موعد

الكاتب : ريا أحمد   المشاهدات : 580   الردود : 3    ‏2002-03-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-03-08
  1. ريا أحمد

    ريا أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-29
    المشاركات:
    201
    الإعجاب :
    0
    إلى صديقتي التي لم تيأس الانتظار


    كانت تعلم جيداً انه لن يأتي ،فستظل تنتظره حتى غروب الشمس ،وتعود خائبة كالعادة ،ومع ذلك حارت في اختيار الثوب الذي سيزيد من جمالها أمامه .
    أخرجت الثوب الأحمر ، إنه جميل هل ترتديه؟ لا، وضعته جانباً وأخذت الفستان "السوارية" الأسود إنه سبب تعرفها عليه .
    تتذكر جيداً ذلك اليوم ، لقد كانت في الصالة الداخلية لنادي ليالي الشرق ؛كانت في انتظار خطيبها الذي كان التأخير طبعاً متأصلاً فيه .
    كانت الموسيقي الهادئة ،والجو المحيط يبعث في النفس الاستقرار والطمأنينة، لهذا كانت تحب هذا المكان ؛ربما لأنه يعوضها عما تفتقده في حياتها رغم مظاهر الغنى والرفاهية التي ترعرعت عليها .
    كانت تشرب القهوة الإيطالية المعروفة"الكابتشينو" ؛فقد كانت من عشاق الأكلات والمشروبات الإيطالية رغم أنها لم تمكث في إيطاليا سوى عامين أو ثلاثة.
    هيأ لها ذلك الجو بيئة رائعة لتتذكر حياتها التي تغيرت فجأة من النقيض إلى النقيض ؛
    فقد كانت تعيش بين أفراد عائلتها في بيت جميل راق رغم صغره ،وكان جميع أفراد العائلة يجتمعون علي طاولة الطعام لتناول وجباتهم الغذائية مجتمعين ،ولم يحدث أن تخلف أحد عن المائدة . تتذكر غرفة الجلوس التي كان يجتمع عليها كل أفراد العائلة يتناقشون ويتضاحكون ويتسامرون، كانت تشعر بأن الجميع حولها، وكانت تشعر وكأنها ملكة العالم بقربهم.
    قطعت خلوتها قهقهات لبعض الشباب والشابات في ركن من أركان الصالة، التفتت إليهم وقد أحزنها أن ترى الشباب وقد بطلت أخلاقهم ، لكن ما الذي يدفعهم إلى ذلك ؟ ألم تكن هي في يوم ليس ببعيد مثلهم ، ألم تكن تبحث عمَّن يعوضها عن ما تفتقده في عائلتها ؟ ألم تكن لها شلة من الشباب والشابات ؟لماذا تحتقر أولئك الشباب إذن ؟هل لأنهم في دولة عربية وليسوا في إيطاليا أوفي دولة أجنبية كما كانت هي؟
    لقد كانت الحياة الجديدة التي نقلتها مع عائلتها من مستوى معيشي متوسط إلى مستوى أعلى كفيلة بتغيير جميع المقاييس المادية والإنسانية؛ فقد انتقلوا إلى منزل كبير، وانفرد كل منهم بحجرة مستقلة، وبدأت المسافات تبعدهم عن بعض تدريجيا؛ فقد كانت لا ترى أشقاءها إلا مرة واحدة كل أسبوع أو ربما كل أسبوعين رغم أنهم مازالوا يقطنون معها نفس المنزل ،ولا تجتمع مع شقيقاتها إلا في المناسبات ،حتى عندما ذهبت للدراسة في إيطاليا لم يعترض أحد على ذهابها للدراسة بمفردها ،ورغم الفرحة التي شعرت بها في البداية ، إلا أنها شعرت بعد ذلك بمرارة الحزن كون أحد أفراد عائلتها لم يشعر بالخوف أو القلق عليها حتى والدتها لم تجد صعوبة في إقناعها عندما حاولت الاعتراض.
    وحينما كانت ذكرياتها تجول بخاطرها ،جلس أحدهم على المقعد الكائن بجوارها دونما إذن، كان شاباً وسيماً لا تتذكر أنها رأته من قبل ، وقبل أن تفتح فمها سألها بكل رفق وأدب:
    -أنت رائعة الجمال فلماذا ترتدين لون الحزن؟
    بادرته بالإجابة وكأنها تتحدث مع صديق حميم رغم أنها تكره المتطفلين :
    -اعشق هذا اللون .
    بعثت كلماتها شيئاً غريباً في نفسه ،فعاد يسألها وقد اطمأن أنها لن تصده عما يستفسر عنه :
    -أتمنى ألاَّ يكون هذا نابعاً من جرح ألم بحياتك .
    -أو يعرف قلب الإنسان غير هذا اللون ؟أنا لا أنكر طبعاً اللحظات الخاطفة التي نشعر فيها بالفرح تلك اللحظات التي ربما لا تأتي ..
    كان حديثها مؤثراً، وكان له وقع خاص في نفسه ولاسيما أنه قد مر بما تمر به هي الآن ؛ فقد جعله تفكك أسرته إنساناً ضائعاً مدمناً للكحول والمخدرات ولكنه الآن قد تجاوز محنته عندما تضامنت عائلته لمعالجته مما سببوه له ؛كانت تجربه مريرة لا يحب أن يمر بها أي شخص . أفاق من ذكرياته وقد عزم على مساعدتها لتجتاز هذه المرحلة فبادر بالقول :
    -لا أحب أن يكون لون الحزن لونك.
    نظرت إليه بدهشة، وتنبهت إلى حديثها معه، كيف يجرؤ على مصارحتها بما يحب وما لا يحب؟ من يكون حتى يسمح لنفسه بأن يشترط عليها لونها ؟نظرت إليه بازدراء ورحلت مسرعة وكأنها تهرب من جريمة اقترفتها، رحلت دونما اكتراث بموعد خطيبها .
    قررت ألاَّ تذهب لمقابلته بهذا الثوب لأنه يكره اللون الأسود ،إلا أنها لا تزال تحبه فقد كان سبب تعرفها به .
    ارتدت أخيرا الثوب الأبيض ،إنه ثوب أنيق جداً ،كما انه الهدية التي قدمها لها ليعبر بها أن الحياة صفاء وسعادة وليس حزن وكآبه .
    منذ تلك الليلة في النادي وهي لا تستطيع أن تمنع نفسها عن التفكير فيه، وترديد كلماته، ومحاولة اتباع مذهبه في الحياة، ورغم أنها قررت التخلف عن الذهاب إلى النادي وكأنها اقترفت جٌرماً مشيناً لا ترغب في تذكره، إلا أن لوعتها وإعجابها به شدها إليه فذهبت أخيراً، فقد كانت تشعر أن شيئاً ما يشدها إلى النادي غير الموسيقي الهادئة والقهوة الإيطالية كان يشدها حديثه الدافيء .لم تستطع التأخر عنه أكثر من ذلك فذهبت دون أن تخبر خطيبها بذلك، بل أنها لم تخبره بخلع الخاتم من أصبعها، ربما لأنها لا تزال حائرة بين حياتها وبين ما قاله ذلك الشاب في النادي ، ذهبت دون أن تحاول سؤال نفسها ماذا تريد منه ولماذا تعود إليه .
    وما أن وطأت قدماها أرض الصالة حتى وجدته جالساً على نفس طاولتها وعيناه مسمرتان بالباب كأنه في انتظار شخص ما يخاف عدم مجيئه .وما أن رأى عينيها حتى هب واقفاً، أسرع إلى باب الصالة قائلاً :
    -خفت ألاَّ تأتين الليلة أيضاً .
    لم يزعجها كلامه ،بل أنها فرحت كثيراً لاهتمامه بها، ذلك الاهتمام الذي افتقدته منذ زمن ولم تجده حتى عندما ذهبت للبحث عنه في إيطاليا ،حاولت أن لا تبدي فرحتها ؛ فردت عليه ببرود مفتعل :
    -لماذا؟
    -منذ تلك الليلة وأنا انتظرك كل يوم حتى بات الأمل يهجرني رويداً رويدا .
    -وماذا تريد مني ؟
    سألته رغم أنها لا تدري ماذا تريد منه .توجهت إلى الطاولة التي اعتادت الجلوس عليها والتي كان جالساً عليها منذ لحظات .
    مد يديه لإعطائها شيئاً ملفوفاً بغلاف جميل :
    -أريد أن أعطيك هذا !
    أخذته وهي مندهشة :
    -ما هذا !؟
    -أتمنى أن أراك به غداً .
    مضى وانثنت هي خلفه عائده إلى منزلها لترى ثوباً أبيض في غاية الرقة والأناقة .إنه أجمل من تلك الثياب التي اعتادت شراءها من باريس، ومن تلك الثياب التي اعتاد والدها أن يشتريها لها من أماكن سفره ،فهذا الثوب يشعرها بأهميتها وأنوثتها .
    ارتدت الثوب الذي كان مناسباً جداً لها وكأنه صنع خصيصاً لها واستغربت كيف استطاع أن يعرف مقاسها برغم قصر المدة التي انقضت بينهما.
    كانت مشتاقة للذهاب بالثوب الذي أهداه لها كاشتياق الأطفال للعيد.
    جاء المساء ولم يأت بعد، انتظرت ساعة ..ساعتين ..ثلاث ساعات ،بدأ الناس ينصرفون وهي تنتظر، أخبرها النادل بأن النادي يجب أن يقفل أبوابه الآن ،لايهم لعله لم يتمكن من الحضور الليلة وسيأتي غداً .
    في اليوم التالي ارتدت الثوب الأبيض ذاته وذهبت لكنه لم يأت ..جاءت الليلة الثالثة، والرابعة ، والخامسة ،وانقضى الأسبوع الأول وتلاه الثاني و كذلك الثالث ،وهي مازالت ترتدي الثوب الأبيض، وخاتم الخطوبة بعيد عن إصبعها .
    نظرت إلى نفسها في المرآة والدموع تختلط بالكحل لتتلون بلون الحزن الذي لم يحبه، ولكن كيف لا تكون كذلك وقد ذهب عنها تاركاً لها ثوباً ابيضاً ودموعاً سوداء .مسحت دموعها ولملمت ذكرياتها لتذهب إلى قبر من أحبته دون أن تعرف اسمه.


    فبراير 99
    :(
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-03-24
  3. desert rose

    desert rose عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    372
    الإعجاب :
    0
    يالها من تجربه انسانيه فريده في نوعها..في البداية استشعرت بعض الغموض في القصة..لكن سرعان ما انقشع الضباب
    ورأيت الموقف هذا على درجة كبيره من الوضوح والبساطة..يالخيال الانسان واحلامه!!سبحان من وهبنا كل هذا العالم الواسع .. بإتساع المالانهاية..(عالم الاحلام)
    **
    متألقة كما عهدتك ريا..استمري في امتاعنا
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2002-03-26
  5. ريا أحمد

    ريا أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-29
    المشاركات:
    201
    الإعجاب :
    0
    هلا بالزهرة البرية

    اشكركِ كثيراً يا الزهرة البرية
    سعيدة بان القصة نالت استحسانك
    لكِ محبتي
    الريانة
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2002-03-27
  7. jemy

    jemy عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2002-03-26
    المشاركات:
    1,426
    الإعجاب :
    0

مشاركة هذه الصفحة