أربعة عقود من الصراع على عرش اليمن

الكاتب : ortho_king   المشاهدات : 747   الردود : 6    ‏2005-08-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-08-08
  1. ortho_king

    ortho_king عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-06-10
    المشاركات:
    1,014
    الإعجاب :
    0
    أربعة عقود من الصراع على عرش اليمن..(منقول)

    د . عبد الله الفقيه*
    نقلا عن الوسط ونيوز يمن







    يمكن قراءة التاريخ اليمني بين عامي 1962 و2005 على انه سلسلة من حلقات الصراع (البارد حينا والساخن احيانا أخرى) بين قوتين اجتماعيتين تسعيان الى السيطرة على عرش اليمن هما: القوى التقليدية، وتتمثل بشكل اساسي في القبائل ورجال الدين؛ والقوى الحديثة، وتتكون بشكل اساسي من الفئات المتعلمة واصحاب المهن وبعض الفئات الإجتماعية التي تحترف التجارة.
    ويمكن لقراءة مثل هذه للتاريخ اليمني القريب ان تقدم تفسيرا للكثير من الأحداث والتطورات والسياسات على مستوى كل شطر، وفي العلاقة بين الشطرين، وكذلك داخل دولة الوحدة.
    ولعله من المهم الإشارة هنا الى ان كلمة «تقليدي» لا يقصد بها الذم لقوة اجتماعية معينة.
    كما ان كلمة «حديث» لا تعني بالضرورة ميزة للقوى الحديثة.
    كما ينبغي التأكيد على أن انتماء الفرد الى إحدى القوتين هو اختيار سياسي تحكمه المصلحة الشخصية او الفئوية وليس امرا يكتسبه الإنسان بالوراثة.
    فالذين يرون ان المكانة الإجتماعية والوجاهة والعصبية القبلية هي اساس الشرعية يضعون انفسهم في معسكر القوى التقليدية.
    وعلى العكس من ذلك فان الذين يرون التعليم والكفاءة والجدارة والمثابرة والقواعد القانونية كأساس للشرعية السياسية يضعون انفسهم في معسكر القوى الحديثة. كاتب هذا المقال لا ينصب نفسه حكما على الأدوار المختلفة للقوى الإجتماعية التي تصنع التاريخ.
    واقصى ما يطمح اليه هو تقديم تفسير للتاريخ يمكن الاستفادة منه في فهم الحاضر وفي صنع المستقبل.

    ثورة ام انقلاب؟

    تنظر القوى السياسية المستفيدة من أحداث الـ26 سبتمبر 1962 في شمال اليمن إلى ما وقع ذلك اليوم بأنه ثورة.
    وبحكم مسكها بتقاليد الأمور فانها تدون التاريخ وتكتب المناهج الدراسية لمختلف المراحل بالطريقة التي تخدم مصالحها وترفض اي نقاش علمي لوجهة نظرها.
    وتذهب ابعد من ذلك فتدرج الثورة ضمن الثوابت والمقدسات التي لا ينبغي وضعها موضع الشك أوإثارة الأسئلة حولها او إخضاعها للتقييم العلمي.
    وفي المقابل فإن القوى التي تضررت من الثورة أو التي لم تحقق الثورة أهدافها قد تذهب إلى القول بأن أحداث سبتمبر كانت مجرد انقلاب عسكري «ولد من رحم انقلاب عسكري آخر».
    وبين هذين الفريقين هناك من يقول ان ما حدث في 26 سبتمبر كان «انقلابا ثوريا» ويقصد بذلك ان الأحداث بدأت بانقلاب عسكري سرعان ما تحول بفعل الظروف الى ثورة.
    ورغم أن السؤال يبدو في ظاهره غير ذي أهمية، فإنه في الواقع شديد الأهمية، ويتصل ليس فقط بالماضي ولكن، وبدرجة أولى، بالحاضر.
    فالقول بان تلك الأحداث كانت ثورة يعطي التحالف العسكري القبلي الحاكم شرعية ثورية باعتبار أن المؤسستين العسكرية والقبلية هما اللتان قادتا الثورة ودفعتا ثمن التغيير من دمائهما.
    وعلى العكس من ذلك فان القول بان تلك الأحداث كانت مجرد انقلاب عسكري يضعف شرعية نظام الحكم القائم.
    فليس هناك ما يمكن اعتباره شرعية انقلابية.
    ليس ذلك فقط، بل ان القول بان إحداث سبتمبر 1962 كانت مجرد انقلاب عسكري يفتح الباب واسعا لأصحاب الشرعية الحقيقية من الأئمة الزيود الذين عصفت تلك الأحداث بسلطتهم للمطالبة بإعادة إقامة الحكم الإمامي وان بشروط أخرى كأن تكون سلطة الإمام رمزية!
    لا يتسع المجال هنا لمناقشة طبيعة احداث الـ26 من سبتمبر 1962 لكن تلك الأحداث تمثل بالتأكيد مدخلا مهما لفهم الصراع بين القوى التقليدية والقوى الحديثة او بين القبلية والدولة

    شيوخ واعيان القبائل حكموا اليمن بعد الثورة ليس بسبب امتلاكهم مشروعا ثوريا لبناء الدولة ولكن لقدرتهم على حشد التأييد الشعبي للدفاع عن الحكم الجديد

    بحسب توصيف البعض وان كانت الدولة نفسها ليست طرفا في الصراع بقدر ما هي اداة تحاول القوى المتصارعة السيطرة عليها واعادة تشكيلها بطريقة تساعدها في فرض مشروعها ومصالحها على الآخرين.
    ما يبدو واضحا، لكاتب هذه السطور على الأقل، هو ان القوى الحديثة التي قادت حركة التغيير في الشطر الشمالي من اليمن لم تكن حينئذ تمتلك مشروعا ثوريا يمكن للجماهير ان تلتف حوله، وبالتالي لم تكن تمتلك قاعدة شعبية يمكن الاعتماد عليها في حماية التغيير والدفاع عنه.
    واذا كان هناك من قوة كان يمكنها حكم اليمن وقتها فان تلك القوة قد تمثلت في شيوخ واعيان القبائل ليس بسبب امتلاكهم مشروعا ثوريا لبناء الدولة ولكن لقدرتهم على حشد التأييد الشعبي للدفاع عن نظام الحكم الجديد.

    الانقلاب على الثورة

    حاول الرئيس السلال خلال فترة حكمه (1962-1967) الاستعاضة عن ضعف قوى الثورة في اليمن (القوى الحديثة) بدعم المصريين والسعي لإحداث تغيير عميق في الحياة السياسية والاجتماعية -على حساب القوى التقليدية بالطبع- لكنه اصطدم بواقع سياسي واجتماعي معين.
    من جهة، فان الدعم السعودي والبريطاني لآل حميد الدين قد جعل الجمهورية الجديدة في حالة حرب مستمرة دفاعا عن البقاء. ومن جهة ثانية، فان القبائل التي هبت للدفاع عن الجمهورية كانت ترى نفسها الأحق بالسلطة والأقدر على متطلباتها. وكان طبيعيا ان يبدأ الصراع في المعسكر الجمهوري بين القوى التقليدية والقوى الحديثة.
    ولم يكن الدعم المصري قادرا على مساندة السلال ضد اعدائه في الداخل والخارج في نفس الوقت ناهيك عن أن الدعم المصري ذاته كان محكوما بأهداف ومصالح معينة قد لا تتطابق مع أهداف السلال ومصالح اليمن.
    ولذلك فانه عندما قرر الرئيس جمال عبد الناصر سحب الجيش المصري من اليمن عقب هزيمة يونيو 1967 كان من الطبيعي أن ينهار حكم السلال وأن تتمكن القوى القبلية من الانقضاض على السلطة فيما عرف بانقلاب 5 نوفمبر 1967 وهو الانقلاب الذي وضع نهاية لما اسماه اديب اليمن الراحل عبد الله البردوني بجمهورية السلال او الجمهورية الأولى.
    لم يكن انقلاب 1967 انقلابا على الجمهورية التي اخرجت السلطة من آل حميد الدين ولكنه كان إنقلابا على الثورة كمشروع للتغيير الجذري يستمد قوته من الدعم الخارجي وتستفيد منه بشكل اساسي القوى الحديثة على حساب القوى التقليدية.
    ولم يكتف شيوخ القبائل بالاستيلاء على مفاصل الدولة بل ذهبوا ابعد من ذلك فاستهدفوا تصفية القوى الحديثة المطالبة بالتغيير. ولم يكن شعار القاضي الإرياني الذي ترأس مجلس الرئاسة خلال الفترة (1967-1974) «الحزبية تبدأ بالشعارات وتنتهي بالعمالة» سوى تعبير عن الإيديولوجية الاستبعادية التي وظفتها القوى القبلية لتحجيم القوى الحديثة وإجهاض حركة التحول في المجتمع اليمني.
    وفي الوقت الذي كانت فيه القوى القبلية تستند في مطالبها السياسية وفي هيمنتها على الدولة على البني القبلية الفعالة جاء دستور الجمهورية العربية اليمنية لعام 1970 ليحرم القوى الحديثة ولأول مرة وبنص دستوري من تأسيس الأحزاب.
    ونجحت القوى القبلية، بفضل طبيعة المشروع الذي تبنته، في الاتفاق مع السعوديين ومع القوى المساندة للملكية والمدعومة من السعودية على اساس الحفاظ على الجمهورية ورفض عودة آل حميد الدين الى اليمن مقابل إشراك القوى التي حاربت في صفوف

    وفي الوقت الذي كانت فيه قبائل الشمال تنقض على العناصر الثورية، كان يساريو اليمن الجنوبي يمارسون نفس القمع بدرجة اشد وبوسائل اكثر دموية، ضد القوى التقليدية في الجنوب

    الإمامة في السلطة.

    وفي الوقت الذي كانت فيه قبائل الشمال تنقض على العناصر الثورية التي رأت فيها امتداداً للعناصر اليسارية في جنوب اليمن، كان يساريو اليمن الجنوبي يمارسون نفس القمع، وإن بدرجة اشد وبوسائل اكثر دموية، ضد القوى التقليدية في الجنوب.
    ولم تكن حربا 1972 و 1979بين الشمال والجنوب سوى تعبير عن الصراع بين القوى الحديثة والقوى التقليدية داخل كل شطر وفي العلاقة بين الشطرين.

    انقلاب يلد آخر

    بدأ الإرياني حكمه مشددا على مبدأ القيادة الجماعية لكنه سرعان ما تخلى عن ذلك المبدأ.
    وفي ظل غياب المؤسسات الفاعلة وغياب المشروع السياسي سرعان ما دب الخلاف في المعسكر القبلي او «جمهورية الحد الأدنى» كما يسميها المحلل السياسي العربي المقرب من النظام في صنعاء «فيصل جلول» في كتابه «اليمن؛ الثورتان، الجمهوريتان، الوحدة 1962-1994».
    وانتهت «جمهورية الحد الأدنى» بانقلاب ابيض قاده الرئيس ابراهيم الحمدي فيما اسمي بحركة 13 يونيو التصحيحية في عام 1974م، وبدأت جمهورية أخرى.
    جمهورية الرئيس الحمدي اختلفت عن سابقاتها كثيرا الى الحد الذي جعل المحللين الغربيين يطلقون عليه لقب «ابو التحديث في اليمن» او «ابو الدولة الحديثة في اليمن» وهو بالتأكيد لقب استحقه عن جدارة.
    كانت نقطة قوة الحمدي تتمثل في قدرته على التخيل وفي امتلاكه رؤية مستقبلية لما ينبغي ان يكون عليه حال اليمن في المستقبل.
    كما ان شخصيته الكارزمية وقدرته على التأثير العاطفي ساعدته في تبني سياسات التغيير الجذري.
    وقد تمحور مشروع الرئيس الحمدي في السعي لبناء الدولة الحديثة باعتبارها الغاية والوسيلة.
    ولتحقيق ذلك المشروع ادار الحمدي ظهره لقبيلته وللقبائل الأخرى وسعى الى بناء دولة اساسها الكفاءة وسيادة القانون.
    لكن الحمدي، وكخطأ استراتيجي، لم يسع الى تثبيت مشروعه التحديثي وسط القوى الفاعلة في المجتمع.
    كما لم يبذل جهدا كبيرا في التوفيق بين مصالح القوى التقليدية والقوى الحديثة.
    وكان مشروعه لبناء الدولة اشبه ما يكون بمشروع اليسار لتحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق ظلم الغالبية من الشعب او عن طريق توزيع الفقر كما يقول نقاد اليسار.

    الحمدي أبو الدولة الحديثة في اليمن لكن من أخطائه عدم الاهتمام بالتوفيق بين مصالح القوى التقليدية والقوى الحديثة


    وكان طبيعيا أن تصطدم فكرة بناء الدولة الحديثة مع القبيلة ورموزها وأن ينتهي عهد الحمدي ومن بعده الغشمي بشكل مروع عكس حدة الصراع السياسي بين القوى المناصرة للتحديث السريع والقوى المتمسكة بالبني والأدوار التقليدية.

    جمهورية الرئيس صالح

    اعتمد الرئيس صالح في إقامة نظام حكمه على ثلاث قوى هي الجيش، القبيلة، والبيروقراطيون.
    بالنسبة للجيش (وكذلك الأمن) فقد عمل الرئيس على «سنحنتهما» اي جعلهما تحت السيطرة التامة لأقربائه وابناء قريته مانعا بذلك حدوث انقلابات أخرى مشابهة لانقلاب الناصريين ضده في بداية حكمه.
    كما عمل على اعادة تنظيمهما وتقويتهما.
    اما بالنسبة للقبائل فقد جعلهم قاعدة النظام الذي اقامه والذي هو اشبه بتحالف قبلي حاكم منه الى الدولة.
    فحاشد بحكم ثقلها القبلي تهيمن على سائر القبائل الأخرى وتسيطر، بحكم انتماء رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان اليها، ليس فقط على السلطتين التنفيذية والتشريعية، ولكن ايضا على

    عمل الرئيس صالح على مد يده لكل القوى ذات الثقل في المجتمع وعلى لم جميع الخيوط في يده

    الكثير من مفاصل الدولة وخصوصا العسكرية والأمنية والمؤسسات الإقتصادية.
    وعلى مستوى كل محافظة (او مديرية) تم تحديد القبيلة المسيطرة والدخول في تحالف معها عن طريق إشراك مشائخها في السلطة والثروة.
    وقد تم ذلك عن طريق تعيين المشائخ او ابنائهم في المواقع الحكومية العليا ودعمهم في الانتخابات وعن طريق الاعتمادات والهبات والعطايا الدورية.
    كما تم كسب ولاء تلك القبائل عن طريق اعطاء مشائخها السلطة المطلقة في تسيير مناطقهم حتى لو كان ذلك على حساب هيبة ودورالدولة.
    وفي الوقت الذي اشترطت فيه قوانين الخدمة المدنية المتعاقبة شروطا مغلظة في شاغلي الوظائف الدنيا في الجهاز الإداري للدولة فإنها -وعلى العكس من ذلك- تركت الوظائف العليا بدون شروط.
    وحدث نفس الشيء مع القوى الدينية حيث تم استيعابها وفي صفقة محلية واقليمية ودولية في مؤسسات النظام المختلفة وخصصت لها الاعتمادات وسمح لها بتوسيع وادارة نظام تعليمي مواز ولكن مغاير للتعليم الرسمي وممول -ولو جزئياً- من خزينة الدولة ومن السعودية.
    اما فئة البيروقراطيين والتي تمثل القوى الحديثة فقد استفاد الرئيس صالح من خبرتها وكفاءتها في ارساء نظامه وفي فتح قنوات التواصل مع الخارج وفي ادارة الإقتصاد الوطني.
    لكن الملاحظ -وبحسب عالم السياسة الأمريكي روبرت بيروز- ان فئة البيروقراطيين كانت اقل الفئات تأثيرا داخل النظام.

    عوامل داخلية واقليمية ودولية ساعدت صالح على تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار السياسي دون تقديم تنازلات كبيرة داخلية او خارجية


    ويفسر بيروز ذلك بحقيقة ان تلك الفئة التي تفتقر الى القاعدة الشعبية قد تم منعها من تنظيم نفسها حزبيا وخلق قاعدة شعبية لدعم توجهاتها في بناء الدولة الحديثة.
    وإحقاقا للحق فقد عمل الرئيس صالح خلال ثمانينيات القرن العشرين على مد يده لكل القوى ذات الثقل في المجتمع وعمل على لم جميع الخيوط في يده.
    وتوافرت مجموعة من العوامل داخليا واقليميا ودوليا ساعدته على تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار السياسي دون تقديم تنازلات كبيرة داخلية او خارجية.
    وبحكم الصراع التاريخي بين القوى الحديثة بكل تفرعاتها والقوى التقليدية فقد اثار التوجه نحو الوحدة اليمنية ونحو الديمقراطية قلق القوى القبلية والدينية. وقد نجح صالح في تحييد تلك المخاوف في المرحلة السابقة للوحدة. كما نجح في تحييدها في سنة 1991 عندما أخرجت القوى التقليدية اكبر مظاهرة لها تعارض مشروع دستور دولة الوحدة.
    وشهدت الفترة الانتقالية ( 1990-1994) عملية توازن بين تمثيل القوى الحديثة والقوى التقليدية.
    لكن ذلك التوازن لم يكن معبرا عن تحول في القناعات للقوى المتنافسة حينا والمتصارعة احيانا اخرى. فقد كانت كل قوة تحاول استبعاد الأخرى وباخلاص شديد لماض اتصف بعدم الاعتراف بالآخر.

    جمهورية في أزمة

    رغم ان القوى التقليدية المنتصرة في حرب 1994 الأهلية اتفقت على إعادة كتابة الدستور بطريقة تحفظ مصالحها، فإن الخلاف سرعان ما بدأ يدب فيما بينها لأسباب عديدة. بعض تلك الأسباب يتصل باطلاق الحريات خلال الفترة الانتقالية وبالحراك الذي احدثته تلك الفترة.
    فالقوى التقليدية المنضوية تحت عباءة التجمع اليمني للاصلاح مثلا لم تتحمس كثيرا لدعوة المؤتمر لها للاندماج مرة أخرى في

    حاول الرئيس صالح ادارة الجمهورية اليمنية بنفس الطريقة التي ادار بها حكومة الجمهورية العربية اليمنية

    حزب المؤتمر الشعبي العام والعودة بالوضع الى ما كان عليه قبل الوحدة.
    كما لم ترض تلك القوى بلعب دور الموالي للسلطة بل سعت في اعقاب حرب 1994 الى وراثة الإشتراكي في السلطة والى تقديم مشروعها الخاص لبناء الدولة.
    حاول الرئيس صالح خلال منتصف عقد التسعينيات ادارة الجمهورية اليمنية بنفس الطريقة التي ادار بها حكومة الجمهورية العربية اليمنية قبل الوحدة.
    وكانت المشكلة هي ان الجمهورية اليمنية شعبا وسكانا وتحالفات قد تغيرت كثيرا عن ما كان عليه الحال في الجمهورية العربية اليمنية. كما ان التطورات المحلية والإقليمية والدولية قد خلقت حقائق جديدة لا يمكن التعامل معها بالطرق التي كان يتم التعامل بها في الماضي.
    وقد تبلور مشروع النظام الذي قاده الرئيس صالح في فترة ما بعد الحرب الأهلية الى سلسلة من الأخطاء الإستراتيجية اختلفت في الأسباب والمبررات واتفقت في النتائج. لا يتسع المجال هنا لمناقشة سلسلة الإخطاء التي ارتكبت ولكن لا بد من الإشارة الى بعضها.
    في البداية كانت فكرة تحديد مدة خدمة رئيس الجمهورية دستوريا بفترتين تعبيرا عن مثالية لم يكن الرئيس قادرا على تحمل تبعاتها. وقد قاد ذلك الخطأ الى خطأ آخر وهو إثارة مسألة التوريث عن طريق ترشيح نجل الرئيس لعضوية مجلس النواب في وقت ما يزال فيه الرئيس في عنفوان شبابه. ويبدو ان الرئيس ادرك بعدها ان ترشيح احمد لعضوية مجلس النواب وتحضيره للرئاسة في اوساط الجماهير في الوقت الذي يسيطر فيه اعمام احمد على القوة العسكرية لن يكون مجديا. ولذلك تم استبعاد الشرعية الديمقراطية والعودة الى الشرعية العسكرية. وبدأت عملية تأهيل احمد عسكريا وإعادة بناء الجيش تحت سيطرته وعلى حساب اعمامه وحلفاء ابيه التاريخيين.

    الأخطاء وجهت ضربات قوية للتحالف الذي يقوده الرئيس صالح حرمت النظام من القدرة على التجدد والتطور ومواجهة التحديات


    وربما كان الخطأ الأكبر هو ظهور نزعة تركيز السلطة والثروة والقوة في جهة معينة وعلى حساب الفئات الإجتماعية الأخرى عن طريق التعيينات وعن طريق توزيع عقود الانشاءات الحكومية والصفقات التجارية وبطريقة لم تعد تراعي لعبة التوازنات التي اظهر الرئيس صالح تفوقا في لعبها خلال السنوات السابقة للوحدة.
    وجاءت التعديلات الدستورية في عام 2001، في سياق بدت خلاله وكأنها محاولة لإضفاء الحماية الدستورية على مصالح اسرية ومناطقية.
    تلك الأخطاء وجهت ضربات قوية للتحالف الذي يقوده الرئيس صالح وزادته ضعفا على ضعف وفسادا على فساد وحرمت النظام من القدرة على التجدد والتطور ومواجهة التحديات.
    وكانت النتيجة ان الفساد بلغ درجة لم يبلغها في اي وقت مضى. وبدات النخبة الحاكمة تعاني من انقسامات داخلية تجلت بوضوح، على سبيل المثال، في الصراع بين الشيخ والرئيس الأحمر وفي الصراعات بين مراكز القوى داخل الدولة.
    فالتركيز الشديد للسلطة والثروة والقوة قد قوبل بمعارضة لم

    التحالف الحاكم في اليمن يسير وسط التحديات معصوب العينين

    تقتصر على خصوم النظام بل امتدت ايضا الى القوى التي تشكل دعائمه الأساسية.
    وفي الوقت الذ ي تواجه فيه اليمن تحديات داخلية وخارجية صعبة تتطلب من النظام فعالية غيرعادية تمكنه من التكيف مع المطالب والاستحقاقات الداخلية والخارجية المعقدة يبدو التحالف الذي يقوده الرئيس صالح وكأنه يسير معصوب العينين في طريق وعر تحيط بها المهاوي من كل جهة.
    وهذا ليس رأي كاتب هذا المقال بل هو رأي يتبناه المحللون السياسيون بشكل عام بمن فيهم اولئك المحسوبون على النظام في صنعاء. كما انه رأي تتبناه تقارير المنظمات الدولية المختلفة والمؤسسات البحثية.

    الدولة الديمقراطية كبديل


    تظهر العقود الأربعة الماضية ان القوى المتصارعة على عرش اليمن قد تبنت واحدة من احدى سياستين:
    سياسة التغيير الجذري السريع للبني والأدوار القبلية وعلى حساب القوى التقليدية وهذه السياسة جربت في جنوب اليمن تحت حكم الحزب الاشتراكي اليمني وجربت في شمال اليمن ولو بشكل محدود إبان حكم الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي وخلال النزاع المسلح بين النظام في شمال اليمن (متحالفا مع الجبهة الاسلامية) وما كان يعرف بالجبهة الوطنية المدعومة من الحزب الاشتراكي اليمني وبعض الأنظمة العربية الأخرى.
    سياسة التغيير الجذري تلك فشلت وهناك من يرى بأن تلك السياسة لم تعمل شيئاً سوى ادلجة القبائل الجنوبية وتحويل الصراع القبلي إلى صراع أجنحة داخل الحزب الاشتراكي.

    إذابة القبيلة في الدولة بدون رؤية سياسية أدت الى فشل كل محاولات بناء الدولة الحديثة وبالتالي الى فشل عملية التنمية بكل ابعادها


    أما النوع الثاني من السياسة فيقوم على جعل الدولة ومؤسساتها السياسية انعكاسا للبني والأدوار والتحالفات القبلية القائمة في محاولة لإحداث توازن وتحقيق استقرار في العلاقة بين القبائل المختلفة من جهة وبين تلك القبائل والقوى الاجتماعية الصاعدة من جهة أخرى.
    وتبدو هذه السياسة جذابة واقرب ما تكون إلى الديمقراطية التي تقوم على المشاركة السياسية لكل القوى في المجتمع. كما تبدو هذه السياسة على الأقل من وجهة نظر المتحمسين لها الطريقة التي يمكن بها إذابة القبيلة في بوتقة الدولة وتحويل محاربي القبيلة إلى طلاب وموظفين ومستثمرين..الخ.
    هذه السياسة التي اتبعت في شمال اليمن بين عامي 1967 و1974 ثم ابتدء من عام 1978م وحتى الآن لم يكن حظها افضل من سابقتها.
    فالمحاولة التدريجية لإذابة القبيلة في الدولة في ظل غياب الرؤية السياسية المستقبلية الواضحة قد أدت الى فشل كل محاولات بناء الدولة الحديثة وبالتالي الى فشل عملية التنمية بكل ابعادها.
    وفي ظل غياب الدولة غابت التنمية المتوازنة وغابت العدالة وحل السخط العام محل الرضا بين القوى التقليدية والحديثة على السواء.
    والمشكلة اليوم لا تتمثل في قبلية النظام ولا في هيمنة

    المشكلة لا تتمثل في قبلية النظام ولا في هيمنة القبيلة على الدولة بقدر ما تتمثل في عجز النظام القائم عن تلبية الحد الأدنى من المطالب المتنامية

    القبيلة على الدولة بقدر ما تتمثل في عجز النظام القائم عن تلبية الحد الأدنى من المطالب المتنامية لجميع القوى الاجتماعية وهو عجز يمكن رده الى المشاكل التي يعانيها النظام من جهة والى عوامل خارج سيطرة النظام من جهة أخرى.
    ولأن الموارد في اليمن محدودة بما في ذلك المواقع القيادية في السلطة واراضي الدولة والأوقاف والسيارات الفخمة، فإنه اصبح من الصعب تجنب المشاكل عن طريق شراء الولاءت بالوظائف والاعتمادات والهبات.
    فالتنافس على الموارد المحدودة وبحكم النمو السكاني والحراك الاجتماعي الذي نتج عن التعليم والعولمة وصل حدا لا يمكن معه إرضاء القوى التقليدية او الحديثة.
    كما ان هذا الصراع لا يمكن إدارته بشكل سلمي في ظل الترتيبات الدستورية والقانونية والإجرائية القائمة وهي ترتيبات تعبر عن مصالح ضيقة وتفتقر الى المرونة والى القبول بها حتى من اولئك الذين كتبوها.
    ليس هناك خيارات عديدة امام اليمنيين، سواء أكانوا في السلطة او في المعارضة، اذا ما ارادوا تحصين الجبهتين الداخلية والخارجية والمحافظة على استقرار اليمن وضمان امنه القومي في وقت تشتد فيه العواصف داخليا وخارجيا.
    فالخيار الوحيد الذي يمكن ان يضمن لليمن استمراره كدولة ولليمنيين حياتهم وكرامتهم هو بناء الدولة الديمقراطية الحديثة.
    والدولة الديمقراطية الحديثة لا تبنيها القوى الحديثة على حساب التقليدية او العكس، ولا تقوم على رابطة «الدم» بل على رابطة "المواطنة المتساوية."
    وفي الدولة الديمقراطية الحديثة يصل الناس الى السلطة بالكفاءة والقدرة على المساهمة في البناء والنهوض بالشعب وليس بالوراثة او المكانة الاجتماعية.
    ولا يعتبر الوصول الى السلطة في الدولة الديمقراطية الحديثة شيكا على بياض للفائز بالموقع.
    اما الولاء في الدولة الديمقراطية الحديثة فلا يكون للحاكم او القبيلة او الحزب او الأسرة بل للوطن وللمجتمع السياسي ككل.


    _______________
    * استاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء،
    العنوان الأصلي للمقال: طرفاه القوى التقليدية والقوى الحديثة ... أربعة عقود من الصراع على عرش اليمن
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-09-18
  3. ortho_king

    ortho_king عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-06-10
    المشاركات:
    1,014
    الإعجاب :
    0
    ........................................................................
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2006-02-17
  5. فارس الاسلام

    فارس الاسلام عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-04-26
    المشاركات:
    2,226
    الإعجاب :
    0
    موضوع

    قيم!!!!!!!!!!!!!!!
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2006-02-17
  7. فارس الاسلام

    فارس الاسلام عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-04-26
    المشاركات:
    2,226
    الإعجاب :
    0
    يجب ان يطلع كل يمني
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2006-02-17
  9. فارس الاسلام

    فارس الاسلام عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-04-26
    المشاركات:
    2,226
    الإعجاب :
    0
    على هذا الموضوع القيم
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2006-02-17
  11. فارس الاسلام

    فارس الاسلام عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-04-26
    المشاركات:
    2,226
    الإعجاب :
    0
    مع تحيات اخوك بلال الزهيري


    ارجو ان توافينا بكل جديد
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2006-05-13
  13. طائر الفلامنجو

    طائر الفلامنجو عضو

    التسجيل :
    ‏2006-05-04
    المشاركات:
    80
    الإعجاب :
    0
    --------------------------------------------------------------------------------

    موضوع

    قيم!!!!!!!!!!!!!!!
     

مشاركة هذه الصفحة