المناظرة الكبرى..القاعدة والحركيون وجها لوجه (لويس عطيةالله)

الكاتب : بدوي من شبوه   المشاهدات : 526   الردود : 0    ‏2005-09-03
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-09-03
  1. بدوي من شبوه

    بدوي من شبوه عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-10-01
    المشاركات:
    776
    الإعجاب :
    0
    المناظرة الكبرى..القاعدة والحركيون وجها لوجه


    سيؤلفون كتبا عني !
    لماذا ؟ ماهي إنجازاتك اللعينة ؟
    لا شيء سوى أنني استطعت إثبات أنكم لم تنجزوا شيئا !
    وماذا لديك الان لتقوله ؟
    ما يقوله أي لويس عطية الله آخر !
    المزيد من الإثباتات العقلية والنظرية على صحة خيار المجاهدين من تنظيم القاعدة .. وخطأ خياراتكم ..

    كان ذلك ختام الحوار العاصف بيني وبين أحد القيادات الحركية التقليدية والذي سأرمز لاسمه بـ (أبو ياسر ) .

    بدأ الحوار بالشكل التالي:

    قال أبو ياسر: لقد كانت ضربة سبتمبر حدثا خطيرا تضررت منه الدعوة كثيرا وألب العالم علينا.

    قلت: حسنا لماذا لم تمنعوه؟

    قال : وكيف نمنعه؟

    قلت يا أبا ياسر : أنتم جماعات واسعة الانتشار ولديكم علماء وقيادات ثقافية وحركية وأساتذة جامعات وشخصيات مؤثرة في معظم البلاد العربية فكيف تسنى لابن لادن أن يصنع التاريخ ويأخذ قلوب الناس ويصبح قطبا في مواجهة الغرب، وكيف تسنى له أن يضع الغرب في مواجهة مكشوفة وعريضة وساخنة مع الإسلام، بينما أنتم مشلولون، حتى الأخبار لا تعرفونها إلا من وسائل الاعلام.

    قال : وماذا عسانا أن نفعل أمام هذه الشرذمة من المتهورين؟

    قلت: سبحان الله ها أنت قلت شرذمة من المتهورين، وكأنك تعيد ألفاظا يستخدمها الإعلام الغربي عندما يصف حربه ضدهم بأنها ضد ( فلول القاعدة ) ألم تسألوا أنفسكم كيف يستطيع المتهور أن يصنع التاريخ ويسحب البساط من تحت أقدام الجميع؟ ثم كيف يستطيعون وهم "شرذمة" صغيرة كما في وصفك لهم أن يتصرفوا باسم الإسلام ويصنعوا هذا الاستقطاب العالمي؟ بل كيف يستطيع المتهور أن يخترق أقوى مخابرات في العالم ويدبر تلك العملية المعقدة بينما هو تحت نظر وبصر ومتابعة العالم بل وهو محاصر مشرد لا يكاد يحصل على قوت يومه؟

    فقال أبو ياسر: اصبر لحظة، نحن لم نجزم بعد بأن بن لادن وجماعته خلف العملية ولا تزال هناك دلائل كثيرة على أن جهات أخرى ربما تكون خلفها، وما ذكرته أنت من كونهم محاصرين ومراقبين ومشردين وفقراء وكون العملية تحتاج إلى دقة متناهية وضبط ونجاح في كل خطوات التنفيذ يكاد يجعل كون بن لادن وجماعته خلف العمل أمرا مستحيلا. بل دعني أكرر عليك ما قاله أحد زملائنا الحركيين أن لو اجتمعت كل الجماعات والحركات الإسلامية بل والدول الإسلامية ومخابراتها ما استطاعت تنفيذ مثل هذه العملية.

    فقلت: هل تريد إفهامي أنك تعتقد أن المسلم يستحيل أن ينجح في عمل معقد كهذا ولا ينجح به إلا الكافر؟

    فقال: لم أقل ذلك لكن الحادث كبير وهائل يكاد يستحيل أن ينفذ دون تواطؤ من السي آي إي أو الموساد أو أمثالهما.

    فقلت: لنكن واضحين، فرق بين أن تكون قوة أخرى خلف العمل بالكامل وبين أن يكون نفذه بن لادن بتواطؤ من السي آي إي، هل لك أن تختار بينهما؟

    فقال: هناك كلام كثير وأدلة على أن الحادث ليس من صناعة بن لادن والقاعدة. الناس تناقلوا كثيرا من الأدلة ولخصت الأدلة في كتاب لعلك سمعت عنه.

    فقلت: نعم وذلك الفرنسي الذي كتب كتابه أجزم أنه مجنون أو يطلب شهرة لكن هاهنا ملاحظتان على كلامك، أولا، إذا كان الحال كذلك فلماذا تلومون بن لادن إذاً ؟ الرجل ليس مسئولا حسب زعمك فلماذا نعتبر بن لادن تسبب في ضرر للعمل الإسلامي وألّب العالم علينا كما تقول؟ ثانيا، هل تتوقع أن أمريكا تؤلف كل هذه القصة الطويلة العريضة ويظهر بن لادن بنفسه ويثني على الأسماء المذكورة ومع ذلك يكون ليس لابن لادن والقاعدة أي دور في الموضوع؟

    فقال: المسألة معقدة، يصعب الجزم بهذا أو ذاك لكن دعنا نقل إن كانت القاعدة خلف العملية فلا بد من تواطؤ مخابرات عالمية كبرى مثل السي آي إي أو الموساد.

    قلت: حسنا .. أنت مستعد أن تتصور أن السي أي آي أو الموساد تتواطأ مع بن لادن ولست مستعدا لأن تتصور أن بن لادن وجماعته أو جهة مسلمة تستطيع أن تنجزه لوحدها؟

    فقال: لم أقل ذلك بل قصدت أن السي آي إي أو الموساد ربما اخترقت بن لادن وجماعته وساقتهم لهذا التصرف وسهلت إنجاح العملية دون أن تتواطأ بشكل مكشوف؟

    قلت: يعني أنت إذاً مستعد أن تتصور أن السي آي إي أو الموساد تدير هذا العمل المعقد بكل اقتدار ومع ذلك لا تستطيع الآن أن تعرف مكان بن لادن الآن؟ وسؤال آخر، أنت مستعد أن تتصور أن السي آي إي أو الموساد تدير هذا العمل المعقد بكل اقتدار ولايتسرب شيء من اختراقها ولست مستعدا لأن تصدق أن بن لادن وجماعته يستطيعون أن ينجزوا مثل هذا العمل؟

    فقال: أبو ياسر من قال أن أمريكا لا تعلم مكان بن لادن الآن؟ إذا تصورنا أن العمل من السي آي إي لهدف تحطيم الطالبان والتحكم بآسيا الوسطى ولا أظنك تجهل أن أمريكا لديها هدف استراتيجي في ضمان وصول إمدادات نفط بحر قزوين وتقليل الاعتماد على نفط منطقة الخليج ولذا فإن من مصلحة أمريكا بقاء بن لادن لتبرير وجودها المستمر ولا يوجد وضع مثالي مثل الوضع الحالي الأمريكان يعلنون أن بقائهم في أفغانستان سيطول ! أليس ما حدث هو تحقيق لهدف أمريكا الاستراتيجي الخاص بنفط قزوين؟ أما السؤال الآخر فنعم هذا عمل هائل لم نتعود أن ينفذه مسلمون ومن الممكن أن تتكتم أمريكا على عمل هائل مثل هذا مثلما تكتمت على عملية خليج الخنازير.

    فقلت: يا أبا ياسر ما قلته للتو هو أحد أكثر الأشياء غير المعقولة التي سمعتها وأستغرب من هذه العقلية المؤامراتية الخيالية، يعني أنت مستعد أن تتصور هذه المخابرات تدمر البنتاجون ومركز التجارة وتضرب هيبة أمريكا في الصميم بعملية غاية في التعقيد والخطورة عالميا وكل ذلك الذي لا يتسرب منه شيء ينجز فقط لتبرير ضرب الطالبان؟ هل كان ضرب الطالبان يستدعي مثل هذا التبرير؟ لو كنت أنت رئيسا لأمريكا أو السي آي إي هل كنت ستختار هذا الخيار لتبرير ضرب الطالبان والقاعدة؟ وأنت مستعد أن يجنح بك الخيال لكل ذلك ولا تتخيل أو تتصور أن القاعدة تستطيع أن تنجز العمل بكل تفاصيله بمفردها؟ أما بالنسبة للهدف الاستراتيجي فدعني أتفق معك أن أمريكا لديها هدف فعلا في مسألة نفط قزوين لكن هذا الهدف الاستراتيجي منفصل تماما عما نحن فيه ، نحن نتحدث عن عملية 11 سبتمبر وأنت تستخدم مسألة نفط قزوين كقرينة لتصحيح نظرية المؤامرة وأن أمريكا ضربت نفسها لتأتي إلى أفغانستان .. حسنا هذا خيال جامح وكون أمريكا تريد نفط قزوين لا يعني أبدا أنها ستضرب نفسها من أجل تحقيق هذا الهدف بل باعتراف الأمريكان فإنهم كانو يخططون لحرب طالبان قبل 11 سبتمبر بمدة طويلة .. بعبارة عامية ( بن لادن تغدى بهم قبل أن يتعشوا به وبطالبان ) ..
    ثم هل تعتقد أن مصداقية أمريكا تبقى مع عدم القبض على بن لادن أو قتله؟ وإذا كنت فعلا تعتقد أن أمريكا تعرف مكان بن لادن ولا تريد القبض عليه فأنصحك بأكل الفجل إذ يقال إن له مفعولا في تصاعد الأبخرة للدماغ حتى ( ينعدل ) المزاج هذا ما قاله (بطليموس ) في ( المجسطي ) !

    فقال: دعك من السخرية !

    قلت أنا لا أسخر لكن أنت تتحدث بشيء من التهريف ولا ينفع معك سوى ما فعله ( عليّان ) المجنون مع أبي يوسف القاضي ، وهل تعرف ما فعل عليان في مناظرته لأبي يوسف القاضي ؟
    قال أخبرني
    قلت إن عليان رأى أبا يوسف يمشي فقال له يا أبا يوسف مسألة ؟ فقال أبو يوسف سل
    فقال عليان: يا أبا يوسف أليس الله قال ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم مافرطنا في الكتاب من شيء )
    فقال أبو يوسف نعم
    قال عليان: وأليس الله قال ( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير )
    فقال أبو يوسف نعم
    فقال عليان: فمن نذير الكلاب يا أبا يوسف ؟
    فنظر أبو يوسف متأملا ومتعجبا ! وقال .. لا أعلم أخبرني من ( نذير الكلاب )
    فقال عليان لا حتى تأمر لي بفالوذج .. فأمر أبو يوسف من يحضر له طلبه ثم أخذه للمسجد وجلس أبو يوسف وطلابه ينتظرون عليان المجنون حتى يفرغ من الطعام ، فلما فرغ قال أبو يوسف .. هيه يا عليان أخبرنا من نذير الكلاب ؟
    فأبتسم عليان ثم أخرج من جيبه ( حجرا ) وقال .. هذا نذير الكلاب يا أبا يوسف !

    ضحك أبو ياسر وقال: لنعد إلى ماكنا فيه ثم أردف: صدقني لا يمكننا تصور أن القاعدة تستطيع أن تنجز هذا العمل لوحدها، وأما مصداقية أمريكا فنعم تعرضت لتحدي لكن المكاسب الأمريكية من السيطرة على المنطقة والهيمنة على أواسط آسيا أهم من المحافظة على مصداقية في قتل بن لادن. وهم -على كل حال- قد كسبوا مصداقية كبيرة في القضاء على طالبان وحشر أفراد القاعدة في أقفاص جوانتانامو.

    فقلت: الانجليز قالوا: فتش عن المرأة والقوميون العرب قالوا: فتش عن اليهود .. وجاء وقت الحركيين الاسلاميين ليقولوا: فتش عن الأمريكان ! أما كونك لا يمكنك تصور أن القاعدة يمكنها إنجاز هذا العمل فهي مشكلتك أنت وحدك ومن جمعتهم في كلمتك ( لا يمكننا ) ممن هو يحمل نفس المضمون الدماغي ..
    نستطيع أن نقول حسب كلامك أنك تنتظر حدوث الوقائع لتبحث عن تفسير أمريكي لها، بمعنى تبحث عن تفسير مبني على أن أمريكا خلف كل حدث ولا يمكن أن يحصل شيء خلاف مراد أمريكا؟ حدث سبتمبر نفسه تواطؤ من أمريكا، ترك بن لادن حيا تواطؤ من أمريكا. طيب إذا كانت أمريكا لديها هذه القدرة الجبارة في صناعة الأحداث والتحكم بالتاريخ والقدرة على اختراق كل الناس فلماذا تؤذي نفسها كل هذا الإيذاء وتتسبب في قتل الآلاف وتدمير منشآت تمثل قلب رأسمالية أمريكا وتتعرض لهذا الخطر من أجل تنفيذ مشروع في أفغانستان؟ لماذا لا تشرع فورا في تنفيذ ما تريد وخلاص؟ ما هي المشكلة في أن تحطم أمريكا طالبان ؟ تحالف الشمال مستعد أصلا للتعاون معها من زمان بل يوجه لها اللوم من سنين. وما دامت أمريكا مخترقة للقاعدة والطالبان فقدرتها على تحطيمهم وتحطيم الطالبان لا تحتاج لعملية سبتمبر. أنت الآن بين خيارين إما أن تقول إن أمريكا هي التي تحكمت بالأحداث وأن لديها قدرة فائقة تمكنها أصلا من تحطيم طالبان من دون أن تبحث عن مبرر، أو أن تعترف أن أمريكا فوجئت بالحدث مثلما فوجئ غيرها.

    فقال أبو ياسر: لا تلزمني إلزامات لا أقبل بها، أمريكا لديها قدرة فائقة صحيح لكن تحتاج لمبررات بعض الأحيان؟

    قلت: مبررات ماذا ومن ذا الذي سيقف في وجهها حسب كلامك وتصورك لقوة أمريكا التي تطرحه؟ وهل المبررات تصل إلى حدث بمثل ضخامة وتعقيد حدث سبتمبر؟

    شعرت أني أحاصر أبا ياسر وبدا ذلك من عبارته حيث قال: لا تفهم من كلامي أني جزمت بذلك، لكن التجربة التاريخية تدل على أن أمريكا مستعدة للتضحية ببعض مواطنيها أو حلفائها من أجل أهداف استراتيجية.

    فقلت: (تعلّمني بضب أنا حرَشته ؟) أنا مدرك لما تقول لكن ضع في ذهنك أن أحداث سبتمبر أولا كارثة وطنية بالحسابات الأمريكية، ثانيا قتلى بالآلاف، ثالثا عمل غاية في التعقيد يحتاج التواطؤ فيه مستويات متعددة يستحيل المحافظة على السرية فيها، كل ذلك مقابل ماذا؟ تبرير؟ تبرير ماذا؟ من الذي سيرفض إرادة أمريكا في المنطقة؟ المسلمون؟ أنت قلت أنهم عاجزون، الروس، الأوربيون؟ من؟

    وللخروج من المأزق قال: دعنا نقول إن السؤال قائم وكفى ولا نقفل الباب أمام هذا الاحتمال.

    فقلت له وقد أردت مجاملته ..! يا صديقي إذا جاءتك ركلة من الخلف فلا تنزعج فما زلت في المقدمة..!! وقد فرغنا من أول قضية تناقضت فيها في أول جملة حيث قررت أن الدعوة تضررت بسبب أفعال (الشرذمة) ثم ها أنت في النهاية تقول إن القاعدة ربما لم تنفذ العملية لوحدها والسؤال ما زال قائما حول وجود أطراف متواطئة لتسهيل العملية سواء بعلم القاعدة أو بدون علمها ..

    بعد ذلك تحول النقاش إلى جهة أخرى وهي ماذا لو تقرر نهائيا أن القاعدة وراء العملية بشكل مستقل تماما :

    فقلت: حسنا أفهم من كلامك أنه مجرد تساؤل وليس جزما أعني حول قضية من المسئول عن العملية. لو افترضنا العكس يعني أنه ثبت قطعيا -وسترى ذلك قريبا بإذن الله- أن بن لادن وجماعته خططوا لهذا العمل ونفذوه بطريقة غاية في الدقة والاستقلالية والسرية دون تدخل ولا تواطؤ من أحد ماذا سيكون موقفك؟

    قال أبو ياسر: سنضطر أن نعترف أنه نجاح في تنفيذ عملية معقدة غاية في التعقيد والصعوبة لم نتعود أن يستطيع المسلمون تنفيذ مثلها. لكن هذا الاعتراف لا يعني الموافقة على العمل نفسه. بعبارة أخرى سنعتبرها إتقانا منقطع النظير في وسيلة، ولكن لهدف خاطيء بل مدمّر، مدمر للدعوة، للعمل الخيري، متسبب في القضاء على دولة إسلامية ناشئة هي طالبان، مبرر لحملة أمريكية دائمة على الإسلام بحجة الإرهاب.

    فقلت: دعنا نكمل الحديث عن الوسيلة أولا، هل تعتقد أن هذه العملية كان يمكن أن تتم لولا دعم وتوفيق رباني؟

    قال: اتفقنا أنها تحتاج عبقرية خارقة في التنفيذ لكن ماذا تقصد بالدعم الرباني؟ لماذا تفترض أن الله راض عن هذه العملية ؟ هذه العملية كما قالت العرب ( بقل شهر وشوك دهر ) وما زلنا نتلظى بشوكها..

    فقلت: أما وقد استشهدت بأمثال العرب: فقد قالوا أيضا في أمثالهم ( الروم إذا لم تُغزَ غزت ) ، وما فعل بن لادن أكثر من أن غزاهم ! وأما كون العملية قد حازت على توفيق رباني فقلي لي كيف يستطيع هؤلاء بجهد بشري مجرد أن ينفذوا عملا غاية في التعقيد والتفاصيل ويستغرق كل هذا الوقت ويحتاج لحركة بشرية ومالية وتفاصيل لوجستية كثيرة دون أن يكشف شيء من ذلك؟ وكيف تنجح كل حالات الخطف بالتفصيل وتصيب ثلاث منها أهدافها بدقة؟ وكيف ينهار كلا مبنيي مركز التجارة بينما هي مصمّمة على أن تصمد أصلا لحادث اصطدام طائرة؟ هل قرأت القائمة الطويلة التي نشرتها السي إن إن للشروط التي يجب أن تتوفر حتى ينهار مركز التجارة مثلا وتوفرت كلها في كلا حالتي الطائرتين اللتين ضربتا مركز التجارة؟

    فقال أبو ياسر وقد انفرجت أساريره وظن أنه وجد في عبارة ( توفيق رباني ) ممسكا ..
    هذه المسائل لا يمكن أن تقول إنها توفيق رباني، الطائرة الرابعة مثلا لم تصب هدفها، هذا غالبا نجاح في جانب ومشاكل في جانب آخر.

    فقلت: يا أستاذنا الكريم الطائرة الرابعة لم تسقط إلا بعد خطفها والخطف بحد ذاته حصل وعدم إصابتها لهدفها لا يأتي شيئا أمام الإنجاز الهائل في تحطيم مركز التجارة وتهاويه أمام كاميرات التليفزيون.

    فقال ليحسم الكلام على مسألة التوفيق الرباني:
    أعتقد أن الحساب بهذه الطريقة صعب ومسالة التوفيق الرباني مبنية على أن المشروع أو الهدف أمر لمصلحة الإسلام والمسلمين ونحن نعتقد أن الحادث ضار بالمسلمين ومدمّر لهم كما ذكرت فكيف يكون فيه توفيق رباني؟

    فقلت: حسنا رغم اعترافك بعبقرية العملية وعدم قدرتك في البداية على تصور أن مسلمين فعلوها ثم عندما تأجل حسم هذه القضية وقلت إن السؤال مازال قائما ، وقلت لك لنقل أن الأدلة ستثبت أنها من فعل مسلمين فقلت (سنضطر أن نعترف أنه نجاح في تنفيذ عملية معقدة غاية في التعقيد والصعوبة لم نتعود أن يستطيع المسلمون تنفيذ مثلها) ، ومع ذلك لا تريد الاعتراف أن هناك توفيقا ربانيا لو فعلها مسلمون وفق تشكيكك. أما نحن فنعتقد جزما أن الله سبحانه يسر للمجاهدين من تنظيم القاعدة كل السبل حتى نجحوا في دك صروح أمريكا في عقر دارها ولا نفهم معنى للتوفيق الرباني إذا لم يكن هذا توفيقا وقد ظل أحبابنا من تنظيم القاعدة ستة أشهر أو أكثر يقنتون ويدعون الله أن تنجح العملية ، أنت محتاج فعلا لتأمل تفاصيل العملية منذ الإعداد الأولي لها قبل سنتين تقريبا ثم النجاح المبدع في توجيه الطائرات حتى لحظات ارتطامها بالبرجين .. إن وصف استحالة تنفيذ العملية من قبل مسلمين كما تقولون ويقيننا مسبقا بأن المجاهدين هم الذين نفذوها هو الذي يجعلنا نجزم أن في الأمر توفيق رباني واضح يراه كل مؤمن بالله ورسوله ! لكن هذا يعيدنا لسؤال مهم جدا وهو كيف ينجح بن لادن في التحكم بأمريكا واستفزازها ضد الإسلام كله ويصنع هذا الاستقطاب ولم يفكر أحد أبدا أن يلتفت لكم فضلا عن أن يكون لكم دور في منع أمريكا من استهداف الإسلام والدعوة والعمل الخيري؟ لماذا لم تنفع كوادركم الهائلة وعلاقاتكم العريضة وانتشاركم الكبير في منع تداعيات أحداث سبتمبر؟ لماذا يتفق كل خبراء العالم في السياسة والتاريخ والاجتماع أن ما بعد 11 سبتمبر مختلف عن ما قبله ولم نسمع عن أحد أشار إليكم ولو بشكل محدود؟

    فقال أبو ياسر: أنا لم أرفض الاعتراف بأن العمل كبير وهائل ومفصلي في التاريخ بل قلت إنه ضار، ولا يتعارض كونه كبيرا وجبارا مع كونه ضارا. أنت قلت أن بن لادن صنع هذا الاستقطاب، حسنا، هل هذا الاستقطاب أفاد المسلمين؟ أم زادهم ضعفا على ضعف؟ بل واستباحتهم أمريكا وظهرت أصوات صقور الادارة الأمريكية واليهود تطالب بردع المسلمين وتأديبهم بل تجرأوا وطالبوا بهدم الكعبة! وبعض سفهائهم طالبوا بقصف بلاد الإسلام بالأسلحة النووية حتى يخضع المسلمون فوق ماهم خاضعين ، فهذا كله يثبت أن العمل أضر الإسلام والمسلمين .

    فقلت: لابد أن أشيد باعترافك بأن هذا العمل أي 11 سبتمبر عمل كبير وجبار ومفصلي في التاريخ، وهو اعتراف آخر بعبقرية القاعدة ليس في القدرة على التنفيذ بل بالقدرة على صناعة حدث جبار وهائل رغم كونها تعيش حصارا ومتابعة وتآمرا عالميا ضدها.

    فقال: شكرا وهذه ليس عندي تحفظ عليها ودعنا نتجاوزها، القضية هي أننا نعتقد أن العمل ضار ضررا كبيرا ومدمرا للدعوة والعمل الخيري وكما قلت تسبب في إزالة دولة إسلامية فتية من الوجود

    فقلت: يجب أن أعطيك رأيي أولا في مسألة هل العمل ضار أم غير ضار، أما كونه ضارا فلا أتفق معك فيها لأن أكبر مكسب لهذا العمل هو كشف حالة السلم الزائف بين المسلمين والغرب فهذا السلم لم يكن حقيقيا أبدا منذ نجحوا في تفتيت بلاد الإسلام إلى دويلات وقسموها إلى (جمهوريات برسيم وممالك بعر وحنظل وتمر ونفط ) تابعة لهم ووضعوا في كل مكان مفصلي في العالم الإسلامي قاعدة عسكرية أو جيشا لضمان بقاء المسلمين تحت الخضوع .. ثم أنشأوا سلما زائفا، سلم نستمر نحن فيه مستعبدين وهم الأسياد، فإذا جاء بن لادن والقاعدة وحاربوا لإخراج هؤلاء العلوج قلتم أضر الدعوة ؟ كيف يضر الدعوة والدعوة أصلا لا تملك حق تقرير مصيرها ؟ إذا كان مفهومكم للدعوة هو درس تلقونه في مسجد أو محاضرة في جامعة وأنتم لا تستطيعون أن تتجاوزوا الخطوط الحمر التي حددها الحاكم، فهذه ليست دعوة، هذا تزييف للدين وإلغاء لمعنى قوله تعالى (ويكون الدين كله لله) وأنتم عندما تعيشون في هذه الدول القطرية مع الحدود والقيود التي وضعها الحاكم عليكم لا تفيدون الدعوة بل تضرونها من حيث أنكم تكرسون تزييف الإسلام الحقيقي الذي يجب أن نبلغه كاملا بدون تدخل من حاكم أو أمير أو ملك .. وما فعلته القاعدة هي أنها بدأت جهادا ليكون الدين كله لله وليس بعضه كما تفعلون أنتم في دعوتكم .. بل الأدهى والأمر أن تصبح هذه الدول القطرية والحدود التي وضعها المستعمر مفاهيم راسخة لدى عدد من مفكريكم حين يتحدثون عن (الوطن) ويقولون لنا أنتم تساوموننا وتخيروننا بين (الجهاد) و (الوطن) فنقول لهم يا مساكين إن بن لادن يحب الوطن أكثر منكم لكن الوطن الذي يدافع عنه بن لادن ورجاله ليس الوطن الذي تمسك فيه مجندة أمريكية بالبندقية لتحمي أحفاد الصحابة والنفط وإذا اعترض أحفاد الصحابة تخضعهم .. هذا الوطن ليس وطننا وليس وطن بن لادن ولا المجاهدين هذا سجن كبير تسمونه زورا (الوطن) .. أما الوطن الذي ندافع عنه فهو "كل أرض ضج فيها نداء الحق صداحا مغنى"، وأول أرض يجب أن ندافع عنها بلاد الحرمين .. وهي البلاد التي روى أجدادنا أرضها بدمائهم ليأتي الأمريكان اليوم ويحتلونها؟ ونقف متفرجين نتغنى بأمجاد (الوطن) ونزعم أننا ندافع عن الوطن؟ وهنا أسألك سؤالا أساسيا، بصفتك تشارك في عمل إسلامي حركي عريق،أليست الشمولية والعالمية والسعي لتمكين دين الله في الأرض قضايا محسومة في فكركم وبرنامجكم وخطتكم؟

    بدا أبو ياسر واجما ثم صمت للحظات ..

    وأجاب: محسومة نعم، لكن تنزيلها على الواقع يحتاج مراعاة لهذا الواقع وقبل ذلك يحتاج إلى فهم هذا الواقع.

    ابتسمت وقلت في نفسي .. مرحى أنا أحب هذا النوع من الإجابات التي تفتح لك أبوابا متعددة أخرى لطرح المزيد من الأسئلة الصعبة وهنا بادرت أبا ياسر بالسؤال: حسنا، ما هو تكييفكم لهذا الواقع؟

    فقال: الواقع أن المسلمين بمن فيهم الدعاة والعلماء مستضعفون في كل بلاد الأرض وليس من الحكمة أن يقفز المسلمون للجهاد القتالي قبل أن يستكملوا أدواتهم.

    قلت: أنا أريد جوابا أكثر تحديدا في وصف الواقع، نحن لا نريد كلاما عاما، نحن نريد جوابا محددا حول وضع الإسلام عالميا، من هو الخصم الرئيسي للإسلام كدين ورسالة وما هي شكلية حربه على الإسلام ؟ وكيف نجح في تحجيم الإسلام؟

    فقال بتذمر! ولماذا تأخذنا للمستوى العالمي؟ دعنا نحسم شؤوننا القطرية والمحلية ثم نفكر بالمستوى العالمي.

    قلت : سبحان الله، ألم تقولوا إن عالمية الإسلام جزء لا يتجزأ من فكركم ومبادئكم؟ ثم لماذا تفصل شأنك القطري كما تقول عن الشأن العالمي ؟ الله الخالق وضع النفط في أرضنا فجاء الأمريكان واحتلوا بلادنا فأصبحنا جزءا من العالمية شئنا أم أبينا .. ثم لاحظ أن حديثكم عن عالمية الاسلام مخادعة للنفس فأنتم في الواقع تكرسون مفهوم (الإسلام الإقليمي أو القطري) عندما تطرحون المشكلة بشكل محلي وتريدون تصوير مشكلة الإسلام على أنه مشكلة قطرية متعلقة بالبلد الفلاني، وأنتم تدركون جيدا أن الإسلام يرفض تماما كل هذه الكيانات الورقية القائمة في بلاد الإسلام تحت رعاية الغرب، وأنتم بمقولاتكم وخصوصا الأخيرة منها مثل دعوتكم (للمجتمع المدني) تعلنون بكل صفاقة عن فشل حملكم للدعوة للإسلام كدين عالمي لا يرتبط بالحدود الوهمية التي صنعها المستعمر بل لا يعترف بها إطلاقا .. إن دعوتكم للمجتمع المدني إعلان هزيمة منكم لكل المبادئ التي كنتم تحملونها عن الإسلام .. بل وأصبح بعض مفكريكم يجهل الفرق بين الإسلام السلفي الخالص وأن السلفية كمبادئ هي أفضل ضمانة للمحافظة على حقوق المجتمع وبين مفهوم (المجتمع المدني) الذي يروجون له .. ولستم محتاجين لاستعارة المفاهيم من الليبراليين حتى تتشدقوا بالمجتمع المدني وأنتم لا تدركون حقيقته وأنه في الواقع تكريس لمفهوم الدولة القطرية الذي يرفضها الإسلام من جذورها .. لكن لا تقل لي إن الإسلام السلفي كرس الإستبداد لأنني سأقول لك إن الإسلام الرسمي الذي تحالف مع هؤلاء السلاطين والملوك الجاثمين على صدورنا ليس هو الإسلام الذي امرنا الله به والسلفية الحقة بريئة منه .. والحديث عن المجتمع المدني لا نراه إلا هروبا من المسؤولية في تجريم الحاكم إلى الإغراق في الحديث عن تخلف المجتمع ومؤسساته. بالله عليكم كيف تريدون أن تقيموا مؤسسات المجتمع المدني والحاكم جاثم على صدروكم حتى التنفس لا تستطيعون أن تتنفسوا؟ أخبرني عن تغيير واحد كبير في التاريخ بدأ بمؤسسات المجتمع المدني؟ ولعلمكم فإن المجتمع المدني في أوربا بدأ بعبارة (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس)!!

    فقال أبو ياسر: أما مسألة المجتمع المدني فربما تكون هذه وسيلة لنيل الحقوق ولسنا نريد استعارة مفهوم المجتمع المدني كاملا وأما كلامك عن عالمية الإسلام فكونها كذلك لا يعني أن نفعل ما ليس في طاقتنا، وليس من الحكمة أن يورط الإنسان نفسه أو غيره في ميدان أكبر منه أو عدو أقوى منه.

    قلت: سنرجئ الحديث عن المجتمع المدني إلى وقت آخر لكن يجب أن أقول أنه من الجميل أن تعترف بأن المسألة عجز، لكن سؤالي ليس عن قدراتكم، سؤالي هو عن تكييفكم لمن هو الخصم الأول للإسلام وكيف نجح في تحجيم الإسلام؟

    فقال: لا أعتقد أن هناك من يجادل أن أمريكا تدعم وتتبنى إسرائيل ومتربصة بالإسلام والمسلمين وتحاربهم وتحاصرهم بأكثر من صورة، ولا نشكك أبدا بأنها حجمت المشروع الإسلامي من خلال عملائها من الحكام في العالم الإسلامي وسيطرتها على ما يسمى بالمؤسسات الدولية، هذا كله لا نجادل فيه، لكننا نعتقد أن المرحلة مرحلة تربية وتصفية وتأصيل شرعي وحماية المكتسبات الدعوية والخيرية النشيطة في العالم الإسلامي كله. ولم يخطر ببالنا أن مواجهة أمريكا اولوية أبدا.

    قلت: هل المسألة عدم أولوية أو هي عجز واستصغار الذات؟ يعني بعبارة أخرى إن كان استهداف أو مواجهة أمريكا ليس أولوية فهل هو في برنامجكم مطلب أو خطوة متأخرة وأجلتموه قناعة بضرورة تأجيله حتى تستكمل الأستعدادات أو هو مشروع لم يرد أصلا في خطتكم؟ ورجاء أريد إجابة هذا السؤال بكل أمانة وتجرد.

    استفزت عبارتي الأخيرة أبا ياسر وتضايق منها وقال:
    لا داعي لأن توصيني على الأمانة والتجرد، دعني أكن صريحا معك في هذا، ليس لدينا خطة سياسية واضحة فضلا عن مواجهة أمريكا. نعم لا توجد أي خطة لاستهداف أمريكا لا حاليا ولا لاحقا ولا توجد أي استراتيجية لذلك. لكن لماذا نستهدف أمريكا أصلا، حين قلت أنها ليست أولوية قصدت أنها ليست مطلوبة أصلا. لسنا بـحاجة لأن نستهدف أمريكا لا حاليا ولا لاحقا.

    فقلت : أعتذر يا شيخ إن كانت عبارتي مستفزة لكن أنت تعلم مقال الأول:
    وجدال أهل العلم ليس بضائر *** مابين غالبهم إلى المغلوب
    لكن أخبرني ماذا تعمل لمواجهة الخطر الأمريكي وتغوّله على الإسلام والمسلمين؟ هل لديك خطة لذلك؟

    قال: نستمر في العمل الدعوي والتربوي والإعلامي وإصلاح المسلمين إلى أن ييسر الله لهم أنظمة سياسية صالحة ربما تكون في مستوى مواجهة الكفر العالمي سواء بقتال أو بمواجهة سياسية.

    فقلت : هل تدرك أخي أنك بهذا تعترف اعترافين في وقت واحد، أولا أنت تعترف أن الجهاد ليس محسوبا في برنامجكم مطلقا لا حاليا ولا مستقبلا وثانيا أنت تعترف أن ليس لديكم أي خطة لمواجهة عدو الإسلام الأول ...

    فقاطعني قائلا: لحظة من قال إن الجهاد غير محسوب، نحن نؤمن بوجوب الجهاد لكن في وقته وظرفه.

    هنا وجدت الفرصة سانحة لإمطاره بالأسئلة التي أنا أدرك جيدا أنه سيتحايل على الإجابة عليها:

    فقلت: هل لديكم برامج لإعداد كوادركم وتدريبها جهاديا مثلا؟

    قال: لا، لكن لا نعتقد أصلا أننا نحتاج ذلك؟ نحن نعتقد أن فرضية الجهاد مسألة محسومة في الشرع ولا يسعنا أن نشكك فيها.

    قلت: حسنا ، أكرر السؤال، هل لديكم برامج لتربية كوادركم جهاديا بمراكز أو معسكرات تدريب، أو أي شيء ينوب عنها، أو على الأقل تربّونهم على تصنيف العالم والنظر له من منظار جهادي، وتبشرون بحال ينادي فيها منادي الجهاد؟

    فقال: أنت تعلم أن الظروف لا تسمح بذلك مطلقا، وما يسمى بالتربية الجهادية يفتح علينا أبوابا نحن في غنى عنها الآن. ونحن في الجملة ضد هذه الأفكار التي غالبا ما تنتهي بتدمير الحركات الإسلامية كما حصل في مصر والجزائر.

    فقلت: يعني أنت ترى أن مجرد التربية الجهادية وتعليم الناس أن يحدثوا أنفسهم بالغزو ويتدربوا عند اللزوم للمستقبل وينظروا للعالم بمنظار جهادي مسألة مرفوضة لأنها تجر عليكم تحطيم العمل الإسلامي؟ طيب هل تمنع غيركم من القيام به؟

    فقال: نعم لأنه سيؤدي إلى ضرر كل العمل الإسلامي كما حصل بعد أحداث سبتمبر وكما حصل بعد أحداث مصر والجزائر، والقرآن يقول لمن لم تكتمل أدواته "ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة".

    قلت: أنت إذاً تقرر من خلال هذا الآية ومن خلال خلط نموذج مصر والجزائر مع نموذج سبتمبر تجميد فريضة الجهاد القتالي سواء مع الأنظمة الطاغوتية في العالم الإسلامي أو مع رؤوس الكفر الصريح إلى أن تكتمل ما أسميتها بالأدوات؟ وتذهبون إلى أبعد من ذلك فتتجنبون التربية الجهادية والتدريب والإعداد حتى لا يفضي إلى هذه النتيجة؟

    قال: نعم ولكن لا تفهم من كلامنا أننا نبطل فريضة الجهاد بل إننا نعتقد جازمين أن الجهاد فرض ثابت بالكتاب والسنة ومن شكك في فرضيته أنكر معلوما من الدين بالضرورة.

    قلت : لا تقلق لن أفهم كلامك خطأ ، لكننا سنحتاج إلى (نيكولاس فلاميل) آخر و (حجر فيلسوف) جديد حتى نحل المعضلة التي تقولها! إذ يتضح من كلامك أن الاعتقاد بوجوب الجهاد مسألة نظرية بحتة لا يصلح أن يطبق شيء منها، ولا حتى التربية الجهادية والإعداد والتدريب. وآيات القتال والتمكين لدين الله في الأرض وأحاديث الحث على الجهاد ووجود طائفة مؤمنة على مر العصور ترفع راية الجهاد واتفاق العلماء على وجوب الإعداد والموتة الجاهلية لمن لم يحدث نفسه بالغزو كلها مسائل مجمدة؟

    كنت أعلم أن الكلام عن الجهاد من المضائق لدى (الحركيين) وكثيرا ما يتخبطون فيها وقد حشر أبو ياسر في الزاوية وتهرب بأن قال:

    أخشى أن أضطر لتكرار الكلام السابق أعلاه لكن دعنا نستخدم عبارة أفضل من مجمدة وهي مؤجلة.

    فقلت: لإتمام الإجهاز على حجته والانتقال لنقطة جديدة:
    حسنا اتضحت الفكرة هنا، وانتهينا إلى أنكم قد أجلتم أو جمدتم كل المسائل المتعلقة بالجهاد وهنا ستدخلون في إشكال ليس مع تنظيم القاعدة بل مع الله سبحانه وتعالى .. وأرجو من الله أن يرحمكم .. لكن دعنا نتجاوزها إلى سؤال أكثر دقة وهو عودة إلى مسألة تكييف الواقع فيما يخص مواجهة العدو الأمريكي. أنتم جمدتم أو أجلتم كل المشاريع الجهادية وما يتصل بها بناء على فهمكم لواقع أمريكا والعالم الإسلامي وتقديركم لإمكاناتكم. السؤال المهم هنا ألا تعتبرون نشاط جهة مهمة مثل تنظيم القاعدة جزءا من هذا الواقع؟ أنتم ترصدون وتحللون واقع أمريكا والعالم الإسلامي، ألا ترون أن من المهم رصد وفهم طبيعة ومنهج واستراتيجية هذا التنظيم ما دام قد ثبت أنه رقم مهم في المعادلة؟

    فقال: لا نعتقد أن تنظيم القاعدة يحتاج رصدا خاصا فهو تنظيم معروف بتاريخ معروف بأهداف معروفة ونشاط معروف، ويبقى تصور المواجهة العالمية كما هو. مع كل تقديرنا للتاريخ الجهادي للرموز التي في القاعدة نؤكد أنه لولا رد الفعل الأمريكي على استفزازات القاعدة لما كان لها ذلك التأثير الكبير. أي إنسان متهور يستطيع يستفز أمريكا ويستجلب منها رد الفعل هذا.

    فقلت: هل أنت متأكد أن أي إنسان متهور يستطيع أن يستفز أمريكا ويستجلب رد فعل هائل مثل الذي حصل بعد أحداث سبتمبر أو حتى بعد كينيا وتنزانيا؟ أليس من العدل والإنصاف أن نتأمل الأحداث قليلا ونرى تطور عمليات القاعدة من أحداث الصومال وعدن إلى تفجير الرياض والخبر إلى ضربتي كينيا وتنزانيا إلى ضربة المدمرة كول إلى ضربة سبتمبر؟ ضربات متصاعدة بردود أفعال أمريكية متنامية، بكل أمانة هل تأملتم ودرستم سلسلة الأعمال التي نفذتها القاعدة حتى تقول إنه مجرد عمل متهور؟ بل دعني أكون أكثر بساطة في السؤال، هل خطر في بالكم أن لدى القاعدة استراتيجية حقيقية وليس مجرد استفزاز للأمريكان؟

    فقال: نحن نشك بوجود استراتيجية بالمعني الحقيقي لدى القاعدة وكل الذي نظنه أنهم استلذوا بمسألة تحدي أمريكا لما تجلبه من إثارة للعواطف الإسلامية، والعواطف لا تصنع تغييرا. والعيش في ظروف القسوة والشدة لها طعم ولذة تستهوي البعض.

    فقلت: أخي الكريم، هل تقر أنك بذلك تعترف بأنك أنت وجماعتك وتيارك لا تعلمون إلا انطباعات عامة عن القاعدة وليس معرفة بحقيقتها واستراتيجيتها ومنهجها وخطتها؟

    فقال: نحن نستقريء منهجها واستراتيجيتها استقراء، وقد فهمنا أنه تجييش عواطف ضد أمريكا وبس. بمعنى آخر نعتقد أنه لا توجد استراتيجية أصلا بل هو حماس مدفوع بالحقد على أمريكا وافق هوى عند جماهير المسلمين.

    فقلت: ألا تعتقد أن هذا دليل على ضعفكم أنتم وليس دليلا على ضعف القاعدة؟ أنت قبل قليل اعترفت أنه ليس لديكم برنامج ولا استراتيجية لا محلية ولا عالمية وأنكم تكررون منهج تربية وأسلوب دعوة عفى عليه الزمن. أسألك سؤالا صريحا، هل فكرتم في جماعتكم أو تياركم أن تدرسوا ظاهرة القاعدة وبن لادن دراسة مستفيضة؟ أو هل ذهبتم لأبعد من ذلك وأرسلتم من طرفكم مندوبين يسألون القاعدة عن منهجهم؟

    فقال: الجواب الصريح هو لا هذا ولا هذا، لم ندرس ظاهرة القاعدة دراسة مستفيضة ولم نرسل مندوبين للحديث مع القاعدة. أما إرسال مندوبين فمسألة محفوفة بالمخاطر وأما الدراسة المستفيضة فقلت لك إننا ربما نستغني عنها باستقراء الأحداث.

    فقلت : بامتعاض ! يا أخي أنتم جماعة وتيار مسؤول ولستم بقالة أو مدرسة ابتدائية، الأحداث التي نسبت للقاعدة والتداعيات التي تلتها أحداث لا يجادل أحد أنها جسام، هل يستطيع أحد أن يزعم أنه يستطيع الحكم على القاعدة واستراتيجيتها ولم يتقدم بدراسة مستفيضة حتى للأحداث المنسوبة إليها وتداعياتها؟ دعني أكن أكثر وضوحا، هل أعددتم دراسات أو نظرات في أحداث سبتمبر وتداعياتها بشكل شمولي، بغض النظر عن القاعدة واستراتيجيتها؟ هل نشرتم بين كوادركم أو حتى للجمهور شيئا من ذلك؟ لم أطلع ولم أسمع عن دراسة من أمثالكم عن أحداث سبتمبر.

    فقال محاولا الدفاع: نحن نتابع الأحداث عن كثب لكن الحقيقة أنه لا دراسة مستفيضة ولا دراسة غير مستفيضة، نحن نرصد مثل غيرنا ونقرأ الجرائد ونتابع الأخبار ولدينا تصور عام وكنا ولا نزال لا نعتقد أننا بحاجة لهذه الدراسة. التداعيات واضحة ولا تحتاج لبحث، قمع أمريكي وغطرسة، القضاء على دولة إسلامية فتية مثل طالبان، حشر أفراد القاعدة في أقفاص جوانتانامو، الحصار على العمل الإسلامي الخيري وقائمة كبيرة من الخسائر في المشروع الإسلامي.

    فقلت: يهمني من كلامك نقطتان، أولا تقر بشكل واضح تماما أنكم لم تفكروا حتى بدراسة مستفيضة لأحداث سبتمبر وتداعياتها فضلا عن أن تدرسوا ظاهرة القاعدة. ثانيا أنكم تقبلون منهجيا أن تحكموا على الأمور دون دراسة منهجية. بالله عليك ألا تسألون أنفسكم وأنتم جماعات فيها عقليات كبيرة وأساتذة جامعات ومفكرين ومثقفين لماذا تقبلون لأنفسكم أن تحكموا على أمور عظيمة بانطباعات وآراء مجالس مثل كل الناس؟ ما فائدة الجماعة إذا؟ هل أعتبر هذا اعترافا منكم يضاف لاعترافك الأول أنكم ليس لديكم منهجية التعامل مع الأحداث على طريقة الدراسة والتأني في الحكم؟ رجاء تعطيني الإجابة بصراحة وأمانة كما أجبت في المرة الماضية..

    فقال : أعتقد أني كنت أمينا جدا معك في إجاباتي ولا داعي لتوصيني بهذه الطريقة، أنا أعترف أننا لا نتعامل بمنهجية الدراسة والمعلومات ولا الرصد الاستراتيجي. هذه ليس عندي إشكال أعترف لك بها وهي عيب معروف فينا لا ننكره. لكن هذا لا يجعل بن لادن والقاعدة على صواب بالضرورة. خذ مثلا مسألة بسيطة جدا، لماذا تفرد بن لادن بهذا القرار الكبير وهو مواجهة أمريكا؟

    فقلت: حسنا خرجنا منك باعترافين مهمين: الأول قلت فيه أنكم ليس عندكم سياسة ولا برنامج سياسي واضح والآن تقول إنكم لا تعتمدون على الدراسات في تحديد مواقفكم. بصراحة سؤالك الأخير يعكس تماما هذا الاعتراف لديكم. لكن بغض النظر عن كون سؤالك يعكس اعترافك، ألا تلاحظ أن سؤالك عن تفرد بن لادن غريب وأنت تعترف بأن المسلمين ضعفاء ومتشرذمين وليس لهم كيان، بل وتعترف بأنكم أنتم الحركيون المنظمون ليس لديكم دراسات ولا منهجية في معرفة الأمور. إذا كان حال المسلمين بهذا السوء والضعف والتشرذم وانعدام التنظيم والمرجعية فمن هي الجهة التي يستشيرها بن لادن وما هو المبرر المنطقي أو الشرعي له أن يستشيرها؟ ثم كيف يستشير في عمل حساس وخطير كهذا دائرة واسعة مثل دوائر الجماعات الإسلامية التي لا تمسك سرا؟ وما هو الأساس الشرعي الذي تلزمه به أن يستشير؟

    فرد موضحا: أنا لم أقصد أن يستشير الجماعات أو التيارات الحركية، أنا قصدت يستشير العلماء المعروفين والمفكرين الثقات. يصعب أن نقول إنه يجب شرعا أن يستشير لكن القضية منطقيا مقبولة. وغياب المرجعية صحيح لكن على الأقل يستأنس برأي من يوثق به و يمكن الوصول إليه من المشايخ والعلماء والمفكرين.

    فقلت : حسنا يا أبا ياسر هذه المسألة من شقين لابد من توضيحهما، الأول: من هم أهل المشورة؟ والثاني: هل استشار بن لادن أم لم يستشر؟ إذا كنت تقصد بسؤالك مثلا لماذا لم يستشر بن لادن بعض الشيوخ المحددين في ذهنك مثل الشيخ سفر الحوالي أو الشيخ سلمان العودة فسأقول لك إن هذين الشيخين رغم جلال قدرهما في العلم إلا أنهما ليسا من أهل المشورة. قد تسألني لماذا؟ فأقول لك لأن الخلاف معهما في الأصل، وهو قضية الجهاد ذاتها فهؤلاء الشيوخ منذ بدء المشروع الجهادي كانوا ينصحون الشباب بعدم الذهاب إلى أفغانستان منذ أيام الجهاد ضد الروس فكيف تفترض من الشيخ أن يستشيرهما وأمثالهما وهم أصلا يرفضون المبدأ بالكلية ويقولون بتجميد أو تأجيل مشروع الجهاد. وأما الشق الثاني، فلماذا تفترض أنه لم يستشر؟ إن كان هذا هو المقصود فقد حصل والشيخ استشار فعلا من يمكن الوصول إليه ويوثق برأيه وعلمه. لكن حتى هذه لو لم يفعلها فليس عليه غبار ولا مأخذ إذا وضعنا في الاعتبار اعترافك بتشرذم العمل الإسلامي والحصار الأمني على العلماء والدعاة و اتفاقنا على غياب المرجعية. والشيخ من حرصه بادر باستشارة عدد من الموثوقين وعزم على العمل بناء على رأيهم وتأييدهم. ولظروف المصلحة وحماية هذه الأسماء لم يعلن الشيخ عنها ولا يتوقع منهم أنفسهم أن يعلنوا أن الشيخ استشارهم. وما دامت هذه السرية أمر متوقع فكيف تجزم بأن الشيخ لم يشاور، خاصة أنك وافقت أنك لا تطالبه بمشاورة الجماعات الإسلامية؟ وأضيف لاستكمال الصورة أن هذه الاستشارة من الشيخ لمن استطاع أن يصل إليه من العلماء والمفكرين هي إضافة لاعتماده الكامل على مشورة مجلس شورى القاعدة الذي فيه الكثير من الخبرات الشرعية والثقافية والفكرية والعسكرية.

    ويبدو أن الجواب كان مفاجئا لأبي ياسر فقال متعجبا:
    طيب كيف يشيرون عليه بمثل هذا الرأي وقد جر المسلمين إلى هذه المواجهة التي لم تجبني لحد الآن عن آثارها المدمرة؟

    فقلت : سمعت منك قبل قليل إقرارا بأنكم تقيسون الأمور قياسا انطباعيا بلا دراسات ولا منهجية. ما دام حصل هذا الإقرار فهل توافقني أن قياس المكاسب والخسائر في عملية كبيرة مثل هذه يجب أن يبنى على تعامل منهجي؟ دعنا من عجزكم وفشلكم كجماعة من ذلك، أنت شخصيا علىالمستوى الشخصي هل خطر في بالك طريقة منهجية لتقويم مثل هذه العملية بمقياس تاريخي سياسي استراتيجي؟ ألا توافقني أن التقويم يحتاج إلى تكييف الواقع الإسلامي ونقاط ضعفه وقوته، تكييف حقيقة العدو وتحديده وتحديد نقاط ضعفه وقوته، دراسة طبيعة الحدث نفسه، وهل كان مجرد ضرب عمارات أو كان أعمق من ذلك؟ هل كان هناك مكاسب حاول الإعلام العربي والعالمي طمسها لكن لا يمكن إنكارها؟ أو إننا أصلا لا نستطيع إدراكها لأن مجال قياسنا مرتبط بنشاط العمل التنظيمي فقط؟ هل عدت إلى الوراء وحاولت أنت شخصيا دراسة ظاهرة القاعدة وماذا تريد بالضبط من ضرب أمريكا بهذه الطريقة وهل للقاعدة استراتيجية واضحة تقيم تصرفاتها على أساسها؟


    ولأنه كان تحت الضغط دائما فقد قرر أبو ياسر الهجوم هذه المرة

    فقال: لماذا نحاول أن نضخم القاعدة أكثر من اللازم بهذا الكلام الكبير؟ لماذا نفترض أن لديهم استراتيجية وأهداف واضحة وسياسات والخ؟ لماذا تطالبني شخصيا بكل ذلك حتى أستطيع أن أجيب على السؤال؟ المكاسب والخسائر في نظري واضحة، أنا عددت لك الخسائر الهائلة أعطني مكسبا واحدا؟

    فقلت: ذكرت لك سابقا المكسب العظيم في إنهاء حالة السلم الزائف بين المسلمين والغرب وأضيف هنا أن الفرق بيني وبينك أني لست أسيرا للعمل التنظيمي الحركي التربوي الذي يحصر المكاسب والخسائر في قضايا محدودة جدا. قبل أن أبين لك استراتيجة القاعدة أجيبك ببساطة على قدر سؤالك، هل تمكنتم من ملاحظة هذه الصحوة الإسلامية الهائلة على مستوى العالم الإسلامي كله في قضية الهوية؟ ألم تلاحظ اعتداد المسلمين بهويتهم بسبب التحدي الأمريكي لهم واستهدافهم في إسمهم؟ هل تمكنتم من ملاحظة أثر تهاوي برجي التجارة أمام شاشات التلفاز وتكرار ذلك عشرات المرات على هيبة أمريكا؟ هل تمكنتم من ملاحظة أن المسلمين أدركوا أن بإمكانهم بدون سلاح متقدم ولا قنابل ذرية أن يفعلوا الأفاعيل في خصمهم فقط بالإيمان وحسن التخطيط والإتقان في العمل؟ هل تمكنتم من ملاحظة تصاعد رمزية القاعدة وبن لادن في أذهان كل المسلمين وتحولهم لند حقيقي للولايات المتحدة؟ هل خطر في بالكم أن الذي تطور في عمله من الصومال وعدن إلى الرياض والخبر إلى كينيا وتنزانيا إلى ضرب المدمرة كول إلى أحداث سبتمبر حتما لديه خطوة قادمة متصاعدة مثل تصاعد هذه الخطوات؟ هل رأيتم مدى جاهزية أعداد كبيرة من المسلمين لمواجهة أمريكا والاستشهاد في معركة معها؟ هل رأيتم كيفية شعور المسلمين بأنهم لم يعودوا عاجزين أمام ما حصل في فلسطين وأن أمريكا تستحق ضربة ثانية من بن لادن؟ هل أدركتم أن المسلم صار بإمكانه أن يفكر بأن أمريكا دولة عاجزة لم تستطع منع أحداث سبتمبر ولم تتمكن لحد الآن من ضمان منع ضربة أخرى وأنها لا تزال تعيش رعب "جاك الذيب جاك أخيّه"؟ وأنهم الآن مخيرين بين (جدع وخصاء) !

    فقال أبو ياسر: هذا الكلام الذي تقوله ربما يكون صحيحا لكنه عام يصعب قياسه وتحديده كمكسب محدد، وبإمكان كل زاعم أن يزعمه.

    فقلت: أما كونه عام ويصعب قياسه وتحديده فكلام صحيح وغير صحيح، صحيح من جهة أن هذه الأمور لا يمكن قياسها بعدد أو بكتلة أو برقم أو بحجم على كل حال، وغير صحيح من جهة عدم إمكان تقدير هذا التحول مطلقا، لأن التحولات التي أشرت إليها كلها يمكن تقديرها ولا يجادل في حصولها في المجتمعات الإسلامية إلا مكابر. حتى الصحف الغربية أكدت حصول هذه الأمور بل إن هناك من عمل دراسات وإحصائيات اقتربت من تحديدها رقميا.

    فقال أبو ياسر: حسنا بغض النظر عن هذه الأمور التي يصعب قياسها كيف تريد أن تضع هذه المكاسب أو الإنجازات المزعومة في سياق استراتيجية القاعدة إن كان هناك فعلا استراتيجية للقاعدة؟

    قلت : القاعدة وضعت هدفا واضحا وتصورا واضحها لأدواتها ووسائلها ووضعت خطة محددة بمراحل محددة ووضعت سياسات تضبط أساليب عملها. لقد قررت القاعدة في وقت مبكر أن أمريكا معضلة أمام ظهور الإسلام كقوة وأن كل طواغيت العرب والمسلمين سيتعرضون للشلل بعد ضعف أمريكا أو تفككها. ولذلك كان من الواضح عند القاعدة أن يكون هدفها تفكيك أمريكا أو إنهيارها أو على الأقل إرهابها وإبعادها بشكل جبري عن العالم الإسلأمي. وأما الأدوات فقد تم اختيارها بناء على فهم الواقع الإسلامي والعالمي فهما جيدا وتصور الخصم والثغرات البنيوية فيه وفهم القاعدة لنفسها وظروفها وكانت أعظم حيلة لجأت إليها القاعدة هي في تحويل أدوات الخصم وقدراته ضده خاصة في مجال استخدام رد الفعل الأمريكي على استفزازات القاعدة في تجييش المسلمين ضد أمريكا بل وتجنيدهم مع القاعدة. وأما الخطة فقد وضعت مسألة حسم الأمر مع أمريكا كآخر مرحلة سبقتها مرحلة إثبات الوجود في بيان إخراج القوات الصليبية من جزيرة العرب ثم مرحلة تهييج الأمريكان لأجل تشغيلهم أداة علاقات عامة لتجييش الناس ضد أمريكا من جهة وتجنيد الكوادر مع القاعدة مباشرة من جهة أخرى ثم مرحلة الحسم وهي مرحلة الضربات في داخل أمريكا والتي بدأت بغزوة سبتمبر ويفترض أن تتلوها ضربات لاحقة تحطم النفسية الأمريكية منها تنهار الدولة. واستفادت القاعدة من ظروف أفغانستان وحماية الطالبان استفادة قصوى ودربت آلاف الكوادر على الجهاد. أما السياسات فالقاعدة واضحة تماما في أنها ملتزمة بالإسلام السلفي الجهادي وليس عندها أنصاف حلول ولا براغماتية، وهي واضحة في أنها تركز على الهدف فقط ولا تشغل نفسها بأمور أخرى، وواضحة في أنها لا تدخل في خلافات ولا مهاترات مع قوى إسلامية أخرى وواضحة في أنها تتمسك بخطتها ولا تستدرج لردود أفعال. هذا ليس إلا ملخصا لاستراتيجية القاعدة وإلا لو أردنا الكتابة في هذا الموضوع بالتفصيل لما وسعته كتب لكن ربما ستجد غنية في مقال ( الجهاد عبقرية وإلهام .. القاعدة نموذجا )

    فرد متهكما !: كأنك تتحدث عن منظمة أكبر من الدول بينما نحن لا نرى إلا مجموعة مختبئة خلف الجبال ليس لديها من مقومات الحياة شيء يذكر فكيف تعطيها هذا الوصف العظيم؟ الجماعات الإسلامية الموجودة رغم اختراقاتها للمؤسسات التعليمية والاقتصادية بل وحتى العسكرية يستحيل أن تقترب لهذا الوصف الذي وصفته، ألا ترى أنك تبالغ؟

    فقلت: هذه مشكلتكم، انتم تحكمون على العالم من خلال تجربتكم الحركية الجامدة البيروقراطية المعقدة تنظيميا ولذلك يصعب عليكم فهم الطريقة التي استطاعت بها القاعدة أن تنتج عملا جبارا. تجربتكم تحول فيها التنظيم إلى أداة تعطيل بدلا من أن يكون أداة تنسيق وترتيب وتكامل وإنضاج وإنجاح. القاعدة حلت هذه المشكلة حلا سهلا بحيلتين، الأولى أنها ألغت فكرة التنظيم الهرمي والارتباط التنظيمي في بنية واحدة وأحدثت محله فكرة الجامعة أو الكلية التي تخرج الكوادر ومن ثم تطلق هذه الكوادر لتعمل بخطة شبه معلنة وتجعل قدرات وعلاقات القاعدة تحت تصرفها، الثانية أنها تخلصت من مشكلة أن الانتماء يعني الانعزال عن المجتمع ودربت كوادرها على الذوبان في المجتمعات وجعلت برنامجها المعلن جزءا من تطلع المجتمع وبذلك حولت طبيعة المجتمع وكثيرا من قدراته تلقائيا لخدمة أهدافها. هاتان الميزتان لا تحتاجان لعبقرية للتفصيل في تنفيذهما، كل الذي تحتاجه هو فهم أصل الفكرة. تنظيماتكم أخي الكريم قلبت الفكرة وجعلت التنظيم سببا في تجميد الكوادر وتعطيل القدرات والكفاءات الإسلامية المنتمية لكم. لم تطلقوا هذه الكفاءات لتتصرف بحرية ولم توفروا لها البرنامج المتكامل المبني على استراتيجية واضحة. هل تعرف أخي كيف تختار القاعدة القيادات؟ إنهم ليسوا مثلكم يختارون الأكثر (طاعة وانضباطا) لمن هم فوقهم من قيادات حركية ، إنهم يختارون قياداتهم بناء على تصرفاتهم في المعارك الحقيقية لأن الانسان في وقت المعركة تنتفي من نفسه نوازع الدنيا ويخرج أفضل مالديه إذا كان ممن يريد الله والدار الاخرة .. ومشكلتكم الأسوأ أنكم تقومون الآخر بناء على تجربتكم التنظيمية المتخلفة. اخي الكريم هل سألت نفسك كيف تمكنت القاعدة من التطور إلى أن وصلت إلى تنفيذ هذه العملية المعقدة في قلب أمريكا بكل إتقان ودقة؟ لاحظ أن القاعدة محاصرة وتعيش تحت مؤامرة عالمية، وليست حرة طليقة مثل معظم تنظيماتكم.

    فقال أبو ياسر وكأن الكلام السابق كله لم يصنع شيئا معه: مع احترامي للاستراتيجية التي تطرحها وتنسبها للقاعدة هل تعتقد القاعدة أوقيادييها أن الأمة مستعدة في وضعها الضعيف الحاضر المتخلف من حيث القوة والتطور واللحاق بركب الحضارة في وضع يمكنها من مواجهة خصوم الإسلام الكبار وخاصة أمريكا؟ أليس من الأولى أن نمارس الجهاد التربوي والتنموي والتوعوي إلى أن نصل إلى الوضع الذي يمكننا من رفع راية الجهاد صريحة عالية؟

    فقلت: وقد تملكني الضجر من كلامه: من منعك أن تمارس الجهاد التربوي والتوعوي والتنموي؟ استمر في ممارسة جهادك ولكن لا تثرب على من يمارس جهادا حقيقيا وليس مجازيا.

    فقال: مدافعا عن رأيه: أنا لا أثرب عبثا، أنا أقول الأمة غير مهيأة، ولذلك فإن جرها إلى حالة المواجهة بدون أن تكون في حالة استعداد وإعداد "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" يربك الأمة كلها ويفسد أنواع الجهاد الأخرى التي سميتها مجازية.

    فقلت: أولا أخي الكريم الآية قالت "ما استطعتم" ولم تلزم بمستوى معين من التمكين والقوة فأرجوا أن لا تكون قصدت الاحتجاج بها شرعا لأنه لا يصح الاحتجاج بها بتلك الطريقة. ثانيا ما هو الدليل الشرعي أو المنطقي على أن المسلمين ملزمون أن يستعدوا بمستوى معين قبل أن يواجهو خصومهم ويمارسون القتال؟ أليس الدليل الشرعي على العكس؟ أليس فقهاء المسلمين متفقين على وجوب دفع الصائل وجوبا فوريا؟ أليس ما تمارسه أمريكا في تثبيت جيوشها في بلاد الحرمين ودعم اليهود في فلسطين وتثبيت عملاء من طغاة المسلمين يمكن تكييفه بالصائل الذي يجب دفعه فورا بأي وسيلة؟ لكن حتى منطقيا ما هي الاستعدادات التي تريدها حتى يكون المسلمون في وضع يستطيعون فيه مواجهة قوة كبرى مثل أمريكا؟

    فقال: يؤسسون دولة مثلا، دولة الطالبان مثلا، تتطور وتصبح قوة عالمية، أو يحدثون تغييرا في أحد بلاد المسلمين لصالح الإسلام، بل ربما لن يكونوا بحاجة لمواجهة أمريكا عسكريا لو حصل ذلك لأنهم يستطيعون لي ذراع أمريكا اقتصاديا أوسياسيا أو حتى بالدعوة داخل أمريكا. المهم أن يتقوى المسلمون حضاريا قبل أن يدخلوا في مثل هذه المواجهة الخطيرة.

    قلت: لو كنت أخي الكريم تتكلم من جهل وعدم متابعة ولا معرفة بالسياسات العالمية والمحلية الحديثة وعن عدم متابعة لنشاط القاعدة لعذرناك في كلامك هذا، لكني أجزم بأنك على معرفة تامة بأن أمريكا وحلفائها لن يسمحوا أبدا ليس بدولة إسلامية بل حتى ببروز قوة إسلامية داخل أي دولة وسياستهم معروفة بأنهم سيقمعون أي قوة قبل أن تظهر. ثم هل تجهل تجربة الحركات الإسلامية خلال الخمسين سنة الماضية؟ هل تجهل ما حصل في السودان والجزائر وتركيا ومصر؟ ألا ترى أن استبعاد الجهاد يقوي كفة أعداء الإسلام لأن المال والإعلام والبطش بيدهم؟ ألا تكفي تجربة السنين الماضية لدحض حجتك وإثبات فشل مشروع الإسلام السياسي الذي يستثنى منه الجهاد؟ ثم لديك مشكلة في فهم آلية تشكل القوة .. القوى يا عزيزي تتشكل من خلال طريقتين الأولى: الحرب وعندما تنتصر في الحرب تمتلك قوة والمنتصرون في الحرب العالمية الثانية هم الذين أصبحوا يملكون القوة، والثانية أن يتبرع لك قوي بقوة من عنده وبهذه الطريقة ستبقى قوتك مرتبطة بالقوي الذي تبرع لك بتلك القوة بسبب مصالحه، وقد علمنا يقينا أن الغرب لا يسمح أبدا بتشكل قوة إسلامية ليست تحت سمعه وبصره أعني بحيث يديرها عملاؤه.

    فقال: لكن الوقت جزء من الحل ولا بد من الصبر، وإذا لم تنجح المسالة في الخمسين سنة الماضية فيجب علينا أن لا نمل ولا نكل ونستمر نحاول. لكن قل لي كيف تريد للقاعدة أن تواجه بدون دولة وبدون مقدرات مع عدو متمكن وقوي ونفوذه ممتد في كل العالم؟

    فقلت كيف تفكر يا أبا ياسر؟ يا أخي أولا ثبت أن القاعدة نجحت، وضربت وضربت وكررت الضربة وهي التي تبادر والأمريكان عليهم رد الفعل ولم تتأثر كوادرها بل تضخمت وكبرت. هذا الكلام لا يحتاج إثبات لأنه أمر حدث فعلا ويمكننا رصد التطور كما ذكرت لك في ردي السابق. ثانيا المشكلة التي تعاني منها أنت وتيارك هي ذات المشكلة التي تخلصت منها القاعدة وقلبت الموزاين وأربكت أمريكا وهي كونك تقيس وتفكر من خلال النمط الدارج في فهم القوة العسكرية والسياسية والاستراتيجية. القاعدة لعبت لعبة جديدة تماما خارجة عن كل قواعد اللعب المعروفة ولا يستطيع الأمريكان ولا غيرهم تصورها لأنهم مثلك مبرمجون على الأسلوب التقليدي في حسابات القوة والضعف. ومن خلال هذه الحيلة حولت القاعدة قوة الأمريكان إلى أداة ضعف تعمل ضدهم، ومن هنا أصبحت القاعدة تتضخم وتزداد قوتها بعد كل ردة فعل أمريكية. وأما مسألة تشكيل القاعدة لدولة فثق تماما أن القاعدة تسير في الطريق الطبيعي لإنشاء الدول ولابد أن تلاحظ أن مصير أمريكا الان على كف عفريت وانتظار الضربة التالية، وإذا لم تستطع أمريكا الحسم بعد مرور سنة فيجب أن يكون ذهنك متفتحا بشكل واسع لتقبل فكرة انهيار أمريكا إذا عاجلتها القاعدة بضربات جديدة .. وإذا انهارت أمريكا فهل لديك قدرة على تصور كيف سيكون وضع أحجار الشطرنج التي وضعها الغرب في بلاد المسلمين؟ أظنك لست محتاجا لمزيد من التفصيل أليس كذلك ؟

    فقال: أنت لا تفتأ تضخم القاعدة وكأنها قوة ملهمة عبقرية لا تخطئ. إلى متى نستمر في هذه المبالغات والتغني بقدرات القاعدة.

    فقلت : أولا أنا لم أبالغ ولم أتغنى، كل ما قلته حصل ولا تستطيع أنت ولا غيرك نفي أن القاعدة بعد كل ردة فعل أمريكية وتواطؤ عالمي ضدها تأتي بضربة أكبر وأضخم من الأولى وتحظى بتأييد أوسع وأشمل من السابق. ثانيا الحديث عن قدرة القاعدة على التعامل مع أمريكا بأسلوب لا تحسن أمريكا التعامل معه ليس كلامي أنا بل هو كلام استراتيجيين أمريكان أطلقوا على هذا التعبير الحرب غير المتوازية. وقالوا إن أمريكا لن تعجزها أي قوة في الأرض بالمقاييس المعروفة فقد تمكنت أمريكا عسكريا واقتصاديا وسياسيا واستخباراتيا وإعلاميا بل وحتى في فنون الحرب النفسية لكنها لا تحسن التعامل مع من يستخدم وسائل وأساليب غير معروفة للتجربة الأمريكية. وأطلقوا على هذا النوع من الحرب إسم الحرب غير المتوازية. وقالو في تقرير خاص إن هذه الحرب إذا لم يتمكنوا من احتوائها في الضربة الأولى فستكون هناك نذر انكشاف في القوة الأمريكية واحتمال خسارة حقيقية لأمريكا في هذه الحرب. صدقني هذا كلام حقيقي في تقرير رفع للرئيس الأمريكي كلينتون قبل أن ينصرف من الرئاسة وليس كلامي أنا. أسلوب وسياسية واستراتيجية القاعدة تنطبق تماما على هذا التوقع ومن هنا نقول لك أن هذا هو الإعداد والقوة.

    زم أبو ياسر شفتيه وقال .. الغلو يا أخي الكريم وعين الرضا تجعلك تتحدث عن القاعدة بهذا الشكل .. بل وصل الأمر ببعض الناس في الانترنت أن صاروا يشنعون على أهل العلم ويتهمونهم في نياتهم ويصفونهم بالأوصاف البشعة كل ذلك بسبب الغلو في القاعدة وبن لادن..

    فقلت : مثل من يا أبا ياسر ؟

    فقال : مثل شخص في الانترنت يرمز لاسمه بـ ( لويس عطية الله ) بلغ به الحد أن كتب موضوعا يقول فيه ( أسامة بن لادن صلى الله عليه وسلم ) .. وطالب الناس أن يغسلوا أيديهم من شيوخ الصحوة ، وكأنه يريد إسقاطهم ! حسنا إذا غسلنا أيدينا من هؤلاء الشيوخ الذين قدموا للدعوة ما قدموا وسجنوا في الله سنوات فلمن نذهب ؟ والمشكلة أن لديه من يطبل له ويصفق له !

    ابتسمت ابتسامة عريضة وقلت له : أنا لويس عطية الله !!

    علت ملامح الدهشة وجه أبي ياسر ولم ينطق بكلمة ..

    فقلت: نعم أنا لويس عطية الله ويبدو أنك لا تقرأ لي جيدا وإلا ما قلت ما قلت من كلام ، فأنا لم أقل (صلى الله عليه وسلم) بل قلت (صلى الله على أسامة بن لادن) وأنت يا أباياسر عربي وتفرق بين الجملتين فالأولى قد عرفت بين أهل العلم كلفظ ملاصق لذكر النبي صلى الله عليه وسلم والثانية دعاء عادي يصح أن تقوله في حق أي مسلم! وأما مسألة غسل اليدين من شيوخ الصحوة فهذا مقتضى ما علمونا هم، فهؤلاء الشيوخ قد تنكبوا طريق الحق الذي أخذناه منهم سنوات طويلة فإذا حادوا عن المنهج الذي ربونا عليه فلا خير فينا إذا لم نقل في وجوههم ارجعوا إلى الحق، وأما مسألة إسقاطهم فهذه لا يقوله سوى من لديه خوف داخلي من خطأ يدرك أنه واقع فيه، ومن أنا حتى أسقط هؤلاء الشيوخ؟ وإذا سقطوا فلن يسقطوا بسبب كلامي بل لأن الله تعالى قال لنا ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) ..

    سكت أبو ياسر ثم قال لي وأثر الصدمة بادية على وجهه : كيف تثبت لي أنك فعلا لويس عطية الله ؟

    فقلت : حسنا هذه المناظرة سوف أكتبها باسم لويس وستراها بنفسك وتتأكد أن من كان يتحدث معك هو لويس عطية الله .

    ثم سكتّ برهة وقلت: حسنا دعنا نتوقف الان عن الحديث عني ولنكمل حديثنا عن القاعدة .. ما رأيك في آخر كلام قلته ؟

    فقال أبو ياسر: كلامك الأخير يعني أن القاعدة لديها خطط مستقبلة أخرى وربما ضربات في داخل أمريكا، إذا كان زعمك بوجود استراتيجية صحيحا فهل خططت القاعدة لطريقة ضبط الخطوات القادمة أو إنها فقط مسكونة بفكرة ضرب أمريكا ودفعها للغضب والانتقام من جديد؟ ألا تعتقد أن القاعدة إذا كانت فعلا مستعدة بضربات أخرى أو برامج أخرى أنها ستدفع الأمريكان لحملات انتقام من المسلمين ربما يستخدم فيها السلاح النووي أو غيره؟

    فقلت : أمريكا تنتقم ممّن؟ أين تضع قنبلتها النووية؟ الطالبان فيما يبدو للأمريكان انتهوا، بن لادن والقاعدة اختفوا، أين توضع هذه القنبلة؟ كيف تنتقم أمريكا؟ كل بلاد العالم متواطئة ومتعاونة معها، أين تنتقم؟ كابل؟ قندهار؟ كلها معاقل للجيش الأمريكي وحلفائه الآن؟

    قال : في أي مدينة إسلامية في بريدة في كراتشي، الأمريكان سيفقدون صوابهم بالكامل ويفكرون بطيش وجنون.

    قلت: في البدء أنت جعلتَ أمريكا من أكثر دول العالم قدرة وتخطيطا وهيمنة، والآن تقول يفقدون صوابهم؟ ماذا سيجنون إن ضربوا مدينة إسلامية وبس؟ هل سيقضون على القاعدة وخطر القاعدة؟ يعني على الأقل في حملتهم الأخيرة رغم أنها في الجملة ليست في صالحهم لكن لها مبرر منطقي أنها قضاء على الدولة التي تؤويهم ومطاردتهم داخل أفغانستان. إما أن تعتبر الأمريكان أذكياء متمكنين قادرين كما وصفتهم أعلاه وبذلك لن يتصرفوا تصرفا أرعن وجنوني مثل ضرب مدينة إسلامية، أو تتراجع عن كلامك أعلاه وتقول الأمريكان حفنة مجانين لا يعرفون السياسة ولا الاستراتيجية؟

    فقال: قل لي أنت إذا ما الذي تعتقد إذاً سيحصل لو حصلت ضربة أخرى؟ وهل الضربة الأخرى فعلا هي من برنامج القاعدة؟ أو دعنا نكون أكثر نظاما في السؤال ما هي خطط القاعدة المستقبلية؟ وكيف حسبتها على أساس ردود الفعل الأمريكية؟

    ضحكت وقلت: أنا لا أستطيع أن أتحدث باسم القاعدة وأنبيء بخططها المستقبلية لكن هناك كلام شبه أكيد عن ضربة كبيرة قادمة لأمريكا وربما أكبر من ضربة، وربما هناك عمليات في مناطق أخرى غير أمريكا. لكن القاعدة يبدو لا ترغب أن تعمل شيئا كبيرا إلى أن تظهر علامات تفكك وانهيار وهزيمة في أمريكا. في نظري ستشعر أمريكا بشلل كامل لو حصلت ضربة أخرى وسيصاب الشعب الأمريكي بحالة من الإحباط الوطني الذي يشعرهم بأنهم مهزومون وأن هذا العدو لا يصلح مواجهته بالقوة بل لا بد من الخضوع لمطالبه. سيناريو آخر هو أن تبدأ جهات أمريكية بالتضايق من سياسة واشنطن وترفض تحمل تبعات تصرفات الحكومة ضد المسلمين. خذ مثلا كاليفورنيا تنتج ثلث الناتج القومي لأمريكا، لماذا تتحمل تبعات التصرفات السيئة لواشنطن في العالم الإسلامي؟ لن نستغرب إذا رأينا دعوات في كاليفورنيا بالانفصال أو حتى من جهات أخرى. سيناريو آخر أن يتشدد دعاة اليمين في أمريكا للتخلي عن الحريات والديموقراطية وتحويل ولاياتهم إلى ولايات عسكرية بحكم صارم لا يسمح باختراقات أمنية. أمريكا سيسودها قطعا حالة من الانهيار النفسي والاقتصادي والشك بذاتها. أوربا والجهات الداعمة لأمريكا ستنسحب خوفا من أن تصبح هدف القاعدة القادم. الانظمة الطاغوتية في البلاد الإسلامية ستكون في أضعف ما يمكن بسبب ضعف السيد الأول.

    فقال : سبحان الله تصرون على تضخيم نتائج ما تقوم به القاعدة ونحن نرى أمريكا امتصّت ما حصل في سبتمبر وكأن شيئا لم يكن .. ثم ضحك ابو ياسر وأردف: كيف لا تستطيع أن تتحدث باسم القاعدة وأنت (صجّيتنا) كل يوم منزل مقال عن القاعدة؟

    ابتسمت وقلت: كيف كأن شيئا لم يكن؟ هل أذنك في صمم وعينك في عمى عما حصل للاقتصاد الأمريكي؟ ألا ترى حالة الشك والترقب عند الأمريكان والتي تسكتها الحكومة بالمزايدة على محاربة الإرهاب؟ أليست هذه مقدمات واضحة لاستقطاب كبير في المجتمع الأمريكي يخفيه مكارثية محاربة الإرهاب؟

    فقال : أنا لا أريد أن أظهر بمظهر الذي يدافع عن أمريكا لكن أمريكا مجتمع ديموقراطي لديه مؤسسات راسخة تستطيع أن تتعامل مع تحديات من أي نوع لأن العقلية الجماعية عندهم منظمة وتنظر للأمور نظرا علميا مدروسا ولا نظن أنهم سيصعب عليهم الصحوة بعد أي هجوم.

    فقلت : والله شوف، أصلا لم يحطم الأمريكان في تعاملهم مع بن لادن إلا أنهم تُشل عندهم القدرة على التفكير الجماعي إذا استفزوا بالطريقة التي يمارسها تنظيم القاعدة. لكن حتى لو افترضنا وحصل أن عادوا إلى رشدهم فلن يكون لديهم خيار إلا التسليم وتنفيذ كل مطالب بن لادن بطريقة الخائب الضعيف. إيقاف دعم إسرائيل رفع الحصار عن العراق سحب قواتهم من بلاد الحرمين و التخلي عن الطواغيت العرب. ألا ترى هذا نصرا عظيما للقاعدة؟

    قال أبو ياسر : ومن منا يكره هزيمة أمريكا ؟ يارب ..

    فقلت: يارب ..

    انتهى الحوار بهذه الطريقة ..

    ثم ابتسم أبو ياسر وقال لي مثل المتعجب: بالله أنت لويس عطية الله ؟

    فضحكت وقلت نعم والله أنا هو ..

    وبعد لحظات صمت طويلة وتأمل قلت له على سبيل الدعابة :

    سيؤلفون كتبا عني هاه ؟

    فقال لماذا ؟ ماهي إنجازاتك اللعينة .. قالها أبو ياسر وهو يضحك ..
    .....................................

    لويس عطية الله ان كان حي حفظه الله وان اسر فك الله اسره وان استشهد تقبله الله في الشهداء
     

مشاركة هذه الصفحة