مفاهيم سياسية

الكاتب : Ameer_1924   المشاهدات : 2,265   الردود : 55    ‏2005-08-07
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-08-07
  1. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    مفاهيم سياسية... لحزب التحرير

    مقدمــة

    السياسية هي رعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً، وتكون من قبل الدولة والأمة، فالدولة هي التي تباشر هذه الرعاية عملياً، والأمة هي التي تحاسب بها الدولة.
    ورعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً من قبل الدولة تكون بتنفيذ المبدأ في الداخل، وهذه هي السياسة الداخلية.
    وأما رعاية شؤون الأمة خارجياً من قبل الدولة فهي علاقتها بغيرها من الدول والشعوب والأمم، ونشر المبدأ إلى العالم، وهذه هي السياسة الخارجية.
    وفهم السياسة الخارجية أمر جوهري لحفظ كيان الدولة والأمة، وأمر أساسي للتمكن من حمل الدعوة إلى العالم، وعمل لا بد منه لتنظيم علاقة الأمة بغيرها على وجه صحيح.
    ولما كانت الأمة الإسلامية مكلفة بحمل الدعوة الإسلامية إلى الناس كافة، كان لزاماً على المسلمين أن يتصلوا بالعالم اتصالاً واعياً لأحواله، مدركاً لمشاكله، عالماً بدوافع دوله وشعوبه، متتبعاً الأعمال السياسية التي تجري في العالم، ملاحظاً الخطط السياسية للدول في أساليب تنفيذها، وفي كيفية علاقتها بعضها ببعض، وفي المناورات السياسية التي تقوم بها هذه الدول، ولذلك كان لزاماً على المسلمين أن يدركوا حقيقة الموقف في العالم الإسلامي على ضوء فهم الموقف الدولي العالمي، ليتسنى لهم أن يتبينوا أسلوب العمل لإقامة دولتهم، وحمل دعوتهم إلى العالم.
    غير أنه ينبغي أن يكون واضحاً أن موقف الدول لا يظل ثابتاً على حال واحدة، فهو يتغير حسب تغير الأوضاع الدولية.
    وأن موقف كل دولة من الدول لا يلزم حالة واحدة من ناحية دولية، وإنما تتداوله حالات متعددة من ناحية القوة و الضعف، ومن ناحية قوة التأثير أو عدم التأثير، ومن ناحية تفاوت العلاقات القائمة بينها وبين الدول، واختلاف هذه العلاقات؛ لذلك كان من غير الممكن إعطاء خطوط عريضة ثابتة للموقف الدولي، وإعطاء فكرة ثابتة عن موقف أي دولة من الدول القائمة في العالم. وإنما يمكن إعطاء خط عريض عن الموقف الدولي في فترة ما، مع تصور إمكانية تغيّر هذا الموقف. وإعطاء فكرة معينة عن موقف أي دولة في ظروف ما، مع إدراك قابلية تبدل هذا الموقف؛ ولهذا كان لا غنى للسياسي عن أن يتتبع الأعمال السياسية القائمة في العالم، وأن يربطها بمعلوماته السياسية السابقة، حتى يتسنى له فهم السياسة فهماً صحيحاً، وحتى تتأتى له معرفة ما إذا كان الموقف الدولي لا يزال كما هو أو تغيّر، وحتى يتأتى له إدراك موقف كل دولة، ومعرفة ما إذا كان هذا الموقف قد بقى على حاله، أم طرأ عليه تغيّر.
    وتغيّر الموقف الدولي تابع لتغيّر موقف بعض الدول من حال إلى حال، إمّا بقوتها، أو بضعفها ، وإمّا بضعفها، وإمّـا بقوة علاقتها بالدول، أو بضعف هذه العلاقة، فينتج حينئذ تغير في الميزان الدولي؛ لحصول تغير في ميزان القوى القائمة في العالم؛ ولذلك كان فهم موقف كل دولة من الدول التي لها تأثير في الموقف الدولي أساساً لفهم الموقف الدولي. ومن هنا كانت العناية منصبة على الإحاطة بمعلومات عن كل دولة؛ لأنها الركيزة الأولى للفهم السياسي. وليست معرفة موقف كل دولة متعلقة بموضعها في الموقف الدولي، بل هي متعلقة في كل شيء له علاقة بسياستها الداخلية والخارجية. ومن هنا تتحتم معرفة الفكرة التي تقوم عليها سياسة الدول القائمة في العالم، والتي لها شأن يذكر في الموقف الذي ينبغي أن تقفه الأمة الإسلامية منها. كما أنه يتحتم أن تعرف الخطط والأساليب التي تستعملها، وأن تقترن معرفة الخطط والأساليب بالتتبع الدائم لها، وبإدراك مدى تغيّرها، وبالوعي على الدوافع التي حملت على تغيّرها، أو الأسباب التي اضطرت هذه الدول لتغيير الخطط والأساليب، مع المعرفة الصحيحة بالأشياء التي تؤثر على هذه الدول، أو تحملها على تغيير خططها وأساليبها.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-08-07
  3. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    السياسة فكرة وطريقة



    أما الفكرة التي تقوم عليها سياسة الدولة فهي الفكرة التي تبني على أساسها علاقتها بغيرها من الشعوب والأمم. فالدول التي لا مبدأ لها تعتنقه، تكون الأفكار لديها مختلفة متباينة، وفيها قابلية التغيّر، ومثل هذه الدول ينطبق عليها بحث الخطط والأساليب السياسية، ولا ينطبق عليها بحث الفكرة السياسية.
    أما الدول التي لها مبدأ تعتنقه فإن فكرتها ثابتة لا تتغير، وهي نشر المبدأ الذي تعتنقه في العالم بطريقة ثابتة لا تتغير مهما اختلفت الأساليب وتغيرت، وينطبق عليها بحث الفكرة السياسية.
    وعلى هذا الأساس يجب أن ينظر إلى الدول القائمة في العالم، على اعتبار أن لكل واحدة منها فكرة أساسية لعلاقتها بغيرها من الشعوب والأمم، ثابتة أو غير ثابتة، ولها طريقة خاصة لتنفيذ هذه الفكرة، ثابتة أو غير ثابتة، وعلى ضوء فكرتها وطريقتها ترسم الخطط، وتتبع الأساليب، على وجه يساعدها على تحقيق غايتها. غير أن الدول القائمة في العالم اليوم تطلق العنان لنفسها بالأساليب، فتتبع أسلوباً يحقق الغرض، ولو خالف الطريقة، وتسير على قاعدة: «الغاية تبرر الوسيلة».
    ومهما يكن من أمر، فإن جميع الدول ترسم خططاً سياسيةً تتغير حسب الحاجة، وتتبع أساليب تختلف وتتعدد حسب الأوضاع.
    والدول في عملها السياسي، إنما ترعى مصالح الأمة، وتقيم علاقتها بغيرها حسب المصالح، إلا أنها تختلف في ذلك اختلافاً كبيراً. فالدولة التي لا تحمل مبدأ معيناً، تجعل المصلحة وحدها العامل المؤثر في علاقتها الدولية، وأما الدولة التي تعتنق مبدأ معيناً وتحمله للعالم، فإنها تجعل المبدأ عاملاً فعالاً في علاقاتها الدولية، وتجعل المصلحة التي يعيّنها المبدأ عاملاً مساعداً في هذا السبيل؛ ولذلك كان لزاماً أن تُعرف الدولة من حيث الأفكار التي تعتنقها، هل هي دولة تعتنق مبدأ أو لا تعتنق أي مبدأ؟ وحينئذ تُعرف العوامل التي تؤثر في علاقاتها الدولية. وبما أن المبدأ هو الذي يؤثر في الدولة التي تعتنقه، وبالتالي يؤثر في العلاقات الدولية، وفي الموقف الدولي، كان لزاماً أن تُعرف المبادئ التي تسود العالم اليوم، وأن يعرف مبلغ تأثير كل واحد منها في السياسة الدولية اليوم، ومدى إمكانية تأثيره في السياسة الدولية في المستقبل، فتفهم حينئذ، على ضوء هذه المبادئ، وعلى مدى تأثيرها في الحاضر والمستقبل، العلاقاتُ الدولية.
    وإذا نظرنا اليوم إلى العالم نجده تسوده ثلاثة مبادئ فقط، هي : الإسلام، والشيوعية، والرأسمالية، وتعتنق كل مبدأ مئات الملايين من البشر، إلا أن الإسلام ليست له دولة في الوقت الحاضر؛ ولذلك لا نجد له أي وجود في العلاقات الدولية، ولا في الموقف الدولي، الذي يسود العالم اليوم. أما تلك الأعمال التي تقوم بها دول العالم للحيلولة دون عودة دولـة الإسلام إلى واقع الحياة، بعد أن أصبح التململ ملموساً بين أبناء أمة الإسلام، فلا علاقة لها بالموقف الدولي، ولا تؤثر في العلاقات الدولية؛ لأن التأثير في الموقف الدولي والعلاقات الدولية يتطلب وجود دولة تحمل الإسلام مبدأ تُسيِّر على أساسه سياستها الداخلية والخارجية.
    أما ما يلاحظ من توجه للسياسة الدولية، وبخاصة الأميركية، إلى محاولة صياغة المنطقة الإسلامية بمشاريع هيمنة عليها مثل «مشروع الشرق الأوسط الكبير» في 2003م فإن ذلك نتيجة للهاجس المتصاعد عند تلك الدول بتوقع قرب قيام دولة للمسلمين، وليس لأن الإسلام يؤثر في السياسة الدولية التأثير المعروف كما لو كان للإسلام دولة قائمة فعلاً.
    أما المبدآن الآخران، فإن لكل واحد منهما دولة بل دولاً متعددةً؛ ولذلك كان لهما الأثر في العلاقات الدولية، وفي الموقف الدولي، وفي السياسة الدولية، وبخاصة عندما كان الاتحاد السوفياتي قائماً قبل أن ينهار، وكان من أثرهما أن انقسم العالم إلى معسكرين، فكان المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي. إلا أنه مع انهيار المعسكر الشرقي، وتفتت حلف وارسو، انتهت سياسة القطبين في العالم، ولم يبق المبدأ الشيوعي مطبقاً في دولة ولو شكلاً إلا في الصين وكوريا الشمالية، وبذلك انتهى كون الصراع دولياً ليصبح إقليمياً فيما بعد. فإنه بانهيار الاتحاد السوفياتي لم تعد فكرته مؤثرة في السياسة العالمية، وذلك راجع إلى أن الفكرة التي كانت تقوم عليها سياسته الخارجية، وهي نشر الشيوعية، لم تعد قيد التطبيق. أما الدول التي لا زالت تحمل المبدأ الشيوعي، فإن سياستها الخارجية لا تقوم على هذه الفكرة. فالسياسة الصينية لا تقوم على أساس نشر الشيوعية في العالم، وذلك راجع إلى واقع شعب الصين، الذي كان يكتفي بالنفوذ في الجوار الآسيوي، ولم يكن عبر التاريخ يتطلع إلى أن يكون ذا نفوذ عالمي. وبسبب واقع الشعب الصيني هذا لم تَسْعَ الصين يوماً إلى تأهيل نفسها وطاقاتها لكي تتبوأ موقعاً مؤثراً في السياسة العالمية، ولا زالت كل أعمال الصين منصبةً على إيجاد نفوذ إقليمي لها في الجوار.
    أما المعسكر الرأسمالي، فإن الفكرة التي تقوم عليها السياسة عنده هي نشر المبدأ الرأسمالي، وهو فصل الدين عن الحياة في العالم كله. وعلى تعدد الدول التي تعتنق المبدأ الرأسمالي واختلافها، فإنها جميعها تجعل نشر قيادتها الفكرية الرأسمالية في العالم، وجعل وجهة نظرها في الحياة هي التي تسود العالم.
    وأما الطريقة التي يتبعها المعسكر الرأسمالي لتنفيذ فكرته فهي الاستعمار، أي فرض السيطرة السياسية، والعسكرية، والثقافية، والاقتصادية، على الشعوب المغلوبة لاستغلالها. وهذه الطريقة، وهي الاستعمار، ثابتة لا تتغير مهما تغيرت الحكومات، ومهما اختلفت قوانينها. والاستعمار ليس كما يقول لينين: «هو أعلى مرحلة من مراحل الرأسمالية» بل الاستعمار هو جزء من وجهة النظر في الرأسمالية، وهو الطريقة التي تنشر الرأسمالية بواسطتها في الشعوب والأمم. وعلى ذلك فإن السياسة الخارجية للمعسكر الرأسمالي ثابتة في فكرتها وطريقتها، ولا يغيرها اختلاف الدول وتنازعها. فبريطانيا مثل أمريكا، ومثل فرنسا، ومثل إيطاليا، ومثل أي دولة من الدول الرأسمالية، أساس سياستها أن تنشر مبدأها ووجهة نظرها في الحياة، بواسطة استعمار الشعوب والأمم.
    ويجب أن يلاحظ عند فهم طريقة المعسكر الغربي أن هذه الطريقة، وإن كانت ثابتةً من حيث كونها (الاستعمار) إلا أن أساليب تحقيق (الاستعمار) والنظرة إليه قد أصابهما بعض التطور عند المعسكر الغربي، من حيث ارتباطه كطريقة، بالرأسمالية كفكرة، مع الزمن، ومن جملة تطورهما ما حصل فيهما من تغير في الأساليب، واختلاف في النظرة للاستعمار. أما تغير أساليبها، فقد كانت فيما سمي الاستعمار القديم ترتكز على السيطرة العسكرية، ثم أصبحت فيما سمي الاستعمار الجديد تعتمد على أمور أخرى. فأمريكا صارت تعتمد على الناحية الاقتصادية، من أمثال القروض وما يسمى بمشاريع التنمية، ومن مثل الخبراء وغير ذلك، إلى جانب الضغط السياسي، والمضايقات. ثم عادت أميركا، إلى جانب تلك الأساليب، إلى أسلوب السيطرة العسكرية على الأمم والشعوب؛ لإخضاعها لنفوذها ولإرادتها. وعادت تحرص على إنشاء القواعد العسكرية في مستعمراتها للمحافظة على نفوذها فيها. وإنجلترا صارت تعتمد على إيجاد رجال يكونون لها عملاء، وعلى رجال الاستخبارات الإنجليزية، وعلى حكام البلاد من عملائها، وعلى الصفقات التجارية المشبوهة... وضَعُفَ اعتمادها على القروض بسبب ضعف وضعها المالي، وكذلك ضَعُفَ اعتمادها على القواعد العسكرية لضعف نفوذها الدولي، وإن كانت لا تزال تتشبث بوجود حاميات عسكرية وقواعد في مستعمراتها كما في قبرص، أو بالقرب من هذه المستعمرات. وبذلك فإن التغير في الأساليب صفة ملازمة للاستعمار.


    وأما اختلاف النظرة للاستعمار، من حيث ارتباطه (كطريقة) بالرأسمالية (كفكرة)، فإنها أصبحت تتردد بين: قوة هذا الارتباط، أي إن الاستعمار طريقة فحسب لنشر الرأسمالية، ما يعني أن الاهتمام الأول هو لنشر الرأسمالية، وبين ضعف هذا الارتباط، أي إن الاهتمام الأول هو للاستعمار نفسه، والاهتمام الثانوي هو لنشر الرأسمالية، فكأن الاستعمار قد اقترب من أن يكون غاية. وقوة الارتباط أو ضعفه يتوقف على البلاد التي تريد الدول الرأسمالية السيطرة عليها، أهي ذات حضارة تريد غزوها وإدخال الحضارة الرأسمالية الفاسدة إليها؛ لتسهيل السيطرة عليها ونهب خيراتها، أم هي خالية الوفاض، لا حضارة فيها تحتاج إلى غزو، بل تستعمرها لنهب ثرواتها والسيطرة عليها فحسب؟ وهذا يتضح من كون صراع الدول الغربية في استعمارها لإفريقيا قد أخذ حدته في الاستغلال، ويكاد نشر الفكرة الرأسمالية أن لا يكون له وجود. فالحرب الأهلية في أوغندا ورواندا استمرت لسنوات، وراح ضحيتها مئات الآلاف من البشر، وكذلك أحداث زائير (الكونغو الديمقراطية) لم يظهر فيها إلا الجشع المادي، والصراع على النفوذ بين أوروبا وأميركا. ولم تكن بريطانيا، ومن معها من حلفائها الأوروبيين وأميركا، تلتفت إلى شيء في أفريقيا، إلا إلى المنافع المادية، وبذلك أصبح الاستعمار في أفريقيا أقرب إلى أن يكون غاية من أن يكون طريقة. وأما في العالم الإسلامي، في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أو وسط آسيا وجنوب شرقها، فالدول الاستعمارية، وعلى رأسها أميركا، تسعى هنا، إلى جانب فرض السيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية، إلى العالم الإسلامي؛ لاستغلال منافعه المادية، تسعى إلى نشر الرأسمالية كذلك في جوانب كثيرة، مثل اهتمامهم بمؤتمرات «حرية المرأة» و «تمكين المرأة»، وما جاء في المشروع الأميركي للشرق الأوسط، وفرض الهيمنة الثقافية فيما صار يعرف بـ «إعادة بناء الثقافات» وحوار الأديان، وتلاقي الحضارات، والتركيز على تغيير أو تعديل مناهج التعليم؛ لإزالة ارتباط المسلمين بحضارتهم وثقافتهم. وهكذا فقد أصبحت الطريقة في الرأسمالية تتطور مع الزمن. ومع ذلك فإن الاستعمار هو ركن أساس في الرأسمالية، سواء أكان طريقة لنشر الرأسمالية، أم طريقة أقرب للغاية.


     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-08-07
  5. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    الخطط والأساليب السياسية




    إن الخطط السياسية، والأساليب التي تنفذ بها هذه الخطط، تتغير حسب ما تقتضي المصلحة، وإن كانت الخطط أقل تغييراً من الأساليب، والفرق بين الخطة والأسلوب كما يلاحظ من تتبع السياسية الدولية، هو أن الخطة سياسة عامة، ترسم لتحقيق غاية من الغايات التي يقتضيها نشر المبدأ أو طريقة نشره، أما الأسلوب فهو سياسة خاصة في جزئية من الجزئيات التي تساعد على تحقيق الخطة وتثبيتها.
    فمثلا الخطة الأميركية للعراق كانت احتلاله بقرار دولي أو دونه، ثم إيجاد حكومة تضفي على الاحتلال شريعةً دوليةً عن طريق الأمم المتحدة، بعد أن كانت قد أهملتها عند بداية الاحتلال، وشرعيةً أخرى (محليةً) عن طريق انتخابات أو شبه انتخابات عراقية، ثم تتولى هذه الحكومة ( نيابةً) عن أهل العراق توقيع صك بالموافقة على بقاء قوات الاحتلال، حتى تُعطى الصفة الشرعية، كونها موجودة بموافقة أهل البلد وطلبهم وبقرار دولي. وهذا سيُبعِد الدول الأخرى ومجلس الأمن عن التدخل في الشأن العراقي، ويجعل أمريكا المتصرّف الوحيد بكل شؤون العراق، وبذلك يصبغ على الاحتلال صفة الشرعية؛ لأن الذي أقر بقاءه ووجوده هو حكومة العراق الشرعية (المنتخبة). وسيوضع للعراق دستور جديد بإشراف الاحتلال، تُكَرس فيه الفرقة وتُمَزَّق الدولة بحجة الفدرالية،وستُشعَل نيران الطائفية، وينشغل المسلمون ببعضهم بدل انشغالهم بإخراج الاحتلال؛ ولذلك سخَّرت أميركا كل ما في استطاعتها من وسائل وأساليب لاحتلال العراق كخطة موضوعة، ثم جعل هذا الاحتلال (مشروعاً) بإضفاء شكل قانوني دولي ومحلي عليه.
    وبالمقابل كانت خطة فرنسا تقضي بتشكيل محور من الدول الكبرى بقيادتها لمواجهة الخطة الأميركية، وقضت هذه الخطة بعرقلة مجلس الأمن عن إصدار قرارات صريحة لتغطية المشاريع الأميركية متعلقة باستخدام المجلس لغزو العراق، وبذلك عجزت أميركا تماماً عن اللعب بورقة مجلس الأمن، وتم كشفها دولياً باعتبارها دولة خارجة على القانون، بدل أن تظهر حامية للقانون الدولي كما كان ظاهر حالها سابقاً. واستطاعت فرنسا تحريك مشاعر الألمان وإثارتهم، لدرجة أزعجوا أميركا في تصرفاتهم، ووقفت روسيا أيضاً إلى جانب فرنسا في معارضة أميركا من استخدام مجلس الأمن لدعم خططها. وهكذا نجحت الخطة الفرنسية، لا في منع الغزو الأميركي، وإنما في فضح الأهداف الأميركية من هذا الغزو.
    وأما الخطة البريطانية فكانت خطة معقدة، خبيثة، تساند أميركا في الظاهر لتشاركها بشيء من الغنيمة، وتظهر معها على المسرح الدولي إذا كانت كفة أميركا هي الراجحة، وتطعنها في الظهر كلما لاح لها إمكانية الطعن. فبريطانيا سارت مع أميركا؛ لأن كفتها راجحة في الموقف الدولي، ولكنها من جهة أخرى، ألجأتها إلى عرض استصدار قرار من مجلس الأمن بخصوص العدوان على العراق، وقد كانت تعلم مسبقاً عدم إمكانية صدور القرار نتيجةً لمواقف فرنسا وروسيا وألمانيا، فانكشف بذلك عوار أميركا بأنها تريد العدوان على العراق بقرار أو بدون قرار. وأكَّدت بريطانيا هذا التوجه في حضور بلير لاجتماع قمة مع شيراك وشرودر في 20/09/2003م؛ لاستعمال الدهاء السياسي البريطاني في تقوية وتمتين موقف الدولتين ضد الموقف الأميركي، باستفزازهما ببعض الآراء التي تعرضها بريطانيا أو نحو ذلك، فتدفعها للتصلب دون الظهور البريطاني العلني بذلك أمام أميركا. واستمرت بريطانيا بالسياسة نفسها حتى بعد احتلال العراق، وتقديم أميركا مشاريع للأمم المتحدة لإضفاء شرعية على الاحتلال.
    ومثلاً الخطة الأميركية، التي وضعت لمنع صيرورة الاتحاد الأوروبي لحمة واحدة تشكل خطراً على أميركا، قامت على أساس محاور ثلاثة هي:
    أولاً: توسيع الاتحاد الأوروبي بدول أوروبا الشرقية، وهذه الدول صنيعة أميركا، ورأس حربتها؛ لإدخال تأثير أميركا في الاتحاد. وقد ظهر هذا عندما أيدت هذه الدول رؤية أميركا في عدوانها على العراق، ما جعل رامسفيلد يتهكم على أوروبا بمسمى القديمة والجديدة. ولقد استشاط شيراك الرئيس الفرنسي غضباً من تصرفات هذه الدول، وحاول أن يوحي إليها أن اصطفافها بجانب أميركا سيعرقل قبولها النهائي في الاتحاد، ومع ذلك أقر انضمامها في اجتماع الاتحاد الأوروبي الحاسم لقبول الأعضاء الجدد، ولم تستطع فرنسا تعطيل الانضمام.
    ثانياً: استمرار وجود الحلف الأطلسي رغم حلّ حلف وارسو المقابل، ثم توسيع استراتيجية الحلف ليتدخل في المشاكل الأمنية في أوروبا، بدل الدفاع الخارجي عنها كما كان في أصل نشأته. ولما شعرت أوروبا بخطر الحلف عليها، لقيادة أميركا الفعلية له، تداعت فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولكسمبورغ لتشكيل قوة أوروبية خاصة، فاعترضت الولايات المتحدة على ذلك، ولا زالت تثير لأوروبا المتاعب قبل أن ترى القوةُ الأوروبية الخاصة النورَ فعلاً.
    ثالثاً: استغلال أميركا للموقف البريطاني. فبريطانيا بدهائها المعهود لا تريد للاتحاد الأوروبي أن يصبح قوةً واحدةً تذوب بريطانيا خلاله، وتصبح دولة هامشية كلكسمبورغ مثلاً، فهي لا تزال تحمل في أعماقها عظمة الإمبراطورية التي لا تغيب عن ممتلكاتها الشمس؛ لذلك نراها عرقلت تكوين الاتحاد، ولم تدخله إلا لما رأته أمراً واقعاً، فدخلته لإضعافه. ولا زالت حتى الآن لم تشترك في العملة الأوروبية الموحدة (اليورو). وعقلية الإمبراطورية عندها تجعلها تبحث عن دور على المسرح الدولي في أي طريق وجدته.
    وبالمقابل فإن خطة فرنسا كانت تقوية الاتحاد الأوروبي، وجعله مظلة مناسبة في مواجهة المظلة الأميركية، والسعي لإنشاء جيش أوروبي مستقل عن حلف شمال الأطلسي، وقد استطاعت أن تشد إليها ألمانيا حول ذلك، وتصرفت فرنسا تصرفاً ذكياً جداً باتفاق مع ألمانيا، لدرجة جعلت بريطانيا تنضم إليهما حتى لا يفوتها نصيب من المغنم إن نجح سعي فرنسا وألمانيا. وهكذا نجحت فرنسا مؤخراً مع بريطانيا وألمانيا في التأسيس لنواة هذا الجيش، بالرغم من الضغوط الأميركية الشديدة على بريطانيا وألمانيا لمنع إنشائه. كما ونجحت خطة الدول الثلاث في رسم سياسات بعيدة المدى للاتحاد الأوروبي، بعيداً عن تدخلات الدول الصغيرة في الاتحاد، والدول الطامعة للتأثير فيه كإيطاليا وإسبانيا.
    وهكذا نجد أن فرنسا نجحت في إيجاد مدخل، وإن كان في بداياته لتقوية الاتحاد الأوروبي، بإيجاد نواة عسكرية مستقلة في أوروبا بالتوافق مع ألمانيا وبريطانيا. ولولا اعتناق هذه الدول للرأسمالية التي تجعل (المنفعة الخاصة) لكل دولة في سلم القيم عندها، لأمكنها أن توجد اتحاداً أوروبياً قوياً في وجه الولايات المتحدة. ومع ذلك فمجرد نجاح فرنسا في عرض الخطة على دول قوية في أوروبا (ألمانيا وبريطانيا) يعتبر عملاً مؤثراً في وجه أميركا لن تستطيع إغفاله.
    ومثلاً الخطة التي وضعتها أميركا لتحجيم روسيا وجعْلها دولة حتى دون نفوذ إقليمي، فإنها تقوم على دحرها من أماكن نفوذها في البلقان، وشرق أوروبا، ووسط آسيا، وكذلك إبطال مفعول ترسانتها النووية التي تشكل عاملاً مهمّاً من عوامل قوتها، بالإضافة إلى التفوق عليها في غزو الفضاء، فاتخذت لذلك عدة أساليب، منها أنها قامت بضرب الجيش اليوغسلافي (صربيا والجبل الأسود) حيث العلاقة (العرقية السلافية) مع الروس، مستغلة أزمة كسوفا، كما أنها أقامت علاقات اقتصادية وعسكرية مع دول أوروبا الشرقية للنفاذ إليها، ثم قامت بضم الكثير منها إلى حلف شمال الأطلسي، كما أنها استغلت الحرب على الإرهاب، فأقامت قواعد عسكرية لها في دول وسط آسيا، وذلك بعد أن تمكنت من استقطاب بعض حكام تلك الدول بالمساعدات الاقتصادية، وقامت باحتلال أفغانستان وعمدت إلى تطوير نظام دفاعي للصواريخ المضادة للصواريخ؛ لإبطال مفعول الصواريخ الروسية العابرة للقارات، القادرة على حمل رؤوس نووية. كما أنها استطاعت أن تستغل الفقر في جورجيا؛ لإيصال عملائها إلى قمة الهرم هناك، ما أسقط المنطقة العازلة بين روسيا وحلف الناتو في تركيا. وكانت أقنعت روسيا بالتخلي عن محطتها الفضائية مير، والمشاركة في المحطة الفضائية الدولية "آي إس إس"، وذلك للحد من تفوقها في سباق غزو الفضاء. وهكذا تستمر أميركا في خططها لحصار روسيا لتبقى دولةً مقطوعة النفوذ الإقليمي، بعد أن قطع نفوذها الدولي بانهيار الاتحاد السوفياتي.

    وكذلك الحال مع الصين؛ لأن أميركا ترى وجوب تركيع الصين، وجعلها دولة عادية، لا سيما وأنها لا تملك مقومات الدولة العظمى، ولكنها أضحت من منتصف التسعينات، بما تملك من قوة، دولة إقليمية عظمى، لها حق النقض في مجلس الأمن، ولها أطماع وطموحات إقليمية، وهذا ما لا ترضى به الولايات المتحدة. فالصين في نظر أميركا سوق تجاري ضخم لابد من الاستفادة منه، وعملاق بشري يجب ترويضه؛ كي لا يصبح خطراً يهدد المصالح الأميركية في منطقة شرق آسيا؛ لذا كان على أميركا وضع خطة بعد انتهاء الحرب الباردة لتحجيم الصين، وحصرها في مجال حيوي ضيق في أحسن الأحوال، إن لم تتمكن من قطع مجالها الحيوي كاملاً؛ لذلك فإنها مهتمة بتطبيع العلاقات مع فيتنام لجعلها حجر عثرة في وجه الصين، حال تحسن العلاقات الأميركية الفيتنامية. كما أنها تحاول جعل شبه الجزيرة الكورية مركزاً خطراً متقدماً حول الصين، بزيادة الضغط على كوريا الشمالية بحجة محور الشر، وفي الوقت نفسه تعمل على الإبقاء على قواعدها العسكرية هناك متاخمةً لحدود الصين وعلى باب دارها. كما أنها تحاول جعل الهند نداً للصين، وتسعى أيضا إلى إيجاد الحلفاء الاستراتيجيين والأحلاف العسكرية الإقليمية في وسط آسيا والشرق الأوسط. كما أنها قامت بإيجاد قواعد عسكرية في وسط آسيا على حدود الصين الغربية على الجهة الأخرى للهيمالايا.
    وهكذا فإن الخطط والأساليب السياسية توضع للعمل المباشر، ولكن مع ذلك ليس ببعيد على الدولة أن تغيّر الأساليب الموجودة، وأن تعثر على أساليب أخرى إذا كشفت تلك الأساليب وأصبحت لا تؤدي المطلوب، وكذلك يمكن أن تغير الخطة إذا أصبحت لا تجدي، أو إذا كان بقاؤها يكلِّف الدولة صعاباً ليس من مصلحتها وجودها، ولكن الدولة حين تُغير خطتها إنما تَستبدل بها خطة أُخرى، وحين تُغير الأسلوب تضع مكانه أسلوباً آخر، ولا تقعد عن وضع الخطط والأساليب إلاّ إذا عجزت وانحطت عن مكانتها في الموقف الدولي، كما هي حال الدول التي فقدت فاعليتها السياسية منذ زمن، كاليابان، وإيطاليا، وهولندا، وبلجيكا، وإسبانيا، والبرتغال.

    ومثال تغير الخطط ما فعلته أميركا في خطتها التي رسمتها لألمانيا، فقد كانت خطتها بعث العسكرية الألمانية، وإقامة جمهورية ألمانية غربية، ثم صارت خطتها إضعاف ألمانيا الغربية وإيجاد اتحاد بينها وبين ألمانيا الشرقية، وتحديد تسليح ألمانيا، ثم رأت توحيدها عام 1990م لإيجاد دولة أوروبية قوية تزاحم فرنسا وبريطانيا، وتتنافس معهما على قيادة الاتحاد الأوروبي، وبذلك تضعف من إمكانية توحيد أوروبا كقوة واحدة.
    وكذلك الخطة التي وضعتها أميركا للصين. فبعد أن رأت دعمها، وجعلها قطباً دولياً، وتحسين العلاقات معها، وكذلك تحسين العلاقات الصينية اليابانية، لجعلها ركيزة من ركائز النظام الدولي؛ وذلك لإضعاف موقف الاتحاد السوفياتي الدولي آنذاك، ولزيادة الشقة بين الحليفين الشيوعيين اللدودين، عادت بعد ذلك أميركا، بعد انقضاء فترة الحرب الباردة، وغيّرت خطتها، ورأت أن الأمر يتطلب الآن وضع خطة لتحجيم الصين، وإرجاعها خلف جدران سورها العظيم. فلجأت إلى وضع خطة كي لا تفكر في أن تصبح خطراً على مصالحها في شرق آسيا، لا سيما أن الصين تملك من عوامل ما يمكنها من ذلك.

    ومثال تغيير الأساليب ما قامت به أميركا في بلدان العالم الإسلامي، فبعد أن كانت تعتمد على الانقلابات العسكرية لإيصال عملائها إلى الحكم، وعلى المعونات الاقتصادية من مثل القروض وما يسمى بمشاريع التنمية، ومن مثل الخبراء، وغير ذلك، وعلى ما سمي بالترغيب والترهيب أو العصا والجزرة، أصبحت تعتمد الآن على الحلول العسكرية والترهيب، وعادت إلى الاعتماد على الأحلاف والقواعد العسكرية بعدما كانت قد تخلت عنها، ما أعاد إلى الأذهان فترة الاستعمار العسكري والإمبريالية الغربية.
    وكانت بريطانيا قد غيرت من أساليبها فتخلت عن المعاهدات والقواعد العسكرية، واعتمدت على العملاء من الحكام، والاتفاقيات الاقتصادية، واتفاقيات التسلح. ويبدو أنها تحاول الآن السير في ركاب أميركا بأن تعود إلى القواعد العسكرية كأسلوب جديد قديم.
    هذا بيان للخطط والأساليب السياسية؛ ولذلك كان واجباً على المسلمين أن يعرفوا يقيناً أن المعسكر الغربي لا يغير فكرته السياسية، ولا طريقته، ولكنه يغير خططه وأساليبه، ليرسم خططاً أخرى، ويتبع أساليب جديدة حتى يتأتى له نشر مبدئه. وإذا قضي على أساليبه وأحبطت خططه، أخفقت مشاريعه التي رسمت من أجلها تلك الخطط والأساليب؛ ولذلك كان الكفاح السياسي موجهاً للخطط والأساليب ـ في كشفها ومقاومتها ـ في الوقت الذي يوجه لمحاربة الفكرة السياسية وطريقتها؛ وعليه فإنه من المحتم على المسلمين أن يعرفوا الخطط المرسومة لسياسة كل دولة، وأن يتبينوا أساليبها.
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-08-07
  7. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    الموقف الدولي


    إن فهم الموقف الدولي يختلف عن فهم سياسة كل دولة؛ وذلك لأن فهم سياسة الدول المؤثرة يتعلق بفهم الفكرة والطريقة اللتين تقوم عليهما سياسة تلك الدول كما بيّنا سابقاً. وأما الموقف الدولي، الذي هو هيكل العلاقات الدولية المؤثرة، أي الحالة التي تكون عليها الدولة الأولى والدول التي تزاحمها، هذا الموقف لا يتعلق بالفكرة والطريقة، وإنما يتعلق بالعلاقات الدولية، والتسابق الدائم بين الدول على مركز الدولة الأولى، وعلى التأثير في السياسة الدولية؛ ولذلك كان لا بد من فهم الموقف الدولي.
    غير أنه يجب أن يكون واضحاً أن الموقف الدولي لا يلزم حالة واحدة، وإنما هو متغير ومتبدل في العالم حسب أوضاعه، وأحواله، وأحداثه، ولكن مع ذلك يمكن رسم صورة واضحة له، ويمكن إعطاء خطوط عريضة عنه، ويمكن إعطاء تفصيلات عن أحواله، إلا أن ذلك كله إنما يدل على حاله حين يظهر للناس وقت وصفه، فيصدق الوصف على واقع موجود، وحين يتغير الموقف الدولي لا يكون الوصف الذي أعطي غير صحيح، وإنما يكون وصفاً لشيء قد وجد ثم ذهب، فيصبح في عداد التاريخ، ويصير من المحتم إعطاء الوصف للواقع الذي يحصل، أي للموقف الدولي الجديد؛ وعلى ذلك فإن الوصف الذي سنسوقه للموقف الدولي في رسم صورته، أو إعطاء خطوط عريضة عنه، أو التعرض لتفصيلاته، إنما هو وصف لواقع شوهد من قبل، أو هو مشاهد الآن، أو متوقع حدوثه، ولكن مع ذلك لا يعتبر أمر ثابتاً؛ ولهذا يجب على السياسي أن تكون لديه معلومات عن الموقف الدولي، وعن السياسة الدولية، يربطها بما يراه، حتى تتضح له الأمور، ويصدر حكمه عليها.
    وفهم الموقف الدولي، يقتضي من المسلمين معرفة مركز الدولة الأولى في العالم، ومركز الدول الأخرى بالنسبة لها، وبالنسبة للسياسة العالمية. ويقتضي معرفة الدول التابعة، والدول التي في الفلك، والدول المستقلة.
    أما الدولة التابعة فهي الدولة التي تكون مقيدة بدولة أخرى في سياستها الخارجية، وفي بعض المسائل الداخلية، مثل مصر مع أميركا. وكازاخستان (حالياً) مع روسيا. وأما الدولة التي في الفلك فهي الدولة التي تكون مرتبطة في سياستها الخارجية مع دولة أخرى ارتباط مصلحة لا تبعية، مثل اليابان مع أمريكا، وأستراليا مع كل من أميركا وبريطانيا، وكندا مع كل من أميركا وبريطانيا وفرنسا، وتركيا (حالياً) مع بريطانيا وأميركا. وأما الدولة المستقلة فهي الدولة التي تتصرف في سياستها الخارجية والداخلية كما تشاء حسب مصلحتها، مثل فرنسا، والصين، وروسيا.
    وهناك أحوال لا تدخل تحت السياسة الدولية، وإنما هي حوادث نشأت جراء خروج الدول الاستعمارية من البلاد. فهذه الأحوال وأمثالها لا تبحث في السياسة الدولية، ولا يعطى عنها خطوط عريضة، بل تدرس كل حالة بواقعها، ويعطى لها الحكم. فمثلاً العراق بعد خروج الإنجليز منه، ووقوع انقلاب 14 تموز 1958م، وإلغاء جميع المعاهدات والارتباطات، صار دولةً مستقلةً دولياً، مثله مثل فرنسا، وإنجلترا، وأي دولة مستقلة؛ ولكن لأن حاكمه كان حينئذ عميلاً أمريكياً، فإن العراق صار في واقعه دولة تابعة لأمريكا وإن كان من ناحية دولية مستقلاً، لكن حين قام انقلاب 17 تموز 1968م، وجاء للحكم عملاء الإنجليز، صار العراق تابعاً لإنجلترا.
    وهكذا، فالدول المستقلة حين يصبح حاكمها عميلاً، أو يتولى الحكم فيها عميل، فإن الدولة تصبح تابعة للدولة التي يعتبر حاكمها عميلاً لها.
    وهكذا جميع الدول التي كانت مستعمرة تعتريها هذه الحالات، وتخرج من يد إلى يد بفعل تغير الحكام. فمثل هذه الدول من ناحية دولية ظاهرية هي مستقلة، ولكن من ناحية حقيقية تابعة. ولكن هذه حالات فردية ناتجة عن تحرير المستعمرات من الاستعمار، ومحاولات الدول الاستعمارية الرجوع إلى المستعمرات، أو محاولة دول أخرى أن تحل في الاستعمار محل الدولة الخارجة منها، أي من المستعمرات.
    إن المحتم معرفته هو مركز الدولة الأولى في العالم، لما لذلك من الأهمية في فهم السياسة العالمية، وفي فهم الموقف الدولي. ففي السلم تعتبر الدولة الأولى في الموقف الدولي، هي صاحبة الكلمة دولياً، وتستوي فيه بعد ذلك الدولة الثانية، وأي دولة أخرى من حيث استطاعتها التأثير العالمي سياسياً.
    والتأثير للدول الأخرى إنما يكون للدول التي لها وزنها في التأثير على الدولة الأولى، ويتفاوت هذا التأثير بتفاوت الدول في القوة الذاتية، والقوة العالمية. فبقدر قوة الدولة، ومدى وزنها العالمي، يكون مقدار مالها من تأثير على الدولة الأولى، وبالتالي على السياسة العالمية من ناحية دولية.
    وأوضح مثال اليوم على محاولة التأثير على الدولة الأولى، ومن ثمَّ التأثير في السياسة العالمية، هو مثال بريطانيا هذه الأيام (2004م) فإن تأثيرها في السياسة العالمية، من ناحية دولية آتٍ مما لديها من بعض التأثير على أميركا: الدولة الأولى في العالم، كما هو آتٍ من نفوذها المتواصل على مستعمراتها السابقة. وكذلك فرنسا، وروسيا، وألمانيا، فإنها اشتركت معاً بعد الحرب الأميركية البريطانية على العراق لإيجاد نوع من التأثير على الدولة الأولى، وبالتالي التأثير على السياسة العالمية من ناحية دولية.
    وأما أمثلة الدول التي لا تؤثر على الدولة الأولى، وبالتالي فلا تأثير مستقل لها في السياسة العالمية، فمنها: الدولة التابعة، حيث لا يتأتى أن يكون لها تأثير على الدولة الأولى إلا بمقدار استعمال الدولة المتبوعة لها. وكذلك الدول التي في الفلك فإنها تستمد تأثيرها من الدولة الكبرى التي تدور في فلكها.
    وأما باقي الدول غير التابعة، وغير التي في الفلك، وهي الدول المستقلة، كسويسرا، وإسبانيا، وهولندا، وإيطاليا، والسويد، مثلاً، فإنها تستطيع التأثير في السياسة العالمية من ناحية دولية، إذا أمّنت مصالح الدولة الأولى أو هددتها، ومن الأمثلة على ذلك، تأمين كل من إيطاليا وإسبانيا لمصلحة مهمة من مصالح أميركا، وذلك عن طريق مساندتهما لأميركا في احتلالها للعراق في 2003م.
    ولذلك وجب على أي دولة تريد أن تؤثر في السياسة العالمية وتجرّها حسب مصلحتها، أن تسلك أحد طريقين: إما تهديد المصالح الحقيقية للدولة الأولى في الموقف الدولي تهديداً فعالاً، وإما تأمين مصالح الدولة الأولى عن طريق المساومة لمصلحتها.
    وطريق التهديد الفعال المؤثر، هو الطريق المنتج حتماً، وهو الذي يليق بالدولة الصحيحة التي تنشد ضمان تأثيرها، وسماع صوتها في الموقف الدولي. أما الطريق الثاني الذي يُستهدف من سلوكه تأمين المصالح، فإنه سبيل مظلم، غير مأمون العثار، قد يوصل إلى الغاية، وقد يؤدي إلى التهلكة، إذ هو مقامرة بكيان أمة، ومغامرة حمقاء بمصير دولة؛ لأن تأمين مصلحة الدولة الكبيرة من قبل أي دولة، لا يمنعها من المساومة على هذه المصالح مع أي دولة دونها مركزاً أو إمكانيات.
    فقد ساومت أميركا في العام 2003م على حليفاتها التقليدية من الدول الأوروبية الغربية، بعد أن وصفتها بأوروبا القديمة، وبدأت تبحث عن دول شرق أوروبا لتحل محلها في تحالفها في مسألة العراق، ولوَّحت كذلك ضد بريطانيا عندما حاولت ثنيها عن المضي قُدُماً في غزو العراق من دون الرجوع إلى الأمم المتحدة لتأخذ الشرعية الدولية منها، وقال رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي: «إن بمقدور أميركا الذهاب إلى العراق من دون بريطانيا».
    ولتهديد المصالح، وإيجاد التأثير الفعال، يجب أن تكون الدولة قد توفرت لها إمكانيات الدفاع، وأسباب السيطرة الكاملة داخلياً، والسبيل الصحيح لذلك أن تكون سائرة في الطريق الارتقائي التصاعدي، أي يجب أن تكون صاحبة مبدأ تحمل دعوة عالمية، وتبدأ بمن جاورها، وحتى تحمي نفسها من حرب التدخل داخلياً، ولا تقتصر على حماية حدودها، بل تتوسع بمبدئها ونفوذها، حتى تزاحم الدولة الأولى في الموقف الدولي.
    ولتتمكن أي دولة من زحزحة الدولة الأولى عن مركزها الرئيسي، عليها أن تقوم بتحويل الجو السياسي لجهتها، وجر الدول الأخرى سياسياً لها ولفكرتها، كما حصل لألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية، وعندما تتمكن أي دولة من ذلك، يصبح الموقف الدولي متأرجحاً، حتى تتسلم إحدى الدول مركز الدولة الأولى، وفي الغالب لا يتأتى ذلك إلا إذا وقعت حرب غيرت الموقف، سواء أكانت عالمية عامة، أم محصورة جزئية، أو إذا كان خطر وقوع الحرب على الدولة الأولى أمراً راجحاً، وتحتاج في هذه الحرب إلى الدولة المزاحمة في معسكرها.
    ومركز الدولة الأولى في العالم ليس جديداً، فإنه موجود منذ القدم. فمصر في التاريخ القديم كانت الدولة الأولى، وكانت آشور في العراق تزاحمها على هذا المركز. ودولة الروم كانت الدولة الأولى، وكانت دولة فارس تزاحمها على هذا المركز. والدولة الإسلامية منذ عهد الخلفاء الراشدين حتى الحروب الصليبية كانت الدولة الأولى، ولم يكن لها مزاحم على هذا المركز. وكانت فرنسا هي الدولة الأولى، وكانت إنجلترا تزاحمها على هذا المركز. والدولة العثمانية، بوصفها دولة الخلافة الإسلامية، كانت الدولة الأولى مدة تقرب من ثلاثة قرون، ولم يكن لها مزاحم على هذا المركز، حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي. وقبل الحرب العالمية الأولى كانت ألمانيا هي الدولة الأولى، وكانت إنجلترا وفرنسا تزاحمانها على هذا المركز. وبعد الحرب العالمية الأولى كانت إنجلترا هي الدولة الأولى، وكانت فرنسا تزاحمها على هذا المركز. ثم قبيل الحرب العالمية الثانية كانت بريطانيا الدولة الأولى، وكانت ألمانيا تزاحمها على هذا المركز، حتى كادت أن تكون الدولة الأولى، إلى أن كانت الحرب العالمية الثانية، واشتركت أميركا في الحرب، وانتهت الحرب بأن أصبحت أميركا هي الدولة الأولى في رسم السياسة الدولية والموقف الدولي، حيث كانت أقدر الدول على جعل السياسة الدولية بجانبها، وظلت تسيطر على الموقف الدولي، لا تقع ولا تنفَّذ إلا الأحداث السياسية التي تريدها. ومع ذلك فقد استمر الاتحاد السوفياتي حينها، وبريطانيا، وفرنسا، تحاول مزاحمتها، وكانت تشاركها التأثير في السياسة العالمية بقدر ما، حسب قوة هذه الدول، وبخاصة الاتحاد السوفياتي بشكل قوي، ثم بريطانيا بشكل أضعف.
    أما الاتحاد السوفياتي فقد نجح بالوقوف إلى جانب أمريكا كشريك وحليف، وتأخرت إنجلترا إلى الوراء، وصارت تنزل من أسفل إلى أسفل منه، حتى غدت على ما هي عليه الآن. وبيان ذلك أن إنجلترا، بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت تستفيق من ضربة الحرب، وأخذت تحاول زحزحة أميركا عن مركز الدولة الأولى، وصارت تقوم بأعمال سياسية لتؤثر على أميركا، فلم تشترك في الحرب الكورية إلا اشتراكاً رمزياً، وكانت تنقل أخبار أميركا الحربية إلى الصين، والصين هي التي كانت تقوم في الحقيقة بالحرب الكورية، واستطاعت إنجلترا بوسائلها الخفية الخبيثة أن تؤثر على مركز أميركا الدولي في الحرب الكورية، مما زعزع مركزها. وأيضاً وقفت في مؤتمر جنيف الذي عقد من أجل الهند الصينية بجانب المعسكر الشرقي، فخرجت بقرارات في صالح المعسكر الشرقي. وأيضاً فقد كانت تنقل لروسيا أخبار أميركا التجسسية والعسكرية، ومن ذلك ما نقلته عن طائرة ( يوتو ) لروسيا مما أدى إلى إسقاطها. ثم ما كان من موقف ماكميلان في مؤتمر باريس من الوقوف إلى جانب خروشوف ضد ايزنهاور، ومحاولة إذلال ايزنهاور بوصفه رئيس الولايات المتحدة، مما أدى إلى فشل المؤتمر وإضعاف مركز أميركا. وهكذا قامت بأعمال كثيرة لضرب أميركا، محاولةً التأثير على مركز الدولة الأولى، ولكن أميركا فطنت لكل ذلك. ثم كان اجتماع خروشوف بكندي في فينّا، ومن ذلك التاريخ تحولت إنجلترا من موقف المهاجم لأميركا إلى موقف المدافع عن نفسها، حيث بدأت روسيا (الاتحاد السوفياتي) وأميركا معاً في تصفية إنجلترا في العالم.
    لقد كان الاتحاد السوفياتي يشعل الحرب الباردة ضد المعسكر الغربي، ويخص أميركا بالقدر الأكبر من ذلك، فكان يحاول أن يأخذ زمام المبادرة من المعسكر الغربي، ويعمل لزحزحة أميركا عن مركز الدولة الأولى؛ ليكون هو الدولة الأولى في العالم، وقد نجح في عدة أعمال، فاستطاع أن ينقل أميركا من حصنها الحصين، وهو هيئة الأمم المتحدة، في حل المشاكل الدولية، إلى عقد مؤتمرات خارج هيئة الأمم، وكان يشجع إنجلترا على مزاحمة أميركا من أجل إضعاف مركز الدولة الأولى، وتوسيع شقة الخلاف من أجل إضعاف مركز الدولة الأولى، ووسع شقة الخلاف بين فرنسا وأميركا، وأثر كثيراً في الأعمال الدولية، وإلى جانب ذلك تقدم في مجال الفضاء حتى سبق أميركا، وتقدم في الأسلحة النووية وفي الصواريخ عابرة القارات، وأنشأ قاعدة عسكرية له في كوبا لتهديد أميركا، وفضح كثيراً من الأساليب الأميركية في الكونغو، ومصر، والجزائر، وغيرها. إلا أن كل ذلك، وإن أثر على أميركا كل التأثير، ولكنه لم يزحزحها عن مركز الدولة الأولى، وإنما كان انتصارات جزئية في بعض المسائل السياسية دولياً، إلا أن الاتحاد السوفياتي لم ييأس في الهجوم على أميركا بأساليب الحرب الباردة، إلى أن حصل اجتماع خروشوف بكندي سنة 1961م، حيث اجتمعا في شهر حزيران من ذلك العام في فينّا عاصمة النمسا، واتفقا على اقتسام العالم بينهما. وبعد ذلك التاريخ سقطت كل من بريطانيا وفرنسا من السياسة العالمية، وانفرد الاتحاد السوفياتي وأميركا معاً في رسم هذه السياسة. ولم تفلح جميع المحاولات التي قامت بها بريطانيا في أن يكون لها رأي في السياسة العالمية، وكذلك لم تفلح فرنسا، حتى في أيام ديغول، في أن تتقدم خطوة واحدة في إيجاد أي إمكانية لها في بحث السياسة العالمية، وظلت الحال كذلك حتى العام 1989م، حيث سقط جدار برلين، وانفرط عقد الاتحاد السوفياتي بعد ذلك بعامين بصورة رسمية، وانتهت الحرب الباردة، وورثت روسيا مكانة الاتحاد السوفياتي رسميا في بداية عقد التسعينات من القرن الماضي، لكنها أُسقطت من المركز الثاني في السياسة العالمية، ونشأ وضع دولي جديد أصبحت فيه الولايات المتحدة الأميركية لأول مرة بلا شريك دولي، ودخل العالم في مرحلة دولية غير مسبوقة، فحاولت أميركا في آخر عهد بوش الأب رسم سياسة دولية تفردية، ونادى بمصطلح النظام العالمي الجديد، ولكن هذا النظام لم يكتب له النجاح، وظلّ المصطلح ضبابياً، كما ظلّ الوضع الدولي غائماً، إلى أن جاء كلينتون إلى سدة الحكم في العام 1992م، فأرسى نظاماً دولياً جديداً، لا يعتمد على التفرد، وإنما يعتمد على التفوق.
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-08-07
  9. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    وبدأت إدارة كلينتون بإرساء قواعد هذا النظام الجديد، الذي كان من أهم أركانه انتهاج سياسة المشاركة مع القوى الكبرى الأخرى، التي تجلت في حسم مشاكل البلقان في البوسنة والهرسك وكوسوفا، كما تجلت في تفكيك الأسلحة النووية في كل من أوكرانيا، وروسيا البيضاء، بالتفاهم مع روسيا، وتم كذلك توقيع مذكرات تفاهم بين أميركا والدول التي كانت في السابق جزءاً من المنظومة الشرقية، واشترك في توقيع بعض هذه التفاهمات بريطانيا وألمانيا. واستطاعت أميركا في هذه الحقبة أيضاً، وبفضل سياسات المشاركة، أن توسع حلف شمال الأطلسي، بالتعاون مع الدول الأوروبية الغربية، التي استفادت هي الأخرى من توسيع دول الاتحاد الأوروبي، وتم هذا التوسع وذاك التوسيع على حساب روسيا، وعلى حساب نفوذها.
    وتميزت هذه الفترة بصعود القوة الألمانية، حيث صاحب ضعف الاتحاد السوفياتي، وانهيار جدار برلين، وإزالة السند عن ألمانيا الشرقية، صاحب ذلك توحيد ألمانيا الشرقية مع ألمانيا الغربية بسرعة قياسية، وأن تصبح أكبر قوة اقتصادية في أوروبا، وأن تتحول إلى قوة سياسية فاعلة ومؤثرة تتقرب إليها أميركا وأوروبا، حتى صار الحديث عن دخول ألمانيا نادي الدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن موضع تساؤل، أميركياً، وأوروبياً، وعالمياً.
    ورافق هذا الوضع السياسي الجديد، وضع اقتصادي جديد، حيث تم تفعيل سياسات السوق بشكل كبير، وتمثل ذلك في سياسات العولمة التي فرضت نفسها على العالم، فاتحدت الشركات، وتعملقت، وبرزت كلاعب اقتصادي رئيسي يملي سياساته على الحكومات، وصارت الشركات متعددة الجنسيات حديث الاقتصاديين، وتم تحويل اتفاقية الجات في العام 1995م إلى منظمة تجارة دولية تحمي سياسات العولمة بغطاء قانوني، كما تم تفعيل دور صندوق النقد والبنك العالميين، بحيث صار هذا الثالوث، وهو منظمة التجارة والصندوق والبنك، يستخدم من قبل الدول الكبرى، كأداة تدخل وضغط في سياسات الدول الاقتصادية، وقد اعترف كل من لورنس إيجلبرجر وزير خارجية أميركا السابق، وميشيل كامديسو رئيس صندوق النقد الدولي، اعترفا بأنهما استخدما الصندوق في الإطاحة بنظام سوهارتو عن طريق فرض سياسة تعويم العملة، وحرمانه من القروض إن لم يقبل بهذه السياسة، فخضع للطلب، وعوَّم العملة وأطيح به.
    كما تم تفعيل دور G7 وهي الدول السبع الصناعية، وذلك بإضافة روسيا إليها، وهكذا سيطرت هذه الدول الثماني وهي: أميركا، واليابان، وألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وكندا، وروسيا، سيطرت هذه الدول على السياسات العالمية الاقتصادية والنقدية، فإذا أضفنا إلى هذه الدول الثماني دولة الصين بما لها من ثقل اقتصادي كبير، وبما تملك من قوة نووية، ومركز ثقل سكاني، ومقعد دائم في مجلس الأمن، إذا أضفنا دولة الصين بما تملكه من هذه القوى، فإنه يمكننا القول، بشيء من التجاوز، إن الدول الكبرى في العالم اليوم هي هذه الدول التسع، ولكن تفاوت قوة هذه الدول يجعلنا نسقط منها دولتين وهما إيطاليا وكندا، كونهما لا تملكان أية قوى سياسية أو جيوسياسية، تؤهلهما للعب دور عالمي، وبذلك تبقى الدول المؤثرة في السياسات العالمية سبع دول وهي: أميركا، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، والصين، واليابان. ومع اختلاف هذه الدول في التأثير العالمي، فالخمس الأولى تتطلع للتأثير في مناطق مختلفة من العالم، مع تفوّق هائل لأميركا على الأربع الأخرى. والسادسة (الصين) يتركز تطلعها إلى التأثير في محيطها الإقليمي. والسابعة (اليابان) تتطلع إلى التأثير في مناطق مختلفة من العالم، ولكن على الأساس الاقتصادي.
    يقول وزير خارجية فرنسا السابق هوبر فيدرين في كتابه "رهانات فرنسا في زمن العولمة": «إن هذه القوة الوحيدة (أميركا) التي تهيمن على كل المجالات الاقتصادية، والتكنولوجية، والعسكرية، والنقدية، واللغوية، والثقافية، حالة غير مسبوقة في التاريخ» على حد وصفه. ثم يضع فيدرين تصنيفاً خاصاً للدول من حيث القوة والنفوذ فيقول: «إن الولايات المتحدة تمثل المرتبة الأولى في العالم بلا منازع، ويأتي بعدها في الصف الثاني سبع دول ذات نفوذ عالمي هي: فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وروسيا، والصين، واليابان، والهند، شريطة أن تشرع في توسيع رؤيتها التي لا تزال إقليمية». ويقول: «إن معايير هذا التصنيف كثيرة، منها الدخل القومي، والمستوى التكنولوجي، والسلاح النووي، ثم المستوى الكمي والكيفي للأسلحة، والارتباط بمنظمات وتشكيلات دولية، مثل مجلس الأمن، ومجموعة الـ8، أو الاتحاد الأوروبي، ثم ترويج اللغة والتأثير الثقافي الموروث من الماضي».
    ولكن الأدق من رأي فيدرين هذا هو أنه بعد أميركا الدولة العملاقة، التي لا تدانيها أية دولة في أوائل القرن الحادي والعشرين، تأتي ثلاث دول كبرى حقيقية هي: روسيا، وبريطانيا، وفرنسا، ثم بعد هذه الثلاث مباشرة تأتي ألمانيا، وهذه الدول الأربع لها تطلعات دولية في أنحاء كثيرة من العالم. ثم الصين وهي دولة كبرى في حدود محيطها الإقليمي، ولولا ضيق تطلعها الدولي لزاحمت كل أو بعض الدول الأربع السابقة. وأما اليابان فهي أكبر الدول بعد أميركا اقتصادياً، وبذلك يكون ترتيب قوة الدول على النحو التالي: أميركا، روسيا، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، الصين، اليابان، على التوالي، حيث يمكن إطلاق دول كبرى على هذه السبع، أما الهند وكندا وإيطاليا فلا تستحق أن يطلق عليها دول كبرى، مع أنها هي التي تلي هذه السبع، وتشكل معها الدول العشر الأولى في العالم.
    ومع انتهاء القرن العشرين، وبداية الألفية الميلادية الثالثة، حاولت إدارة جورج بوش الابن تغيير قواعد اللعبة، فأسقطت سياسات المشاركة التي انتهجها كلينتون، وبدأت تفرض على القوى الكبرى سياساتها بالإكراه، وانسحبت من عدة معاهدات دولية مثل اتفاقية كيوتو، ومحكمة الجنايات الدولية، واتفاقيات سالت لتخفيض نشر الأسلحة الباليستية، وغيرها، وتوترت العلاقة بينها وبين الدول الكبرى أكثر فأكثر بوقوع أحداث الحادي عشر من أيلول العام 2001م، بتفجيرات مركز التجارة العالمي في نيويورك، ومبنى البنتاغون في واشنطن، فمنحها ذلك دفعة جديدة في اتجاه التفرد، واتخذت من هذه التفجيرات مبرراً لمحاربة ما أسمته بالإرهاب، فاحتلت أفغانستان والعراق تحت هذه الذريعة. وسادت الغطرسة السياسية الإدارة الأميركية، فتبنت سياسة "إما معنا أو ضدنا"، وأثارت هذه السياسات الجديدة ردات فعل غاضبة من الأوروبيين ومن غيرهم، واتهموها بالتبسيط والسذاجة، وطالبوا الأميركيين بأن يعودوا إلى المشاورة والمشاركة، لكن الأميركيين رفضوا العودة إلى قواعد المشاركة والمشاورة التي سار عليها كلينتون، وتمكن من يسمون بالمحافظين الجدد بقيادة ديك تشيني نائب الرئيس، ورامسفيلد وزير الدفاع، وولفوفيتز نائبه، وريتشارد بيرل رئيس مجلس السياسات الدفاعية، ودوغلاس فيث، وجون بولتون، وكوندوليزا رايس، وآخرين، تمكن هؤلاء من التأثير في قرارات بوش، بحيث وظفوا كل قدراتهم، ونفوذهم، والشركات التي تدعمهم، لخدمة هذه السياسات.
    وكان من أبرز هذه السياسات عدم الالتفات إلى الأمم المتحدة، وشرعيتها في اتخاذ القرارات، وجعل الأولوية للمصلحة الأميركية، فإن تعارضت هذه المصلحة مع الشرعية الدولية تم إهمال الشرعية الدولية، وإن لم تتعارض تم تفعيلها، وهكذا تعاملت مع مجلس الأمن، فإن نجحت في استصدار قرارات من المجلس كان به، وإلاّ تم إهماله وإغفاله.
    وحاولت أوروبا ممثلة في بريطانيا أن تثني الإدارة الأميركية عن الالتفاف على الشرعية الدولية، واستقطبت هذه المحاولة وزير الخارجية الأميركي كولن باول، ومال إليها الرئيس بوش، ولكن تكتل مجموعة المحافظين الجدد أفشل هذه المحاولة، وبقيت أميركا تتجاهل سياسات المشاركة، كما تتجاهل إعطاء دور فاعل للمنظمة الدولية.
    وعلى أية حال لم تستطع إدارة بوش الابن إسقاط الدول الكبرى، كبريطانيا، وروسيا، وفرنسا، وألمانيا، من لعب دور في السياسة الدولية، بل إن هذه السياسات التي انتهجتها إدارة بوش الابن قوَّت مواقف تلك الدول ولم تضعفها؛ لأنها لجأت إلى توحيد صفوفها دفاعاً عن نفسها أمام هذه الهجمة الأميركية الشرسة عليها، فتشكل محور فرنسا، ألمانيا، روسيا، وتعاون هذا المحور مع بريطانيا بشكل خفي، وتمكنت هذه الدول بالمقاومة والملاينة، أن تثبت مواقعها كدول كبرى فاعلة إلى حد ما في السياسة الدولية.
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-08-07
  11. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    العرف الدولي والقانون الدولي


    كانت المزاحمة على مركز الدولة الأولى في العصور السابقة لا تبرز فيها الأعمال السياسية المرتبطة بقانون دولي؛ لعدم وجوده، بل كانت تبرز فيها الأعمال العسكرية بالحروب، والغزوات، وانتقاص أطراف الدول، منذ فجر التاريخ، وظل الحال كذلك إلى منتصف القرن الثامن عشر، حيث توسع القانون الدولي، أو على الأصح وجد بشكل قانون وتشريع. ومنذ ذلك الوقت بدأت الأعمال السياسية تأخذ جانباً مهماً في العلاقات الدولية، وفي حل المشاكل الدولية، فصارت الأعمال السياسية تحل محل الأعمال العسكرية في حل المشاكل، وفي إيقاف سيطرة الدولة الأولى، والمزاحمة على مركزها. ومن يومئذ كثر تحكيم القانون الدولي في العلاقات الدولية، وكثر اتخاذ الأعمال السياسية أداة لحل المشاكل الدولية، إما وحدها، أو إلى جانب الحروب والغزوات. وتركز ذلك بشكل واضح بعد 1919م، حين أُنشئت عصبة الأمم، فقد كثر الاحتكام للقانون الدولي، والعرف الدولي. والأعمال السياسية التي تقوم بها الدول بشكل عام، والدول المزاحمة للدولة الأولى، والدولة الأولى نفسها بشكل خاص، إنما يستندون فيها إلى ما يسمى بالعرف الدولي، والقانون الدولي. فلا بد من إلقاء نظرة خاطفة على العرف الدولي، والقانون الدولي، لإدراك واقع الأعمال السياسية، وكيفية القيام بالأعمال السياسية من ناحية دولية.
    أما العرف الدولي فهو قديم قدم وجود الدول والإمارات والكيانات، وهو مجموعة القواعد التي نشأت جراء العلاقات بين المجموعات البشرية في حالة الحرب وفي حالة السلم، فصارت، جراء اتّباع المجموعات لها أمداً طويلاً، أعرافاً دولية، ثم استقرت هذه المجموعة من القواعد لدى الدول، وصارت الدول تعتبر نفسها ملتزمةً بهذه الأعراف التزاماً طوعياً، وصارت أشبه بالقانون، وهذا الالتزام التزام معنوي وليس التزاماً مادياً، وكانت المجموعات البشرية تتبعه طوعياً، وخوفاً من الرأي العام، ومن لا يتبعه يتعرض لنقمة الرأي العام، ويعّير في ذلك. ويعتبر من هذا القبيل، أي من قبيل الأعراف الدولية، اصطلاح العرب قبل الإسلام على منع القتال في الشهر الحرام؛ ولذلك فإن قريشاً أقامت النكير على الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين قامت سرية عبد الله بن جحش بقتل عمرو بن الحضرمي، وأسر رجلين من قريش، وأخذ قافلة التجارة، أقامت قريش النكير على ذلك، ونادت في كل مكان أن محمداً وأصحابه استحلوا الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدماء، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا الرجال، فاستعْدَت الرأي العام عليه؛ لأنه خالف الأعراف الدولية.
    وهكذا كانت بين جميع المجموعات البشرية قواعد متعارف عليها يتبعونها في الحرب والسلم، ومنها الرسل أو من يسمون بالسفراء، ومنها غنائم الحرب، إلى غير ذلك. إلا أن هذه الأعراف منها ما هو عام تتبعها جميع المجموعات البشرية مثل السفراء أي الرسل، ومنها ما هو خاص بمجموعات معينة. وكان هذا العرف يتطور وفقاً لحاجات الدول والإمارات والكيانات، أي وفقاً لحاجات المجموعات البشرية في علاقاتها مع بعضها كمجموعات، فكانت هذه الأعراف الدولية يحتكم إليها الناس للرأي العام، ويعيّر من يخالفها، فكانت تتبع طوعاً واختياراً بالتأثير المعنوي ليس غير، ولم تكن هناك قوة مادية تطبقها، فاستناداً إلى هذه الأعراف كانت تقوم أعمال سياسية من قبل المجموعات البشرية.
    وأما ما يسمى بالقانون الدولي فإنه نشأ ووجد ضد الدولة الإسلامية حين كانت تتمثل في الدولة العثمانية، وذلك أن الدولة العثمانية، بوصفها دولة إسلامية، قامت بغزو أوروبا، وأعلنت الجهاد على النصارى في أوروبا، وأخذت تفتح بلادهم بلداً بلداً، فاكتسحت ما يسمى باليونان، ورومانيا، وألبانيا، ويوغوسلافيا، والمجر، والنمسا، حتى وقفت على أسوار فينّا، وأثارت الرعب في جميع النصارى في أوروبا، ووجد عرف عام لدى النصارى أن الجيش الإسلامي لا يُغلب، وأن المسلمين حين يقاتلون لا يبالون بالموت؛ لاعتقادهم بأن لهم الجنة إذا قُتلوا، ولاعتقادهم بالقدر، والأجل. وقد رأى النصارى من شجاعة المسلمين وشدة فتكهم ما جعلهم يفرون من وجههم، مما سهّل على المسلمين اكتساح البلاد، وإخضاعها لسلطان الإسلام. وكان النصارى الأوروبيون في هذا العصر عبارة عن إمارات وإقطاعيات، فكانت دولاً مفككة، كل دولة مفككة إلى إمارات، يحكم كلاً منها سيد إقطاعي يقاسم الملك في السلطات، مما جعل الملك لا يستطيع إجبار هذه الإمارات على القتال، ولا يملك التعبير عنها أمام الغازين في كل ما يسمى بالشؤون الخارجية، فسهّل ذلك على المسلمين الغزو والفتح. وظل حال الدول الأوروبية كذلك حتى العصور الوسطى، أي حتى نهاية القرن السادس عشر. وفي القرن السادس عشر، أي في العصور الوسطى، أخذت الدول الأوروبية تتجمع لتكوّن عائلة واحدة تستطيع أن تقف في وجه الدولة الإسلامية، وكانت الكنيسة هي التي تسيطر عليها، والدين النصراني هو الذي يجمعها؛ لذلك أخذت تقوم بمحاولات لتكوين عائلة نصرانية من مجموعة الدول، وأخذوا يحددون العلاقات بينهم، فنشأ عن ذلك قواعد اصطلحوا عليها لتنظيم علاقاتهم مع بعضهم، فكان ذلك أول نشوء ما سمى فيما بعد بالقانون الدولي. فأساس نشأة القانون الدولي أن الدول الأوروبية النصرانية، في أوروبا تجمعت على أساس الرابطة النصرانية من أجل الوقوف في وجه الدولة الإسلامية، فأدى ذلك إلى نشوء ما يسمى بالأسرة الدولية النصرانية، واتفقت على قواعد فيما بينها، منها التساوي بين أفراد هذه الدول بالحقوق، ومنها أن لهذه الدول نفس المبادئ والمثل المشتركة، ومنها أن جميع هذه الدول تسلم للبابا الكاثوليكي بالسلطة الروحية العليا على اختلاف مذاهبها، فكانت هذه القواعد نواة القانون الدولي. إلا أن اجتماع هذه الدول النصرانية في البداية لم يؤثر؛ لأن القواعد التي اتفقت عليها لم تستطع جمعها، فإن نظام الإقطاع ظل حائلاً دون قوة الدولة، ودون تمكينها من مباشرة العلاقات الخارجية، وكان تسلط الكنيسة على الدول جاعلاً لها تابعاً من توابع الكنيسة، وسالباً منها سيادتها واستقلالها؛ ولذلك حصل صراع في الدولة لكي تتغلب على أمراء الإقطاع، وانتهى بتغلب الدولة، وزوال نظام الإقطاع. وفي الوقت نفسه حصل صراع بين الدولة والكنيسة أدى إلى إزالة سلطة الكنيسة عن الشؤون الداخلية والخارجية للدولة، بعد أن كانت الكنيسة تتحكم فيها، ولكن ظلت الدولة نصرانية، وكل ما في الأمر أنها نظمت علاقة الدولة بالكنيسة على شكل يؤكد استقلال الدولة. وقد أدى هذا إلى وجود دول قوية في أوروبا، ولكنها مع ذلك لم تستطع الوقوف في وجه الدولة الإسلامية، وظل الحال كذلك حتى منتصف القرن السابع عشر، أي حتى سنة 1648م. وفي هذه السنة عقدت الدول الأوروبية النصرانية مؤتمراً هو مؤتمر وستفاليا، وفي هذا المؤتمر وُضعت القواعد الثابتة لتنظيم العلاقات بين الدول الأوروبية النصرانية، ونظمت أسرة الدول النصرانية في مقابلة الدولة الإسلامية، فقد وضع المؤتمر القواعد التقليدية لما يسمى بالقانون الدولي، ولكنه لم يكن قانوناً دولياً عاماً، وإنما كان قانوناً دولياً للدول الأوروبية النصرانية ليس غير، ويحظر على الدولة الإسلامية الدخول في الأسرة الدولية، أو انطباق القانون الدولي عليها، ومنذ ذلك التاريخ وجد ما يسمى بالجماعة الدولية، وكانت تتكون من الدول الأوروبية النصرانية جميعاً بلا تمييز بين الدول الملكية والدول الجمهورية، أو بين الدول الكاثوليكية والدول البروتستانتية. وكانت قاصرة على دول غرب أوروبا في أول الأمر، ثم انضمت إليها فيما بعد سائر الدول الأوروبية النصرانية، ثم شملت الدول النصرانية غير الأوروبية، ولكنها ظلت محرمةً على الدولة الإسلامية إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث أصبحت الدولة الإسلامية في حالة هزال، وسميت بالرجل المريض، وحينئذ طلبت الدولة العثمانية الدخول في الأسرة الدولية فرُفض طلبها، ثم ألحت بذلك إلحاحاً شديداً، فاشتُرِط عليها شروط قاسية، منها عدم تحكيم الإسلام في علاقاتها الدولية، ومنها إدخال بعض القوانين الأوروبية، فقبلت الدولة العثمانية هذه الشروط، وخضعت لها. وبعد قبولها أن تتخلى عن كونها دولة إسلامية في العلاقات الدولية قُبل طلبها، وأُدخلت الأسرة الدولية سنة 1856 م، ثم بعد ذلك دخلت الأسرة الدولية دول أخرى غير نصرانية كاليابان؛ ولذلك يعتبر مؤتمر وستفاليا الذي عقد سنة 1648م هو الذي نظم القواعد التقليدية للقانون الدولي، وبناء على قواعده هذه وجدت الأعمال السياسية بشكل متميز، ووجدت الأعمال الدولية الجماعية.
    وكان من أبرز هذه القواعد فكرتان خطيرتان: إحداهما: فكرة التوازن الدولي، والثانية: فكرة المؤتمرات الدولية. أما فكرة التوازن الدولي، فهي تقضي بأنه إذا حاولت إحدى الدول التوسع على حساب الدول الأخرى، فإن سائر الدول تتكتل لتحول بينها وبين التوسع، محافظة على التوازن الدولي الذي هو كفيل بمنع الحروب وانتشار السلام. وأما فكرة المؤتمرات الدولية، فإن المؤتمر يتألف من مختلف الدول الأوروبية، وينعقد لبحث مشاكلها وشؤونها على ضوء المصالح الأوروبية، ثم تطورت هذه الفكرة إلى مؤتمرات الدول الكبرى التي تنعقد للنظر في شؤون العالم على ضوء مصالح هذه الدول الكبرى. وهاتان الفكرتان كانتا أساساً لما يعانيه العالم من الصعوبات التي يلاقيها في سبيل رفع سلطة الدول الاستعمارية والدول الكبرى.
    وأول مرة استُعملت فيها هاتان الفكرتان كانت في أيام نابليون، في أوائل القرن التاسع عشر. فحين قامت الثورة الفرنسية، ونشرت الأفكار التي تقوم على الحرية والمساواة، وعلى الاعتراف بحقوق الأفراد وحقوق الشعوب، استطاعت أن تغير الخريطة السياسية لأوروبا، وأن تنشئ دولاً جديدة، وأن تفني دولاً قديمة. حينئذ تجمعت الدول الأوروبية بحجة التوازن، وتألبت على فرنسا. وبعد أن هُزم نابليون اجتمعت هذه الدول في مؤتمر فينّا سنة 1815م، ونظرت في إعادة التوازن، وتنظيم شؤون العائلة الدولية النصرانية، فأعيدت الملكية إلى بروسيا والنمسا، وأقيم اتحاد فدرالي بين السويد والنرويج، وضُمّت بلجيكا إلى هولندا لتكونا دولة واحدة تحول دون التوسع الفرنسي، ووُضعت سويسرا في حياد دائم. ولتنفيذ قرارات هذا المؤتمر عقدت الدول المشتركة في المؤتمر تحالفاً فيما بينها، وهو حلف ملوك بروسيا وروسيا والنمسا، بموافقة ملك إنجلترا، ثم انضمت إليه فرنسا، أي تحالف بين الدول الكبرى للسيطرة على الدول الأخرى. ثم في سنة 1818م، عقدت معاهدة إكس لاشابل بين روسيا، وإنجلترا، وبروسيا، والنمسا، وفرنسا، التي اتفقت فيها هذه الدول على التدخل المسلح لقمع أي حركة ثورية تهدد النتائج التي انتهى إليها مؤتمر فينّا. وهكذا جعلت الدول الخمس الكبرى من نفسها الهيئة الحامية للأمن والنظام في الجماعة الدولية، أي في الأسرة الدولية النصرانية، ثم وسعت سلطتها فشملت بعض الأقطار الإسلامية بعد أن ضعفت الدولة العثمانية. وقد قامت هذه الدول بعدة تدخلات بحجة المحافظة على السلام، فتدخلت في نابولي سنة 1821م، وتدخلت في إسبانيا سنة 1827م، وفي البرتغال سنة 1826م، وفي مصر سنة 1840م. وقد حاولت هذه الدول الكبرى أن تتدخل في أميركا، فحاولت مساعدة إسبانيا على استرداد مستعمراتها في أميركا، ولكن الولايات المتحدة، وقد أصبحت دولة قوية يحسب لها حساب، حالت دون ذلك، فأصدر رئيس الولايات المتحدة جيمس مونرو تصريحه المشهور والمعروف بتصريح مونرو، وذلك سنة 1823م، وقد قال فيه: «إن الولايات المتحدة الأميركية لا تسمح لأية دولة أوروبية بالتدخل في شؤون القارة الأميركية، واحتلال أي جزء منها» فارتدعت هذه الدول عن التدخل.
    هذا هو أصل القانون الدولي وهذا هو الذي أوجد المبررات للتدخل، وأتاح للدول الكبرى أن تتحكم في الدول الأخرى، وهذا هو الذي تستند إليه الأعمال السياسية التي تقوم بها الدول لقضاء مصالحها، أو لمزاحمة الدولة الأولى. إلا أن هذه القواعد الدولية قد طرأ عليها شيء من التحويل، ولكنه كله تحويل في صالح الدول الكبرى، ومن أجل تنظيم مطامعها، أو بعبارة أخرى تقسيم منافع العالم فيما بينها على وجه لا يؤدي إلى الحروب والنزاع المسلح. فإن القرن التاسع عشر الميلادي كان عصر الاستعمار، فاندفعت فيه الدول في العالم تستعمر البلدان الضعيفة، فكان ينشأ من جراء هذا الاستعمار نزاع لم يصل إلى حد الحرب الكبيرة، ولكن لما تبين لإنجلترا وفرنسا وروسيا أن ألمانيا بقوتها الجبارة صارت تهددها، ورأوا أنها ستأخذ بترول البلاد الإسلامية في العراق، وتهدد إنجلترا في بترول إيران والجزيرة العربية، اتفقت هذه الدول الثلاث ضد ألمانيا، وأعلنت عليها الحرب، ودخلت الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا ضد الحلفاء، فكان النصر للحلفاء، إلا أن روسيا خرجت من هذا الحلف، فظلت فرنسا وإنجلترا وأميركا. أما أميركا فقد رجعت إلى عزلتها، فظل الميدان بين إنجلترا وفرنسا، فقامت هاتان الدولتان من أجل تنظيم الاستعمار بينهما، ومنع وجود النزاع المسلح، بإنشاء عصبة الأمم؛ وذلك لتنظيم شؤون الدول، ومنع الحروب فيما بينها. إلا أن عصبة الأمم فوق كونها نشأت في جو غريب من التناقض، فإنها صارت تتعثر؛ لأن سياسة الدول الكبرى لم تتغير، فكان همّ كل منها في مؤتمر الصلح تحقيق التوازن بين القوى المختلفة، وحماية مصالحها، واقتسام ممتلكات ألمانيا والدولة العثمانية، فلم تقبل الدول الاستعمارية أي مساس بسيادتها، واحتفظت بمستعمراتها، وأضافت إليها نوعاً جديداً من المستعمرات سمي باسم خدّاع ( الدول تحت الانتداب ) وكان من أثر هذا أن تعثرت عصبة الأمم في محاولتها للتوفيق الدولي واستتباب الأمن. وقد حاولت عقد اتفاقات دولية لضمان السلم، أي لضمان عدم نزاعها على المستعمرات. فوضع تحت كنف العصبة بروتوكول جنيف 1924م، والغرض منه تسوية المنازعات بالطرق السلمية، وفرض الرجوع إلى التحكيم الإجباري. ووضعت اتفاقيات لوكارنو 1925م، وقد قررت الضمان المتبادل والمساعدات المشتركة. ووضع ميثاق بريان كيلوج 1928م، وقد حرم الالتجاء إلى الحرب، وميثاق جنيف 1928م، وكان خاصاً بالتحكيم الإجباري. ولكن جميع هذه الاتفاقيات لم تستطع أن تحول دون فشل عصبة الأمم في مهمتها، واندلعت تحت سمعها وبصرها عدة حروب، منها الحرب الصينية اليابانية سنة 1933م، والحرب الإيطالية الحبشية سنة 1936م، وغزو ألمانيا للنمسا سنة 1938م، وغزوها لتشيكوسلوفاكيا سنة 1938م، ثم بولندا سنة 1939م، إلى أن نشبت الحرب العالمية الثانية سنة 1939م.
    هذا هو التحوّل الذي طرأ على العلاقات الدولية، فتحولت من مؤتمرات إلى منظمة دولية تقوم هي على حفظ الأمن الدولي، ولكن هذا التطور لم يغير شيئاً، وظلت الدول الكبرى تتنازع على المغانم إلى أن وقعت الحرب العالمية الثانية. وبعد الحرب العالمية الثانية رأت الدول الكبرى أن إنشاء منظمة دولية هو خير وسيلة لتنظيم العلاقات فيما بينها، وجعلتها في أول الأمر منظمة للدول التي دخلت الحرب، ثم وسعتها وجعلتها منظمة عالمية، يتاح دخولها لجميع دول العالم. ونظمت العلاقات الدولية بميثاق هذه المنظمة. وبهذا تكون العلاقات الدولية قد تحولت من مؤتمر للدول الكبرى للسيطرة على العالم، وتوزيع المغانم بينها، والحيلولة دون نشوء دولة كبرى غيرها، تَحولت إلى منظمة دولية لتنظيم العلاقات بينها، وضمان سيطرة الدول الكبرى، ثم إلى منظمة دولية تصبح كدولة عالمية، تنظم شؤون دول العالم وتسيطر عليها.
    إن الموقف الدولي بعد مؤتمر فينّا 1815م كان متمثلاً في الدول الأربع الكبرى: بروسيا، وروسيا، والنمسا، وإنجلترا. فلما حاولت فرنسا زحزحة هذه الدول عن مراكزها، وغيرت خريطة العالم، وغيرت الموقف الدولي، وصارت الدولة الأولى، تألبت عليها الدول الكبرى والأخرى، وقضت على مطامعها ثم أشركتها معها بالسيطرة على العالم، وصار الموقف الدولي متمثلا في هذه الدول الخمس. وأخذت إنجلترا تبرز شيئاً فشيئاً حتى صارت الدولة الأولى. ولما حاولت ألمانيا مزاحمة الدولة الأولى، والظفر بنفط البلاد الإسلامية، اتفقت إنجلترا وفرنسا وروسيا عليها، وحاربتها، وقضت على مطامعها، وانفردت باستعمار أكثر أجزاء العالم، وكانت حصة إنجلترا هي حصة الأسد، وأرضت فرنسا بفتات المائدة، وبإعطائها بعض المستعمرات. وصار الموقف الدولي متمثلاً في إنجلترا وفرنسا ومعهما إيطاليا، إلا أن إنجلترا ظلت هي الدولة الأولى، ثم وُجدت عصبة الأمم، وكانت الغاية الحقيقية من إيجادها هي المحافظة على مركز الدولة الأولى، ومنع دول أخرى من أن تزاحمها، ومنع أي دولة أخرى من أن تصبح دولة كبرى، وإن كانت أنشئت تحت حجة حفظ السلام العالمي. ولما حاولت ألمانيا مرة أخرى مزاحمة الدولة الأولى، وصارت دولة كبرى، اتفقت إنجلترا وفرنسا في أول الأمر، ثم إنجلترا وفرنسا وروسيا وأميركا، وشنّوا عليها الحرب العالمية الثانية حتى قضوا عليها.
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-08-07
  13. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    إلا أن نتيجة الحرب هذه المرة كانت ضد إنجلترا، فقد خرجت من الحرب محطمة الأضلاع. والدولةُ التي خرجت منتصرة إنما هي أميركا؛ ولذلك تحولت القوة الدولية من يد إنجلترا إلى يد أميركا، فصارت أميركا هي الدولة الأولى، وصار الموقف الدولي متمثلاً في أن أميركا هي الدولة الأولى، وأن الاتحاد السوفياتي هو الذي يزاحمها، وأن إنجلترا وفرنسا دولتان من الدرجة الثانية، أي دولتان ثانويتان في الموقف الدولي.
    إلا أنه طرأ على الموقف الدولي، بعد الحرب العالمية الثانية، عامل جديد وهو انقسام العالم دولياً إلى معسكرين، وهذا ما ضاعف حدة النزاع الدولي، وعقّد الموقف الدولي، ولم يكن ذلك بشكله الحالي موجوداً من قبل. نعم كان الموقف الدولي، قبل الحرب العالمية الأولى، مؤلفاً من كتل، ولكنها لم تكن معسكرات. وكان قبل الحرب العالمية الثانية منقسماً إلى جبهة الديمقراطيات، وجبهة الدكتاتوريات النازية والفاشية، ولكنه مع ذلك لم يكن انقسامه بشكل معسكرات مبدئية؛ لأن النازية والفاشية ليست أيٌّ منهما مبدأ، ولا ترقى لأن تصل إلى مبدأ؛ ولذلك لم تكن قبل الحرب العالمية الثانية معسكرات بالمعنى المبدئي. أما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد أصبح العالم ينقسم دولياً إلى معسكرين هما: المعسكر الغربي، والمعسكر الشرقي، وتعتبر أميركا الدولة الأولى في المعسكر الغربي، وتعتبر روسيا (الاتحاد السوفياتي) الدولة الأولى في المعسكر الشرقي. وأنه وإن كان المعسكران يتصارعان على أساس مبدئي، ويتنازعان على المصالح المتضاربة بينهما، إلا أنهما قاما على أساس دولي، إذ لم يكن المبدأ وحده هو مركز الانقسام إلى معسكرين، بل كانت معه المصالح الدولية أيضاً، غير أن هذه المصالح الدولية كانت تسير في المعسكر الشرقي وفق المبدأ الشيوعي، وحسب المقتضيات التي يستوجبها نشره. وتسير في المعسكر الغربي حسب سياسة نشر المبدأ، وفق المصالح القومية والوطنية، على أساس المبدأ الرأسمالي الذي يجعل النفعية مقياساً لكافة الأعمال في الحياة؛ ولذلك تجد في المعسكر الغربي دولاً على غير مبدئه، ولكن مصالحها مرتبطة بمصالحه، ولم يكن هذا موجوداً في المعسكر الشرقي؛ ولهذا كانت دول المعسكر الشرقي كلها شيوعية، ومن المعسكر نفسه، ولم يوجد فيه دول غير شيوعية؛ لأن مركزها كان المبدأ، في حين كان المعسكر الغربي مفككاً؛ لذلك كان بالإمكان إحداث ثغرات في المعسكر الغربي، وكان بالإمكان إخراج دول منه إلى المعسكر الشرقي، وكان بالإمكان أن يتكون من المعسكر الغربي معسكر آخر غير المعسكرين، يقف وحدة لها تأثيرها في الموقف الدولي في حالتي السلم والحرب.
    والذي كان يُنعم النظر في المعسكر الغربي كان يجد أن فيه انقساماً داخلياً ناتجاً عن تسنّم أميركا مركز الدولة الأولى. بعد أن كان هذا المركز لبريطانيا، وبعد أن كانت أميركا في عزلة عن الموقف الدولي. وهذا الانقسام ظاهر غير خفي، وهو الذي كان يؤخر قيام حرب عالمية. والدولة الأولى لم تسلك في السياسة الدولية مسلك زعيمة المعسكر، كما كانت الحال مع بريطانيا حينما كانت الدولة الأولى، بل تسلك مسلك قائدة المعسكر، وتفرض هذه القيادة على الجنود فرضاً؛ ولذلك كانت دول المعسكر القريبة في القوة من الدولة الأولى كبريطانيا مثلاً أكثر حقداً وأشد عصياناً من الدولة الضعيفة، وسر ذلك يرجع إلى سياسة أميركا نفسها، فإنها، بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية، صممت على انتزاع السيادة من جميع الدول، كما صممت على فرض سيادتها على العالم، واعتراها غرور لما لمست من قوتها وضخامة ثروتها، حتى رأت نفسها أنها يجب أن تسود جميع العالم، وأن الشعوب والدول تطلب عونها وتنشد رضاها؛ ولذلك غزت أوروبا بأعمال سياسية ومشاريع مالية ثم من بعدُ بانقلابات عسكرية في مستعمراتها، ولا سيما إنجلترا، وقد كانت الدولة الأولى وأكثر الدول مستعمرات، ثم فرنسا ثم هولندا. وهي بدل أن تهاجم المستعمرات هاجمت الدول المستعمِرة نفسها في مشروع مارشال، وفي بذل العون والقروض. حتى إذا تمكنت منها، اتجهت إلى المستعمرات، وأخذت تضمها إلى سيطرتها شيئاً فشيئاً، حتى تنتزع منها المستعمرات جميعاً، ولكن بأسلوب يختلف عن الأسلوب الذي هاجمت فيه باقي الدول الأوروبية.
    وبذلك استحكم الخلاف بين دول المعسكر الغربي. وليس هذا الخلاف جديداً بل هو خلاف قديم. فقد بدأ هذا الخلاف في المعسكر الغربي قبل الحرب العالمية الثانية، إلا أنه لم يكن خلافاً في معسكر واحد، وإنما خلاف اقتصادي بين دولتين، ثم تحول إلى خلاف سياسي في معسكر واحد. ويرجع هذا الخلاف إلى المشاكل الاقتصادية، ولا سيما مشكلة البترول؛ لأن الاتفاقيات المتعلقة به هي بين بريطانيا وأميركا، وحاجة بريطانيا إلى مساندة أميركا لها هي التي أدت إلى الخلاف بين هاتين الدولتين، وبالتالي بين دول المعسكر الغربي، وذلك أن بريطانيا بعد أن تركز لها الموقف بعد الحرب العالمية الأولى، كانت تزاحمها فرنسا، وكانت هذه المزاحمة ظاهرة، فكانت تعمل لإضعاف فرنسا بتقوية ألمانيا من جهة، وبتشجيع الحركات الوطنية والقومية في المستعمرات من جهة أخرى. فأوجدت متاعب لفرنسا، وأشغلتها بالعمل لاتقاء خطر ألمانيا.
    غير أنه نبت في الموقف الدولي حينئذ أمر إيطاليا، وظهر أمر ألمانيا في قوة تهدد موقف بريطانيا وفرنسا معاً، وظهر محور روما - برلين. فكان لا بد لبريطانيا من أن تُخرج أميركا من عزلتها، فأطمعتها في بترول الشرق، وكانت اتفاقيات البترول. إلا أن أميركا بعد أن بدأت في التنقيب عن البترول أدركت الشركات الأميركية فيها قيمة بترول الشرق، لا بالنسبة للربح الاقتصادي فقط، بل بالنسبة للكيان الأميركي نفسه؛ ولذلك بدأت تنتزع آبار النفط، وامتيازات البترول، من الشركات الإنجليزية، وبدأت تتفوق عليها، فصار التزاحم بين الشركات الإنجليزية والأميركية. وبخروج الشركات الأميركية إلى الشرق، خرجت أميركا من عزلتها، ثم كانت الحرب العالمية الثانية، فانتقلت أميركا إلى منزلة الدولة الأولى في الاستعمار، وهبطت إنجلترا وفرنسا وهولندا. أما هولندا فإنها لضعفها قد انتهى أمرها، وأما بريطانيا فإنها قد خسرت بعض نفوذها في الشرق، وخسرت بعض نفوذها في حوض البحر الأبيض المتوسط، وخسرت بعض نفوذها عند بعض الدول الصغرى، ما جعل موقفها دولياً يهبط إلى مستوىً أدنى، واستمرت أميركا تلاحقها في تصفية نفوذها في جميع العالم. وأما فرنسا فإنها بعد أن ذهبت مستعمراتها في الشرق الأقصى وأفريقيا فقد ضعف أمرها، وبالرغم من محاولات ديغول لإنهاضها، وإعادة نفوذها دولياً، إلا أنه لم يتمكن من إعادتها إلى المسرح الدولي كما كانت سابقاً، وإن كانت لا تزال تعد من الدول الكبرى.
    ومن هذا كله يتبين أن انقسام المعسكر الغربي وتفككه بعد الحرب العالمية الثانية، وخلال الحرب الباردة، قد أضعف جميع دوله ما عدا أميركا، فإنها بتصفيتها لهذه الدول، بأخذ مستعمراتها، وبما لها من قوة ونفوذ، ظلت الدولة الأولى، وقَوِيَ مركزها. ولكن بريطانيا بقيت فترة من الزمن تقوم بمناورات سياسية، وأعمال عسكرية فرعية؛ للتأثير على مركز حليفتها أميركا، ولزحزحتها عن مركز الدولة الأولى، ثم اكتفت لاحقاً بمحاولة الحفاظ على مصالحها دون التأثير على مركز حليفتها أميركا، بعد أن بان لها قدر ضعفها، وما وصلت إليه من انحسار لقوتها، لاسيما في مواجهة دولة عملاقة بقدراتها العسكرية والاقتصادية كأميركا؛ لذلك كان المعسكر الغربي باعتباره وحدة، مفككاً متنازعاً يسود الشقاق والخلاف دوله كلها، وتتسابق فيما بينها على المنافع، ويكيد بعضها لبعض.
    أما المعسكر الشرقي، فإنه كان يقوم على الأساس المبدئي وحده، إلى أوائل ستينات القرن الماضي، وكانت تقوده روسيا (الاتحاد السوفياتي) قيادة فكرية وعسكرية، فكانت بمقام المعلم الوصي من جهة، وبمقام الحارس والقائد من جهة أخرى؛ ولذلك لم يكن بين دوله من ينافس روسيا (الاتحاد السوفياتي) على القيادة الفكرية والسياسية، بل ولم تكن تجرؤ أية دولة من دوله على الاعتراض على السياسة السوفياتية، فإن حدث فقد كان يتم القضاء على هذا الاعتراض بالقوة العسكرية إذا لزم. وسياسة المعسكر الشرقي قائمة منذ أيام ستالين داخلياً على أساس تقوية جهاز الدولة، وإعداد القوى العسكرية الحربية للدفاع والهجوم في آن واحد، وكانت سياسته الخارجية تقوم على أساس عدم إمكانية التعايش السلمي بين الرأسمالية والاشتراكية؛ ولذلك كان يرى أنه لا بد من دوام اتخاذ الرأسمالية خصماً سياسياً؛ لأنها في حقيقتها خصم فكري. وحين وقعت الحرب العالمية الثانية، تعاونت روسيا (الاتحاد السوفياتي) مع إنجلترا وفرنسا وأميركا في الحرب، وعاشوا فترة جنباً إلى جنب، ولكن هذه حالة ضرورية استثنائية ما لبثت أن تبخرت بعد انتهاء الحرب، ورجعت الحرب الباردة بين روسيا (الاتحاد السوفياتي) والدول الغربية، مع بقاء الاتصال السياسي. وهذا الاتصال السياسي كان في هيئة الأمم المتحدة، وفي المؤتمرات الدولية، والمجاملات الدبلوماسية، بالإضافة إلى التمثيل، ولم يكن يعني تغييراً في السياسة الشيوعية الأساسية، وإنما كان أسلوباً من الأساليب السياسية المتنوعة. أما السياسة الشيوعية تجاه المعسكر الغربي، فالأصل فيها أنها من الفكرة التي يقوم عليها الاتحاد السوفياتي، وذلك أن المبدأ الشيوعي يتضمن ما يدل على أن الرأسمالية والشيوعية لا يمكن أن يعيشا بسلام جنباً إلى جنب، وأنه لا بد من تغلب أحدهما على الآخر في آخر الأمر، وجميع الكتب الشيوعية تقول باستحالة تلافي النزاع بين المبدأين، وهذا الرأي من الآراء التي كان يراها كل من لينين وستالين، ولم يختلف رأي أحدهما عن الآخر، وجميع الشيوعيين كانوا متفقين على هذه الفكرة، ولم يكن يتاح لأي سياسي شيوعي، حاكماً كان أو غير حاكم، أن يسير في سياسة التعايش السلمي بين الرأسمالية والشيوعية؛ لأنه كان يعتبر خارجاً عن الفكرة الشيوعية في السياسة الخارجية.
    هذا هو واقع ما كان عليه المعسكران من ناحية مبدئية، ومن ناحية سياسية، ومن ناحية دولية، إلا انه منذ سنة 1961م قد طرأ تغيّر على المعسكرين من ناحية دولية أدى إلى تغيّر وضعهما الحقيقي، وأدى إلى تغيّر الموقف الدولي. وذلك أن المعسكرين منذ النصف الثاني من العقد السادس، أي منذ سنة 1956م، بدأت في كل منهما تحركات وتململات، وأخذت تنمو حتى أدت إلى تفسخ المعسكرين تفسخاً كاملاً، وأصبح المعسكران دولتين: الولايات المتحدة، والاتحاد السوفياتي، دون أن تحسب هاتان الدولتان لباقي دول معسكريهما أي حساب.
    أما بالنسبة للمعسكر الشيوعي فإن الدولة الشيوعية قامت على أساس غير قومي، على أساس مبدئي، أي قامت على أساس أن تكون دولة شيوعية في جميع العالم، ولجميع العالم. وهذا الأساس الزمها أمرين: أحدهما أن تظل في حالة استنفار دائم في الداخل، وإعداد جدي للقوى الاقتصادية، والقوى العسكرية؛ من أجل نشر الاشتراكية، وهذا يتطلب الضغط الشديد بشكل دائم على الشعب من ناحية سياسية، ومن ناحية اقتصادية؛ ولذلك ظلت الدولة الشيوعية كابوساً ثقيلاً على الشعب الروسي، وظلّ الروسيّ محروماً من ناحية اقتصادية من الكماليات، وحتى من بعض الضروريات، كل ذلك في سبيل نشر الاشتراكية في العالم. أما الأمر الثاني الذي أُلزمت به الدولة الشيوعية فهو الوقوف في حالة عداء مستحكم مع جميع الدول الغربية، بوصفها دولاً رأسمالية إمبريالية، وإشعال الحرب الباردة معها بشكل دائم، والاستعداد لخوض الحرب الحامية في كل وقت، وهذا هو الذي جعل العالم معسكرين متعاديين بشكل سافر، وفي وضع قد يجرهما للحرب الفعلية كل وقت. غير أن مفاسد الشيوعية المتراكمة لم تمكّن أصحابها من الاستمرار في شوط نظرياتها إلى منتهاه؛ ولذلك ففي أواخر الخمسينات من القرن الماضي، جاءت مدرسة جديدة للحكم، وأخذت تفسر الشيوعية تفسيراً جديداً يتفق مع مصالح روسيا، وهو أقرب إلى التفسير القومي منه إلى الشيوعي. فبالنسبة للسياسة الداخلية أوجدوا انفراجاً على الناس من ناحية سياسية، ومن ناحية اقتصادية، فخففوا الضغط على الناس، وأخذوا يسمحون تدريجياً بالبضائع الاستهلاكية. وبالنسبة للسياسة الخارجية أخذوا يحاولون التقرب من أميركا، وإيجاد علاقات أوثق معها، وصارت تجري بين روسيا (الاتحاد السوفياتي) وأميركا اتصالات سريعة للاتفاق على منع الحرب بينهما، ثم أخذت تتسع جوانب هذه الاتصالات حتى شملت جميع المسائل الدولية التي يمكن أن يكون هناك خلاف عليها بينهما، ولما نضجت هذه الاتصالات، عقد الاجتماع الخطير بين خروشوف وكندي في حزيران سنة 1961م، وجرى فيه الاتفاق الشامل على جميع المسائل الدولية، وبذلك تخلت روسيا (الاتحاد السوفياتي) عن فكرة مهمة من ناحية دولية، هي فكرة العداء الدائم بين الشيوعية والرأسمالية، واعتنقت فكرة التعايش السلمي بمعناها الرأسمالي.
    وأما المعسكر الرأسمالي فإن أميركا أدركت أن إنجلترا تعمل ضدها، وتحاول مزاحمتها على المغانم، ورأت أن حالة الحرب الباردة القائمة بين المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي هي حالة منهكة لقواها، فهي حالة ليست بالحرب فتنصرف إلى الإعدادات العسكرية عن التنمية الاقتصادية، وليست بالسلم فتنصرف إلى التنمية الاقتصادية عن الإعدادات العسكرية، بل هي حالة بين السلم والحرب، وهي تستهلك ثروة هائلة من ثروات الدولة في سبيل الإعداد العسكري لشيء وهمي، أي لحرب غير معروف أنها ستقع. وإلى جانب ذلك رأت أن إنجلترا بالذات هي التي تضرم نار هذه الحرب الباردة وتؤرثها، وأن قصدها من ذلك إبقاء أميركا في حالة تستنزف معها ثروتها وإمكانياتها، فتضعف تدريجياً، ويحصل حينئذ الإخلال بالتوازن الدولي، وأدركت أميركا أن مصلحتها هي في التقارب مع روسيا (الشيوعية) ضد بريطانيا (الرأسمالية). وحيث إن مفاسد الرأسمالية متراكمة كذلك، ولأن (النفعية) هي في أعلى سلم القيم عند الرأسماليين، حيث لا قيمة ثابتة عندهم، بل لهاث وراء المصالح المادية؛ لذلك صارت أميركا هي أيضاً تحاول تضييق شقة الخلاف بينها وبين روسيا (الاتحاد السوفياتي) وأخذت تحاول الدخول معها بمفاوضات، وذلك منذ النصف الثاني من العقد السادس من القرن الماضي، أي منذ أيام إيزنهاور وقبل مجيء كندي، وما إن جاء كندي حتى بادر لإتمام خطوة التقارب بين أميركا وروسيا، وما مرت سنة وبعض السنة على تسلمه الحكم حتى كان اجتماع فينّا في حزيران 1961م بينه وبين خروشوف، وحصل فيه الاتفاق الشامل على جميع المسائل الدولية التي يمكن أن يكون هناك خلاف عليها بينهما، وبذلك تخلت أميركا هي الأخرى عن فكرة مهمة اعتنقتها مدة تقرب من نصف قرن، ألا وهي فكرة القضاء على الشيوعية، وإزالتها من خريطة العالم، وبدأت بالتقارب مع الاتحاد السوفياتي فيما سمي بالتعايش السلمي، واستمرت في ذلك ما يزيد عن عقدين، إلى أن جاء ريغان لرئاسة أميركا في الثمانينات، حيث أعاد إحياء العمل للقضاء على الاتحاد السوفياتي من جديد.
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-08-07
  15. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    وهكذا اتفقت مصالح زعيمتي المعسكرين لتبقيا هما المتنفذتين دولياً، ولتحولا دون بروز غيرهما. ويبدو أنهما كذلك قد اتفقتا على سياسة احتواء الصين، وإخراج بريطانيا من مستعمراتها، وقلع نفوذها من الشرق الأوسط والأقصى، ومنع ألمانيا من عودتها دولةً نوويةً. ثم إنهما اتفقتا على التعايش السلمي بينهما أو ما سمي بالوفاق، وكذلك على عدم الالتجاء إلى القوة العسكرية في حل المشاكل بينهما، واتفقتا على اقتسام العالم بينهما، وتحديد مناطق نفوذ كل منهما، ومدى وجوب مساعدة إحداهما للأخرى في منطقة نفوذها، وبعبارة أخرى صارتا حليفتين تشكلان قوة عالمية واحدة. وبهذه الاتفاقات كلها تغير وضع العالم، وتغير الموقف الدولي.
    أما بالنسبة للموقف الدولي، فإن العالم لم يعد معسكرين تجاه بعضهما يتنازعان سياسياً واقتصادياً، وتتداول العلاقات بينهما مشاكل متعددة كما كان الحال قبل 1961م، وإنما صار العالم معسكرين فكرياً، فالفكرة الشيوعية بقيت، في تلك الحقبة، تتمثل في الدول الشيوعية، والفكرة والرأسمالية تتمثل في الدول الرأسمالية. والفكرتان لا يمكن التوفيق بينهما، فالعالم من هذه الناحية معسكران بلا شك. أما من ناحية دولية فقد زال المعسكران، وأصبح العالم كله قوة واحدة تتمثل في أميركا وروسيا، وصار هذان العملاقان وحدهما يتحكمان في العالم، مع السبق لأميركا في مركز الدولة الأولى.
    وعليه فإن المعسكرين الشرقي والغربي قد زالا، ولم تبق هناك معسكرات دولية في العالم، وإن الموقف الدولي قد تغيّر تغيّراً جذرياً، ورجع إلى ما كان عليه قبل الحرب العالمية الأولى، أي صار دولاً منفردةً تسعى كل دولة منها لأخذ المغانم وإضعاف غيرها من الدول، وصار الاحتكاك بين دولة ودولة لا بين معسكر ومعسكر، والفرق بين الحال في فترة الوفاق بعد اجتماع فينّا والحال قبل الحرب العالمية الأولى، أن الموقف الدولي صار تتحكم فيه دولتان كبيرتان، وتحاول باقي الدول أن تتقي شر الدولتين، وأن توجد بينها تجمعاً يشكل قوة تقف في وجه الدولتين، بخلاف الحال قبل الحرب العالمية الأولى، فقد كانت الدول الكبرى تكاد تكون متقاربة القوى، وإن كانت الدولة الأولى أقوى الجميع، وهذا التقارب قد تحول إلى إخلال بميزان القوى، ونزاع حاد على المغانم، أدى إلى نشوب الحرب العالمية الأولى.
    أما في فترة الوفاق، فإن قوة الدولتين مجتمعتين كانت تفوق بأضعاف كثيرة قوة أي دولة من دول العالم، أو حتى قوة جميع دول العالم، ولذلك لم تنشأ حرب عالمية كبرى بالمعنى المعروف سابقاً، بل لم يكن هناك احتمال أن يؤدي تجمع الدول الأخرى إلى احتكاك يؤدي إلى حرب عالمية. وكذلك الحال بين حالة الموقف الدولي في فترة الوفاق، وبين حالته قبل الحرب العالمية الثانية. فإنه قبل الحرب العالمية الثانية كان دولاً متفرقة، وإن كان قد أخذ شكل جبهات، ولكنه على أي حال كان قوى متقاربة في أول الأمر، ثم حصل اختلال بالتوازن، فقويت ألمانيا، وقويت إيطاليا، وقويت اليابان، ولم تقو إنجلترا وفرنسا، وكانت أميركا في عزلتها، فأدى هذا الاختلال في التوازن إلى اندفاع إيطاليا، وألمانيا، واليابان، كل بمفردها، إلى أخذ بلدان بطريق الحرب، وأدى ذلك بتتابعه إلى احتكاك قوى نتجت عنه الحرب العالمية الثانية، بخلاف الحال في فترة الوفاق، فإن الموقف الدولي يتمثل في العملاقين الكبيرين والاتفاق بينهما، وهو وضع لا يسمح بحدوث نزاع دولي يؤدي إلى حرب عالمية، وإنما يسمح فقط بنزاع بين بعض الدول والدولتين، أو بين بعض الدول مع بعضها، ولكن مثل هذا النزاع، وإن نتجت عنه حرب محلية، فإن قوة الدولتين العملاقتين كانت كفيلة بإطفاء هذه الحرب متى أرادتا.
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-08-07
  17. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    إلا أنه لم تكن سياسة الوفاق التي بدأت باتفاقية 1961م بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي تعني نهاية الصراع بين الشيوعية والرأسمالية، ولكنها كان لها مبرراتها وأسبابها، وكان كلا الطرفين قد أنهكته الحرب الباردة، والإعداد لشيء مجهول قد يحدث أو لا يحدث، فانصرفتا إلى الوفاق بينهما، واقتسام العالم؛ من أجل أن يتفرغ كل منهما لترتيب أموره الداخلية. وبانتهاء حرب فيتنام كان الوفاق قد بدأ يفقد أهميته. فقد أخرجت فرنسا من مستعمراتها، وعادت إلى أوروبا لتتقوى بها. وأما بريطانيا فقد شعرت بضعفها وبدأت تحاول التقوي بأوروبا من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وأصبح الاتحاد السوفياتي قوة عسكرية استراتيجية عملاقة، وحقق تفوقاً في مجال غزو الفضاء، واستطاع مدّ وجوده إلى مناطق بعيدة عن مجاله الحيوي، فأصبح قوة عالمية بشكل فعال.
    وبدأ الهجوم على سياسة الوفاق من معظم الفئات السياسية، من اليمينيين، ومن الليبراليين، وبدأت الولايات المتحدة تتنصل من الوفاق، وذلك راجع إلى أن الاتحاد السوفياتي بنى في ظله قوة دمار شامل هائلة أصبحت هاجس الولايات المتحدة، ومصدر الخطر عليها. وانتهى زمن أمن الولايات المتحدة المطلق، وأصبح يقوم على الردع المتبادل، أي على ربط مصير بمصير. وكان من آثاره الجانبية أن أخذت الدول الأوروبية في الانشقاق عن الولايات المتحدة، وأخذت تتبع سياسة مستقلة عنها في تعاملها مع الاتحاد السوفياتي، ما حدا بكيسنجر أن يطلق على عام 1973م عام أوروبا. وذلك راجع إلى أنه بحلول عام 1973م، حيث تم توقيع اتفاق باريس حول الوضع في فيتنام، كانت الولايات المتحدة وروسيا (الاتحاد السوفياتي) قد أخرجتا فرنسا من معظم مستعمراتها، وأجبرتا بريطانيا على تفكيك معظم قواعدها العسكرية حول العالم، وأخرجتاها من الكثير من مستعمراتها، وتم احتواء الصين. وبذلك يكون الوفاق قد فقد مبرراته. ولا شك أن الولايات المتحدة خرجت من الوفاق كقوة عسكرية عملاقة أكثر مما كانت، كما أنها أصبح لها نفوذ سياسي بالغ بسبب إخراج بريطانيا وفرنسا وهولندا من مستعمراتها والحلول محلها؛ لذا كان الوفاق قد آتى أكله بالنسبة للولايات المتحدة، ولا يعني أنه لم يكن له سلبيات، ولكن سلبياته لم تكن لتقارن بإيجابياته بالنسبة للولايات المتحدة، ولكنه في العام 1973م فقد مبرراته، فالتفتت أميركا إلى إنهاء الآثار السلبية التي تولدت عن سياسة الوفاق، ووضعت في أولويات عملها: الحد من مدّ الاتحاد السوفياتي نفوذه إلى مناطق بعيدة عن مجاله الحيوي، وإرهاق الاتحاد السوفياتي اقتصادياً، وإعادة أوروبا تحت المظلة الأميركية.
    أما بالنسبة لمدّ الاتحاد السوفياتي نفوذه خارج مجاله الحيوي، فكان هشاً، وذلك راجع إلى هشاشة الاقتصاد السوفياتي، وأنه يسهل قلعه في أي لحظة، لكنه كان يعطي الاتحاد السوفياتي حق المشاركة في القضايا الدولية، وهذا ما لم تكن تراه الولايات المتحدة، فهي رأت في سياسة الوفاق السبيل لاحتواء الاتحاد السوفياتي، لا لجعله نداً للولايات المتحدة؛ لذا رأت وجوب إخراجه من مناطق نفوذه خارج مجاله الحيوي.
    وأما إرهاق الاتحاد السوفياتي اقتصادياً، فقد رأت الولايات المتحدة أن خوض سباق التسلح مع الاتحاد السوفياتي يرهق اقتصاده، ويدفعه للانهيار. وقد بدأ ذلك في أواخر السبعينات في عهد كارتر، ولكنه اشتد وأصبح الحدث الأبرز الذي ميّز سياسة إدارة ريغان، فإنه هو الذي أجج سباق التسلح. فسار في البرامج التي وضعها سلفه كارتر، وأهمها صواريخ إم إكس المتحركة، وزاد عليها بأن تبنّى مبادرة الدفاع الاستراتيجي، أو حرب النجوم. وتقضي هذه الاستراتيجية بإطلاق تكنولوجيا لإيجاد درع واقية من صواريخ الأعداء. ما أوهم الاتحاد السوفياتي بأن ترسانته النووية ستكون دون أي مفعول حال قيام حرب نووية؛ وهذا يعني اختلال ميزان القوى، وتشجيع قيام أميركا بحرب نووية، ما دفع الاتحاد السوفياتي إلى المحاولة لتطوير أنظمته الدفاعية. ذلك أنه بحسب المعطيات الموجودة لم يعد بالإمكان التنافس في مجال الأسلحة الهجومية؛ لذا كان انتقال التنافس من تطوير وسائل الهجوم إلى تطوير وسائل الدفاع. ومع أن استراتيجية ريغان الدفاعية، أو حرب النجوم، وإن أحرزت بعض التقدم في بدايتها، لم تكن وصلت إلى حد القول إنه تم التوصل إلى تكنولوجيا قادرة على بناء هذه الدرع الصاروخية، فإنه قد ثبت علمياً أنه من شبه المستحيل التوصل إلى مدافع ليزر، قادرة على تصويب أشعة الليزر بالكثافة المطلوبة؛ لتستطيع تدمير الصواريخ عابرة القارات، وهي لا زالت في الفضاء قبل عودتها إلى المجال الجوي، لكن ريغان أعلن عن تبني هذه المبادرة الدفاعية، رغم أنها لم تكن وصلت مراحل متقدمة في التطوير، واستطاع بها إرباك الاتحاد السوفياتي، وجرّه إلى سباق تسلح جديد لم يكن ليحتمله اقتصاده المهترئ أصلاً،
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2005-08-07
  19. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0
    هذا على الرغم من أن استراتيجية حرب النجوم تخالف المعاهدة التي وقعتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي عام 1972م، المتعلقة بالصواريخ المضادة للصواريخ. ولكن ريغان أصر على أن مبادرته لا تتناقض مع ذلك الاتفاق، مصعداً بذلك الموقف مع الاتحاد السوفياتي، ومن الممكن القول إنه بفعله هذا قد أنهى آخر معالم سياسة الوفاق.
    لقد جرّت أعمال ريغان هذه الاتحاد السوفياتي إلى سباق تسلح جديد، وإن كان هذه المرة لتطوير الأنظمة الدفاعية لا الهجومية؛ وذلك لإرهاق الاتحاد السوفياتي اقتصادياً، ودفعه إلى الرجوع إلى مجاله الحيوي المتفق عليه في اتفاقية 1961م في فينّا، أو حتى دفعه إلى الانهيار.
    أما أوروبا التي استغلت فترة الوفاق للتفلت من هيمنة الولايات المتحدة، فقد باشر الساسة الأميركيون أعمالهم لإعادتها تحت المظلة الأميركية، بعد أن كادت تغادر هذه المظلة منذ عام 1973م، الذي أطلق عليه كيسنجر عام أوروبا، حيث أخذت دول أوروبا تردد أن مصالحها غير مصالح الولايات المتحدة، وأخذت تنأى بنفسها عن أن تدخل في حرب إلى جانب الولايات المتحدة دفاعاً عن المصالح الأميركية فحسب. فقامت أميركا عام 1982م بنشر صواريخها متوسطة المدى من طراز بيرشنغ2 وكروز في أوروبا، بحجة أن الاتحاد السوفياتي ينشر صواريخه المتوسطة المدى في أوروبا، وبعدما رفض إزالتها. وبذلك ربطت الولايات المتحدة أمن الدول الأوروبية بأمنها، بحجة الدفاع عنها، فربطت مصيرها بمصير الولايات المتحدة ربطاً لا تستطيع أوروبا الانفكاك عنه.
    ومع فوز ريغان بفترة رئاسة ثانية، أصبح غورباتشوف، سنة 1985م، زعيماً للاتحاد السوفياتي، وما إن وصل للسلطة حتى بدأ الاتحاد السوفياتي يقدم التنازلات تلو التنازلات للولايات المتحدة، وأصبح بذلك الاتحاد السوفياتي يترنح على طريق الانهيار؛ لذا كان ريغان محقاً عندما سئل لدى مغادرته البيت الأبيض عما يعتقد أنه أهم إنجازاته كرئيس، فأجاب ريغان: «يقولون إنني ربحت الحرب الباردة».
    وهكذا فقد طرأ تغيّر جذري على الموقف الدولي مع مغادرة ريغان للبيت الأبيض، حيث أصبحت سياسة الوفاق منتهية تماماً، وأصبح الاتحاد السوفياتي يترنح بجرّه إلى سباق التسلح وإرهاقه اقتصادياً، إضافة إلى ما كان يتم من وقوف بجانب المنشقين السوفيات وصفوف المعارضة. وشنّت حملة إعلامية دولية لمحاربة الأيديولوجية السوفياتية، ما يعني أن الولايات المتحدة لم يعد عندها شيء يسمى الوفاق، بل شنّت هجوماً سياسياً، واقتصادياً، وأيديولوجياً، على الاتحاد السوفياتي، ما أدى إلى تقهقر نفوذه، أو محاولاته للنفوذ في العالم خارج مجاله الحيوي، وإلى انهياره اقتصاديا داخلياً، إلى جانب ظهور جهات معارضة للسياسة السوفياتية في داخل الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي بشكل عام، ثم في العالم. واستمر ذلك إلى أن انهار الاتحاد السوفياتي في أوائل تسعينات القرن الماضي، وأصبحت الولايات المتحدة دولةً أولى دون مزاحم يقترب منها، كما كان عليه الحال سابقاً.
    والخلاصة أن الوضع الذي تقلبت عليه الدول في العالم، هو أن العالم في القديم كانت تتحكم فيه: الدولة العثمانية، وبروسيا، وروسيا، والنمسا، وإنجلترا، وفرنسا، وكانت هذه الدول هي التي تصرّف شؤون العالم، وتهدّد السلم، وتقرر الحرب. ثم وُجدت الولايات المتحدة، فحدّت من هذه الدول، وجعلتها محصورة في العالم القديم، وأبعدتها عن أميركا. ثم سقطت النمسا عن اعتبارها دولة كبرى، فصارت دول العالم خمساً هي: روسيا، وألمانيا، وإنجلترا، وفرنسا، والدولة العثمانية. ثم سقطت الدولة العثمانية، فبقيت الدول الكبرى المتحكمة في العالم أربعاً هي: روسيا، وألمانيا، وفرنسا، وإنجلترا. ثم بعد الحرب العالمية الأولى، صارت روسيا في عزلة بقيام الشيوعية فيها، واستيلاء الحزب الشيوعي فيها على الحكم، وسقطت ألمانيا بهزيمتها في الحرب العالمية الأولى، فصارت الدول الكبرى دولتين، هما: إنجلترا وفرنسا. وكانت إنجلترا هي المتصرّفة في العالم كله ما عدا أميركا، وأصبحت فرنسا تلهث وراء إنجلترا. وفي أوائل العقد الرابع، أي سنة 1933م، قبض الحزب النازي على الحكم، وأخذ يعمل لرفع شأن ألمانيا، حتى عادت دولة كبرى. وقبل ذلك بقليل استولى موسوليني على الحكم في إيطاليا، وأخذ يعمل لرفع شأن إيطاليا، حتى صارت تعتبر دولة من الدول الكبرى. وظهر نجم اليابان، واتسع نفوذها بعد أن أصبحت من الدول الصناعية، فصارت تعتبر من الدول الكبرى. وقوي عود دولة الاتحاد السوفياتي، وصار لها وجود دولي، فرجعت إلى أن تعتبر دولة كبرى، فصارت الدول الكبرى ستاً هي: الاتحاد السوفياتي، وألمانيا، وإنجلترا، وفرنسا، وإيطاليا، واليابان، وظلّت أميركا في عزلتها. وبعد الحرب العالمية الثانية، هُزمت ألمانيا، وإيطاليا، واليابان، وضعف شأن هذه الدول الثلاث، وإلى جانب ذلك خرجت الولايات المتحدة من عزلتها، واندفعت تشارك في شؤون العالم، وحافظت على بقاء اعتبار إنجلترا وفرنسا دولتين كبيرتين، فصارت الدول الكبرى أربعاً هي: الاتحاد السوفياتي، وإنجلترا، وفرنسا، والولايات المتحدة، ثم بعد اتفاق الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة سنة 1961م، سقطت كلٌّ من إنجلترا وفرنسا عن اعتبارهما دولتين كبيرتين، وبذلك صارت الدول الكبرى دولتين اثنتين هما: الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. وباتفاقهما صارتا قوةً واحدةً، فصار العالم قوة كبرى واحدة تتكون من دولتين، ولم يبق هناك دول كبرى تتحكم في العالم غيرهما إلى قبيل انهيار الاتحاد السوفياتي.
    وبتولي غورباتشوف، سنة 1985م، زعامة الاتحاد السوفياتي، إبان فوز ريغان بفترة رئاسة ثانية، بدأ الاتحاد السوفياتي يقدم التنازلات تلو التنازلات للولايات المتحدة، وأصبح بذلك الاتحاد السوفياتي يترنح على طريق الانهيار؛ لذا كان ريغان محقاً عندما سئل لدى مغادرته البيت الأبيض عما يعتقد أنه أهم إنجازاته كرئيس، فأجاب ريغان: «يقولون إنني ربحت الحرب الباردة». وهذا ما أعاد سيطرة الدولة الواحدة الأولى على الموقف الدولي، وسقط اعتبار الاتحاد السوفياتي دولة كبرى. ثم تفكك الاتحاد السوفياتي، وورثت روسيا طاقاته وقوته العسكرية، إلا أنها أصبحت تعاني من الإفلاس السياسي، وفقدان الهوية المبدئية، إلى جانب مشاكلها الداخلية من اقتصادية، وسياسية، بسبب ما خلفته الشيوعية، ما أدى إلى تراجع تأثيرها على السياسة العالمية.
    بذلك أصبحت الولايات المتحدة الأميركية هي القوة الكبرى الوحيدة في العالم، أي الدولة الأولى القادرة على تسيير دفة السياسة العالمية، دون منافس يزاحمها على هذا المركز. وإنه كان (الثالوث) الأوروبي (فرنسا، بريطانيا، وألمانيا) قد حاول ويحاول دخول حلبة المزاحمة، كما حدث أثناء احتلال العراق سنة 2003م، وكما حدث في اجتماعاتهم حول إيجاد قوة أوروبية منفصلة عن حلف الأطلسي في العام نفسه، وفي مناقشتهم المشروع الأميركي للشرق الأوسط الذي عُرض على قمة الدول الصناعية الثماني في حزيران 2004م، إلا أنها ليست إلا محاولات لا ترقى إلى وصف المزاحمة المعروفة على مركز الدولة الأولى، وإنما هي محاولات لمشاركة أميركا قدراً من التأثير في السياسة الدولية.
    هذه هي الحال الذي وصل إليها الوضع الآن. وينبغي أن يُدرك أن الذي يتحكم في العالم على مر التاريخ هو الدول الكبرى، ولا سيما الدولة الأولى، وأن الدول الكبرى قد تضعف وتحل محلها دول أخرى فتغير الموقف الدولي، وأن هذا التغيّر في الوضع الدولي هو الذي يغيّر شكل العلاقات بين الدول الكبرى، ويجعل التفاوت في القوة والضعف بين وضع الدولة الأولى ووضع باقي الدول التي تزاحمها، فيضعف موقف الدولة الأولى كما حصل لإنجلترا حين زاحمتها ألمانيا، أو يقوى كما حصل من أميركا حين ضربت نفوذ إنجلترا وفرنسا، وأبقت التأثير الدولي فيها وفي روسيا بعد اجتماع فينّا، أو تصبح الدولة الأولى دون مزاحم على هذا المركز كما حصل بعد انهيار الاتحاد السوفياتي؛ وعليه فلا بد من إدراك هذا كلّه إدراكاً دقيقاً ومتطوراً حتى يتسنى فهم السياسة الدولية.
     

مشاركة هذه الصفحة