الرواية الغربية الخاصة بملابسات وظروف اعتقال الرئيس العراقي

الكاتب : الثمثمى   المشاهدات : 447   الردود : 0    ‏2005-08-31
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-08-31
  1. الثمثمى

    الثمثمى عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-11-01
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0
    الرواية الغربية الخاصة بملابسات وظروف اعتقال الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين. فكلنا يتذكر كيف أظهروا الرئيس على شاشات التليفزيون بشعره الكث ولحيته الطويلة وهو يفتح فمه للطبيب وكيف زعموا أنهم وجدوه مختبئاً في حفرة. وقد صوروا لنا العملية بعفوية مع العلم أن الأمر بمجمله كان معداً ومبرمجاً سلفاً كي يترك أكبر أثر على المتلقي، إذ صرح جندي أمريكي من أصل لبناني كان منتسباً الى الفرقة الرابعة (مشاة) التي تولت القبض على صدام حسين بأن الرواية الامريكية الرسمية عن عملية اعتقال الرئيس العراقي السابق مفبركة، وأن الفيلم الامريكي الذي اذيع عن وقائع الاعتقال داخل حفرة في ضواحي بلدة (الدور) إلى غرب بغداد جرى تصنيعه في وحدة للتصوير والانتاج السينمائي الحربي تابعة للفرقة الرابعة قبل اذاعته في اليوم الثاني على العالم. ويضيف الجندي "أننا قبضنا عليه في منزل ريفي وليس في حفرة بعد مقاومة ضارية، وبعد فرض السيطرة العسكرية على المنطقة التي اعتقل فيها صدام بقوات كبيرة قضت مجموعة تصوير عسكرية طوال يوم الجمعة ونهار السبت كل الوقت في اعداد مستلزمات الفيلم والرواية المطلوبة ولم تكن الحفرة إلا بئراً مهجورة جرى تطويرها وترميمها واعدادها لتكون صالحة للرواية المزعومة .

    ولا يختلف الأمر بالنسبة لعملية إسقاط تمثال الرئيس العراقي في ساحة الفردوس باعتراف الأمريكيين أنفسهم حيث كُشف النقاب مؤخراً أنها كانت مسرحية محبوكة جيداً نفذها القسم المسؤول عن التوجيه والتأثير المعنوي في الجيش الأمريكي، فالممثلون الذين أسقطوا التمثال جاءوا من خارج العراق مع إحدى جماعات المعارضة. وقد قام كل بدوره على أكمل وجه وكانت وسائل الإعلام مستعدة لنقل الحدث على الهواء مباشرة. وليس المقصود من هذا الكلام بأي حال من الأحوال الانتصار لنظام بشع مقبور جدير بالاقتلاع كالنظام العراقي السابق أو الترحم عليه بل هي مجرد محاولة بسيطة لإماطة اللثام عن الأساليب الإعلامية الغربية التي ما لبثت تعظنا عن فضائل الديمقراطية والشفافية والموضوعية والحيادية بينما تمارس الغوبلزية البغيضة في أجلى صورها.

    صحيح أن الرد المعاكس على الرواية الإعلامية الأمريكية حول بعض القضايا قد لاقى بعض الصدى، لكنه لم ولن يكون بنفس التأثير، فقد غدت الحادثتان المذكورتان آنفاً مثلاً أشبه بمسلمات إعلامية ومن الصعب الخروج عليهما أو دحضهما. وهل نسينا أكبر كذبة إعلامية في القرن العشرين حول أحداث مدينة تيمشوارا الرومانية التي صارت رمزاً لكذب وسائل الإعلام حيث صور الإعلام الغربي ما جرى في تلك المدينة على أنه مذبحة هائلة اقترفها النظام الروماني وسوّق رقماً لأعداد القتلى بلغ ستين ألفاً في البداية من أجل الإطاحة بنظام شاوشيسكو في ذلك الوقت وتبين فيما بعد أن الأمر لا أساس له من الصحة. لا بل ظهرلاحقاً أن الصور التي عرضتها وسائل الإعلام الغربية للمذبحة تعود إلى الحرب العالمية الثانية؟ وهذا مجرد غيض من فيض من لعبة التلاعب بالصور التليفزيونية في ظروف الأزمات. وذلك يؤكد أن المقولة القديمة: "الكذبة تنتشر في نصف الكرة الأرضية قبل أن تطمسها الحقيقة" قد أصبحت صحتها مضاعفة في ظل التكنولوجيا الإعلامية الحالية الرهيبة.

    وإذا أردنا أن نقارن وضع الإعلام الآخر البديل «ولا أقصد بذلك الإعلام العربي الرسمي، فهو في أسفل درجات الغوبلزية» فنستطيع أن نقول إنه أشبه بشخص يحمل ميكروفوناً هزيلاً ويحاول الطواف حول العالم لنشر فكرته بينما الإعلام الغربي أشبه بقوافل تحمل ألوف المايكروفونات الحديثة ومنتشرة في شتى بقاع الأرض وتتحصن في أفضل المواقع، ولا شك أن حملة المايكروفونات الكثيرة المتطورة سيكونون أصحاب تأثير أكبر بكثير. لكنهم ليسوا بالضرورة صادقين، فحامل المايكرفون الوحيد المسكين قد يكون أكثر صدقاً. فالعبرة ليست أبداً في كثرة الأصوات والضجيج الإعلامي المتقن. ولنا في ورطة الدكتور ستوكمان بطل مسرحية «عدو الشعب» للمسرحي النرويجي الكبير هنريك إبسن عبرة لمن يعتبر.

    تروي المسرحية قصة طبيب يعيش في إحدى القرى التي يقصدها السياح للاستحمام في حماماتها العامة. وسرعان ما يكتشف الطبيب أن الماء الذي يستحمون به ملوث ويصيبهم بأمراض خطيرة، فيثير القضية في القرية رأفة بالناس دون أن يدري أنه سيدخل في صراع مرير مع أصحاب المصالح من تجار وصحفيين ومنتفعين والمتحكمين بالأمور الذين يجنون أرباحاً طائلة من تجارة المياه الملوثة، فيشنون حملة مضادة ضد الدكتور ستوكمان متهمين إياه بأنه «عدو الشعب». وبفضل مكرهم ودهائهم وسطوتهم في القرية يستطيعون تأليب السكان ضد الطبيب المسكين ويدفعونه للرحيل بالرغم من أنه صديق الشعب وهم أعداؤه. وهكذا أمر الإعلام الغربي بالمقارنة مع الإعلام البديل، فهو، بالرغم من أساليبه الغوبلزية الجهنمية المفضوحة، إلا أنه يفرض روايته على العالم حتى وإن كانت مفبركة في أقبية وزارات الدفاع والأجهزة ومعامل التزييف ومراكز التضليل الاستراتيجية التي اضطرت وزارة الدفاع الأمريكية إلى تغيير اسمها بعد أن انفضح امرها.

    لكن هذا لا يعني أن يستسلم الآخرون لهذا الخلل الفادح في الميزان الإعلامي العالمي، فقد اشتكى وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد أكثر من مرة من أن بعض مواقع:eek::eek: الانترنت البسيطة والقنوات الفضائية تعكر صفو الأمريكيين وتنشر الكراهية ضدهم في العالم العربي وتشوه سمعتهم. وهي طبعاً بريئة من هذه التهمة. ولو كان الوزير الأمريكي صادقاً لقال إنها ترفض أن تردد ببغائياً الروايات الإعلامية الأمريكية التي تغرقنا بها وسائل الإعلام الغربية صبح مساء، وإنها تحاول أن تضع النقاط على الحروف قدر الإمكان. وبالتالي لا داعي لليأس والقنوط والاستكانة للضخ الإعلامي الغربي فإن البعوضة يمكن أن تدمي مقلة الأسد. كما أنه ليس من الضروري أبداً أن ينساق المستمع أو القارىء أو المشاهد العربي وراء وسائل الإعلام الغربية العملاقة لمجرد أنها ذات انتشار عالمي وصوت أعلى وتقنيات هائلة ونفوذ أكبر، فالأكثرية القوية قد تتفوق لكن ليس بصدقها بل بباطلها. من كان على حق ومن كان على باطل في موعظة إبسن المسرحية، المافيا الحاكمة في القرية أم الدكتور ستوكمان العبد الفقير لله؟
     

مشاركة هذه الصفحة