كان وراء البحر العظيم آلهة عظيمة.. يقال لها أمريكا

الكاتب : الليث القندهاري   المشاهدات : 509   الردود : 0    ‏2005-09-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-09-02
  1. الليث القندهاري

    الليث القندهاري قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-06-06
    المشاركات:
    2,829
    الإعجاب :
    0
    كان وراء البحر العظيم آلهة عظيمة.. يقال لها أمريكا
    بقلم : لويس عطية الله



    المشهد الأول

    المكان: قندهار عاصمة دولة أفغانستان الإسلامية، الجامع الكبير وسط البلدة..
    الزمان: ربيع 1634هـ
    طلاب العلم يتحلقون حول شيخهم بعد صلاة العصر..
    شيخ وقور بعمامة سوداء.. تضفي عليه لحيته البيضاء هيبة وجلال..]


    * * *

    قال الشيخ: الحمدلله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه ومن والاه وبعد.

    إقرأ يا محمد آصف..

    حمد الله وأثنى عليه.. ثم قرأ: قال صاحب (معجم الأوثان) رحمه الله تعالى: باب الألِف.. (أمريكا).. وقال بعضهم أميركا بتقديم الياء على الراء..

    قال المصنف: بلغنا..أنه كان وراء البحر العظيم آلهة عظيمة يقال لها (أمريكا).. كان الروم قد جلبوها من بلادهم إلى الأرض الجديدة.. وحشدوا لها العبيد من إفريقية والصنّاع من الصين والعلماء من كل بلاد الدنيا.. حتى عظمت واشتهرت وذاع صيتها.. وعبدت من دون الله في الأرض.. وكان الناس يعبدونها.. خوفاً.. وطمعا..

    وقد بلغنا أنها إذا غضبت على أحد.. ترسل عليه قذائف من نار من مكانها.. فتدك أرضه وتهلك الحرث والنسل.. وإذا رضيت على أحد أغدقت عليه من الأموال والنساء والخمور والملذات .. ما يعجز الوصف عن بيانه..

    ومن الناس كذلك من يعبدها.. محبة وافتتاناً وتألهاً..

    قال المصنف رحمه الله: وتلك فتنة الله يضل بها من يشاء..

    وقد روى بعض المؤرخين عمن أدرك زمانها.. أنها كانت لها آلة عجيبة.. تزرع صنماً لها في قلب كل إنسان.. فيخافها ويرجوها دون أن يشعر.. وذلك أنها تسحر بهذه الآلة عيون الناس فيرونها على غير حقيقتها.. فتعظم في عيونهم.. وقلوبهم.. فيهابونها.. ويظنون أنها تعلم كل شيء.. وتسمع كل شيء.. وتحيط بكل شيء.. حتى اعتقد كثير من الناس أنها تراهم وهم في بيوتهم وبين أهليهم..

    وقد عظم شرها.. وعم بلاؤها..و خضعت لها الدنيا.. وملكت ما بين المشرق والمغرب.. وغمّ المسلمين بها غماً عظيما..

    حتى من الله على الأمة بالإمام المجدد.. الموفّق المؤيَّد.. أبوعبدالله أسامة بن محمد عوض بن لادن.. فدمرها الله على يديه.. وكان خروجه في بلاد الأفغان.. إلى الشرق من خراسان.. وكانت بلد هجرته وجهاده.. نصره أهلها.. وقاموا معه.. أما أصله فمن حضرموت وسكن المدينة المنورة..

    قال محمد آصف: انتهى كلام صاحب (معجم الأوثان) يا شيخ..

    قال الشيخ: نعم.. وقد افتتن بأمريكا خلق من المسلمين.. ومنهم من كفر بها.. ولكن لم يجرؤ منهم أحد على معاداتها.. ومنابذتها..

    حتى قام فيهم أسامة.. فدعا الناس إلى حرب أمريكا.. فسفهوه.. ولاموه.. واستصغروه.. فلم يتلفت إلى قولهم.. ونصره جماعة.. وآواه الأفغان كما قال المصنف..

    فأرسل إلى أمريكا طليعة اختارها من أهل النجدة والبأس.. ففقأوا عينيها.. وكسروا أنفها.. على أعين الناس.. وبين سدنتها وحرسها.. ثم كمن أسامة..

    فأرعدت وأزبدت وأرسلت صواعقها فأحرقت اليابس والأخضر.. وصبت غضبها على العالم أجمع.. فخرجت في جيوش مجيشة.. تدمر كل ما يقف في طريقها واحتلت الدنيا كلها.. وملئت البر والبحر.. والسماء.. فلم تقدر عليه..

    قال الشيخ: وكان غالب حال الناس آنذاك.. كحال الناس يوم هدم خالد بن الوليد العزّى.. قالوا نتربص به وننظر ما تصنع به الآلهة.. فلما لم تضره كفروا بها..

    وهكذا نظر الناس في أمر أسامة وأمريكا وقالوا {لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين}.. فلما رأوا عجزها.. بطل في عيونهم سحرها.. فإذا بالأصنام التي كانت زرعتها في قلوبهم.. تتهاوى وتتلاشى..

    وهذا أعظم ما فعل أسامة.. أن أزال رهبتها من قلوب الناس..

    قال الشيخ: قرأ أسامة {لقد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم...}.. فتأسى به واقتدى بسنته في كسر الأصنام.. فعمد إلى أصنامهم فجعلها جذاذا.. ودمر حصنهم الأعظم وقلعتهم المنيعة.. وقد شاهد العالم بأسره الأصنام وهي تتهاوى وتندك دكاً.. فقال سدنتها وحرسها: من فعل هذا بآلهتنا؟!.. قال مستشاريهم ووزرائهم.. هناك فتى يذكرها.. يقال له أسامة.. قالوا؛ اقتلوه أو حرّقوه.. فصبوا على مكمنه النار من السماء صبّا كأفواه القرب.. فجعلها الله برداً وسلاماً عليه..

    ثم جعل بعد ذلك يتخطفهم.. ويقتلهم في كل واد.. حتى أنهكهم.. وصاحوا النجاء النجاء.. لا عزّى لكم اليوم.. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء..

    قال أحد الطلبة: فبلاد الأفغان التي ذكرها.. المقصود بها بلادنا هذه يا شيخ؟

    قال الشيخ: نعم وربي.. وقدم قندهار.. وجلس في مجلسي هذا.. وأخبرني جدي أنه أدرك من رآه وقاتل معه في تلك الجبال - وأشار جهة المشرق -

    قال أحد الطلبة: فأخبرنا يا شيخ المزيد عن قصة أسامة والأصنام.. فإن صاحب معجم الأوثان..لم يشفِ غليلنا..

    قال الشيخ: إنما يعنى صاحب المعجم بالأوثان وذكرها وأسماؤها.. أما القادة الأبطال فتجد سيرهم في كتب التاريخ والسير والمغازي.. وعندي بعض الكتب التي ترجمت له مثل (تاريخ قندهار).. اشتريته من المكتبة السلفية في كابل عبر الإنترنت وجاءني بالبريد السريع.. وسنقرأ منه في درس الغد إن شاء الله تعالى.. وكذلك ذكر الملا عبد العليم صاحب (المجالس) المتوفى سنة 1501هـ طرفاً من أخباره.. فلعلك يا محمد آصف أن تأتي بمجالس الملا عبدالعليم في درس بعد غد.. وهو مطبوع يباع في مكتبة قندهار.. وقد أفردت في سيرته كذلك كتب ومؤلفات.. سنذكرها في حينها..

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..

    فانصرف الشيخ وانصرفنا..

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


    كان وراء البحر العظيم آلهة عظيمة.. يقال لها أمريكا -2-

    المشهد الثاني

    جلس الشيخ بعد صلاة العصر في الجامع.. و تحلق الطلبة حوله..

    قال الشيخ: أحضرت معي كتاب "تاريخ قندهار" لنقرأ شيئا من سيرة البطل أسامة.. كما وعدناكم في الدرس السابق..

    فأعطى الكتاب لمحمد آصف.. فأخذه محمد آصف ونظر في الفهرس فاختار موضوعاً: "1417 هـ / قدوم أسامة ومبايعته أمير المؤمنين ملا عمر مجاهد"..

    ثم حمد الله وقرأ: قال المصنف رحمه الله تعالى: ثم دخلت سنة سبع عشرة وأربعمائة وألف.. وفي شهر الله المحرم من هذه السنة قدم أسامة وأتباعه قندهار..

    وذلك أن أسامة لما أنكر على قومه عبادة الوثن.. وأرادهم على حرب أمريكا.. لم يتبعه إلا قلة من قومه.. وآخرون قدموا من بلادٍ شتى.. غرباء مطاردين.. ضعفاء أذلّة.. نزاع من القبائل.. ليس لهم شوكة تمنعهم من الناس...

    فكان أسامة يعرض نفسه على رؤساء القبائل.. يبحث عمن يأويه وينصره وأتباعه.. حتى يؤدي ما عاهد الله عليه.. من تحطيم الصنم الأكبر..

    فسمع عن قيام حكم الإسلام في السودان.. فأرسل إليهم فقالوا ائتنا على الرحب والسعة.. ضيف كريم.. استثمر أموالك في البلاد.. وشاركنا إن أردت الجهاد.. فشق طريق التحدي.. وأنشأ المعسكرات وملأها بالمجاهدين.. و باتوا بخير حال.. حيناً من الدهر..

    حتى قالت أمريكا: أخرجوهم من قريتكم..

    فقالت السودان: نفعل.. وترضون عنا؟.. اخرج يا أسامة.. من بلادنا..
    قال: أما أذنتم بالجهاد..

    قالت: جهاد قرنق وليس أمريكا..

    قال: فإياها أريد.. ولتدميرها أسعى..

    قالوا: لا طاقة لنا بها.. فاخرج إنا لك من الناصحين..

    قال الشيخ: خافت السودان أمريكا في أسامة.. ولم تخف الله فيه.. وخيرت بين رضا أمريكا.. وأموال أسامة.. فطردته.. فما نالت رضا أمريكا.. ولا أموال أسامة.. وسلبوها حتى خفي حنين..فلم ترجع بشيء..

    قال الشيخ: نعم.. أكمل..

    قال: قال المصنف رحمه الله تعالى: فعاد أسامة يبحث عمن يأويه وينصره.. فأرسل إلى طالبان في قندهار..

    فقالوا: هلمّ إلى السلاح والمنعة..

    قال: غايتي هدم هبل..

    قالو: الله أكبر.. نسف الأصنام هوايتنا..

    قال: الجهاد أريد..

    قالوا: فنحن أهل الجهاد.. وأبناء الحرب.. من رحمها ولدنا ومن ثديها رضعنا..
    قال: فهل لكم في جلاد بني الأصفر؟

    قالوا: حارب من شئت وسالم من شئت.. وصِل حبل من شئت واقطع حبل من شئت.. و خذ من أموالنا ما شئت ودع ما شئت.. إننا لصبُر في الحرب.. صدق عند اللقاء.. ولو استعرضت بنا المحيط فخضته لقتال أمريكا.. لخضناه معك..

    قال: ستعضكم السيوف.. وترميكم العرب والروم والترك عن قوس واحدة..

    قالوا: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا}..

    قال: ستأتي أمريكا بقضها وقضيضها.. وتحزب عليكم الأحزاب وتجمع لكم الأحلاف..

    قالوا: الله مولانا ولا مولى لهم..

    قال: سيطأون أرضكم بجيوش لا قبل لكم بها..

    قالوا: إذا والله لا نقول لك كما قال لك؛ قومك إذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون! ولكن نقاتل بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك.. ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك.. وما وطئ أرضنا جيش وخرج منتصراً.. أبدا.. خلا قتيبة..

    قال: سيتخلى عنكم الجميع.. وسيخذلكم أهل الأرض..

    قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.. إن شاء أمدنا بأهل السماء..

    قال: يحاصرونكم ويجوعونكم..

    قالوا: إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين..

    قال: إياي يريدون..

    قالوا: لن يخلصوا إليك وفينا عين تطرف..

    قال: فتمنعوني مما تمنعون منه أزركم ونساءكم..

    قالوا: اللهم نعم.. الدم الدم والهدم الهدم.. لا نقيل ولا نستقيل.. فسمِّ الله.. واضرب بيمينك.. اضرب أسامة فداك آباءنا وأمهاتنا.. اضرب واتق بصدورنا.. نحورنا دون نحرك.. اضربهم.. وروح القدس يؤيدك..

    هنا توقف محمد آصف عن القراءة على صوت نشيج الشيخ..

    نظرنا.. فإذا الشيخ قد غطى وجهه بردائه يهتز وله أزيز.. ويكبر.. الله أكبر.. الله أكبر..الله أكبر..

    فسكتنا برهة...

    ثم قال الشيخ وهو ينشج: لقد قرأت كتب التاريخ فلم أجد قوماً صدقوا في نصرة رجل -بعد أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم - مثل نصر طالبان لأسامة.. وهاهي ذي قبورهم في تورا بورا وشاهي كوت وقندهار وكابل.. تشهد بأنهم رجال لم يعرف التاريخ مثلهم..

    وقد بلغني أن عبّاد الصليب أسروا أحدهم، وقالوا: أخبرنا أين أسامة ونطلقك؟!

    فقال: لو كان تحت قدمي ما رفعتها..

    أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع


    ثم بكى الشيخ.. وبكى.. حتى انصرف وهو يبكي ولم يكمل الدرس..

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



    كان وراء البحر العظيم آلهة عظيمة.. يقال لها أمريكا -3-

    المشهد الثالث

    (دروس من جامع قندهار... ثم كيدون)

    انصرف الشيخ من صلاته، وأسند ظهره إلى أحد أعمدته، ثم سأل: أين محمد آصف؟

    - نعم يا شيخ

    قال الشيخ: هل أحضرت "مجالس الملا عبد العليم"؟

    - نعم يا شيخ... هذه "مجالس الملا عبد العليم"، أملاها على الفقير إلى عفو ربه "أخو من طاع الله"، سنة 1423 هـ، وكتبها في منتدى العرب على أجزاء... ثم جمعها في كتاب.

    قال الشيخ: فاقرأ لنا ما قال الملا عن أسامة ومخالفيه.

    قال آصف: نعم يا شيخ؛ قال المصنف رحمه الله؛ قال الملا عبدالعليم؛ وقد كان من خبر أسامة، أن عاداه عبّاد أمريكا في العالم، على سب آلهتهم وضربها وفقئ عينيها وكسر أنفها، وقالوا اقتلوه وانصروا آلهتكم، فتحالفوا كلهم عليه، حلف لم يسمع بمثله، واجتمعت أمم لم تجتمع في التاريخ من قبل...

    وكذلك... غضب عليه عمالها على البلاد الإسلامية، تبع لغضب آلهتهم، وذلك أن أمريكا كانت تولي على كل بلد إسلامي رجل منهم، يكفيها شر قومه، ويؤدي إليها خراجهم، فكان غالب سكان الأرض على فريقين؛
    - فدخل في خندق أسامة من دخل فيه من المؤمنين الصادقين.

    - ودخل في حلف أمريكا من دخل فيه من مواليها وأحابيشها.

    وبقيت طائفة ثالثة؛ لا لون لها ولا طعم ولا ريح، فضلوا عدم الإنحياز لفئة، وظنوها وسطية، نعوذ بالله من الجهل والخذلان.

    قال الملا عبد العليم؛ وكان من جملة من خالفه أيضا، نفر من قومه، عابوا عليه كسر الصنم قبل طلب العلم، وتعلم التوحيد، وما علموا أن أسامة أصبح مجدد التوحيد في عصره، لماّ وحّد المعبود بحق في ألوهيته...

    وآخرون من قومه عابوا عليه كسر الصنم، قبل إعداد العدة وتربية الناس، وزعم هؤلاء أنهم كانوا يعدون العدة فعلا لكسر ذلك الصنم، وزعموا أنه لولا استعجال أسامة وأنصاره، لأقر الله عين المسلمين بزوال أمريكا بلا حرب، في فترة قصيرة نسبياً، لا تتجاوز العشرة آلاف سنة بتقويم أم القرى؛ ستة آلاف منها للتربية وأربعة لإعداد العدة!

    وكان من خطتهم أن يصافحوا الصنم ويسالموه تقيةً، حتى يتركهم يدعون الناس الذين عنده إلى الإسلام، حتى إذا أسلموا كلهم...كسروا الصنم، وفاتهم أن يعلّموا من يدخل في الإسلام؛ أن الإسلام يحرم عبادة الأصنام.

    قال الملا عبدالعليم؛ فاجتمع هؤلاء وهؤلاء وأولئك - العبّاد والعمّال والمخالفين.

    قال الملا؛ ولا نعلمهم اجتمعوا قبلها، بل كانوا أعداءً متنابذين، فقالوا؛ "قد حضر ما ترون، وليس لنا إلا الرأي والمشورة، ونبذ خلافاتنا القديمة إلى حين، فقد دخل حب هذا الرجل في قلوب الناس، وكثر مؤيدوه، ولا نظنهم إلا مسعروا حرب وجالبوا شر ووبال على لأمة بسفههم وحمقهم وقلة صبرهم، والناس لا تسمع ما نقول، لاختلاف قولنا فيه، فقولوا فيه قولاً واحداً نجمع كلنا عليه؟".

    فقال بعضهم؛ "نقول خارجي"، فرد عليه أحدهم - وكان عنده أثارة من علم -؛ "إن كنت تقصد خارجي العقيدة، فليس كذلك لأنه لا يكفر بالكبيرة، وإن قصدت خارجي الفعل، فلا نعلمه خرج على إمام، وإنما بايع إمام البلد التي أقام فيه وقاتل معه وحارب بإذنه، وما زال يأتمر بأمره ويرعى حقه، فبيعتنا لا تلزمه، وإمامنا ليس إماماً له، وولي أمرنا ليس ولي أمره، حتى الجنسية سحبوها منه، تكرما، وإقالة للبيعة".

    فقال بعضهم؛ "إذاً نقول تكفيري"، فقال رجل يعرفه؛ " لا أعلمه يكفر عموم المسلمين، بل علمت يقينا ممن تدرب عنده أنه يخالف التكفيريين ويطردهم من معسكراته وجبهاته".

    فقال سفيههم؛ "فنقول تاجر مخدرات"، فسكت القوم ونظروا إليه نظرة عرف مغزاها، وصدرت من أحدهم صوت ضحكة حاول كتمها، فاستحيى الرجل ونكس رأسه، وكانت فلتة، فقد نسي أنه لا يخفى على الحاضرين ما قد يخفى على الناس، أنه وإخوانه وأبناءهم أكبر تجار المخدرات في البلاد.

    فقال أحدهم؛ "نقول عنه إرهابي، سفاك للدماء"، فرد عليه الأول؛ "هذه التهمة تصلح للغربيين، أما المسلمين فهي عندهم صفة مدح لا ذم، وسفك دماء الكفار مطلب شرعي أمر الله به في كتابه، {حتى يثخن في الأرض}، {حتى إذا أثخنتموهم...}".

    فقال أعقلهم؛ "فنقول افتأت على الأمة، فأيقظ الفتنة النائمة وجر الأمة إلى حرب غير متكافئة، وستدفع الأمة ضريبة جهله وتهوره من دماء أبنائها"، فقال الأول؛ "لم تمر الأمة منذ عشرة عقود بحال هي أفضل مما نحن عليه الآن، وكانت المذابح والمجازر في الأمة قبل مولد أسامة، ولكني أظن أن هذا القول - على فساده - هو ما يمكن أن يروج على الناس، لأن الناس ألفت الراحة والدعة، واستعداء أمريكا سيغير عليهم ما اعتادوه من الحياة المترفة، فيسلموا لهذا القول ويصادف هوى في أنفسهم، فيذعنوا له بالرضا والقبول".

    فقالوا؛ "هو القول إذا، فقولوا به وتلطفوا فيه، وانشروه".

    فصدرت بيانات سقيمة، يرى باطنها من ظاهرها، مجها الناس ولم يفهموا منها شيئا، فزعموا التراجع، وأصدروا أخرى، تلطفوا بها، دبجوها وأحسنوا حشوها بتحذيرات لأمريكا وتهديدات جوفاء لا معنى لها، لم تلتفت لها أمريكا، ولكن فرح بها بعض العامة، وظنوها نصرة للمجاهدين.

    ولكن الله تعالى يقول؛ {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق}، فتجدهم يمكرون الليل والنهار، ويملؤن أسماع الدنيا وأبصارها في كل وسائل الإعلام لصحف والإذاعة والتلفاز والقنوات الفضائية، لبضعة أشهر، حتى إذا ظنوا أنهم قد جمعوا الناس عليهم، ونفروهم عن أسامة، ظهر تسجيل لأسامة - لا يتجاوز الخمس دقائق - فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون، انفضت الناس عنهم، وأنصتت تستمع إلى الأسد.
    انتهى كلام صاحب المجالس.

    قال الشيخ: رحم الله الملا عبد العليم فقد كان خبيرا بمذهب القوم، ولم يكن بالقوم بأس، لا بغضا للمجاهدين ولا حبا في الكافرين، إلا أنهم كرهوا أن تتغير عليهم الدنيا، فإن النفس إذا ألفت شيء تنفر من تغييره، ولذلك كانت حجة المشركين على الأنبياء {إنا وجدنا آباءنا على أمة}، يرفضون مجرد التفكير في تغيير نمط حياتهم، التي ارتضوها وألفوها.

    ومن ذلك أن معظم الذي أنكروا على أسامة إنشاب القتال، كانوا ألفوا القعود، واطمأنوا للأمن والاستقرار، وكرهوا القتال، وقد طابت معايشهم وجرت أرزاقهم عميمة وفيرة؛ مساكن مريحة وزوجات وأولاد ومراكب فارهة وغيرها من وسائل الدعة والراحة، فدافعهم الأساسي هو خوفهم أن تتغير عليهم هذه الحياة، ولكي لا يكون ذلك على حساب دينهم، جعلوا الدين يدعوا إلى ذلك، وصنعوا لهم من بعض الآيات والأحاديث؛ ديناً سهلا ً، لا يوجب على من تمسك به أي تضحيات، ولا يمس دنياه بشيء.

    قال أحد الطلبة: وعلى ماذا يدور ذلك الدين؟

    قال الشيخ: "ما آتاكم ولي الأمر فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا"! وهم وإن لم يقولوا هذا بألسنتهم، إلا أنهم جعلوه دينا ألزموا به الناس، فإذا أمر ولي الأمر بالمكوس؛ صارت حلالاً واجباً، وإن كانوا يرون حرمتها شرعا، وإذا نهى ولي الأمر عن الجهاد؛ صار حراماً ممنوعاً، وإن كانو يرون وجوبه شرعا، وابتدعوا شيئا اسمه "المصلحة تقتضي..."، شيء عجيب لا يصمد أمامه نص من كتاب ولا سنة... نسأل الله السلامة والعافية.

    والكلام في هذا يطول، ولكن نكتفي بهذا القدر... والله تعالى أعلم وأحكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
     

مشاركة هذه الصفحة