د.يس سعيد نعمان يكتب عن الديمقراطية

الكاتب : silan   المشاهدات : 407   الردود : 1    ‏2005-08-03
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-08-03
  1. silan

    silan المراقـب العام

    التسجيل :
    ‏2004-10-30
    المشاركات:
    5,716
    الإعجاب :
    431
    الديمقراطية.. بين الخصوصية اليمنية والمشترك العربي

    لا يوجد على هذه الأرض من يتحدث عن الديمقراطية أكثر منا نحن العرب، شعوب وقبائل وحكام ورعية على السواء. نتحدث عنها وقد أسلمتنا دهشة الاكتشاف المتأخر لهذا المنتج الإنساني إلى عناوين فرعية له، هي كل ما استطاعت محفظتنا المعرفية أن تستوعبه، وهي كل ما تيسر لأنظمتنا أن تسمح به.
    وفي ظروف النهب الذي تعرضت له معنوياتنا وذاكرتنا وثقافتنا وأحلامنا خيل إلينا أن "هذا السحر العجيب" لا تصنعه إلا يد ساحر ماهر، يأتي من وراء البحر ليمهد لنا الأرض ويعلمنا أسرار الخلطة.
    وأكاد أجزم أن كل صاروخ كان يسقط على بغداد كان هناك من يعتقد أنه يحمل معه عنصراً من المعادلة الكيميائية لهذه الخلطة السحرية، بل إن كل قنبلة كانت تفجر مبنى أو حياً فيها كان هناك من ينظر إليها على أنها إنذار لعاصمة عربية أخرى بضرورة التحرك سريعاً نحو الديمقراطية وإلا فإن نذر التغيير قد خيمت فوق سماء المنطقة، ولن تمنح "المتقاعسين" أي فرصة إضافية.
    شطح الخيال بعيداً بالكثيرين، وحجبت أسباب ضرب العراق وراء كومة من الثرثرة العربية عن الديمقراطية. ولن أذهب بعيداً في الحديث عن موضوع ضرب العراق، فالعراقيون أقدر من غيرهم على الحديث عنه وأكثرهم نضحاً للخوض في تفاصيله، وما نستطيع قوله هو أننا نتفق معهم في أن نظاماً دكتاتورياً فاسداً كان يجب أن يزول ليشهد الأحياء منهم ولادة عراق حر جديد يلملمهم من شتات الغربة الداخلية والخارجية وينعمون فيه بالخير والسعادة التي حرموا منها عقوداً طويلة.
    وما أردت أن أشير إليه في هذا الربط السريع هو درجة اليأس من إصلاح أوضاعنا التي انتهت بنا إلى هذا الحال الذي بتنا فيه ننتظر الخلاص من مأساتنا بصواريخ تأتينا من وراء البحر، وبقائد عسكري أجنبي يفسر لنا أسباب تخلفنا.الزمن، وحياد الشعوب واعتماد نخبها على التغيير من خارجها.. عوامل أكسبت الأنظمة مرونة هائلة إزاء هذه التغيرات




    الشعوب التي تنتظر الديمقراطية على هذا النحو هي بكل المعايير غير مؤهلة للتغيير. وهي تنسى أن الأنظمة أسرع منها في اغتنام الفرص التي تأتي على أسنة رماح الغير. ما أن انتهت الحرب حتى كانت الأنظمة قد استعدت بقائمة من التنازلات لهذا المارد القادم من وراء البحر هذه المرة بقناعه الحقيقي دون رتوش، وكانت في مجملها محاولة للقفز فوق هذا الظرف الجديد الذي خلقته الحرب وذلك بهدف استيعاب تداعياته بما في ذلك وهم استيلاد الديمقراطية من رحم المدفع والصواريخ العابرة.
    الزمن، وحياد الشعوب واعتماد نخبها على التغيير من خارجها.. عوامل أكسبت الأنظمة مرونة هائلة إزاء هذه التغيرات. لا يوجد ما يضيق الميدان عليها في ممارسة لعبة التنازلات والالتفاف على ما يبدو أنه معركة حاسمة مفروض عليها أن تخوضها لأول مرة في ميدان غير ميدانها وبأدوات غير أدواتها.
    لذلك فإن الجمود الذي يبدو عليه النظام السياسي العربي إزاء مطالب الإصلاحات الداخلية لا يلبث أن يتحول إلى مرونة هائلة إزاء فرص البقاء التي تقدمها ضغوط الخارج.
    وبين هذا الجمود وتلك المرونة مساحة تملؤها شعوب مسكونة بالطاعة.. أوغل فيها الخوف، وتمكن منها اليأس لدرجة لم يعد معها الحكام يشعرون بأن هناك أحياء يتحركون على هذه المساحة يحسبون حسابهم عند هذا الانتقال الدراماتيكي من الرفض لمطلب الإصلاحات التي تأتي من الداخل إلى الاستجابة غير المشروطة لضغط الخارج !! يقطعون هذه المساحة المزدحمة محمولين برافعة "القوة" التي أنشئت بوهم الدفاع عن السيادة فإذا بها توظف في الاتجاه المعاكس بعد أن باتت السيادة عبئاً ثقيلاً وصاحبة ثمن باهظ.
    على هامش المؤتمر العربي في بيروت في نهاية شهر نيسان هذا العام، وفي مقاربة مع موضوعات المؤتمر، كانت الديمقراطية هي مثار حديث وتعليقات الجميع خارج القاعة، ما إن يكمل المتعانقان طقوس السلام والسؤال عن الحال حتى يذهبا في حديث طويل عن الديمقراطية. قلت لصاحبي: على الأقل في اليمن أراد النظام أن يقطع هذه المساحة بالانتخابات. فبالمقارنة مع غيره كان استثناء، أراد أن يتحرك نحو هدفه من خلال نبض الشارع بغض النظر عن الحالة التي عليها هذا النبض أو صلاحية المجس الذي يستخدمه، ونحن نرى في هذا التوجه محاولة لتصحيح العلاقة مع هذه المساحة، قد تبطئ نتائج هذه المحاولة وقد لا تتحقق، المهم هو أن هذه المساحة لم تعد ساكنة على نحو ما نشاهده عندكم وفي أماكن أخرى. سأل : هل سيشارك الحزب الاشتراكي في الانتخابات؟ قلت : بكل تأكيد. قال بصورة مفاجئة : ودم جار الله !! قلت : مشاركتنا في المقام الأول هي وفاء لصاحب هذا الدم الغالي.
    جار الله كان أحد أعلام هذه المساحة، مساحة المغلوبين، التي أرادها أن تخرج من انكفائها وتغادر سكونها بفعل يضعها على ربوة تستطيع أن تطل من خلالها على واقعها، ليس المهم أن تكون هذه الربوة عالية وإنما أعلى ولو بقليل من القاع. وتطرق النقاش إلى مواضيع أخرى . فقال أحدهم : لكن لماذا الانتخابات في هذا الظرف بالذات، ألا يثير هذا سؤالاً حول علاقة ذلك باستحقاقات من نوع ما للخارج الذي جاء هذه المرة إلى المنطقة بقضه وقضيضه ليثأر لنفسه من الذين لعبوا معه ثم راوغوا عند منعطفات معينة؟ قلت له : أنا في حزب معارض ومضروب، إن لم أقل مقموع، وكان بإمكاني أن أرد بنعم، لكن الحقيقة هي غير ذلك فيما يخص الموعد. الموعد مضروب بموجب الدستور، ربما صادف أن يكون متزامناً مع الحرب، لكنه شيء جميل أن تجري الانتخابات في وقتها وهذا يحسب لنخبة الحكم. أما الاستحقاقات فموضوعها آخر. الاستحقاقات ليست مجرد تجليات هامشية للنظام السياسي العربي الرسمي يمكن الحديث عنها بمعزل عن هذا الميراث الضخم من التخلف والتبعية. هي جزء من بنية الأنظمة . ما يراه اليمنيون وجيهاً في هذه الانتخابات هي أنها تشديد على استحقاق وطني لم يعد النظام السياسي قادراً على تجاوزه إلا بانقلاب جذري سيكون هو نفسه أول ضحاياه.
    ثم تشعب الحديث عن علاقة الانتخابات بالديمقراطية وما إذا كان هذا النوع من الانتخابات يحقق الديمقراطية. وكان رأيي أن الانتخابات هي واحدة من تجليات الحالة السياسية لأي بلد. ليس بالضرورة أن يكون البلد الذي تجري فيه انتخابات بلداً ديمقراطياً. ومع ذلك فالنزيهة منها هي شرط ضروري للديمقراطية لكنها شرط غير كاف. ونحن اليمنيون نتحرك الآن في مساحة من هذا "الضروري" بكل ما يعتريه من نواقص لنكتشف أنفسنا من خلالها. الكراهية هي وحدها من تجبر صاحبها على أن ينظر إلى "الآخر" باعتباره كتلة من القبح .. الكراهية تقتحم العلاقات الإنسانية بأحط المعايير وأكثرها بغضاً في التشخيص




    الحالة السياسية بالطبع ليست مثالية، لكن علينا أن نعترف بأن المثالية تتحول إلى "قيمة" تبريرية لليأس عندما نضعها شرطاً مسبقاً للديمقراطية، أما عندما نضعها كهدف فإننا نتعامل معها كقيمة أخلاقية تتحقق من داخل خياراتنا السياسية والفكرية والتربوية، هذه الخيارات لا يصنعها أحد نيابة عنا. قررنا أن نكتشف أنفسنا بأنفسنا لمعرفة قدرتنا على إنتاج هذه الخيارات في الظرف الصعب، ونتعامل مع هذا " الضروري" المتاح بدلاً من انتظار الديمقراطية التي ستأتي جاهزة من مكان مجهول. ربما تُزوّر الانتخابات، لكن لا بد أن يكون هناك شئ جميل في مكان ما في هذه العملية، علينا أن نكتشفه.. لن تقتصر مهمتنا على التنديد بالتزوير، فذلك لا يجدي إذا لم يصاحبه اكتشاف الشيء المفيد والمحافظة عليه، نعض عليه بالنواجذ. لا بد وسط كومة القش الهائلة من البحث عن الماسة الصغيرة. من الضروري أن تكون في مكان ما، وبالتأكيد لن نحرق كومة القش لنصل إليها، سنتعامل معها على أنها الوجه الآخر الذي أنتجه حالنا، ويبقى علينا أن نغير هذا الحال بالعمل والصبر والتضحية والاستفادة من دروس الماضي بالتعاون بين كل القوى الحية التي تتطلع لأن ترى اليمن ديمقراطياً سعيداً مستوعباً لكل أهله على قدم المساواة. في الماضي أحرق اليمنيون الكثير دون تمييز، ومعها أحرقوا إمكانيات التعاون فيما بينهم لمواجهة مارد التخلف وأحرقوا عقوداً من حياتهم. درجة استعداد النظام، أي نظام، للديمقراطية وقبوله لفكرتها على أي وجه من الوجوه يدخل ضمن هذا "الذاتي" الذي يجعل الانخراط فيها من قبل الجميع مسئولية لا يمكن التخلي عنها كواجب لا يقبل التأجيل




    مخلفات هذه الحرائق اليوم هي شواهد على أن طريقنا طويل، وشواهد على أن الحرائق لا يلجأ إليها إلا الذين مُنيوا بهزائم نفسية وسلوكية من ذلك النوع الذي يجعلهم يعجزون عن اكتشاف الجانب الجميل في "الآخر". لا بد أن يكون هناك شئ ما جميل في هذا "الآخر" حتى وإن أجمع الكل على أنه قبيح. الكراهية هي وحدها من تجبر صاحبها على أن ينظر إلى "الآخر" باعتباره كتلة من القبح .. الكراهية تقتحم العلاقات الإنسانية بأحط المعايير وأكثرها بغضاً في التشخيص . لا يمكن محاصرة الكراهية المنتجة للعنف إلا بالانفتاح على هذا "الآخر" لاكتشافه من الداخل، وعلى الأخص اكتشاف "الجميل" المتخفي وراء غطرسة "السياسي" ونرجسيته، وهذا لن يتم إلا بالديمقراطية. وعندما نقول لا للديمقراطية التي تعرضها الدولة بمعاييرها وبشروطها، يجب أن تكون هذه ال"لا" إيجابية وليس سلبية. بمعنى أنه لا بد من الانخراط في العملية بمشروع يتخطى "المسموح به" الذي تعرضه الدولة، كدلالة على روح كفاحية غير محاصرة في نمط واحد من المواقف، لأن "لا" السلبية تترك الساحة للكراهية، وللعنف والعنف المضاد.
    لذلك نحن في الحزب الإشتراكي سنواصل تعاملنا مع هذا "الآخر" بمفهومه الشامل من هذا المنطلق. نحن نرى مثلاً أن هناك عوائق جادة، موضوعية وذاتية، أمام الديمقراطية في اليمن، لكن هذا لا يجعلنا نقف موقفاً عدمياً من هذا الحراك السياسي على الأرض، والقول، من ثم، بتصفية هذه العوائق أولاً كشرط للمشاركة. ما يمكن أن نبحث ونجادل فيه هو العوائق الذاتية للنظام السياسي باعتبارها صناعة " قانون" يمكن تغييره كشرط للحديث عن الديمقراطية. أما الجوانب الموضوعية فهي مهمة كفاحية تستند على شرط التمسك بالديمقراطية كأداة لتسوية هذا "الموضوعي" المشاكس.
    درجة استعداد النظام، أي نظام، للديمقراطية وقبوله لفكرتها على أي وجه من الوجوه يدخل ضمن هذا "الذاتي" الذي يجعل الانخراط فيها من قبل الجميع مسئولية لا يمكن التخلي عنها كواجب لا يقبل التأجيل "المجتمعات لا تُبنى بتأجيل التضحيات" على حد تعبير زميلنا العزيز نبيل الصوفي.
    ويكون هذا مدخلاً لنضال حقيقي من أجلها. لا يمكن أن نقيم قبوله للفكرة إلا من خلال التجربة وإلا كان حديثنا ضرباً من التفتيش في الضمائر. وفي سياق التجارب المتكررة يمكن أن نفرز ما هو موضوعي من صعوبات وما هو ذاتي منها ونتعامل مع كل منها بشروطها لا بشروط الحالة السياسية التي تنتجها.
    هناك في الحالة العربية، حينما يتعلق الأمر بالديمقراطية، ما هو مشترك وما هو خاص. المشترك هو أن الدولة العربية تتسم بصفات دولة "الغلبة"، ودولة الغلبة، كما سنرى فيما بعد، لا تستطيع أن تنتج الشرط الذاتي للديمقراطية إلا بإرادة سياسية خارقة، تجازف بالاستغناء عن جزء من "قوتها" لصالح الديمقراطية. وهو أمر لا نراه ممكناً في الوقت الراهن. لذلك نراها تقوم بتفكيك الديمقراطية لتختار منها ما تستطيع هضمه بدلاً من تفككيك بنيتها هي. ويلعب "الموضوعي"، أي درجة التطور، بعدئذ دوره في إكساب هذا المشترك طابعه الخاص.
    وقد يتنوع هذا الخاص من بلد لآخر لأسباب تتعلق بتحديات وطنية أو تاريخية كما هو الحال في التجربة اليمنية. فالديمقراطية في اليمن كانت بمثابة تسوية تاريخية لإنهاء حالة التجزئة والتشطير وما رافقها من صراعات وحروب وإهدار لفرص التنمية، أي أنها كانت شرطاً ضرورياً للانتقال باليمن من التجزئة إلى الوحدة بعد أن فشلت المشاريع الأخرى، بما في ذلك مشروع القوة، في تحقيق هذا الانتقال.
    فيوم اهتدى العقل اليمني إلى هذا "الميراث" الإنساني تحركت الوحدة بآليات جديدة وتحققت؛ وعلى رافعة السلام والمصالحة التاريخية الكبرى اللذان كانت الديمقراطية قاسمهما المشترك الأعظم حمل اليمنيون مستقبلهم إلى واحدة من أهم وأروع المحطات التي استقرت في ذاكرة الوطن وحفرت في أعماقها.
    لكن، في غمرة أفراحهم، نسي اليمنيون أن للماضي دائماً حساباته وله مخالبه، فكانت حرب 94 التي أعادت صياغة المعادلة السياسية والاجتماعية بأدوات أخرى لم تكن الديمقراطية طرفاً فيها. وكما هو شأن الحروب، فإن نتائج هذه الحرب لم تكن استثناءً إلا في أنها هي في ذاتها لم تكن مبررة وكانت بلا معنى وكانت استجابة لنرجسية "القوة" التي تحركت بحسابات الماضي وتسلحت بمخالبه.دولة الغلبة في كل المجتمعات تعمل على إنتاج إرادتها المهيمنة، فتتجه بداية إلى قمع ما حواليها من إرادات وتقوم بتسييلها في مجرى واحد حتى لا "يطمع الذي في قلبه مرض" ، ثم تتجه بعد ذلك نحو الإرادة الشعبية




    فرض الماضي شروطه إذاً. وتوقفت العجلة عند حساباته. وجاءت نتائج الحرب استجابة لذلك. وتحركت القوى السياسية كلها ومعها "الفكرة "، أو ما تبقى منها، على هامش القوة التي تلفعت بـ"النصر".
    ويبقى السؤال هو عما إذا كانت هذه الخصوصية قد صمدت أمام التغيرات الجذرية التي حدثت على صعيد الدولة بعد أن ضربت المعادلة السياسية والإجتماعية والفكرية للوحدة الوطنية التي قام عليها المشروع الديمقراطي.
    لا شك أن هذه الخصوصية التي أوشكت أن تكسب التجربة اليمنية في هذا الميدان فرادة من نوع ما عن سواها من التجارب العربية قد تلاشت بعد ضرب المعادلة الوطنية بالحرب.
    من رماد الحروب تنتج "دولة الغلبة". ولهذا النوع من الدول طبائعها، ولها آلياتها التي تعمل بحركة ارتدادية نحو مركز القوة المسيطر في مقاومة لا تخلو من عنف لنشاط القانون الموضوعي. دولة الغلبة أعادت اليمن إلى أجواء التجربة العربية للديمقراطية "المسموح بها"، بعد أن تعذر عليها لأسباب ذاتية التواصل مع المشروع الديمقراطي الذي نشأ مع الوحدة وشكل رافعة لها، وانطبق عليها المثل: "مخطي مع الناس ولا مصيب لوحدك".
    في ظل هذا النمط من "الديمقراطية" جرت الانتخابات الأخيرة وانتهت إلى ما انتهت إليه بنتائج لم تختلف فيها حسابات البيدر عن حسابات الحقل. وقد لانكون في حاجة لمعرفة مغزى الذي جرى على الأرض إذا لم يكن الهدف هو سبر غور هذا النوع من الديمقراطيات، لا لإدانته، وإنما لاكتشاف الحلقات الأساسية التي يمكن أن تشكل موضوعات العمل الجدي المستقبلي لكافة القوى الديمقراطية لإصلاح المشروع برمته. ولا يحتاج الأمر إلى جهد عظيم لمعرفة نوع الانتخابات التي يمكن أن ينتجها حجم الجرعة المسموح بها من الديمقراطية، والمحسوبة بعناية على قاعدة ما يمكن هضمه من قبل النظام السياسي دون أن يؤثر ذلك في آلياته أو يسبب له أي قدر من الألم. الإرادة الكبرى ـ المهيمنة لا تخسر، وإنما تمنح. تمنح في الحدود التي لا تطال سطوتها، ولا تخدش كبرياءها.. وتحافظ في نفس الوقت على تماسك فكرتها. وهي بطبيعتها لا تستطيع أن تخسر !! لأن آلياتها ونظام عملها مبني على الربح. فالخسارة "غير المسموح بها" قد تشل بعض حلقات هذه الإرادة مما يفتح الباب أمام تداعيات قد تمتد إلى حلقات أخرى تهدد عناصر منظومتها بالتفكك عند مفاصل محورية، وهو ما لا يمكن أن تسمح به




    ودولة الغلبة في كل المجتمعات تعمل على إنتاج إرادتها المهيمنة وهي ما تسمى بالإرادة الكبرى، فتتجه بداية إلى قمع ما حواليها من إرادات وتقوم بتسييلها في مجرى واحد حتى لا "يطمع الذي في قلبه مرض" ، ثم تتجه بعد ذلك نحو الإرادة الشعبية. ومهمتها في هذا الميدان طويلة ومعقدة. فهي لا بد أن تنتزع منها لوثة المعارضة السافرة والتقية بمختلف الوسائل. ومن الوسائل الحديثة التوجه إلى التجمعات السياسية لعقد الخصومة فتبرر قمعها أو إقصاءها . ولا شئ وسطاً في العلاقة مع الإرادة الشعبية .
    وبموجب هذه العلاقة لا بد أن تكون إرادة الناخب مجرد عنوان فرعي للإرادة الفعلية المهيمنة التي تستطيع أن تغشى النوايا في مكمنها قبل أن تتحول إلى فعل. فهي، من منطلق ما تفرزه دولة الغلبة من نزعة لدمج الوطن، في مجموعه، في إرادة مركزية مهيمنة، تعد أقل الإرادات تأثيراً في صناعة القرار السياسي، لأنها مستغرقة أساساً في الإرادة " الكبرى" أو المهيمنة التي تقرر حجم المساحة التي يمكن لتلك الإرادة أن تتحرك وتمارس فيها قدراً يسيراً من طقوس "اللعبة الديمقراطية" وفقاً للقواعد والشروط المسبقة التي تمليها هذه الإرادة المهيمنة، والتي لا يجوز لغيرها تخطيها أو تعديلها كما تقتضي الظروف.
    فإرادة الناخب ـ معبراً عنها بالإرادة الشعبية ـ وفقاً لذلك، هي بمثابة مؤشر زئبقي للحالة التي عليها الإرادة "الكبرى". وهي، بشروط اللعبة، مرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً كمتغير تابع. وحتى في تلك الحالات التي يبدو فيها أن إرادة الناخب تتمرد على هذه الإرادة "الكبرى"، كأن تحصد المعارضة عدداً من المقاعد، فذلك إنما لأنها، أي هذه الإرادة الكبرى، تمارس إرادتها على المساحة التي سمحت بها، وهو تأكيد على السطوة، دون مجازفة بالحديث عن الخسارة.
    العلاقة بين الإرادتين على هذا النحو هي نظام صارم تمتد جذوره الثقافية والسياسية والاجتماعية إلى الأزمنة التي تكونت فيها الدولة في مجتمعاتنا وإلى الوسائل التي استخدمت، حتى صار أشبه بمعطى ينتج ويعاد إنتاجه بقوة القبضة ومباركة الثقافة المروضة ومراوغة السياسة ومصالح الفئات المهيمنة وسخرية الصدفة، أياً كان العنوان الذي يحمله نظام الدولة السياسي. وإن كان الجزء الأكبر منه هو موروث "الأمة" الذي سلمته للدولة الحديثة.
    في المحصلة النهائية، الإرادة الكبرى ـ المهيمنة لا تخسر، وإنما تمنح. تمنح في الحدود التي لا تطال سطوتها، ولا تخدش كبرياءها.. وتحافظ في نفس الوقت على تماسك فكرتها. وهي بطبيعتها لا تستطيع أن تخسر !! لأن آلياتها ونظام عملها مبني على الربح. فالخسارة "غير المسموح بها" قد تشل بعض حلقات هذه الإرادة مما يفتح الباب أمام تداعيات قد تمتد إلى حلقات أخرى تهدد عناصر منظومتها بالتفكك عند مفاصل محورية، وهو ما لا يمكن أن تسمح به. الأساس هو أن تبني هيكل دولتها على قاعدة لا تسمح بالتغيير الجزئي المفروض عليها من خارج هذا الهيكل.
    وفي حين أن مصالح القوى التي تشكل لحمتها الأساسية قد استقرت عند وضع لم يعد معه ممكناً القيام بأي إصلاح دون أن يؤثر ذلك على نسق القيم السائدة أو يلحق ضرراً بنظام إعادة إنتاج هذه المصالح داخل هذا الهيكل، فإنه، بسبب ذلك، يصعب عليها القيام بالتغيير من داخلها خوفاً من تصادم مصالح هذه القوى، وبالتالي فلا خيار إلا أن تحافظ على بنيتها الداخلية كما هي وإما الانهيار الكامل.
    وكبديل لذلك لا بأس من أن تسمح بشيء من التغيير في الشكل الخارجي الذي لا يضر بالهياكل الأساسية التي تقوم عليها، فينحصر التغيير في الشكل الخارجي الذي لا يمس تماسك البنية الداخلية، وهي البنية التي تتجه مع المدى نحو الجمود كلما تعملقت المصالح وجندت لنفسها بصورة مستقلة نسبياً عن بعضها البعض، القوة الخاصة بها، مقتطعة ذلك من جسم الدولة، للحماية وبسط النفوذ. وتعمل القوى الخاصة تلك في اتجاهين: الاتجاه الأول بصورة مشتركة نحو الإرادة الشعبية، والاتجاه الثاني منفردة أو متحالفة، نحو بعضها البعض. دولة الغلبة في حقيقتها متماسكة من خارجها ومفككة من داخلها، ذلك أن طابع المصالح فيها وكذا عمل الآليات المنتجة لهذه المصالح يفرض على المدى البعيد نظاماً تفكيكياً للدولة يصعب السيطرة عليه، وهو ما يفسر الانهيارات التي يتعرض لها هذا النوع من الدول بسبب مقاومة الإصلاحات من خارجها وتعذرها من داخلها.
    وتتكون الإرادة الكبرى من حاصل مجموع هذه المصالح المتعملقة، فهي التي تقرر حجم مساحة التنافس مع إرادة الناخب، وهي التي تقرر كم تأخذ وأين تمنح.. أما الهوامش التي تقبل فيها بالخسارة فهي تتوخى فيها تبعة الصدام لأسباب تتعلق بوجاهة المنافس من الطرف الآخر، وخاصة إذا كانت وجاهة المنافس مستمدة من عوامل قبلية وعشائرية تمتد إلى داخل بنيتها، أو كانت متجذرة في مرجعية ثقافية وفكرية تخشى صوتها، أما إذا كانت ذات طابع سياسي فلا بد من فحصها بمجهر شديد الحساسية لاكتشاف ما تخفيه الخسارة من تحديات."الديمقراطية" التي تنطلق من داخل أسوار الإرادة الكبرى المهيمنة لا بد أن تقوم بوظيفة ترويض الإرادة الشعبية بوسائل مختلفة.. لأنه لا توجد هكذا إرادة، مهما علت درجة الود التي تحملها للديمقراطية، تسلم بأوراقها طواعية.




    ولما كانت الإرادة "الكبرى" في هذه التجارب سابقة للديمقراطية ولإرادة الناخب ـالإرادة الشعبيةـ أي أنها نشأت وتكونت بمعزل عن هذه الإرادة وبأدوات لا تحمل لها المودة إلا بالقدر الذي تتحقق فيه الطاعة الكاملة غير المنقوصة، فإنها غالباً ما تتصرف من موقع لا يتعذر معه التمييز بين حاجتها الفعلية للديمقراطية الناجمة عن تطور ذاتي في قوى وعلاقات النظام والمجتمع يكون قد أسفر بالتالي عن ضغوط ملحة لإصلاح النظام السياسي وعبر من ثم عن استجابة واعية لظرف موضوعي، وبين حاجتها لقدر معين من تطبيقات شكلية لما تعتبره ديمقراطية مسموح بها لتمتص هذه الضغوط وتضخ نتائجها إلى نظام مثقل بالتوترات الاجتماعية بهدف تمييعها كلما شارفت على التكون والنضج باتجاه توليد القدر الكافي من الوعي الإجتماعي بضرورة الإصلاح على قاعدة وشروط مغايرة للشروط التي تتمسك بها الإرادة المهيمنة، نقول لا يتعذر التمييز لأنه سرعان ما ينكشف أمرها في أول اختبار عملي حينما تضطر إلى التخلي عن شعاراتها الصاخبة بشأن الخيار الديمقراطي تحت ضغط الحاجة إلى ضبط العملية كلها بوسائل غير سياسية وإنما بوسائل إدارية _قهرية ، وذلك بتفكيك عناصر اللعبة إلى "مسموح به" و "غير مسموح به".
    مثل هذا التفكيك القهري ينشئ الإطار الحقيقي لما يسمى بالهامش الديمقراطي من منظور أن "المسموح به" هو الحدود الداخلية لهذه الديمقراطية حينما يتعلق الأمر بتجسيدها كفكرة في الوعي الاجتماعي قابلة للتطبيق من وجهة نظر الإرادة "المهيمنة"، وهو في الوقت ذاته الحدود الخارجية لها حينما تتسلمها الإرادة الشعبية من الوعي لتمارسها في أرض الواقع.
    على أن الإرادة "المهيمنة" تحرص دائماً، قبل عملية التسلم تلك، أن تنجز مهمة هي من أخطر ما تعتمد عليه في تكريس هذا النوع من الديمقراطيات وهو شحن الوعي بفكرة الديمقراطية ـ الهبة، حتى إذا ما تسلمتها الإرادة الشعبية من الوعي تكون قد عبئت بأثقال الوفاء للإرادة الواهبة، وصقلت باعتبارات تقوم على المقارنة بين هذا المتاح وبين ما كان سائداً في أزمنة سابقة أو أنظمة معاصرة من منطلق خوّفه بالموت شنقاً ليقبل الموت بالحقن.
    والديمقراطية ـ الهبة هي رهان الخيار المتاح الذي تطلقه الإرادة المهيمنة في وجه الإرادة الشعبية، وهي لا تطلقه كمشروع للتغيير وإنما كأداة للترويض. وهذا النوع من الديمقراطيات مصمم في الأساس لتلبية حاجة من مستويين: داخلي ويتمثل في امتصاص التوترات الاجتماعية وتمييع تفاعلاتها وامتشاق بطاقة الناخب المدني المسكون برعب فقدان الوظيفة، والناخب الرعوي المشحون بالولاء لقوة العادة، في وجه مطلب الإصلاحات الجذرية، ليبدو التمسك ب"الجمود ـ الأزمة" الناشئ عن تسيد المصالح المتعملقة وكأنه مطلب شعبي؛ وثانياً خارجي ويتمثل في تحييد الخارج أو الحصول على شهادة يستقوى بها على الداخل " المتململ". وإن كان هذا الأخير غير متيسر بسهولة إلا في اقترانه بالخدمات النوعية التي يحصل عليها هذا الخارج من طالبي مثل هذه الشهادات .الحرية هي من القيم التي لا يمكن تجزئتها على نحو كيفي في معامل أي سلطة في هذا الكون وإلا تعثرت في إنتاج ما يقابلها من مسئولية. فالإنسان الحر هو وحده الإنسان المسئول .




    ومن نافل القول أن "الديمقراطية" التي تنطلق من داخل أسوار الإرادة الكبرى المهيمنة لا بد أن تقوم بوظيفة ترويض الإرادة الشعبية بوسائل مختلفة.. لأنه لا توجد هكذا إرادة، مهما علت درجة الود التي تحملها للديمقراطية، تسلم بأوراقها طواعية. فالإرادة المهيمنة هي تعبير مكثف لدولة "الغلبة" التي استقرت في مجتمعاتنا بعد سنوات من الصراعات والحروب وبعد تجارب عديدة من اختبار قوة ومتانة الحامل الاجتماعي والسياسي والقانوني لشرعية النظام السياسي، مما يعني أن مثل هذه الدولة لا تستطيع أن تعرض شرعيتها للاختبار بوسيلة غير مضمونة !! ما الذي يدفعها إلى ذلك إذا لم يكن الهدف الأساسي هو حماية النظام من تآكل شرعية القوة بسبب الجمود وانقسامها إلى جزر من المصالح المهددة بالتناقض والصراع، إضافة إلى خمول هذه الشرعية في أن تصبح رافعة لمشروع وطني تكون فيه القوة للوطن لا لمواجهة الوطن في كفاحه من أجل مستقبل سعيد؛ فلا هي حملت على عاتقها مسئولية تأمين هذا المستقبل ولو بالطريقة التي يقايض فيها الخبز بالحرية، ولا هي سمحت للحرية أن تصنع خميرتها لإنضاج شروط الخلاص من الجوع والخوف.
    الاثنان : الخبز والحرية تتعسفهما القوة بشعار فضفاض للديمقراطية، شعار لا يستدل منه إلا على إسراف في توظيف أدواتها لاقتحام الميدان الشعبي وقد تهيأت لذلك وهيأت الشروط المناسبة وعبأت كل ما لديها من طاقات وأدوات بما في ذلك المال العام والوظيفة العامة والإعلام الرسمي والنظام الإنتخابي وآلياته وغير ذلك من وسائل إضعاف الآخر، سواءً بالصفقات أو بالخصومة، وتكبيله بقيود وممنوعات تجعل منه مجرد مشارك مهمش لملء الفراغ في أحسن الأحوال.
    وما يميز دولة الغلبة التي تتجه إلى الميدان الشعبي على هذا النحو لتزكية شرعية نظامها هو أنها تتجنب الاستخدام المباشر أو السافر لأدوات القمع، فلديها من الوسائل ما يجعلها تكثف قوتها القمعية في الإجراءات الإدارية التي تتبعها لتطويع الإرادة الشعبية. أي أنها قد تستغني عن الهراوة حتى لا تهشم الرأس الذي تريده سليماً ومطواعاً، ولذلك فإنها تكثف الهراوة في إجراءات تبقي الرأس سليماً ومطواعاً في نفس الوقت. وهذا بالتأكيد يتطلب منها جهداً استثنائياً. والرأس المطوع بهذه الوسائل يختلف كثيراً عن الرأس المهشم بمعايير المعادلة الحسابية بالنسبة لطرفي المعادلة، فالرأس السليم والمطوع ضروري لدولة الغلبة في المعادلة الحسابية وهو لا يعني لها أكثر من رقم حسابي. أما بحساب المعادلة السياسية فلا شك أن الرأس المهشم بهراوة السلطة يولد معادله السياسي بمضاعفة حدية لمساحة التوتر والاحتقان، وهو ما تحاول دولة الغلبة أن تتجنبه في مثل هذه الظروف. أما إذا اضطرت للتورط فيه لأي سبب من الأسباب فيجب ألا يكون مكشوفاً، يجب أن تحتاط لذلك بكل ما توفره خبرتها المتراكمة من إمكانيات. ومع ذلك فإنه لا يصعب ملاحظة ملامح وشرر هذه القوة في الإصرار على فرض قواعد وشروط اللعبة، بل والخروج عن هذه الشروط والقواعد في المكان الذي تعجز فيه عن محاصرة "غير المسموح به" ومنعه من التمدد خارج المساحة المخصصة سلفاً لممارسة هذا النوع من الديمقراطية.
    ولا يتوقع من سلطة دولة الغلبة أن تضع قواعد وشروط اللعبة خارج نطاق رؤيتها لطبيعة الديمقراطية التي تتبناها. فلطالما كانت الديمقراطية التي تتبناها ـ كما عبرت عنها كثير من التجارب في الواقع العملي ـ هي مجرد منهج تبريري لتركيبة السلطة في صورتها التي استقرت عليها ، كما قلنا ، طوال سنوات من الصراعات والحروب والمناورة بشرعية القوة وغيرها من أشكال الشرعيات الانتقالية لتأخذ في نهاية المطاف شكل دولة الغلبة .
    ونقصد بالمنهج التبريري، في الصيغة العامة، حماية ما هو قائم بالانتساب إلى الإرادة الشعبية عبر صيغة انتقائية للديمقراطية، تتمسك فيها بالشكل وتنسف الجوهر. فالشكل هو أن تخرج هذه "التركيبة" إلى المعركة السياسية في صورة "حزب"، متسلحاً بأدوات السلطة: تقف وراءه دولة الغلبة تلك بكل هيلمانها ونفوذها ومنهجها في الحكم وتمسكها بشرعية القوة، وعلى الآخرين أن يتنافسوا معه بشرط أن لا يذهبوا بعيداً إلى ما وراء الأسوار المعبر عنه بـ"غير المسموح به". أي أن تتم المنافسة في إطار قواعد وشروط هذا النوع من الديمقراطية. وهذا ما قبلت به المعارضة السياسية في اليمن من منطلق حرصها على التمسك بخيار الممكن في ظروف تكرر فيها ابتلاع الفرص. وكان من الصعب بعد ذلك تعديل هذه الشروط في ميدان المعركة، فقد تسلح الطرف الأقوى بكل الأدوات اللازمة لتحقيق شروطه على الأرض ، أو الخروج عليها وقت الضرورة ، بما في ذلك مصادرة صناديق الاقتراع على النحو الذي شاهدناه في واحدة من أكثر المشاهد تعبيراً عن تكثيف القوة في نظام انتخابي صمم في الأساس ليحمل "سلطته" من جديد إلى البرلمان، ولا يقبل بغير ذلك . ومع أن البرلمان في مجموع تجارب دولة الغلبة ، يمثل الحلقة الأضعف بل المهمشة من بين كل حلقات السلطة الأخرى ، إلا أنه يكتسب أهميته في بنية هذا النوع من السلطات من كونه الحلقة التي يتم بواسطتها ربط الإرادة الشعبية بالإرادة المهيمنة في قاطرة الدولة التي لا تتسع إلا لمنتسبيها، وهذا ما يفسر أسباب تكثيف القوة على النحو الذي رأينا.
    أما الجوهري فهو أن " مشروع الحرية" المرادف للديمقراطية التعددية، والذي يشكل التداول السلمي للسلطة أهم حلقاته وأعلاها من حيث التطور والترقي في هذه العملية الطويلة، لا بد أن يكون الضحية الأهم لهذا النوع من الديمقراطيات. ولا أقصد بالضحية هنا قتل المشروع ودفنه، وإنما إعادة تصميمه على نحو يستهدف تكسير الحلقات الفاعلة والحية فيه ، أي الحلقات التي تجعل الحرية غاية ووسيلة لأهداف كبرى : غاية في جانبها الإنساني ووسيلة في جانبها السياسي. أمام أحزاب اللقاء المشترك مسئولية البحث في أسباب تعثر برنامجها التنسيقي وذلك في المكان الذي يتوجب عليها فيه أن تصلح حالها حتى لا يجرفها تيار اليأس إلى الانكفاء والتخلي عن أهم منتجات الحراك السياسي خلال الفترة الماضية والمتمثل في تلك الصيغة التي أثبتت أهميتها في المعادلة السياسية.




    والحرية هي من القيم التي لا يمكن تجزئتها على نحو كيفي في معامل أي سلطة في هذا الكون وإلا تعثرت في إنتاج ما يقابلها من مسئولية. فالإنسان الحر هو وحده الإنسان المسئول . والسلطات التي تصمم "الحرية" بمقاسات الأجهزة المنشغلة بتقارير «حسن السيرة والسلوك» لا بد أن يكون من الصعب عليها أن تؤهل نظامها للانتقال إلى الديمقراطية ، حتى لو رغبت في ذلك ، لأن مقاسات الحرية تلك ستضيق كلما تعلق الناس بالديمقراطية . ولأن الديمقراطية هي في المقام الأول مسئولية فلا بد من أن تكون الحرية شرطاً لتحقيقها.
    والحرية ليست الصوت الصاخب ولكنها الفعل الهادف الذي ينقل الفكرة من مخبئها في الضمير المقموع إلى الواقع في سكونه ليطلق حركته إلى الأمام . فالصوت الصاخب الذي لا ينتج هذا الفعل الهادف هو مكسب لسلطة دولة الغلبة في أي مجتمع، فهي تسمح بالصوت الصاخب ولكنها تمنع إنتاج الفعل، أي أنها تحاصر الحرية في هذا الصخب وتبني في نفس الوقت آلياتها القادرة على كسره أو امتصاصه وإعادة إنتاجه في صورة مسكنات للألم، حتى أن الجرعات المتكررة منه ترسم علامة إفتراق في التخصص بين فرقاء الحياة السياسية؛ فالصخب، كما تقول دولة الغلبة لمعارضيها، هو لكم، والفعل هو لي. أي أن حريتكم تنتهي عند هذه العلامة الفارقة، ولكم ما يعادلها من تعبيرات "الديمقراطية" المسموح بها. على هذا النحو ترسم دولة الغلبة وإرادتها المهيمنة الحرية كمقدمة لإنتاج طبعتها الخاصة للديمقراطية.
    وعلى الرغم من غلوها في تكثيف قوتها في الفعل الأصم والمغلق على ما عقدت العزم عليه دون اعتبار لوجاهة النقد الموجه إليها من معارضيها، إلا أنها لا تغض الطرف عن هذا النقد وذلك من منطلق أن "الرصاصة اللي ما تصيبش تدوش"، لذلك فإنها تخترق علامة الترسيم في إتجاه معاكس: فتوظف الجهاز الإعلامي الرسمي بإمكانياته الكبيرة في التصدي لنقد المعارضة ونقل المعركة إلى حقل الكلام، وتجند لهذا الغرض أكبر عدد من ذوي المهارات الخاصة الجاهزة والمعتبرة، وتحاصر النقد بصخب أعلى منه على النحو الذي يمكنها من حماية فعلها الأصم بخطاب ديماغوجي ملفوف بعلم الوطن في شكله الخارجي لكنه مستبطن برقعة صغيرة من نسيج المصالح التي تعمل على إختزال الوطن وحشره في مساحة بحجمها.
    هذا الخطاب يبقى عنواناً للمأزق الذي تجد دولة الغلبة نفسها فيه . فهي من ناحية ، ولأسباب تتعلق بطبيعة البنية غير المرنة لهياكل سلطتها وما تمثله من مصالح ضيقة ومغلقة بل ومعطلة لطاقات البلد الفعلية بسبب نمط الإنتاج السائد وما يفرزه من إقتصاد طفيلي هش ، تظل غير قادرة أن تغطي الوطن كله ، وإن حاولت ، لأنها تصدم من داخلها بمقاومة عنيفة ، فتلجأ إلى تعويض ذلك بمثل هذا الخطاب الذي لا ينتج على الأرض سوى مزيد من الفجوة بين العلم بألوانه الزاهية ورقعة نسيج المصالح تلك بكآبة ألوانها التي تضفي على الحياة لونها وقسوتها . وهي من ناحية أخرى تستخدم مثل هذا الخطاب لمنح الطابع الخاص لعناصر أزمتها عناوين مستلهمة من المفردات التي أنتجتها العولمة لتبدد بذلك أي محاولة وطنية لمعالجة عناصر الأزمة. ولهذا نجد أن جل هذا الخطاب وما يشتق منه من أعمال على الأرض ، بما في ذلك الانتخابات ، إنما يتوجّه في الأساس إلى مراكز هذه العولمة ، وهو ما يستدعي العمل على تصحيح الفكرة من الأساس من خلال الانتقال الثابت والمنهجي من المحلي إلى الوطني لتأسيس شروط معقولة للتعاطي مع العولمة ومتطلباتها . أما هذا التعلق الذي يبديه "المحلي" بنظام العولمة وحاجاته المتنوعة دون استكمال شروطه الوطنية فهو نوع من التماهي الذي يضر بالجهد الوطني ضرراً كبيراً لأنه لا يؤسس بنيانه على قواعد ثابتة ولكن على رمال متحركة.
    بقي الآن أن نسأل عن هذا "الجميل" الذي يمكن لنا أن نكتشفه وسط هذا الكم الهائل من العوامل المحبطة للمشروع الديمقراطي ، ونواصل اكتشافه في عدد من المسائل ذات العلاقة:
    أصبح من اليسير ، بعد تجربة الانتخابات الأخيرة ، إدراك أن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق بهذا النمط من الانتخابات التي توظف غالباً لهدف واحد وهو حماية ما هو قائم باعتباره "خيار الضرورة". وهذا يعني أن الرهان على هذا النمط من الانتخابات كعنصر وحيد في تشكيل حراك سياسي يفضي إلى بلورة صيغة مقبولة للديمقراطية هو رهان يستحق المراجعة . وهذا يضع أمام القوى الديمقراطية مسئولية تنشيط العناصر الأخرى لهذه العملية ، وخاصة مؤسسات المجتمع المدني ، وإعدادها لخوض معركة الديمقراطية.
    أن القوى السياسية، من غير الحزب الحاكم، كما دللت التجربة، تتراجع حصتها في مجموع الكتلة الانتخابية بصورة مثيرة، وذلك لأسباب لا علاقة لها بوزنها الحقيقي في المجتمع، لكن يصعب في نفس الوقت تبسيط الأسباب بالحديث عن التزوير دون بحث جاد في الآليات الديمقراطية بشكل عام وفي آليات العمل السياسي والعلاقة بين الأحزاب والقوى التي يهمها أمر الديمقراطية ومستقبلها. وأمام أحزاب اللقاء المشترك مسئولية البحث في أسباب تعثر برنامجها التنسيقي وذلك في المكان الذي يتوجب عليها فيه أن تصلح حالها حتى لا يجرفها تيار اليأس إلى الانكفاء والتخلي عن أهم منتجات الحراك السياسي خلال الفترة الماضية والمتمثل في تلك الصيغة التي أثبتت أهميتها في المعادلة السياسية.
    ما حدث يجب ألا يحجب عنا حقيقة أن هناك طائفة واسعة من العناصر الكفؤة والنزيهة والمخلصة للمشروع الديمقراطي التي اختارها الناس لصفاتها بدرجة رئيسية ، وهي تتوزع على كل الأحزاب بدون استثناء. لا شك أن هؤلاء هم "كتلة" الديمقراطية والتجديد بغض النظر عن العناوين التي ينتمون إليها. ولأن قناعات الإنسان في غالب الأحيان لا يمكن حجزها داخل حاويات موصدة ، فإنه لا بد أن يفتح لها مجرى للتعبير عن نفسها ضمن الجماعة المنتسبة إلى قناعتها وإلا أدى ذلك إلى تشوهات نفسية وسلوكية عميقة في المجتمع . هذا يتوقف على الطريقة التي سيُدار بها الحوار بين عناصر هذه "الكتلة" حول القواسم المشتركة ، دون أي وهم بالتطابق في كل شئ . خارج الصيغ الحزبية الجامدة والتزاماتها ، من الممكن أن ينشأ قدر من التفاهم بين هؤلاء بشأن الحريات والديمقراطية وتوسيع قاعدة المصالح الاجتماعية وإصلاح الآليات المنتجة لها وتأسيس قاعدة للحوار تمتص عقد الممنوع وتعيد تسييلها في صورة مواقف مفتوحة إزاء الرأي الآخر . هذه "الكتلة" ستكون بمثابة القاطرة التي ستشق طريقها نحو الديمقراطية . وإذا ما تحقق ذلك ، فستكون بلا شك ذلك "الجميل" الذي أفرزته هذه الانتخابات وسط كومة الإحباط الهائلة.

    *نشرت في صحيفة الصحوة مايو 2003


    نقلا عن موقع يمن نيوز....
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-08-03
  3. silan

    silan المراقـب العام

    التسجيل :
    ‏2004-10-30
    المشاركات:
    5,716
    الإعجاب :
    431
    مقال الامين العام الجديد للحزب الاشتراكي يستحق القراءة والتمعن في الافكار التي طرحها ....ومن خلاله نستطيع ان نقراء افكار هذا الرجل الذى سيقود دفة الاشتراكي للاعوام القادمة.....
     

مشاركة هذه الصفحة