عبدالله سلام الحكيمي يفتح خزانة ذكرياته

الكاتب : زين الحسن   المشاهدات : 1,157   الردود : 10    ‏2005-08-07
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-08-07
  1. زين الحسن

    زين الحسن عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-11-16
    المشاركات:
    421
    الإعجاب :
    0
    [font=Tahoma[size=5]]عبدالله سلام الحكيمي يفتح خزانة ذكرياته «1» هكذا أصبح الرئيس إبراهيم الحمدي ناصريا









    رغم مرور اكثر من عقدين من الزمن الا ان اليمنيين لايزالون يذكرون بإعتزاز اقل من ثلاث سنوات حكم فيها شطر البلاد الشمالي الرئيس ابراهيم الحمدي حيث تمكن من القضاء على الفساد واوقف المواجهة بين الشطرين وتوصل الى اتفاق على اعلان الدولة اليمنية الواحدة قبل ان يغتال ليلة سفره الى عدن لاعلان الوحدة.


    فترة حكم الرئيس الحمدي مثلت تحولاً جذرياً في الاوضاع السياسية والاقتصادية ومع ذلك فان الغموض لايزال حتى الان يكتنف العلاقة التي جمعته بالتنظيم الناصري في البلاد. فمن يقول ان الحمدي سخر التنظيم لأغراضه وآخرون يقولون ان الناصريين استطاعوا استقطابه والوصول الى الحكم.. ما هي حقيقة العلاقة التي جمعت الطرفين وكيف اغتيل الحمدي وما هي تفاصيل الاتفاق الذي كان مقررا بموجبه اعلان يوم 14 اكتوبر 1977م عن قيام الجمهورية اليمنية، القيادي الناصري عبدالله سلام الحكيمي رئيس تحرير صحيفة 13 يونيو سابقا «26 سبتمبر حالياً» الناطقة بلسان الجيش ورئاسة الجمهورية آنذاك. شاهد على ما جرى، وهو يتحدث في هذا الحوار عن تلك الفترة.


    ـ ماذا دار في حواركم مع الرئيس الحمدي.. ماذا كانت شروطه وشروطكم؟


    ـ لم يكن حواراً بل بالاصح علاقة نشأت بين الناصريين والرئيس ابراهيم الحمدي، بدأت وتواصلت لفترة زمنية تمتد الى ما يقارب العامين، واتخذت صوراً عديدة منها ما هو مباشر وغير مباشر، وعملي ونظري، موارب وواضح، وكلها، كان لها هدف واحد يتمثل بفتح قنوات اتصال وخلق تفاهم يفضي الى تأسيس علاقة ما مع حركة 13 يونيو 1974م التصحيحية وقائدها.. ومن المهم ان اوضح الدوافع التي اقنعتنا بالعمل من اجل اقامة مثل تلك العلاقة فقد كانت المعلومات التي توفرت لدينا، بمتابعة وتحليل شخصية الحمدي وتوجهاته والمشروع الذي يحمله، استخلصنا منها انه كان يمثل، بشخصه نموذجاً متميزاً تتوفر لديه مواصفات القيادة المقتدرة من بين تركيبة مكونات الصف القيادي الاول في مؤسسة الحكم السابقة لحركته وكان واضحاً على نطاق واسع تمتعه بدرجة كبيرة من الطموح والذكاء وانه صاحب مشروع وطني عام ولم يكن اهتمامه محصوراً على النطاق الذاتي الشخصي الضيق.


    والرجل وبرغم كونه عسكرياً فقد كان قارئاً ومواظباً ذا شخصية مثقفة واعية، على خلاف الغالبية الساحقة من ضباط وقادة الجيش والأمن.


    وكان حريصاً على اجراء اتصالات ولقاءات مع اعداد مختارة من المثقفين والسياسيين البارزين على اختلاف توجهاتهم منذ فترة طويلة سابقة لقيامه بحركته اضف الى ذلك انه اقام صلات وثيقة ومنذ وقت مبكر بقيادات مهمة في «حركة القوميين العرب» و«الحزب الثوري الديمقراطي» الذي قام على انقاضها وورثها أواخر الستينيات اضافة الى علاقات بالاحزاب السياسية ذات التوجه اليساري والتي شكلت، فيما بعد اطارا سياسياً واحدا يضمها جميعاً تحت اسم «حزب الوحدة الشعبية» الذي اصبح بعد ذلك جزءاً من الحزب الاشتراكي وفرعاً له في الشطر الشمالي من الوطن وكل استنتاجنا عن شخصية الحمدي الفكرية والسياسية اشارت الى ان صلاته الوثيقة بتلك الاحزاب وخاصة «حركة القوميين العرب» ساهمت الى حد بعيد في تشكيل فكره السياسي وبالذات ما يتعلق بالتوجه القومي وتعميق ايمانه بقضية العدالة الاجتماعية.. وغير ذلك من القضايا والمفاهيم التغييرية المعاصرة.


    لهذه الاسباب وغيرها كانت قناعتنا راسخة باهمية اقامة علاقات تفاهم وتعاون مشترك بيننا وبين الرئيس ابراهيم الحمدي، ازدادت القناعة ترسخاً وساد في اوساط غالبية قياديينا وكوادرنا التنظيمية شعور بأهمية وضرورة قيام مثل تلك العلاقة.


    ـ هل افهم من هذا انكم قد اتخذتم قراراً بذلك؟


    ـ الشعور العام الذي ساد لدى الغالبية الساحقة من قياديينا وكوادرنا، كان تلقائياً وفردياً ولم يتبلور كرأي اذ وقف الناصريون الى جانب حركة يونيو بالتأييد والمساندة والتأصيل للحركة اعلاميا وسياسيا مع التركيز على المستوى الاعلامي ونهض بمسئوليات واعباء ومهام هذه المرحلة عدد محدود من الكوادر الذين كان لهم كتابات صحفية انذاك وفي مقدمتهم عمر الوصابي والمثقف البارز الراحل مطهر حسان وأنا ومعنا عدد محدود جدا من الكتاب الشباب.


    كتابات


    ـ لكنك قلت ان ما تم لم يكن بشكل منظم او ناتج عن قرار؟


    ـ الدور الاعلامي كان بمبادرات فردية ولم يكن تنفيذاً لتوجه حزبي بل كان بدافع من ذلك الشعور العام الذي اشرت اليه.


    تلك الكتابات كانت تتسم بطابع جديد مختلف الى حد كبير عن الكتابات والمقالات التقليدية المواكبة والمؤيدة للحركة والتي يغلب عليها السطحية والروتينية حيث تميزت بقدر عميق من الرؤية والمضامين الملتزمة بخط ونهج سياسي متكامل يسعى الى ابراز رؤية سياسية شاملة لمطلب التغيير والبناء الوطني المتكامل امام حركة 13 يونيو، وهو ما شد انظار سائر الاحزاب والقوى السياسية القائمة في الواقع شمالا وجنوباً بل وحتى قيادة حركة يونيو نفسها،


    وولد احساساً بان ما تطرحه تلك الكتابات انما يعبر عن رؤية والتزام حزبي سياسي تجاه سلطة حاكمة تمثله وتعبر عنه وهو ما جعل قيادة الحركة مستغربة تتساءل عن هؤلاء الذين يتولون التغطية الاعلامية السياسية المتميزة والمقتدرة ويقفون الى جانبها، من هم؟ ما هي توجهاتهم وانتماؤهم؟ ماذا يريدون؟ ما هي دوافعهم واهدافهم؟ وغير ذلك من التساؤلات حيث لم تكن هناك اتصالات او علاقات او حتى معرفة بين هؤلاء الكتاب كأشخاص او من يمثلونهم سياسيا وبين قيادة الحركة بشكل عام او بعض اعضائها بشكل خاص.


    .. والى جانب هذا الدور والنشاط الصحفي الاعلامي السياسي فقد كان هناك ايضا نشاطات وفعاليات نقوم بها على الصعيد الجماهيري السياسي لتعبئة وحشد التأييد والمساندة الشعبية لحركة 13 يونيو مثل تنظيم فعاليات ومهرجانات طلابية وقبلية وشعبية في بعض المدن وتبني مواقف مؤيدة ومساندة للحركة وهكذا.


    ـ وماذا تم على الصعيد الحزبي السياسي تحديداً؟


    ـ في مرحلة لاحقة كان الهدف تحقيق اقتراب اكثر مع قيادة الحركة وفتح قنوات اتصال مباشرة ليس بين قيادة الحركة والتنظيم الناصري وانما بينها وبين مجموعة من الاشخاص المتحمسين لحركة يونيو ونهجها ومن اولئك الذين تولوا اعباء المحطة الاولى على المستوى الاعلامي والسياسي.. وبالفعل تم فتح اول قناة غير رسمية للاتصال والحوار مع قيادة الحركة من خلال الرائد عبدالله عبدالعالم ـ عضو مجلس القيادة وقائد قوات المظلات انذاك، والذي كان منتمياً للتنظيم الناصري منذ بداية الستينيات ولفترة قصيرة من الزمن انتهت بعدها اية علاقة تنظيمية تربطه بالتنظيم..


    وقد تولى الشهيد عبدالسلام محمد مقبل ومعه حسين محمد عبدالعزيز الخامري مهمة البدء بهذه المرحلة ثم توسعت الدائرة لتشمل الى جانبهما عمر الوصابي ومطهر حسان وسالم السقاف وانا وبما ان عبدالله عبدالعالم كان ناصرياً قديماً فقد اتخذ حوارنا معه بصفتنا مجموعة من الشباب الوطني المتأثر بالتجربة الناصرية ونحن نمثل جزءا من تيار شعبي عام في اليمن معجب بالناصرية ومتأثر بها لكنه تيار عام غير مؤطر او منظم الا ان تلك المحاولات فشلت وانتهت.. وكنا في هذه المرحلة حريصين على عدم ترك اية شكوك او استنتاجات او مؤشرات تنبيء عن حقيقة انتمائنا او تمثيلنا لاي شكل او اطار حزبي قائم بالفعل ولعل ما ساعدنا على النجاح في تأكيد هذه الحقيقة ان كل الاحزاب والقوى السياسية القائمة في الساحة انذاك بالاضافة الى الاجهزة الامنية الرسمية متفقة على رؤية وتقييم واحد تجاه الناصريين على انهم بمثابة تيار عام غير منظم حزبياً.


    ـ هل هذا مؤشر على مخاوف كانت لديكم؟


    ـ ما كنا نريده هو السعي لنكتشف على وجه الدقة ما اذا كانت 13 يونيو التصحيحية قامت مستندة على تنظيم حزبي او اطار سري منظم ام لا؟ واذا كانت مستندة على تنظيم سري فهل هو عسكري صرف ام عسكري ومدني؟ واذا ما كان موجوداً فما هي ايديولوجيته وبرنامجه؟ اي أن مهمة هذه المرحلة كانت استكشافية لا اكثر.


    ولهذا فقد تمحور حوارنا مع قائد المظلات على قضية جوهرية هي التوضيح وخلق القناعة بأن كثير من التجارب الانسانية السياسية المعاصرة تؤكد على حقيقة ان اي حركة تغييرية جادة وشاملة تملك مشروعاً وطنياً للتغيير والبناء اما انها قامت بالاستناد على قوة سياسية منظمة او حزب منظم سلفاً او انها وجدت نفسها في امس الحاجة الى اقامة وتأسيس مثل ذلك التنظيم، وان حركة 13 يونيو من اجل ايجاد اقصى الضمانات لحمايتها وبقائها ونجاحها في تنفيذ مشروعها الوطني التحديثي هي في امس الحاجة بل والضرورة القصوى لاقامة قوة سياسية في اطار حزبي منظم يكون اداتها في التغيير وحلقة الوصل بينها وبين جماهيرها ووسيلتها لحشد وتعبئة قوى الشعب وتوظيفها بشكل منظم واكدنا في نهاية حوارنا على اننا في حالة ما اذا كانت الحركة تملك اداتها واطارها التنظيمي الخاص بها فاننا على استعداد لتوظيف وضم جهودنا وطاقاتنا اليه، واذا لم يوجد مثل ذلك الاطار المنظم فنحن على استعداد للتعاون مع الحركة والاعداد والتهيئة لاقامته وتأسيسه.


    وحوارنا في هذه المرحلة كان مقتصراً في مجمله على عبدالله عبدالعالم الذي كان يقوم مباشرة باطلاع الرئيس الحمدي اولا باول على مضامين ومجريات ذلك الحوار ويتلقى منه التوجيهات الضرورية.


    وفي نهاية المطاف ابلغنا بان الحركة لا تملك مثل ذلك التنظيم وان كان لها شبه تنظيم يقتصر على قادة وحدات عسكرية وكبار الضباط.. وعليه توصلنا الى اتفاق بالشروع في التمهيد والاعداد لتأسيس تنظيم سياسي وبدأنا بالفعل في اعداد مشروع البرنامج السياسي والنظام الاساسي.


    وفي المرحلة اللاحقة شهد خطابنا المؤيد للحركة مستوى ملحوظاً من التصعيد والتوسيع وشاركت فيه لاول مرة رابطة طلاب اليمن شمالا وجنوباً في مصر والتي كانت خاضعة لسيطرة الناصريين عبر المهرجانات الطلابية واصدار البيانات للحركة وقائدها وكانت هذه الرابطة المنبر السياسي الابرز والمعبر عن الناصريين اضافة الى عدد من الروابط الطلابية اليمنية الخاضعة لسيطرة الناصريين في بعض الدول العربية والاجنبية بالاضافة الى الحركة في اوساط فئات المجتمع ومنظماتها النقابية والاندية والاتحادات الطلابية والعمالية والقبائل والمغتربين والتعاونيات الاهلية للتطوير ولجان التصحيح المالي والاداري وغيرها.


    وقد اعقب ذلك وبعد ان وصل الحوار ذروته خطوة نوعية كبيرة وحاسمة الى الامام وهو خطوة لم تعتمد في اسلوبها على التقرب غير المباشر والموارب والمموه بل اعتمد على اسلوب مباشر وواضح ومكشوف.. وقد لعب الدور الاكبر فيها وقادها عيسى محمد سيف شخصياً بعد عودته من القاهرة حيث سبق له اجراء حوار سياسي علني بين الرئيس ابراهيم الحمدي خلال السنة الثانية من عمر حركة 13 يونيو في احتفال ومهرجان خطابي كبير اقامته في القاهرة رابطة الطلاب اليمنيين في مصر بمناسبة عيد ثورة 26 سبتمبر وصادف وجود الرئيس الحمدي هناك في زيارة رسمية لمصر ووقتها قرر الحضور والمشاركة في ذلك الاحتفال وقد ابدى اعجاباً كبيراً بشخصية عيسى وسعة ثقافته وقدرته السياسية واعطاه رقم تليفونه الخاص في مكتبه بالقيادة العامة بصنعاء طالبا منه فور عودته الى صنعاء الاتصال به واللقاء معه وكان عيسى على علم ومتابعة بمجريات ونتائج الحوارات وكان يعرف عبدالله عبدالعالم معرفة تنظيمية مباشرة فهو من تولى او شارك في عملية استقطابه وضمه الى التنظيم الناصري اوائل الستينيات في حين لم نكن نحن الذي تولينا ادارة الحوارات خلال المرحلة الاولى على معرفة شخصية او تنظيمية مباشرة بعبدالله عبدالعالم..


    وهكذا وعلى اثر عودة عيسى محمد سيف الى صنعاء التقى عبدالله عبدالعالم وطرح له حقيقة الامر بشكل واضح ومباشر ثم التقى بالرئيس الحمدي بمكتبه بالقيادة العامة للقوات المسلحة لقاء مطولا استمر حوالي ثلاث ساعات دار الحديث خلالها حول جملة من القضايا السياسية والفكرية والاوضاع الوطنية والقومية وتحدثا عن هموم ومشاكل ومعوقات التغيير والعمل الوطني وشروطه وضماناته وغير ذلك من القضايا وفيه اوضح عيسى للرئيس الحمدي لاول مرة وبشكل مباشر وصريح وجود تنظيم ناصري في اليمن يعمل منذ اوائل الستينيات مقدما صورة عن طبيعته ونطاق حركته وفكره وتوجهاته وغير ذلك من الجوانب الرئيسة العامة ومؤكداً بان الهدف الاساسي من وراء هذا التنظيم هو تغيير الواقع السلبي السييء المعاش وانه ليس مهما لدينا ان تتحقق تلك الاهداف والتطلعات من خلالنا وحدنا وانما نهتم بتحقيقها على الواقع بصرف النظر عن الجهة او القوة السياسية التي تحققها ومن واجبنا الوقوف والتأييد لكل جهد واتجاه نحوها ومن هذا المنطلق فنحن نعتبر حركة 13 يونيو صاحبة مشروع لا يختلف عن اهدافنا ونشعر باننا نقف في خندق واحد وينتظم في مسيرة واحدة ولهذا وقفنا معها وايدناها بكل ما نستطيع منذ بدايتها ونحن نشعر باهمية وضرورة ان تتوحد جهودنا وتتضافر قوانا في اطار وعمل واحد لتحقيق اهدافنا وغاياتنا المشتركة الواحدة كاشفاً له خلفية وحقيقة ما قمنا به من خلال المرحلتين السابقتين من حوارات والاهداف التي توخينا تحقيقها من ورائها.


    وبعد هذا اللقاء توالت سلسلة من اللقاءات والحوارات الجادة والايجابية بين الحمدي ومعه عبدالله عبدالعالم من جهة وبين عيسى محمد سيف ومعه عدد محدود من قيادة التنظيم الناصري وفي اطار التكتم والسرية كانت تعقد احياناً في منزل عبدالله عبدالعالم واحياناً قليلة في منزل الرئيس الحمدي.


    ثقة


    ـ هل من المعقول ان يمنحكم الرئيس الحمدي ثقة مطلقة ولا يخشى منكم؟ ـ في البدء كان الحمدي شديد الحرص على تكوين اعمق وادق معرفة لماهية هذا التنظيم وتركيبه واهدافه وشعاراته وحركته وفكره وتوجهه.


    وكانت الصورة ان التنظيم الناصري في اليمن مثل جزءاً من تنظيم قومي واحد نشأ قبل سنوات قليلة ماضية تحت اسم «الطليعة العربية» وان التنظيم القومي ذاك له قيادة قومية واحدة وقيادة فرعية في اليمن وانه ملتزم فكرياً وسياسياً بالفكر الذي صاغه الزعيم الراحل جمال عبدالناصر وتجربته السياسية في الحكم على مستوى القطر المصري وخاصة الوثائق الفكرية الثلاث فلسفة الثورة والميثاق الوطني وبيان او برنامج 30 مارس والشعارات الكبرى الملتزم بها الحرية والاشتراكية والوحدة.


    وقد تبين للرئيس الحمدي عدم انتماء بعض الوجوه او الشخصيات السياسية المخضرمة الكبيرة الى التنظيم وان الصفة الغالبة على تركيبته طلابية شبابية وكان هذا مبعث ارتياح له.


    من جانبه وضع امام الناصريين صورة اكثر تحديداً ووضوحاً حول حركة 13 يونيو وكيف قامت وماهي طبيعتها واهدافها وهي صورة اكدت الاستنتاج الذي وصل اليه الناصريون حولها وخاصة عدم استنادها الى اداة تنظيمية او اطار سياسي منظم عسكري او مدني وتبين لهم ان الامر لايعدو كونه مجرد علاقات وارتباطات تنظيمية فردية بسيطة تربط بعض القادة العسكريين ببعضهم في اطار شخصي على الأغلب.


    ـ يطرح ان الحمدي ضم للتنظيم الناصري ما دقة هذا الطرح؟


    ـ بعد نقاشات وحوارات حول الارتباط القومي والشعارات الاستراتيجية طرح الرئيس الحمدي اراء تتسم بقدر كبير من العمق والواقعية مشيرا الى ان الوطن العربي يعيش في ظل واقع تسود وتتحكم فيه حقائق التجزئة والدول القطرية بكل ما يترتب على حقيقة الدولة القطرية من اعتبارات ونتائج سياسية وقانونية ودستورية مما يتصادم مع واقع وجود تنظيم قومي واحد وفي ظل رغبتنا وسعينا الى ايجاد اطار سياسي تنظيمي واحد يوحد وينظم جهودنا على الصعيد الوطني القطري فسوف تنشأ اشكالات وتعقيدات حقيقية وعميقة تتعلق بحدود مسئولية التنظيم ونطاق حركته ومرجعيته القيادية وكيفية التعامل معها في ظل تنظيم قومي.


    مؤكدا على حقيقة الايمان المشترك بيننا حول الوحدة العربية والمنطلقات القومية.


    وفي ما يتعلق بالقضية الخاصة بشعار «الاشتراكية» اوضح انه شخصياً يفهم ويدرك ما تعنيه الاشتراكية وهو مقتنع باهدافها وغاياتها الانسانية في العدل والمساواة لكن المشكلة بان «الاشتراكية» كمفهوم وبسبب التطبيقات السيئة والمشوهة والمنحرفة لها في العديد من بلدان العالم الثالث فانها قد ابتذلت وافرغت من محتواها الحقيقي واصبحت تعطى شعوراً وانطباعاً سلبياً ومنفراً عند الكثيرين ونحن في اليمن عامة وفي اوساط الجيش والامن خاصة اذا طرحنا واستخدمنا شعار «الاشتراكية» فسوف نواجه بنفور واسع بل مواجهات وعداوات لسنا بحاجة لها ولهذا فهو يقترح استبدال الاشتراكية بشعار «العدالة الاجتماعية» وراح يسهب في شرح وتأصيل شعار «العدالة الاجتماعية» وبأنه اكثر عمقا وشمولاً من شعار الاشتراكية.


    وقد اتفق الطرفان على فك الارتباط والعلاقة التنظيمية بين التنظيم الناصري في اليمن «او فرع الطليعة العربية في اليمن» بالتنظيم القومي وتغيير اسمه وتحويله الى تنظيم وطني مع بقاء منطلقاته الفكرية واتفق على ان تطلق عليه تسمية الطلائع الوحدوية اليمنية.. وتم استبدال شعار الاشتراكية بشعار العدالة الاجتماعية بحيث تصبح الشعارات الاستراتيجية للتنظيم بصورته الجديدة حرية ـ عدالة اجتماعية ـ وحده.


    ـ اذن كان هناك توجه لتشكيل قيادة جديدة لحزب جديد؟


    ـ بعد ما حصل تركزت الحوارات والمناقشات في هذه المرحلة على كيفية بناء وتوسيع قاعدة التنظيم الجديد وخاصة اساليب ووسائل العمل السياسي التنظيمي داخل وحدات الجيش والامن واتفق على تشكيل لجنة مشتركة تكونت من ثمانية اعضاء اربعة يمثلون قيادات التنظيم المدني واربعة يمثلون القيادات العسكرية والثمانية هم تحديداً: عيسى محمد سيف ـ الامين العام للتنظيم، سالم محمد السقاف ـ الامين العام المساعد، عبدالسلام محمد مقبل ـ عضو القيادة التنفيذية المسئول السياسي، محمد احمد العفيف ـ عضو القيادة التنفيذية المسئول الامني، المقدم احمد حسين الغشمي ـ عضو مجلس القيادة نائب القائد العام رئيس هيئة الاركان العامة، المقدم عبدالله عبدالعالم ـ عضو مجلس القيادة قائد قوات المظلات، المقدم عبدالله محمد الحمدي ـ قائد قوات العمالقة، الرائد علي قناف زهرة ـ قائد اللواء السابع مدرع.


    واوكلت لها مهمة وضع برنامج التحرك التنظيمي داخل وحدات القوات المسلحة والامن وخاصة قادة الوحدات والالوية العسكرية والامنية ومتابعة خطوات العمل ودراسة اية معوقات ووضع الحلول لتجاوزها.


    وفي اتجاه مواز اختيرت مجموعة من كوادر التنظيم المدنية وعينوا مسئولين عن التوعية السياسية داخل الوحدات والالوية بحيث اصبح هناك مسئولا سياسياً مدنياً لدى كل وحدة او لواء عسكري.


    وهكذا يتضح ان المسألة لم تكن محصورة في شروط هذا الطرف او ذاك ولا كانت محصورة في انضمام او التحاق الشهيد الحمدي وزملائه بالتنظيم الناصري بل كانت عملية بحث ودراسة مختلف الجوانب الفكرية والسياسية والتنظيمية المتعلقة بتأسيس وبناء او اعادة بناء تنظيم سياسي جديد مختلف الى حد كبير عن التنظيم الناصري السري الذي كان قائما انذاك حيث كان من المفترض ان يكون هذا التنظيم الجديد في تأسيسه من حيث النطاق الجغرافي لحركته وطبيعته الوطنية ومنطلقاته الفكرية والسياسية الوطنية والقومية هو الآخر سري الوجود والحركة.


    ـ يطرح ان مجيء الحمدي الى السلطة كان برضا سعودي.. ما دقة هذا الطرح خصوصا والمعلومات تشير الى انه التقى بالملحق العسكري السعودي قبل ساعات من استقالة الشيخ عبدالله الاحمر وحل مجلس الشورى؟ ـ هذه القضية ذات طابع مهم وحساس ولهذا فانه يتوجب علينا معالجتها والنظر اليها في اطار مرحلتها التاريخية زماناً وظروفاً وليس بمنظور واوضاع وظروف وحقائق مرحلتنا الراهنة حرصاً على وضعها في سياقها التاريخي الصحيح والدقيق. لان الاوضاع العامة في البلاد كانت قد وصلت في مجالاتها الاقتصادية والادارية والاجتماعية انذاك الى مستوى كبير من التردي والتدهور والانفلات عكس نفسه سلبا على قطاعات واسعة من الرأي العام عاشت حالة ملموسة من التململ وعدم الرضا، كما ان النظام السياسي القائم حينها كان يعيش حالة مستحكمة من التأزم العميق نتيجة تصاعد الخلافات والصراعات بين الاطراف والقوى النافذة المكونة لتركيبته، وهو وضع اصاب دور ونفوذ الدولة بالشلل والعجز عن اداء مهامها والقيام بمسئولياتها ولم تجد كل محاولات اخراج النظام من ازمته العميقة نفعاً.


    وبسبب تردي ذلك ساد الشعب شعور بضرورة التغيير الجذري وكل من عايش اجواء تلك المرحلة يدرك بأن قطاعا واسعا من الرأي العام المحلي كان يتوقع حدوث التغيير بين لحظة واخرى.


    وجاء هذا عندما كانت علاقات اليمن بالسعودية قد بلغت اوج ازدهارها وتوسعها وتعمقها منذ اعادتها بعد المصالحة الوطنية التي تمت مع القوى الملكية واعتراف السعودية اثرها بالنظام الجمهوري في اواسط عام 1970م وبحكم تلك العلاقات وتناميها وشمولها لكافة المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والامنية اصبحت المملكة العربية السعودية صاحبة التأثير والنفوذ الاول والاكبر والاقوى في اليمن غير ان تلك العلاقات الحميمة خيم عليها بعض الغيوم وسحب الاختلافات خلال السنوات القليلة الاولى من عقد السبعينيات 72 ـ 74م بسبب اختلاف وجهة نظر القيادتين بشأن مشكلة الحدود المعلقة بينهما..


    الملحق السعودي


    ـ افهم انك تقر بوجود رضا سعودي واطلاع مسبق على تفاصيل الحركة؟


    ـ كانت السعودية تتولى بشكل اخص مهمة تدريب وتسليح وبناء الجيش اليمني بل وتمويل ميزانيته المالية السنوية ولهذا كانت هناك بعثة عسكرية رفيعة المستوى وكبيرة العدد خصص مقرا لعملها جزء من مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة كما كانت هناك بعثات عسكرية من الضباط اليمنيين في مختلف فروع وتخصصات القوات المسلحة تدرس هناك وهذه العلاقات الواسعة والبالغة الاهمية والحساسية في المجال العسكري والامني كانت تحت مسئولية وادارة الملحق العسكري السعودي ونتيجة لها اصبح محط اهتمام الدوائر العسكرية والسياسية والشعبية على حد سواء وذلك ما اكسبه نفوذاً وتأثيراً واسعاً اهله للخوض في العديد من الشئون الداخلية والواقع ان ذلك يعود في الغالب الى رغبة وتشجيع القيادات اليمنية نفسها.


    وفي ظل هذه الحقيقة وكشأن العلاقات التي تنشأ بين مختلف دول العالم والتي تهدف الى تحقيق مصالحها الحيوية لدى الدول الاخرى.


    وبالنظر الى طبيعة وحجم ومتانة واهمية العلاقات الاستراتيجية التي كانت قائمة بين اليمن والسعودية انذاك فقد كان متوقعاً وطبيعياً بل ضرورياً ان تكون السعودية اكثر اهتماماً واشد سعياً لمراقبة ومتابعة مجريات الاوضاع الداخلية في اليمن وتعمل بكل السبل والوسائل الى ضمان عدم تحولها من دائرة الصداقة الى دائرة العداء للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية.


    وبحكم موقع الحمدي كنائب للقائد العام للقوات المسلحة قبل ان يصبح رئيساً فقد كان على اطلاع مباشر بالعلاقات الخاصة مع السعودية وبالاضافة الى قيامه بزيارات رسمية على رأس وفود عسكرية الى السعودية فقد كان من الطبيعي بل ومن الضروري ان تكون له صلات وعلاقات قوية مع السعودية شأنه في ذلك شأن الكثير من القيادات السياسية والعسكرية والقبلية، غير ان مجيئه الى السلطة في 13 يونيو 1974م لم يكن خيارا سعوديا او وفقاً لارادة سعودية بل جاء كخيار وطني ووفق ارادة داخلية اساساً.


    فلقد كان الحمدي يحمل في ذهنه مشروعاً وطنيا تحديثياً ونهضويا واضحا منذ وقت مبكر وقبل اعادة علاقات السعودية باليمن كما كان يملك تصورا واضحا ومتكاملا للتغيير ووسائله نظريا وعمليا يعمل على تنفيذه ولهذا عندما قدم رئيس المجلس الجمهوري القاضي عبدالرحمن الارياني استقالة المجلس الجمهوري الى مجلس الشورى وقبول الاخير لها واستقالة رئيس مجلس الشورى الشيخ عبدالله بن حسين الاحمر وتكليف الجيش بتحمل مسئوليته للحيلولة دون انهيار سياسي كامل كان ابراهيم الحمدي مستعدا تماما لتحمل تلك المسئولية حيث تبين انه كان يعد العدة لتنظيم وتنفيذ عملية التغيير منذ وقت سابق بكثير وجاء تسارع الاحداث واستقالة السلطات التنفيذية والتشريعية للدولة بمثابة المسرع والمسوغ للقيام بالتغيير الذي ظل يعد له من قبل.


    ـ عينت رئيساً لتحرير صحيفة 13 يونيو الناطقة بلسان الجيش الذي يقود الدولة.. هل كان ذلك ضمن اتفاق ام تقييم شخصي؟ ـ بعد قيام حركة 13 يونيو 1974م بفترة كانت هناك افكار وتصورات حول ضرورة اصدار صحيفة اسبوعية تعبر سياسياً عنها وكان هناك تسابقاً بين وزارة الاعلام وادارة الشئون العامة والتوجيه المعنوي للقوات المسلحة والتي كان مديرها الرائد علي حسن الشاطر انذاك الذي قام بالتشاور والتعاون مع الفقيد محمد الزرقة الذي كان حينها رئيسا لتحرير صحيفة «الثورة» باعداد تصور حول اصدار صحيفة اسبوعية تحمل اسم 13 يونيو ورفعه الى الرئيس ابراهيم الحمدي وفي هذا التصور تم اقتراح ثلاثة أسماء مرشحة لرئاسة تحرير تلك الصحيفة كان المرشح الاول هو الشاعر الكبير عبدالله البردوني فيما كان المرشح الثاني محمد الزرقة وكنت انا المرشح الثالث.


    وبحسب ما عرفته بأن الرئيس الحمدي بعد اطلاعه على التصور رأى ان المرشح الاول برغم مكانته الا ان ظروفه الخاصة لا تسمح له بتولي رئاسة تحرير صحيفة كما ان المرشح الثاني يشغل بالفعل رئيس تحرير صحيفة «الثورة» اليومية وليس بمستحسن ان يتولى رئاسة تحرير صحيفتين في آن معا واستقر رأيه على المرشح الثالث الذي هو انا حينها لم يكن الرئيس الحمدي قد تعرف الي او عرفني شخصياً مطلقاً ولكن ربما كان يتابع المقالات التي اكتبها عن حركة 13 يونيو وقائدها منذ المرحلة الاولى لقيامها واذكر اول مرة التقي به وجهاً لوجه بعد اصدار صحيفة 13 يونيو بفترة لا بأس بها.


    وعليه فان اختياري لرئاسة تحرير الصحيفة لم يكن مبنيا على اتفاق مطلق اذ لم تكن هناك حتى تلك اللحظة اية اتصالات ولقاءات مباشرة ـ كناصريين ـ بالرئيس الحمدي.


    ولاشك ان اختياري يعود الفضل فيه الى الصديق علي حسن الشاطر يقينا.


    اتصالات


    ـ ومع هذا تطرح فصائل اليسار ان الحمدي كان على اتصال بكل الاحزاب وليس الناصريين فقط؟ ـ بالتأكيد كان الرئيس الحمدي مهتما الى أبعد حد وحريصا على ايجاد قنوات بينه وبين الكثير من الأحزاب القائمة في الساحة، وكانت انذاك تمارس نشاطها وحركتها في اطار من السرية المطلقة حيث كانت الاحزاب محظورة دستوريا، وكان أشد حرصا على ابقاء تلك القنوات مفتوحة ونشطة باستمرار، والواقع ان تلك القنوات قائمة بالفعل منذ فترة طويلة قبل ان يصبح رئيسا، وكانت علاقاته بتلك الاحزاب سابقة بكثير على علاقته وحواراته بالناصريين، وهذا ما سمعناه وفهمناه من الرئيس الحمدي شخصيا، حيث اوضح لنا بأن صلاته وعلاقاته بقيادات حركة القوميين العرب وبالحزب الديمقراطي اليمني الثوري الذي قام على انقاض حركة القوميين العرب في الفترة ما بين 67 ـ 1968م تعتبر الأقدم والأوثق حيث كان يحضر ويشارك في اجتماعات ومناقشات قيادة الحركة والحزب بعدها وانه لاتزال تربطه علاقات شخصية حميمة بالعديد من تلك القيادات لكنه اوضح بأنه لم يكن منتميا او ملتزما حزبيا لحركة القوميين العرب او الحزب الديمقراطي الثوري، بيد ان عمق علاقاته وحميميتها كانت تبدو وكأنه واحد منهم، واضاف ان اخيه المقدم عبدالله محمد الحمدي كان منتميا حزبيا في حركة القوميين العرب والحزب الديمقراطي الثوري بعدها ولبعض الوقت.


    وبحسب ما سمعناه منه شخصياً فقد كانت له اتصالات مع العديد من الاحزاب ومنها حزب الطليعة الشعبية وحزب العمل وحزب اتحاد الشعب الديمقراطي والمقاومين الثوريين وهي الاحزاب الاربعة التي شكلت فيما بعد مع الحزب الديمقراطي الثوري ما عرف باسم «حزب الوحدة الشعبية اليمني» او ما عرف اختصارا بـ «حوشي» والذي كان بمثابة الفرع والامتداد التنظيمي للحزب الاشتراكي اليمني في الشمال.


    كما كانت له صلات مع حزب البعث العربي الاشتراكي، بل وأيضا مع الاخوان المسلمين.. ومع هذا فان اتصالاته مع الناصريين لم تبدأ كتنظيم او كيان حزبي الا في مرحلة زمنية متأخرة اي بعد ان اصبح رئيسا، تقريبا عند اواخر العام 1975م، الا انه كان على اتصال متقطع، قبل ان يصبح رئيسا بسنوات قليلة، ببعض الشخصيات المعروفة باتجاهها الناصري مثل العقيد عبدالله العليبي والعقيد حسن الرميم ويحيى عائض، كما اقام علاقة وثيقة سياسيا فيما بعد بـ عبده نعمان عطاء، والذي يعتبر المؤسس الاول والباني لأشكال الوجود والنشاط الناصري المنظم والحزبي في اليمن منذ اوائل الستينيات، الا ان تلك العلاقات اقتصرت على الجانب الشخصي والقضايا السياسية العامة، ولم تأخذ تلك العلاقة والحوار بعدها وحقيقتها الواضحة الا في اواخر العام 1975م، وفي هذا الوقت كانت هناك معلومات تجمعت لدينا بوجود لقاءات وحوارات شبه منتظمة بين الرئيس الحمدي والأحزاب اليسارية الخمسة، وكانت استنتاجاتنا بأن مثل تلك اللقاءات والحوارات تشير الى ان علاقة سياسية ما في طريقها للتبلور، وعزز هذا الاستنتاج ان الرئيس الحمدي في بعض لقاءاتنا به كان يشير اشارات عامة الى مثل تلك اللقاءات دون تفاصيل، وكان يعبر عن احترام وتقدير لبعض قيادات تلك الاحزاب مثل عبدالحميد حنيبر واحمد الحربي واحمد منصور ابو اصبع والعقيد سلطان امين القرشي، وبدا انه شديد الاعجاب بشخصيات معينة لم تكن معروفة آنذاك بما فيه الكفاية وكان احيانا ما يستفسر عنهم ويطلب معلومات حولهم وخاصة محمد الشيباني الذي كان احد قيادات الحزب الديمقراطي.


    ـ اذا كانت العلاقة بالفصائل الاخرى بهذا المستوى اليس الاولى ان يكون التقارب معهم لا معكم؟ ـ الحقيقة اننا ساهمنا، وبشكل غير مباشر، في افشال تلك اللقاءات والحوارات بين الرئيس الحمدي والاحزاب اليسارية الخمسة، حيث وقع في ايدينا تعميما حزبيا صادر عن حزب الطليعة الشعبية، ذا طبيعة «سرية للغاية» وخاص «للقيادات فقط»، وفيه توضيح لطبيعة الحوار واهدافه مع الرئيس الحمدي وتشخيص للوضع السياسي، وكان ذلك التعميم السري في مجمله يشخص حركة 13 يونيو 1974م وقيادتها على أنها حركة البرجوازية الصغيرة، وانها حركة تخدم مصالح «القوى الامبريالية الرأسمالية العالمية»، وان الحوارات التي تدور بين الاحزاب اليسارية، ومنها الطليعة الشعبية، هي حوارات «تكتيكية» تهدف الى المراوغة وكسب الوقت وتحقيق مصالح وأهداف تلك الأحزاب، وانها ليست ذات طبيعة «استراتيجية» هذا ما أتذكره مما ورد في ذلك التعميم ليس كما ورد بالنص ولكن بالمعنى والمضمون، المهم اننا قمنا بإبلاغ الرئيس الحمدي وسلمناه ذلك التعميم، وعلمنا، فيما بعد انه اتخذ رد فعل وموقفا حادا وحاسما واوقف ذلك الحوار واللقاءات بشكل كلي ونهائي، وتبين لنا،


    فيما بعد انه صدم حيث لم يكن يتوقع ان يكون تقييم تلك الاحزاب على ذلك النحو «التكتيكي» المخادع، وهذا ما يؤكد على نحو قاطع ان الرئيس الحمدي كان صادقا في علاقته وحواره معها وكان حريصا للوصول الى صيغة سياسية لعلاقة وتنسيق وتعاون معها، ولكنه اكتفى بإنهاء العلاقة وقطع الحوار، ويبدو ان ذلك قد ساهم وعزز التوجه لدى الحمدي بتصعيد الحوار مع الناصريين وتسريع الخطى في اتجاه خلق قناعة واحدة وصيغة عمل سياسي مشترك، وهو ما تحقق بالفعل بعد فترة قصيرة لاحقة.
    [/font][/size]
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-08-07
  3. زين الحسن

    زين الحسن عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-11-16
    المشاركات:
    421
    الإعجاب :
    0
    تعاملنا بأسلوب عاطفي ففشل انقلابنا ضد علي صالح

    تعاملنا بأسلوب عاطفي ففشل انقلابنا ضد علي صالح








    يروي القيادي الناصري اليمني الاسبق عبدالله سلام الحكيمي في هذه الحلقة الملابسات التي أحاطت بالانقلاب الفاشل على الرئيس علي عبدالله صالح، لماذا تم وما الذي افشله، كما يتعرض للظروف التي أدت الى تفكك التنظيم الناصري والأسباب التي دفعته عام 1980 للانسحاب من التنظيم بعدما سادت اللصوصية وشلة الاختراق الأمني. نسأله بداية:


    ـ انت كنت احد اعضاء مجلس الشورى الذين ساندوا اختيار علي عبدالله صالح، ووقفتم ضد اختيار القاضي العرشي.. ما دقة هذا الطرح ولماذا؟


    ـ عندما اغتيل الرئيس الغشمي كنا في قيادة التنظيم نتابع تطورات ما حدث بكل اهتمام ودقة، وفور العملية ومعرفة منفذها «الانتحاري» وهويته، كان تقييمنا للحادث لا يخرج عن الاطار العام للسيناريو الذي يشير الى ان عملية الاغتيال ما هي الا مقدمة لعمل انقلابي كامل.. رغم عدم توفر المعلومات التي اشرت اليها، ولهذا قررت قيادة التنظيم القيام بتحرك عاجل ومكثف لعمل اقصى ما يمكن للحيلولة دون حدوث مثل ذلك المخطط خاصة ونحن كنا، انذاك، في المرحلة النهائية للاعداد للانقلاب.


    ولهذا كلفت قيادة التنظيم كلاً من عبدالسلام مقبل ـ وزير الشئون الاجتماعية والشباب ـ وسالم محمد السقاف ـ نائب مدير مكتب رئاسة الجمهورية ـ للقيام بمثل ذلك التحرك واجراء اتصالات ولقاءات فورية مع عبدالله عبدالمجيد الاصنج، الذي كان انذاك وزيراً للخارجية ويتمتع بنفوذ وتأثير سياسي واسع في دوائر النظام، بالاضافة الى انه كان يحظى بقدر كبير من احترامنا وتقديرنا واعجابنا به باعتباره سياسياً مخضرماً ويتسم بالحنكة والدهاء والتجربة السياسية الفنية، كان اللقاء العاجل بالاصنج ينحصر في تبادل الرأي حول ما حدث وابعاده واحتمالاته.


    وفي هذا اللقاء اجرى الاصنج اتصالا بالملحق العسكري السعودي وطلب حضوره بأسرع ما يمكن، حيث طرح عليه تحليلنا وتقييمنا ورؤيتنا للحادث وابعاده واحتمالاته الخطيرة وطلب منه اجراء اتصالات عاجلة للتحرك الفوري يسير في خطين رئيسيين متوازيين: اولهما اعلان حالة الطواريء ورفع درجة الاستعداد القصوى للقوات المسلحة السعودية المرابطة على الحدود مع اليمن والعمل على تعزيزها لارسال رسالة واضحة ان السعودية لن تسمح ابدا بأي تغييرات سياسية في شمال اليمن، ولو اضطرت الى استخدام القوة.


    وثانيهما ان تجري اتصالات عاجلة بالادارة الاميركية لاحاطتها علما بما يحدث وابعاده والطلب اليها الاتصال بالقيادة السوفييتية في موسكو لاعلامها ان الشمال خط احمر لن يسمح بتجاوزه وان اي تدخل في شئونه من قبل الجنوب سيعتبر عملاً عدوانياً يقتضي مجابهته.


    وبالفعل تم كل ذلك وابلغت عدن بضرورة التوقف فورا عن اي نوايا باحداث تغيير سياسي بالقوة في الشمال من قبل موسكو التي اوضحت تلقي تهديداً واضحاً وصريحاً بهذا الامر من واشنطن بانها لن تسمح بأي تدخل في شئون الشمال الداخلية وانها تعتبر ذلك خطا احمر لا يجب تجاوزه.


    وفي الوقت نفسه قام الاصنج بدور رئيسي وتحرك سريعاً في اتجاه استدعاء الرائد علي عبدالله صالح ـ قائد منطقة تعز انذاك ـ وضمان وصوله بأقصى سرعة ممكنة الى العاصمة ليتولى الامساك بزمام الامور، وخاصة الجيش، تحسبا لاية احتمالات بحدوث اضطرابات او انشقاقات او تمردات، وهو رأي اتفقنا مع الاصنج حوله تماماً.


    ـ لماذا الرائد علي عبدالله صالح بالذات وليس غيره، خاصة وان هناك قادة عسكريين ارفع واعلى رتبة منه واقدم؟ ـ كان هناك شعور راسخ وواسع النطاق داخل الجيش ومؤسسات الدولة والاوساط السياسية والرأي العام المحلي، بأن علي عبدالله صالح يرتبط بوشائج وعلاقات شخصية حميمة للغاية بالرئيس الغشمي، وبالنظر الى حالة الترقب بقرب حدوث شيء ما او تغيير سياسي وهي حالة وصلت حد اليقين، فقد كان الشعور العام على قناعة تامة بان الرائد علي عبدالله صالح هو وحده الذي سيرث الغشمي ويخلفه لان القوات المسلحة المحسوبة على الغشمي ستعطي تأييدها وولاءها تلقائيا له، وكان ذلك صحيحاً ودقيقاً بصرف النظر عن حقيقة العلاقة التي جمعته بالرئيس الغشمي.اضف الى ذلك ـ بالنسبة لنا كناصريين ـ ان الرئيس الحمدي كان كثيرا ما يحدثنا في قيادة التنظيم عن الرائد علي عبدالله صالح مبديا اعجابه بذكائه وحنكته وشجاعته، وذلك في سياق رؤاه التقييمية للقادة وكبار الضباط، وكان الحمدي يعتبره من اذكى القادة العسكريين واقدرهم.


    الحمدي قال لنا انه عايشه وعرفه عن قرب ولمدة طويلة وبالتالي فهو اكثر خبرة ومعرفة به، ثم روى لنا بعض الحكايات والوقائع التي كان علي عبدالله صالح طرفاً فيها للتدليل على حنكته وذكائه ومقدرته. والغريب ان الحمدي كان كثيرا ما ينصحنا ويوصينا باعطاء اهتمام وتركيز اكبر للضباط المنتمين الى مديرية «سنحان» وقد تفاجأ اذا قلت لك اننا في قيادة التنظيم، وقتئذ، لم نكن نعلم حقيقة اين تقع المديرية، وكنا نتخيل انها ربما انها في محافظة ذمار وتحديداً في «آنس».


    كان فهمنا واستيعابنا لواقع البلاد الاجتماعي وتركيبته القبلية محدوداً الى اقصى حد، كما لم ندرك ابعاد واهداف نصيحة الحمدي لنا الا بعد مرور حوالي سنتين او اكثر، حيث تبين لنا في مرحلة لاحقة ان رؤية وتقييم الرئيس الحمدي لشخصية علي عبدالله صالح كانت صحيحة وبالغة الدقة. واضافة الى ما سبق وقلته فان معرفتنا الشخصية به في اللقاءات المحدودة التي جمعته ببعض قيادة التنظيم: سالم السقاف وعبدالسلام مقبل وانا، في اواخر عهد الحمدي، كانت بمثابة التهيئة والاعداد لمفاتحته بالعمل التنظيمي المتفق عليه.


    كما ان وجهة نظرنا في التنظيم، انذاك، ان الرائد علي عبدالله صالح، كشخصية قيادية عسكرية، لا يمتلك تجربة سياسية او حزبية يعتد بها، ولا سابق خبرة ودراية في ادارة وتسيير شئون الدولة في كافة مجالاتها. ولهذا فعندما يصبح رئيساً للبلاد، وبحكم سابق معرفتنا وعلاقتنا به، فانه لاشك سيحتاج الى مساعدتنا ووقوفنا الى جانبه لمساندته في ادارة وتسيير شئون الحكم السياسية والاقتصادية.. الخ، وهو ما سيجعل لنا قدراً مهماً من التأثير عليه وعلى توجهاته وسياساته ومواقفه، ويصبح توقع الخطر او الاستهداف لنا من جانبه مستبعداً الى حد كبير.


    العرشي يصفي الناصريين ـ هل معنى هذا ان تقييمكم كان عدائيا تجاه العرشي؟


    ـ كما تعلم انه بعد حادثة اغتيال الغشمي تم تشكيل مجلس رئاسة انتقالي مؤقت وقائد عام ورئيس هيئة اركان عامة للقوات المسلحة، كان المجلس برئاسة القاضي العلامة عبدالكريم العرشي والمقدم علي عبدالله صالح ـ عضو مجلس الرئاسة ونائب القائد العام ورئيس هيئة الاركان العامة ـ كترتيبات انتقالية الى حين انتخاب رئيس للجمهورية وفق الاجراءات الدستورية، اي بواسطة مجلس الشعب التأسيسي الذي كان عبدالسلام مقبل وانا عضوين فيه، وهو مجلس انشيء بقرار وعين اعضاؤه تعييناً بقرار من الغشمي، وكان العرشي رئيسا للمجلس وقد لعبنا دوراً كبيراً وقمنا بتحرك مكثف سواء داخل المجلس او خارجه لتعيين المقدم علي عبدالله صالح رئيساً للجمهورية وللحيلولة دون انتخاب العرشي، وذلك لم يكن ناتجاً عن موقف عدائي ضده، كان محل احترامنا رغم انه لم تكن بيننا وبينه علاقات شخصية مباشرة او حتى معرفة، لكن موقفنا منه تغير، فجأة، من النقيض الى النقيض في الفترة التي انتدب فيها للاشراف وادارة مكتب رئاسة الدولة عقب اغتيال الرئيس الحمدي وبعد استقالة مدير المكتب عبدالله بركات، وكان من اقدر وأكفأ قيادات الدولة، وكان سالم السقاف مازال يشغل منصب نائب مدير مكتب الرئاسة.


    وقد فوجئنا مفاجأة صاعقة، ولم نكن نتوقعها، حين علمنا ان القاضي العرشي منذ اليوم الاول لمباشرته مهمته بمكتب الرئاسة جاء حاملاً معه قائمة بأسماء جميع الناصريين العاملين في المكتب وعلى رأسهم نائبه سالم السقاف، وانه سيقوم بتصفيتهم وابعادهم. كنا على علم واطلاع بهذا الموقف من خلال احد العاملين في المكتب وضع العرشي ثقته به وافصح له عما ينوي القيام به، وكان هذا الرجل على علاقة تنظيمية بنا ولم يكن معروفاً عنه انتماءه الناصري. ومنبع شعورنا انه لم يكن بيننا وبين العرشي اية مواقف عدائية او سوء تفاهم من اي نوع وفي اي وقت مطلقاً، وقد تمكن من اجبار سالم السقاف على الانقطاع عن العمل واتخذ اجراءات وتغييرات تصب في معظمها لغير صالحنا.. وازاء هذا الموقف العدائي غير المبرر وقفنا بكل قوانا وامكانياتنا وبشتى الوسائل لاحباط وصول القاضي عبدالكريم العرشي الى رئاسة الجمهورية حتى لا يستهدفنا وهو رئيس على نحو اشمل واخطر.


    ـ اصبح علي عبدالله صالح رئيساً للجمهورية وقائدا عاما للقوات المسلحة يوم 17 يوليو 1978م.. حينها كانت الاستعدادات الخاصة بالحركة الانقلابية قد شارفت على الاكتمال ولم يبق سوى وضع اللمسات الاخيرة عليها.. هل تحاورتم معه؟ ولماذا تسعون لاحتوائه؟ ـ السؤال مهم للغاية ومعقد في الوقت نفسه، وقبل الاجابة عليه يجب اولا الاشارة الى ان الرأي العام المحلي كان يعيش وطأة شعور يقيني راسخ ان تغييرا انقلابيا واقع لا محالة وقريبا جدا، وكان متوقعاً ذلك التغيير بين لحظة واخرى، بل يطالب به ويلح عليه. والاحزاب الرئيسية كان كل واحد منها يتحرك بسرعة ليقوم بانقلاب عسكري ولكل اسلوبه وطريقته منهم من كانت خطته تقوم على تدبير اغتيال شخصي للرئيس، مستفيداً من تواجد بعض كوادره وقياداته العسكرية في مواقع داخل القيادة العامة للقوات المسلحة حيث يقومون بالسيطرة عليها واملاء بيان على مسئولي الاذاعة طالبين منهم اذاعته، مستفيدين من تجربة اغتيال الغشمي السابق حيث كان مسئولو الاذاعة ينتظرون على الهاتف لتلقي اي بيان ويكفي ان يقول لهم بانه من القيادة حتى يتم اذاعته، ثم يقومون بسلسلة من الخطوات والاجراءات مثل اصدار قرارات عزل وتعيين على طريق ترتيب الاوضاع وخاصة العسكرية وفقا لمخططهم المرسوم، واخر كانت له سيطرة على بعض الوحدات العسكرية واغلبها خارج العاصمة وليست بعيدة كثيرا عنها وعناصر حزبية مدربة ومسلحة شبه «ميليشيات» داخل العاصمة، وتقوم خطته على اتفاق مع الشطر الجنوبي لارسال اسراب من الطائرات الحربية القاذفة لقصف مراكز المقاومة العسكرية المتوقعة ثم العودة من حيث اتت في الوقت نفسه الذي تكون وحداتهم العسكرية قد بدأت بالتحرك نحو العاصمة وانتشرت ميليشياتهم المسلحة للسيطرة على العاصمة.


    ايضا كانت هناك ـ انذاك ـ بعض من مراكز القوى داخل النظام تستعد بالتنسيق مع انصار لها في قيادة بعض الوحدات العسكرية داخل العاصمة وخارجها، للانقضاض المفاجيء على السلطة والسيطرة على الحكم. فقد كان تحليلنا ورؤيتنا وتقييمنا لحادثة اغتيال الرئيس ابراهيم الحمدي مبنياً على قناعة بأنها مخطط مدبر ومدروس تقف من ورائه قوى دولية واقليمية ومحلية تابعة لها، وهو مخطط يتعارض ويتناقض مع خططنا وتوجهنا الوطني القومي الثوري، انذاك، وان ذلك المخطط لهذه الاعتبارات وتحت تأثير اجوائها وملابساتها وبعد مناقشات مستفيضة ومعمقة، رأينا عدم الحوار مع الرئيس علي عبدالله صالح ومصارحته بنوايانا وما يجري في الساحة من احداث وتحركات ومشاريع انقلابية.


    ـ ولكن لماذا ترسخت عندكم هذه القناعة قبل ان تحاوروا الرجل؟ ـ ان مفاتحة الرئيس، بشكل او باخر بما اردنا القيام به من عملية انقلابية، حتى وان لم يكن هو شخصياً المستهدف من ورائها، امر قد يؤدي الى نتائج عكسية ويشكل خطرا فادحا على عملنا ويدمرنا تماماً، خاصة اذا ما تأكدت هواجسنا وشكوكنا بان يكون الرئيس علي عبدالله صالح، بحكم ما عرف عن علاقته الحميمة والعميقة بالرئيس الغشمي، على علم وارتباط بما اعتقدناه نحن حينها من مخطط خارجي كانت بدايته اغتيال الرئيس الحمدي، فنقود انفسنا الى تهلكة محققة.


    لذلك فان ومهما بلغ عمق العلاقة والثقة بين الحاكم وبعض الشخصيات وخاصة السياسية منها، فان الحاكم، اي حاكم او قل في الغالب، ما تتحكم في علاقاته هواجس الريبة والشكوك دائماً، ورجل الدولة عادة ما تسيطر عليه المخاوف والقلق من وجود اي شكل من اشكال القوة السياسية المنظمة والعاملة في الساحة وخاصة اذا كان وجودها قد تم من خارج النظام، ولهذا لا يمكن لاي حاكم ان يقبل باقامة علاقة ما مع قوة سياسية منظمة، ناهيك عن القبول بوجودها ذاته! كما ان مصارحة الرئيس بما يدور في الساحة من تحركات ومخططات ومشاريع انقلابية عديدة، على مثل ذلك النحو المتعدد والواسع النطاق، ما كنا نعتقد بأنه سيأخذه محل الجد والتصديق، بل خشينا ان يفهمه على نحو معاكس ويعتبره اسلوباً تكتيكياً مخادعاً ومراوغاً نريد من ورائه ان نصرف انتباهه عما هو اخطر ويدبر في الخفاء وندفعه الى الدخول في مواجهات وعداوات مع الكثير من القوى والاطراف السياسية بهدف ابعادها عن ميدان الصراع السياسي وننفرد به وحدنا فقط. واخيرا فان خلافاتنا وحواراتنا مع الرئيس علي عبدالله صالح في فترة حكم الرئيس الحمدي لم تكن قد وصلت الى درجة علمه واطلاعه على حقيقة وجود التنظيم وطبيعته وماهيته، كما كان الحال بالنسبة للرئيس الغشمي مثلا، ولو كان ذلك قد حدث لما كانت هناك مشكلة او صعوبة امام مفاتحته ومصارحته بكل شيء وعلى المكشوف كما يقولون.


    وعموما فاننا لم نكن نضمر سوءا لشخص الرئيس علي عبدالله صالح من وراء محاولتنا الانقلابية التي كانت استعداداتها قد شارفت على الاكتمال حين جاء الى الحكم، بل بامكاني ان اكشف لك سرا بان قيادة حركة التنظيم اتفقت على انه في حالة نجاح الحركة سيتم تدبير طريقة لتمكين الرئيس صالح من مغادرة البلاد سالماً الى اي بلد يريده، لانه لم يكن لدينا اي نزوع الى القتل وكنا شديدي الحرص على ان تكون حركتنا بيضاء. ولهذا فانه ما ان بدأت مؤشرات اولى تلوح في الافق بامكانية تحول الحركة الانقلابية الى مواجهة مسلحة دامية، اتخذ عيسى محمد سيف ـ الامين العام للتنظيم ـ وكان حينها في غرفة العمليات، وكنت معه وشاهداً، قراراً فورياً بانهاء الحركة وايقافها نهائياً.


    ـ اذن ماذا حدث ليلة الانقلاب في الخامس عشر من اكتوبر 1978م وكيف تمكنت انت من الفرار؟ ـ لم يكن قد اتخذ قرار بتحديد يوم 15 اكتوبر 1978م كموعد نهائي او ما يعرف بـ «ساعة الصفر» لتنفيذ الحركة الانقلابية، والذي حدث ان الرائد نصار علي حسين الجرباني ـ قائد اللواء الخامس مشاة ـ ورئيس المجلس العسكري الاعلى للحركة ـ هو الذي اتخذ قرارا مفاجئاً لاعضاء المجلس العسكري وقيادة التنظيم بالتحرك لتنفيذ الحركة ليلة 15 اكتوبر، مما اضطرنا الى التحرك السريع لابلاغ بقية اعضاء المجلس العسكري والقطاعات العسكرية والتشكيلات الحزبية المدنية المقرر اشتراكها في العملية بساعة الصفر التي تم تحديدها على عجل.. وعند منتصف الليل بدأ التحرك حسب الخطة الموضوعة، والغريب ان التحرك من قبل الوحدات العسكرية والامنية والتشكيلات الحزبية المدنية المشاركة في العملية سار من بدايته الى نهايته دون ان تفرض حالة طواريء ومنع تجوال حيث ظلت الحياة العامة تسير بشكل اعتيادي وكأن شيئاً لم يحدث!


    وبإيجاز اقول ان كل المهام المحددة في الخطة داخل العاصمة تم تنفيذها بالكامل تقريباً حيث تمت السيطرة على مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة ومن ضمنها غرفة العمليات والاتصالات العسكرية، ومطار صنعاء الدولي والمطار الحربي ومبنى الاذاعة والتلفزيون والاتصالات التليفونية ومداخل العاصمة ومفارق طرقها العامة، ولم يبدأ الموقف بالتحول الا عند بدايات ضوء الفجر عندما تمكنت بعض القيادات العسكرية من دخول بعض التشكيلات العسكرية الخاضعة لقيادتها، وهي محدودة، وتسييرها في تحرك مضاد، حيث بدأت تسمع اصوات قذائف مدفعية الدبابات وصواريخ الآربي. جي والرشاشات على نطاق محدود ولفترة قصيرة، ولاننا قررنا ايقاف الحركة وانهائها تفادياً لسفك الدماء.


    وعند الفترة ما بين الساعة التاسعة والعاشرة صباحا كان كل شيء قد انتهى يومها كان رئيس الجمهورية خارج العاصمة في زيارة لبعض المحافظات حيث وصل الى تعز قادماً اليها من الحديدة.


    ولا اظن انه من المناسب ان اقوم بعملية تقويم او تحليل لحركة 15 اكتوبر 1978م تبين عوامل واسباب فشلها واخفاقها، رغم نجاحها في السيطرة شبه الكلية على العاصمة صنعاء في مرحلة انطلاقتنا الاولى.


    ـ اذن لماذا فشلتم؟


    ـ كل الخطوات والاعمال الخاصة بالتمهيد للقيام بالحركة تمت على افضل وجه وكذا الخطة التنفيذية العامة كلها تمت في ظل اقصى درجات التكتم والسرية والتمويه برغم النطاق الواسع للحركة ولكن الخلل الاكبر كان في مجال التنفيذ الميداني للمهام والادوار ليس كلها جميعا وانما في بعض منها، فبعض القادة اما انهم لم يحسنوا ويتقنوا تنفيذ مهامهم ومسئولياتهم او انهم لم يقوموا بتنفيذها بأنفسهم اصلا واوكلوها الى زملائهم دون ان يحيطوا غرفة العمليات علماً بذلك، وهناك من كان يرسل بلاغات لغرفة العمليات غير حقيقية ومضللة عن سير وتنفيذ ادوارهم ومهامهم في حين كانوا قد انسحبوا من الميدان وبدأوا بالهروب.


    وبعض القادة وبرغم قيامهم بتنفيذ كل المهام والادوار والمسئوليات المناطة بهم بشكل ناجح وكامل، الا ان تنفيذهم لها تم في ظل تعامل حسن النية وبالغ المثالية الى حد غير معقول ولا مقبول، فهم بعد سيطرتهم على المواقع المكلفين بها تعاملوا مع ضباطها وجنودها سواء منهم اطقم دبابات ومدرعات او مدفعية او مشاة باسلوب عاطفي اخوي واكدوا لهم انهم جميعاً موقوفون احتياطياً او نقلهم الى اماكن او مواقع اخرى خارج معسكراتهم ومواقعهم السابقة، ولهذا فما ان بدأ التحرك المضاد، برغم ان بدايته لم تكن قوية او واسعة، حتى سيطر اولئك الضباط والجنود على مواقعهم واسلحتهم من جديد وانضموا الى التحرك المضاد عند بدايته مما اعطاه المزيد من القوة والاندفاع.


    ـ كانت الخطة العامة للحركة تضع في حسابها الاستفادة من بعض الوحدات العسكرية المرابطة خارج العاصمة وبعيدة نسبياً عنها لدعم وتعزيز وتقوية القوات التي تسيطر على العاصمة، وكمثال على ذلك «قوات العمالقة» المرابطة في مدينة «ذمار» على بعد اكثر من مئة كيلومتر عن العاصمة، هذه القوات تأخرت بضع ساعات عن الموعد المحدد لبدء تحركها نحو صنعاء، ثم انها عندما ارادت البدء بالتحرك وصلتها معلومات مفادها بان مجاميع قبلية مسلحة كبيرة اتخذت مواقع عديدة وسيطرت على الطريق الموصلة من ذمار الى صنعاء ابتداء من «نقيل يسلح» وحتى ما قبل منطقة «سحزيز» بقليل، وان هذه المجاميع القبلية مسلحة ببعض الاسلحة غير الخفيفة مثل قاذفات الاربي. جي وبعض انواع المدافع والرشاشات الثقيلة وغيرها، وهذا الوضع المفاجيء دفع «قوات العمالقة» الى تغيير خط سيرها واتخاذ طريقاً اخر وصولاً الى صنعاء عبر اراضي قبائل «خولان» وهو طريق طويل ووعر واهم من هذا غير مأمون وبالفعل استطاعت بعض قبائل خولان ان توقف «العمالقة» وتشتتها وتأسر بعض ضباطها وجنودها ومن المشايخ من سلم مالديه منهم الى السلطة ومنهم من اطلق سراحهم دون ان يسلمهم للسلطة فيما بعد.


    ـ كانت الخطة التنفيذية العامة تقضي بانه وفور السيطرة على مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة وغرفة العمليات والاتصالات فيها، ان يقوم احد كبار قادة الحركة بمهمة فتح شبكة الاتصالات مع كافة وحدات وتشكيلات الجيش المرابطة في كافة المناطق والمحافظات على امتداد البلاد، وابلاغها بقيام الحركة الانقلابية ويزودها بالبيان رقم «1»، ويصدر لها الاوامر العسكرية اللازمة، غير ان شيئا من هذا لم يحدث بسبب عدم مجيء ذلك الاخ المكلف بالمهمة لاداء مهمته، وهو ما اثر تأثيراً سلبياً خطيراً على قدرة الحركة على الصمود والاستمرار اذ بقي التحرك محصوراً او مقصوراً داخل اطار العاصمة وحدها.


    ـ ان عدداً من القادة العسكريين لم يكن لديهم ايمان لا يتزعزع بمشروعية التغيير وضرورته الحتمية، بل تحركوا وهم يشعرون بشيء من مشاعر الشكوك وعدم اليقين وربما التردد، وهذا لا يتعارض مطلقاً مع المواقف البطولية والشجاعة الاسطورية والصلابة النادرة التي سطرها وخلدها اكثر القادة العسكريين في ادائهم لمهامهم وادوارهم ومسئولياتهم بالاضافة الى القادة والكوادر والاعضاء الحزبيين المدنيين.


    ـ ان اكثر من 95% من مكونات وتشكيلات القطاع العسكري للتنظيم من قادة وضباط وجنود مؤسستي الجيش والأمن، تمت عملية استقطابه وبنائه واعداده اعداداً سياسياً وبسيطاً خلال فترة زمنية محدودة للغاية لاتزيد عن ثمانية اشهر لاغير، اتجهت كل الجهود والتحركات خلالها بالكامل ـ تقريباً ـ صوب عملية الاقناع والاستقطاب ثم تأطيرهم ضمن بنية تنظيمية بمختلف تشكيلاتها وهياكلها ومستوياتها، وعلى نحو يسهل عملية الاتصال والتواصل السريع معهم وبينهم، والحقيقة ان تلك الفترة الزمنية المحدودة والقصيرة للغاية، لم تكن كافية على الاطلاق، وبكافة المعايير والمقاييس، ولا حتى في الحدود الدنيا، لتتيح للتنظيم الشروع في عملية تربوية بنائية متكاملة، ولو في ادنى حدودها ومستواها، لاعادة بناء وتربية وتأهيل واعداد كل تلك الاعداد الهائلة من الاعضاء الجدد من مؤسستي الجيش والامن، من جميع الجوانب الفكرية الثقافية والسياسية والتنظيمية بل وحتى النفسية بما يؤدي الى خلق ارضية او حالة من التجانس والتناغم والتوحد العقائدي السياسي والنفسي بينهم وبين سائر الأعضاء والتشكيلات الحزبية المدنية القديمة في انتمائها الحزبي، وبما يخلق بين الجميع وحدة في المشاعر والمصير والهدف المشترك للاعضاء جميعاً ويقوي لديهم روح الانتماء وتميز الهوية والاستعداد للتضحية الى اقصى الحدود، كل هذه المعايير والشروط والمتطلبات الاساسية اللازمة حتماً لم تحدث بل سادت هواجس مبهمة حول من هم وماذا يمثلون ومن هو هذا التنظيم الذي اصبحوا فجأة اعضاء فيه، وتلك كانت حالة خطيرة للغاية ادت بعدد محدود جدا من القيادات العسكرية البارزة حديثة العضوية التنظيمية الى التفكير والسعي والعمل من اجل القيام بانقلاب مضاد للانقلاب الذي لم يحدث بعد وذلك بحسب ما تمكنا من معرفته وفق معلومات وصلتنا بعد فشل حركة 15 اكتوبر 1978م، باشهر عديدة وكانت صدمة نفسية عاطفية اصابتنا بزلزال رهيب وعميق للغاية.


    ـ واخيرا فقد كان هناك من يرى سواء من داخل التنظيم او من خارجه، بان احد أهم اسباب فشل الحركة يعود الى نجاح اجهزة مخابرات النظام انذاك في تحقيق اختراق امني خطير للتنظيم في مستوياته القيادية، وذلك قبل فترة قصيرة من قيام الحركة، وهو اختراق جعلها على علم بالحركة ووضعها ومسارها وغير ذلك من التفاصيل، وجعل النظام يتخذ اجراءات احتياطية وقائية ويقوم ببعض الافعال السرية التي من شأنها عرقلة عملية نجاح الحركة وبالتالي افشالها.. والحقيقة انني لا استطيع ان أؤكد او انفي مثل هذه الآراء او المعلومات التي تداولها البعض منذ ما بعد الحركة ولاتزال تتردد بين آن واخر، واعتقد انها لا يجب ان تشغلنا في الوقت الراهن.


    فرار للخارج ـ وكيف تمكنت من الفرار؟


    ـ كنت منذ الساعات الاولى للفجر مع الاخ الامين العام الشهيد عيسى محمد سيف في غرفة عمليات ادارة الحركة ومعنا رئيس غرفة العمليات العقيد الراحل محمد المرزوقي رحمه الله رحمة واسعة، وبعد اتخاذ قرار وقف الحركة وانهائها خرجت بصحبة الامين العام ومعنا احد الاخوة الاعزاء الذي مازال حيا يرزق من موقع غرفة العمليات في طريق عودتنا الى محل السكن، وفي طريق عودتنا مررنا امام منزل احد الاخوة من اعضاء التنظيم وهو شيخ كبير لاحدى القبائل المحيطة بصنعاء، فاقترح ان نلجأ الى قبيلته لبعض الوقت حتى تتضح لنا صورة ما ستؤول اليه الامور، غير ان الاخ عيسى لم يوافق على الاقتراح مشيرا الى ان اجهزة امن النظام لن تتمكن من معرفة من يقف وراء الحركة الا بعد يومين او ثلاثة ايام وهي فترة كافية تمكننا من الاجتماع الليلة واتخاذ القرارات المناسبة، فاوضحت له انني اشعر بان اجهزة الامن ستعرف فوراً، هذا ان لم تكن قد عرفت بالفعل وذلك لاننا كنا منذ منتصف الليل وحتى اللحظة نتحرك حركة واسعة في شوارع صنعاء دون ان يكون هناك فرض منع التجوال وبالتالي يكفي رؤية بعض الاخوة المعروفين بانتمائهم السياسي ليحددوا القوة الواقفة وراء الحركة، كما ان اعتقال واحد او اكثر من الاخوة العسكريين او المدنيين المشاركين في الحركة سيؤدي حتما الى معرفة حقيقة دورنا.. ولكنه رحمه الله رفض واصر على العودة الى احد المنزلين اللذين يستأجرهما وهو اكثر سرية من الاخر لننام ثم في المساء سنقرر وذهبت معه ونمنا بعض الوقت حتى الساعة الثانية عشرة ظهراً تقريباً حيث جاء احد الطلبة من اقاربه ليبلغنا بان الامن داهم منزل عيسى الاخر وهو يبحث عنه فنهضت وايقظته من النوم والححت عليه بان يخرج فوراً الى مكان اخر، وخرجت من البيت واتجهت الى منزل احد الاصدقاء (غير يمني) ومكثت فيه يومين ثم انتقلت الى منزل اخر لاحد اقاربي ومكثت فيه حوالي اربعة ايام ثم سافرت الى الحديدة ومكثت فيها حوالي اسبوعين ثم الى تعز ومكثت فيها حوالي نصف شهر في جروف الجبال ثم توجهت الى عدن. والحقيقة ان ما سهل عليّ الهروب انني لم اكن معروفا كثيرا من حيث صورتي وشكلي وان كنت معروفاً اكثر كاسم، وهذا ما جعلني امر بالنقاط العسكرية المعنية بالتفتيش وهو مشدد ودقيق للغاية ومعي بطاقة احد الاصدقاء قريب الشبه الى صورتي دون ان يشك احد بي.


    ـ الاطاحة بالرئيس سالم ربيع علي كيف اثرت عليكم؟


    ـ الحقيقة انه لم تكن لنا اية علاقات تذكر بالنظام الحاكم في الشطر الجنوبي من الوطن ولا باي من اجنحته المتصارعة، بل كانت العلاقات بيننا وبينهم تتسم بالمواجهة الحادة وبالعداء الشديد. وذلك منذ استلام تنظيم «الجبهة القومية» للحكم في الجنوب بعد الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967م وتصفية القوى والفصائل الاخرى التي ساهمت وشاركت في حرب التحرير ضد الاستعمار البريطاني «جبهة تحرير الجنوب اليمني المحتل» و«التنظيم الشعبي للقوى الثورية» التابع لها والذي كان يتشكل في مجمله من ناصريين وبعثيين.. واحتدت المواجهة بيننا اكثر واعمق بعد وصول الجناح اليساري في الجبهة القومية الى السلطة هناك والانقلاب على الرئيس قحطان محمد الشعبي والموالين له في الدولة والحزب والامن في يونيو 1968م، وخاصة بعد ان حسم النظام خياره الايديولوجي بشكل واضح واصبح ملتزماً بالماركسية اللينينية، وبلغت المواجهة ذروتها والعداء اوجه حينما اقدم النظام الحاكم في الجنوب على اعتقال عدد كبير من الكوادر والقيادات الناصرية هناك ومارس في حقها اقسى وابشع وسائل التنكيل والتعذيب واجرى لعدد من ابرزهم محاكمة صورية هزلية متهما اياهم بالتعامل مع «اسرائيل» وقام باعدام مجموعة من خبرة القيادات والكفاءات الناصرية وعلى رأسهم الشهيد احمد العبد سعيد والشهيد علي الكسادي وعدد اخر معهم في عام 1973م دون اي ذنب او سبب حيث كانت قيادة التنظيم «الطليعة العربية» والقيادة الوطنية لليمن، قد اصدرت قراراً قبل تلك الاعتقالات والمحاكمات والاعدامات قرارا بتجميد نشاط وحركة فرع الجنوب تجميدا كاملاً وشاملاً بسبب بشاعة وقسوة الاجراءات والاجواء الامنية البالغة والقمع والاضطهاد الذي كان سائداً.


    ولهذا فان الاطاحة بالرئيس سالم لم يكن لها اية تأثيرات سلبية عملية مباشرة، الا من زاوية غير مباشرة تتمثل في سقوط وانهاء المشروع الوطني الواعد الذي قام وتأسس وتعمق بينه وبين الرئيس ابراهيم الحمدي، والواقع ان قيادة تنظيمنا، وهي ماضية في التحضير والاعداد للحركة الانقلابية، كانت تشعر بان معظم مخاوفها تنحصر في توقعها الاكيد بان النظام الحاكم في الجنوب سيكون مصدر الخطر والتهديد الاكبر لحركتنا في حال نجاحها، وكنا نتوقع ان يصل ذلك الخطر والتهديد الى حد المواجهة العسكرية المباشرة من قبل النظام هناك ومعه القوى الحزبية المنظمة والقوية التابعة له في شمال الوطن، خاصة وان القيود والموانع الاقليمية والدولية التي كانت تمنعه وتحول بينه وبين التدخل العسكري المباشر في الشمال سوف تسقط في حالة نجاح حركتنا الانقلابية والنظام الذي ستقيمه في الشمال والمتسم اصلا بالثورية والقومية.. وتحسبا لهذا سعينا الى اقامة علاقات مباشرة بيننا وبين ليبيا انذاك، كما اتخذنا بعض الاجراءات والخطوات التمهيدية وغير المباشرة لاقامة علاقات تحالف بيننا وبين حزب البعث العربي الاشتراكي انذاك والذي كان مرتبطا حزبياً وسياسياً بعلاقة عقائدية مع العراق، من اجل مواجهة التوقعات المؤكدة لقيام مواجهة بيننا وبين النظام الحاكم اليساري في الجنوب.


    قطيعة ـ متى قطعت صلاتك بالتنظيم الناصري.. وما هي الاسباب؟


    ـ قررت تجميد عضويتي في التنظيم اواخر العام 1980م لعدة دوافع واعتبارات واسباب، اكتفي هنا بالاشارة الى اهمها وابرزها على النحو التالي:


    بعد فشل المحاولة الانقلابية في 15 اكتوبر 1978م وما ترتب على ذلك من اعدامات بحق واحد وعشرين من ابرز قيادتنا الحزبية المدنية والعسكرية على دفعتين الاولى في 27 اكتوبر عام 1978م وشملت 9 من القيادات العسكرية والثانية في5 نوفمبر 1978م وشملت كل القيادة التنفيذية العليا من المدنيين تقريبا عدا اثنين فقط بمن فيهم الامين العام والامين العام المساعد والمسئول السياسي والمسئول الثقافي والمسئول المالي وغيرهم من اعضاء القيادة اضافة الى عدد من الكوادر الحزبية في مستويات تنظيمية مختلفة، بالاضافة الى حملة اعتقالات واسعة النطاق شملت المئات من الكوادر والاعضاء الحزبيين المدنيين والعسكريين، اضافة الى تشرد ونزوح اعداد كبيرة منهم خارج البلاد او متخفين داخل البلاد وما واجهناه من تضييق وحصار ومضايقة في تعامل اجهزة الحزب والدولة في الجنوب وامتدادها الحزبي في الشمال «الجبهة الوطنية الديمقراطية» حيث تعاملوا معنا وكأننا رجل مريض سقط يجب العمل على وراثة تركته، وعدم امتلاك المستوى القيادي الاول المؤقت للقدرة والكفاءة والحماس اللازم والرؤية المتكاملة والصائبة لكيفية التعامل ومواجهة نتائج وآثار وانعكاسات النكسة الخطيرة والظروف بالغة القسوة والمخاطر والتحديات الجسيمة الداهمة التي داهمتنا واحاطت بنا من كل جانب وشكلت تهديداً حقيقياً ومباشراً لوجودنا التنظيمي والسياسي من اساسه، بفعل الضربات القوية والقاصمة التي وجهت الينا بعد فشل حركة 15 اكتوبر 1978م، وعلى رأسها، والاكثرها خطورة وتأثيرا، اعداد وتصفية كل قيادتنا العليا، والتي كانت قيادة مؤسسة وتمثل انضج وأكفأ وأصلب وأقدر ما افرزته تجربتنا التنظيمية السياسية كلها، اي بمعنى اخر تصفية عقل التنظيم ومخزن خبراته وتجاربه ومركز اداراته وتوجيهه، وهو ما اصابنا بحالة كبيرة من الاضطراب واختلال التوازن لاتزال تعكس تأثيراتها السلبية علينا حتى الان، هذا بالاضافة الى حملة الاعتقالات واسعة النطاق وعلى نحو غير مسبوق، وتشرد ونزوح واختفاء اعداد كبيرة اخرى خارج وداخل البلاد، وكذا فقدان الكثيرين من اخواننا لوظائفهم واعمالهم ومصادر دخلهم ومعيشتهم الخ.. والواقع ان الضربة او الضربات التي وجهت الينا لم يتعرض لمثلها او حتى لاخف منها اي حزب او قوة سياسية داخل اليمن من قبل.بدأت «الروح التآمرية» تطل برأسها وبدأت المؤشرات الاولى لها ترتسم شيئا فشيئاً في الافق المرئي، على بروز روح التنافس السلبي بينهم مستخدمين اساليب الخديعة واللف والدوران والتآمر والوقيعة، على نحو لم يسبق ان عهده تنظيمنا في كل مراحل مسيرته النضالية منذ تأسيسه على الاطلاق.


    كما بدأت حالة الشكوك واطلاق تهم التخوين والانحراف ونشر الدعايات والحملات المشوهة للسمعة والمحطمة للمعنويات تتوسع شيئاً فشيئاً بينهم، وهو ما افضى الى البدء في خلق المحاور الشللية والتعامل مع القيادات والكوادر في مختلف مستوياتها وتقويمهم وتصنيفهم وفق معايير الولاءات الشخصية بعيدا عن معايير الاداء والحركة والانجاز والموضوعية العادلة.


    والحقيقة ان المال الذي توفر للتنظيم، بعد حركة اكتوبر 1978م، كان العامل الرئيسي في ظهور وبروز وتنامي تلك الظواهر والممارسات الشاذة، حيث كان التنافي التآمري والصراعات الدائرة، خفية وعلنا، بين تلك القيادات بهدف محافظتها على مواقعها القيادية او سعياً للوصول اليها، من اجل السيطرة على المال والاستحواذ عليه ونهبه لمصالح شخصية وكوسيلة للاثراء الشخصي، وذلك عبر استثماراته في الوصول الى المواقع القيادية العليا واستغلالها لتحقيق مثل هذا الفساد المالي المعبر عن غياب القيم والمثل الاخلاقية والصفات المبدئية النضالية السامية، وكان هذا النهج الانحرافي السيء قد بلغ حداً جعل القيادات العليا تحمل اهمالاً كلياً وتاماً القيام بالمسئولية والواجب والامانة الملقاة على عاتقها بادعاء الاهتمام بأسر الشهداء ورعاية شئونهم والمساعدة في تدبير امور حياتهم ومعيشتهم، والاسوأ من هذا انها قررت السطو على مبالغ مالية حصل عليها التنظيم مخصصة لصالح اسر الشهداء والاستيلاء على تلك الاموال والتصرف بها وصرفها في امور وجوانب ومجالات اخرى.ان عدم الاهتمام والعناية باسر الشهداء، وهم شهداء عظام وقادة، من قبل قيادة التنظيم ادى الى شعور واسع وعميق بالاحباط وخيبة الامل بل والصدمة لدى القواعد والكوادر التنظيمية الواسعة وفقدت الثقة بالقيادات وشعروا بان ما تعلموه وما أكده لهم التنظيم في نظامه الاساسي وغيره بمسئولية وواجب التنظيم تجاه اسر وعوائل المناضلين الذين يقدمون ارواحهم فداء وتضحية في سبيل مباديء وأهداف التنظيم لا أساس له من الصحة والمصداقية، وانه مجرد كذب وخداع وهكذا.


    كنت أطرح على زملائي في القيادة وغيرهم من الكوادر البارزة باستمرار ضرورة وأهمية اجراء عملية تطوير وتجديد على مضامين فكرنا «الناصري» استجابة وتفاعلاً مع ما يجري حولنا في الحياة من تطورات ومتغيرات متسارعة وبالغة الأهمية، وتحاشي الوقوع ضمن نطاق أو مسار الانفلاق والجمود الفكري، فالتجربة الثورية العربية الناصرية اكتسبت أهم صفة وميزة ميزتها عن كثير من تجارب العالم الثورية بكونها لم تنشأ من منطلق أو قالب ايديولوجي نظري جاهز ومتكامل، وانما امتلكت حيوية وحضوراً باستنادها الى المزاوجة والمفاعلة الحية والواقعية بين الأسس النظرية وما تفرزه التجربة العملية التطبيعية في الواقع، فالأسس النظرية تعصم التجربة العملية من التخبط والتوهان والانحراف، والتجربة العملية في مسار حركتها تثري وتخصب الأسس النظرية وتعدلها وتصوبها من خلال الدروس والعبر والنتائج المستخلصة من الواقع، اي انها قامت على مبدأ «التجربة والخطأ»، والقائد الخالد جمال عبدالناصر حذر وشدد مراراً من الجمود الفكري والتقوقع داخل شرنقة الايديولوجيا، ووصف الطليعة القائدة لحركة الجماهير بانها تلك التي تمتلك الحركة الطليعة السريعة المستجيبة للتطورات والمتغيرات التي يفرزها الواقع.. ومن ضمن ما كنت اطرحه عليهم، آنذاك، ما كنت اراه بأن الصراع في العقود القليلة المقبلة، سيتحدد ويفرز على نحو حاسم بين قوتين رئيسيتين، قوة دينية تعبر عن الدين وتستند عليه، وقوة لا دينية تعبر عن افكار وايديولوجيات لا صلة لها بالدين، ولم تكن الحركات السياسية الاسلامية السرية القادمة ـ انذاك ـ قد بلغت ما بلغته اليوم من القوة والانتشار والتوسع والتأثير، بالاضافة الى كونها لا تملك رؤية أو برنامجاً أو نظرية واضحة ومحددة ومتكاملة للتغيير وشكل ومضمون وطبيعة المجتمع البديل الذي تسعى الى اقامته وكل ما لديها مجموعة شعارات عامة ومبهمة وغير محددة اقصى ما تفعله إثارة وتهيج مشاعر وعواطف الناس الدينية، وان تجربتنا الناصرية من خلال وثائقها الفكرية البرامجية ومن واقع التجربة العملية الضخمة التي اقامتها في مصر ومعالم المجتمع الجديد والبديل الذي أسسته ومن خلال ادوارها وتحركاتها وتأثيراتها السياسية قومياً وعالمياً «حركة التحرر الوطني» في آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية، وبالنظر الى حقيقة كون الفكر الناصري اتخذ موقفاً ايجابياً من الدين الاسلامي وعبر عن جوهره الانساني الاصيل واستند الى تعاليمه وقيمه الحقيقية السامية القائمة على الحرية والعدل والتسامح والتقدم، فاننا، أي الناصريين، نعتبر الأولى والأقدر والاكثر كفاءة وتأهيلاً لقيادة وتوجيه احدى قوتي الصراع التاريخي القادم والقوة المعبرة والمستندة على الدين.


    ومن اجل ذلك وتحقيقاً له فان الضرورة تفرض علينا القيام بجهد فكري نظري يستهدف التعميق والتأصيل النظري لفكرنا الناصري اسلامياً بالاستناد الى فهمنا واستيعابنا للاسلام على النحو الصحيح والاصيل، علماً ان هذا التعميق أو التأصيل الديني المنشود لن يفضي الى التخلي أو تغيير الاسس الفكرية الاساسية للناصرية لانها لا تتناقض معها اصلاً، بل سيؤدي الى المزيد من البلورة والتطوير والثراء، هذا ما طرحته تقريباً باختصار شديد، وقد جوبهت بحملات من الدعايات والاتهامات التي تتهمني بالخيانة والانحراف. رغم انني كنت اطرح رأيي علناً مع الكثير من القيادات والكوادر، وذات مرة، وكنت على وشك تجميد نشاطي التنظيمي، مررت لزيارة بعض الاخوة من اعضاء القيادة بموعد مسبق، وتحدثوا معي عن أهمية وحيوية وصحة ما اطرحه وانهم كانوا يتمنون لو انني وثقت ذلك الرأي كتابة ليقوموا بانزاله للنقاش في القواعد، وبما انني اعتزم السفر قريباً فانهم يريدون ان يغتنموا الفرصة ليسمعوا مني تفاصيل الرؤية التي اطرحها بشكل شفوي ليستوعبوها ويقوموا هم ببلورتها بعد ذلك وانزالها للنقاش وبالفعل تحدثت حدثياً مركزاً حول فكرتي التي اطرحها ثم انصرفت مودعا، واعداً اياهم بالقيام باعداد دراسة متكاملة ان سنحت لي فرصة وسمحت الظروف في المهجر. بعد هذا الموقف بفترة من الزمن، بلغتني الاخبار ان أولئك الاخوان، سامحهم الله، قاموا بتسجيل حديثي عبر المسجل سراً وبدون علمي وانهم اتخذوا الشريط دليل ادانة واثباتاً على انحرافي، تصور مثل هذه العقلية كانت قد تسود ـ انذاك ـ داخل التنظيم.


    اختراق امني سبب اخر وهو ان التنظيم، بعد ان افضت المحادثات بيننا وبين النظام خارج البلاد وفي الداخل، عن اتفاق بعودتنا من الخارج واطلاق المعتقلين.. الخ. وبعد ان اضطررنا الى الاستجابة لطلبات وضغوط النظام باعلان خروجنا أو انفصالنا عن الجبهة الوطنية الديمقراطية وقطع علاقتنا بليبيا، اتخذ التنظيم قراراً من قبل مؤتمر عام بالدخول في حوار سياسي مع النظام، وكنت باعتباري المسئول السياسي في القيادة مكلفاً بإدارة ذلك الحوار من جانب التنظيم، وكان المفترض بعد ان وافق التنظيم واتخذ قراراً من قبل مؤتمره العام بالحوار السياسي، ان يعيد التنظيم النظر بجوانب حركته ونشاطه ومواقفه، وخاصة العلنية، بشكل يتواءم ويتكيف مع مقتضيات ذلك القرار أي عدم القيام بما يتناقش أو يتعارض مع الحوار وهدفه، وفي حين كان الحوار قائماً ومستمراً فقد كان هناك من يقوم بتحركات ونشاطات ويعلن مواقف وتصريحات في الخارج بالذات وفي الداخل الى حد ما ينسف أساس الحوار وتبين عدم مصداقيته من جانبنا مثل التصريحات النافية لصحة ما اعلن عن انسحابنا من الجبهة الوطنية الديمقراطية، والقيام بحملات صحفية حادة ومعادية للنظام في الخارج، وكذا ارسال اسلحة سراً الى الداخل دون علم القيادة في الداخل بذلك، كانت الحركة التنظيمية والسياسية للتنظيم لا تخضع للسيطرة والتوجيه المركزي حيث كان هناك من يتحرك وفق مزاجه وهواه، وكانت المواقف والتحركات غير المنضبطة تلك تؤدي الى نتائج وردود افعال وتأثيرات من قبل النظام وكنت انا من يتحمل تبعاتها ومعاناتها بل واخطارها المحتملة.


    باختصار لم تستطع قيادة التنظيم ان ترسم وتحدد رؤية وخطة عمل واضحة المعالم ومحددة الاهداف وهو ما الحق اضراراً بالغة بالتنظيم ووضعه ومستقبله.


    واخيراً فقد بدأت أشعر ببعض مؤشرات بان اجهزة النظام الامنية قد بدأت في عملية اختراق امني خطير داخل التنظيم وفي بعض مستوياته القيادية، وان عملية الاختراق تلك تسير بدأب ونشاط مكثف ومدروس لتوسيع نطاق ومستوى تلك الاختراقات اكثر، وبدا لي ان اجهزة النظام تسعى من وراء تلك الاختراقات الى احداث انشقاق داخل التنظيم، حينها وضعت، شخصياً، تحت مراقبة امنية شديدة للغاية ظلت تلازمني طوال اربع وعشرين ساعة يومياً ولمدة شهرين متتالين كان أسلوب المراقبة من النوع الثابت والمتحرك ومن النوع «الاستفزازي أو التطفيشي» وكنت كلما تساءلت عن دوافعها واسبابها، خاصة ونحن داخلون في حوار سياسي مع النظام باتفاق مبدئي على ان نعمل على فتح صفحة جديدة من العلاقة الايجابية بيننا وان ليس هناك ما يبرر تلك الرقابة والمضايقة، كانت الاجابة التي القاها دائماً تحضر في افكار ونفي وجود اي رقابة من قبل الاجهزة انني مجرد اتوهمها وهماً.


    وأدركت من كل ذلك، ان مشروع شق التنظيم من الداخل بات قريباً، وكان وجودي في الداخل يشكل عقبة مهمة تقف في وجه ذلك الانشقاق، وان المطلوب هو رحيلي خارج البلاد وهكذا جاء قرار تعييني وزيراً مفوضاً في سفارتنا بنيودلهي وقبلته ورحلت بعيداً، ولم يكن هناك ما يقنعني بالبقاء في الداخل ذلك ان اوضاع التنظيم كانت تسير من سيء الى اسوأ ولم يكن هناك ما يستدعي رفض الخروج والبقاء في الداخل مع ما يحمله من مخاطر اذ سيضطر الانسان ان يقدم تضحية فادحة دون داع أو موجب أو ضرورة.. وبالفعل فقد حدث الانشقاق الذي توقعته بعد فترة قصيرة من رحيلي خارج البلاد. وبالمناسبة فقد كنت منذ وقت مبكر، وبعد فشل حركتنا الانقلابية بفترة وجيزة، قد طرحت على الاخوة في قيادة التنظيم فكرة أو مقترحاً مؤداه ان نتخذ قراراً بايقاف وتجميد كل حركة التنظيم التنظيمية والسياسية والاعلامية بكامل أوجهها الى اجل غير مسمى، ونوصي جميع الاعضاء بان يقتصروا على الاهتمام بتنمية وتطوير مستوى وعيهم وثقافتهم الذاتية كل بمفرده.


    وكان اقتراحي هذا منطلقاً من ادراك وشعور عميق بحجم المشاكل والمخاطر الجسيمة التي ستجابهنا وبالمصير السييء الذي سيؤول اليه مستقبل التنظيم بالنظر الى اننا اصبحنا بتجربة انقلابية سابقة وستضعنا اجهزة النظام تحت المجهر دائماً وستعمل على تمزيقنا وتشتيتنا وتحزيبنا من الداخل بكافة السبل والوسائل وعبر الترهيب والترغيب.


    وذلك شيء طبيعي وحتمي الحدوث استناداً الى ما يؤكده «علم الاجتماع السياسي» من حقائق علمية ثابتة في تحليله لسيكولوجية نشوء وتفكك الجماعة، فعندما تطلع على سيكولوجية تفكك الجماعة أي جماعة انسانية سياسية أو اجتماعية أو ثقافية وأسباب وكيفية تفككها تستشعر وكأنها تتحدث عما وصل اليه تنظيمنا وما حل به من كوارث. غير ان الاخوان في القيادة رفضوا هذا المقترح واتهموني بالانهزامية والتخاذل وغير ذلك من الاتهامات ولو كانوا قبلوه لحافظنا على سمعتنا وصورتنا الايجابية المشرقة في نظر الرأي العام وتجنبنا ما حل بنا وجنبنا اعضاءنا كل ما تعرضوا له من ضغوطات وافساد الاخلاق والضمائر، ولكن قد جاء الوقت المناسب، في ظل ظروف متغيرة أفضل وانسب، لنعيد التنظيم بأسرع ما يمكن الى سابق عهده.

     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-08-07
  5. AlBOSS

    AlBOSS قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2004-06-12
    المشاركات:
    12,016
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2005

    الاخ زين

    ياخي هذا الموضوع نشر بحذافيره
    وكما هو حرفا حرفا هنا وربما
    لم يزل في آخر الصفحات

    وين كنت يا عزيزي

    احتراماتي

    [​IMG]
    ظلام العالم كله لن يطفئ شعلة

    و

    ساظل احفر في الجدار
    فاما فتحت ثغرة للنور
    او مت على صدر الجدار


    [​IMG]
    AlBoss

    freeyemennow*yahoo.com
    [​IMG]



     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-08-07
  7. jawvi

    jawvi قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2005-06-05
    المشاركات:
    8,781
    الإعجاب :
    0
    طولت المو ضوع اطال الله فی عمرک
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-08-07
  9. رجل الزئبق

    رجل الزئبق عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-08-06
    المشاركات:
    825
    الإعجاب :
    0
    تسلم اخي زين الحسن كذا المواضيع والا بلاااااااااااااااش

    مشكوررررررررررررررررر اخي على الموضوع الذي يعيد لنا ذكريات الشهيد الحمدي
    رحمه الله واسكنه جنة الفردوس مع الشهداء والانبياء والصديقين والصادقين
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-08-07
  11. AlBOSS

    AlBOSS قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2004-06-12
    المشاركات:
    12,016
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2005

    [​IMG]


    [​IMG][​IMG]
    ظلام العالم كله لن يطفئ شعلة

    و

    ساظل احفر في الجدار
    فاما فتحت ثغرة للنور
    او مت على صدر الجدار


    [​IMG]
    AlBoss

    freeyemennow*yahoo.com
    [​IMG]



     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-08-07
  13. هارون

    هارون قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-02-02
    المشاركات:
    3,279
    الإعجاب :
    0
    اشتراكيه لا لسامعي
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-08-07
  15. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    هل يتكرار الاسلواب العاطفي في الانقلاب ضد الرئيس صالح مذكرات بعض مانشر

    تعاملنا بأسلوب عاطفي ففشل انقلابنا ضد علي صالح








    يروي القيادي الناصري اليمني الاسبق عبدالله سلام الحكيمي في هذه الحلقة الملابسات التي أحاطت بالانقلاب الفاشل على الرئيس علي عبدالله صالح، لماذا تم وما الذي افشله، كما يتعرض للظروف التي أدت الى تفكك التنظيم الناصري والأسباب التي دفعته عام 1980 للانسحاب من التنظيم بعدما سادت اللصوصية وشلة الاختراق الأمني. نسأله بداية:


    ـ انت كنت احد اعضاء مجلس الشورى الذين ساندوا اختيار علي عبدالله صالح، ووقفتم ضد اختيار القاضي العرشي.. ما دقة هذا الطرح ولماذا؟


    ـ عندما اغتيل الرئيس الغشمي كنا في قيادة التنظيم نتابع تطورات ما حدث بكل اهتمام ودقة، وفور العملية ومعرفة منفذها «الانتحاري» وهويته، كان تقييمنا للحادث لا يخرج عن الاطار العام للسيناريو الذي يشير الى ان عملية الاغتيال ما هي الا مقدمة لعمل انقلابي كامل.. رغم عدم توفر المعلومات التي اشرت اليها، ولهذا قررت قيادة التنظيم القيام بتحرك عاجل ومكثف لعمل اقصى ما يمكن للحيلولة دون حدوث مثل ذلك المخطط خاصة ونحن كنا، انذاك، في المرحلة النهائية للاعداد للانقلاب.


    ولهذا كلفت قيادة التنظيم كلاً من عبدالسلام مقبل ـ وزير الشئون الاجتماعية والشباب ـ وسالم محمد السقاف ـ نائب مدير مكتب رئاسة الجمهورية ـ للقيام بمثل ذلك التحرك واجراء اتصالات ولقاءات فورية مع عبدالله عبدالمجيد الاصنج، الذي كان انذاك وزيراً للخارجية ويتمتع بنفوذ وتأثير سياسي واسع في دوائر النظام، بالاضافة الى انه كان يحظى بقدر كبير من احترامنا وتقديرنا واعجابنا به باعتباره سياسياً مخضرماً ويتسم بالحنكة والدهاء والتجربة السياسية الفنية، كان اللقاء العاجل بالاصنج ينحصر في تبادل الرأي حول ما حدث وابعاده واحتمالاته.


    وفي هذا اللقاء اجرى الاصنج اتصالا بالملحق العسكري السعودي وطلب حضوره بأسرع ما يمكن، حيث طرح عليه تحليلنا وتقييمنا ورؤيتنا للحادث وابعاده واحتمالاته الخطيرة وطلب منه اجراء اتصالات عاجلة للتحرك الفوري يسير في خطين رئيسيين متوازيين: اولهما اعلان حالة الطواريء ورفع درجة الاستعداد القصوى للقوات المسلحة السعودية المرابطة على الحدود مع اليمن والعمل على تعزيزها لارسال رسالة واضحة ان السعودية لن تسمح ابدا بأي تغييرات سياسية في شمال اليمن، ولو اضطرت الى استخدام القوة.


    وثانيهما ان تجري اتصالات عاجلة بالادارة الاميركية لاحاطتها علما بما يحدث وابعاده والطلب اليها الاتصال بالقيادة السوفييتية في موسكو لاعلامها ان الشمال خط احمر لن يسمح بتجاوزه وان اي تدخل في شئونه من قبل الجنوب سيعتبر عملاً عدوانياً يقتضي مجابهته.


    وبالفعل تم كل ذلك وابلغت عدن بضرورة التوقف فورا عن اي نوايا باحداث تغيير سياسي بالقوة في الشمال من قبل موسكو التي اوضحت تلقي تهديداً واضحاً وصريحاً بهذا الامر من واشنطن بانها لن تسمح بأي تدخل في شئون الشمال الداخلية وانها تعتبر ذلك خطا احمر لا يجب تجاوزه.


    وفي الوقت نفسه قام الاصنج بدور رئيسي وتحرك سريعاً في اتجاه استدعاء الرائد علي عبدالله صالح ـ قائد منطقة تعز انذاك ـ وضمان وصوله بأقصى سرعة ممكنة الى العاصمة ليتولى الامساك بزمام الامور، وخاصة الجيش، تحسبا لاية احتمالات بحدوث اضطرابات او انشقاقات او تمردات، وهو رأي اتفقنا مع الاصنج حوله تماماً.


    ـ لماذا الرائد علي عبدالله صالح بالذات وليس غيره، خاصة وان هناك قادة عسكريين ارفع واعلى رتبة منه واقدم؟ ـ كان هناك شعور راسخ وواسع النطاق داخل الجيش ومؤسسات الدولة والاوساط السياسية والرأي العام المحلي، بأن علي عبدالله صالح يرتبط بوشائج وعلاقات شخصية حميمة للغاية بالرئيس الغشمي، وبالنظر الى حالة الترقب بقرب حدوث شيء ما او تغيير سياسي وهي حالة وصلت حد اليقين، فقد كان الشعور العام على قناعة تامة بان الرائد علي عبدالله صالح هو وحده الذي سيرث الغشمي ويخلفه لان القوات المسلحة المحسوبة على الغشمي ستعطي تأييدها وولاءها تلقائيا له، وكان ذلك صحيحاً ودقيقاً بصرف النظر عن حقيقة العلاقة التي جمعته بالرئيس الغشمي.اضف الى ذلك ـ بالنسبة لنا كناصريين ـ ان الرئيس الحمدي كان كثيرا ما يحدثنا في قيادة التنظيم عن الرائد علي عبدالله صالح مبديا اعجابه بذكائه وحنكته وشجاعته، وذلك في سياق رؤاه التقييمية للقادة وكبار الضباط، وكان الحمدي يعتبره من اذكى القادة العسكريين واقدرهم.


    الحمدي قال لنا انه عايشه وعرفه عن قرب ولمدة طويلة وبالتالي فهو اكثر خبرة ومعرفة به، ثم روى لنا بعض الحكايات والوقائع التي كان علي عبدالله صالح طرفاً فيها للتدليل على حنكته وذكائه ومقدرته. والغريب ان الحمدي كان كثيرا ما ينصحنا ويوصينا باعطاء اهتمام وتركيز اكبر للضباط المنتمين الى مديرية «سنحان» وقد تفاجأ اذا قلت لك اننا في قيادة التنظيم، وقتئذ، لم نكن نعلم حقيقة اين تقع المديرية، وكنا نتخيل انها ربما انها في محافظة ذمار وتحديداً في «آنس».


    كان فهمنا واستيعابنا لواقع البلاد الاجتماعي وتركيبته القبلية محدوداً الى اقصى حد، كما لم ندرك ابعاد واهداف نصيحة الحمدي لنا الا بعد مرور حوالي سنتين او اكثر، حيث تبين لنا في مرحلة لاحقة ان رؤية وتقييم الرئيس الحمدي لشخصية علي عبدالله صالح كانت صحيحة وبالغة الدقة. واضافة الى ما سبق وقلته فان معرفتنا الشخصية به في اللقاءات المحدودة التي جمعته ببعض قيادة التنظيم: سالم السقاف وعبدالسلام مقبل وانا، في اواخر عهد الحمدي، كانت بمثابة التهيئة والاعداد لمفاتحته بالعمل التنظيمي المتفق عليه.


    كما ان وجهة نظرنا في التنظيم، انذاك، ان الرائد علي عبدالله صالح، كشخصية قيادية عسكرية، لا يمتلك تجربة سياسية او حزبية يعتد بها، ولا سابق خبرة ودراية في ادارة وتسيير شئون الدولة في كافة مجالاتها. ولهذا فعندما يصبح رئيساً للبلاد، وبحكم سابق معرفتنا وعلاقتنا به، فانه لاشك سيحتاج الى مساعدتنا ووقوفنا الى جانبه لمساندته في ادارة وتسيير شئون الحكم السياسية والاقتصادية.. الخ، وهو ما سيجعل لنا قدراً مهماً من التأثير عليه وعلى توجهاته وسياساته ومواقفه، ويصبح توقع الخطر او الاستهداف لنا من جانبه مستبعداً الى حد كبير.


    العرشي يصفي الناصريين ـ هل معنى هذا ان تقييمكم كان عدائيا تجاه العرشي؟


    ـ كما تعلم انه بعد حادثة اغتيال الغشمي تم تشكيل مجلس رئاسة انتقالي مؤقت وقائد عام ورئيس هيئة اركان عامة للقوات المسلحة، كان المجلس برئاسة القاضي العلامة عبدالكريم العرشي والمقدم علي عبدالله صالح ـ عضو مجلس الرئاسة ونائب القائد العام ورئيس هيئة الاركان العامة ـ كترتيبات انتقالية الى حين انتخاب رئيس للجمهورية وفق الاجراءات الدستورية، اي بواسطة مجلس الشعب التأسيسي الذي كان عبدالسلام مقبل وانا عضوين فيه، وهو مجلس انشيء بقرار وعين اعضاؤه تعييناً بقرار من الغشمي، وكان العرشي رئيسا للمجلس وقد لعبنا دوراً كبيراً وقمنا بتحرك مكثف سواء داخل المجلس او خارجه لتعيين المقدم علي عبدالله صالح رئيساً للجمهورية وللحيلولة دون انتخاب العرشي، وذلك لم يكن ناتجاً عن موقف عدائي ضده، كان محل احترامنا رغم انه لم تكن بيننا وبينه علاقات شخصية مباشرة او حتى معرفة، لكن موقفنا منه تغير، فجأة، من النقيض الى النقيض في الفترة التي انتدب فيها للاشراف وادارة مكتب رئاسة الدولة عقب اغتيال الرئيس الحمدي وبعد استقالة مدير المكتب عبدالله بركات، وكان من اقدر وأكفأ قيادات الدولة، وكان سالم السقاف مازال يشغل منصب نائب مدير مكتب الرئاسة.


    وقد فوجئنا مفاجأة صاعقة، ولم نكن نتوقعها، حين علمنا ان القاضي العرشي منذ اليوم الاول لمباشرته مهمته بمكتب الرئاسة جاء حاملاً معه قائمة بأسماء جميع الناصريين العاملين في المكتب وعلى رأسهم نائبه سالم السقاف، وانه سيقوم بتصفيتهم وابعادهم. كنا على علم واطلاع بهذا الموقف من خلال احد العاملين في المكتب وضع العرشي ثقته به وافصح له عما ينوي القيام به، وكان هذا الرجل على علاقة تنظيمية بنا ولم يكن معروفاً عنه انتماءه الناصري. ومنبع شعورنا انه لم يكن بيننا وبين العرشي اية مواقف عدائية او سوء تفاهم من اي نوع وفي اي وقت مطلقاً، وقد تمكن من اجبار سالم السقاف على الانقطاع عن العمل واتخذ اجراءات وتغييرات تصب في معظمها لغير صالحنا.. وازاء هذا الموقف العدائي غير المبرر وقفنا بكل قوانا وامكانياتنا وبشتى الوسائل لاحباط وصول القاضي عبدالكريم العرشي الى رئاسة الجمهورية حتى لا يستهدفنا وهو رئيس على نحو اشمل واخطر.


    ـ اصبح علي عبدالله صالح رئيساً للجمهورية وقائدا عاما للقوات المسلحة يوم 17 يوليو 1978م.. حينها كانت الاستعدادات الخاصة بالحركة الانقلابية قد شارفت على الاكتمال ولم يبق سوى وضع اللمسات الاخيرة عليها.. هل تحاورتم معه؟ ولماذا تسعون لاحتوائه؟ ـ السؤال مهم للغاية ومعقد في الوقت نفسه، وقبل الاجابة عليه يجب اولا الاشارة الى ان الرأي العام المحلي كان يعيش وطأة شعور يقيني راسخ ان تغييرا انقلابيا واقع لا محالة وقريبا جدا، وكان متوقعاً ذلك التغيير بين لحظة واخرى، بل يطالب به ويلح عليه. والاحزاب الرئيسية كان كل واحد منها يتحرك بسرعة ليقوم بانقلاب عسكري ولكل اسلوبه وطريقته منهم من كانت خطته تقوم على تدبير اغتيال شخصي للرئيس، مستفيداً من تواجد بعض كوادره وقياداته العسكرية في مواقع داخل القيادة العامة للقوات المسلحة حيث يقومون بالسيطرة عليها واملاء بيان على مسئولي الاذاعة طالبين منهم اذاعته، مستفيدين من تجربة اغتيال الغشمي السابق حيث كان مسئولو الاذاعة ينتظرون على الهاتف لتلقي اي بيان ويكفي ان يقول لهم بانه من القيادة حتى يتم اذاعته، ثم يقومون بسلسلة من الخطوات والاجراءات مثل اصدار قرارات عزل وتعيين على طريق ترتيب الاوضاع وخاصة العسكرية وفقا لمخططهم المرسوم، واخر كانت له سيطرة على بعض الوحدات العسكرية واغلبها خارج العاصمة وليست بعيدة كثيرا عنها وعناصر حزبية مدربة ومسلحة شبه «ميليشيات» داخل العاصمة، وتقوم خطته على اتفاق مع الشطر الجنوبي لارسال اسراب من الطائرات الحربية القاذفة لقصف مراكز المقاومة العسكرية المتوقعة ثم العودة من حيث اتت في الوقت نفسه الذي تكون وحداتهم العسكرية قد بدأت بالتحرك نحو العاصمة وانتشرت ميليشياتهم المسلحة للسيطرة على العاصمة.


    ايضا كانت هناك ـ انذاك ـ بعض من مراكز القوى داخل النظام تستعد بالتنسيق مع انصار لها في قيادة بعض الوحدات العسكرية داخل العاصمة وخارجها، للانقضاض المفاجيء على السلطة والسيطرة على الحكم. فقد كان تحليلنا ورؤيتنا وتقييمنا لحادثة اغتيال الرئيس ابراهيم الحمدي مبنياً على قناعة بأنها مخطط مدبر ومدروس تقف من ورائه قوى دولية واقليمية ومحلية تابعة لها، وهو مخطط يتعارض ويتناقض مع خططنا وتوجهنا الوطني القومي الثوري، انذاك، وان ذلك المخطط لهذه الاعتبارات وتحت تأثير اجوائها وملابساتها وبعد مناقشات مستفيضة ومعمقة، رأينا عدم الحوار مع الرئيس علي عبدالله صالح ومصارحته بنوايانا وما يجري في الساحة من احداث وتحركات ومشاريع انقلابية.


    ـ ولكن لماذا ترسخت عندكم هذه القناعة قبل ان تحاوروا الرجل؟ ـ ان مفاتحة الرئيس، بشكل او باخر بما اردنا القيام به من عملية انقلابية، حتى وان لم يكن هو شخصياً المستهدف من ورائها، امر قد يؤدي الى نتائج عكسية ويشكل خطرا فادحا على عملنا ويدمرنا تماماً، خاصة اذا ما تأكدت هواجسنا وشكوكنا بان يكون الرئيس علي عبدالله صالح، بحكم ما عرف عن علاقته الحميمة والعميقة بالرئيس الغشمي، على علم وارتباط بما اعتقدناه نحن حينها من مخطط خارجي كانت بدايته اغتيال الرئيس الحمدي، فنقود انفسنا الى تهلكة محققة.


    لذلك فان ومهما بلغ عمق العلاقة والثقة بين الحاكم وبعض الشخصيات وخاصة السياسية منها، فان الحاكم، اي حاكم او قل في الغالب، ما تتحكم في علاقاته هواجس الريبة والشكوك دائماً، ورجل الدولة عادة ما تسيطر عليه المخاوف والقلق من وجود اي شكل من اشكال القوة السياسية المنظمة والعاملة في الساحة وخاصة اذا كان وجودها قد تم من خارج النظام، ولهذا لا يمكن لاي حاكم ان يقبل باقامة علاقة ما مع قوة سياسية منظمة، ناهيك عن القبول بوجودها ذاته! كما ان مصارحة الرئيس بما يدور في الساحة من تحركات ومخططات ومشاريع انقلابية عديدة، على مثل ذلك النحو المتعدد والواسع النطاق، ما كنا نعتقد بأنه سيأخذه محل الجد والتصديق، بل خشينا ان يفهمه على نحو معاكس ويعتبره اسلوباً تكتيكياً مخادعاً ومراوغاً نريد من ورائه ان نصرف انتباهه عما هو اخطر ويدبر في الخفاء وندفعه الى الدخول في مواجهات وعداوات مع الكثير من القوى والاطراف السياسية بهدف ابعادها عن ميدان الصراع السياسي وننفرد به وحدنا فقط. واخيرا فان خلافاتنا وحواراتنا مع الرئيس علي عبدالله صالح في فترة حكم الرئيس الحمدي لم تكن قد وصلت الى درجة علمه واطلاعه على حقيقة وجود التنظيم وطبيعته وماهيته، كما كان الحال بالنسبة للرئيس الغشمي مثلا، ولو كان ذلك قد حدث لما كانت هناك مشكلة او صعوبة امام مفاتحته ومصارحته بكل شيء وعلى المكشوف كما يقولون.


    وعموما فاننا لم نكن نضمر سوءا لشخص الرئيس علي عبدالله صالح من وراء محاولتنا الانقلابية التي كانت استعداداتها قد شارفت على الاكتمال حين جاء الى الحكم، بل بامكاني ان اكشف لك سرا بان قيادة حركة التنظيم اتفقت على انه في حالة نجاح الحركة سيتم تدبير طريقة لتمكين الرئيس صالح من مغادرة البلاد سالماً الى اي بلد يريده، لانه لم يكن لدينا اي نزوع الى القتل وكنا شديدي الحرص على ان تكون حركتنا بيضاء. ولهذا فانه ما ان بدأت مؤشرات اولى تلوح في الافق بامكانية تحول الحركة الانقلابية الى مواجهة مسلحة دامية، اتخذ عيسى محمد سيف ـ الامين العام للتنظيم ـ وكان حينها في غرفة العمليات، وكنت معه وشاهداً، قراراً فورياً بانهاء الحركة وايقافها نهائياً.


    ـ اذن ماذا حدث ليلة الانقلاب في الخامس عشر من اكتوبر 1978م وكيف تمكنت انت من الفرار؟ ـ لم يكن قد اتخذ قرار بتحديد يوم 15 اكتوبر 1978م كموعد نهائي او ما يعرف بـ «ساعة الصفر» لتنفيذ الحركة الانقلابية، والذي حدث ان الرائد نصار علي حسين الجرباني ـ قائد اللواء الخامس مشاة ـ ورئيس المجلس العسكري الاعلى للحركة ـ هو الذي اتخذ قرارا مفاجئاً لاعضاء المجلس العسكري وقيادة التنظيم بالتحرك لتنفيذ الحركة ليلة 15 اكتوبر، مما اضطرنا الى التحرك السريع لابلاغ بقية اعضاء المجلس العسكري والقطاعات العسكرية والتشكيلات الحزبية المدنية المقرر اشتراكها في العملية بساعة الصفر التي تم تحديدها على عجل.. وعند منتصف الليل بدأ التحرك حسب الخطة الموضوعة، والغريب ان التحرك من قبل الوحدات العسكرية والامنية والتشكيلات الحزبية المدنية المشاركة في العملية سار من بدايته الى نهايته دون ان تفرض حالة طواريء ومنع تجوال حيث ظلت الحياة العامة تسير بشكل اعتيادي وكأن شيئاً لم يحدث!


    وبإيجاز اقول ان كل المهام المحددة في الخطة داخل العاصمة تم تنفيذها بالكامل تقريباً حيث تمت السيطرة على مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة ومن ضمنها غرفة العمليات والاتصالات العسكرية، ومطار صنعاء الدولي والمطار الحربي ومبنى الاذاعة والتلفزيون والاتصالات التليفونية ومداخل العاصمة ومفارق طرقها العامة، ولم يبدأ الموقف بالتحول الا عند بدايات ضوء الفجر عندما تمكنت بعض القيادات العسكرية من دخول بعض التشكيلات العسكرية الخاضعة لقيادتها، وهي محدودة، وتسييرها في تحرك مضاد، حيث بدأت تسمع اصوات قذائف مدفعية الدبابات وصواريخ الآربي. جي والرشاشات على نطاق محدود ولفترة قصيرة، ولاننا قررنا ايقاف الحركة وانهائها تفادياً لسفك الدماء.


    وعند الفترة ما بين الساعة التاسعة والعاشرة صباحا كان كل شيء قد انتهى يومها كان رئيس الجمهورية خارج العاصمة في زيارة لبعض المحافظات حيث وصل الى تعز قادماً اليها من الحديدة.


    ولا اظن انه من المناسب ان اقوم بعملية تقويم او تحليل لحركة 15 اكتوبر 1978م تبين عوامل واسباب فشلها واخفاقها، رغم نجاحها في السيطرة شبه الكلية على العاصمة صنعاء في مرحلة انطلاقتنا الاولى.


    ـ اذن لماذا فشلتم؟


    ـ كل الخطوات والاعمال الخاصة بالتمهيد للقيام بالحركة تمت على افضل وجه وكذا الخطة التنفيذية العامة كلها تمت في ظل اقصى درجات التكتم والسرية والتمويه برغم النطاق الواسع للحركة ولكن الخلل الاكبر كان في مجال التنفيذ الميداني للمهام والادوار ليس كلها جميعا وانما في بعض منها، فبعض القادة اما انهم لم يحسنوا ويتقنوا تنفيذ مهامهم ومسئولياتهم او انهم لم يقوموا بتنفيذها بأنفسهم اصلا واوكلوها الى زملائهم دون ان يحيطوا غرفة العمليات علماً بذلك، وهناك من كان يرسل بلاغات لغرفة العمليات غير حقيقية ومضللة عن سير وتنفيذ ادوارهم ومهامهم في حين كانوا قد انسحبوا من الميدان وبدأوا بالهروب.


    وبعض القادة وبرغم قيامهم بتنفيذ كل المهام والادوار والمسئوليات المناطة بهم بشكل ناجح وكامل، الا ان تنفيذهم لها تم في ظل تعامل حسن النية وبالغ المثالية الى حد غير معقول ولا مقبول، فهم بعد سيطرتهم على المواقع المكلفين بها تعاملوا مع ضباطها وجنودها سواء منهم اطقم دبابات ومدرعات او مدفعية او مشاة باسلوب عاطفي اخوي واكدوا لهم انهم جميعاً موقوفون احتياطياً او نقلهم الى اماكن او مواقع اخرى خارج معسكراتهم ومواقعهم السابقة، ولهذا فما ان بدأ التحرك المضاد، برغم ان بدايته لم تكن قوية او واسعة، حتى سيطر اولئك الضباط والجنود على مواقعهم واسلحتهم من جديد وانضموا الى التحرك المضاد عند بدايته مما اعطاه المزيد من القوة والاندفاع.


    ـ كانت الخطة العامة للحركة تضع في حسابها الاستفادة من بعض الوحدات العسكرية المرابطة خارج العاصمة وبعيدة نسبياً عنها لدعم وتعزيز وتقوية القوات التي تسيطر على العاصمة، وكمثال على ذلك «قوات العمالقة» المرابطة في مدينة «ذمار» على بعد اكثر من مئة كيلومتر عن العاصمة، هذه القوات تأخرت بضع ساعات عن الموعد المحدد لبدء تحركها نحو صنعاء، ثم انها عندما ارادت البدء بالتحرك وصلتها معلومات مفادها بان مجاميع قبلية مسلحة كبيرة اتخذت مواقع عديدة وسيطرت على الطريق الموصلة من ذمار الى صنعاء ابتداء من «نقيل يسلح» وحتى ما قبل منطقة «سحزيز» بقليل، وان هذه المجاميع القبلية مسلحة ببعض الاسلحة غير الخفيفة مثل قاذفات الاربي. جي وبعض انواع المدافع والرشاشات الثقيلة وغيرها، وهذا الوضع المفاجيء دفع «قوات العمالقة» الى تغيير خط سيرها واتخاذ طريقاً اخر وصولاً الى صنعاء عبر اراضي قبائل «خولان» وهو طريق طويل ووعر واهم من هذا غير مأمون وبالفعل استطاعت بعض قبائل خولان ان توقف «العمالقة» وتشتتها وتأسر بعض ضباطها وجنودها ومن المشايخ من سلم مالديه منهم الى السلطة ومنهم من اطلق سراحهم دون ان يسلمهم للسلطة فيما بعد.


    ـ كانت الخطة التنفيذية العامة تقضي بانه وفور السيطرة على مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة وغرفة العمليات والاتصالات فيها، ان يقوم احد كبار قادة الحركة بمهمة فتح شبكة الاتصالات مع كافة وحدات وتشكيلات الجيش المرابطة في كافة المناطق والمحافظات على امتداد البلاد، وابلاغها بقيام الحركة الانقلابية ويزودها بالبيان رقم «1»، ويصدر لها الاوامر العسكرية اللازمة، غير ان شيئا من هذا لم يحدث بسبب عدم مجيء ذلك الاخ المكلف بالمهمة لاداء مهمته، وهو ما اثر تأثيراً سلبياً خطيراً على قدرة الحركة على الصمود والاستمرار اذ بقي التحرك محصوراً او مقصوراً داخل اطار العاصمة وحدها.


    ـ ان عدداً من القادة العسكريين لم يكن لديهم ايمان لا يتزعزع بمشروعية التغيير وضرورته الحتمية، بل تحركوا وهم يشعرون بشيء من مشاعر الشكوك وعدم اليقين وربما التردد، وهذا لا يتعارض مطلقاً مع المواقف البطولية والشجاعة الاسطورية والصلابة النادرة التي سطرها وخلدها اكثر القادة العسكريين في ادائهم لمهامهم وادوارهم ومسئولياتهم بالاضافة الى القادة والكوادر والاعضاء الحزبيين المدنيين.


    ـ ان اكثر من 95% من مكونات وتشكيلات القطاع العسكري للتنظيم من قادة وضباط وجنود مؤسستي الجيش والأمن، تمت عملية استقطابه وبنائه واعداده اعداداً سياسياً وبسيطاً خلال فترة زمنية محدودة للغاية لاتزيد عن ثمانية اشهر لاغير، اتجهت كل الجهود والتحركات خلالها بالكامل ـ تقريباً ـ صوب عملية الاقناع والاستقطاب ثم تأطيرهم ضمن بنية تنظيمية بمختلف تشكيلاتها وهياكلها ومستوياتها، وعلى نحو يسهل عملية الاتصال والتواصل السريع معهم وبينهم، والحقيقة ان تلك الفترة الزمنية المحدودة والقصيرة للغاية، لم تكن كافية على الاطلاق، وبكافة المعايير والمقاييس، ولا حتى في الحدود الدنيا، لتتيح للتنظيم الشروع في عملية تربوية بنائية متكاملة، ولو في ادنى حدودها ومستواها، لاعادة بناء وتربية وتأهيل واعداد كل تلك الاعداد الهائلة من الاعضاء الجدد من مؤسستي الجيش والامن، من جميع الجوانب الفكرية الثقافية والسياسية والتنظيمية بل وحتى النفسية بما يؤدي الى خلق ارضية او حالة من التجانس والتناغم والتوحد العقائدي السياسي والنفسي بينهم وبين سائر الأعضاء والتشكيلات الحزبية المدنية القديمة في انتمائها الحزبي، وبما يخلق بين الجميع وحدة في المشاعر والمصير والهدف المشترك للاعضاء جميعاً ويقوي لديهم روح الانتماء وتميز الهوية والاستعداد للتضحية الى اقصى الحدود، كل هذه المعايير والشروط والمتطلبات الاساسية اللازمة حتماً لم تحدث بل سادت هواجس مبهمة حول من هم وماذا يمثلون ومن هو هذا التنظيم الذي اصبحوا فجأة اعضاء فيه، وتلك كانت حالة خطيرة للغاية ادت بعدد محدود جدا من القيادات العسكرية البارزة حديثة العضوية التنظيمية الى التفكير والسعي والعمل من اجل القيام بانقلاب مضاد للانقلاب الذي لم يحدث بعد وذلك بحسب ما تمكنا من معرفته وفق معلومات وصلتنا بعد فشل حركة 15 اكتوبر 1978م، باشهر عديدة وكانت صدمة نفسية عاطفية اصابتنا بزلزال رهيب وعميق للغاية.


    ـ واخيرا فقد كان هناك من يرى سواء من داخل التنظيم او من خارجه، بان احد أهم اسباب فشل الحركة يعود الى نجاح اجهزة مخابرات النظام انذاك في تحقيق اختراق امني خطير للتنظيم في مستوياته القيادية، وذلك قبل فترة قصيرة من قيام الحركة، وهو اختراق جعلها على علم بالحركة ووضعها ومسارها وغير ذلك من التفاصيل، وجعل النظام يتخذ اجراءات احتياطية وقائية ويقوم ببعض الافعال السرية التي من شأنها عرقلة عملية نجاح الحركة وبالتالي افشالها.. والحقيقة انني لا استطيع ان أؤكد او انفي مثل هذه الآراء او المعلومات التي تداولها البعض منذ ما بعد الحركة ولاتزال تتردد بين آن واخر، واعتقد انها لا يجب ان تشغلنا في الوقت الراهن.


    فرار للخارج ـ وكيف تمكنت من الفرار؟


    ـ كنت منذ الساعات الاولى للفجر مع الاخ الامين العام الشهيد عيسى محمد سيف في غرفة عمليات ادارة الحركة ومعنا رئيس غرفة العمليات العقيد الراحل محمد المرزوقي رحمه الله رحمة واسعة، وبعد اتخاذ قرار وقف الحركة وانهائها خرجت بصحبة الامين العام ومعنا احد الاخوة الاعزاء الذي مازال حيا يرزق من موقع غرفة العمليات في طريق عودتنا الى محل السكن، وفي طريق عودتنا مررنا امام منزل احد الاخوة من اعضاء التنظيم وهو شيخ كبير لاحدى القبائل المحيطة بصنعاء، فاقترح ان نلجأ الى قبيلته لبعض الوقت حتى تتضح لنا صورة ما ستؤول اليه الامور، غير ان الاخ عيسى لم يوافق على الاقتراح مشيرا الى ان اجهزة امن النظام لن تتمكن من معرفة من يقف وراء الحركة الا بعد يومين او ثلاثة ايام وهي فترة كافية تمكننا من الاجتماع الليلة واتخاذ القرارات المناسبة، فاوضحت له انني اشعر بان اجهزة الامن ستعرف فوراً، هذا ان لم تكن قد عرفت بالفعل وذلك لاننا كنا منذ منتصف الليل وحتى اللحظة نتحرك حركة واسعة في شوارع صنعاء دون ان يكون هناك فرض منع التجوال وبالتالي يكفي رؤية بعض الاخوة المعروفين بانتمائهم السياسي ليحددوا القوة الواقفة وراء الحركة، كما ان اعتقال واحد او اكثر من الاخوة العسكريين او المدنيين المشاركين في الحركة سيؤدي حتما الى معرفة حقيقة دورنا.. ولكنه رحمه الله رفض واصر على العودة الى احد المنزلين اللذين يستأجرهما وهو اكثر سرية من الاخر لننام ثم في المساء سنقرر وذهبت معه ونمنا بعض الوقت حتى الساعة الثانية عشرة ظهراً تقريباً حيث جاء احد الطلبة من اقاربه ليبلغنا بان الامن داهم منزل عيسى الاخر وهو يبحث عنه فنهضت وايقظته من النوم والححت عليه بان يخرج فوراً الى مكان اخر، وخرجت من البيت واتجهت الى منزل احد الاصدقاء (غير يمني) ومكثت فيه يومين ثم انتقلت الى منزل اخر لاحد اقاربي ومكثت فيه حوالي اربعة ايام ثم سافرت الى الحديدة ومكثت فيها حوالي اسبوعين ثم الى تعز ومكثت فيها حوالي نصف شهر في جروف الجبال ثم توجهت الى عدن. والحقيقة ان ما سهل عليّ الهروب انني لم اكن معروفا كثيرا من حيث صورتي وشكلي وان كنت معروفاً اكثر كاسم، وهذا ما جعلني امر بالنقاط العسكرية المعنية بالتفتيش وهو مشدد ودقيق للغاية ومعي بطاقة احد الاصدقاء قريب الشبه الى صورتي دون ان يشك احد بي.


    ـ الاطاحة بالرئيس سالم ربيع علي كيف اثرت عليكم؟


    ـ الحقيقة انه لم تكن لنا اية علاقات تذكر بالنظام الحاكم في الشطر الجنوبي من الوطن ولا باي من اجنحته المتصارعة، بل كانت العلاقات بيننا وبينهم تتسم بالمواجهة الحادة وبالعداء الشديد. وذلك منذ استلام تنظيم «الجبهة القومية» للحكم في الجنوب بعد الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967م وتصفية القوى والفصائل الاخرى التي ساهمت وشاركت في حرب التحرير ضد الاستعمار البريطاني «جبهة تحرير الجنوب اليمني المحتل» و«التنظيم الشعبي للقوى الثورية» التابع لها والذي كان يتشكل في مجمله من ناصريين وبعثيين.. واحتدت المواجهة بيننا اكثر واعمق بعد وصول الجناح اليساري في الجبهة القومية الى السلطة هناك والانقلاب على الرئيس قحطان محمد الشعبي والموالين له في الدولة والحزب والامن في يونيو 1968م، وخاصة بعد ان حسم النظام خياره الايديولوجي بشكل واضح واصبح ملتزماً بالماركسية اللينينية، وبلغت المواجهة ذروتها والعداء اوجه حينما اقدم النظام الحاكم في الجنوب على اعتقال عدد كبير من الكوادر والقيادات الناصرية هناك ومارس في حقها اقسى وابشع وسائل التنكيل والتعذيب واجرى لعدد من ابرزهم محاكمة صورية هزلية متهما اياهم بالتعامل مع «اسرائيل» وقام باعدام مجموعة من خبرة القيادات والكفاءات الناصرية وعلى رأسهم الشهيد احمد العبد سعيد والشهيد علي الكسادي وعدد اخر معهم في عام 1973م دون اي ذنب او سبب حيث كانت قيادة التنظيم «الطليعة العربية» والقيادة الوطنية لليمن، قد اصدرت قراراً قبل تلك الاعتقالات والمحاكمات والاعدامات قرارا بتجميد نشاط وحركة فرع الجنوب تجميدا كاملاً وشاملاً بسبب بشاعة وقسوة الاجراءات والاجواء الامنية البالغة والقمع والاضطهاد الذي كان سائداً.


    ولهذا فان الاطاحة بالرئيس سالم لم يكن لها اية تأثيرات سلبية عملية مباشرة، الا من زاوية غير مباشرة تتمثل في سقوط وانهاء المشروع الوطني الواعد الذي قام وتأسس وتعمق بينه وبين الرئيس ابراهيم الحمدي، والواقع ان قيادة تنظيمنا، وهي ماضية في التحضير والاعداد للحركة الانقلابية، كانت تشعر بان معظم مخاوفها تنحصر في توقعها الاكيد بان النظام الحاكم في الجنوب سيكون مصدر الخطر والتهديد الاكبر لحركتنا في حال نجاحها، وكنا نتوقع ان يصل ذلك الخطر والتهديد الى حد المواجهة العسكرية المباشرة من قبل النظام هناك ومعه القوى الحزبية المنظمة والقوية التابعة له في شمال الوطن، خاصة وان القيود والموانع الاقليمية والدولية التي كانت تمنعه وتحول بينه وبين التدخل العسكري المباشر في الشمال سوف تسقط في حالة نجاح حركتنا الانقلابية والنظام الذي ستقيمه في الشمال والمتسم اصلا بالثورية والقومية.. وتحسبا لهذا سعينا الى اقامة علاقات مباشرة بيننا وبين ليبيا انذاك، كما اتخذنا بعض الاجراءات والخطوات التمهيدية وغير المباشرة لاقامة علاقات تحالف بيننا وبين حزب البعث العربي الاشتراكي انذاك والذي كان مرتبطا حزبياً وسياسياً بعلاقة عقائدية مع العراق، من اجل مواجهة التوقعات المؤكدة لقيام مواجهة بيننا وبين النظام الحاكم اليساري في الجنوب.


    قطيعة ـ متى قطعت صلاتك بالتنظيم الناصري.. وما هي الاسباب؟


    ـ قررت تجميد عضويتي في التنظيم اواخر العام 1980م لعدة دوافع واعتبارات واسباب، اكتفي هنا بالاشارة الى اهمها وابرزها على النحو التالي:


    بعد فشل المحاولة الانقلابية في 15 اكتوبر 1978م وما ترتب على ذلك من اعدامات بحق واحد وعشرين من ابرز قيادتنا الحزبية المدنية والعسكرية على دفعتين الاولى في 27 اكتوبر عام 1978م وشملت 9 من القيادات العسكرية والثانية في5 نوفمبر 1978م وشملت كل القيادة التنفيذية العليا من المدنيين تقريبا عدا اثنين فقط بمن فيهم الامين العام والامين العام المساعد والمسئول السياسي والمسئول الثقافي والمسئول المالي وغيرهم من اعضاء القيادة اضافة الى عدد من الكوادر الحزبية في مستويات تنظيمية مختلفة، بالاضافة الى حملة اعتقالات واسعة النطاق شملت المئات من الكوادر والاعضاء الحزبيين المدنيين والعسكريين، اضافة الى تشرد ونزوح اعداد كبيرة منهم خارج البلاد او متخفين داخل البلاد وما واجهناه من تضييق وحصار ومضايقة في تعامل اجهزة الحزب والدولة في الجنوب وامتدادها الحزبي في الشمال «الجبهة الوطنية الديمقراطية» حيث تعاملوا معنا وكأننا رجل مريض سقط يجب العمل على وراثة تركته، وعدم امتلاك المستوى القيادي الاول المؤقت للقدرة والكفاءة والحماس اللازم والرؤية المتكاملة والصائبة لكيفية التعامل ومواجهة نتائج وآثار وانعكاسات النكسة الخطيرة والظروف بالغة القسوة والمخاطر والتحديات الجسيمة الداهمة التي داهمتنا واحاطت بنا من كل جانب وشكلت تهديداً حقيقياً ومباشراً لوجودنا التنظيمي والسياسي من اساسه، بفعل الضربات القوية والقاصمة التي وجهت الينا بعد فشل حركة 15 اكتوبر 1978م، وعلى رأسها، والاكثرها خطورة وتأثيرا، اعداد وتصفية كل قيادتنا العليا، والتي كانت قيادة مؤسسة وتمثل انضج وأكفأ وأصلب وأقدر ما افرزته تجربتنا التنظيمية السياسية كلها، اي بمعنى اخر تصفية عقل التنظيم ومخزن خبراته وتجاربه ومركز اداراته وتوجيهه، وهو ما اصابنا بحالة كبيرة من الاضطراب واختلال التوازن لاتزال تعكس تأثيراتها السلبية علينا حتى الان، هذا بالاضافة الى حملة الاعتقالات واسعة النطاق وعلى نحو غير مسبوق، وتشرد ونزوح واختفاء اعداد كبيرة اخرى خارج وداخل البلاد، وكذا فقدان الكثيرين من اخواننا لوظائفهم واعمالهم ومصادر دخلهم ومعيشتهم الخ.. والواقع ان الضربة او الضربات التي وجهت الينا لم يتعرض لمثلها او حتى لاخف منها اي حزب او قوة سياسية داخل اليمن من قبل.بدأت «الروح التآمرية» تطل برأسها وبدأت المؤشرات الاولى لها ترتسم شيئا فشيئاً في الافق المرئي، على بروز روح التنافس السلبي بينهم مستخدمين اساليب الخديعة واللف والدوران والتآمر والوقيعة، على نحو لم يسبق ان عهده تنظيمنا في كل مراحل مسيرته النضالية منذ تأسيسه على الاطلاق.


    كما بدأت حالة الشكوك واطلاق تهم التخوين والانحراف ونشر الدعايات والحملات المشوهة للسمعة والمحطمة للمعنويات تتوسع شيئاً فشيئاً بينهم، وهو ما افضى الى البدء في خلق المحاور الشللية والتعامل مع القيادات والكوادر في مختلف مستوياتها وتقويمهم وتصنيفهم وفق معايير الولاءات الشخصية بعيدا عن معايير الاداء والحركة والانجاز والموضوعية العادلة.


    والحقيقة ان المال الذي توفر للتنظيم، بعد حركة اكتوبر 1978م، كان العامل الرئيسي في ظهور وبروز وتنامي تلك الظواهر والممارسات الشاذة، حيث كان التنافي التآمري والصراعات الدائرة، خفية وعلنا، بين تلك القيادات بهدف محافظتها على مواقعها القيادية او سعياً للوصول اليها، من اجل السيطرة على المال والاستحواذ عليه ونهبه لمصالح شخصية وكوسيلة للاثراء الشخصي، وذلك عبر استثماراته في الوصول الى المواقع القيادية العليا واستغلالها لتحقيق مثل هذا الفساد المالي المعبر عن غياب القيم والمثل الاخلاقية والصفات المبدئية النضالية السامية، وكان هذا النهج الانحرافي السيء قد بلغ حداً جعل القيادات العليا تحمل اهمالاً كلياً وتاماً القيام بالمسئولية والواجب والامانة الملقاة على عاتقها بادعاء الاهتمام بأسر الشهداء ورعاية شئونهم والمساعدة في تدبير امور حياتهم ومعيشتهم، والاسوأ من هذا انها قررت السطو على مبالغ مالية حصل عليها التنظيم مخصصة لصالح اسر الشهداء والاستيلاء على تلك الاموال والتصرف بها وصرفها في امور وجوانب ومجالات اخرى.ان عدم الاهتمام والعناية باسر الشهداء، وهم شهداء عظام وقادة، من قبل قيادة التنظيم ادى الى شعور واسع وعميق بالاحباط وخيبة الامل بل والصدمة لدى القواعد والكوادر التنظيمية الواسعة وفقدت الثقة بالقيادات وشعروا بان ما تعلموه وما أكده لهم التنظيم في نظامه الاساسي وغيره بمسئولية وواجب التنظيم تجاه اسر وعوائل المناضلين الذين يقدمون ارواحهم فداء وتضحية في سبيل مباديء وأهداف التنظيم لا أساس له من الصحة والمصداقية، وانه مجرد كذب وخداع وهكذا.


    كنت أطرح على زملائي في القيادة وغيرهم من الكوادر البارزة باستمرار ضرورة وأهمية اجراء عملية تطوير وتجديد على مضامين فكرنا «الناصري» استجابة وتفاعلاً مع ما يجري حولنا في الحياة من تطورات ومتغيرات متسارعة وبالغة الأهمية، وتحاشي الوقوع ضمن نطاق أو مسار الانفلاق والجمود الفكري، فالتجربة الثورية العربية الناصرية اكتسبت أهم صفة وميزة ميزتها عن كثير من تجارب العالم الثورية بكونها لم تنشأ من منطلق أو قالب ايديولوجي نظري جاهز ومتكامل، وانما امتلكت حيوية وحضوراً باستنادها الى المزاوجة والمفاعلة الحية والواقعية بين الأسس النظرية وما تفرزه التجربة العملية التطبيعية في الواقع، فالأسس النظرية تعصم التجربة العملية من التخبط والتوهان والانحراف، والتجربة العملية في مسار حركتها تثري وتخصب الأسس النظرية وتعدلها وتصوبها من خلال الدروس والعبر والنتائج المستخلصة من الواقع، اي انها قامت على مبدأ «التجربة والخطأ»، والقائد الخالد جمال عبدالناصر حذر وشدد مراراً من الجمود الفكري والتقوقع داخل شرنقة الايديولوجيا، ووصف الطليعة القائدة لحركة الجماهير بانها تلك التي تمتلك الحركة الطليعة السريعة المستجيبة للتطورات والمتغيرات التي يفرزها الواقع.. ومن ضمن ما كنت اطرحه عليهم، آنذاك، ما كنت اراه بأن الصراع في العقود القليلة المقبلة، سيتحدد ويفرز على نحو حاسم بين قوتين رئيسيتين، قوة دينية تعبر عن الدين وتستند عليه، وقوة لا دينية تعبر عن افكار وايديولوجيات لا صلة لها بالدين، ولم تكن الحركات السياسية الاسلامية السرية القادمة ـ انذاك ـ قد بلغت ما بلغته اليوم من القوة والانتشار والتوسع والتأثير، بالاضافة الى كونها لا تملك رؤية أو برنامجاً أو نظرية واضحة ومحددة ومتكاملة للتغيير وشكل ومضمون وطبيعة المجتمع البديل الذي تسعى الى اقامته وكل ما لديها مجموعة شعارات عامة ومبهمة وغير محددة اقصى ما تفعله إثارة وتهيج مشاعر وعواطف الناس الدينية، وان تجربتنا الناصرية من خلال وثائقها الفكرية البرامجية ومن واقع التجربة العملية الضخمة التي اقامتها في مصر ومعالم المجتمع الجديد والبديل الذي أسسته ومن خلال ادوارها وتحركاتها وتأثيراتها السياسية قومياً وعالمياً «حركة التحرر الوطني» في آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية، وبالنظر الى حقيقة كون الفكر الناصري اتخذ موقفاً ايجابياً من الدين الاسلامي وعبر عن جوهره الانساني الاصيل واستند الى تعاليمه وقيمه الحقيقية السامية القائمة على الحرية والعدل والتسامح والتقدم، فاننا، أي الناصريين، نعتبر الأولى والأقدر والاكثر كفاءة وتأهيلاً لقيادة وتوجيه احدى قوتي الصراع التاريخي القادم والقوة المعبرة والمستندة على الدين.


    ومن اجل ذلك وتحقيقاً له فان الضرورة تفرض علينا القيام بجهد فكري نظري يستهدف التعميق والتأصيل النظري لفكرنا الناصري اسلامياً بالاستناد الى فهمنا واستيعابنا للاسلام على النحو الصحيح والاصيل، علماً ان هذا التعميق أو التأصيل الديني المنشود لن يفضي الى التخلي أو تغيير الاسس الفكرية الاساسية للناصرية لانها لا تتناقض معها اصلاً، بل سيؤدي الى المزيد من البلورة والتطوير والثراء، هذا ما طرحته تقريباً باختصار شديد، وقد جوبهت بحملات من الدعايات والاتهامات التي تتهمني بالخيانة والانحراف. رغم انني كنت اطرح رأيي علناً مع الكثير من القيادات والكوادر، وذات مرة، وكنت على وشك تجميد نشاطي التنظيمي، مررت لزيارة بعض الاخوة من اعضاء القيادة بموعد مسبق، وتحدثوا معي عن أهمية وحيوية وصحة ما اطرحه وانهم كانوا يتمنون لو انني وثقت ذلك الرأي كتابة ليقوموا بانزاله للنقاش في القواعد، وبما انني اعتزم السفر قريباً فانهم يريدون ان يغتنموا الفرصة ليسمعوا مني تفاصيل الرؤية التي اطرحها بشكل شفوي ليستوعبوها ويقوموا هم ببلورتها بعد ذلك وانزالها للنقاش وبالفعل تحدثت حدثياً مركزاً حول فكرتي التي اطرحها ثم انصرفت مودعا، واعداً اياهم بالقيام باعداد دراسة متكاملة ان سنحت لي فرصة وسمحت الظروف في المهجر. بعد هذا الموقف بفترة من الزمن، بلغتني الاخبار ان أولئك الاخوان، سامحهم الله، قاموا بتسجيل حديثي عبر المسجل سراً وبدون علمي وانهم اتخذوا الشريط دليل ادانة واثباتاً على انحرافي، تصور مثل هذه العقلية كانت قد تسود ـ انذاك ـ داخل التنظيم.


    اختراق امني سبب اخر وهو ان التنظيم، بعد ان افضت المحادثات بيننا وبين النظام خارج البلاد وفي الداخل، عن اتفاق بعودتنا من الخارج واطلاق المعتقلين.. الخ. وبعد ان اضطررنا الى الاستجابة لطلبات وضغوط النظام باعلان خروجنا أو انفصالنا عن الجبهة الوطنية الديمقراطية وقطع علاقتنا بليبيا، اتخذ التنظيم قراراً من قبل مؤتمر عام بالدخول في حوار سياسي مع النظام، وكنت باعتباري المسئول السياسي في القيادة مكلفاً بإدارة ذلك الحوار من جانب التنظيم، وكان المفترض بعد ان وافق التنظيم واتخذ قراراً من قبل مؤتمره العام بالحوار السياسي، ان يعيد التنظيم النظر بجوانب حركته ونشاطه ومواقفه، وخاصة العلنية، بشكل يتواءم ويتكيف مع مقتضيات ذلك القرار أي عدم القيام بما يتناقش أو يتعارض مع الحوار وهدفه، وفي حين كان الحوار قائماً ومستمراً فقد كان هناك من يقوم بتحركات ونشاطات ويعلن مواقف وتصريحات في الخارج بالذات وفي الداخل الى حد ما ينسف أساس الحوار وتبين عدم مصداقيته من جانبنا مثل التصريحات النافية لصحة ما اعلن عن انسحابنا من الجبهة الوطنية الديمقراطية، والقيام بحملات صحفية حادة ومعادية للنظام في الخارج، وكذا ارسال اسلحة سراً الى الداخل دون علم القيادة في الداخل بذلك، كانت الحركة التنظيمية والسياسية للتنظيم لا تخضع للسيطرة والتوجيه المركزي حيث كان هناك من يتحرك وفق مزاجه وهواه، وكانت المواقف والتحركات غير المنضبطة تلك تؤدي الى نتائج وردود افعال وتأثيرات من قبل النظام وكنت انا من يتحمل تبعاتها ومعاناتها بل واخطارها المحتملة.


    باختصار لم تستطع قيادة التنظيم ان ترسم وتحدد رؤية وخطة عمل واضحة المعالم ومحددة الاهداف وهو ما الحق اضراراً بالغة بالتنظيم ووضعه ومستقبله.


    واخيراً فقد بدأت أشعر ببعض مؤشرات بان اجهزة النظام الامنية قد بدأت في عملية اختراق امني خطير داخل التنظيم وفي بعض مستوياته القيادية، وان عملية الاختراق تلك تسير بدأب ونشاط مكثف ومدروس لتوسيع نطاق ومستوى تلك الاختراقات اكثر، وبدا لي ان اجهزة النظام تسعى من وراء تلك الاختراقات الى احداث انشقاق داخل التنظيم، حينها وضعت، شخصياً، تحت مراقبة امنية شديدة للغاية ظلت تلازمني طوال اربع وعشرين ساعة يومياً ولمدة شهرين متتالين كان أسلوب المراقبة من النوع الثابت والمتحرك ومن النوع «الاستفزازي أو التطفيشي» وكنت كلما تساءلت عن دوافعها واسبابها، خاصة ونحن داخلون في حوار سياسي مع النظام باتفاق مبدئي على ان نعمل على فتح صفحة جديدة من العلاقة الايجابية بيننا وان ليس هناك ما يبرر تلك الرقابة والمضايقة، كانت الاجابة التي القاها دائماً تحضر في افكار ونفي وجود اي رقابة من قبل الاجهزة انني مجرد اتوهمها وهماً.


    وأدركت من كل ذلك، ان مشروع شق التنظيم من الداخل بات قريباً، وكان وجودي في الداخل يشكل عقبة مهمة تقف في وجه ذلك الانشقاق، وان المطلوب هو رحيلي خارج البلاد وهكذا جاء قرار تعييني وزيراً مفوضاً في سفارتنا بنيودلهي وقبلته ورحلت بعيداً، ولم يكن هناك ما يقنعني بالبقاء في الداخل ذلك ان اوضاع التنظيم كانت تسير من سيء الى اسوأ ولم يكن هناك ما يستدعي رفض الخروج والبقاء في الداخل مع ما يحمله من مخاطر اذ سيضطر الانسان ان يقدم تضحية فادحة دون داع أو موجب أو ضرورة.. وبالفعل فقد حدث الانشقاق الذي توقعته بعد فترة قصيرة من رحيلي خارج البلاد. وبالمناسبة فقد كنت منذ وقت مبكر، وبعد فشل حركتنا الانقلابية بفترة وجيزة، قد طرحت على الاخوة في قيادة التنظيم فكرة أو مقترحاً مؤداه ان نتخذ قراراً بايقاف وتجميد كل حركة التنظيم التنظيمية والسياسية والاعلامية بكامل أوجهها الى اجل غير مسمى، ونوصي جميع الاعضاء بان يقتصروا على الاهتمام بتنمية وتطوير مستوى وعيهم وثقافتهم الذاتية كل بمفرده.


    وكان اقتراحي هذا منطلقاً من ادراك وشعور عميق بحجم المشاكل والمخاطر الجسيمة التي ستجابهنا وبالمصير السييء الذي سيؤول اليه مستقبل التنظيم بالنظر الى اننا اصبحنا بتجربة انقلابية سابقة وستضعنا اجهزة النظام تحت المجهر دائماً وستعمل على تمزيقنا وتشتيتنا وتحزيبنا من الداخل بكافة السبل والوسائل وعبر الترهيب والترغيب.


    وذلك شيء طبيعي وحتمي الحدوث استناداً الى ما يؤكده «علم الاجتماع السياسي» من حقائق علمية ثابتة في تحليله لسيكولوجية نشوء وتفكك الجماعة، فعندما تطلع على سيكولوجية تفكك الجماعة أي جماعة انسانية سياسية أو اجتماعية أو ثقافية وأسباب وكيفية تفككها تستشعر وكأنها تتحدث عما وصل اليه تنظيمنا وما حل به من كوارث. غير ان الاخوان في القيادة رفضوا هذا المقترح واتهموني بالانهزامية والتخاذل وغير ذلك من الاتهامات ولو كانوا قبلوه لحافظنا على سمعتنا وصورتنا الايجابية المشرقة في نظر الرأي العام وتجنبنا ما حل بنا وجنبنا اعضاءنا كل ما تعرضوا له من ضغوطات وافساد الاخلاق والضمائر، ولكن قد جاء الوقت المناسب، في ظل ظروف متغيرة أفضل وانسب، لنعيد التنظيم بأسرع ما يمكن الى سابق عهده.

     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-08-09
  17. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    عينت رئيساً لتحرير صحيفة 13 يونيو الناطقة بلسان الجيش الذي يقود الدولة.. هل كان ذلك ضمن اتفاق ام تقييم شخصي؟ ـ بعد قيام حركة 13 يونيو 1974م بفترة كانت هناك افكار وتصورات حول ضرورة اصدار صحيفة اسبوعية تعبر سياسياً عنها وكان هناك تسابقاً بين وزارة الاعلام وادارة الشئون العامة والتوجيه المعنوي للقوات المسلحة والتي كان مديرها الرائد علي حسن الشاطر انذاك الذي قام بالتشاور والتعاون مع الفقيد محمد الزرقة الذي كان حينها رئيسا لتحرير صحيفة «الثورة» باعداد تصور حول اصدار صحيفة اسبوعية تحمل اسم 13 يونيو ورفعه الى الرئيس ابراهيم الحمدي وفي هذا التصور تم اقتراح ثلاثة أسماء مرشحة لرئاسة تحرير تلك الصحيفة كان المرشح الاول هو الشاعر الكبير عبدالله البردوني فيما كان المرشح الثاني محمد الزرقة وكنت انا المرشح الثالث.


    وبحسب ما عرفته بأن الرئيس الحمدي بعد اطلاعه على التصور رأى ان المرشح الاول برغم مكانته الا ان ظروفه الخاصة لا تسمح له بتولي رئاسة تحرير صحيفة كما ان المرشح الثاني يشغل بالفعل رئيس تحرير صحيفة «الثورة» اليومية وليس بمستحسن ان يتولى رئاسة تحرير صحيفتين في آن معا واستقر رأيه على المرشح الثالث الذي هو انا حينها لم يكن الرئيس الحمدي قد تعرف الي او عرفني شخصياً مطلقاً ولكن ربما كان يتابع المقالات التي اكتبها عن حركة 13 يونيو وقائدها منذ المرحلة الاولى لقيامها واذكر اول مرة التقي به وجهاً لوجه بعد اصدار صحيفة 13 يونيو بفترة لا بأس بها.


    وعليه فان اختياري لرئاسة تحرير الصحيفة لم يكن مبنيا على اتفاق مطلق اذ لم تكن هناك حتى تلك اللحظة اية اتصالات ولقاءات مباشرة ـ كناصريين ـ بالرئيس الحمدي.


    ولاشك ان اختياري يعود الفضل فيه الى الصديق علي حسن الشاطر يقينا.


    اتصالات


    ـ ومع هذا تطرح فصائل اليسار ان الحمدي كان على اتصال بكل الاحزاب وليس الناصريين فقط؟ ـ بالتأكيد كان الرئيس الحمدي مهتما الى أبعد حد وحريصا على ايجاد قنوات بينه وبين الكثير من الأحزاب القائمة في الساحة، وكانت انذاك تمارس نشاطها وحركتها في اطار من السرية المطلقة حيث كانت الاحزاب محظورة دستوريا، وكان أشد حرصا على ابقاء تلك القنوات مفتوحة ونشطة باستمرار، والواقع ان تلك القنوات قائمة بالفعل منذ فترة طويلة قبل ان يصبح رئيسا، وكانت علاقاته بتلك الاحزاب سابقة بكثير على علاقته وحواراته بالناصريين، وهذا ما سمعناه وفهمناه من الرئيس الحمدي شخصيا، حيث اوضح لنا بأن صلاته وعلاقاته بقيادات حركة القوميين العرب وبالحزب الديمقراطي اليمني الثوري الذي قام على انقاض حركة القوميين العرب في الفترة ما بين 67 ـ 1968م تعتبر الأقدم والأوثق حيث كان يحضر ويشارك في اجتماعات ومناقشات قيادة الحركة والحزب بعدها وانه لاتزال تربطه علاقات شخصية حميمة بالعديد من تلك القيادات لكنه اوضح بأنه لم يكن منتميا او ملتزما حزبيا لحركة القوميين العرب او الحزب الديمقراطي الثوري، بيد ان عمق علاقاته وحميميتها كانت تبدو وكأنه واحد منهم، واضاف ان اخيه المقدم عبدالله محمد الحمدي كان منتميا حزبيا في حركة القوميين العرب والحزب الديمقراطي الثوري بعدها ولبعض الوقت.


    وبحسب ما سمعناه منه شخصياً فقد كانت له اتصالات مع العديد من الاحزاب ومنها حزب الطليعة الشعبية وحزب العمل وحزب اتحاد الشعب الديمقراطي والمقاومين الثوريين وهي الاحزاب الاربعة التي شكلت فيما بعد مع الحزب الديمقراطي الثوري ما عرف باسم «حزب الوحدة الشعبية اليمني» او ما عرف اختصارا بـ «حوشي» والذي كان بمثابة الفرع والامتداد التنظيمي للحزب الاشتراكي اليمني في الشمال.


    كما كانت له صلات مع حزب البعث العربي الاشتراكي، بل وأيضا مع الاخوان المسلمين.. ومع هذا فان اتصالاته مع الناصريين لم تبدأ كتنظيم او كيان حزبي الا في مرحلة زمنية متأخرة اي بعد ان اصبح رئيسا، تقريبا عند اواخر العام 1975م، الا انه كان على اتصال متقطع، قبل ان يصبح رئيسا بسنوات قليلة، ببعض الشخصيات المعروفة باتجاهها الناصري مثل العقيد عبدالله العليبي والعقيد حسن الرميم ويحيى عائض، كما اقام علاقة وثيقة سياسيا فيما بعد بـ عبده نعمان عطاء، والذي يعتبر المؤسس الاول والباني لأشكال الوجود والنشاط الناصري المنظم والحزبي في اليمن منذ اوائل الستينيات، الا ان تلك العلاقات اقتصرت على الجانب الشخصي والقضايا السياسية العامة، ولم تأخذ تلك العلاقة والحوار بعدها وحقيقتها الواضحة الا في اواخر العام 1975م، وفي هذا الوقت كانت هناك معلومات تجمعت لدينا بوجود لقاءات وحوارات شبه منتظمة بين الرئيس الحمدي والأحزاب اليسارية الخمسة، وكانت استنتاجاتنا بأن مثل تلك اللقاءات والحوارات تشير الى ان علاقة سياسية ما في طريقها للتبلور، وعزز هذا الاستنتاج ان الرئيس الحمدي في بعض لقاءاتنا به كان يشير اشارات عامة الى مثل تلك اللقاءات دون تفاصيل، وكان يعبر عن احترام وتقدير لبعض قيادات تلك الاحزاب مثل عبدالحميد حنيبر واحمد الحربي واحمد منصور ابو اصبع والعقيد سلطان امين القرشي، وبدا انه شديد الاعجاب بشخصيات معينة لم تكن معروفة آنذاك بما فيه الكفاية وكان احيانا ما يستفسر عنهم ويطلب معلومات حولهم وخاصة محمد الشيباني الذي كان احد قيادات الحزب الديمقراطي
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2005-08-09
  19. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    عينت رئيساً لتحرير صحيفة 13 يونيو الناطقة بلسان الجيش الذي يقود الدولة.. هل كان ذلك ضمن اتفاق ام تقييم شخصي؟ ـ بعد قيام حركة 13 يونيو 1974م بفترة كانت هناك افكار وتصورات حول ضرورة اصدار صحيفة اسبوعية تعبر سياسياً عنها وكان هناك تسابقاً بين وزارة الاعلام وادارة الشئون العامة والتوجيه المعنوي للقوات المسلحة والتي كان مديرها الرائد علي حسن الشاطر انذاك الذي قام بالتشاور والتعاون مع الفقيد محمد الزرقة الذي كان حينها رئيسا لتحرير صحيفة «الثورة» باعداد تصور حول اصدار صحيفة اسبوعية تحمل اسم 13 يونيو ورفعه الى الرئيس ابراهيم الحمدي وفي هذا التصور تم اقتراح ثلاثة أسماء مرشحة لرئاسة تحرير تلك الصحيفة كان المرشح الاول هو الشاعر الكبير عبدالله البردوني فيما كان المرشح الثاني محمد الزرقة وكنت انا المرشح الثالث.


    وبحسب ما عرفته بأن الرئيس الحمدي بعد اطلاعه على التصور رأى ان المرشح الاول برغم مكانته الا ان ظروفه الخاصة لا تسمح له بتولي رئاسة تحرير صحيفة كما ان المرشح الثاني يشغل بالفعل رئيس تحرير صحيفة «الثورة» اليومية وليس بمستحسن ان يتولى رئاسة تحرير صحيفتين في آن معا واستقر رأيه على المرشح الثالث الذي هو انا حينها لم يكن الرئيس الحمدي قد تعرف الي او عرفني شخصياً مطلقاً ولكن ربما كان يتابع المقالات التي اكتبها عن حركة 13 يونيو وقائدها منذ المرحلة الاولى لقيامها واذكر اول مرة التقي به وجهاً لوجه بعد اصدار صحيفة 13 يونيو بفترة لا بأس بها.


    وعليه فان اختياري لرئاسة تحرير الصحيفة لم يكن مبنيا على اتفاق مطلق اذ لم تكن هناك حتى تلك اللحظة اية اتصالات ولقاءات مباشرة ـ كناصريين ـ بالرئيس الحمدي.


    ولاشك ان اختياري يعود الفضل فيه الى الصديق علي حسن الشاطر يقينا.


    اتصالات


    ـ ومع هذا تطرح فصائل اليسار ان الحمدي كان على اتصال بكل الاحزاب وليس الناصريين فقط؟ ـ بالتأكيد كان الرئيس الحمدي مهتما الى أبعد حد وحريصا على ايجاد قنوات بينه وبين الكثير من الأحزاب القائمة في الساحة، وكانت انذاك تمارس نشاطها وحركتها في اطار من السرية المطلقة حيث كانت الاحزاب محظورة دستوريا، وكان أشد حرصا على ابقاء تلك القنوات مفتوحة ونشطة باستمرار، والواقع ان تلك القنوات قائمة بالفعل منذ فترة طويلة قبل ان يصبح رئيسا، وكانت علاقاته بتلك الاحزاب سابقة بكثير على علاقته وحواراته بالناصريين، وهذا ما سمعناه وفهمناه من الرئيس الحمدي شخصيا، حيث اوضح لنا بأن صلاته وعلاقاته بقيادات حركة القوميين العرب وبالحزب الديمقراطي اليمني الثوري الذي قام على انقاض حركة القوميين العرب في الفترة ما بين 67 ـ 1968م تعتبر الأقدم والأوثق حيث كان يحضر ويشارك في اجتماعات ومناقشات قيادة الحركة والحزب بعدها وانه لاتزال تربطه علاقات شخصية حميمة بالعديد من تلك القيادات لكنه اوضح بأنه لم يكن منتميا او ملتزما حزبيا لحركة القوميين العرب او الحزب الديمقراطي الثوري، بيد ان عمق علاقاته وحميميتها كانت تبدو وكأنه واحد منهم، واضاف ان اخيه المقدم عبدالله محمد الحمدي كان منتميا حزبيا في حركة القوميين العرب والحزب الديمقراطي الثوري بعدها ولبعض الوقت.


    وبحسب ما سمعناه منه شخصياً فقد كانت له اتصالات مع العديد من الاحزاب ومنها حزب الطليعة الشعبية وحزب العمل وحزب اتحاد الشعب الديمقراطي والمقاومين الثوريين وهي الاحزاب الاربعة التي شكلت فيما بعد مع الحزب الديمقراطي الثوري ما عرف باسم «حزب الوحدة الشعبية اليمني» او ما عرف اختصارا بـ «حوشي» والذي كان بمثابة الفرع والامتداد التنظيمي للحزب الاشتراكي اليمني في الشمال.


    كما كانت له صلات مع حزب البعث العربي الاشتراكي، بل وأيضا مع الاخوان المسلمين.. ومع هذا فان اتصالاته مع الناصريين لم تبدأ كتنظيم او كيان حزبي الا في مرحلة زمنية متأخرة اي بعد ان اصبح رئيسا، تقريبا عند اواخر العام 1975م، الا انه كان على اتصال متقطع، قبل ان يصبح رئيسا بسنوات قليلة، ببعض الشخصيات المعروفة باتجاهها الناصري مثل العقيد عبدالله العليبي والعقيد حسن الرميم ويحيى عائض، كما اقام علاقة وثيقة سياسيا فيما بعد بـ عبده نعمان عطاء، والذي يعتبر المؤسس الاول والباني لأشكال الوجود والنشاط الناصري المنظم والحزبي في اليمن منذ اوائل الستينيات، الا ان تلك العلاقات اقتصرت على الجانب الشخصي والقضايا السياسية العامة، ولم تأخذ تلك العلاقة والحوار بعدها وحقيقتها الواضحة الا في اواخر العام 1975م، وفي هذا الوقت كانت هناك معلومات تجمعت لدينا بوجود لقاءات وحوارات شبه منتظمة بين الرئيس الحمدي والأحزاب اليسارية الخمسة، وكانت استنتاجاتنا بأن مثل تلك اللقاءات والحوارات تشير الى ان علاقة سياسية ما في طريقها للتبلور، وعزز هذا الاستنتاج ان الرئيس الحمدي في بعض لقاءاتنا به كان يشير اشارات عامة الى مثل تلك اللقاءات دون تفاصيل، وكان يعبر عن احترام وتقدير لبعض قيادات تلك الاحزاب مثل عبدالحميد حنيبر واحمد الحربي واحمد منصور ابو اصبع والعقيد سلطان امين القرشي، وبدا انه شديد الاعجاب بشخصيات معينة لم تكن معروفة آنذاك بما فيه الكفاية وكان احيانا ما يستفسر عنهم ويطلب معلومات حولهم وخاصة محمد الشيباني الذي كان احد قيادات الحزب الديمقراطي
     

مشاركة هذه الصفحة