البردوني لازال حياً !! ملف خاص !!

الكاتب : هشام السامعي   المشاهدات : 4,842   الردود : 26    ‏2005-09-01
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-09-01
  1. هشام السامعي

    هشام السامعي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-12-21
    المشاركات:
    1,848
    الإعجاب :
    0
    ( البردوني لازال حياً )



    حين وقف من على المسرح في العام 1971م في مهرجان أرض المربد في الموصل كانت الحداثة الشعرية في تلك المرحلة تمر بنقطة تماس مع العقد الجديد فأثبت البردوني حادي البصيرة أن الحداثة الشعرية لم تقتصر على مجموعة أبيات غير متكافئة في الوزن وغير ملتزمة بتفعيلة واحدة . فجاء بشعر قل أن يقال عنه إنه الحداثة الشعرية المتفردة " وكانت نظرته المتفحصة للغد تخرق من وراء عينيه الميتتين الحاضر لتتأمل في المستقبل
    حين صعد من على المنبر يلقي قصيدته كان الحضور غير مقتنع بهيئته التي تبدو للعين غير مستوفية شروط الشاعر كما يظن البعض من البرجوازيين .
    فكانت المفاجأة وفجر البردوني قصيدة أبو تمام وعروبة اليوم لتصيب الجميع بنوبة إغماء أرغمت الكثير من الشعراء على لف أوراق قصائدهم وقبرها في جيوبهم حتى إشعار أخر .
    فردد قصيدته المشهورة مناكفة لقصيدة أبو تمام (حبيب إبن أوس ) السيف أصدق أنباء من الكتب .
    فقال يرحمه الله .
    ماصدق السيف إن لم ينضه الكذب ..
    وأكذب السيف إن لم يصدق الغضب ..
    بيض الصفائح أهدى حين تحملها ..
    أيداً إذا غلبت يعلو بها الغلب .
    ثم يمضي في قصيدته مسترسلاً . مدهشاً جميع من حضرو .
    حبيب وافيت من صنعاء يحملني نسرً ..
    وخلف ضلوعي يلهث العرب ..
    ماذا أحدث عن صنعاء يا أبتي ؟..
    مليحة عاشقاها السل والجرب ..
    لم تبارح المليحة صنعاء وجدان البردوني طوال حياته في الحب والحرب والأمن والخوف . في الفقر والغنى والجوع .
    شاعر مثل البردوني يحمل قلباً ملائكياً طاهراً يجبر الجميع على محبته والإعتزاز بصداقته "
    قال عنه الدكتور عبد العزيز المقالح في مقدمة أعماله الكاملة (أيها الصديق العزيز لقد قرأت شعرك وأنا تلميذ في الابتدائية ..وقرأته وأنا طالب في الإعدادية ..وقرأته وأنا مدرس في الثانوية ..وصار بيني وبينه آلفة العمر ..)
    كان حبه للوطن نابع من معاناة عاشها في فترات متفاوتة عانى فيها الجوع والتشرد فكان خير من يمثل الفقراء والمشردين في شعب كثر فيه من الجوعي والفقراء "
    يقول في قصيدة أنسى أن أموت
    لـكن فـي صدري دجى الموتى وأحزان البيوت
    ونـشيج أيـتامٍ ... بـلا مأوى... بلا ماء وقوت
    لم يبارح نشيج الأيتام ضميره المفعم بالحب والخوف على مستقبل هؤلاء الفقراء فكانت كل هذه المعانات حاضرة في وجدانه "
    رغم قساوة الحياة وجفاف الوطن إلا أن حبه لهذا الوطن كان خصباً في كل الفصول وفي كل المراحل " عكس ذلك كله في قصائده وشعره وحضوره الأدبي في مهرجانات الشعر " فهو القائل "
    فـي حـقولي ما في سواها ولكن بـاعت الأرض في شراء السماد

    يـاندى.. يـا حـنان أم الدوالي: وبـرغمي يـجيب من لا أنادي!!

    هــذه كـلها بـلادي... وفـيها كـل شـيء... إلا أناوبلادي!!
    لم يتأفف يوماً من إنتمائه لهذا الوطن كما يفعل البعض من يغروون بزيف المظاهر فكان إعتزازه بوطنه عنوان سعادته وتميزه
    هذه أرضي وأرضي أبداً .. وأنا من صوتها الحر الصدى
    وهي في صوتي هتاف وندا .. سوف أشفى جرحها يوم الفدا
    يرحمه الله لم ينحن يوم أو يذل في مواجهة ظلم حاول أن يفرض غطرسته على هذا الشعب فكان يرحمه الله جريئاً وصوت حق
    قال في قصيدة يخاطب بها الإمام
    لماذا لي الجوع والقصف لك .. يناشدني الجوع أن أسألك
    وأغرس حقلي فتجنيه أنت ..وتسكر من عرقي منجلك
    لماذا وفي قبضتيك الكنوز ..تمد إلى لقمتي أنملك
    وتقتات جوعي وتدعى النزيه .. وهل أصبح اللص يوماً ملك
    ماكان لشاعر مثل البردوني أن يتخاذل أو يضعف أمام جبروت طاغية وحاكم مستبد فسجن يرحمه الله في سجون حجة فترة لابأس بها كتب خلالها أفضل قصائده
    هدني السجن وأدمى القيد ساقي .. فتعاييت بجرحي و وثاقي

    مع كل هذه المعاناة وهذا الحب للوطن ربط حبه للحياة مع حبه لكل جمال وجميل فكان القلب العاشق المفعم بالحب "
    لا تسل كيف أبتدينا ..لا ولا كيف أنتهينا
    لا تقل كيف أنطوى الحب ..ولا كيف أنطوينا
    ملعب دار بعمرينا ..فولى من لدينا

    يقول في مطلع ديوان في طريق الفجر
    مخاطباً كل الكائنات
    من القبر من حشرجات التراب ..
    على الجمر من مهرجان الذباب ..
    ومن حيث كان يدق القطيع ..
    طبول الصلاة أمام الذئاب ..
    حداثة ماكان لشاعر عمودي مقلد أن يقولها " جمع بين القبر واصفاً التراب كرجل تحشرج من الكلام " متأملاً في الأفق حياة تبدو فيها قوانين الغابة طاغية على الروح الإنسانية التي وهبنا الله إياها "




    هشام السامعي
    25"8"2005م
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-09-01
  3. هشام السامعي

    هشام السامعي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-12-21
    المشاركات:
    1,848
    الإعجاب :
    0


    [align=left]السيرة الذاتية للشاعر عبدالله البردوني



    السيرة الذاتية "
    1929- ولد عبدالله بن صالح بن حسن الشحف "البردوني" في قرية البردون من قبيلة بني حسن- ناحية الحدا- شرق مدينة ذمار.
    لأب وأم فلاحيين ولم يكن هذا العام بالعادي على اليمن ففي هذا العام خرج إلى الدنيا شاعرها وضمير شعبها " ميمماً صوب تجديد الشعر وتشريف اليمن في جميع الأقطار "وفيه ضربت الشمال بالطائرات البريطانية . عام 1928م وغرق فيه " محمد البدر " إبن الإمام يحي حميد الدين "
    والدته " نخلة بنت أحمد عامر . كانت ذكية . فلاحة . لا تقف عن العمل كانت نصف حارثة ونصف ربة منزل ولدت لعم البردوني عبده ربه إبنتين وولد بخيتة . وظبية . وعبدالله . وأستخلفها أبو شاعرنا بعد موت أخيه . فأنجبت له ثلاثة أبناء . أحمد . وعبدالله . والثالث مات في شهر ميلاده ولعل السبب أن ميلاده كان بعد سن الحمل . وقد تعمرت تسعين عاماً . وهي حاطبة كالرجال . وسارية الليل كالرجال . تشارك في الفتن المحلية مع قبيلتها . وكانت شديدة على شاعرنا في صغره . لكونه كان يطلب ما لا تمكنها المحاصيل منه . لكن الأيام كانت تخبىء لهذا الطفل مصيبة ظل يعاني منها طوال عمره ففي العام الخامس من عمره يصاب بالعمى نتيجة لتفشي مرض الجدري في تلك الأيام مما يبعث في نفسه الأسى والحزب على فقد بصره "
    بعدها التحق بكتاب القرية في العام 1934م وفيها حفظ ثلث القرآن على يد مشايخ القرية وعلى يد والده أيضاً "ثم أنتقل إلى قرية " المحلة " في ناحية عنس " جنوبي شرق مدينة ذمار وكانت له أخت متزوجة في تلك القرية " ولأن التعليم كان منتظماً فيها فتعلم بقية القرآن الكريم حتى سورة الأنعام على يد الفقيه " عبدالله بن علي سعيد " هذا بدوره أعطى البردوني طموح لمواصلة التعلم وإكتساب معرفة جديدة " دفعه ذلك للإنتقال إلى مدينة ذمار في العام 1937م وهناك التحق بالمدرسة الشمسية التي تعلم بها القرآن الكريم حفظاً وتفسيراً وتجويداً وتعلم أيضاً القراءات السبع "
    وفي الثالثة عشر من عمره بدء الحس الشعري عنده يولد في رحم معاناة عكست ذلك على شعره فأخذ من كل الفنون إذا لايمر مقدار يومين إلا ويتعهد الشعر قراءة أو تأليفاً " فكان يقرأ مايقع في يده من الدواوين القديمة "
    كان في قرارة نفسه يدرك أن الحياة لا يمكن أن تتوقف لمجرد فقده بصره فغادر ذمار ميمماً شطر مدينة صنعاء ووصلها " ودرس فيها في الجامع الكبير على يد العلامة احمد الكحلاني، والعلامة أحمد معياد...
    ثم أنتقل في مطلع الأربعينيات إلى دار العلوم فدرس من بداية الصف الرابع الذي يحتوي على أربع شعب وتعلم كل ما أحاط به منهجها حتى الغاية . بعدها حصل على إجازة من دار العلوم برئاسة العلامة " علي الفضي " في العلوم الشرعية والتفوق اللغوي " ثم التحق بالمنهج لكي يتقاضى مرتباً رمزياً كخريج " عين بعدها مدرساً للأدب العربي شعراً ونثراً في نفس المدرسة العلمية . مع متابعة أطوار العصور من الجاهلية إلى عام " 1363ه 1944م " ملحقاً بشعراء الماضي شعراء النهضة كـ(أحمد شوقي ) والبارودي ومن العصر الحديث (إبراهيم ناجي )(وعلي محمود طه )من مصر و(أبو القاسم الشابي )من تونس و(عبدالقادر الناصر )من العراق . وغيرهم .
    وقف في العام 1971م في مهرجان أرض المربد في العراق يبهر الشعراء بقصيدة أبو تمام وعروبة اليوم والتي سمي المخرجان فيما بعد بأسمها "
    حصل على العديد من الجوائز منها
    جائزة أبو تمام بالموصل عام 1971م
    جائزة شوقي بالقاهرة عام 1981م
    جائزة الأمم المتحدة (اليونيسكو )والتي أصدرت عملة فضية عليها صورته في عام 1982م كمعوق تجاوز العجز وأقدره الله على المثابرة في مواصلة التعليم والتأليف نثراً وشعراً وإذاعة .
    جائزة مهرجان جرش الرابع بالأردن عام 1984م
    جائزة سلطان العويس بالإمارات 1993م .
    صدرت له 12 ديوان شعري
    و8 دراسات
    وبقي له إثنان من الدواوين لم تطبع حتى الأن هي (رحلة إبن شاب قرناها )و( العشق في مرافىء القمر ) كما كان يعكف على تأليف دراسة في كتاب عن اليمن الموحد بعنوان ( الجمهورية اليمنية )
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-09-01
  5. هشام السامعي

    هشام السامعي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-12-21
    المشاركات:
    1,848
    الإعجاب :
    0
    [align=left]شهــــــــــــــــــادات للـــعصر
    قدمها بعض أدباء الوطن العربي


    عبدالعزيز المقالح

    لا أستطيع أن أتصور اليمن من غير شاعرها الكبير الكبير بكل المعاني، رغم إيماني المطلق بان الموت حق، وأنه يتقرر لحظة الميلاد، وأن كل حي لابد أن يفارق الحياة الدنيا ليبدأ حياته الخالدة في ملكوت الله



    محمد الشرفي شاعر

    إن العهد الماضي، وسوء الحكم، والطغيان هو الذي فجر في الشاعر البردوني طاقات الإبداع، وإبداع الكتابة، وكان واحدا ممن بشر بالثورة، وكانت قصائده توجيهات وتعليمات لشباب الثورة، ورجال الوطن، بأن الأرض تدعوهم، وتصرخ في وجوههم بان تحركوا، وانهضوا وضحوا.



    وليد مشوح ناقد من سوريا

    وقف البردوني صامدا في قلب الحركة الشعرية المعاصرة في العالم العربي – محافظا على الشكل الكلاسيكي، متحرراً من قيوده في الآن ذاته- محاولاً خلق روافد. جديدة إذْ فتح البردوني للقصيدة التقليدية طاقات المعاصرة، والحداثة، وتمكن من تطوير الشكل ليخضع للغة الجديدة التي تطورت على يديه، وكانت النزعة الدرامية أحد أهم العناصر التي وظف بها البردوني أداته الشعرية لخدمة رؤيته الفنية.



    هدى النعيمي- صحافية، وكاتبة عربية

    ظل البردوني ذلك الطائر الملون الذي تلمع ألوانه كلها تعامدت على ريشاته خط الشمس، وظل القمر هو البريق السابح اللا منتهي متى انسكب عليه الضوء توهج وسطع وإلا فالغيمة الحنون تظلله، وهو يرقد تحتها قرير العين دوماً.



    لورانس ج- كاتب وصحافي أوروبي

    تميزت حياة البردوني بالكثير من المفارقات فهو سياسي راديكالي، يعتز بالتراث، وعلماني مفتون بأرض بلاده، وبطل للكلمة المكتوبة.. وفوق كل ذلك فهو أعمى تمكن من رؤية الحقيقة، ولم يكن يتردد عن الإعراب عن آرائه بكل جرأة، وصدق



    قادري أحمد حيدر -كاتب وباحث

    البردوني اسم يتجاوز حدود المعنى المتعين للفظة، والكلمة، وقامة شعرية كبيرة تحمل قلب طفل، وشاعر إنسان عميق الإحساس بالحياة، مشبع بالفرح، وبالأنين والحنين للذي لم يأت. إنه كما قال عنه الشاعر شوقي بغدادي:

    "بلبل فريد الغناء يقتحم العصر، والحداثة ، ببساطة الأطفال وثقة الرجال المحنكين".



    عبدالله علوان - شاعر وناقد

    كان الشاعر الجليل لسان حال الأمة العربية، وضميرها الثقافي وكان مع هذا وذاك ضمير الإنسانية التواقة إلى الانعتاق من عذابات الأنظمة الاستبدادية الطاغية، كان صوتها الصارخ في الظلم، وكان شعره ونثره صوت العدالة الاجتماعية والحرية.



    د/ أحمد علي المأخذي - أكاديمي

    برحيل هذا الصوت القوي، سوف يظل اليمن لفترة، وطناً يحتاج، أشد الاحتياج إلى صوت كصوت هذا الراحل العظيم، ولن يتكرر هذا الصوت في الزمن المنظور.



    محمد صالح الحاضري: كاتب، وباحث

    كان البردوني حلو الابتسامة، رقيق اللفظ عميق التفكير، وكان زاهداً، شامل الثقافة اجتماعي الخط قوي النزعة الإنسانية وكان استثنائيا في حجمه، الأمر الذي جعل عمالقة الشعر في ملتقي ابي تمام يتسمرون على مقاعدهم، بعد أن شاهدوا نهوضه كابي العلاء المعري، وقامته كقامة أبي تمام والمتنبي.



    عباس بيضون: ناقد من لبنان

    كان عبدالله البردوني بمعنى ما، معجزة الشعر، كما كان المعري من قبل وطه حسين من بعد معجزة النثر. فهذا الرجل لم يحمل وجهاً أعمى،ولكن حمل وجهاً بلا عينينن وربما خطر لنا أنه لم يكن أعمى، لكنه ببساطة بلا عينين والا فيم كانت هذه القصائد، وهذه المطولات والتواريخ، وهذا الشغف الجامح، والحماسة الداخلية.



    محمد علي فرحات – كاتب عربي

    كان البردوني يعتبر الثقافة شأناً فاعلاً في التطور، والتحرز. فالتزم قضايا الوطن والإنسان، من دون أن يأسر نفسه في إطار حزب، أو فئة. ومن مآثره أنه كان في طليعة المتشددين على وحدة الكتاب اليمنيين، حين كان لليمن حكومتان، ودولتان.



    تركي السديري – كاتب، وصحافي سعودي:

    عاش البردوني متواضعاً للغاية، وكانت كل السلطات المتعاقبة على حكم اليمن تعرف قيمته، واحترامه، ويتخاطف القراء العرب دواوينه التي اختلطت فيها مشاعره، وأراؤه باختلاف المؤثرات التي تعاقبت عليه، والمعلومات التي واصل بها تغذية عقله، وشاعريته.



    د. وهب رومية- ناقد عربي

    ¬بدأت شاعرية البردوني تتجلى منذ ديوانه الثاني (في طريق الفجر) لقد أنضجت العزلة، والغربة، والأحزان شخصية هذا الشاعر، فإذا هو يعي ذاته وعياً حاداً عميقا، ويعي العالم من حوله ببصيرة ثاقبة ترهف السمع إلى إيقاع الكون، وأحداثه، وناسه، ويتجلى هذا الوعي بوضوح الرؤيا، وعمقها وامتدادها"



    وليد مشوح- ناقد عربي من سوريا

    البردوني قهقهة عالية، عندما يحس بوجوده المحيط، وتفجُّعٌ مؤلم عندما يتبصره في كونه الخاص، أي هو بكاء يشبه الضحك، او ضحك يتماهى مع البكاء.



    إسماعيل الوريث- شاعر

    البردوني قامة أدبية كبيرة، وهو بموته يحيا من جديد، وسيظل يشغل الناس لأمد طويل، لأن كتاباته، وأشعاره كانت دائماً مثاراً للجدل، وتحتوي على الجديد المتجدد.



    علوان الجيلاني- شاعر وناقد

    عرفته رجلاً عظيماً في إبداعه، وفكره وشعره، وإنسانيته، وحسن تواضعه، حيث لا تشعر معه أنك مع إنسان، يضع مكانته حاجزاً بينه، وبينك، وإنما تشعر أنك مع صديق حميم يعايشك، وكأنه في سنك.. وسيظل البردوني موجودا بيننا.



    عز الدين المناصرة- ناقد عربي

    كان البردوني رغم كلاسيكيته متفتحا على الشعر الحديث، وهو ذاكرة حافظة ممتازة وفي كل مرة التقيته فيها كان يحمل معه سلامات من صديقي عبدالعزيز المقالح، وكان يربط باستمرار بيني، وبين المقالح، وكنت أخجل وأشعر بالمفاجأة، لأن البردوني كان يحفظ بعض قصائدي ، أما أنا فلم أحفظ سوى بيت واحد للبردوني



    حاتم الصكر- ناقد من العراق

    كان الراحل العزيز، واحداً ممن كدوا، واجتهدوا، ليلائموا شعرهم المتمسك بالتقاليد الموروثة مع عصرهم الجامح ورؤاه المجنونة، وأشكاله التي لا تكف عن التجدد.. وبالمقابل فهو ممن يصوت عليه قراء الحداثة الشعرية، لأنهم يرون فيه صوتاً مختلفاً، ورؤية مغايرة.. الآن سيكون البردوني في ذمة التاريخ، إلا أن شعره سيظل أكثر حضوراً في ذمة القراءة..



    عبدالودود سيف: شاعر وناقد

    في عالم البردوني الشعري، ينمحي الشكل، ويبقى الشعر هو الوهج المتألق، رغم الفواصل السميكة بين الأشكال المتباينة، نحسب أن البردوني حفر مقولته النظرية في ذاكرة النقد، واستوفاها حرفياً في تجربته الشعرية التطبيقية.



    واشنطن بوست

    كان الأستاذ البردوني، الراحل من أعظم شعراء اللغة العربية المعاصرين، الذين أثروا الأدب العربي بإبداعاتهم، وأعمالهم، وروائعهم الأدبية.



    أخبار الأدب- القاهرة:

    برحيل البردوني تفقد الثقافة في اليمن واحداً من أعلامها المهمين على مدى نصف قرن، ويفقد الشعر العربي، واحداً من أهم أعلام الكلاسيكية في هذا القرن، ممن يمكن أن نسميهم الكلاسيكيون الجدد



    بيان الصفدي: شاعر، وكاتب من سوريا

    أشعر بأن الصوت اليمني الخاص- البردوني- جداً لن يتكرر ثانية، لأن البردوني حالة عجيبة من التكوين الجسدي، والنفسي، والفني، إنه مزيج من عهود وفنون، وأشكال، حتى وجهه المجدور كان يختصر في وجوه اليمنيين التي مرت عليها عشرات السنوات، وهي تحاول الخروج من عزلة التاريخ وبؤسه"



    عبدالرضا علي- ناقد عراقي

    كان البردوني أديباً موسوعياً، بكل معنى الكلمة؛ فضلاً عن كونه شاعراً كبيراً من شعراء الكلاسيكية الجديدة، إلا أنه ناقد ذو منطلقات جريئة، وتجد تلك المنطلقات في العديد من كتبه، وبخاصة: رحلة في الشعر اليمني، وفنون الأدب الشعبي، ومن أول قصيدة إلى آخر طلقة.



    عبدالباري طاهر: كاتب، وباحث.

    هذا البردوني العظيم الذي يتحدى الموت بنسيانه، قد دخل عالم الأبدية، والخلود، ونسي أن يموت.

    إن رحيل البردوني -الجسد الذاوي- يصبح فلكاً، وعالماً من الإبداع، والتجدد والديمومة. تماهى بمجد الكلمة ليكون "كلمة" وطلب الموت لتوهب له الحياة.



    أحمد جابر عفيف

    عرفت البردوني منذ خمسين عاماً، وربطتْ بيننا صداقة متينة، وكما كان مبدعاًَ كبيراً، فقد كان صديقاَ, وفياَ، وكان مخلصاً لمبادئه الإنسانية، فلم يلن يكن، ولم ينحن لا لعوادي الزمن، ولا لقسوة الأوضاع، وكانت أكثر الأشياء عنجهية، وجبروتا، تبدو أمام صلابته هشة مشروخة.







     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-09-01
  7. سمير محمد

    سمير محمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-09-26
    المشاركات:
    20,703
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2003
    كم سننتظر حتى يأتينا بردوني آخر ؟ ...

    الحبيب .. هشام /

    بانتظار الملف الذي أخبرتني عنه , وكل لهفة وشوق

    وأشكرك على الجهد الذي ستبذله في سبيل نشره

    كل التقدير لك
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-09-01
  9. هشام السامعي

    هشام السامعي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-12-21
    المشاركات:
    1,848
    الإعجاب :
    0
    مات عبدالله البردوني

    عبدالسلام لصيلع -
    في أقل من شهر فقدت الأمة العربية شاعرين كبيرين، من أكبر شعرائها وأكثرهم شهرة وتميزاً وخصوصية.. ففي الـ(3) من أغسطس توفي في دمشق الشاعر العربي العراقي عبدالوهاب البياتي، وفي الـ(30) من نفس الشهر توفي في صنعاء الشاعر العربي اليمني عبدالله البردوني شاعر اليمن الأول بغزارة إنتاجه الشعري والنثري.
    والحقيقة أن الشاعر الفقيد عبدالله البردوني- رحمه الله وغفر له- كان علماً من أعلام اليمن الحديث ومقصداً لكل من يزور اليمن من المثقفين العرب ومثقفي العالم، وأدبائه وشعرائه وصحافيه.. فليس من المعقول أن يزور الإنسان اليمن ولا يزور عبدالله البردوني في منزله.. إن البردوني مثل الشاعر الدكتور عبدالعزيز المقالح من الأشخاص الذين لا بد من الاتصال بهم في اليمن والحديث معهم. ففي سنة 1984م أقيم في صنعاء أول أسبوع ثقافي تونسي، وكنت من بين الوفد الصحفي الذي واكب فعاليات ذلك الأسبوع الثقافي التونسي، وكنا ثلاثة اتفقنا على زيارة عبدالله البردوني في منزل الصديق المرحوم صالح جغمان والصديق عبدالجليل المسعودي.. وكاتب هذه السطور.. عندما دخلنا عليه نهض- رغم فقدانه البصر- ورحب بنا ترحيباً حاراً كأنه يعرفنا قبل ذلك ورغم ظروفه الصعبة كان كريماً معنا، وكان في غاية الفرح والسعادة بنا لأننا كنا ضيوفه.. وكان في غاية التواضع والبساطة..وكان دائم البشاشة والابتسامة.. وكان صاحب نكتة وفكاهة.. أجرينا معه الحوارات الصحفية.. والتقطنا الصور التذكارية.. وأهدى إلى كل واحد منا مجموعة كبيرة من دواوينه ومؤلفاته الأخرى.. وبعد ذلك تجدد لقائي بالشاعر عبدالله البردوني في تونس عندما جاء ضمن وفد الأسبوع الثقافي اليمني بتونس. وعاد البردوني إلى تونس في مؤتمر اتحاد الكتاب والأدباء العرب عندما كان مقره هنا.. وما زلت احتفظ بتسجيل صوتي لحوار طويل معه لم ينشر إلى الآن، لقد خسرته اليمن والأمة العربية، ومن يموت لا يعوض.
    قاهر الظلام والجهل.
    يعجبني في عبدالله البردوني أنه قاهر الظلام والجهل والفقر.. لم يمنعه العمى من أن يكون من أكبر الشعراء والباحثين العرب في القرن العشرين.
    كلمات من ذهب:
    يقول عبدالله البردوني: "الإبداع هو الذي ينقلك إلى عالمه وتشعر أنك انقطعت عن عالمك كذلك هو تجربة جديدة لرؤية جديدة تعبيراً وتفكيراً. وأظن أن التفكير هنا أهم من التعبير والرؤية أهم من الشكل، لأن الإبداع قد يأتي في القليل، قد يأتي في أي مكان من الأمكنة، فالإبداع هو الدهشة كظاهرة كونية غير مألوفة، ومفاجئة. تقرأ القصيدة كأنك أمام مفاجأة لم تتوقعها ولم تتوهم احتمالها.
    يا وجهها (للبردوني)
    يا وجهها في الشاطئ الثاني
    أسرجت للإبحار أحزاني
    أشرعت يا أمواج أوردتي
    وأتيت وحدي فوق أشجاني
    ولم أتيت؟ أتيت ملتمساً
    فرحي وأشعاري وإنساني؟
    ويقول البردوني:
    الدهر أدوال.. أتدري متى
    سيضعف الأقوى ليقوى الضعيفْ؟
    أنت الذي رددت: بعد الشتا
    صيف، ولكن كيف أشتى المصيفْ؟!
    الآن، قل لي أنت: ماذا يلي
    هذا؟ ألاتدري بأني رصيفْ؟!

    صحيفة الحرية التونسية 1999م.
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-09-01
  11. هشام السامعي

    هشام السامعي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-12-21
    المشاركات:
    1,848
    الإعجاب :
    0
    وجها لوجه – حوار مع عبدالله البردوني في مجلة العربي عدد504 - نوفمبر2000
    (عبدالله البردوني وعلي المقري)
    لا رواية جيدة في بلد لا يوجد فيه شعر جيد
    • لم أعترف بالعمى في أي لحظة في حياتي
    • ليس بعد الحداثة والأحدث إلا الشيخوخة ثم الموت
    • درست الفقه وكنت وكيلاً للنساء المطلقات
    • البشرية تحتاج إلى الفنون كلها وليس الرواية فقط
    ربما يمثل هذا الحوار الوصية الأخيرة لشاعر راحل عرف من الحياة بؤسها أكثر مما عرف من مجدها وزهوها. فهذا الأعمى الذي رأى كل شيء حوّل ظلمته إلى عالم أسطوري حافل بالرؤى والنبوءات. لقد عاش عبدالله البردوني في اليمن مهد اللسان العربي وموطن بلاغتها, لذلك فقد كان شعره تعبيراً عن وعي جمعي متراكم من أجيال من الشعراء العرب هاجروا مع قبائلهم من مأرب, واستقروا في صحراء العرب حتى جاءت رسالة البعث الإسلامي فحملوها إلى كل مكان.
    ويوصف البردوني بأنه آخر الشعراء العرب الكلاسيكيين الكبار, وأبرز المتميزين في كتابة القصيدة العمودية, وله اثنا عشر ديواناً صدر أولها في عام 1961م, وله ثمانية كتب تتناول تاريخ اليمن المعاصر السياسي والثقافي والاجتماعي.
    وأجرى الحوار في صنعاء الشاعر والصحفي اليمني علي المقري, أحد أصوات جيل الثمانينيات الأدبي في اليمن, صدرت له مجموعتان شعريتان وعدد من الأبحاث.
    وكان الحوار قد أجري معه قبل وفاته (يوم 30 أغسطس 1999م) بعشرة أيام بحضور الشاعر أمين العباسي.
    العمى والفقر
    • تثير سنوات طفولتك الأولى الكثير من الاندهاش, إذ كيف لطفل أن يفقد البصر ويواصل مكابدته في كثير من الأعمال ليصل إلى ما هو عليه من المكانة الأدبية, نرجو أن تعود بنا لنتعرف على ذلك الضوء الذي كان يدلك على السير في عتمة المكان ?
    - العمى أصابني وأنا صغير جداً, في السنة الخامسة أو السادسة من عمري, وكانت بدايته أن عُميت عين نهائياً, وعين بقي فيها شيء يعرف البصيص, فمثلاً إذا صحوت من النوم ورأيت دخول الضوء أعرف أن الصبح قد أطل, وأرى إذا وجد في المكان سراج, وبعد فترة أصابتني ضربة شمس وصداع فانطفأ ذلك البصيص.
    وما عميت إلا وقد كان عندي دراية بالحركة, أين أصعد إذا كانت أمامي صخرة, وكيف أنزل من الصخرة, فبقيت في ذاكرتي تلك الأماكن التي كنت أروح وأغدو منها وإليها, ولأن الطريق إلى المسجد الذي بجواره المعلامة (الكتاب, ويتم فيها تحفيظ القرآن), كان شاقّاً اندهش الناس في القرية (البردون), فهناك مكان اسمه (صفي الجبهة) فيه البيوت متراصّة من هنا وهناك, كان الناس في الرابعة (عصراً) إلى السادسة يتجمّعون فيه. فمنهم من يطعم ثوره ومنهم من يطعم جمله أو يعلف بقرته. ولأن بعض أطراف الثور أو غيره تكون في الطريق, فقد كانوا يتعجّبون لأنني كنت عندما أمر أدهف الثور وأمشي.
    وكانت النساء بشكل خاص يقمن بجر الثور أو البقرة إليهن من أجل أن أمشي, وكان خالي حسين علي فقيه ـ وهو شاعرـ يضيق مني, ويقول لي: (احتكم... احتكم) وهذه الكلمة يقولها بعض الكهول للكهل إذا أصيب بالعمى, أما أنا, فكيف (أحتكم ?), أنا كنت غير معترف بالعمى, وألعب حينما يلعبون, وكان الدم لا يجف من بنان قدمي, أكدف هنا وأضرب رأسي هناك, وكانت أمي تربط أصابعي بخيط أحمر (كحرز) يقيني ضربة حرّاء, كما تعتقد, والسبب أن الأحجار الناتئة تقع عليها رأس الأصبع فتدمى, كما أن ضرب رأسي يكون في جدار قام حديثاً أو بني ليلاً وضحى, وما مررت عليه سابقاً.
    وكان يسرني إذا ما أنزلني أبي إلى (المعلامة) لأنه كان يمر بطريق خلفية سهلة, فينزل من حجر أملس, ويطلع إلى حجر وينزل من ثان, وإذا بنا نشم رائحة الحارة حيث نكون في باب (المعلامة).
    وقد ظللت أفكر كيف سأعرف هذه الطرق, وهممت مرة بعد مرة.
    • إذن, استقيت معارفك الأولى, بعد العمى, بواسطة (المعلامة) ?
    - نعم, بواسطة (المعلامة) قرأت ما يسمى بجزء البياض, وهذا الجزء هو قراءة الحروف وكتابتها في لوح على مداد أبيض وقلم (مبري).
    وبالنسبة لي كنت أحفظ الحروف دون كتابتها, وكنا نقرأ الحروف قراءة إنشادية, فيها شيء من الإطراب, تشبه الإنشاد الذي يصاحب الجنازة من قبل الأطفال, فهؤلاء في اليمن إذا تقدموا الجنازة يحوّلون الإنشاد الجنائزي إلى موسيقى فريدة.
    وعندما انتقلت إلى المدينة (ذمار) وأنهيت فيها حفظ القرآن تجويداً, انتقلت - أيضاً - من (المعلامة) إلى (المدرسة الشمسية), وهي جامع أسسه أو بناه شمس الدين بن شرف الدين الذي حارب الأتراك في القرن العاشر, وكان مرشّحاً للإمامة, لكنه أصيب بطلقة وحجرة, فكسرت رجله ثم جُبرت, فصارت فيه عاهة العرج مما حرمه من الخلافة التي تشترط في الإمام أن يكون سليم الحواس والأطراف.
    عندما دخلت هذه المدرسة, شعرت أني بدأت غربة جديدة, فقد كنت في (المعلامة) أعلّم الأطفال المتخلفين في الحفظ وأكرر لهم وأكرر, وزيادة البنات, فأحصل بالمقابل على قطع من الخبز تكفيني يومي, إضافة إلى أن اثنين من الأساتذة قررا لي (بقشتين) في كل يوم.
    • هل هذا يعني أن عائلتك كانت فقيرة لم تستطع أن تعيلك في المدرسة الشمسية ?
    نعم فقيرة, وكانت في (البردون).. ولم تستطع أن تعيلني, طبعاً, لكنها كانت تعيلني عندما كنت عندهم, ولكن كنت أحسّ أن إعالتي شيء ثقيل, وسمعت كلمات رديئة عندما عميت, قالوا: أعمى لا غرّام ولا رجّام, أي لا يقاتل مع القرية (رجّام) ولا غرّام يعطي نصيبا من النقود إذا كانت عليهم غرامة.
    وأذكر أنني ظللت في (المدرسة الشعبية) شهراً في جوع قاتل.
    وخرجت مرة وفوجئت في (معلامة) هناك, فيها واحد اسمه سيدنا أحمد دادة, فدعاني وقال لي: كم ستبقى تقرأ (تتعلم) كل يوم ? فقلت: يا سيدنا ما نفعل ? قال: هيا لتعمل ساعتين أو ثلاث ساعات ? تعلم هؤلاء (الطبول عيال الفراعنة الذماريين), وكان بذيئاً لا يتكلم إلا شتماً. فعهد إليّ بخمس بنات أعلمهن في الصباح.
    محامي المطلقات
    • على الرغم من أنك نشأت في بيئة ثقافية تقليدية - خاصة في مجالي الشريعة والأدب - قيل إنك في عملك الأول كمحام (وكيل شريعة) في الأربعينيات اتخذت اتجاهاً مغايراً, وهو الدفاع عن النساء المطلقات وقضايا المرأة عامة, كيف استطعت الخروج من صرامة الفقه وقيوده ?
    - المسائل الفقهية من يفقهها جيداً لا يجدها قيوداً, فيقدر أن يتعامل معها في مجتمع يبني عليها تفكيره وبيئته, وليس في الأمر أي صعوبة.
    • إذن هناك منطلقات فقهية جعلتك تتجه إلى ما يمكن أن نسمّيه مناصرة المرأة أثناء عملك كمحام (وكيل شريعة) ?
    - في الحقيقة لا أدّعي أن علاقتي بالمرأة كانت تحرّراً أو مناصرة بل لأنه لم يوكلني أحد غيرهن.
    فقد كنت أبدو بقميص مهلهل, نعم كان هناك رجال يوكلونني, لكن أول مَن وكلني كن نساء, وبالذات المطلقات والوارثات أو مغتصَبات الإرث من الإخوة, ففي هذه الناحية عندما يموت الغني يتعاون الأولاد في الاحتيال على البنات حتى لا يخرج مال أبيهم إلى زوج الأخت أو البنت, كما وُكّلت أيضاً في قضايا الزنا وغيرها.
    في هذه الفترة تحسنت أحوالي المعيشية باستثناء فترات العطل, كنت فيها أقتنع بالقليل.
    • نعود إلى تجربتك في الكتابة, فمن خلال مقالاتك والاستماع إلى أحاديثك نجد أن فقد البصر لم يؤثر سلبياً في تحصيلك المعرفي, وعلى العكس نجد معارفك متسعة في أكثر الجوانب القديمة والحديثة, كيف استطعت تجاوز إشكالية فقد البصر كونه فقداً لحاسة مهمة في التوصيل المعرفي ?
    - أنا أقرأ كل ما وجدت ولا أستطيع أن أرتّب على حسب ظهور كل كتاب أو كل رواية, إنما استطعت أن أتابع نجيب محفوظ من رواياته التاريخية الثلاث إلى آخر رواية وهي (ابن فطوطة).
    وأستطيع أن أقول بأنني تابعت كتب طه حسين بعد خروجها بمدة قصيرة, ولي أصدقاء وصديقات في سوريا ومصر ما حالوا بيني وبين كتاب, حتى أن أحدهم لم يقبل مني أن أعطيه ثمن أو مقابل ما دفع.
    • كم ساعة تقرأ - أو يقرأ لك - في اليوم ?
    - كنت أقرأ في الخمسينيات ثماني ساعات من التاسعة إلى الواحدة ظهراً, وبعدها من الخامسة إلى الثامنة أو التاسعة.
    وفي أوقات أقرأ أقل, أما أكثر فلا, وفي أوقات لا أقرأ أي شيء, أستمع إلى الراديو أو استرجع ما قرأت وأرتّب ذهنياً, فعندي - مثلاً - فكرة عن كل كتاب فيه شاهد على ما أقول أو دليل.
    • ألا تقع في أخطاء أثناء ترتيبك ذهنياً للشواهد والأرقام ?
    - قد أقع في أخطاء في الأسماء وفي أرقام القرون الزمنية, وهذا يحدث لأنني أملي ولا أرى كيف كتب, فأظن أن الإملاء يحرمني رؤية الاسم فأذكره, ولكني لا أرى أن هذه الأخطاء موضوعية وإنما هي هامشية.
    • إذا كنت قد وجدت بعض المخارج القضائية في مجال الفقه التقليدي لبعض القضايا الاجتماعية أثناء عملك وكيل شريعة (محام) فماذا بالنسبة لمجال الشعر, من أين استمددت الشجاعة في نقدك ?
    - في مجال الشعر كانت هناك دوافع زمنية ودوافع حرمانية ودوافع وطنية, في الحقيقة, أما الشريعة فإنها تأمر بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر.
    • بعد رحيل الشاعر محمد مهدي الجواهري, توصف الآن بأنك آخر الشعراء الكلاسيكيين الكبار, أو أنك الشاعر المتميز الوحيد في كتابة القصيدة العمودية, هل هذا يعني أن القصيدة العمودية ستتحول إلى إرث جمالي في المستقبل, خاصة ونحن نلاحظ اجترار شعراء لتجارب سابقيهم ودون أي إضافات جمالية ?
    - في الحقيقة, الأحكام الأدبية مصابة بأمرين, الأمر الأول: السباق على الأحدث والأجد, والأمر الثاني: مجاراة العلم الذي ينتج كل يوم من الألعاب عشرة أنواع, كلباً وقطّاً, دجاجة وفأراً, وكذا المخبز الآلي الذي ينتج مليون رغيف.
    الشعر غير ذلك, أنا من عام 1950م إلى الآن واقف على مبدأ أدبي واحد هو أن المهم هو الإجادة: في شكل البيت, في شكل التفاعيل, في شكل العمودي المتطور.
    لأن الشعر العمودي ظل قائماً ولايزال, لكنه كان قائماً عند مَن أجادوه, مثل محمد مهدي الجواهري في العراق, ومحمد المجذوب في السودان, وعمر أبي ريشة وبدوي الجبل في سوريا.
    وفي سوريا بالذات, ظل الشعر العمودي هو المسيطر إلى مطلع السبعينيات ولم يلتفت السوريون, حتى المعاصرون جداً, إلى الشعر الجديد.
    الشعر العمودي كان قوياً جداً, وكان يؤجج مظاهرات, كان الجواهري يخرج مظاهرات تظل ساعات في بغداد, كما حدث يوم رثى أخاه جعفر قائلاً:
    بأن جراح الضحايا فم

    أتعلم أم أنت لا تعلم


    وكان الجواهري جماهيرياً أحسن من أبي ريشة, لأن الجواهري ذا صوت مبحوح غير مشروخ مثل عمر أبي ريشة, والجواهري شيعي وللشيعة فلسفة فيثاغورية والفلسفة الفيثاغورية هي أرومة الوجودية التي بدأت بشكل إيماني عند كيركيجورد وسان بيرز, وحييت بعد ما ظهر سارتر وسيمون دي بوفوار وأصبحت الوجودية من مطلع الأربعينيات إلى الآن أقوى مدرسة أدبية.
    قصائد رديئة
    • لكن هناك بعض النقاد وبعض الشعراء الحداثيين يقولون إن ازدهار القصيدة العمودية ارتبط بفترة المد الثوري, وإن هذه القصيدة كانت عبارة عن صوت اعلامي مباشر للخطاب السياسي.
    ويطرح أن الخطاب السياسي صارت له منابره أو قنواته الخاصة المعبّرة عنه, وبالتالي أدى هذا إلى تجدد الأشكال الفنية مع تحوّلات الأزمنة, فيلاحظ عالمياً أن الشعر تراجعت مكانته عند الجمهور الذي صار يتجه نحو الصورة بتقنياتها السينمائية والتلفزيونية إضافة إلى الرواية, وأصبح هذا العصر يوصف بعصر الصورة وعصر الرواية, فكيف تعتقد أنت أن القصيدة العمودية مازالت صامدة رغم التحوّلات ?
    - القصيدة العمودية الرديئة تبقى رديئة, مثل قصائد أحمد رامي, وبعض قصائد أحمد الصافي النجفي, وبعض أبيات للجواهري, فمثلاً الجواهري يقول:
    للخائنين الخادمين أجانبا

    أرأيت مملكة تبيع شهيدها


    أغري الوليد بشتمهم والحاجبا

    أنا حتفهم ألج البيوت عليهم

    فعندما يقول (أنا حتفهم ألج البيوت عليهم), بلغ غاية القوة التعبيرية والتحدي, لكنه حين يقول (أغري الوليد بشتمهم والحاجب) فإن المسألة سهلة ليس بها اقتحام. فكان الشطر الثاني إضعافا للأول, وأوجد في القصيدة تهاوناً, لكن القصيدة الجميلة موجودة في العمودي وفي العمودي المتطور, لأن شعر الخمسينيات ليس كله جديداً وأكثره عمودي متطور, فمثلاً, بدر شاكر السياب أبرز دواوينه في الفترة التي بدأت من أول الخمسينيات إلى 1958م (أنشودة المطر) 20% منه قصائد عمودية.
    وكان السياب منجذباً لشوقي, فمثلاً له قصيدة (الأسلحة والأطفال) يقول فيها:
    عليها سناً من غد يلمح ? عصافير, أم صبية تمرح
    وشوقي يقول:
    وأحبب بأيّامه أحبب

    ألا حبذا صحبة المكتب


    عنان الحياة عليهم صبي

    ويا حبذا صبية يمرحون


    على الأم يلقونها والأب

    خليون من تبعات الحياة


    حقائب فيها الغد المختبى

    وتلك الأواعي بأيمانهم


    والحقيقة أنني أرى قصيدة شوقي هذه جميلة وقصيدة السياب أجمل.
    لكن قصيدة من العمودي المجيد ليست مثل بيئة الجديد, لأن الجديد هو تقطيع دون أن يخرج ذلك التقطيع نظرية في المعنى.
    وقد مر الشعر بخمسة أطوار: العمودي السنتيمتري, العمودي المتساهل, العمودي المنوّع القوافي الذي هو ليس على قافية واحدة, وبعده العمودي المتطوّر, ثم الجديد.
    وقد قال عبدالقادر القط في عام 1965م, وهو يستقبل ديوان محمد إبراهيم أبو سنة (قلبي وغازلة الثوب الأزرق) إننا كنا نظن أن هذا الشعر الذي فتح الخمسينيات سوف يأتي في الستينيات بتجارب أغنى وبحركة أفضل وبتطور لغوي أجود وليس أجد فقط, فلا قيل أهلاً للجدة بلا إجادة.
    أما المسألة الثانية في ذكر الرواية والمسرح والفن والتشكيل فهذه فنون أخرى لها قواعدها.
    والبشرية تحتاج إلى الفنون كلها وليس إلى الرواية فقط مثلاً.
    ولا يمكن أن توجد الروايات الجيدة إلا في بلد فيه شعر جيد وأجود, فنقرأ - مثلاً - ديستوفسكي, تولستوي, وأنطون تشيكوف الذين كانوا من أمهر الرواة, فمن كان في عصرهم من الشعراء ? كان هناك مايكوفسكي وبوشكين أشعر شعراء العالم.
    ولن تجد الرواية مزدهرة والقصة جيدة إلا وكل الفنون جيدة لأن التعاون الثقافي من أسرار تطور الشعوب.
    ولا نقول إن هذه التجارب الجديدة معيبة إلا الآن, لأنهم بدأوا الآن يقولون: ما بعد الحداثة.. ما بعد الحداثة ? الشيخوخة والموت.
    فليس بعد الحداثة والأحدث إلا الموت.
    • باستثناء القلة من كُتّاب القصيدة العمودية, وأنت أبرز هذه القلة, يلاحظ المتتبع أن أكثر كتاب القصيدة العمودية ينطلقون من رؤية ماضوية لمجمل قضايا العصر, فنجد أنهم لا يعادون الأشكال الأدبية الحديثة فحسب, بل يعادون أيضاً كل ما هو حديث اجتماعياً.
    هل هذا الانطلاق امتداد لما كان يعلنه المحافظون في الخمسينيات والستينيات من أن كُتّاب الشعر الحر عملاء للثقافة الغربية, أم أنه ناتج عن عوامل ثقافية أخرى ?
    - القضية لا تخلو من وجود الكل, وقد كان هناك جانب سياسي, فصالح جودت وأحمد رامي وعزيز أباظة كانوا يسمّون صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي وأمل دنقل ونجيب سرور وأحمد عبدالمعطي بالقرمزيين:
    وشعرنا ساطع أخضر

    وأشعارهم مثلما القرمزي


    يقولوا أواناً وقد يقصروا

    لنا وزننا ولهم وزنهم


    يطول مع الزيف أو يقصر

    وشعرهم كضمير اليهود


    هكذا يقول صالح جودت وليس في شعره نَفَس الشعر, لكن الشاعر العمودي المجيد هو محمود حسن إسماعيل وعبدالمنعم السويسي.
    وفي مصر وجوه مبدعة لا يتاح لها الظهور, لأن الذي لا يظهر هناك في الإعلام لا يمكن أن يظهر مثلما يظهر في اليمن أو في العراق.
    وكانت القصيدة العمودية في العراق هي الأغلب في كل أطوارها وظل الجدد مقلين, فنازك الملائكة ليست جديدة, هي عمودية متطورة, اقرأ لها أي ديوان ستجدها هكذا, لكنها كانت متشبّعة بالرومانتيكية, لأن الرومانتيكية تعبر عن الحزن وضياع الإنسان وهذه كلها في أصول الإنسان وفي حياة بني البشر.
    • بالنسبة إليك كيف جمعت بين كتابة هذا الشكل المتهم أصحابه بالرجعية, وبين مواقفك السياسية الملتزمة بقضايا العصر الحديثة ?
    - قضايا العصر الحديثة سياسة ضرورة, لأنها عدالة أمر بها الله ويطلبها الشعب, لأنها حرية, وهي عن حق الشعب في أن يعبّر بصوت عال وأن يفكّر بصوت صائت وأن يكتب بأمانة, لا رقيب عليه إلا ضميره, وألا ينال عقوبات.
    وأنا الآن معادى من أكثر من رئيس حكومة لأنني لم أمدح, وقد دعوني المرة الأولى فسافرت, ودعوني المرة الثانية فسافرت, فقالوا: لتقابل الرئيس (فلان) والشيخ (فلان), فقلت: والله أنا مواطن.. أصغر مواطن من اليمن, ومن مدينة أفلاطون فمالي صفة تتيح لي المقابلة, فهي لا تدل إلاّ على الاستجداء, وأنا ما جئت مستجدياً بل ملبياً دعوة.
    • ماذا عن الجوائز الأدبية التي اتجه إلى منحها العديد من الشعراء رجال الأعمال, ومنها جائزة سلطان العويس التي حصلت عليها, هل تعتقد أنها مهمة على المستوى الشعري ?
    - لا, لا أظن أن الجوائز مهمة, يتوقف عليها تطور الشعر أو ركوده, لكن بالنسبة للجائزة التي حصلت عليها, فهي نفحة إنسانية أو مبادرة كريمة لا يرتجى منها جزاء, لأن معطيها قد مات, فهي أبرأ وأرقى جائزة, وأنا لم أنل غيرها سوى (الأصوات الإنسانية) وقدرها سبعون فرنكاً فرنسياً.
    اليسار اليسير
    • صار الواقع العربي يكرّس واقع القطرية, بما تحمله من تفكك للعرب مما أصبحت معه مقولات العروبة والقومية ضرباً من وهم, كيف ترى مستقبل العرب في ضوء هذا الواقع وأنت أحد المهتمين بقضاياه الفكرية ?
    - في أشد تفكك, وفي خروج سافر عن القومية العربية وعن أمة العرب, وعن تجربة الوحدة وعن عمل التوحيد, وقد أصبحت الفنون الإعلامية شعبية, وكل شيء فيها يتعلق برئيس الدولة أو رئيس الجمهورية وكأنه فرعون ذو الأوتاد.
    هناك تجزئة وأنا أتوقع أن هذه التجزئة سوف تتحوّل إلى أسلحة إسرائيلية ضد الشعوب التي لها مواقف, وأظن أن سوريا ستضرب من إسرائيل بتسهيل من دول عربية.
    • يقول البعض إنه لا يوجد شاعر في الخمسينيات والستينيات إلا وقد مرّ عبر الأحزاب الشيوعية والقومية, ما الأمر بالنسبة إليك وأنت أحد كتّاب القصيدة السياسية المدوية ?
    - نعم, لكنها قصيدة سياسية ليست معبّرة عن وجهة نظر حزب ما أو جماعة بعينها, وهي مقيدة بالمكان اليمني وبالحالة اليمنية وبالتاريخ اليمني.
    حتى الأماكن كنت أرى فيها علامة, والشعر علامة على المكان والزمان.
    • إذن أنت لم تكن حزبياً في يوم من الأيام ?
    - لا, أنا أرى أن لهذا الحزب أو ذاك موقفا يستحق أن يُذكر بما هو عليه, ولكن ليس بالارتماء أو النظر في الجزاء.
    • هل يمكن أن نقول إنك كنت قريباً إلى اليسار ?
    - نعم, اليسار على الإطلاق, نعم, لكن ليس من يسار اليسار, بل من اليسار اليسير.
    • تنشر منذ فترة سيرتك الذاتية في أجزاء صحفية, نجد فيها أشياء لافتة, يمكن القول بأنها تواكب الاتجاه الحديث في كتابة السيرة الذاتية عند العرب باهتمامها بالجوانب المثيرة خاصة الجنس, كما هو الحال عند محمد شكري أو رءوف مسعد, كيف ترى الاتجاه إلى كتابة السيرة عند العرب ?
    - العرب ليس لهم تجربة في كتابة السيرة كما لهم تجربة في كتابة الرسالة وتأليف التاريخ وكتابة المقامة, وقد ابتدع العرب فن المقامة, أما السير فاقتصرت على الأبطال في الماضي: سيرة سيف بن ذي يزن, سيرة عنترة, سيرة الأميرة ذات الهمة.
    وهذه السير في الحقيقة لها أشكال شتى جميلة من الرواية, ولكن ليس لها كل شروط الرواية المعاصرة.
    فمثلاً محمد شكري كتب روايتين رائعتين: (الخبز الحافي) و (الصعاليك), الأولى من أجود الروايات عن حياة البيوت الفقيرة, والثانية أرّخ فيها للشعب النائم في الأرصفة.
    وفي الحقيقة هناك أشياء في السيرة الذاتية لا حاجة إليها مثل اعترافات روسو وروايات فرنسوا ساجان.
    وأنا أظن بأنني كتبت سيرتي على طريقة طه حسين في (الأيام) وقد نشرت أكثر من خمسين حلقة وربما يصبح هذا العمل أكبر كتاب لي لأنني مازلت أكتبه.
    ---------------------------------------------------

     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-09-01
  13. هشام السامعي

    هشام السامعي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-12-21
    المشاركات:
    1,848
    الإعجاب :
    0
    ترويها زوجته.. الأستاذة فتحية الجرافي

    محطات هامة في حياة البردوني..

    حوار/ عايدة عبدالحميد -
    بعد سنين من وفاة زوجتي الأولى في 1977م تزوجت فتحية وهي جامعية خريجة قسم إنجليزي، والدها كان من رجال السلك الدبلوماسي.. أسافر إلى ما أريد تسافر معي.. أحيانا تشاركني في قراءة بعض الكتب تسألني عن بعض القضايا الثقافية والسياسية.. كانت مديرة مدرسة بلقيس جوار الإذاعة وكنت أنا مدير البرامج في الإذاعة فكانت تتصل بي وأنا في الإذاعة وتطلب مني أن القي قصائد حسب طلب الطالبات فكنت استجيب فانعقدت بيننا الصلة من ذلك الوقت وإلى الآن مازلنا زوجين كأصدقاء كزوجين.فتحية بجانبي في كل أعمالي سافرت معي في طباعة كتب كثيرة.. وكانت ماهرة في التصحيح، وفي إخراج الكتب إخراجا جميلا وفي ظل التقائنا كزوجين عاصرت معي أكثر الدواين- ست مجموعات شعرية وسبعة كتب دراسية.. وهكذا تعاونا مع كثير من الأمور وهكذا كانت الحياة متشابهة بما نعيشه في الثقافة، وهذا ما جعل الثقافة محبوبة لدى.

    هذه الكلمات قالها الاستاذ الراحل البردوني خلال لقاء أجرته معه صحيفة المرأة في يوليو 97م وتمر الأيام ونتوقف عند الحادية عشرة من صباح يوم الاثنين 30/8/1999م ونفاجا برحيل رائد الكملة الشاعر والأديب الفذ عبدالله البردوني.

    وفي الكلمات التي أوردها الراحل المقيم متحدثا عن زوجته الاستاذ فتحية أحمد الجرافي/ أو كما يطلق عليها لقب فتوح/ كان وفيا في حديثه عنها.. وحيث رحل البردوني كان واجب العزاء يقودنا إلى منزله لمواساة حرمة الاستاذة فتحية الجرافي وعبر لحظات الحزن والأسى الذين خيما على منزل الاستاذ الراحل المقيم كان هذا الحوار
    يوم وفاته:
    تقول الاستاذة فتحية الجرافي والحزن العميق يغطيها: كان الاستاذ البردوني رحمه الله ساهرا في الليل حتى التاسعة مساء برفقته أحد الطلبة الذين يترددون عليه لقرأوا له وكان عاديا وطبيعيا، وبعد التاسعة أغلقت الأبواب وأمسيت عليه وفي الصباح قمت أجهز الافطار في المطبخ وبدا لي أنه غير طبيعي وكان يدخل ويخرج من وإلى المطبخ في حركة غير عادية وبعد تناول الطعام المكون من " الزبادي- البيض- الخبز" تناول كوبا من قهوة القشر.. بعد ذلك أخذته إلى غرفته ورقد في فراشه وغطيته وأحست أنه كان يتحرك حركات غير طبيعية، وخرجت في مشوار لمدة ربع ساعة لإحضار سباك وعدت خلال الربع ساعة هذه لا فاجا بسامية التي تعمل معنا بالمنزل، وهي تقول لي أن الاستاذ قدمات. صعقت من الخبر وذهلت، ولم أتمالك نفسي من الصدمة، وبعد أن استرديت أنفاسي طلبت سامية الدكتور أحمد الحضراني الذي أحضر معه ممرضة وكل معداته، وأجرى الكشف على الاستاذ وأخطرنا بأن كل شيء قد انتهى.. لقد توفي الاستاذ.. في هذه اللحظة قمت باتصالات لكل أهله وأصدقائه وكل من كان يتردد عليه وأخطرناهم بخبر الوفاة وخلال نصف ساعة امتلأ المنزل بالمعزين.
    وحقيقة لم أكن أتوقع أن يسجيب الكل، ويحضروا إلينا مسرعين، وقد صدم الجميع بوفاته.
    وبصراحة لم أتوقع الحماس والنشاط من الجميع فقد حضر إلينا في نفس تلك اللحظات الأخ/ وزير الإعلام، والأخ/ وكيل وزارة الثقافة، وجمع كبير كبير من الأطباء والأدباء والصحفيين وأصدقاء الفقيد، وقاموا بكل الواجب وأتجه كل واحد منهم لعمل شيء في مجال اختصاصه، وأخذوا الجثمان لمستشفي الثورة ومن هناك اتصلو ا بالأخ علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية وتحرك الجميع بسرعة بالغة.. كان لها كبير الأثر في تخفيف المصاب الجلل.. وحقيقة أقولها أن الراحل البردوني لم ينجب ولدا ولكن كل أبناء اليمن كانوا أبناء له وما فعله هؤلاء الناس لحظة وفاته يؤكد ذلك .
    نموذج للأسرة المتعاونة.
    ربع قرن من الزمان.. مسيرة حياة زوجية مع الراحل البردوني.. كيف تقيمين هذه الفترة؟
    تقول الأستاذة فتحية الجرافي حرم الاستاذ الراحل البردوني :
    حياتنا كان يسودها التفاهم والمودة والرحمة والود وكل مشاعر الوئام وكل ما يمكن أن يكون بين الزوج وزوجته، وكنا نموذج للأسرة المتعاونة لأننا لم نكن نعيش كزوجين يتحمل كلانا مسئولية الآخر، وكان كل منا يتحمل مسئوليته، ولم يكن أي منا يشكل عبنا على الآخر.. كل واحد منا يتحمل مسئوليته كاملة.. يعتمد على نفسه في حياته اليوميةفقد كان الفقيد الراحل يعتمد على نفسه في ارتداء الملابس، وكل ما يحتاجه الإنسان العادي، وكان يقوم لوحده وأنا أيضا كنت أقوم بالقدر المستطاع بالأشياء الضرورية التي يحتاج لها.. لقد أمضينا 25 سنة من الحياة الزوجية كان يسودها الوئام ولم يكن بيننا أي خلاف ، والسبب أنه لم يكن لدينا حتى الوقت لهذه الخلافات.. فانا كنت موظفه أقوم بعملي في وزارة الشئون الاجتماعية وبوزارة التربية كان عملي الميداني يأخذ مني كل الطاقة التي معي وكان الاستاذ البردوني رحمه الله متفرغا لعمله ولكتاباته ولم يكن هناك أي احتكلك يجعلنا ندور حول المشاكل وحياتنا كل يسودها الهدوء والتفاهم.
    يوم في حياة البردوني
    • هل يمكن أن يصفي لنا كيف كان يقضي الاستاذ عبدالله البردوني يومه؟
    • تقول حرم الاستاذ الراحل البردوني: كان الاستاذ الراحل في دوامه منضبطا ونظامه كان جادا ومنظما بحيث كان يتناول إفطاره عند الثامنة تماما بعد ذلك يبدأ في استقبال أصدقائه، وكان زميله الذي يبازمة دائما الاستاذ محمد الشاطبي، وهو الذي كان يكتب له، وكان صديقا حميما وكان هو قلم الاستاذ وكان يقرأ له.. أيضا هناك عدد من الشبان الذين يساعدونه في الكتابة منهم عبدالوهاب الذاري- توفيق الحرازي- الحارث بن فضل- عبدالملك الغيزري- الأمين وكان يعتبر هؤلاء الشباب نواة العمل في المستقبل، وكان هذا العمل يستمر أحيانا إلى الساعة الثانية ظهرا.
    وبعد الغداء ينام أو يستمع إلى المذياع والذي كان صديقا له في معظم الأحيان، وكان غالبا ما ينام إلى الساعة السابعة مساء بعدها يحضر أصدقاؤه للإصلاع على آخر الاصدارات، وكان يشارك ي الأمسيات الثقافية، والليالي الشعرية، وفي الأيام الأخيرة من حياته أعتكف عن السفر حيث كان دائما يمثل اليمن في كل المحافل وقد نال الراحل البردوني، جائزة العويس، وهي مبلغ ( 100 الف دولار) وقام بطباعة أربعة كتب وهذه الكتب كانت دعما للمكتبة اليمنية، وكل ما كان يحصل عليهالبردوني من أموال كان يخصصه لطباعة الكتب.
    وبالنسبة للسفر ففي الأيام الأخيرة لم يستطع السفر وذلك لمشقة السفر وركوب الطائرة وكانت تصله دعوات كثيرة ولكنه فضل الاعتذار عنها، وكان يرفض الخروج ويفضل الاطلاع والكتابة.
    رحلة المرض والأدب.
    • بالرغم من كل هذا المرض الذي كان يعانيه الاستاذ الراحل عبدالله البردوني فقد كان قويا ومتماسكا في كتاباته.. هل يمكن أن تصفي لنا رحلته مع المرض والأدب؟
    • قبل عشر سنوات سافرنا إلى روسيا وأجرى الاستاذ الراحل البردوني فحوصات عديدة أثبتت انه 27 نوعا من الامراض، بينها ضغط الدم والسكر والربو والأملاح، والقلب، وكان يتناول العلاج لكل هذه الأمراض بانتظام، وكان العلاج يأتي أحيانا متضاربا مع مرض لآخر، وقد تحمل كل هذه الأمراض والعقاقير، وكان يعتمد عليها وكان إلى جانب تناولها يبدع في الكتابة وفي الشعر والأدب.. وقبل عام حدث له فقدان في الذاكرة وقد أمر الأخ/ الرئيس علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية بعلاجه على نفقه الدولة، وتم علاجه وإنقاذه من تلك المحنة آنذاك بفضل الله وبفضل اهتمام القيادة السياسية بدءا من الرئيس ورئيس الوزراء وكافة الوزراء والأدباء والصحفيين، وكافة أبناء الشعب اليمني الذين كانوا يتساءولون عن صحته آنذاك.
    محطات هامة:
    • هل يمكن أن نقف في محطات هامة في حياة الراحل البردوني؟
    • تقول السيدة فتحية الجرافي: هناك محطات هامة يمكن الوقوف عندها في حياة الراحل البردوني منها بداية انتشاره بقصيدة أبو تمام عروبة اليوم" وحضوره عددا من المهرجانات، حيث كنت أرى الجميع يستمع إليه، بانتباه والكل يتودد له ويلتقط معه الصور التذكارية.
    وقد حضرت معه مهرجان المربد وجرش وسافرت معه إلى أمريكا وفرنسا وروسيا.. وزيارته لأمريكا كانت بدعوة من الطلبة العرب لإلقاء محاضرة في الجامعة الأمريكية، وقد ألقى محاضرات في خمس ولايات بجامعات انديانا وجورج تاون وجامعات أخرى. وفي مكتبة الكونجرس حيث وجدت بعضا من كتبه مترجمة وقد رحب به اتحاد الأدباء في أمريكا.. وفي فرنسا استضافه المعهد العربي وقام بإلقاء محاضرات وأشعار.. وفيما عدا هذه السفريات فقد كان رفيقه الدائم في السفر الاستاذ محمد الشاطبي، والذي كان مقربا وصديقا دائما له..
    آخر نتاج للبردوني
    • وماذا كان يعد البردوني آخر أيامه؟
    • تقول حرم الاستاذ الراحل البردوني
    كان يعد مقالاته التي تنشر في صحيفتي ( الثورة) و ( 26 سبتمبر) وهذه المواد كان يجمعها وكان يهدف إلى أن يحولها إلى كتب وهي الآن مجموعة ولم تطبع إلى الآن.. وقد كنت أطلع على أي مقال يكتبه، وعندما يعجبني أشكره على هذا المقال وأحس أنه إنسان استطاع أن يعبر من خلال كلمة واحدة عن معان قد لا يستطيع الإنسان أن يعبر عنها في كلام كثير، فهو في جملة واحدة يلخص موقفا يمكن أن يكون في صفحات وكتب.
    أحلام وأمنيات:
    • ماهو الحلم الذي ظل يراوده في حياته؟ وما هي أمنسيتك بعد رحيل البردوني؟
    * تقول السيدة فتحية الجرافي: حلمة الوحيد كان تحقيق الوحدة وكان دائما ينادي بها.. وأمنيتي أن يبني مركز باسم البردوني يجمع كل كتبه ومراجعه، وأن يكون مكتبة عامة يرتادها الجمهور للاستزادة، والمعرفة، وقد حافظت على كل كتبه وكل أوراقه ويمكنني القول هنا أنني أغلقت الأبواب على هذه الأشياء حتى يحين وقت إخراجها.
    كلمة أخيرة:
    • كلمة أخيرة.. ماذا تقولين فيها:
    • تختتم السيدة فتحية الجرافي حديثها فتقول:

    في الختام أتقدم بالشكر والعرفان لفخامة الأخ/ علي عبدالله صالح الجمهورية الذي أولى الراحل البردوني في حياته ومماته أهمية كبرى، فله مني كل الشكر ..كما أتقدم بالشكر للأخ رئسي مجلس النواب وللأخ رئيس مجلس الوزراء ورئيس المجلس الاستشاري، وكافة الوزراء وأعضاء مجلس النواب وأعضاء المجلس الاستشاري وكافة الأدباء والأطباء والصحفيين والإعلاميين.. والشكر موصول لكل أبناء الشعب اليمني.. أيضا الشكر مقدم إلى كل الأهل بقرية البردون الذين قاموا بتحمل المسئولية كاملة.. وبتوجيه الدعوة للمجابرة والمقيل والقيام بواجب العزاء وكل ما يمكن أن أقوم به أنا قام به الشباب والرجال من أبناء قرية البردون التي أنجبت رجلا فذا هو الراحل المقيم" عبدالله البردوني" والذي برحيله فقدت اليمن والأمة العربية قمة شامخة وعملاقا كبيرا في الشعر والأدب.
    من محطات سفر البردوني
    - القاهرة 27/1/1988م

    - موسكو 7/9/1988م

    - سوريا 21/5/1989م

    - ليبيا 27/9/1989م

    - سوريا 11/ 8/1991م

    - الأردن 10/12/1993م

    - مصر 29/1/1993م

    - فرنسا 12/6/1993م

    - الاردن 22/7/1993م مهرجان جرش

    - قطر 7/10/1993م

    - سلطنة عمان 18/10/1993م

    - الامارات 1/3/1994م حضور العيد الوطني لدولة الإمارات.

    - الإمارات 23/3/1994م تسلم جائزة سلطان العويس

    - الكويت 16/12/1994م

    - سلطنة عمان 1/2/1997م

    - آخر سفرية إلى الاردن 25/10/1998م للعلاج على نفقة الرئيس علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية



    الملحق الثقافي للثورة
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-09-01
  15. هشام السامعي

    هشام السامعي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-12-21
    المشاركات:
    1,848
    الإعجاب :
    0
    فصول من مسيرة البردوني الحياتية والشعرية

    د. رشيد الخيون -
    لا يملك الأدب العربي الكثير من نماذج التعبير النابع من ظلمة البصر وضياء البصيرة، أو العمي الفيزيائي والرؤية العبقرية الشاسعة التي يعجز عن مضاهاتها كثير من المبصرين، والشاعر اليمني عبدالله البردوني خير تقاليد زرقاء اليمامة، حيث تنكشف في مخيلته تلك المشهدية التراجيدية التي تنغلق على سواه، وحيث السخرية المريرة هي العماد المركزي في شعر يقيم على أرض البشر يمانيين وعرباً، ويلامس وجدانهم في معيش الروح وهاجس الجسد، وفي اكتناه التاريخ في الحياة اليومية والحياة المرشحة للرسوخ في الذاكرة.
    كلما وقعت عيني على اسم بشار بن برد في أخبار الاعتزال او في أخبار أشعاره أسرعت مخيلتي الى عبدالله البردوني، فإذا كان الشعر والعمى والتمرد على بعض الأطر هي أعذار مخيلتي في ما تراه من تشابه بين الشاعرين والموقفين، وكان لا بد من المماثلة فالأقرب أن تتوافق هذه العلاقة مع شاعر المعرة فهو الأدنى من عصر البردوني، وهكذا اختصرت مخيلتي العصور ولا أدري أيهما عندما مقترن بالآخر؟ وحتى يكون الاقتران أكثر توفيقاً تصورت البردون ييجلد ويموت كما مات شاعر البصرة، على يد حاكم توهم الناس كلهم "زنادقة" إلا من غنى وغرد له وتعمد الى ذلك حتى تصدق مخيلتي على ما ذهبت إليه من توافق بين الشخصين. وعندها سيقبل عذره بأنه لا يميز بين شروق وغروب كما رفض عذر ابن برد.
    تمرد بشار على عصره، فعند خروجه من الاعتزال نفاه المعتزلة عن البصرة، وبعد أن فسر تمرده بإدمان الخمرة والزندقة ألقوا عليه القبض متلبساً في مناجاة الله على غير الوقت المعتاد، وعندها جلده المهدي العباسي حتى الموت، كذلك تمرد البردوني على عصره بالمشاغبة المتواصلة على السلطة، فالواقع السياسي اليمني في نظره:
    فظيع جهل ما يجري
    وأفظع منه أن تدري
    وهل تدرين يا صنعاء
    من المستعمر السري
    يصف البردوني البردوني بقوله:
    وأرتاد واعتصر الأزمان مكتبه
    واستجمع الشهب في كفيه منظار
    فهل يجرؤ ناقد ويقول أنه يبالغ في تعظيم نفسه؟ لقد كان البردوني منصفا لتلك الظاهرة التي أينعت من واقع وإمكانيات أقل ما توصف بأنها حقبة من حقب تاريخ القرون الوسطى، ويشكر البردوني عماه في وجده وتفوقه الأدبي والثقافي بقوله.
    "والله لو لم أكن كفيفا لكنت مثل اخوتي فلاحا أو راعيا أو مغتربا في إحدى دول الخليج"
    ولكن كيف يكون كفاف البصر عاملا رئيسيا في هذا الوجود والتفوق كما يصفه صاحب العلاقة؟ هل يعني به العمى العبقري؟ فهناك عميان لا يستدلون طريقهم حتى مع دليلين وعصا، بينما هناك من عادل عماه ملايين العيون المبصرة والمفتوحة على مصراعيها. دعونا نقول إنها ظاهرة " العميان العباقرة" والتي ينتمي لها عبدالله البردوني بكل ثقة عندما وصل عبدالله البردوني إلى العراق للمشاركة في مهرجان أبي تمام عام 1970م لم يعجب البعض هيئته وملابسه البسيطة فوجهة "مجدر" و" دشداشته" لا تليق بالمناسبات الرسمية كما يرى البعض ذلك، لكنه لم يكن رسميا في يوم من الأيام سواء مع أهل السلطة أو مع العامة، تتفجر ضحكته مع الأعماق متى ما أعجبه ذلك، حتى قيل همسا" بدون من الصحراء" وهذا أقل ما يقوله هذا النوع من المثقفين وندما أعتلى المنصة وقال بائيته مخاطبا أبا تمام ومطلعها الذي شاع في العراق بسرعة.
    ما أصدق السيف إن لم ينضه الكذب
    وأكذب السيف إن لم يصدق الغضب
    وعندها سكت من أستاء من هندام البردوني ولم يتطاول أكثر وفي هذا المهجران طلبت منه الشاعرة العراقية المعروفة لميعة عباس عمارة أن يقرأ في اليوم الأول لأهمية شعره، فهي عارفة بدبلوماسية مثل هذه المؤتمرات، وقد تكون بساطة البردوني من ثياب وهيئة عاملا في تقديم غيره من الشعراء المتأنقين، لذلك هرولت إلى وزير الثقاة العراقي آنذاك شفيق الكمالي طالبة منه ضرورة أن يقرأ البردوني في اليوم الأول من أيام المهرجان لعلو شأن الشاعر، وفعلا حصل ذلك رغم أن البردوني لا يفاضل بين الأيام.
    عرف البردوني نسبة إلى اسم بلدته بردون وقد ميز اسمة بتشديد الدال حتى لا ينسب خطأ إلى إتباع المفكر الاقتصادي الفرنسي بردون، الذي وصف من قبل الماركسية بـ " البرجوازي الصغير" لذلك يوصي بهذا التشديد ذاكراً تلك النسبة فهو من بردون- الحدا- ذمار.
    التقيت بأحد رواة وكتاب البردوني عبدالإله القدسي، وهو موظف بوزارة الثقافة، وقد التقينا في منزل البردوني بصنعاء عام 1992م وكما يبدو أنه كان المتحدث الشخصي بتاريخ وشعر البردوني، فقد حفظ عن ظهر قلب كل أزمات البردوني وخلجاته وشعره وسيرته، ومنه علمت أن شيخه عمل محاميا في المحاكم الشرعية بعد أن تعلم الفقه في المدارس الدينية، وعلى سبيل النكتة سألته: وهل دافع البردوني عن متهم سياسي؟ وكان سريع البديهة برده: " وهل حصلت في البلاد محاكمة سياسية يسمح للمتهم أن يختار محاميا له" وينقل القدسي طرفة من طرائف البردوني السياسية فيقول أنه كان جالسا في مجلس حكومي رفيع المستوى وسأله أحد الحاضرين: لماذا لا تكتب يا أستاذنا عن الديمقراطية. فرد البردوني الغيبة حرام"
    يعد البردوني من الندرة الذين مازالوا يتمكنون من ارتجال الشعر، ومازال محتفظا بقوة شعرية كبيرة فعمره الشعري يربو على خمسين عاما وبذلك يمتلك تجارب واسعة، أما في التأليف المنثور، فقد ألف في موضوعات مختلفة تنصب على الهم الثقافي اليمني، ومنها يتشعب إلى قضايا عربية وعالمية، فقد أرخ للفنون الشعبية، وأبدع في تجذير الأدب الشعبي اليمني موضحا صلته بعالم الأسطورة الشعبية والدينية، كذلك أرخ للشعر اليمني وشعرائه في كتابه، " رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه" الذي يعد موسوعة في هذا المجال ، ومن الكتب الأخرى التي صدرت له في مجال الثقافة كتاب" قضايا يمنية" و"اليمن الجمهوري"
    لقد اعتمد عبدالله البردوني في تكوينه الثقافي والفكري علىقواه الذاتية، مستلا من مأساة التخلف التي تحيط به قدرات معاصريه، وبما أنه لم يتتلمذ في معهد أو جامعة عربية أو أوروبية ظل مخلصا لفطرته متجاوزا قيودها إلى عالم أرحب، وبلور نهجا خاصا به معتمدا بالأساس على نقد واقعه، ومن حسناته أنه لم يتأثر بمنهج ما، وهذا هو عمق الأصالة في أعماله الشعرية والثقافية بشكل عام، إن عبقرية البردوني تكمن في حصانة إبداعة الثقافي من التأثيرات فهو نموذج من الإبداع الفطري، وعبقريته تأسست على دراسة بسيطة في اللغة والفقه، وعند المقارنة مع طه حسين كنموذج آخر للأعمى المبدع، فإن البردوني ظل مشدودا إلى قيود معاناته بينما نفذ منها طه حسين إلى مجال متنوع وواسع، وتخلص من تأثير تلك الفطرة عندما درس في الأزهر ثم في السوربون بفرنسا، ووجد من تضع خطوته في محلها، ونعني بها السيدة الفرنسية التي أصبحت زوجته فيما بعد كذلك لاوجه للمقارنة بين مصر طه حسين ويمن عبدالله البردوني، ولكن في المقاييس المجردة من تأثير تطور البيئة واعتبار الشهادات وتعلم أصول البحث يبرز البردوني مدرسة قائمة بذاتها لها إيجابياتها وسلبياتها.

    عن صحيفة الشرق الأوسط.

     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-09-01
  17. هشام السامعي

    هشام السامعي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-12-21
    المشاركات:
    1,848
    الإعجاب :
    0

    [align=left]
    وهذه دراسة للدكتور عبدالعزيز المقالح








    ملامح حداثية في شعر البردوني

    د. عبدالعزيز المقالح -
    اعترف بداية أنني لم أكن أرغب في الكلام على حداثة شاعرنا الكبير تحت هذا العنوان فقد كنت- ومازلت- أرى أنه شاعر حديث بكل ما تحمله كلمة حديث من مفهوم المعاصرة والتجديد، وباستثناء بداياته القليلة التي كان واقعياً فيها- شأن كل مبدع مبتدئ- تحت تأثير بعض الشعراء القدامى والإحيائيين أمثال أحمد شوقي وحافظ إبراهيم والرصافي وأضرابهم، فإن الشعر الذي كتبه بعد مرحلة البداية يصب في نهر التحديث بكل طموحاته ومغامراته، سواء من خلال الأسلوب الذي يصطنعه أو من خلال الموضوعات التي يتبناها، ويمكن لنا أن نتكلم على هذا الشعر عبر ثلاثة ملامح رئيسية تتحدد بحسب المؤثرات التي خضع لها الشاعر هي: الملمح الرومانسي، والملمح الواقعي، والملمح السوريالي.

    البردون الشاعر وحداثة البردوني الإنسان والثائر قد تلازمتا وتناغمتا، وكانتا دليله إلى "مدينة الغد" التي ظل ينشدها في شعره ومواقفه.
    قبل الاقتراب من الملامح الحداثية في شعر الشاعر الكبير عبدالله البردوني تجدر الإشارة بإيجاز شديد إلى مفهوم الحداثة عند القدماء والمعاصرين من نقاد الشعر العربي عبر العصور، مع التأكيد على حقيقة لم تكن غائبة في وقت من الأوقات ومؤداها أن الشعر العربي لم يعرف حالة الركود والاجترار إلا في القرون التي أعقبت انهيار الدولة العربية الإسلامية وما تلاها من توقف حركة التطور والتجديد ومن عزل للوطن العربي عن سياق التفاعلات الواسعة التي كان أبناؤه يخوضونها بوعي واقتدار، والتأكيد على هذه الحقيقة والتعمق في أبعادها من شأنهما أن يجنبانا بل يقيانا الوقوع في براثن التفكير الرديء وأعني به ذلك المستوى من التفكير الذي يصور لنا أن كل جديد ماهو إلا خروج عن سياق الأصالة وإساءة للنموذج الإبداعي الأول، أن كل حداثة بدعة مستوردة من الآخرين الذين هم أعداؤنا بالضرورة، وأن المحافظة على لغتنا وأدبنا بشقيه النثري والشعري لن تتحقق إلا بالانكفاء على الذات وبرفض منطق التفاعل والقبول بالعيش في دائرة ضيقة بعيداً عن الرؤى والقضايا والعلاقات الجديدة.
    وتحاول هذه الإشارة الموجزة إلى مفهوم الحداثة قديما أن تسترجع مواقف ثلاثة تيارات إبداعية في الشعر العربي يرافقها أو يعكس مواقفها ثلاثة تيارات نقدية شغلت الماضي كما تشغل الآن الحاضر وكأنها تؤكد نظرية التناسخ في الأفكار والمواقف وهذه التيارات الثلاثة هي:

    1- تيار شعري تقليدي محافظ على مرجعيته الأصولية التي تعود إلى شعر ما قبل الإسلام، ويتركز جهده ومحافظته على الشكل البنائي الخاص بترتيب القصيدة بدءاً بالنسيب والوقوف على الأطلال من جهة وعلى الجانب الفني المرتبط بالبلاغة وطريقة بناء الاستعارة بما لا يخرج عما تواضع عليه الشعراء في ذلك الزمن السالف الذي أصبح مرجعا ونموذجا. وشعراء هذا التيار كثيرون ومن نقاده المشاهير عمرو بن العلاء الذي يناوئ كل تحديث ويرى فيه ضعفاً وركة وخروجاً على النموذج الكامل وقد روت عنه كتب النقد قوله بعد تمكن الحديث من إثبات وجوده (لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى لقد هممت بروايته)(1)

    2- التيار الشعري التجديدي الذي يحافظ على الشكل البنائي للقصيدة ويخضعه لاستيعاب المتغيرات في الرؤى والتحول في التعامل مع اللغة وصوغها بما يتناسب مع قدرتها على تلبية ثقافة الواقع وشروطه الثقافية، وله رواده وأقطابه في الماضي ورواده وأقطابه في العصر الراهن ولم يحفل هؤلاء الرواد بمواقف التيار السابق ولا بمقولاته الجامدة ومنها قول الآمدي (وإنما ينبغي أن ينتهي في اللغة حيث انتهوا ولا يتعدى إلى غيره فاللغة لا يقاس عليها)(2)

    3- التيار الشعري التجديدي أو الحداثي الذي يسعى إلى تجاوز النموذج البيتي، وكانت البداية مبيتات ومسمطات ثم موشحات وصولا إلى ما يسمى بشعر (البند) الذي يشبه النثر في طريقة كتابته مع محافظته على الوزن، ولقد لقي هذا المستوى من التجديد اعتراضاً شديداً، فكان الموشح، وهو الفن الشعري الذي حاول في وقت مبكر اكتشاف إيقاعات وأوزان وتشكيلات بيتية جديدة- مرفوضاً ومعدوداً خارج الشعر، وجاءت تسميته بالموشح إبعاداً وتمييزاً له عن الشعر بالمفهوم السائد.

    وهذا يؤكد بوضوح أن العربي كان دائما بحاجة إلى التجديد والتجاوز إما في لغته أو في بنيته أو في موضوعاته، كما يؤكد أن التعايش بين هذه الأنماط أو التيارات الثالثة قد بقي إلى العصر الحديث حيث بدأ التجديد في المهجر على شكل قصائد متعددة البحور وتفيد من نظام الموشحات، كما بدأ التحديث داخل إطار القصيدة البيتية، وحقق شعراء الحداثة المضمونية -إذا جاز التعبير ومنهم على سبيل المثال لا الحصر بشارة الخوري - وعمر أبو ريشة وسليمان العيسى والبردوني والجواهري وسعيد عقل، حققوا نجاحا هائلا في أن يصبوا داخل الإطار التقليدي للقصيدة خلاصة ثقافتهم الحديثة، وكما اخترق أبو نواس ومن بعده أبو تمام المألوف ليحدثا جديداً داخل القصيدة العربية دون أن يضطر إلى تهشيم نظامها البيتي فقد أحدث الشعراء المعاصرون ثورة فريدة مؤكدين بذلك أن الشاعر الحقيقي في كل عصر لا يخضع للتقليد ويرفض الاستسلام لأساليب سابقية والكتابة على منوالهم والحداثة في أبسط تعريف لها هي التعبير عن الفاعلية الزمانية والمكانية وعلى ضوء هذه الفاعلية يعيد كل جيل ترتيب أفكاره وأساليبه ويحاول كل فرد موهوب في هذا الجيل أن تكون له لغته الخاصة أو بعبارة أدق امتلاك لغة تستوعب رؤاه وتسمو إلى أفقه الفني والمعنوي.

    ويستطيع القارئ أن يكتشف بنفسه أن البردوني الذي كان أكثر الشعراء المعاصرين -المشار إليهم فيما سبق- محافظة على نظام القصيدة البيتية هو في الوقت ذاته أكثرهم خروجاً على هذا الشكل من داخله ومن خلال استيعاب المغامرة،. وفي كتابي "أصوات من الزمن الجديد" دراسة بعنوان "عطر جديد في آنية قديمة" مقاربة تحليلية لهذا المستوى من التجديد في القصيدة البردونية وقد بدأت الدراسة بالسؤال الآتي: (هل رأيت العطر أو "الباروفان" الباريسي الحديث في زجاجة قديمة؟ إذا لم تكن قد رأيته فإنني قد رأيته أنا، ولكن في ديوان شعر.. نعم ديوان شعر يجمع بين المحتوى الحديث والشكل القديم، بين الرؤية التحليلية التي تتواءم مع الرؤية التمثيلية لشاعر حديث مثل (سان جون برس) والبنية التراثية التي تذكرنا بالأعشى، والنابغة، وأضرابهما من الشعراء الجاهليين، كيف حدث هذا؟ وأين حدث؟ وتمضي الدراسة بعد ذلك إلى القول: (إن قراءة عابرة في ديوان الصديق الشاعر الكبير عبدالله البردوني كفيلة بالرد على السؤال، وقادرة كذلك أن تعطينا تصورا كاملا عن كيفية اللقاء الواعي بين الماضي الحاضر، والعناق الملائم بين الإبداع والتراث، ولقد تمكن شاعرنا في ديوانه الأخير، "زمان بلا نوعية" ان يتوصل إلى المعادلة الصعبة في عالم الشعر، واستطاع أن ينجح فيما فشل فيه الآخرون، عندما حافظ على الغنائية المتكاملة، وهي أهم ما تتميز به القصيدة التراثية، في الوقت الذي شحن فيه قصائده بالمضامين المواكبة للعصر، وكأنه بذلك يضع شعار الأصالة والمعاصرة موضع التطبيق)(3).

    وفي كتابي "من أغوار الخفاء إلى مشارف التجلي" دراسة أخرى بعنوان "البردوني ورحلة التجاوز من القصيدة البيتية بالقصيدة البيتية" وفيها أي الدراسة قراءة متأنية لعدد من الدواوين الأخيرة للشاعر وما تحمله من مغامرة جديدة ومدهشة داخل النظام البيتي، مغامرة تصنع اللامألوف من المألوف وتقيم الجسر المفقود في حركة التنوير الشعري في امتدادها من البيت إلى القصيدة، ومن القصيدة إلى النص الفني المعاصر، وهو أي البردوني- بهذه الدواوين يثبت أن كل الشعراء العرب المبدعين والحريصين على الانتماء بشعرهم إلى الوجود المعاصر قد شاركوا جميعاً وبمستويات مختلفة في هز القصيدة التراثية وآفاقها كلٌّ بأسلوبه فمنهم من حاول تفكيك القصيدة إلى مقاطع ومنهم من حاول تفكيك البيت إلى تفعيلات مع الاحتفاظ بموسيقى البحر، ومنهم من حاول تفكيك القصيدة والبيت معا وصولا إلى القصيدة النثرية، وكل هذه المحاولات مشروعة وضرورية للشعر إذا كان الهدف هو الإبداع وإثبات أن نبض القصيدة كنبض التاريخ تطورٌ لا يتوقف ولا ينتهي ولا يعترف بالقيود والسدود، فالتوقف صيغة للموت وصورة من إعلان إفلاس الإبداع.(4)

    وتصل الدراسة إلى الدور المهم الذي نجح فيه شاعرنا البردوني في الخلاص من التأثير البنائي للقصيدة الموحدة البحر والقافية والخروج بها إلى مرحلة التحدي التاريخي حين تبدو ظاهريا تكراراً لصيغة الشكل التقليدي في حين أنها تتمتع بمقومات الحداثة والمعاصرة، وحتى الإيقاع الموسيقي الذي يبدو مع القافية أقل عناصر القصيدة البردونية حداثة لا يخلو من الجدة، فهو يستجيب للتمرد اللغوي ولخللة تركيب الجملة الشعرية، والقافية وهي جزء من الإيقاع الموسيقي لا تؤدي إلى تقطيع أوصال القصيدة أو إلى تفتيت معانيها، كما كانت ولا تزال تظهر في شعر كثير من النظامين، وإنما هي جزء من البنية ليست ملتصقة بالبيت ولا خارجة عن النسق الشعري ولم تعد مهمتها إيجاد التوافق الصوتي مع بقية الأبيات أو إعلان نهاية المعنى وإفساح الطريق لمعنى جديد، إنها تتلاشى بإيقاعها الحاد في البنية الداخلية للقصيدة وتوشك القصيدة من هذا النوع عند البردوني أن تصير مدورة، ويستطيع القارئ أن يلم بها دون أن يتوقف عند نهايات الأبيات وهذا هو المقطع الأول من قصيدة زمان بلا نوعية
    غريبة ياطارئات مثلي
    شريدة مثلي ومثلك أهلي
    منقادة مثلي لكل ريح
    رمل الفيافي أهلها وأهلي
    لأنها رملية شبيهي
    أتى غباراًً كنسلها، ونسلي
    كما التقى مستنقع قبيح
    كان تفاجئ زمرها وطبلي
    مثلي بلا فعل ولا تخلٍّ
    هل فعلنا أخوَى أم التخلي
    مثلي بلا ماض، وما يسمى
    (مستقبلي) يأتي، يموت قبلي(5)
    هذا المقطع يمكن أن نقرأه على نحو آخر تختفي معه العمومية أو البيتية، وتتشابك فيه المعاني وتتوحد البنية الخارجية بالبنية الداخلية دون أن يحدث قدراً من الاختلال، ودون أن يؤثر التشكيل الجديد على وضوح التجربة وتطور مسارها، بل ربما زاد هذا الجانب وضوحا واستكمالا، وربما اتجه إلى الكشف عن وحدة البناء العضوي، وحدد ملامح تجربة متميزة تستطيع أن ترتفع إلى مستوى التحدي التاريخي لفن الشعر(6).

    ومهما قيل عن الإطالة في هذا التقديم، واعترف أنها كذلك، لكنها تبدو من وجهة نظري على الأقل- ضرورية لمعرفة أبعاد التجاوز التي قطعتها القصيدة البردونية في مضمار التحديث فضلا عن المحاولة الهادفة من خلال هذا التقديم الذي أكرر الاعتراف بأنه طال- إلى وضع تجربة الشاعر في سياقها التاريخي والمعاصر بوصفها واحدة من أهم التجارب الشعرية الحديثة التي استأثرت بوجدان القارئ العربي، وكانت وستبقى محل اهتمام النقد الأدبي لا بكونها تجربة رائدة في مجالها وحسب وإنما مغامرة فنية لم تمنعها الأطر المحددة سلفا عن التعدد والاتساع وتغيير المعادلات التي ترسخت عبر الكتابات النقدية الجادة التي كانت وما تزال ترى أن هامش الحداثة داخل القصيدة البيتية محدود أو شبه معدوم.
    الملمح الرومانسي
    لا مكان للشك بين الدارسين المهتمين بالشعر العربي الحديث.. في أهمية ما اضطلع به الاتجاه الرومانسي من إشاعة النزعة التجديد والتمكين للشاعر العربي من اكتشاف منهج مغايرة في الكتابة الشعرية، ومن حسن الحظ أن الرومانسية عندما تلقتها الحياة الأدبية العربية في العشرينات من القرن المنصرم لم تكن تعبيراً عن الإحباط والهروب من الواقع كما كانت في بداية ظهورها في أوروبا وإنما كانت بمثابة الثورة الفنية الشاملة ثورة في الأسلوب وفي المعجم الشعري وفي الحنين إلى الطبيعة وتجاوز موضوعات الشعر العربي القديم كالمدح والهجاء، صحيح أن عدداً قليلاً من الشعراء العرب قد وجدوا في هذا الاتجاه فلسفة أو مرجعية للشعور بالقلق والإحساس بالضياع والتشاؤم من الوجود إلا أن غالبية شعراء العربية الذين اقتربوا من هذا الاتجاه بوعي قد أفادوا من سماته الجوهرية وكتبوا في ظل مؤثراته شعراً إنسانياً بديعا متألقا في صوره ومفرداته وموقفه وفي حنينه إلى العدل والمساواة. وإذا كان الأثر الإيجابي لهذا الاتجاه قد بدأ مع أبي القاسم الشابي وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي ومحمود حسن إسماعيل فإن تجلياته الأوضح كانت مع السياب ونازك الملائكة والبياتي وبلند الحيدري وصلاح عبدالصبور وأدونيس وأحمد حجازي حيث قاد إلى اكتشاف التجربة الجديدة في الشعر العربي الحديث، فقد خرج هؤلاء جميعهم من عباءة الرمانسية.

    وإذا كانت اليمن لأسباب جغرافية أو سياسية قد انعزلت عن العالم بعامة وعن أقطار الوطن العربي بخاصة فإن ذلك لم يمنع بعض أبنائها المبدعين من الخروج إلى بعض العواصم العربية كما حدث لأربعة من الشعراء الرواد وهم محمد عبده غانم ومحمد محمود الزبيري ولطفي جعفر أمان وعلي محمد لقمان، فقد تلقى الأول دراسته في بيروت في أوائل الثلاثينيات وحاول الثاني أن يدرس في القاهرة في أواخر الثلاثينات ولم ينجح بينما أفاد الثالث من دراسته في الخرطوم في الأربعينات والرابع والأخير تلقى دراسته في القاهرة في الفترة ذاتها تقريبا وحمل أربعتهم نسمات الرومانسية وسماتها وسرعان ما التقطها شاعران مقيمان في الوطن هما إبراهيم الحضراني وأحمد الشامي، وبفضل الجهود الإبداعية التي بذلها هؤلاء استطاعت الحداثة أن تؤسس لها مساحة في الحياة وفي وعي الناس.

    وفي منتصف الخمسينات كان البردوني قد استوعب الموروث واستبطنه حفظاً ومحاكاة وحينها بدأ يتجه إلى قراءة الشعر الحديث وكان الاتجاه الرومانسي أول المنعطفات الهامة في حياته الشعرية. فالرومانسية تلبي حاجة الشاعر إلى "الحلم" بعالم جديد وإنسان متجدد في إحساسه بالتوحد مع الطبيعة والتعامل بحب وحنان مع كل الأشياء كما هو الحال في قصيدة "عازف الصمت" التي توحد بينه وبين الصخور والقبور بين السهول والتلال بين الوجود والفراغ في لغة صافية وفي صور بالغة العذوبة والجمال:
    أطلت هنا وهناك الوقوف
    تلبي طيوفا وتدعو طيوفْ
    وفي كل جارحة منك.. فكر
    مضيء وقلب شجي شغوف
    تغني هنا وتناجي هناك
    وتغزل في شفتيك الحروف
    وتهمس حتى تصير الصخور
    فماً شاديا وفؤاداً عطوف
    وتعطي السهول ذهول النبي
    وتعطي الرؤى حيرة الفيلسوف
    تلحن حتى تراب القبور
    وتعزف حتى فراغ الكهوف
    وتفني وجوداً عتيقاً حقيراً
    وتبني وجوداً سخياً رؤوف
    وتغرس في مقلتيك الرؤي
    كروماً تمد إليك القطوف
    وحدي وآلاف البرى
    قومي .. وكل الدهر عندي
    من جلديَ الخشبيَّ أخرج
    تدخل الأزمان جلدي
    من لا متى، آتي، أعود
    مضيعاً قبلي وبعدي
    كحقيقة ملأى ولا تدري
    كبابٍ، لا يؤدي
    مشروع أغنية بلا صوت
    كتابٌ غير مجدي
    شيء يخبئه الدجى
    في زرع سرته ويبدي(8)
    شعر بديع يعزز المنحى التجديدي في القصيدة العربية، ويتمثل بوضوح تام مقاييس الاتجاه الرومانسي وجمالياته، ورغم بوادر القلق والحيرة البادية في الجزء الأخير من هذا المقطع فإنه يبقى شعراً متمرداً وصاخباً وإيقاعه الحزين لا يمنع من الإيحاء بعنف صارخ ضد هذه العدمية التي تنمو داخل النص دون أن يدري الشاعر كمحصلة طبيعية لهذه الوجدانية المتأزمة.. وما أحوج هذا الملمح التحديثي في شعر البردوني إلى دراسة متأنية تتناوله بتوسع.
    الملمح الواقعي
    لا ينفصل شعرنا العربي بعامة، أو الشعر في اليمن بخاصة عن الواقع الذي صدر عنه، وهو يعبر أصدق تعبير عن حالات التردي التي يعيشها الإنسان العربي في مشرق الوطن الكبير ومغربه.. ومعظم شعر البردوني، إن لم يكن كل شعره مرتبط أشد ارتباط بالواقع المحلي والعربي والإنساني وقصائده كلها أو جلها جدل حي بين الاجتماعي والسياسي والفكري، وقد رأينا في النموذجين اللذين أوردناهما في الملمح الرومانسي كيف أن الرومانسية بما قيل عن كونها مذهبا هروبيا لم تستطع أن تنتزعه عن الواقع الحائر المحير فامتلأ النموذجان بالتمرد والثورة العارمة.

    وإذا كانت بعض النماذج الواقعية في الشعر العربي قد اختلطت بالإعلام والدعاوة المباشرة وتعامل معها عشرات الشعراء من منظور تبسيطي هابط يسيء إلى الشعر وجمالياته ويشوه معالمه فإن قصيدة الواقعية لدى البردوني ذات مقاييس حداثية حريصة على أن تكون شعراً وكما تحاول أن تتجه إلى مجموع الناس الذين نسعى جميعا إلى استقطابهم وكسب مواقفهم فإنها تسعى كذلك إلى أن تتحدث إلى ذهنية ثقافية متقدمة تمتلك ثقافة شعرية وتجيد التمييز بين مقومات لاشعر ومقومات النثر، بين الكلام والإبداع، ومن هنا فقد لقيت قصائده الأخيرة وهي شديدة الواقعية والارتباط بواقع الناس الذين ازداد اقترابا من همومهم ومعاناتهم قد لقيت نوعا من الإعراض لأنها ارتقت بمستواها الفني إلى درجة يصعب على عامة الناس إدراك رموزها ودلالاتها، ولأسباب ثقافية بحتة سيظل القارئ العربي يشكو من غموض القصيدة ومن عجزه عن فهم الشعر الجيد المكتنز بالمعنى العميق والأسلوب الساخر الساحر وهذا نموذج واقعي بديع كان قد حمله إلى قبل عقد من الزمن أحد المحسوبين على الشعراء طالبا مني تفسيره:
    الرقم العاشر كالثاني
    الواحد ألف، ألفان
    وسوى المعدود، كمعدود
    وسوى الآني، مثل الآني
    الألف، الصفر، بلا فرق
    يَّان الأعلى، والداني
    الفوق سقوط صخري
    التحت سقوط إنساني
    نفس النوع، الأعلى أدنى
    وجه المغنى، ظهر الغاني
    سيان القاتل، والراثي
    سيان الشامت والحاني
    الإنسان الموت الأظمى
    ودم القتل الظمىء العاني(9).
    أي صورة أدق وأعمق للواقع العربي، بل الواقع الإنساني الذي اختلطت فيه الأمور إلى درجة يصعب معها التميز بين الأرقام والألوان وكذلك بين الأفعال نفسها وبين الأقوال نفسها، إنه واقع شديد الغرابة والقسوة لا يستطيع إدراك أبعاده الحقيقية وقراءة دلالات هذه الأبعاد سوى الشاعر الرائي القادر على النفاد بوعيه المتقدم إلى الواقع المتعين القائم لا الواقع المثالي المنتظر.

    وحين نتخلى قليلاً عن تفاؤلنا الساذج سندرك حقيقة هذه المفارقات المتضادة ونعذر الشاعر الذي أمسك بخيوط هذه الشطحات، بل سنكبر فيه وعيه المخالف للمألوف في التعبير وفي أساليب التعبير، والفن الواقعي- كما يؤكد النقاد الواقعيون الأحرار- لا يكون بنقل الواقع من الطبيعة إلى الورق كما تفعل الصورة الفوتوغرافية، وإنما يعطي للفنان، الشاعر والرسام مساحة من حرية التشكيل:
    أخي صحْونا كله مأتم
    وأغفاؤنا ألمٌ أبكم
    فهل تلد النور أحلامنا
    ولم يلد الزهرة البرعم؟
    وهل تنبت الكرم ودياننا
    ويخضر في كرمنا الموسم؟
    وهل يلتقي الري والظامئون
    ويعتنق الكأس والمبسم؟
    لنا موعد نحن نسعى إليه
    ويعتنق الكأس والمبسم؟
    لنا موعد نحن نسعى إليه
    ويعتاقنا جرحنا المؤلم
    فنمشي على دمنا والطريق،
    يضيعنا والدجى معتم
    فمنا على كل شبر نجيع،
    تقبله الشمس والأنجم
    سل الدرب كيف التقت حولنا
    ذئاب من الناس لا ترحم
    وتهنا وحكامنا في المتاه
    سباع على خطونا حوّم
    يعيثون فينا كجيش المغول
    وأدنى إذا لوَّح المغنم(10).
    تلك صورة واقعية بالكلمات لما كان يعاني منه الشعب اليمني قبل ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، ولعل هذا الملمح بحداثته المعنوية، ورؤيته الثورية يشكل الجانب الأكبر من تجربة البردوني الشعرية الذي أصبحت قصائده التعبير الصادق عن هموم الإنسان في هذا الجزء من الوطن العربي والصور الأوضح عن الواقع القبيح الذي ينبغي، بل يجب تغييره:
    لماذا لي الجوع والقصف لك؟
    يناشدني الجوع أن أسألك
    وأغرس حقلي فتجنيه أنت
    وتسكر من عَرَقي منجلك
    ماذا؟ وفي قبضتيك الكنوز
    تمد إلى لقمتي أنملك
    وتقتات جوعي وتُدعى النزيه
    وهل أصبح اللص يوما مَلَكَ؟
    لماذا تسود على شقوتي؟
    أجب عن سؤالي وإن أخجلك
    ولو لم تجب فسكوت الجواب
    صحيح.. يردد ما أنذلك(11).
    الملمح السوريالي
    يقول خصوم السوريالية إنها فن الكتابة الذي يسعى إلى وضع الرأس مقلوباً في محاولة للإدهاش والإثارة، ولكن هؤلاء الخصوم ينسون الهدف الذي من أجله تفعل السوريالية ذلك، ويقولون أيضاً إنها تسعى إلى تشويش الوعي دون أن يذكروا الأسباب الفنية الكامنة وراء ذلك التشويش الذي يصدر عن قصد يستبعد معه الشاعر المألوف والمتعارف عليه ويبدأ كتابته في حالة شعورية خالية من قيود المنطق، وفي محاولة لتجاوز الواقع الجامد وتركيب الأشياء تركيبا فنياً.
    وباختصار، فإن السوريالية (تقوم على الحلم الدائم والمشاعر والأحاسيس البعيدة عن كل هيمنة إرادية، وتخرج من سلطان الوعي المباشر إلى اللاوعي، ومن المنطق العقلي السائد إلى اللاوعي حيث الحقائق الأولى والمواضيع الأولى البعيدة عن مراقبة العقل المباشرة)(12) وقد نجح البردوني في التقاط مؤثرات هذا المذهب الفني وكتابة بعض قصائده في ضوئه؛ لا بحثاً عن الإدهاش والإثارة وإنما في محاولة للفت الانتباه إلى حالة التناقض الموجودة في الواقع والتي تجعل الأمور مقلوبة أو في غير موضعها من جهة وفي تحديث القصيدة العربية والخروج بها من المسكوكات التقليدية من جهة ثانية، ويكاد هذا الملمح يشكل الخصوصية الخالصة في القصيدة البردونية إذ لم يجرؤ شاعر عربي، من شعراء العمود أو التفعيلة على تحطيم التعابير المألوفة عقليا كما فعل هذا الشاعر الكبير الذي شجعته سخريته المريرة على الاقتراب من الخيال بالمفهوم السوريالي:
    للريح طعم في حلوق الحصى
    وللجواري بالنجوم اكتحال
    هذي الشبابيك لها صبوة
    إلى وصالٍ غير ذاك الوصال
    تلك القناديل وإن راوغت
    لها غموض واضح الانفعال
    ماذا اعتراني لا أنا عامر
    ولست قفراً.. ما اسم هذا المآل؟
    يُعيِّر الأحلام، تبدو له
    ذوات أنياب وأيد طوال
    لها أنوف مثل ريش "القطا"
    وأعين مثل دبيب النمال
    أقدامها مثل صدى أنة
    أكتافها مثل جسوم البغال
    يحس رأسين على جيده
    وحيث كان الحلق، حل القذال
    يلف زنديه على صدره
    يصغي كمسلول يقاوي السعال
    تلوذ ساقاه بأضلاعه
    يهز في إبطيه، وكر اغتيال
    أمطار هذا الوقت ضوئية
    ياسقف هذا وابل أم وبال(13).
    نحن مع هذا النص وأمثاله أمام طقس شعري ولغوي غير مسبوق لا في شعرنا القديم ولا في شعرنا الحديث، تركيب الجملة مختلف وتكوين الصورة أكثر اختلافاً، ولو تساءلنا هل للريح طعم؟ وهل للحصى حلوق كي تتذوق من خلالها طعم الريح؟ لكانت الإجابة بالنفي طبعاً، ولكنه الشعر أو أنها الملامح الأولى السوريالية في القصيدة العربية تعيد تركيب الأشياء كما تراه لا بما هو عليه، وهذا جزء من نص بعنوان: "الجدران الهاربة" هاربة إلى أين؟ هذا ما لا يقوله النص لأنه لا يحفل بأن يقول أو يرد على جواب:
    أقبلت كلها الدكاكين ولهى
    كبغايا هربن من نسف ملهى
    لم يعد من يجيء، جاءت سقوف
    فوق أخرى، واهٍ أتى فوق أوهَى
    كان يستفسر الغبار الشظايا:
    المرايا أو الجراحات أزهى؟
    أي صنفي خمارة الموت أرقى؟
    الأغاني أو السكاكين أشهى؟
    أقبلت كلها العمارات عجلى
    تتمطى مخبزاً،وتجتر مقهى
    ترتدي آخر الأناقات، لكن
    مثلما تدعي الفطانات بلها
    كاد يبدو أسفلت كل رصيف
    ركبة تحتذي ثمانين وجها
    والذي يبتدي، بلا أي بدء
    والذي ينتهي، إلى غير منهى(14).
    خاتمة
    تلك هي الملامح الحداثية في شعر البردوني كما حاول أن يقدمها – باقتضاب- هذا البحث الذي اعترف أنه بمثابة قراءة أولية لهذه الملامح الفنية بالمعاني والصور الجديدة والمحرضة على الأخذ بأسباب التحديث ومقاومة الجمود الشعري، وما من شك في أن ثقافته التراثية العميقة قد ساعدته على التحرر من أشكال الوعي المسبق بالتركيب البنائي للجملة الشعرية وعدم الخوف من تهمة الحداثة إيماناً منه بأن هذا المصطلح ليس جديداً ولا طارئاً مستورداً من وراء البحار كما يتوهم التقليديون ودعاة الجمود وربما تضمَّن تقديم هذا البحث إشارة مباشرة إلى هذه الحقيقة وإلى أن مصطلح التحديث قديم وليس هبة من الغرب وإنجازاته في الآداب.

    وبعيداً عن التعصب الأعمى والمبالغة فإن موروثنا الأدبي بشقيه الإبداعي والتنظيري يشمل معطيات بالغة الأهمية تحتاج منا إلى مزيد من الدرس والبحث والتأصيل حتى لا يبقى العقل العربي المعاصر رهن التخرصات ولكي يدرك أن مدارس شتى للحوار في مختلف المجالات الفكرية والإبداعية قد نشأت على أرض العرب قبل قرون من وعي الغرب بها.

    وتبقى إشارة أخيرة إلى العلاقة بين حداثة البردوني الشاعر وحداثة البردوني الإنسان والثائر، فقد تلازمت الحداثتان وتناغمتا وكانتا دليله إلى "مدينة الغد" التي ظل ينشدها في شعره وفي مواقفه.
    الهوامش:

    1- ابن قتيبة: الشعر والشعراء، ص5

    2- نفسه: ص6.

    3- د. عبدالعزيز المقالح: أصوات من الزمن الجديد، ص11.

    4- د. عبدالعزيز المقالح: من أغوار الخفاء إلى مشارف التجلي، ص143.

    5- ديوان ترجمة رملية لأعراس الغبار، ص23.

    6- د. عبدالعزيز المقالح: من أغوار الخفاء إلى مشارف التجلي، ص144.

    7- ديوان في طريق الفجر، ص289.

    8- ديوان وجوه دخانية، ص14.

    9- ديوان زمان بلا نوعية، ص15.

    10- في طريق الفجر: ص55.

    11- نفسه، ص21.

    12- د. عبدالحميد جيده: الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي الحديث ص29.

    13- ديوان رواغ المصابيح، ص75.

    14- ديوان زمان بلا نوعية، ص27.

    (مجلة الكويت)















     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2005-09-01
  19. هشام السامعي

    هشام السامعي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-12-21
    المشاركات:
    1,848
    الإعجاب :
    0










    [align=left]
    البردوني المبدع والرائي الذي رأى ما لا يُرى

    عبد الباري طاهر -

    هل رأيتم كيف تزول الجبال؟ وكيف تغور الأنهار؟ وكيف تتزلزل الأرض وكيف تكسف الشمس ويختفي القمر وتهرب الأشجار .. وتتساقط النجوم كأوراق الخريف، موت شاعر عظيم كالبردوني لون من ألوان الكوارث الطبيعية التي تضرب كيان أمة بأسرها فالعالم الموسوعي والمبدع كبير كالبطل الأسطوري إنما يكون في رحم الأمة- أي أمة عبر عشرات ومئات السنين فأمثال عبدالناصر والبياتي والجواهري والقباني وطه حسين والبردوني ، و..و.. لا يأتون إلا في أزمان متباعدة أليسوا ملح الأرض، ومهندسي ضمير الأمة ووجدانها، وحُداة مسيرتها.
    لم تكن أمه وأبوه في البردون منطقة الحد اء، ولا أبناء قريته في منطقة ذمار يعرفون أن الصبي الذي حاق به العمى في الطفولة، والمحاصر بالمرض والفقر والتخلف في ثلاثينيات هذا القرن وفي جزيرة واق الواق اليمنية، ولم يكن حتى البردوني نفسه يدري أنه سيشغل الناس والأقلام والكتاب، وإن معجزة فقد بصره ستجعل منه الأكثر إيصاراً لأسرار الإبداع من المبصرين المبدعين أنفسهم، وسيكون شاهدا على شعبه وأمته وعصره، فهو الرائي الذي يرى ما لايرى، ويبصر ما يعجز المبصرون عن إدراكة ومعرفته.
    ولد في جزيرة واق الواق في أزمنة الجدري، والطاعون، والجوع والملاريا وككل الأشقياء رفض الموت أو أنه أمات موته كما تصور قوافيه الأدبية.. واستعاض عن بصره ببصيرة تدرك أسراة الحياة، وأبعاد الكون، وعمق الرسالات الكبيرة، وتستشرف آفاق المستقبل:
    تمتصني أمواج هذا الليل في شره صموت
    وتعيد ما بدأت.. وتنوي أن تفوت ولا تفوت
    فتثير أوجاعي وترغمني على وجع السكوت
    وتقول لي: مت أيها الذاوي فأنسى أن أموت
    هذا البردوني العظيم الذي يتحدى الموت بنسيانه قد دخل عالم الأبدية والخلود ونسي أن يموت وإلى الأبد. فرحيل البردوني- الجسد الذاوي يصبح فلكاً وعالماً من الإبداع والتجدد والديمومة.. تماهى بمجد الكلمة ليكون كلمة" وطلب الموت لتوهب له الحياة.
    لا أهمل الموت الجبان ولا نجا منه وعاش الثائر المستشهد
    دَرَس الحلال والحرام.. وذاق الطاعة والمعصية فعصى:
    أحرام علي حتى المعاصي أحرام عليَّ حتى جهنم؟
    عندما تحيل النحلة الزهرة إلى عسل فلا فضل كبير لها، وعندما يمتص البخار ما البحر ليحيله ماء عذبا فلا فضل له إلا في تحويل الأجاج إلى عذب.. ولكن عبقرية الشاعر عبدالله البردوني أنه قد جعل من المعصية طاعة ومن الجحيم جنة.ومن الإبداع ما يقهر الموت. عاش الثلاثينات بائساً كأبناء قريته وبلدته- اليمن- وقرأ معارف عصره وتهيأ للفتوى كعلماء بلدته، ولكن بصيرته كانت تستقرئ ما وراء الواقع عرف سليمان منطق الطير ولان الحديد الداود، وشقت عصا موسى البحر، واستطاع شاعر بردون أن يختزن الرعود والصواعق والبراكين والبروق ثم يمتشقها قوافي يدك بها ويزلزل عروش الطغيان ويدمر أعمدة الظلم.. وقلاع الجهل، لمع نجمعه في سماء الشمسية في ذمار واعتقل في 1948م بسبب شعره، كما تؤرخ ذلك صحيفة السلام التي كانت تصدر في "كارديف".
    ثم انتقل إلى المدرسة العلمية في صنعاء وهي المدرسة التقليدية التي يتخرج منها القضاة والعلماء وتخرج من شعبة الغاية. وهو كتاب في أصول الفقه يعد من أهم المراجع في العصور المتأخرة.
    والبردوني الفقيه سلك درب المعرفة التي تستقرأ من كتاب الحياة، وتجارب ومعاناة الشعوب، اندغم بالفكر الحديث والثقافة الجديدة والإبداع الأجد. وكانت قصائد البردوني في الخمسينات توقظ الأموات وتحيي الرمم، وتدك معاقل وحصون الطغيان، وقصائد ديوانه الأول من " أرض بلقيس" مكرسة للدفاع عن فلسطين وإدانة الاستعمار والصهيونية.
    كما أن في كثير من قصائده إدانه دامغة للاستعمار البريطاني، وتغني بأمجاد الكفاح الثوري التحرري ودعوة للحرية والوحدة والتقدم.
    كانت قصائد البردوني في الخمسينات والستينات وحتى السبعينات بمثابة المناشير السياسية، وكان الرجل يساريا بالفطرة والنشأة والبيئة والفكرة وكان دائما ما يقف على مسافة من الحكم، ولعل أهم ما يميز البردوني عن أبناء جيله هو النزعة والتوجه اليساري ووضع الثقافة في مواجهة يومية ودائمة مع السلطة والسياسة، فهو من المثقلين العضويين الذي يرون في استقلال المثقف والثقافة عن السلطة الخطوة الأولى والضرورية لبناء أسس المجتمع، المدني، ورغم أن دواوينه الاثني عشر نقد عميق وواع للأوضاع وفساد السلطة وانحرافاتها أي أنه أكثر ما تكون بعدا عن المابشرة والجهر والتسطيح.
    فقصيدته تحافظ على نمطٍ عالٍ من الفنية والإلغاز والإيجاز والترميز والحذف وقد أفاد كثيراً من تجربة الشعر الحر رغم عدائه الظاهري معه. لقد كان قارئا متعمقا. استوعب تجربة القصيدة الكلاسيكية، واعُتبر واحداً من أهم مجدديها على النطاق العربي إلا أنه أيضا تواصل مع المناهج النقدية الحديثة وتجلى ذلك في العديد من دواوينه التي تنيف على الاثني عشر ديواناً. وديواناه من أرض بلقيس وفي طريق الفجر يمثلان التجديد المحدود في الشكل الكلاسيكي للقصيدة العمودية، ولكنه ومنذ ديوانه مدينة الغد فالسفر إلى الأيام الخضر إلى عودة الحكيم على بن زايد فإن التجديد قد طال العمود والوزن الصورة الشعرية والرمز وأصبحت قصيدته رغم المحافظة على التفعيلة ذات علائق وصلات بالقصيدة الحديثة والبردوني من أبرز مجددي الشعر الكلاسيكي ونقاد القصيدة الحديثة، كما ترك ثروة فكرية وثقافية تدل على معارفه الموسوعية، وسعة اطلاعه. فقد صدر كتابه "رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه" مطلع السبعينات، كما أصدر قضايا يمنية، وقضايا يمنية هي مجلة إذاعية كان يصدرها الفقيد الكبير، وكانت من أهم برامج إذاعة صنعاء، كما أصدر اليمن الجمهوري وهو مكرس لمقالاته وتحليلاه السياسية والثقافية الشعبية والثقافة والثورة، ومن أول قصيدة إلى آخر طلقة. وهي دراسة مثيرة للجدل في شعر الزبيري، والبردوني صاحب معارك تبدأ ولا تنتهي فكما كانت قصائده تثير غضب الحكام وسخطهم وحتى هلعهم فإن مقالاته السياسية وتحليلاته كانت تثير انتقاداً وردود أفعال حادة وقوية وكانت اجتهاداته حول 48م وتجربة الثورة وتقويمه للأشخاص غالباً ما تثير غبار النقع. وبالتأكيد لم تكن كلها صائبه أو صحيحة، وأزعم أنني من أكثر تلاميذه خلافاً معه حول كثير من الأحكام والتقييمات التي ليست بالضرورة دقيقة.
    ولكن ما يميز البردوني أن الخلاف معه لا يتحول إلى حقد أو ضغينه، فرغم الخلاف حول العديد من مقالاته ودراساته وأبحاثه، فقد كان منزله كقلبه مفتوحاً، ولعل آخر لقاء معه أجريته والزميل خالد الحمادي، وأكد فيه أن الخلاف لا يفسد للود قضية، وقد كان وداً لا يفسده الاختلاف بحال. وتجربة البردوني الشديدة القسوة في الحياة، وخبرته بها وبالناس والحكام والمحكومين قد علمته كنوزاً من المعارف والخبرات وصقلته السجون المتكررة والقمع والاضطهاد والمعاناة وتجلت تلكم الخبرة أكثر ما تجلت في عمق تجربته الشعرية فقد توقع سقوط ليل الإمامة في قصيدته (عيد الجلوس). كما تنبأ برحيل الاستعمار البريطاني ورحيله من الجنوب اليمني.
    للشعب يوم تستثير جراحه
    فيه ويقذف بالرقود المرقد
    ولقد تراه في السكينة إنما
    خلف السكينة غضبة وتمرد
    تحت الرماد شرارةٌ مشبوبةٌ
    ومن الشرارة شعلة وتوقد
    بين الجنوب وبين سارق أرضه
    يوم تؤرخه الدماء وتخلد
    الشعب أقوى من مدافع ظالم
    وأشد من بأس الحديد وأجلد
    هذه القصيدة كتبت قبل ما يقرب من خمسة أعوام من قيام ثورة سبتمبر 1962م كما توقع سقوط نظام 5 نوفمبر 1967م الذي ناصبه البردوني العداء سافراً، واعتبر سلام ما بعد نوفمبر بأنه سلام معتد.
    واستقبل انقلاب 13 يونيو الذي قاده المقدم إبراهيم الحمدي بقصيدة نارية.
    ياعم .. دبابات ماذا ترى
    هذا انقلابٌ جدتي عارفة
    وأذكر أنه بعد مقتل الحمدي أُجري لقاء مع المقدم أحمد حسين الغشمي وكان البردوني والبياتي ضمن عدد كبير من الأدباء والمثقفين موجودين.. وقد سخر البردوني من الحاكم الجديد بقراءة أبيات من الشعر الشعبي للخفنجي فقد جعل من شخصية أشبه ببرهان الدين قراقوش في كتاب أبن مماتي الشهير .. ويومها أندهش البياتي من قدرة اليمنيين على السخرية من حكامهم فقلنا له تلك معجزة البردوني التي تفرد بها وتحاور بها مع الطغيان الإمامي، كما سخر بها من عتاة العسكريين" والبين بين" وهي تسمية كان يطلقها البردوني على انقلاب نوفمبر. كان البردوني أكثر شجاعة وجرأة بالقلم واللسان شعراً ونثراً في مقارعة الطغيان والانحرافات، وعندما وقَّع القاضي الشهيد عبدالله الحجري رحمه الله تجديد اتفاقية 1934م كتب الشاعر قصيدته الشهيرة
    فظيع جهل ما يجري
    وأفضع منه أن تدري
    وهل تدرين يا صنعا
    من المستعمر السري
    غزاة لا أشاهدهم
    وسيف الغدر في صدري
    وقرأ القصيدة النارية أمام القاضي الحجري الذي كان حينها رئيساً للوزراء فهمس الحجري في أذنه: الحياء في العينين، ولم يكن موقف البردوني من حكام الجنوب أخف وطأةً وانتقاداً من حكام الشمال، فقد كان شديد النقد للتشطير وللانحراف والممارسات الخاطئة وكان يرحمه الله أول رئيس لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، وهي المؤسسة الوحدوية الثقافية التي تحدت التشطير، والمشطرين، وساهمت في بناء اليمن الجديد وتحقيق وحدته في فجر الثاني والعشرين من مايو 1990 وكان حاد الذكاء شديد الانتقاد لمجايليه وبالأخص من رموز الحركة الوطنية، فقد أشهر سلاح نقده ضد حركة 48 واتهم بعض رجالها بالعمالة للإنجليز ونال أبو الاحرار محمد محمود الزبيري الكثير من سهام نقده وعندما استشهد الزبيري في إبريل عام 1965 م رثاه البردوني بقصيدة بعنوان" حكاية السنين" وهي من أجمل قصائد البردوني، ولكنه واصل انتقاده لـ 48 وهو ما شكاه القاضي عبدالرحمن الارياني في بعض رسائله الموجهة لصديقه أحمد المعلمي.
    وللبردوني رؤيته الخاصة في نشأة وتطوير الحركة الوطنية ورموزها. لا تتفق في جوانب كثيرة مع الرؤى السائدة لدى دارسي تاريخ هذه الحركة.. وكان يرحمه الله سليط اللسان في نقد الشعراء والأدباء والمثقفين من مجايليه وكانوا يخافون أشد الخوف. وهو في مجالسه الخاصة أكثر تحرراً في سلخ جلودهم، والتمسخر بهم.
    ويروي البردوني قصة أول اعتقال له. فقد ألقى قصيدة أمام الإمام يحيى فطلبه الإمام فقابله. وعندما خرج من عنده احتشد من حوله أهل ذمار يسألونه عن يد الامام التي لا مسها، فقال لهم: لحم في عودي، وكانوا من شيعة الإمام فصاحوا به لحم في عودي يا يهودي، وطافوا به شوارع ذمار. وهم يرددون: "لحم في عودي يايهودي" فقد طعن عندهم في قدسية الإمام، وكان نافذ البصيرة يديم التأمل في الأحداث الكبيرة، ويتابعها باهتمام شديد. وكان في غرفته يحتفظ براديو قديم جدا يتابع من خلاله الاذاعات، وأحداث العالم.
    وكان في تحليله ورؤيته أقرب ما يكون إلى اليسار بالمعنى العام، ولم يلتزم لأي حزب سياسي.. ولكنه قريب جداً من تيار العلمنة والعقلانية بل هو رمز حقيقي من رموز العلمنة، وخاض معارك ضد القوى المتخلفة والكلامية، وكان يُتهم بالشيوعية والإلحاد. ويرد بطريقته الخاصة.
    قال له ذات يوم داعية إسلامي كبير: أنت شيوعي يجب قتلك رد عليه: حافظ على حياتي فأنا مصدر رزقك لأنك تخوِّف بي دول الجوار. وترعبهم بالشيوعية، ليغدقوا عليك المال، وضحك الناس في الشارع من الداعية.
    ويتمتع البردوني بشهرة ذائعة في اليمن والوطن والعالم، فأول ديوان له صدر عن المجلس الأعلى للآداب والفنون بالقاهرة عام 1961م ومنذ مطلع السبعينات وبعد إلقاء قصيدته الشهيرة في المربد عام 1972م أبو تمام وعروبة اليوم، تبوأ البردوني مكانة مرموقة في الأوساط الأدبية والفكرية والثقافية العربية وتناولت الصحف والمجلات والدراسات والنقد دواوين البردوني ليصبح واحدا من أهم شعراء العربية في خاتم القرن العشرين، إنه كالجواهري ونزار القباني من أعمدة القصيدة النيوكلاسيكية ويمتاز البردوني بالاهتمام الفائق بالشعر الحر وقراءة ومتابعة تياراته والإفادة منها والغموض الفائق الذي طبع أشعاره في مرحلة مابعد السبعينات يشي بهذه الخاصية.
    والبردوني كتاب مفتوح عرك الحياة وأمتلأت نفسه بتجارب عديدة ومتنوعة و شديدة السخرية بكل ما حوله، يكره البلادة والنفاق والاستحذاء، ويمقت المتمسك بأعتاب الحكم ، عاش شظف العيش وفقراً إلا من حب الناس له، والتفافهم حوله، وواصل حتى النفس الأخير كتاباته الزاخرة، وبين الفينة والأخرى يصب وابلاً من الغضب على رفاق دربه ممن عملوا معه أو كانوا معه في قيادة الاتحاد الأدبي.
    إنه شخصية عصامية وصدامية بكل ما تحمله الكلمة من معان ودلالات.
    و" نكت" البردوني و" قفشاته" تحتاج إلى أكثر من وقفه فهو قادر على الضحك بملء شرقية، وعلى السخرية في أكثر المواقف صرامة وجدية، وكثيرا ما مازج بين السخرية والجدية، وما أسرع انعطافاته الخطرة من السخرية والضحك إلى الجدية والصرامة، وعميق الفكرة فهو كالبحر الهائج سرعان ما يهدأ ولكنه أيضا قابل للتحول الصاخب في أي لحظة.
    كان زاهداً، وحياته في منزله كالراهب في صومعته، يتابع الإصدارات الجديدة في الحياة الأدبية والفكرية والثقافية، وإلى حدٍّ ما السياسية، ويمتلك ذاكرةً قل أن نجد لها نظيراً فهو شديد العناية بالتفاصيل الصغيرة التي يتقصاها، ويخلق بها ومنها وعليها عوالم سحرية حتى خرافية أحيانا، وربما لا يتفوق عليه في هذا الجانب الا الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، فكلاهما يتذكر سن الطفولة، ويذاكرن حياتهما شاملاً كاملاً، لكأنهما يقرآن من كتاب وإن كانت ذاكرة الجواهري حسب سيرته أكثر حفظاً وإدهاشاً.
    لم يدخر البردوني في حياته المديدة شيئا من المال والجائزة التي حصل عليها. جائزة العويس أنفقها على إعادة طباعة كتبهوعلى أصدقائه، لم ينجب البردوني ولداً ولكنه أنجب اثني عشر ديوانا تحتل مكان الصدارة في الإبداع الشعري في القرن العشرين كما أنتج عشرات الكتب في الحقول المعرفية المختلفة وكتب مئات الأبحاث والدراسات والمقالات التي تشكل موسوعة ثقافية وأدبية. وكان شديد الاعتزاز بالنفس، فلم يقصد حاكماً في حياته لغرض خاص به، إلا إذا كان لخدمة أصدقائه الذين يتفانى في خدمتهم.
    وله سرعة بديهة كومض البرق يستحضر التعليق والرد والقفشات وكأنه يتنفس. كنا معه فزاره صديق شاعر ينافسه في الحفظ بل يتفوق عليه، ما أن سلم وقبل أن يجلس سأله البردوني من هي نخلة بنت عبدالله فرد عليه الشاعر إنها صحابية، وسرد قصتها، وبعضاً من حياتها لما يقرب من ربع ساعة، وبعد أن انصرف الشاعر انفجر ضاحكاً أرأيتم ماذا صنع صاحبكم اقسم بالله العظيم أنه لا وجود لا مرأة صحابية بهذا الوصف ولكن اختلقتُ له الاسم ليختلق هو الحكاية الخرافية من أولها إلى آخرها، وذهبنا ننقب في كتب السيرة والتاريخ والجرح والتعديل فلم نجد المرأة الصحابية المفترى عليها، واكتشفنا مرة أخرى أن نخلة هي جدة البردوني التي جعل منها فخاً لصديقه " اللدود"
    وكان حبه للمعرفة يفوق أي تصور فوقته كله مكرس لها، فهو يستيقظ مبكرا نسبياً ليجد صديق عمره محمد الشاطبي قد جهز الكتب المطلوب قراءها ، وتبدأ رحلة القراءة ثم يخصص وقتا للكتابة، وبعد الغداء ينام ساعة، ثم يستيقظ لمواصلة القراءة والكتابة. إلا زيارة أصدقائه وتلاميذه والمقابلات الصحفية التي بدأ يتخفف منها في العشر السنوات الأخيرة، كما أنه مواظب على استماع الراديو وبالأخص الـبي- بي-سي، وقد داهمته المنية وهو يستعد لكتابة المواضيع الأسبوعية التي يزود بها الصحف والمجلات وبعضها تتحول إلى إصدارات جديدة.
    وقبل وبعد ، فإن خسارة الأمة العربية واليمن وأهل الثقافة والفكر والأدب في مفكر ومجدد كالبردوني لا تقل هولاً عن أي كارثة من أي نوع وإن موته لنقص في الزمان والمكان والناس.

    ملحق الثورة الثقافي




     

مشاركة هذه الصفحة