، ومفكرًا حكيمًا، وسياسيًّا صادقًا.. في كل فترة من فترات حياته.. أما الشعر فلم يعرف عنه إلا في السنوات الأخيرة من حياته.. السنوات التي كان فيها يعاني من شدة المرض.. فجاء شعره في هذه الفترة مناجاة.. وتضرعًا ودعاء.. ينطق بالحكمة ويحمل روح الداعية الذي يشكو عنت الزمان والأحداث.
    والحقيقة أن السباعي قال الشعر منذ يفاعته.. قاله في الدعوة إلى الإسلام. وقاله في الأحداث السياسية التي مر بها وطنه. ولكن انشغاله بالجهاد والتربية، وبالعلم والفقه، وبالكفاح الدائب في شتى الميادين جعله من الشعراء المقلين.

    وفاته :

    وفي يوم السبت الثالث من تشرين الأول عام 1964م انطفأت الشعلة المتوقدة وانتقل السباعي إلى جوار ربه عن عمر لم يتجاوز التاسعة والأربعين.. وخرج مئات الآلاف من أبناء سورية، بل وخرجت دمشق عن بكرة أبيها تودع قائدها إلى مثواه الأخير.


    المصدر إسلام ويت
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-09-06
  3. الحُسام اليماني

    الحُسام اليماني مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-06-07
    المشاركات:
    3,541
    الإعجاب :
    0
    الدكتور مصطفى السباعي داعية مجاهد، ومرشد مربي، وقائد موجه ونموذج فذ للإيمان الصادق. كان أستاذ جيل، وقائد رعيل، وخطيب جماهير، وباعث نهضة، وكان مصلحاً كبيراً، وقلما تجتمع هذه الصفات في رجل واحد وقد جمعها الله فيه، فعليه رحمة الله.

    ولد الشيخ مصطفى بن حسني السباعي سنة 1915م في مدينة حمص السورية لأسرة عريقة في العلم والتدين والجهاد، كان والده رحمه الله من علماء حمص المعدودين وكان خطيب الجامع الكبير فيها.

    بدأ الشيخ مصطفى السباعي تعليمه بحفظ القرآن الكريم، ومبادئ العلوم الشرعية ثم التحق بالمدارس النظامية حتى أنهى دراسته الثانوية سنة 1930م.. ولم يكن التعليم النظامي المصدر الوحيد للتعليم لدى السباعي، فقد كان يحضر مجالس أبيه التي كانت تضم كبار علماء حمص آنذاك، محباً للمطالعة وقراءة الكتب الأدبية والثـقافية عموماً.

    وفي سنة 1933 التحق بقسم الفقه في الجامع الأزهر بالقاهرة، ثم انتقل إلى كلية أصول الدين، ونال الماجستير منها، أما بحثه للدكتوارة فقد كان بعنوان ( السنة ومكانتها في التشريع ) التي رد فيها على شبهات المستشرقين حول السنة، وبخاصة شيخهم المستشرق المجري اليهودي ( اجناس جولد زيهير ) بأسلوب علمي رصين.

    ولما كانت مهنة التعليم هي مهنة الرسل الكرام، فقد بدأ السباعي التدريس أولاً في المدارس الثانوية بحمص، ولم يجد في المدارس الحكومية ما يشفي غليله من ناحية المناهج، أو الأهداف التربوية، فأسس المعهد العربي الإسلامي في دمشق وكان هو أول مدير له.

    وفي سنة 1950 انتقل للتدريس في كلية الحقوق بجامعة دمشق ولكنه كان يرى أن الشريعة الإسلامية يجب أن تحظى بكلية خاصة، فدعا إلى ذلك وأسهم إسهاماً كبيراً في إنشائها، حتى كان أول عميد لها حينما تأسست سنة 1955م .

    كان رحمه الله طاقة جبارة في النشاط المتوقد الذي لا يعرف الملل ولا الفتور، فليس غريباً أن يخوض الميادين المختلفة، ويكافح في جبهات متعددة ثم ينجح ويتفوق في كل الميادين:

    1. كفاحه في ميدان الدعوة إلى الإسلام :


    السباعي علم من أعلام الأمة الإسلامية في العصر الحديث، وأستاذ من أساتذة الحركة الإسلامية الواعية، وداعية من صفوة الدعاة والمرشدين، والعلماء الذين تعالوا على حطام الدنيا، وارتفعوا فوق ترابها وشهواتها، داعية آمن بالإسلام ديناً ودولة، مصحفاً وسيفاً، منهجاً وسبيلاً للحياة، وقف نفسه وروحه وقلمه وعقله وحياته وعمره في سبيل دعوة الإسلام والسير على طريق الرسول القائد محمد صلى الله عليه وسلم.. أسهم في بداية الأمر في تأسيس وقيادة عدد من الجمعيات الإسلامية في حمص وغيرها، ومنها ( الرابطة الدينية بحمص ) و ( شباب محمد صلى الله عليه وسلم ) و (الشبان المسلمون في دمشق) وظل يعمل للإسلام عن طريقها إلى أن سافر إلى مصر سنة 1933 لمتابعة دراسته العليا هناك، فاتصل بداعية الإسلام العظيم الإمام حسن البنا رحمه الله، وكان قد سمع به من قبل، وعرف جهاده في سبيل الإسلام، وكان حسن البنا عليه رضوان الله قد فرغ من بناء جماعته التي استطاعت بقيادته الفذة أن توجد في مصر التيار الإسلامي الذي أثبت وجوده، وأعاد لها وجهها الحقيقي المشرق.

    وظلت الصلة قائمة بين الرجلين بعد عودة السباعي إلى سورية، حيث اجتمع بالعلماء والدعاة ورجال الجمعيات الإسلامية في المحافظات السورية، وقرروا توحيد صفوفهم، والعمل جماعة واحدة، وبها تأسست منهم ( جماعة الإخوان المسلمين ) لعموم القطر السوري، وقد حضر هذا الاجتماع من مصر الأستاذ سعيد رمضان رحمه الله، وذلك عام 1942م ثم بعد ثلاث سنوات أي في عام 1945م اختار الجميع الأستاذ مصطفى السباعي ليكون أول مراقب عام للإخوان المسلمين في سورية، فقادها قيادة الحكيم المقدام متجاوزاً بها أحلك الأيام وأصعب العقبات، واستطاع أن يوحد في سوريا التيار الإسلامي الواعي الذي استقطب خيرة الشباب المثقف المؤمن.. واستمر السباعي القائد يمنح دعوته وجماعته من شبابه المتوقد حتى سقط من الإرهاق والتعب الشديد، ولكن السباعي القائد لم يستسلم للمرض، ولم تفتر همته، بل بقي يمد الجماعة ودعوتها بقوة معنوية من قلبه الكبير، وبتوجيه سديد من عقله الحكيم حتى آخر لحظة من حياته رحمه الله

    2. جهاده وكفاحه الوطني :


    رافقت نشأة السباعي منذ الصغر ظروف قاسية مرت بها البلاد من استعمار وفساد وتخلف وجهل ومظالم اجتماعية وسياسية، وكان أول عمل قام به لمواجهة هذه المآسي تأليف جمعية سرية لمقاومة مدارس التبشير الأجنبية ودعا إلى محاربة الاستعمار ومدارسه ومظالمه من فوق المنابر بخطب مثيرة، وكان يقود المظاهرات الصاخبة، مما أزعج السلطات الاستعمارية الفرنسية والحاكمة حيث ألقت القبض عليه لأول مرة سنة 1931 بتهمة توزيع نشرات ضد سياسة فرنسا في المغرب ولكنهم أفرجوا عنه تخفيفاً للهياج الشعبي الذي أعقب اعتقاله، وهو ابن ستة عشر عاماً، واعتقل ثانية سنة 1932، وسجن عدة أشهر، وعندما أفرج عنه سافر إلى مصر عام 1933 ليواصل تعليمه الشرعي فيها.

    وهناك اشترك مع إخوانه في العمل الوطني، فتزعم طلاب الأزهر، وقاد المظاهرات ضد الاحتلال البريطاني، حيث قبض عليه وسجن سنة 1934، ثم سجن بعدها سنة 1940 وأخرجوه من مصر، وما كاد يصل سورية عام 1941 حتى قبض عليه الفرنسيون خوفاً من أن يثير عليهم الجماهير، حيث سجن في سجون حمص ولبنان مدة سنتين ونصف، وفي سنة 1945 وبعد أن قامت القوات الاستعمارية الفرنسية بحملات العدوان والإرهاب والتدمير والتنكيل، هبّ السباعي رحمه الله بقوة المقاومة المسلحة ضد القوات الفرنسية في حمص، وأطلق الرصاصة الأولى بادئاً هذه المقاومة هو ورجاله ببسالة نادرة، وشجاعة أذهلت الفرنسيين.

    أما قضية فلسطين، فقد كانت عند السباعي قضية العقيدة ومقدساتها المهددة، فبعد أن ارتكبت منظمة الأمم المتحدة جريمتها النكراء سنة 1947 بإقرار مشروع تقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية وأعطت اليهود وضعاً شرعياً يبرر اغتصابها للقسم الأكبر من فلسطين(امتداداً لوعد بلفور المشؤوم)، وأمام هذا التحدي لمبادئ الحق والعدالة وتجاهل إرادة الشعب العربي الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره، ثارت الشعوب العربية والإسلامية ضد هذا الظلم الصارخ، وكان أن قاد السباعي رحمه الله أفواج الإخوان السوريين المجاهدين فخاض بهم المعارك القاسية في قلب مدينة القدس وعلى روابيها سنة 1948 ليحمي بيت المقدس أولى القبلتين ومسرى الرسول محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم.. فضرب وإخوانه أروع نماذج البطولة، وارتقى من حول الأقصى عشرات الشهداء من المجاهدين الأبطال.

    وفي أرض المعركة التقت كتائب الإخوان من سورية بكتائب الإخوان من مصر والأردن والعراق، واستمروا يقاتلون ببسالة وشجاعة نادرتين إلى أن توقف القتال بتوقيع الهدنة وإبعاد المجاهدين عن أرض المعركة.

    3. كفاحه في ميدان الفكر والصحافة :


    الشيخ السباعي رائد فكر وقائد دعوة، فكان رحمه الله موسوعة فقهية واعية، وعقلية نيّرة أنتجت مئات الأبحاث، وعشرات الكتب في مختلف الموضوعات الفقهية والفكرية، وزود المكتبة الإسلامية بثروة ضخمة وإنتاج متميز.

    وقد أدرك رحمه الله أهمية الصحافة كسلاح فعال في يد الفكرة الإسلامية تستخدمه في توجيه وقيادة الرأي، وتوعية الجماهير بأهدافها وقضاياها، فأنشأ لذلك جريدة ( المنار ) (من 1947 – 1949م).. وفي عام 1955م أسس مع إخوانه جريدة ( الشهاب ) السياسية الإسلامية الأسبوعية وكان يشرف على تحريرها وسياستها العامة، استمر صدورها حتى قيام الوحدة مع مصر عام 1958، ثم توقفت عن الصدور، وفي نفس عام 1955م أصدر (مجلة المسلمون) بعد احتجابها في مصر، وفي عام 1958 رأى تغيير اسم المجلة فسماها ( حضارة الإسلام ) وأعطاها من جهده وفكره ما جعل منها مدرسة للفكر الإسلامي الأصيل، وجعلها منبراً للدفاع عن قضايا العالم الإسلامي الكبير، وأفرد فيها باباً للقضية الفلسطينية باسم ( الدرة المغتصبة ) .

    4. كفاحه في ميدان السياسة :


    كان السباعي على رأس الذين لا يعتبرون السياسة مهارة في الكذب، أو لباقة في الخداع، وإنما السياسة أن يهتم المسلم بأمر المسلمين ليكون منهم، وأن خير السياسة ما كان قائماً على تقوى وهدى وبصيرة، ولذلك فإنه لم يستغل الدين في سبيل السياسة بل جعل السياسة خالصاً للدين، محققاً لأهدافه السياسية، ووسيلة لخدمة الشعب وتحريره من الشرور والمفاسد والمظالم.

    ولما قررت الحركة الإسلامية المشاركة في الانتخابات النيابية تسلم السباعي المنبر الذي كان كأنما خلق له، ولأول مرة في ذلك اليوم تسمع دمشق صوت الإسلام يدوي بالمعاني الجديدة للانتخابات البرلمانية.

    وقد اختارته دمشق نائباً في الجمعية التأسيسية سنة 1949، فاتجهت إليه الأنظار والتفت حوله القلوب، وانتخب نائباً لرئيس المجلس، وعضواً بارزاً في لجنة الدستور وعمل على تضمين الدستور مواد إسلامية رائعة من أهمها ( أن الإسلام دين الدولة الرسمي ) .

    5. كفاحه في ميدان الخدمة الاجتماعية :


    تبنى السباعي حركة العمال، ودافع عن حقوقهم، وطالب برفع مستواهم المادي والاجتماعي والأخلاقي، وتبنى مطالبهم في مجلس النواب.. وقام بإنشاء المعاهد والمدارس، وأسهم في تأسيس عدد من الأندية الرياضية في جميع المحافظات السورية، كما أسهم في تأسيس عدد من اللجان لجمع التبرعات وتوزيعها على المحتاجين والأسر الفقيرة.

    وهكذا كانت حياة السباعي رحمه الله صفحات تاريخية تزخر بالمفاخر والمآثر والبطولات والتضحيات وجلائل الأعمال.

    وفي يوم السبت الثالث من تشرين الأول عام 1964م، انطفأت الشعلة المتقدة وانتقل السباعي إلى جوار ربه عن عمر لم يتجاوز التاسعة والأربعين.. وخرج مئات الألوف من أبناء سورية، وخرجت دمشق على بكرة أبيها تودع قائدها إلى مثواه الأخير.. فعليه رحمة الله ورضوانه.

    قالوا في السباعي :

    قال فيه ( أبو الأعلى المودودي ) رحمه الله :

    (إن العالم الإسلامي فقد مجاهداً شجاعاً في صفوفه الأولى، كانت له مواقف حاسمة لا تعد في مقارعة الباطل، وما جاهد الباطل بلسانه فقط، ولا بقلمه فقط، ولكن بقوة ساعده أيضاً حيث خرج مجاهداً في سبيل الله، وأبلى فيها بلاء حسناً )

    أما ( الشيخ محمد أبو زهرة ) فقد قال فيه : ( كنت أعرفه منذ كان شاباً يطلب العلم في التخصص في الفقه وأصوله، وأعرفه مجاهداً يحمل القلم ويكتب في مجلة الفتح، مدافعاً عن الإسلام، ولما بلغ الشأو وتولى التدريس في كلية الشريعة في دمشق، حمل لواء الجهاد ولما سقط اللواء، حمل وحده اللواء في مجلة ممتازة ثرية بالعلم هي مجلة ( حضارة الإسلام ) ولم يكن يكف عن الجهاد ساعة من زمن.

    مضى السباعي في طريقه كما مضى قبله أفواج العلماء والمجاهدين، وكما ستلحق أفواج أخرى كتب الخالق عليها أن تعبر ساحة الحياة نحو الآخرة المحتومة وستبقى سيرة وأعمال السباعي رمزاً بارزاً وعلامة مضيئة في تلك المسيرة وستظل أجيال الشباب تتوجه إليه، وتغترف من فكره وعلمه، وتستهدي به كنموذج عال للقائد الملهم والمجاهد المؤمن .. فعليه من الله الرحمة والسلام .

    والله أكبر ولله الحمد

    المراجــع :



    1. من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة / المستشار عبد الله العقيل .

    2. القدوة الصالحة ، أخلاق قرآنية ونماذج ربانية / حسني أدهم جرار .

    3. صحيفة اللواء عدد 1475 تاريخ 10/10/2001م .
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-09-06
  5. الحُسام اليماني

    الحُسام اليماني مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-06-07
    المشاركات:
    3,541
    الإعجاب :
    0
    و لتكن لنا وقفة أسبوعية مع علم من أعلام الدعوة الإسلامية

    نتعلم من سيرهم العطرة ليكونوا لنا قدوة في طريق الدعوة إلى الله تعالي

    وليقراء كل عضو هذا السيرة العطرة وليكتب ما إستفادة من هذه الداعية

    ونسال الله تعالي ان نستفيد جميعا
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-09-06
  7. ذرى المجد

    ذرى المجد عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-01-19
    المشاركات:
    602
    الإعجاب :
    0
    رحم الله بن تيمية الصغير ((مصطفى السباعي)) وأسكنه فسيح جناته

    شكرا لك أخي الحسام اليمني
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-09-08
  9. بروكسي

    بروكسي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-09-01
    المشاركات:
    15,136
    الإعجاب :
    3
    من رأيي لو يتم تقسيم المجلس الإسلامي إلى مجلس اسلامي ومجلس سلف
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-09-08
  11. الشاحذي

    الشاحذي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-04-16
    المشاركات:
    18,231
    الإعجاب :
    9
    إذا كان الإبتداع يعني مخالفة الأخوة السلفيين في ( آرائهم ) فهذا لامشاحة فيه ومن الوسع ما يعجز أي كان عن تضييقه ..

    لكن أن يصير الأمر تأويل وتحوير للمواقف دون مسوغ سوى حظ من الدنيا وحسد أول ما يبدأ بصاحبه فعظم الله أجر الجميع ..

    الأخ السلفي عوض الله علينا فيه ..
    هل رأيت مؤلفات الشيخ وكتبه ؟؟ ألم يستوقفك كتاباً واحداً ؟؟ وما هي إمكانياتك لتقارن نفسك بالعمالقة وليس ذلك فحسب بل تصل إلى حد قذفهم والتعدي عليهم ؟؟؟ فما هي الأمور التي قدمتها للإسلام إلى جانب الأمور الكثيرة التي قدمتها للشيطان وفي مقدمتها التعدي على نجوم الأمة وعلمائها ومصدر عزتها ..

    ولكنك لا تفهمون ...

    والسلام عليكم ..
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-09-10
  13. عوض علي الخليفي

    عوض علي الخليفي عضو

    التسجيل :
    ‏2004-12-20
    المشاركات:
    111
    الإعجاب :
    0
    --------------
    محذوووووف
    ------------
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-09-10
  15. عوض علي الخليفي

    عوض علي الخليفي عضو

    التسجيل :
    ‏2004-12-20
    المشاركات:
    111
    الإعجاب :
    0
    لي عودة بالغد باذن الله تعالى
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-09-10
  17. ابو خطاب

    ابو خطاب قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-10-31
    المشاركات:
    13,910
    الإعجاب :
    1
    جزاك الله خير اخي الحسام اليماني

    ورحم الله الشيخ الفاضل والعالم الكبير مصطفى السباعي رحمة واسعة فهو من افذاذ الدعاة والعلماء في عصره ...


    والدكتور مصطفى السباعي كان من المهتمين بالتقارب بين السنة والشيعــة وباشر تدريس فقه الشيعة في كلية الشريعة بدمشق وكذلك في كتبه ،لكن وجد الإعراض مـن الشيعة الرافضة وعبر عن هذه التجربة في كتابه (السنــة ومكانتــها في التشريع الإسلامي ) مقالاً ( كأنه المقصود من دعوة التقريب ، هي تقريب أهل السنة إلى مذهب الشيعة ) .

    وقد كانت له هذه التجربة لكنه انه اكتشف ان هؤلاء القوم لايستحقون التقارب كما جربها كذلك الاستاذ سعيد حوى رحمه الله والف كتابا اسماه "الخمينية شذوذ في المواقف وشذوذ في العقائد"

     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2005-09-11
  19. عوض علي الخليفي

    عوض علي الخليفي عضو

    التسجيل :
    ‏2004-12-20
    المشاركات:
    111
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    نشرت مجلة الاخوان المسلمين عام 1981م لقاء صحفي وقع مع المرشد العام للاخوان المسلمين في سوريا مصطفى السباعي حينما تولى منصب المرشد العام واجريت معه عدة اسئلة منها :
    الاستاذ الدكتور مصطفى السباعي كيف تقيمون دعوتكم وغالب الناس هنا في سوريا مازالوا يعتقدون الاعتقادات الشركية والتمسح بالقبور والذبح لها والنذر لها ودعائها من دون الله ...؟
    الجواب : قال المرشد المحترم دعنا نترك هذا جانبا وليبقى الناس على وضعهم هذا فان هذا ليسى هي مهمتنا الكبرى ان مهمتنا الكبرى محاربة الشرك السياسي ولندع هؤلاء يطوفوا بقبور الاولياء والصالحين ويسرجوا عليها السرج ويتوسلوا اليها فان هذا مايضر بدعوتنا لمحاربة الشرك السياسي شرك القصور واتركنا من شرك القبور ...!!!!

    قلت سبحان الله وهل بعث الله الانبياء لهذا واكبر طغاة وحكام الارض كان فرعون عليه لعنت الله ادعاء الالوهية والربوبية ومع هذا كله لم يبعث الله موسى عليه السلام لمنازعت فرعون في ملكه ولكن بعثه ليدعي فرعون وبني اسرئيل الى التوحيد والاعتقاد في الله الواحد القهار وترك الاعتقادات الباطلة من سحر وشعوذة وغير ذلك .....
    فهل ترك موسى دعوة التوحيد ونبذ الشرك والشعوذة من اجل ان فرعون طغى وادعا ماليسى له به حق

    قلت ايضاً ولئن مصطفى السباعي نفسه معتقد في هذا الشرك الاكبر والصريح فانه لاينكره ولهذا ترك شرك القبور الذي يستطيع ان يغير اصحابه لو صدق مع الله , ولكنه ذهب الى شرك القصور كما يزعم فلا لباطل خذل ولا لحق نصر وقد احسن من قال ( كالمستجير من النار بالرمضى ) .
    هذا هو المرشد والكتور والداعية والمجاهد ....الخ
    فكيف بالله عليكم في الاتباع
     

مشاركة هذه الصفحة