واخيرا اصبحت اماميا .. قصة استبصار مسلم

الكاتب : نيغروبونتي   المشاهدات : 518   الردود : 1    ‏2005-08-09
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-08-09
  1. نيغروبونتي

    نيغروبونتي عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-27
    المشاركات:
    538
    الإعجاب :
    0
    قصة انتقالي من المذهب الشافعي إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام

    الكاتب : المفيد
    حرر في 14-06-2000 11:31 Pm



    بسمه تعالى

    كتب أخونا الحلبي 2000 قصة إهتداءه لمذهب اهل البيت عليهم السلام .

    ---------------- بسم الله الرحمن الرحيم ------------------

    " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ".

    إنني أنقل إليكم قصة اختياري لمذهب أهل البيت عليهم السلام محاولاً أن أتذكر الحقائق كما هي إن شاء الله ، وبعد ذلك سوف أطرح بعض الاستفسارات راجياً من الأخوة الأفاضل أن يجيبوني عليها بصورة علمية بعيداً عن الإطناب والتطرف ولنقل بموضوعية إذ تكفيني البراهين مع الأدلة القطعية كي أكون فكرة صحيحة عن الإسلام الصحيح. كما أرجو من الأخوة جميعاً وخصوصاً أخواني من أهل السنة أن لا ينظروا إلى قصتي نظرة تعصب واستغراب ، بل أنصحهم أن يتأملوا بها جيداً ويتقبلوا اختياري الحر للطريق الذي اخترته للوصول إلى السنة النبوية الصحيحة وبالتالي إلى الإٍسلام الصحيح. وليعلم الجميع أنني لست مستعداً لإجابة أي تعليق يخرج عن الآداب الإسلامية والأخلاق العربية. بل أرجو من الرقابة حذف مثل هذه التعليقات كي لا نسود موضوعنا بغير الآداب الإسلامية.
    وأبدأ أولاً بعرض حكايتي منذ كنت سنياً إلى أن اخترت مذهب أهل البيت عليهم السلام.

    لقد عشت في بيئة ريفية في قرية قريبة جداً من مدينة حلب الشهباء في سورية ، ونشأت في وسط إسلامي يتبع مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه. في قريتنا مسجدين كنت أحضر مع أبي صلاة الجمعة كل يوم جمعة في أحد هذه المساجد، ونشأت وأنا لا أعرف شيئاً عن الشيعة إلا ما أسمعه من عوام الناس بأنهم رافضة ويعبدون القرميدة ويسبون الصحابة ويقولون تاه الأمين في صلاتهم ( أخطأ جبرائيل فأعطى الرسالة _النبوة _ لمحمد بدل أن يعطيها لعلي) يلعبون لعبة القبيشة وسوف أفسر لكم هذه المصطلحات في وقتها إن شاء الله. لكنني لم أر شيعياً قط بسبب انشغالي في الدراسة والعمل ولم يكن عندي صدفة ألتقي بها مع شيعي أو أعمل معه ، مع العلم أنه يوجد بالقرب منا منطقتين أهلهما من الشيعة ( نبل والزهراء ). وقد التقيت ببعضهم ولكن في مجالات العمل دون الدخول في مناقشات . وذلك لعدم اهتمامي ولصغر سني . والخطباء الذين عندنا لم يتطرقوا لهذه المواضيع في خطبهم ، بل ولم يتطرقوا لذكر أن هناك مذهب غير المذاهب الأربعة.
    البيئة التي أعيش فيها بيئة ريفية تعتمد على الزارعة والتجارة والأغلب على التجارة بالإضافة إلى الوظائف الرسمية . وفي السنوات الأخيرة توجهوا إلى التجارة وكثرت المشاكل العائلية والاجتماعية فيما بينهم ، وكل يوم نسمع بفلان حلف على زوجته بالطلاق الثلاثي ، ويبحث عن رجل ليتزوجها كي تحل له ثانية ، وكثرت هذه المشاكل ، وكنت أسمع بها إلا أنني كنت أنفر منها ، ومرة سألت إمام لجامع عندنا ، هل هذا الأمر شرعي يقبله الإسلام، بمجرد أن أحلف بالطلاق يتم الطلاق ، وثلاث مرات دفعة واحدة ، فكان جوابه نعم ، إن الطلاق يقع ولا يحق له أن يرجعها حتى تنكح شخصاً آخر ثم يطلقها . وعندما أصبحت أعمل وأتردد إلى مدينة حلب وجدت أن هذه المشكلة عامة في مجتمعنا في سورية ، وأكثر حوادث الطلاق عندنا تكون عن هذه الطريقة ووجدت أن بعض الناس يسمون عملية التحليل ( التجحيش ) فيقولون أخذ زوجته (مطلقته ) كي يجحشها . وكنت أتعجب من هذه التسمية ، وعندما سألت الإمام عنها قال اسمها التحليل وهذه التسمية من بعض المشنعين ويستعملها الناس.
    المهم نلت شهادة الثانوية العامة ، ثم التحقت بالجامعة في حلب ، وهناك التقيت ببعض الطلاب الشيعة ، لكن أكثر ما كنت أعرفه أنهم شيعة إما من الفوعة أو من نبل أو من حمص ، إلا أن لقاءاتي بهم كانت قليلة لا تتعدى مجال اللقاء خلال الدرس في قاعة المحاضرات.
    ----------------------------
    عندما بدأت الدراسة الجامعية اتسعت آفاق المعرفة عندي وأخذت بتثقيف نفسي بالثقافة العامة ، والثقافة الدينية والأدبية وغير ذلك ، وأصبحت أتأمل في الأمور الإسلامية أكثر ، وأتساءل دائماً ، لماذا وصل الحال بالإسلام إلى هذا الحد من الضعف في القوة والفكر ، لماذا التعددية بالمذاهب في الإسلام ، أصبحت أراجع تاريخ المذاهب الإسلامية وأطالع كتب التاريخ الإسلامي ، وكلما طالعت كتاباً ( بحسب ما تسمح لي ظروف دراستي ) كلما كثرت الإشكالات والاستفسارات في ذهني . وكنت أسأل أئمة الجوامع عندنا عن بعضها ، إلا أن أجوبتهم لم تكن مقنعة فتزداد التساؤلات وتتعقد الأفكار . ولكن لم أشأ أن أشغل ذهني بما يشغلني عن دراستي الجامعية ، إلى أن أنهيت السنين الأربع بتفوق ودرست سنة بعد ذلك ( دبلوم ) وتعينت معيداً في جامعة حلب . عند ذلك قررت أن أعطي الوقت كي أصل إلى الحقائق حول أسئلتي التي تتعلق بالدين .
    وأهم سؤال كان يختلج في ذهني ، لماذا أنا شافعي المذهب ، ولماذا تنحصر المذاهب الإسلامية بأربع مذاهب ؟ وكيف تكونت المذاهب ؟
    فالإسلام واحد ، والنبي واحد ، والقرآن واحد ، فلماذا هذا التعدد بالمذاهب ! والإشكال الذي كان يقلني هو أنني بعد أن اطلعت على تاريخ أئمة المذاهب وجدت أن أول إمام منهم وهو الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه قد توفي سنة 150 للهجرة ، ثم الإمام مالك بعده بأكثر من عشرين سنة ثم الإمام الشافعي ثم الإمام أحمد رضوان الله عليهم . فأقصر فاصل زمني بين الإمام الأول والنبي صلى الله عليه وآله هو 150 سنة ، ولو قلنا أن حياته كانت أقرب فيكون الفاصل الزمني على الأقل سبعين سنة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله.
    فأئمة المذاهب من التابعين وعلى الأغلب من تابعي التابعين .
    لماذا ؟ هل الدين كان مختلفاً ؟
    هل النبي جاء بأربعة رسائل إلهية ؟
    ولماذا لم تسم هذه المذاهب بأسماء الصحابة المقربين من النبي ؟
    وتساؤلات كثيرة جداً ، وبما أنني كنت أسمع أنه يوجد مذهب آخر هم الشيعة ، ذهبت لأسأل إمام الجامع عندنا ، وهو من خريجي كلية الشريعة في دمشق ، وجرى بيني وبينه الحوار التالي :
    قلت : هل يوجد مذاهب غير المذاهب الأربعة ؟
    قال : نعم ، لكنها مذاهب باطلة ، منحرفة عن الإسلام .
    قلت : كيف حكمتم أنها منحرفة ، هل في ذلك حديث أو قرآن ؟
    قال : لا ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: إنني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي. وبقية المذاهب لم تتمسك بالسنة الصحيحة.
    قلت : إنني أسمع بالشيعة ، فهل هو مذهب ***** ؟
    قال : نعم ، إنه أشد المذاهب انحرافاً ، فإنهم يرفضون السنة ، ويسبون الصحابة الذين مدحهم الله في كتابه الكريم ومدحهم النبي صلى الله عليه وسلم ؟
    قلت : إذا كانوا يرفضون السنة إذن من أين يأتون بأفكارهم الإسلامية ، وهل القرآن يكفيهم لذلك ؟
    قال : بل حتى القرآن لا يؤمنون به ، فهم يقولون بتحريف هذا القرآن الذي بين أيدينا ، كما أنهم يدعون أن عندهم قرآناً آخر .
    قلت : ومن أين كان لهم القرآن الآخر ، هل النبي نزل عليه قرآنان ؟
    قال : لا ، إلا أنهم يدعون أن عندهم قرآن فاطمة وليس فيه حرفاً واحداً مما في قرآننا هذا .
    قلت : أعوذ بالله ، ومن أين جاء هؤلاء بهذه الأفكار ؟
    قال : من كتبهم الكاذبة وغلوهم بحب علي كرم الله وجهه وأولاده .
    قلت : وهل هذا المذهب كمذاهبنا الأربعة نشأ بعد وفاة النبي والصحابة ؟
    قال : إن أصل هذا المذهب يرجع إلى زمن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه عن طريق يهودي بغيض اسمه عبد الله بن سبأ ، ادعى الإسلام وبدأ يبث أفكاره اليهودية فيه ، وكان له أنصار وأتباع استطاعوا أن يؤثروا في نفوس الناس حتى قتلوا عثمان ، ثم تسبب ابن سبأ في معركة الجمل بعد أن كادت المصالحة تتم ، ومن ذلك الحين أخذ محبو علي يأخذون أفكارهم عن ابن سبأ بما فيها من غلو في أهل البيت وأفكار يهودية حتى نشأ ما يسمى بالشيعة اليوم.
    قلت : وهل يستطيع رجل واحد كابن سبأ أن يسيطر على الصحابة ويتغلب بأفكاره عليهم ليقتلوا عثمان رضي الله عنه ثم يشعل حرب الجمل بين المبشرين بالجنة.
    قال : نعم ، لقد تأثر به بعض الصحابة والتابعين وأخذوا بأفكاره .
    قلت : وكيف يتأثر به الصحابة وهم أخذوا الدين عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة ، وهل هو أعلم بالدين منهم ؟
    قال : يا بني ، إنك تسأل أسئلة كثيرة ، ولا تحتاج إلى كل هذه التفصيلات ، وأنصحك أن تقرأ التاريخ وخصوصاً تاريخ الصحابة ولكن من دون أن تسأل لماذا حدث هذا أو ذاك ، لأن كثرة التساؤلات تؤدي بك إلى الانحراف ، والصحابة قد رضي الله عنهم جميعاً وغفر ذنوبهم . المهم أن تؤدي صلاتك وصومك وواجباتك اتجاه الله ودينك .
    قلت : أنت تعرف بأنني جامعي وأستاذ جامعة ، وهناك أمور لا تدخل العقل ، فلا بد لنا من الاستفسار عنها كي نعلم حقيقتها ، وإلا يسيطر الجهل علينا .
    قال : نعم ، ولكن هذه أحداث مضت ، وأصحابها ماتوا ، والنظر فيها لا يؤدي إلا إلى الخلاف والانحراف ، تمسك بدينك جيداً وأد واجباتك الدينية وهذا يكفيك .
    قلت : وهل يجوز لي اختيار المذهب الذي أراه صحيحاً ؟
    قال : تستطيع أن تختار أحد هذه المذاهب الأربعة فقط ، أما غيرها فلا يجوز .
    قلت : وهل يوجد دليل على انحصار المذاهب بهذه الأربعة فقط؟
    قال : نعم .
    قلت : وما هو ؟
    قال : إجماع علماء السلف والخلف .
    قلت : كيف يتحقق الإجماع وهناك الكثير من المذاهب الأخرى .
    قال : قلت لك ، تلك المذاهب منحرفة عن الإسلام وخارجة عنه .
    وعندما وصل الحديث بنا إلى هذه النقطة رأيت أن وجهه قد تغير ، وعلامات الغضب ظهرت من خلال حديثه وتصرفاته ، فرجحت أن أوقف الحديث معه ، ريثما تتهيأ فرصة أخرى ، أو أجتمع مع عالم آخر ، يشفي غليلي.
    ____________________________________
    إن حديثي مع الشيخ زادني شوقاً كي أتعرف على مذهب الروافض ، كي أتعرف على قرآنهم وأفكارهم ، شدني الشوق إلى أن أذهب إلى مدينة نبل ، لأرى الشيعة هناك على حقيقتهم كيف يعيشون ، وكيف يصلون ، وكيف يقولون ( تاه الأمين ) في نهاية الصلاة .
    وذات يوم ، وأنا ألقي محاضرتي في الجامعة بين طلابي ، أعجبني طالب من خلال مناقشاته الذكية ، والذي شدني إليه توازنه وأخلاقه العالية في التعامل مع الأستاذ والطلاب ، إذ رأيت أن كل الطلاب والطالبات يحترمونه ، وقد أرسل لحيته قليلاً ، تدل ملامحه على أنه من أهل التقوى ، ويندر أن تشاهد بين طلاب الجامعة طالباً متزناً وملتزماً بالأخلاق الإسلامية .
    جاءني ذات يوم بعد المحاضرة يسألني عن سؤال ، فمشيت معه خارج القاعة قليلاً وبعد أن أنهينا المناقشة سألته عن موطنه ، فقال أنه من الفوعة ، ثم سألته عن موقعها ، فأجابني أنها قرية كبيرة ( بلدة ) تقع قريب مدينة إدلب ، بين حلب وإدلب ، فعرفت أنها قريبة منا فهي تبعد عن حلب حوالي خمسين كيلو متراً ، فسألته عن المذهب عندهم ، فقال أن مذهبهم في كل القرية هو المذهب الجعفري ، فتعجبت وقلت له بأنني لم أسمع بهذا المذهب من قبل ، فقال : نحن شيعة اثني عشرية ، قلت له إذن أنتم من الشيعة الروافض ؟ فتبسم بكل هدوء وقال : نعم من الشيعة الروافض ويقولون لنا المتاولة أيضاً ! سألته عن معنى المتاولة فقال يقولون للشيعي متوالي أي موالي وهذا اللقب بسبب موالاتنا لأهل البيت عليهم السلام . فحدثتني نفسي بأن هذه هي الفرصة التي أنتظرها ، وبما أنه ملتزم حتماً عنده قرآن ويصلي ، فسوف أستغل الفرصة وأذهب معه إلى محل سكنه دون أن أعطيه الفرصة للاستعداد لأي شيء ( لأني سمعت أنهم يستعملون التقية ) أي يكذبون ويظهرون غير الذي يبطنون.
    فسألته عن محل سكنه فأجابني أنه يسكن في المدينة الجامعية ، فطلبت منه أن نشرب عنده الشاي ، وكان وقت المغرب قد دخل . فأجابني بكل سرور وفضل وكان سعيداً جداً بذلك.

    ذهبت معه إلى غرفته ، وكان يقيم معه شخص آخر من محافظة حمص عرفت بعد ذلك أنه شيعي أيضاً ، إلا أنه لم يكن موجوداً عندما ذهبنا إلى الغرفة ، وإنما التحق بنا فيما بعد. المهم عندما وصلنا الغرفة وجدت كتابين فوق السرير أحدهما فوق الآخر، من شكلهما ظننت أنهما نسختان من القرآن الكريم . قلت هل تسمح برؤية هذين الكتابين ، وكنت جالساً على السرير ، فقال بكل سرور، أخذت الأول وإذا هو القرآن الكريم فعلاً ، قلت في نفسي إذن هذا هو قرآنهم ، تصفحت به وإذا به نفس القرآن الذي عندنا ، تأملت بالطبعة وإذا بها طبعة دار ابن كثير في دمشق مع تأييد لجان إسلامية معتبرة كما هو معروف في طباعة القرآن الكريم في كل البلاد العربية.
    فقلت في نفسي لعله الكتاب الثاني هو قرآنهم ، أخذته وإذا مكتوب عليه ( مفاتيح الجنان ) تأملت به وإذا به كتاب أدعية وزيارات . ثم استأذن مني كي يصلي صلاة المغرب ، فقلت له أنني على غير وضوء الآن وملابسي نجسة صلِّ أنت وأنا أقرأ في هذا الكتاب. فبدأ بصلاته وأنا أراقبه كيف يصلي ، وإذ به يمد سجادة صلاة وكان في داخلها قطعة لم أعرف ما هي لكني فهمت أنها القرميدة التي سمعت عنها بأنهم يعبدونها ، فكبر تكبيرة الإحرام ، وكان يجهر في ذكر الركوع والسجود وكل شيء ، فلم أسمع إلا أ دعية وذكراً لله ، وكلي شوق كي أسمع منه مقولة ( تاه الأمين )، إلا أنه بعد أن أنهى صلاته وقال التسليم ، قال ثلاث مرات ( الله أكبر ) ثم قرأ دعاء وانتهى ، ثم قام وأقام الصلاة ثانية وكبر لصلاة جديدة فظننت أنه يصلي السنن ، إلا أنه صلى أربع ركعات متواصلة ، ففهمت أنه صلى العشاء .
    وبعد أن انتهى فعل كما فعل في صلاة المغرب ولم أسمع منه كلمة ( تاه الأمين ) . بعد ذلك حضر الشاي وجلسنا نشرب ونتحدث ، ثم سألته عن بعض الأمور وكان الحوار التالي فيما بيننا :
    قلت : هل تصلي بقية الصلوات كما صليت الآن ؟
    قال : نعم ، إلا أنه في صلاة الظهر والعصر نخفت في قراءة السور في الركعتين الأوليين .
    قلت : لماذا صليت المغرب والعشاء معاً ؟
    قال : في مذهبنا يجوز الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء ، وبين صلاتي الظهر والعصر.
    قلت : ولماذا ، أليس هذا مخالف للسنة ؟ الصلوات خمس ولكل صلاة وقت !
    قال : نعم لكل صلاة وقت ، لكن علماؤنا يقولون أنه يجوز الجمع .
    قلت : هل يوجد دليل على ذلك ؟
    قال : علماؤنا يقولون أنه يوجد دليل ، ولكن أنا بصراحة لا أعرف ما هو الدليل ، وقد علمنا الشيخ يوماً بأنه يوجد الدليل من القرآن والسنة لكني أتذكر الآية فقط وهي قوله تعالى "أقم الصلاة من دلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا" فهذه الآية لم تذكر سوى ثلاث أوقات للصلاة. أما الأحاديث فيمكن أن أسأل لك مشايخنا عنها لأن هذا من اختصاص العلماء ، ونحن نقلدهم فقط.
    قلت : تقلدونهم ، وكم عالم عندكم حتى تقلدوهم ، هل يوجد عندكم اختلاف أيضاً ، ويوجد لكل عالم مذهب مستقل بنفسه؟
    قال : لا ، مذهبنا واحد في العقائد وأئمتنا اثني عشر إماماً معصوماً ، إلا أن علماءنا ينظرون بالأدلة الشرعية الفقهية ويصدرون الفتوى ، ونحن علينا أن نقلد أعلم الأحياء.
    قلت : ما هو اسم العالم الذي تقلده الآن ؟
    قال : السيد أبو القاسم الخوئي رحمه الله .
    قلت : وفي أي قرن عاش هذا العالم .
    قال : إنه معاصر ، مات قبل خمس أو ست سنين.
    قلت : في أي صلاة تقولون ( تاه الأمين ) ؟
    قال مبتسماً : نحن لا نقول هذه الكلمة ، أبداً .
    قلت : ولكنكم تقولونها .
    قال : وممن سمعتها ؟!
    قلت : سمعتها من الناس يقولون أنكم تقولون ذلك في صلاتكم .
    قال : وهل سمعت شيعياً يقولها ؟
    قلت : أنت أول شيعي رأيته يصلي أمامي.
    قال : وهل سمعتني قلتها ؟
    قلت : لا ، لكنك لعله لم تقلها لأنني موجود .
    قال : إن هذه الكلمة لم أسمعها إلا من أهل السنة يتهمون بها الشيعة ، ولكن لم أسمع أحداً من الشيعة يقولها ، رغم أنني أصلي صلاة الجماعة في قريتنا مع العلماء ويعلموننا الصلاة ، ولم أسمع أحداً يعلمنا إياها . وبإمكانك أن تذهب إلى أي قرية شيعية وتتأكد بنفسك.
    قلت : وهذه القرميدة ، لماذا تعبدونها ؟
    قال : أولاً هذه ليست قرميدة ، وإنما هي قطعة من الطين مأخوذة من تربة كربلاء أو مشهد الإمام الرضا أو أي مكان مقدس . ثانياً نحن لا نعبد إلا الله تعالى ، وإنما نسجد على هذه التربة لأنه يفضل السجود على الأرض .
    قلت : يمكن أن أراها ؟ فأراني إياها ، ثم أخذها ووضعها في كأس ماء وإذا بها تذوب مع الماء .
    فقال : هل القرميدة تذوب في الماء ؟
    قلت : لا ، لقد صدقتك بدون حاجة لأن تذيبها ، فكيف ستصلي مرة أخرى ؟
    قال : لا يهم ، أصلي على قطعة خشب أو ورقة أو أي شيء يجوز السجود عليه .
    قلت : وأين قرآنكم ؟
    قال : هذا الذي بين يديك.
    قلت : هذا قرآننا نحن !
    قال : لا يوجد عندنا أي قرآن غير هذا ، ولم أسمع أنه عندنا غيره ، ونحن في الفوعة نحفظ هذا القرآن ، والعلماء يعلموننا هذا القرآن ويفسرونه لنا .
    قلت : ولماذا تسبون الصحابة ؟
    قال : بعمري لم أسب صحابياً.
    قلت : بل تسبونهم .
    قال : نعم ، أسمع بعض الناس يسبون بعض الصحابة وليس كل الصحابة.
    قلت : لماذا ؟
    قال : لأنهم اغتصبوا الحق من أهل البيت في الخلاقة ، ولأنهم ضربوا فاطمة الزهراء عليها السلام وأسقطوا جنينها. ولكن هذا لا يكون إلا من عوام الناس.
    قلت : وهل الخلافة هي واجبة بعد النبي لأهل البيت ؟
    قال : نعم ، نحن الشيعة نؤمن بذلك وأن الله ورسوله عينوا علياً ليكون خليفة بعد النبي ثم الحسن والحسين ، ومن بعد الحسين الأئمة التسعة من أولاد الحسين.
    قلت : وما هو الدليل على ذلك .
    قال : لو سمحت يا أستاذ ، لست متخصصاً بعلوم الدين ، عندنا علماء يمكن أن يجيبوك على كل أسئلتك بالتفصيل ومع الدليل. فأنا لا أعرف غير الذي يعلموننا إياه . والذي أعرفه أن النبي صلى الله عليه وآله عين علياً عليه السلام يوم غدير خم بعد حجة الوداع وقال في خطبة له " من كنت مولاه فهذا علي مولاه " وقد بايعه الصحابة على ذلك . وقال أيضاً في حديث الثقلين " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي " .
    قلت : هذا الحديث ليس هكذا ، إنه " وسنتي " وليس أهل بيتي .
    قال : يقول علماؤنا ، أن هذا الحديث موجود بكتب أهل السنة كما قرأته لك ، ويقولون أنه موجود في صحيح مسلم والكتب المعتبرة بهذا النحو ، على أي حال كما قلت لك فهذا الأمر من اختصاص العلماء .
    قلت : وهل عندكم علماء مقيمين في القرية ؟
    قال : عندنا عدة علماء منهم من هو مقيم بشكل دائم ، ومنهم من يأتي في الصيف أو شهر رمضان ، لأنه يتابع دراسته في إيران.
    قلت : سوف نحاول إن شاء الله أن نذهب معاً إلى قريتكم ونلتقي مع علمائكم هناك.
    قال : على الرحب والسعة وسوف تلقى صدراً واسعاً ، وأذنا صاغية0 والذي أتمناه أن تأتي عندنا في الصيف لأن معظم علمائنا يكونون حاضرين في القرية وخصوصاً الذي يدرسون في إيران. فإن الشيخ الذي علمني الدين سوف يأتي أيضاً.
    قلت : إن شاء الله.
    ثم دخل علينا زميله الذي يسكن معه بالغرفة ، وتعرفت عليه فكان شيعيا من حمص إلا أن معلوماته كانت أقل من زميله.

    بعد هذا اللقاء السريع ، أخذت أفكر بكلام التلميذ ، هل ما قاله تقية أم صحيح ؟
    هل كذب علي أم فعلاً هذه هي حقيقتهم ؟
    تساؤلات أخذت أطرحها على نفسي وأنا متحير بين الحقيقة والتزوير. بين الحق والباطل .

    ذهبت يوم الجمعة بعد الصلاة إلى إمام الجامع عندنا وأخبرته عما حصل بيني وبين تلميذي الفوعاني ، وإذا بالجواب أنه كذاب استعمل معك التقية ، وإياك أن تخوض بالحديث معهم ثانية .
    فقلت له : يا أستاذ ، إنك تتحدث مع أستاذ جامعة ، وهل يمكن لتلميذ أن يغلبني ويضلني ! فأجاب إن هؤلاء يعلّمون أبناءهم الجدل والحوار فلا أنصحك بذلك . ثم سألته عن حديث الثقلين كما رواه لي التلميذ ، لكن الشيخ قال هذا خطأ ، وإنما الحديث سنتي لا أهل بيتي . وسألته عن حديث الغدير ، فقال نعم هذا الحديث موجود إلا أن السلف قد فسروه بأن المقصود من كلمة ( مولى ) هو المحب لا أنها القيادة والخلافة .
    بعد ذلك حاولت أن أطالع الحديث من كتب الحديث وتذكرت بأن التلميذ قال لي بأن حديث الثقلين موجود في صحيح مسلم . راجعت صحيح مسلم فوجدت الحديث فعلاً كما قرأه التلميذ بلفظ " عترتي أهل بيتي " . وعندما راجعت شيخنا قال لي أن المقصود من عترتي هي السنة وما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
    لكن في الحقيقة لم أقتنع بهذا الجواب لأن لفظ العترة يختلف تماماً عن لفظ السنة ، وعندما سألت الشيخ عن ذلك ، قال لي يا بني لقد ورد الحديث باللفظين ، إلا أنه المقصود هو سنة النبي وما كان عليه أصحابه ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال " أصحابي كالنجوم من اقتدى بشيء منها اهتدى " (ميزان الاعتدال للذهبي 1: 413 طبه دار المعرفة بيروت). ونحن تمسكنا بهذه السنة والحمد لله ، فما بالك تضيع وقتك بأفكار ضالة يؤمن بها أهل الضلالة والانحراف .
    إن أسلوب الشيخ في معالجة النقاش لم تعجبني ، وقد كان هذا الأسلوب يتبعه معظم المشايخ الذين سألتهم عن هذا الموضوع ، فإنهم متفقون على أن الشيعة روافض ، بل قرأت بعد ذلك في كتاب وزع على الحجاج يتضمن فتاوى لعلماء الوهابية في السعودية ، بأن الشيعة كفار لا تحل ذبائحهم .

    وبقيت على هذه الحالة إلى أن انتهت السنة الدراسية وجاء فصل الصيف ، وازداد احترامي لتلميذي الفوعاني لما يحمل من ثقافة وأخلاق عالية . وقبل نهاية السنة قلت له بأن يخبرني إذا جاء شيخه من إيران كي نقوم بزيارة قريتهم ، فوعدني بذلك وافترقنا.
    ------------------------

    انتقدني أحد الأخوة سامحه الله (خلال عرضي للموضوع في شبكة الحق الثقافية) ، بأنه أي أخلاق رأيتها في التلميذ الشيعي حتى أعجب بها !
    فأقول له أن هذا التلميذ كان مثال الصدق والاحترام لأساتذته وزملائه بالإضافة إلى أنه يصوم ويصلي ولا يتبع ما يتبعه شباب الجامعة عندما يأتون إلى الجامعة من مشاكل مع الطالبات وأعمال المراهقين ، كان الكل يحترمه كأخ لهم والكل يهاب جانبه ، بالإضافة إلى لسانه الطيب وكرمه الواسع .
    وهل هذه هي إلا أخلاق الإسلام ؟!

    على أي حال
    عندما ابتدأت العطلة الصيفية انشغلت بتصحيح أوراق الامتحان مدة من الزمن ، وفي هذه الأثناء ، عاد أخي الأصغر مني سناً من مصر ، منهياً امتحاناته للسنة الثالثة في جامعة الأزهر قسم الشريعة ، ففرحت بعودته كثيراً ، كي أسأله عما يدور في داخلي من خواطر وأسئلة تحتاج إلى جواب مقنع .
    سألت أخي الأزهري يوماً ، هل تعرف مذهباً اسمه مذهب الإمام جعفر الصادق ؟
    فقال لي : نعم ، إن هذا المذهب اعترفوا به في جامعة الأزهر زمن شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت وأفتى بجواز العمل به بالإضافة إلى المذاهب الأربعة.
    قلت له : ما رأيك فيه ؟
    قال : إنه مذهب جيد إلا أن فيه انحرافات كثيرة ، فقهية وعقائدية .
    قلت : مثل ماذا ؟
    قال : من الناحية الفقهية ، يقولون بالمتعة التي حرمها الله ورسوله ، ويمسحون على أرجلهم في الوضوء خلافاً للسنة ، ويجمعون بين صلاتي الظهر والعصر وصلاتي المغرب والعشاء، وبعض المسائل الأخرى .
    ومن الناحية العقائدية ، يقولون بولاية أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ، وأن خلافة الثلاثة رضي الله عنهم كانت غير شرعية ، ويقولون بالرجعة ، ويغالون في أهل البيت فيقولون بعصمتهم وبأنهم أفضل من الأنبياء ، ويسبون الصحابة ولا يؤمنون بعدالتهم . بالإضافة إلى الخلافات فيما بيننا في صفات الله تعالى ، كما أنهم لا يقولون بالجبر وإنما يقولون بأن الإنسان مخير لا مسير.
    قلت : وهل الإيمان بهذه الأمور يخرج الإنسان عن الإسلام ؟
    قال : لا ، فمن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فهو مسلم .
    قلت : كيف يفتون بحرمة ذبائحهم وحرمة نكاحهم وهم مسلمون ؟
    قال : ومن أفتى بذلك ؟
    قلت : قرأت كتاباً أتى به الحجاج من الحج صادر عن لجنة الإفتاء في السعودية ، يفتون به بذلك.
    قال : ومن هؤلاء حتى يفتون ؟! فإن هؤلاء عندهم كل المسلمين مشركون. لم أجد مثل هذه الفتاوى في مصر أبداً .
    قلت : وهل صحيح أن الشيعة يقولون ( تاه الأمين ) في صلاتهم .
    قال : لقد سمعت هذا من الناس ، إلا أنني لم أقرأ ذلك في كتاب فقهي .
    قلت : وهل صحيح أن عندهم قرآن غير قرآننا هذا .
    قال : يقولون أن عندهم مصحف فاطمة وأنه لا يوجد فيه شيئاً من قرآننا هذا . كما أنهم يعتقدون بتحريف القرآن الذي بين أيدينا وأنه ناقص .
    قلت : وأنت هل تصدق ذلك عنهم ؟
    قال : في الحقيقة إنني قرأت ذلك عنهم ، وعندهم روايات في مصادرهم تقول ذلك . لكنني لم أقابل أحداً من علمائهم كي نعرف حقيقة الأمر بالضبط ، فالأخبار الصحيحة يجب أن تؤخذ من مصادرها الحقيقية لا من الذين يكتبون عنهم .

    وأخذنا نتحدث عن أمور إسلامية كثيرة ، وكانت ردود أخي منطقية أكثر من إمام الجامع عندنا . وسألته مرة ، بأنه هل يجوز لي أن أعمل وفق المذهب الجعفري ؟ فأجابني بأنه في الفقه نعم ، أما في الأصول فلا .
    قلت له لماذا ؟ فقال : لأن أصولهم منحرفة وفيها أمور كثيرة مخالفة للقرآن والسنة.
    قلت له : وهل يجب علي أن أتبع الأشعري في الأصول .
    قال : نعم ، لأنه مطابق لما عليه السلف من الصحابة والتابعين.
    قلت : إذن لي الاختيار من الناحية الفقهية ، لكن ليس لي الخيار من الناحية العقائدية؟
    قال : نعم .
    قلت : هل تحب أن تقابل علماء الشيعة ؟
    قال : نعم أحب ذلك ، كي أسمع منهم عن أفكارهم ، وأناقشهم ببعض المسائل ، عساهم يبصرون الحق .
    فأخبرته أن أحد تلامذتي يريد أن يدعوني لزيارة الفوعة ، وسألته إن كان يحب أن يأتي معي ، فقال لي بأن له صديقاً من الفوعة قد يأتي لزيارته كي يسلم عليه بعد مجيئه من مصر ولعله يغتنم الفرصة لزيارة الفوعة .
    ففرحت بذلك ، إذ مع وجود أخي أطمئن أكثر وخصوصاً في المناقشات الدينية ، لأن معلوماته الدينية أكثر مني لطبيعة تخصصه .
    وفي يوم من أيام الصيف ، رجعت إلى البيت وسألت عن أخي ، فقالوا لي أنه ذهب إلى الفوعة مع صديقه الفوعاني لزيارة شيخ قادم من إيران . فتعجبت كيف أنه لم ينتظرني وذهب دون إخباري ، فقالوا لي أنه انتظرني كثيراً لكنني تأخرت ، لأنني كنت في حلب أقضي بعض الأعمال . فشاهدت صديقاً لي معه سيارة ، فقلت له هل تعرف الفوعة ، قال نعم أعرفها ، فسألته أن يأتي معي فرحب بذلك وسلكنا طريق حلب إدلب متجهين إلى الفوعة ، وكلي شوق لأقابل الشيخ الفوعاني والذي يدرس في جامعة قم في إيران .
    بعد ساعة تقريباً وصلنا إلى بلدة الفوعة ، وكانت بلدة جميلة تحيط بها كروم التين والزيتون من كل جانب بالإضافة إلى سهولها الحمراء وهوائها اللطيف.
    وعندما وصلنا إلى أول البلدة توقفنا لنسأل عن بيت الشيخ ( ولا نعرف اسمه وإنما قلنا لهم بأنه قادم من إيران حديثاً ) فدلونا عليه مباشرة لأن بيته كان في أول البلدة ، وأخبرونا عن اسمه وكنيته .

    من خلال كلام تلميذي عنه ، كنت أظن أنه شيخ كبير في السن ، إلا أنني عندما قابلته وجدته شاباً في بداية الثلاثينات من عمره ، فاستقبلنا بوجه مبتسم ، ولم تفارق هذه الابتسامة وجهه طالما نحن عنده ، وكان الوقت قبل الظهر بساعتين تقريباً ، لكننا وجدناه متهيئاً للخروج من البيت ، فاستقبلنا وسقانا القهوة ، وقال لنا إن المستشارية الثقافية الإيرانية عندها معرض كتب في مدينة إدلب ، وهو آخر يوم عندهم وسألنا إن كنا نرغب بالذهاب معه لاقتناء بعض الكتب التي يحتاجها هو.
    فسررنا بذلك وذهبنا إلى معرض الكتب الإيراني ، والحقيقة كانت غنية بكتب التفسير والعقائد والتاريخ وغير ذلك ، إلا أنه لم يكن معنا نقوداً كي نشتري شيئاً ، فاشترى الشيخ مجموعة من الكتب ، وعدنا إلى القرية ، وكان قد حضر وقت الصلاة ، فصلينا عنده في البيت جماعة وقد أم الصلاة بنا.
    المهم أنه خلال هذه الزيارة كانت هناك عدة مناقشات بين الشيخ الفوعاني وأخي الشيخ وكنت أشاركهم بعض الأحيان .
    وقد فتحت الحديث أنا بسؤالي الشيخ عن تاريخ مذهبهم وأصله ، فقال الشيخ الفوعاني :

    في الحقيقة إنني لا أرضى بتسميتنا مذهباً في مقابل المذاهب ، إلا أن الظروف السياسية والدينية والاجتماعية تضطرنا لقول ذلك ، كي نتميز عن بقية المذاهب .
    لقد تعجبنا أنا وأخي من هذا الكلام ، فسألته لماذا ؟
    قال : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء بالإسلام من عند الله تعالى ، وأودع علم هذا الدين في أهل بيته عليهم السلام الذين عاشوا معه فغذاهم العلم والأخلاق ، ولم يرحل إلى الرفيق الأعلى حتى أوصى الأمة بالتمسك بكتاب الله وعترته أهل بيته ، فأهل البيت عندهم الإسلام غضاً طرياً من رسول الله صلى الله عليه وآله ، ونحن مذهب الإمامية أخذنا هذا الدين عن أهل البيت عليهم السلام ، فوصَلنا نقياً صافياً رغم ما فيه من بعض الشوائب الروائية إلا أن علماءنا رضوان الله عليهم يصفون ذلك من خلال قواعدهم في علم الرجال والدراية. وأهل البيت ليسوا أناساً مجتهدين في قبال المجتهدين الآخرين ، بل كلامهم هو كلام رسول الله وسنته ، وجاهدوا كثيراً كي يوصلوا هذه السنة إلى كل المسلمين كما هو معروف عن تاريخهم.
    قال أخي : لكن الحديث مقصود به سنة النبي وليس خصوص أهل البيت ، كما أن هناك حديث آخر ، يفسر سنة النبي بأنه هي ما عليه أصحابه صلى الله عليه وسلم.
    قال الشيخ : إن الحديث المروي في كتاب الموطأ للإمام مالك رضي الله عنه جاء فيه لفظ ( سنتي ) بدل ( عترتي أهل بيتي ) وهو حديث ضعيف وإن كان صحيحاً فهو حديث آحاد ، بينما حديث ( عترتي أهل بيت ) حديث متواتر رواه مسلم في صحيحه من عدة طرق ، وأخرجه النسائي في سننه والأثري في ( تخريج خصائص علي ) والبزاز وابن أبي عاصم والحاكم في المستدرك ، ورواه الترمذي في صحيحه والإمام أحمد في مسنده ، كما أخرجه اليعقوبي في تاريخه ، وابن كثير في البداية والنهاية وصححه ، وغير ذلك . وهل يمكن أن نترك الحديث المتواتر ونأخذ بحديث ضعيف وإن صح فهو لا يتعدى أحاديث الآحاد.
    في الحقيقة دهشت لهذا الحديث الشيق ، ولكن كنت أفضل أن يكون أخي هو الطرف لعدم معرفتي بمصطلحات الحديث والفقه كما يعرفها أخي والشيخ .
    قال أخي : لكن النبي صلى الله عليه وآله أمرنا بأن نتبع أصحابه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيها أخذتم اهتديتم " . (الكفاية في علم الرواية ص 48 ) ، كما جاءت تذكيتهم في القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة. ولا معنى لاختصاص السنة بأهل البيت .
    قال الشيخ : أولاً إن صح حديث " أصحابي بمنزلة النجوم " فأنت تعلم بأن الاقتداء يكون بالنجوم الأشد وضوحاً والأكثر تمييزاً ، لا بكل النجوم.
    ثانياً : إن مدح القرآن للصحابة وكذلك النبي صلى الله عليه وآله ، لا يعني أن كل الصحابة عدول يمكن الاعتماد عليهم في أخذ سنة النبي ، فأنت تعلم أنه كان في الصحابة المنافقون وضعاف القلوب والذين أسلموا في آخر أيام النبي ، أو أسلموا حقناً لدمائهم ، والقدر المتيقن منهم هم أهل البيت عليهم السلام لورود الحديث المتواتر بالتمسك بهم ولا ننسى الصحابة الذين ثبتوا على سنة النبي ولم يبدلوا بها شيئاً. ( لقد أفادني الأخ الأستاذ عمار بن ياسر حفظه الله أن هذه الرواية ضعيفة السند فعلا وقد ضعفها الكثير منهم ابن عبد البر القرطبي "في جامع بيان العلم وفضله 2 : 300 مؤسسة الكتب الثقافية – بيروت" كما ضعفها ابن حزم الأندلسي كما في كتاب "الإحكام في أصول الأحكام 6 : 244" ) .
    قال أخي : إن السلف الصالح أخذوا بالمذاهب الأربعة في الفروع وبمذهب الأشعري في أصول الدين، ولو لم تكن أفضل المذاهب لما تمسكوا بها فلماذا لم تأخذوا أنتم بشيء منها ؟
    قال الشيخ : نحن لم نأخذ بهذه المذاهب لعدم الدليل الشرعي على التعبد بهذه المذاهب ، بينما الأدلة الشرعية القطعية تدل على وجوب الأخذ من أهل البيت عليهم السلام، في الفروع والأصول ، كما أن السلف لم يكن مديناً بهذه المذاهب على وجه الحصر ، وخصوصاً في القرون الثلاثة الأولى ، وأنت تعلم أن الأشعري لم يكن موجوداً في تلك القرون لأن ولادة الأشعري كانت في النصف الأخير من القرن الثالث الهجري ومات في النصف الأول من القرن الرابع ، وأقدم إمام من أئمة الفقه هو الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه الذي ولد سنة ثمانين للهجرة وتفي سنة مائة وخمسين . بينما أهل البيت قد عاصروا النبي صلى الله عليه وآله من بداية الوحي وإلى وفاته صلى الله عليه وآله. فلا شيء يوجب علينا العمل بالمذاهب الأربعة ومذهب الأشعري ، بينما القرآن والسنة المتواترة توجب علينا اتباع أهل البيت عليهم السلام.

    في الحقيقة أن هذا الحديث كان فيه تفاصيل كثيرة ، ورغم أنه شدني كثيراً ، إلا أنه لو استرسلنا به فلن يكفينا اليوم بأكمله ، لذا كنا ننتقل من حديث إلى حديث بصورة مختصرة كي نأخذ معلومات عن المذهب الجعفري ونكون فكرة عنه.
    وقد جرى حوار فقهي بين أخي والشيخ الفوعاني في قضية المتعة ، وقرر أخي أن يناقشه في ما ورد من تحريم المتعة في صحيح البخاري فقط. فجاء الشيخ بكتاب صحيح البخاري ، وفوجئت بوجود كتب الصحاح عنده ، بينما لم أر كتاباً واحداً للشيعة عند مشايخنا وأئمتنا.
    المهم أنه فتح الكتاب على أحاديث المتعة ، فاقتنع أخي مع الشيخ بأن صحيح البخاري لا يدل على تحريم المتعة , على ما أذكر الحديث أنه يوجد ثلاث روايات ، رواية لابن عباس ورواية لجابر الأنصاري ورواية لعلي رضي الله عنهم أجمعين ، أما رواية ابن عباس ( كما فصلها الشيخ لأخي ) فلم تكن مسندة إلى النبي صلى الله عليه وآله ، وإنما كانت قولاً لابن عباس وقال عنها الشيخ بأنها مرفوعة وقد تكون رأياً خاصاً لابن عباس فلا تكون حجة . أما رواية علي كرم الله وجهه فإنها تشير إلى أن النبي حرم المتعة ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر ، ورواية جابر الأنصاري رضي الله عنه تقول أن رسول الله قد أحل لكم المتعة ، فقال الشيخ أن رواية علي محددة في زمان وهو زمن خيبر ، بينما رواية جابر عامة وقد يكون التحريم زمن خيبر لخصوصية في ذلك الوقت ، بينما رواية جابر غير مخصصة بزمان ، وإذا قيل بالتعارض بينهما فتسقطان عن الحجية ولا يبقى شيء في كتاب البخاري يدل على تحريم المتعة.
    هكذا أذكر النقاش الفقهي بين أخي والشيخ ، وقد كان حديثاً شيقاً مليئاً بروح الأخوة والمنطق العلمي.


    ------------------
    " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً " ..
    ------------------
    { رب ادخلني مدخل صدق واخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا}
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-08-09
  3. نيغروبونتي

    نيغروبونتي عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-27
    المشاركات:
    538
    الإعجاب :
    0
    قصة انتقالي من المذهب الشافعي إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام

    الكاتب : المفيد
    حرر في 14-06-2000 11:31 Pm



    بسمه تعالى

    كتب أخونا الحلبي 2000 قصة إهتداءه لمذهب اهل البيت عليهم السلام .

    ---------------- بسم الله الرحمن الرحيم ------------------

    " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ".

    إنني أنقل إليكم قصة اختياري لمذهب أهل البيت عليهم السلام محاولاً أن أتذكر الحقائق كما هي إن شاء الله ، وبعد ذلك سوف أطرح بعض الاستفسارات راجياً من الأخوة الأفاضل أن يجيبوني عليها بصورة علمية بعيداً عن الإطناب والتطرف ولنقل بموضوعية إذ تكفيني البراهين مع الأدلة القطعية كي أكون فكرة صحيحة عن الإسلام الصحيح. كما أرجو من الأخوة جميعاً وخصوصاً أخواني من أهل السنة أن لا ينظروا إلى قصتي نظرة تعصب واستغراب ، بل أنصحهم أن يتأملوا بها جيداً ويتقبلوا اختياري الحر للطريق الذي اخترته للوصول إلى السنة النبوية الصحيحة وبالتالي إلى الإٍسلام الصحيح. وليعلم الجميع أنني لست مستعداً لإجابة أي تعليق يخرج عن الآداب الإسلامية والأخلاق العربية. بل أرجو من الرقابة حذف مثل هذه التعليقات كي لا نسود موضوعنا بغير الآداب الإسلامية.
    وأبدأ أولاً بعرض حكايتي منذ كنت سنياً إلى أن اخترت مذهب أهل البيت عليهم السلام.

    لقد عشت في بيئة ريفية في قرية قريبة جداً من مدينة حلب الشهباء في سورية ، ونشأت في وسط إسلامي يتبع مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه. في قريتنا مسجدين كنت أحضر مع أبي صلاة الجمعة كل يوم جمعة في أحد هذه المساجد، ونشأت وأنا لا أعرف شيئاً عن الشيعة إلا ما أسمعه من عوام الناس بأنهم رافضة ويعبدون القرميدة ويسبون الصحابة ويقولون تاه الأمين في صلاتهم ( أخطأ جبرائيل فأعطى الرسالة _النبوة _ لمحمد بدل أن يعطيها لعلي) يلعبون لعبة القبيشة وسوف أفسر لكم هذه المصطلحات في وقتها إن شاء الله. لكنني لم أر شيعياً قط بسبب انشغالي في الدراسة والعمل ولم يكن عندي صدفة ألتقي بها مع شيعي أو أعمل معه ، مع العلم أنه يوجد بالقرب منا منطقتين أهلهما من الشيعة ( نبل والزهراء ). وقد التقيت ببعضهم ولكن في مجالات العمل دون الدخول في مناقشات . وذلك لعدم اهتمامي ولصغر سني . والخطباء الذين عندنا لم يتطرقوا لهذه المواضيع في خطبهم ، بل ولم يتطرقوا لذكر أن هناك مذهب غير المذاهب الأربعة.
    البيئة التي أعيش فيها بيئة ريفية تعتمد على الزارعة والتجارة والأغلب على التجارة بالإضافة إلى الوظائف الرسمية . وفي السنوات الأخيرة توجهوا إلى التجارة وكثرت المشاكل العائلية والاجتماعية فيما بينهم ، وكل يوم نسمع بفلان حلف على زوجته بالطلاق الثلاثي ، ويبحث عن رجل ليتزوجها كي تحل له ثانية ، وكثرت هذه المشاكل ، وكنت أسمع بها إلا أنني كنت أنفر منها ، ومرة سألت إمام لجامع عندنا ، هل هذا الأمر شرعي يقبله الإسلام، بمجرد أن أحلف بالطلاق يتم الطلاق ، وثلاث مرات دفعة واحدة ، فكان جوابه نعم ، إن الطلاق يقع ولا يحق له أن يرجعها حتى تنكح شخصاً آخر ثم يطلقها . وعندما أصبحت أعمل وأتردد إلى مدينة حلب وجدت أن هذه المشكلة عامة في مجتمعنا في سورية ، وأكثر حوادث الطلاق عندنا تكون عن هذه الطريقة ووجدت أن بعض الناس يسمون عملية التحليل ( التجحيش ) فيقولون أخذ زوجته (مطلقته ) كي يجحشها . وكنت أتعجب من هذه التسمية ، وعندما سألت الإمام عنها قال اسمها التحليل وهذه التسمية من بعض المشنعين ويستعملها الناس.
    المهم نلت شهادة الثانوية العامة ، ثم التحقت بالجامعة في حلب ، وهناك التقيت ببعض الطلاب الشيعة ، لكن أكثر ما كنت أعرفه أنهم شيعة إما من الفوعة أو من نبل أو من حمص ، إلا أن لقاءاتي بهم كانت قليلة لا تتعدى مجال اللقاء خلال الدرس في قاعة المحاضرات.
    ----------------------------
    عندما بدأت الدراسة الجامعية اتسعت آفاق المعرفة عندي وأخذت بتثقيف نفسي بالثقافة العامة ، والثقافة الدينية والأدبية وغير ذلك ، وأصبحت أتأمل في الأمور الإسلامية أكثر ، وأتساءل دائماً ، لماذا وصل الحال بالإسلام إلى هذا الحد من الضعف في القوة والفكر ، لماذا التعددية بالمذاهب في الإسلام ، أصبحت أراجع تاريخ المذاهب الإسلامية وأطالع كتب التاريخ الإسلامي ، وكلما طالعت كتاباً ( بحسب ما تسمح لي ظروف دراستي ) كلما كثرت الإشكالات والاستفسارات في ذهني . وكنت أسأل أئمة الجوامع عندنا عن بعضها ، إلا أن أجوبتهم لم تكن مقنعة فتزداد التساؤلات وتتعقد الأفكار . ولكن لم أشأ أن أشغل ذهني بما يشغلني عن دراستي الجامعية ، إلى أن أنهيت السنين الأربع بتفوق ودرست سنة بعد ذلك ( دبلوم ) وتعينت معيداً في جامعة حلب . عند ذلك قررت أن أعطي الوقت كي أصل إلى الحقائق حول أسئلتي التي تتعلق بالدين .
    وأهم سؤال كان يختلج في ذهني ، لماذا أنا شافعي المذهب ، ولماذا تنحصر المذاهب الإسلامية بأربع مذاهب ؟ وكيف تكونت المذاهب ؟
    فالإسلام واحد ، والنبي واحد ، والقرآن واحد ، فلماذا هذا التعدد بالمذاهب ! والإشكال الذي كان يقلني هو أنني بعد أن اطلعت على تاريخ أئمة المذاهب وجدت أن أول إمام منهم وهو الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه قد توفي سنة 150 للهجرة ، ثم الإمام مالك بعده بأكثر من عشرين سنة ثم الإمام الشافعي ثم الإمام أحمد رضوان الله عليهم . فأقصر فاصل زمني بين الإمام الأول والنبي صلى الله عليه وآله هو 150 سنة ، ولو قلنا أن حياته كانت أقرب فيكون الفاصل الزمني على الأقل سبعين سنة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله.
    فأئمة المذاهب من التابعين وعلى الأغلب من تابعي التابعين .
    لماذا ؟ هل الدين كان مختلفاً ؟
    هل النبي جاء بأربعة رسائل إلهية ؟
    ولماذا لم تسم هذه المذاهب بأسماء الصحابة المقربين من النبي ؟
    وتساؤلات كثيرة جداً ، وبما أنني كنت أسمع أنه يوجد مذهب آخر هم الشيعة ، ذهبت لأسأل إمام الجامع عندنا ، وهو من خريجي كلية الشريعة في دمشق ، وجرى بيني وبينه الحوار التالي :
    قلت : هل يوجد مذاهب غير المذاهب الأربعة ؟
    قال : نعم ، لكنها مذاهب باطلة ، منحرفة عن الإسلام .
    قلت : كيف حكمتم أنها منحرفة ، هل في ذلك حديث أو قرآن ؟
    قال : لا ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: إنني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي. وبقية المذاهب لم تتمسك بالسنة الصحيحة.
    قلت : إنني أسمع بالشيعة ، فهل هو مذهب ***** ؟
    قال : نعم ، إنه أشد المذاهب انحرافاً ، فإنهم يرفضون السنة ، ويسبون الصحابة الذين مدحهم الله في كتابه الكريم ومدحهم النبي صلى الله عليه وسلم ؟
    قلت : إذا كانوا يرفضون السنة إذن من أين يأتون بأفكارهم الإسلامية ، وهل القرآن يكفيهم لذلك ؟
    قال : بل حتى القرآن لا يؤمنون به ، فهم يقولون بتحريف هذا القرآن الذي بين أيدينا ، كما أنهم يدعون أن عندهم قرآناً آخر .
    قلت : ومن أين كان لهم القرآن الآخر ، هل النبي نزل عليه قرآنان ؟
    قال : لا ، إلا أنهم يدعون أن عندهم قرآن فاطمة وليس فيه حرفاً واحداً مما في قرآننا هذا .
    قلت : أعوذ بالله ، ومن أين جاء هؤلاء بهذه الأفكار ؟
    قال : من كتبهم الكاذبة وغلوهم بحب علي كرم الله وجهه وأولاده .
    قلت : وهل هذا المذهب كمذاهبنا الأربعة نشأ بعد وفاة النبي والصحابة ؟
    قال : إن أصل هذا المذهب يرجع إلى زمن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه عن طريق يهودي بغيض اسمه عبد الله بن سبأ ، ادعى الإسلام وبدأ يبث أفكاره اليهودية فيه ، وكان له أنصار وأتباع استطاعوا أن يؤثروا في نفوس الناس حتى قتلوا عثمان ، ثم تسبب ابن سبأ في معركة الجمل بعد أن كادت المصالحة تتم ، ومن ذلك الحين أخذ محبو علي يأخذون أفكارهم عن ابن سبأ بما فيها من غلو في أهل البيت وأفكار يهودية حتى نشأ ما يسمى بالشيعة اليوم.
    قلت : وهل يستطيع رجل واحد كابن سبأ أن يسيطر على الصحابة ويتغلب بأفكاره عليهم ليقتلوا عثمان رضي الله عنه ثم يشعل حرب الجمل بين المبشرين بالجنة.
    قال : نعم ، لقد تأثر به بعض الصحابة والتابعين وأخذوا بأفكاره .
    قلت : وكيف يتأثر به الصحابة وهم أخذوا الدين عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة ، وهل هو أعلم بالدين منهم ؟
    قال : يا بني ، إنك تسأل أسئلة كثيرة ، ولا تحتاج إلى كل هذه التفصيلات ، وأنصحك أن تقرأ التاريخ وخصوصاً تاريخ الصحابة ولكن من دون أن تسأل لماذا حدث هذا أو ذاك ، لأن كثرة التساؤلات تؤدي بك إلى الانحراف ، والصحابة قد رضي الله عنهم جميعاً وغفر ذنوبهم . المهم أن تؤدي صلاتك وصومك وواجباتك اتجاه الله ودينك .
    قلت : أنت تعرف بأنني جامعي وأستاذ جامعة ، وهناك أمور لا تدخل العقل ، فلا بد لنا من الاستفسار عنها كي نعلم حقيقتها ، وإلا يسيطر الجهل علينا .
    قال : نعم ، ولكن هذه أحداث مضت ، وأصحابها ماتوا ، والنظر فيها لا يؤدي إلا إلى الخلاف والانحراف ، تمسك بدينك جيداً وأد واجباتك الدينية وهذا يكفيك .
    قلت : وهل يجوز لي اختيار المذهب الذي أراه صحيحاً ؟
    قال : تستطيع أن تختار أحد هذه المذاهب الأربعة فقط ، أما غيرها فلا يجوز .
    قلت : وهل يوجد دليل على انحصار المذاهب بهذه الأربعة فقط؟
    قال : نعم .
    قلت : وما هو ؟
    قال : إجماع علماء السلف والخلف .
    قلت : كيف يتحقق الإجماع وهناك الكثير من المذاهب الأخرى .
    قال : قلت لك ، تلك المذاهب منحرفة عن الإسلام وخارجة عنه .
    وعندما وصل الحديث بنا إلى هذه النقطة رأيت أن وجهه قد تغير ، وعلامات الغضب ظهرت من خلال حديثه وتصرفاته ، فرجحت أن أوقف الحديث معه ، ريثما تتهيأ فرصة أخرى ، أو أجتمع مع عالم آخر ، يشفي غليلي.
    ____________________________________
    إن حديثي مع الشيخ زادني شوقاً كي أتعرف على مذهب الروافض ، كي أتعرف على قرآنهم وأفكارهم ، شدني الشوق إلى أن أذهب إلى مدينة نبل ، لأرى الشيعة هناك على حقيقتهم كيف يعيشون ، وكيف يصلون ، وكيف يقولون ( تاه الأمين ) في نهاية الصلاة .
    وذات يوم ، وأنا ألقي محاضرتي في الجامعة بين طلابي ، أعجبني طالب من خلال مناقشاته الذكية ، والذي شدني إليه توازنه وأخلاقه العالية في التعامل مع الأستاذ والطلاب ، إذ رأيت أن كل الطلاب والطالبات يحترمونه ، وقد أرسل لحيته قليلاً ، تدل ملامحه على أنه من أهل التقوى ، ويندر أن تشاهد بين طلاب الجامعة طالباً متزناً وملتزماً بالأخلاق الإسلامية .
    جاءني ذات يوم بعد المحاضرة يسألني عن سؤال ، فمشيت معه خارج القاعة قليلاً وبعد أن أنهينا المناقشة سألته عن موطنه ، فقال أنه من الفوعة ، ثم سألته عن موقعها ، فأجابني أنها قرية كبيرة ( بلدة ) تقع قريب مدينة إدلب ، بين حلب وإدلب ، فعرفت أنها قريبة منا فهي تبعد عن حلب حوالي خمسين كيلو متراً ، فسألته عن المذهب عندهم ، فقال أن مذهبهم في كل القرية هو المذهب الجعفري ، فتعجبت وقلت له بأنني لم أسمع بهذا المذهب من قبل ، فقال : نحن شيعة اثني عشرية ، قلت له إذن أنتم من الشيعة الروافض ؟ فتبسم بكل هدوء وقال : نعم من الشيعة الروافض ويقولون لنا المتاولة أيضاً ! سألته عن معنى المتاولة فقال يقولون للشيعي متوالي أي موالي وهذا اللقب بسبب موالاتنا لأهل البيت عليهم السلام . فحدثتني نفسي بأن هذه هي الفرصة التي أنتظرها ، وبما أنه ملتزم حتماً عنده قرآن ويصلي ، فسوف أستغل الفرصة وأذهب معه إلى محل سكنه دون أن أعطيه الفرصة للاستعداد لأي شيء ( لأني سمعت أنهم يستعملون التقية ) أي يكذبون ويظهرون غير الذي يبطنون.
    فسألته عن محل سكنه فأجابني أنه يسكن في المدينة الجامعية ، فطلبت منه أن نشرب عنده الشاي ، وكان وقت المغرب قد دخل . فأجابني بكل سرور وفضل وكان سعيداً جداً بذلك.

    ذهبت معه إلى غرفته ، وكان يقيم معه شخص آخر من محافظة حمص عرفت بعد ذلك أنه شيعي أيضاً ، إلا أنه لم يكن موجوداً عندما ذهبنا إلى الغرفة ، وإنما التحق بنا فيما بعد. المهم عندما وصلنا الغرفة وجدت كتابين فوق السرير أحدهما فوق الآخر، من شكلهما ظننت أنهما نسختان من القرآن الكريم . قلت هل تسمح برؤية هذين الكتابين ، وكنت جالساً على السرير ، فقال بكل سرور، أخذت الأول وإذا هو القرآن الكريم فعلاً ، قلت في نفسي إذن هذا هو قرآنهم ، تصفحت به وإذا به نفس القرآن الذي عندنا ، تأملت بالطبعة وإذا بها طبعة دار ابن كثير في دمشق مع تأييد لجان إسلامية معتبرة كما هو معروف في طباعة القرآن الكريم في كل البلاد العربية.
    فقلت في نفسي لعله الكتاب الثاني هو قرآنهم ، أخذته وإذا مكتوب عليه ( مفاتيح الجنان ) تأملت به وإذا به كتاب أدعية وزيارات . ثم استأذن مني كي يصلي صلاة المغرب ، فقلت له أنني على غير وضوء الآن وملابسي نجسة صلِّ أنت وأنا أقرأ في هذا الكتاب. فبدأ بصلاته وأنا أراقبه كيف يصلي ، وإذ به يمد سجادة صلاة وكان في داخلها قطعة لم أعرف ما هي لكني فهمت أنها القرميدة التي سمعت عنها بأنهم يعبدونها ، فكبر تكبيرة الإحرام ، وكان يجهر في ذكر الركوع والسجود وكل شيء ، فلم أسمع إلا أ دعية وذكراً لله ، وكلي شوق كي أسمع منه مقولة ( تاه الأمين )، إلا أنه بعد أن أنهى صلاته وقال التسليم ، قال ثلاث مرات ( الله أكبر ) ثم قرأ دعاء وانتهى ، ثم قام وأقام الصلاة ثانية وكبر لصلاة جديدة فظننت أنه يصلي السنن ، إلا أنه صلى أربع ركعات متواصلة ، ففهمت أنه صلى العشاء .
    وبعد أن انتهى فعل كما فعل في صلاة المغرب ولم أسمع منه كلمة ( تاه الأمين ) . بعد ذلك حضر الشاي وجلسنا نشرب ونتحدث ، ثم سألته عن بعض الأمور وكان الحوار التالي فيما بيننا :
    قلت : هل تصلي بقية الصلوات كما صليت الآن ؟
    قال : نعم ، إلا أنه في صلاة الظهر والعصر نخفت في قراءة السور في الركعتين الأوليين .
    قلت : لماذا صليت المغرب والعشاء معاً ؟
    قال : في مذهبنا يجوز الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء ، وبين صلاتي الظهر والعصر.
    قلت : ولماذا ، أليس هذا مخالف للسنة ؟ الصلوات خمس ولكل صلاة وقت !
    قال : نعم لكل صلاة وقت ، لكن علماؤنا يقولون أنه يجوز الجمع .
    قلت : هل يوجد دليل على ذلك ؟
    قال : علماؤنا يقولون أنه يوجد دليل ، ولكن أنا بصراحة لا أعرف ما هو الدليل ، وقد علمنا الشيخ يوماً بأنه يوجد الدليل من القرآن والسنة لكني أتذكر الآية فقط وهي قوله تعالى "أقم الصلاة من دلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا" فهذه الآية لم تذكر سوى ثلاث أوقات للصلاة. أما الأحاديث فيمكن أن أسأل لك مشايخنا عنها لأن هذا من اختصاص العلماء ، ونحن نقلدهم فقط.
    قلت : تقلدونهم ، وكم عالم عندكم حتى تقلدوهم ، هل يوجد عندكم اختلاف أيضاً ، ويوجد لكل عالم مذهب مستقل بنفسه؟
    قال : لا ، مذهبنا واحد في العقائد وأئمتنا اثني عشر إماماً معصوماً ، إلا أن علماءنا ينظرون بالأدلة الشرعية الفقهية ويصدرون الفتوى ، ونحن علينا أن نقلد أعلم الأحياء.
    قلت : ما هو اسم العالم الذي تقلده الآن ؟
    قال : السيد أبو القاسم الخوئي رحمه الله .
    قلت : وفي أي قرن عاش هذا العالم .
    قال : إنه معاصر ، مات قبل خمس أو ست سنين.
    قلت : في أي صلاة تقولون ( تاه الأمين ) ؟
    قال مبتسماً : نحن لا نقول هذه الكلمة ، أبداً .
    قلت : ولكنكم تقولونها .
    قال : وممن سمعتها ؟!
    قلت : سمعتها من الناس يقولون أنكم تقولون ذلك في صلاتكم .
    قال : وهل سمعت شيعياً يقولها ؟
    قلت : أنت أول شيعي رأيته يصلي أمامي.
    قال : وهل سمعتني قلتها ؟
    قلت : لا ، لكنك لعله لم تقلها لأنني موجود .
    قال : إن هذه الكلمة لم أسمعها إلا من أهل السنة يتهمون بها الشيعة ، ولكن لم أسمع أحداً من الشيعة يقولها ، رغم أنني أصلي صلاة الجماعة في قريتنا مع العلماء ويعلموننا الصلاة ، ولم أسمع أحداً يعلمنا إياها . وبإمكانك أن تذهب إلى أي قرية شيعية وتتأكد بنفسك.
    قلت : وهذه القرميدة ، لماذا تعبدونها ؟
    قال : أولاً هذه ليست قرميدة ، وإنما هي قطعة من الطين مأخوذة من تربة كربلاء أو مشهد الإمام الرضا أو أي مكان مقدس . ثانياً نحن لا نعبد إلا الله تعالى ، وإنما نسجد على هذه التربة لأنه يفضل السجود على الأرض .
    قلت : يمكن أن أراها ؟ فأراني إياها ، ثم أخذها ووضعها في كأس ماء وإذا بها تذوب مع الماء .
    فقال : هل القرميدة تذوب في الماء ؟
    قلت : لا ، لقد صدقتك بدون حاجة لأن تذيبها ، فكيف ستصلي مرة أخرى ؟
    قال : لا يهم ، أصلي على قطعة خشب أو ورقة أو أي شيء يجوز السجود عليه .
    قلت : وأين قرآنكم ؟
    قال : هذا الذي بين يديك.
    قلت : هذا قرآننا نحن !
    قال : لا يوجد عندنا أي قرآن غير هذا ، ولم أسمع أنه عندنا غيره ، ونحن في الفوعة نحفظ هذا القرآن ، والعلماء يعلموننا هذا القرآن ويفسرونه لنا .
    قلت : ولماذا تسبون الصحابة ؟
    قال : بعمري لم أسب صحابياً.
    قلت : بل تسبونهم .
    قال : نعم ، أسمع بعض الناس يسبون بعض الصحابة وليس كل الصحابة.
    قلت : لماذا ؟
    قال : لأنهم اغتصبوا الحق من أهل البيت في الخلاقة ، ولأنهم ضربوا فاطمة الزهراء عليها السلام وأسقطوا جنينها. ولكن هذا لا يكون إلا من عوام الناس.
    قلت : وهل الخلافة هي واجبة بعد النبي لأهل البيت ؟
    قال : نعم ، نحن الشيعة نؤمن بذلك وأن الله ورسوله عينوا علياً ليكون خليفة بعد النبي ثم الحسن والحسين ، ومن بعد الحسين الأئمة التسعة من أولاد الحسين.
    قلت : وما هو الدليل على ذلك .
    قال : لو سمحت يا أستاذ ، لست متخصصاً بعلوم الدين ، عندنا علماء يمكن أن يجيبوك على كل أسئلتك بالتفصيل ومع الدليل. فأنا لا أعرف غير الذي يعلموننا إياه . والذي أعرفه أن النبي صلى الله عليه وآله عين علياً عليه السلام يوم غدير خم بعد حجة الوداع وقال في خطبة له " من كنت مولاه فهذا علي مولاه " وقد بايعه الصحابة على ذلك . وقال أيضاً في حديث الثقلين " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي " .
    قلت : هذا الحديث ليس هكذا ، إنه " وسنتي " وليس أهل بيتي .
    قال : يقول علماؤنا ، أن هذا الحديث موجود بكتب أهل السنة كما قرأته لك ، ويقولون أنه موجود في صحيح مسلم والكتب المعتبرة بهذا النحو ، على أي حال كما قلت لك فهذا الأمر من اختصاص العلماء .
    قلت : وهل عندكم علماء مقيمين في القرية ؟
    قال : عندنا عدة علماء منهم من هو مقيم بشكل دائم ، ومنهم من يأتي في الصيف أو شهر رمضان ، لأنه يتابع دراسته في إيران.
    قلت : سوف نحاول إن شاء الله أن نذهب معاً إلى قريتكم ونلتقي مع علمائكم هناك.
    قال : على الرحب والسعة وسوف تلقى صدراً واسعاً ، وأذنا صاغية0 والذي أتمناه أن تأتي عندنا في الصيف لأن معظم علمائنا يكونون حاضرين في القرية وخصوصاً الذي يدرسون في إيران. فإن الشيخ الذي علمني الدين سوف يأتي أيضاً.
    قلت : إن شاء الله.
    ثم دخل علينا زميله الذي يسكن معه بالغرفة ، وتعرفت عليه فكان شيعيا من حمص إلا أن معلوماته كانت أقل من زميله.

    بعد هذا اللقاء السريع ، أخذت أفكر بكلام التلميذ ، هل ما قاله تقية أم صحيح ؟
    هل كذب علي أم فعلاً هذه هي حقيقتهم ؟
    تساؤلات أخذت أطرحها على نفسي وأنا متحير بين الحقيقة والتزوير. بين الحق والباطل .

    ذهبت يوم الجمعة بعد الصلاة إلى إمام الجامع عندنا وأخبرته عما حصل بيني وبين تلميذي الفوعاني ، وإذا بالجواب أنه كذاب استعمل معك التقية ، وإياك أن تخوض بالحديث معهم ثانية .
    فقلت له : يا أستاذ ، إنك تتحدث مع أستاذ جامعة ، وهل يمكن لتلميذ أن يغلبني ويضلني ! فأجاب إن هؤلاء يعلّمون أبناءهم الجدل والحوار فلا أنصحك بذلك . ثم سألته عن حديث الثقلين كما رواه لي التلميذ ، لكن الشيخ قال هذا خطأ ، وإنما الحديث سنتي لا أهل بيتي . وسألته عن حديث الغدير ، فقال نعم هذا الحديث موجود إلا أن السلف قد فسروه بأن المقصود من كلمة ( مولى ) هو المحب لا أنها القيادة والخلافة .
    بعد ذلك حاولت أن أطالع الحديث من كتب الحديث وتذكرت بأن التلميذ قال لي بأن حديث الثقلين موجود في صحيح مسلم . راجعت صحيح مسلم فوجدت الحديث فعلاً كما قرأه التلميذ بلفظ " عترتي أهل بيتي " . وعندما راجعت شيخنا قال لي أن المقصود من عترتي هي السنة وما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
    لكن في الحقيقة لم أقتنع بهذا الجواب لأن لفظ العترة يختلف تماماً عن لفظ السنة ، وعندما سألت الشيخ عن ذلك ، قال لي يا بني لقد ورد الحديث باللفظين ، إلا أنه المقصود هو سنة النبي وما كان عليه أصحابه ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال " أصحابي كالنجوم من اقتدى بشيء منها اهتدى " (ميزان الاعتدال للذهبي 1: 413 طبه دار المعرفة بيروت). ونحن تمسكنا بهذه السنة والحمد لله ، فما بالك تضيع وقتك بأفكار ضالة يؤمن بها أهل الضلالة والانحراف .
    إن أسلوب الشيخ في معالجة النقاش لم تعجبني ، وقد كان هذا الأسلوب يتبعه معظم المشايخ الذين سألتهم عن هذا الموضوع ، فإنهم متفقون على أن الشيعة روافض ، بل قرأت بعد ذلك في كتاب وزع على الحجاج يتضمن فتاوى لعلماء الوهابية في السعودية ، بأن الشيعة كفار لا تحل ذبائحهم .

    وبقيت على هذه الحالة إلى أن انتهت السنة الدراسية وجاء فصل الصيف ، وازداد احترامي لتلميذي الفوعاني لما يحمل من ثقافة وأخلاق عالية . وقبل نهاية السنة قلت له بأن يخبرني إذا جاء شيخه من إيران كي نقوم بزيارة قريتهم ، فوعدني بذلك وافترقنا.
    ------------------------

    انتقدني أحد الأخوة سامحه الله (خلال عرضي للموضوع في شبكة الحق الثقافية) ، بأنه أي أخلاق رأيتها في التلميذ الشيعي حتى أعجب بها !
    فأقول له أن هذا التلميذ كان مثال الصدق والاحترام لأساتذته وزملائه بالإضافة إلى أنه يصوم ويصلي ولا يتبع ما يتبعه شباب الجامعة عندما يأتون إلى الجامعة من مشاكل مع الطالبات وأعمال المراهقين ، كان الكل يحترمه كأخ لهم والكل يهاب جانبه ، بالإضافة إلى لسانه الطيب وكرمه الواسع .
    وهل هذه هي إلا أخلاق الإسلام ؟!

    على أي حال
    عندما ابتدأت العطلة الصيفية انشغلت بتصحيح أوراق الامتحان مدة من الزمن ، وفي هذه الأثناء ، عاد أخي الأصغر مني سناً من مصر ، منهياً امتحاناته للسنة الثالثة في جامعة الأزهر قسم الشريعة ، ففرحت بعودته كثيراً ، كي أسأله عما يدور في داخلي من خواطر وأسئلة تحتاج إلى جواب مقنع .
    سألت أخي الأزهري يوماً ، هل تعرف مذهباً اسمه مذهب الإمام جعفر الصادق ؟
    فقال لي : نعم ، إن هذا المذهب اعترفوا به في جامعة الأزهر زمن شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت وأفتى بجواز العمل به بالإضافة إلى المذاهب الأربعة.
    قلت له : ما رأيك فيه ؟
    قال : إنه مذهب جيد إلا أن فيه انحرافات كثيرة ، فقهية وعقائدية .
    قلت : مثل ماذا ؟
    قال : من الناحية الفقهية ، يقولون بالمتعة التي حرمها الله ورسوله ، ويمسحون على أرجلهم في الوضوء خلافاً للسنة ، ويجمعون بين صلاتي الظهر والعصر وصلاتي المغرب والعشاء، وبعض المسائل الأخرى .
    ومن الناحية العقائدية ، يقولون بولاية أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ، وأن خلافة الثلاثة رضي الله عنهم كانت غير شرعية ، ويقولون بالرجعة ، ويغالون في أهل البيت فيقولون بعصمتهم وبأنهم أفضل من الأنبياء ، ويسبون الصحابة ولا يؤمنون بعدالتهم . بالإضافة إلى الخلافات فيما بيننا في صفات الله تعالى ، كما أنهم لا يقولون بالجبر وإنما يقولون بأن الإنسان مخير لا مسير.
    قلت : وهل الإيمان بهذه الأمور يخرج الإنسان عن الإسلام ؟
    قال : لا ، فمن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فهو مسلم .
    قلت : كيف يفتون بحرمة ذبائحهم وحرمة نكاحهم وهم مسلمون ؟
    قال : ومن أفتى بذلك ؟
    قلت : قرأت كتاباً أتى به الحجاج من الحج صادر عن لجنة الإفتاء في السعودية ، يفتون به بذلك.
    قال : ومن هؤلاء حتى يفتون ؟! فإن هؤلاء عندهم كل المسلمين مشركون. لم أجد مثل هذه الفتاوى في مصر أبداً .
    قلت : وهل صحيح أن الشيعة يقولون ( تاه الأمين ) في صلاتهم .
    قال : لقد سمعت هذا من الناس ، إلا أنني لم أقرأ ذلك في كتاب فقهي .
    قلت : وهل صحيح أن عندهم قرآن غير قرآننا هذا .
    قال : يقولون أن عندهم مصحف فاطمة وأنه لا يوجد فيه شيئاً من قرآننا هذا . كما أنهم يعتقدون بتحريف القرآن الذي بين أيدينا وأنه ناقص .
    قلت : وأنت هل تصدق ذلك عنهم ؟
    قال : في الحقيقة إنني قرأت ذلك عنهم ، وعندهم روايات في مصادرهم تقول ذلك . لكنني لم أقابل أحداً من علمائهم كي نعرف حقيقة الأمر بالضبط ، فالأخبار الصحيحة يجب أن تؤخذ من مصادرها الحقيقية لا من الذين يكتبون عنهم .

    وأخذنا نتحدث عن أمور إسلامية كثيرة ، وكانت ردود أخي منطقية أكثر من إمام الجامع عندنا . وسألته مرة ، بأنه هل يجوز لي أن أعمل وفق المذهب الجعفري ؟ فأجابني بأنه في الفقه نعم ، أما في الأصول فلا .
    قلت له لماذا ؟ فقال : لأن أصولهم منحرفة وفيها أمور كثيرة مخالفة للقرآن والسنة.
    قلت له : وهل يجب علي أن أتبع الأشعري في الأصول .
    قال : نعم ، لأنه مطابق لما عليه السلف من الصحابة والتابعين.
    قلت : إذن لي الاختيار من الناحية الفقهية ، لكن ليس لي الخيار من الناحية العقائدية؟
    قال : نعم .
    قلت : هل تحب أن تقابل علماء الشيعة ؟
    قال : نعم أحب ذلك ، كي أسمع منهم عن أفكارهم ، وأناقشهم ببعض المسائل ، عساهم يبصرون الحق .
    فأخبرته أن أحد تلامذتي يريد أن يدعوني لزيارة الفوعة ، وسألته إن كان يحب أن يأتي معي ، فقال لي بأن له صديقاً من الفوعة قد يأتي لزيارته كي يسلم عليه بعد مجيئه من مصر ولعله يغتنم الفرصة لزيارة الفوعة .
    ففرحت بذلك ، إذ مع وجود أخي أطمئن أكثر وخصوصاً في المناقشات الدينية ، لأن معلوماته الدينية أكثر مني لطبيعة تخصصه .
    وفي يوم من أيام الصيف ، رجعت إلى البيت وسألت عن أخي ، فقالوا لي أنه ذهب إلى الفوعة مع صديقه الفوعاني لزيارة شيخ قادم من إيران . فتعجبت كيف أنه لم ينتظرني وذهب دون إخباري ، فقالوا لي أنه انتظرني كثيراً لكنني تأخرت ، لأنني كنت في حلب أقضي بعض الأعمال . فشاهدت صديقاً لي معه سيارة ، فقلت له هل تعرف الفوعة ، قال نعم أعرفها ، فسألته أن يأتي معي فرحب بذلك وسلكنا طريق حلب إدلب متجهين إلى الفوعة ، وكلي شوق لأقابل الشيخ الفوعاني والذي يدرس في جامعة قم في إيران .
    بعد ساعة تقريباً وصلنا إلى بلدة الفوعة ، وكانت بلدة جميلة تحيط بها كروم التين والزيتون من كل جانب بالإضافة إلى سهولها الحمراء وهوائها اللطيف.
    وعندما وصلنا إلى أول البلدة توقفنا لنسأل عن بيت الشيخ ( ولا نعرف اسمه وإنما قلنا لهم بأنه قادم من إيران حديثاً ) فدلونا عليه مباشرة لأن بيته كان في أول البلدة ، وأخبرونا عن اسمه وكنيته .

    من خلال كلام تلميذي عنه ، كنت أظن أنه شيخ كبير في السن ، إلا أنني عندما قابلته وجدته شاباً في بداية الثلاثينات من عمره ، فاستقبلنا بوجه مبتسم ، ولم تفارق هذه الابتسامة وجهه طالما نحن عنده ، وكان الوقت قبل الظهر بساعتين تقريباً ، لكننا وجدناه متهيئاً للخروج من البيت ، فاستقبلنا وسقانا القهوة ، وقال لنا إن المستشارية الثقافية الإيرانية عندها معرض كتب في مدينة إدلب ، وهو آخر يوم عندهم وسألنا إن كنا نرغب بالذهاب معه لاقتناء بعض الكتب التي يحتاجها هو.
    فسررنا بذلك وذهبنا إلى معرض الكتب الإيراني ، والحقيقة كانت غنية بكتب التفسير والعقائد والتاريخ وغير ذلك ، إلا أنه لم يكن معنا نقوداً كي نشتري شيئاً ، فاشترى الشيخ مجموعة من الكتب ، وعدنا إلى القرية ، وكان قد حضر وقت الصلاة ، فصلينا عنده في البيت جماعة وقد أم الصلاة بنا.
    المهم أنه خلال هذه الزيارة كانت هناك عدة مناقشات بين الشيخ الفوعاني وأخي الشيخ وكنت أشاركهم بعض الأحيان .
    وقد فتحت الحديث أنا بسؤالي الشيخ عن تاريخ مذهبهم وأصله ، فقال الشيخ الفوعاني :

    في الحقيقة إنني لا أرضى بتسميتنا مذهباً في مقابل المذاهب ، إلا أن الظروف السياسية والدينية والاجتماعية تضطرنا لقول ذلك ، كي نتميز عن بقية المذاهب .
    لقد تعجبنا أنا وأخي من هذا الكلام ، فسألته لماذا ؟
    قال : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء بالإسلام من عند الله تعالى ، وأودع علم هذا الدين في أهل بيته عليهم السلام الذين عاشوا معه فغذاهم العلم والأخلاق ، ولم يرحل إلى الرفيق الأعلى حتى أوصى الأمة بالتمسك بكتاب الله وعترته أهل بيته ، فأهل البيت عندهم الإسلام غضاً طرياً من رسول الله صلى الله عليه وآله ، ونحن مذهب الإمامية أخذنا هذا الدين عن أهل البيت عليهم السلام ، فوصَلنا نقياً صافياً رغم ما فيه من بعض الشوائب الروائية إلا أن علماءنا رضوان الله عليهم يصفون ذلك من خلال قواعدهم في علم الرجال والدراية. وأهل البيت ليسوا أناساً مجتهدين في قبال المجتهدين الآخرين ، بل كلامهم هو كلام رسول الله وسنته ، وجاهدوا كثيراً كي يوصلوا هذه السنة إلى كل المسلمين كما هو معروف عن تاريخهم.
    قال أخي : لكن الحديث مقصود به سنة النبي وليس خصوص أهل البيت ، كما أن هناك حديث آخر ، يفسر سنة النبي بأنه هي ما عليه أصحابه صلى الله عليه وسلم.
    قال الشيخ : إن الحديث المروي في كتاب الموطأ للإمام مالك رضي الله عنه جاء فيه لفظ ( سنتي ) بدل ( عترتي أهل بيتي ) وهو حديث ضعيف وإن كان صحيحاً فهو حديث آحاد ، بينما حديث ( عترتي أهل بيت ) حديث متواتر رواه مسلم في صحيحه من عدة طرق ، وأخرجه النسائي في سننه والأثري في ( تخريج خصائص علي ) والبزاز وابن أبي عاصم والحاكم في المستدرك ، ورواه الترمذي في صحيحه والإمام أحمد في مسنده ، كما أخرجه اليعقوبي في تاريخه ، وابن كثير في البداية والنهاية وصححه ، وغير ذلك . وهل يمكن أن نترك الحديث المتواتر ونأخذ بحديث ضعيف وإن صح فهو لا يتعدى أحاديث الآحاد.
    في الحقيقة دهشت لهذا الحديث الشيق ، ولكن كنت أفضل أن يكون أخي هو الطرف لعدم معرفتي بمصطلحات الحديث والفقه كما يعرفها أخي والشيخ .
    قال أخي : لكن النبي صلى الله عليه وآله أمرنا بأن نتبع أصحابه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيها أخذتم اهتديتم " . (الكفاية في علم الرواية ص 48 ) ، كما جاءت تذكيتهم في القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة. ولا معنى لاختصاص السنة بأهل البيت .
    قال الشيخ : أولاً إن صح حديث " أصحابي بمنزلة النجوم " فأنت تعلم بأن الاقتداء يكون بالنجوم الأشد وضوحاً والأكثر تمييزاً ، لا بكل النجوم.
    ثانياً : إن مدح القرآن للصحابة وكذلك النبي صلى الله عليه وآله ، لا يعني أن كل الصحابة عدول يمكن الاعتماد عليهم في أخذ سنة النبي ، فأنت تعلم أنه كان في الصحابة المنافقون وضعاف القلوب والذين أسلموا في آخر أيام النبي ، أو أسلموا حقناً لدمائهم ، والقدر المتيقن منهم هم أهل البيت عليهم السلام لورود الحديث المتواتر بالتمسك بهم ولا ننسى الصحابة الذين ثبتوا على سنة النبي ولم يبدلوا بها شيئاً. ( لقد أفادني الأخ الأستاذ عمار بن ياسر حفظه الله أن هذه الرواية ضعيفة السند فعلا وقد ضعفها الكثير منهم ابن عبد البر القرطبي "في جامع بيان العلم وفضله 2 : 300 مؤسسة الكتب الثقافية – بيروت" كما ضعفها ابن حزم الأندلسي كما في كتاب "الإحكام في أصول الأحكام 6 : 244" ) .
    قال أخي : إن السلف الصالح أخذوا بالمذاهب الأربعة في الفروع وبمذهب الأشعري في أصول الدين، ولو لم تكن أفضل المذاهب لما تمسكوا بها فلماذا لم تأخذوا أنتم بشيء منها ؟
    قال الشيخ : نحن لم نأخذ بهذه المذاهب لعدم الدليل الشرعي على التعبد بهذه المذاهب ، بينما الأدلة الشرعية القطعية تدل على وجوب الأخذ من أهل البيت عليهم السلام، في الفروع والأصول ، كما أن السلف لم يكن مديناً بهذه المذاهب على وجه الحصر ، وخصوصاً في القرون الثلاثة الأولى ، وأنت تعلم أن الأشعري لم يكن موجوداً في تلك القرون لأن ولادة الأشعري كانت في النصف الأخير من القرن الثالث الهجري ومات في النصف الأول من القرن الرابع ، وأقدم إمام من أئمة الفقه هو الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه الذي ولد سنة ثمانين للهجرة وتفي سنة مائة وخمسين . بينما أهل البيت قد عاصروا النبي صلى الله عليه وآله من بداية الوحي وإلى وفاته صلى الله عليه وآله. فلا شيء يوجب علينا العمل بالمذاهب الأربعة ومذهب الأشعري ، بينما القرآن والسنة المتواترة توجب علينا اتباع أهل البيت عليهم السلام.

    في الحقيقة أن هذا الحديث كان فيه تفاصيل كثيرة ، ورغم أنه شدني كثيراً ، إلا أنه لو استرسلنا به فلن يكفينا اليوم بأكمله ، لذا كنا ننتقل من حديث إلى حديث بصورة مختصرة كي نأخذ معلومات عن المذهب الجعفري ونكون فكرة عنه.
    وقد جرى حوار فقهي بين أخي والشيخ الفوعاني في قضية المتعة ، وقرر أخي أن يناقشه في ما ورد من تحريم المتعة في صحيح البخاري فقط. فجاء الشيخ بكتاب صحيح البخاري ، وفوجئت بوجود كتب الصحاح عنده ، بينما لم أر كتاباً واحداً للشيعة عند مشايخنا وأئمتنا.
    المهم أنه فتح الكتاب على أحاديث المتعة ، فاقتنع أخي مع الشيخ بأن صحيح البخاري لا يدل على تحريم المتعة , على ما أذكر الحديث أنه يوجد ثلاث روايات ، رواية لابن عباس ورواية لجابر الأنصاري ورواية لعلي رضي الله عنهم أجمعين ، أما رواية ابن عباس ( كما فصلها الشيخ لأخي ) فلم تكن مسندة إلى النبي صلى الله عليه وآله ، وإنما كانت قولاً لابن عباس وقال عنها الشيخ بأنها مرفوعة وقد تكون رأياً خاصاً لابن عباس فلا تكون حجة . أما رواية علي كرم الله وجهه فإنها تشير إلى أن النبي حرم المتعة ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر ، ورواية جابر الأنصاري رضي الله عنه تقول أن رسول الله قد أحل لكم المتعة ، فقال الشيخ أن رواية علي محددة في زمان وهو زمن خيبر ، بينما رواية جابر عامة وقد يكون التحريم زمن خيبر لخصوصية في ذلك الوقت ، بينما رواية جابر غير مخصصة بزمان ، وإذا قيل بالتعارض بينهما فتسقطان عن الحجية ولا يبقى شيء في كتاب البخاري يدل على تحريم المتعة.
    هكذا أذكر النقاش الفقهي بين أخي والشيخ ، وقد كان حديثاً شيقاً مليئاً بروح الأخوة والمنطق العلمي.


    ------------------
    " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً " ..
    ------------------
    { رب ادخلني مدخل صدق واخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا}
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة