وضع الهوية على الرف

الكاتب : جيمي الاسمر   المشاهدات : 334   الردود : 0    ‏2005-08-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-08-02
  1. جيمي الاسمر

    جيمي الاسمر عضو

    التسجيل :
    ‏2005-07-17
    المشاركات:
    11
    الإعجاب :
    0
    لم نألف كثيراً أن يجمع الحوار الثقافي والفكري بين طرفين يبدوان ظاهرياً أنهما لا يتفقان حول نقط مشتركة. لكن كتاب نظائر ومفارقات، استكشافات في الموسيقى والمجتمع (دار الآداب، 2005) ألغى هذه القاعدة بجمعه بين اثنين من أشهر الشخصيات العالمية المجددة في الفكر والفن، هما ادوارد سعيد ودانيال بارنبويم. فالاول اشتهر كقوة ثقافية تجديدية وذات نفوذ خارق للعادة، كناقد ذكي خصوصاً في دراسة القضايا المتعلقة بالاستشراق، المجال الذي كان رائداً فيه. ودانيال بارنبويم، مدير الشؤون الموسيقية لأوركسترا شيكاغو السيمفونية ودار الاوبرا الالمانية ببرلين في آن واحد. وهو ايضا شخصية أساسية في العالم الموسيقي. إضافة الى أنه واحد من الفنانين الاكثر تسجيلا في التاريخ، حيث تعود تسجيلاته الى خمسين عاما عندما كان مراهقاً.
    أثمرت صداقة المفكر والفنان تجليات علنية مثمرة عديدة. ففي عام 1999 كانا الشخصيتين في تجربة استثنائية جمعت موسيقيين اسرائيليين وعرباً في فايمار في ألمانيا كجزء من الاحتفال بالذكرى ال250 لميلاد غوته. ومنذ ذلك الحين تكررت ورشة عمل فايمار في ألمانيا وشيكاغو. كما قاما بحوارات عديدة أمام الجمهور حول مواضيع موسيقية مختلفة شكل اثنان منهما نقطة انطلاق الكتاب الذي بين أيدينا، والذي شكلت الموسيقى جزءاً أساسياً منه. حواران من حوارات هذا الكتاب كانا أمام جمهور في نيويورك. والسمة البارزة عليهما هي محاولة الحفاظ على اهتمام جمهور كبير. جرى الاول في مسرح ميللر بجامعة كولومبيا في تشرين الاول (اكتوبر) 1995. فجاءت الفكرة في اغتنام فرصة وجود دانيال بارنبويم في نيويورك للحديث أمام الجمهور عن مسألة قيادته لأعمال فاغنر في برلين وشيكاغو وسالزبورغ وأماكن عدة اخرى.
    أما الحوار الثاني فقد أداره ونظمه صديق ادوارد ودانيال المشترك اراغوزيلميان المستشار الفني لقاعة كارنيغي. وهو الذي اختار هذه الحوارات من تلك المداولات المشحونة والمطولة المتبادلة. لذلك، كما يؤكد اداورد سعيد، يجب قراءة تعليقاتهما وفهمهما ليس كسلطة موسيقية ومقولات جمالية حول الموسيقى عموما، وموسيقى بتهوفن بشكل خاص، بل كتسجيل لنوع الاهتمامات والمواضيع التي أثارتها في المتحاورين معظم أعمال بتهوفن الاوركسترالية العظيمة.
    المدينة الحرباء
    تخللت هذه الحوارات مواقف وآراء عن الآداب والمجتمع والمدن. فبارنبويم المولود في القدس، والذي انتقل للعيش في (اسرائيل) وهو في العاشرة من عمره، فأقام في تل أبيب، أدلى أن هذه الاخيرة بلا تاريخ يذكر، فهي مدينة عصرية جدا، وليست ممتعة بشكل مميز. ورغم ذلك فهي تصخب بالحياة. وقد كان سكان تل أبيب في الخمسينيات يتطلعون الى القدس لتعويض كل ما يفتقدونه في مدينتهم: الروحانية والفضول الفكري والثقافي. ويؤكد بارنبويم أنه يشعر بالانتماء الى فكرة القدس. ويقول عن ادوارد سعيد انه الصديق الذي يستطيع أن يشاركه أموراً كثيرة، انه الخليل. أشعر فعلاً معه بأنه في بيتي كلما كنت معه.
    وبعيداً عن الموسيقى، ما دمنا في الصفحات الاولى من الكتاب، تحدث ادوارد سعيد عن الوطن والحنين اليه الذي هو من أولى ذكرياته. فلطالما تمنى أن يكون في مكان آخر. لكن مع مرور الوقت، صار يشعر بأن فكرة أرض الوطن بشكل لا يروق له البتة. والتجوال هو ما يفضله في الحياة. وما يجعله سعيداً في نيويورك هو انها مدينة حرباء، متقلبة الالوان والاطوار. يمكنك أن تكون في أي مكان فيها من دون أن تكون منها. أما القاهرة، التي قضى فيها سعيد جزءاً من طفولته، ففيها شيء من الازلية. إنها مدينة معقدة وممتعة عقلياً للغاية.
    لعل تأملات سعيد ودانيال حول المدن، تعود الى أن أحد الامور المشتركة بينهما، ولعهما بكل ما له علاقة بالسمع أكثر منه بالنظر. وإضافة الى أن المدن تدرك بالنظرات، فإنها تدرك ايضا بالسمع. ومن مكان الى آخر تدرك أشياء كثيرة. والهوية ايضا تتحدد بمجموعة من التيارات والامكنة. إنها أمكنة وتيارات لا ثوابت.
    ولفكرة التيارات هذه علاقة بالطريقة التي عاش فيها كل واحد حياته. فادوارد مثلا ولد في القدس، التي كانت بريطانية، وترعرع في القاهرة التي كانت ايضا بريطانية، ثم أصبحت مصرية. وهاجر الى أميركا، ولذلك فنسبة عالية من اهتماماته أوروبية. فالامور التي تعنيه وطريقة تفكيره، وما يدرسه، ليس فقط في مجالات الادب والفلسفة والتاريخ، بل والموسيقى، معظم هذه الامور أوروبية، وهذه نقطة التقاء كبرى مع دانييل ومع آراغوزيليميان.
    طوال الحوار كان كل واحد يسافر نحو الآخر. وغوته، الذي أفردا له جزءاً كبيراً من الكتاب، كان يرى أن الفن هو في الاساس رحلة نحو الآخر، وليس تركيزاَ على الذات. عكس اليوم حيث يتم التركيز أكثر على الهوية، على الحاجة الى الجذور والاحساس بالانتماء. لقد أصبح من النادر توجيه النفس الى الخارج. لهذا الغرض يدعو كل من ادوارد كمفكر وناقد ومترجم، ودانيال كعازف، الى تقبل فكرة وضع الهوية على الرف من أجل استكشاف الآخر. هذه هي البدايات الحقيقية للحوار وتكريس التسامح الثقافي وحماية التجانس العالمي، في مرحلة أصبحت فيها الصراعات السياسية والقومية أكثر عمقاً وسخفاً من أي وقت مضى. ويعود ذلك، حسب سعيد، الى ردود الفعل الكثيرة والمتعاقبة ضد التجانس العالمي. فإحدى الوسائل لحماية النفس من الاحساس بجو عالمي شامل، هو العودة الى رموز الماضي المريحة. ففي العالم الاسلامي، على سبيل المثال، يزداد عدد الذين يرتدون الملابس التقليدية كطريقة للتأكيد على الهوية المقاومة لموجة العولمة. لكل من المتحاورين موقف تجاه ما يفعل. فهما منغمران كلياً في عالم نغمي، أخذاً بعين الاعتبار أن عالم الموسيقى هو عالم اجتماعي. وفي كونهما لا يريدان الاتباع، لأنهما لا يحاولان تلقين الناس ايديولوجيا ما. كل واحد منهما لديه أطراف متباعدة يريد أن يجد طريقة لجمعها.
    عن السفير اللبنانية
     

مشاركة هذه الصفحة