دروس للداعية الحبيب / علي الجفري ، على البالتوك ( كل جمعه وسبت ) .

الكاتب : ابوهاشم   المشاهدات : 1,226   الردود : 17    ‏2005-07-30
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-07-30
  1. ابوهاشم

    ابوهاشم قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-12-30
    المشاركات:
    2,725
    الإعجاب :
    0
    بث دروس الحبيب علي الجفري في دورة دار المصطفى الصيفية عبر برنامج البالتوك في غرفة الموقع
    اعتبارا من يوم الجمعة 9 جمادى الآخر الموافق 15 يوليو تبث دروس الحبيب علي الجفري التي يلقيها في دورة دار المصطفى الصيفية بتريم عبر غرفة الموقع في برنامج المحادثة "البالتوك" www.alhabibali.com ضمن الغرف الإسلامية Islam. ومن خلاله يتاح المجال للمشاركة الصوتية والكتابية بالأسئلة والمداخلات ضمن موضوع الدرس "الفكر الدعوي".

    تبدأ الدروس مع بداية دورة دار المصطفى الصيفية بتريم ابتداء من يوم السبت25 جمادى الأولى الموافق 2 يوليو 2005م إلى الخامس من شهر رجب الموافق 10 أغسطس 2005م
    .


    ----------
    الدروس كل من يومي الجمعه والسبت
    بدأ الدرس أمس في تمام الساعه 9 تماماً بتوقيت مكة المكرمة ( نفس توقيت صنعاء أيضاً )

    كما أن من سوف يدخل على ماسنجر البالتوك قبل الساعه التاسعة ،، ربما لن يجد الغرفة الخاصة بموقع الحبيب علي الجفري .

    أي أن الغرفة تفتح مع بداية الدرس ، وتغلق مع نهاية الدرس
    .


    -------
    لتحميل برنامج البالتوك :-
    يمكنكم تحميل البرنامج الخاص بماسنجر البالتوك عبر الرابط التالي :-
    http://download.paltalk.com/download/0.x/pal_install_r17700.exe

    -------
    لمزيد من التفاصيل حول الدروس ، إنقر على الرابط التالي :-
    http://www.alhabibali.com/live/
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-07-30
  3. الجوكر

    الجوكر مشرف الكمبيوتر والجوال مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-01-26
    المشاركات:
    54,688
    الإعجاب :
    8
    في عندكم طرق كيف بناء المساجد على القبور

    وكيف التبرك بالقبور
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-07-31
  5. ابن طاهر

    ابن طاهر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-03-14
    المشاركات:
    1,079
    الإعجاب :
    0
    تحياتي

    اخي الكريم من رايي انك تروح وتسمع ما بيقوله
    هذا الرجل واتبع احسن ما تسمع منه و للعلم فرغم
    كل ما يقال عن هذا الادمي الا ان في كلامه خير كثير
    فلماذا لا ناخذه ونترك الباقي
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-07-31
  7. نور الدين زنكي

    نور الدين زنكي قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2004-06-12
    المشاركات:
    8,621
    الإعجاب :
    72
    و انا من رأيي ان تشغل عقلك قليلا, و لا تتبع اي مخلوق يجيز التوسل بغير الله.

    و كيف عمت الإسماعلية في السابق , إلا بأمثال هؤلاء الناس الذين طاب لسانهم ,و لكن حادوا عن التوحيد
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-07-31
  9. ابن طاهر

    ابن طاهر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-03-14
    المشاركات:
    1,079
    الإعجاب :
    0
    حيا الله اخي نور الدين زنكي
    وجزيت خيرا على توضيح
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-07-31
  11. القيري اليماني

    القيري اليماني قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-11-17
    المشاركات:
    2,972
    الإعجاب :
    0
    تفريغ كامل (( إسعاف الذكي بالكشف عن حال المدعو الحبيب علي الجفري )) .للشيخ عبيد - حفظه الله

    الجزء الاول
    بسم الله الرحمن الرحيم



    إن الحمد لله ، نحمدُه ونستعينُه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسِنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومَن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهدُ أنَّ محمدا عبدُه ورسوله ..

    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } .

    { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } .

    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ـ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } .

    أما بعد .. فإن خيرَ الكلام كلامُ الله ، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وشرَّ الأمور محدثاتُها ، وكلَّ محدثةٍ بدعة ، وكلَّ بدعة ضلالة ، وكلَّ ضلالة في النار .
    ثم أما بعد …
    فيا أيها المسلمون والمسلمات ..
    ما سمعتُم الإعلان عنه ؛ وهو حديثُنا الذي عنوانه : (( إسعاف الذكيّ بالكشف عن حال المدعوِّ الحبيبِ عليٍّ الجفريّ )) ؛ لا تظنوا أنه تحيطُ به جلسةٌ مختصرة ؛ فلا بد من الإفاضة فيه والإسهاب ،

    والحديث معكم ـ أيها المسلمون ـ حول هذا الرجل يدور في أمرين :

    الأمر الأول :
    مقدمات لا بد منها ،
    والأمر الثاني :
    كشف حال الرجل بما ألقاه من خطب ومحاضرات أو غير ذلك ؛ فقد تحصَّل لدينا مما دوَّنه الرجلُ بشتى الوسائل ومختلفِ الأساليب عباراتٌ كثيرة . وهذه العبارات قد تفنَّنَ الرجل فيها ، وجعل التلبيس والتمويه الذي ينطلي على مَن قلَّ فقهُهُ في التوحيدِ والسنة ـ ما الله به
    عليم ـ .

    فالرجل متفنِّن وملبِّس ومموِّه ، وصاحبُ شُبَه وحِيَل ؛ يوصِلُ ما يبتغيه مِنَ الضلالِ والإضلال ، وحَرْف الناس عن عقيدة التوحيد ـ أعني السذَّج وضعفاءَ العقول ومَن قلَّ فقهُهُم ـ ، وأما مَن آتاه اللهُ الفقهَ والبصيرة ، وخالطتْ بشاشة قلبِه السنةُ ، وتشرّبَ قلبُه بالتوحيد ؛ فإنه يُدركُ ذلك ـ سواءً كان مِن أهل العلم أو من عوامّ المسلمين الذين لم تتلوث فِطرُهُم ـ .

    ومن هنا ؛ فإني أقول لكم ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ ، لا تستغربوا طول الحديث حول هذا الرجل ؛ فإنّ ما سَلكه بابٌ شائك ، ولا يمكن أن نحيط بعبارات الرجل كلِّها ، فنبدأ ـ أولا ـ بما نراه هامًّا من المقدِّمات ـ التي أرجو مِن كل مسلم ومسلمة يهمُّه أمرُ التوحيد والسنّة ـ : أن يحرصَ على فِقهِها ، والتفطُّن لها ، وأن يُصغوا إليهم أسماعهم :
    أولا : في التنزيل الكريم :
    {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } .
    وقال جلَّ ثناؤه : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } .
    وقال جلَّ ذكرُه : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ } .

    أيها المسلمون .. مَن تدبَّر كتابَ الله الذي لا يأتيهِ الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيم حميد ؛ يجدْ جليًّا واضحًا أنّ ما تضمنَتْه هذه الآيات من المعنى ؛ هو في كتاب الله أشْهَر مِن أن يُذكر ، وأكثر من أن يحصر .

    فهذه الآياتُ وما في معناها ؛ تتضمن :
    أولا :
    الحكمة التي خلق اللهُ مِن أجلها الثقلين ، ومِن أجلها بعث إليهم النبيين والمرسَلين ، وأنزل معهم الكتاب .

    وما تلكم الحكمة ؟
    هي عبادة الله الخالصة ، عبادة الله وحده دون مَن سواه ، وإخلاص الدين له وحده سبحانه وتعالى ، وأنه لا دين ـ رضيه الله للعباد والبلاد ـ إلا دين الإسلام ، وهو الاستسلامُ لله بالتوحيد ، والانقيادُ له بالطاعة ، والخُلوصُ مِن الشِّرْك ، والبراءة من الشرك وأهله .

    ويزيد هذا وضوحًا : ما قصَّه اللهُ علينا من خَبَرِ المصطفيْنَ الأخيار ـ عليهم الصلاة والسلام ـ ، ومنهم : نوح ، وهود ، وصالحٌ ، وشعيب ـ صلى الله عليهم وسلمَ وصلى وسلم على جميع النبيين والمرسلين ـ . ومِن خبر أولئكم المصطفيْن الأخيار ؛ قوله جل وعلا : { يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } ؛ فإن هذه الآية وما قدمناه قبلها ، وما هو في معناها ، قاضٍ صراحةً أنه لا معبودَ بحق إلا اللهُ سبحانه وتعالى ، وأن العبادة هي محْضُ حقِّه .
    وعلى هذا اتفقت النبيون والمرسَلون من لدن نوح ـ أولهم ـ إلى محمد ـ خاتَمِهم ـ صلى الله وسلم عليهم أجمعين ـ .

    وبهذا يستبين لكم أن أصل هذا الدين ـ دين الإسلام الذي تقدَّم لكم آنفا معناه ـ وقاعدتَه أمران :

    الأمر الأول : الدعوة إلى عبادة الله وحده ، والتحريض على ذلك ، والموالاة فيه ، وتكفير مَن تركه .

    والأمر الثاني : التحذير من الشرك بالله في عبادته ، وكذلك في أسمائه ، وصفاته ، وربوبيته ، والمعاداة فيه ، والتغليظ في ذلك ، وتكفير مَن فعله . قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " من قال : لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حَرُم دمُه ومالُه وحسابه على الله " . وبسط ما تضمنَه هذا الحديث الصحيح ؛ جاء في غير ما حديث صحيح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ومنها حديث ابن عمر ـ وهو مخرّج في الصحيحين ـ : عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " أمِرْتُ أنْ أقاتِلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأني عبدُ اللهِ ورسولُهُ ، ويقيموا الصلاةَ ، ويؤتوا الزكاةَ ؛ فإنْ فعلوا ذلك ؛ عَصَموا مني دماءَهم وأموالَهم إلا بحقِّ الإسلامِ وحسابُهُم على الله تعالى " .
    وزيادة في البيان والإيضاح ، وحتى يزدادَ المسلمون والمسلمات يقينًا أن نبيَّهم محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو مبعوثٌ بما بُعِث مَن قبله من النبيين والمرسَلين من عبادةِ الله الخالصة ، وأن هذه العبادة هي محْضُ حق الله سبحانه وتعالى ؛ نضيف إلى ما تقدم :

    أولا : حديث ابن عباس ـ رضي الله عنما ـ في بعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ معاذا ـ رضي الله عنه ـ إلى اليمن . ذلكم الحديث مخرّج في الصحيحين وغيرِهما :
    قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمعاذ ـ رضي الله عنه ـ :
    " إنَّكَ تأتي قومًا أهل كتاب ، فلْيكنْ أول ما تدعوهم إليه : شهادةُ أن لا إله إلا الله ، وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ [وفي رواية : " إلى أن يوحِّدوا الله " ، وفي رواية : " إلى أن يؤمنوا بي وبما جئتُ به"] ؛ فإنْ هم أطاعوا لكَ بذلك ؛ فأعْلِمْهم أن الله قد افترضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في اليوم والليلة ؛ فإنْ هُم أطاعوا لكَ بذلك ؛ فأعلِمْهم أن اللهَ قد افترضَ عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم ، وتردُّ على فقرائهم ..." الحديث .

    فبان بهذا التقرير ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ أن توحيدَ الله سبحانه وتعالى ؛ هو أصلُ الأصول ، وهو زبدة الرسالات . فدون هذا التوحيد لا يقبل الله من عامل أيَّ عمل .
    فقريش الذين بُعث الله إليهم رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومَن دان دينَها ، ومَن جاوَرَها من الجزيرة ؛ كانت لهم عبادات . كانوا يصومون عاشوراء ، وكانوا يُعتِقون ، وكانوا يَنذرون لله .. إلى غير ذلك من خِصال البِرِّ والخير ـ التي يتقربون بها إلى الله عز وجل ـ ، بل كانوا لا يلجؤون إلى مَن يَعبدونَهم ـ مِن الملائكة والصالحين والنبيين والأوثان ـ فيُخلصوا لهم الدعاءَ إلا في الرخاء ، وأما في الشدائد والكربات ؛ فإنهم يُخلِصون الدعاءَ لله سبحاته وتعالى . وشواهد هذا الباب كثيرة .


    الأمر الثاني في هذه المقدمة :
    اعلموا أيها المسلمون والمسلمات ؛ وقد عرفتم بما مضى آنفا أن إخلاصَ العبادة لله وحده هو أصل الدين وأساسه ، وهو زبدة الرسالات ، وهو ما اتفق على الدعوة إليه النبيُّون والمرسَلون ؛ من لدن نوح ـ أوَّلِهم ـ إلى محمد ـ خاتمهم ـ صلى الله وسلم عليهم أجمعين ـ ؛

    يجب أن تعلمُوا إلى جانب هذا : أن التوحيدَ له ثمارٌ وآثار وفوائد على أهله في الدنيا والآخرة. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى على أهل التوحيد الذين هُم خاصَّتُه مِن خلْقِه ؛ فإنّ مِن سَعَة فضل الله عليهم أن امتنَّ عليهم بثمراتٍ وفوائد في عاجل أمرهم وآجلِه ـ أوْصَلهَا بعض أهل العمل إلى ثلاث عشرة فائدة ـ .

    ولْيراجِع مَن شاء منكم الكتاب الماتع النفيس ـ مع اختصاره ـ ؛ وأعني بذلكم الكتاب : " القول السديد " ، للإمام العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السّعدي ـ رحمه الله ـ ، وراجعوا كذلكم غيرَه ـ ؛ يظهرْ لكم : أولا : عناية أئمتكم ـ أئمة السنة ـ بهذا الاصل الأصيل ، وثانيا : ـ وهو مِن تمام عنايتهم به ، وحرصهم على قبول الناس هذا الأصل الأصيل ـ ؛ يَذْكرون ثمراتِه وفوائده .

    ونحن ذاكرون لكم بعضها ، مُنبهين بها إلى ما لم نذكرْه قد دللناكم على ما يمكنكم مراجعتُه من المصادر ؛ لتَقِفوا على مزيد البسط والتفصيل . وما أظنكم ـ إن شاء الله ـ ؛ إلا وتزدادون قوةً إلى قوّتِكم ، وتطمَعون في ثوابِ الله سبحانه وتعالى وفضله وسعة رحمته ، وتسألونه الثباتَ على الإسلام والسنة .


    من تلكم الفوائد :
    أن التوحيد إذا كمُل في القلب ، وتشرّب به ، وخالطتْه بشاشتُه ، وكان خالصا لله سبحانه وتعالى ؛ فإنه يمنعُ الدخول في النار ، يمنع دخول النار ، وهاكم دليلا على ذلكم : عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ ، عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :
    " يُصاحُ برجل من أمتي على رؤوس الخلائق ؛ فيُنشر له تسعةٌ وتسعون سِجِلًّا ، كلُّ سِجِلٍّ منها مدّ البصر ، فيقال له : أتنكرُ مِن هذا شيئا ؟ فيقول : لا يا ربي . ويقال له : ألكَ عذرٌ ؟ فيقول : لا يا ربي . فيقال [ وفي بعض الروايات : " فيقول اللهُ"] : أَظلمَتْكَ كتبتي ؟ فيقول : لا يا ربي . فيقال : هل لكَ حسنة ؟ فيقول : لا يا ربي . فيُقال له : بلى ؛ إن لك عندنا لحسنة . فتُخرج بطاقة ، عليها : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله . فيقول : وما تُغني هذه البطاقة ؟!" تَقالّها ـ أيها المسلمون ـ ؛ بطاقة صغيرة ! " وما تغني هذه البطاقةُ إلى جنْب هذه السجِلات ؟ فيقال له : لا ظلمَ عليك اليوم . فتوضعُ البطاقةُ في كِفَّةٍ ، والسجلاتُ في كِفّة ، فترجحُ البطاقة، وتطيشُ السجلات ، فيدخل الجنة ".

    كمُل التوحيد في قلبه ، فأحرَق جميعَ السيئات ، كمُل التوحيد في قلبه ، وإذا نقصَ التوحيدُ وانتفى كمالُه ، ولم ينتفِ بالكلية ، وإنما عُرضَ له عوارضُ جعلتْه يَنقُص ؛ فإنّ صاحبَه يأمنُ الخلودَ في النار ، ولا يأمنُ دخولَها .

    قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " مَنْ لقِيَ اللهَ لا يشركُ به شَيْئًا ؛ دخَلَ الجنةَ " [ أخرجه مسلم من حديث جابر بن
    عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ ، وأخرج الحديث الأول الترمذي وحسنه ، وكذلك أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي] .

    قال النووي في شرحه على صحيح مسلم تعليقًا على حديث جابر المتقدم وما في معناه من الأحاديث ـ وبعضها في الصحيحين ـ ، قال : " باب : الدليل على أن مَن مات على التوحيد ؛ دخل الجنة قطعا ".


    يزيد هذا توكيدا : الفائدة الثانية ، وهي :
    أن أهل التوحيد هم أهل شفاعةِ محمدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ هم الذين ـ دون غيرهم ـ تدرُكهم شفاعةُ نبيِّهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

    وهاكم الدليل ـ وليس وحده لكنه مختار في هذه
    الجلسة ـ :
    أخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : سألت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ [ وفي رواية : قيل] : يا رسول الله ! مَن أسعدُ الناسِ بشفاعتِكَ يوم القيامة ؟ قال رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
    " لقد ظننتُ يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديثِ أول منك ؛ لِما عرفتُه مِن حِرصك على الحديث . أسعدُ الناس بشفاعتي يوم القيامة : مَن قال : لا إله إلا الله ؛ خالصًا من قلبِه أو نفسِه " .

    فهذا الحديث ـ يا سامعين من المسلمين والمسلمات ـ صريحُ الدِّلالة ـ أولا ـ فيما أسلفناه ؛ أنّ أهل التوحيد هم أهلُ شفاعةِ محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ،
    والشفاعةُ التي يعنيها العلماء المستدلون بهذا الحديث وأمثاله هي : الشفاعة في أهل الكبائر ، وهو ـ ثانيا ـ : دليل على أن الشفاعة المثبتة التي مِن أقسامها الشفاعة في أهل الكبائر : لها شروط . وشرطُها الذي في الحديث : أن الله لا يرضى إلا عن أهل التوحيد .

    فأهلُ السنة يُثبتون الشفاعة في أهل الكبائر بشرطين :
    أحدِهما : إذن الله للشافع ،
    وثانيهما : رضاه عن المشفوع فيه .

    ومن أدلة هذين الشرطين :
    قوله جلَّ في عُلاه : { وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى } .
    ما أظنه غاب عنكم ـ يا سامعين من المسلمين والمسلمات ـ النص على هذين الشرطين في هذه الآية . وما في معناها مِن آيِ التنزيل الكريم كثيرٌ وكثير جدا ، كما أنه قد تواترت به سنةُ محمدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ .


    الفائدة الثانية :
    النُصرة والعِزّة والتمكين :
    وهاكُم بعض آيِ التنزيل الكريم في هذه المسألة :
    قال جل وعلا : { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } يعني : يوم القيامة .
    وقال جل وعلا : { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ } : في الحياة الدنيا .
    والآية الثالثة ـ وفيها مِن وُعودِ الرب جل جلاله ما تزيدُ به القلوبُ المؤمنةُ يقينًا بما مَنَّ اللهُ عليها به من التوحيد ،
    وتزدادُ ثقةً بالثبات عليه مهما يُنصب في طريقهم من المعوِّقات لانتشار الضلالات ، وحَبْك المثبِّطات :

    يقول جل ذكره : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا } الآية .
    ألسْتُم تُدرِكون ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ ثلاثة وعود من ربكم جل وعلا ـ وهو لا يخلف الميعاد ـ وعَدَ بها أهل الإيمان والعمل الصالح .
    ولربما قائل أو قائلة يقول ـ وحُقَّ له أن يقول ـ : وما حد العملِ الصالح الذي قرَنه الله بالإيمان ، ورتَّب عليه مع الإيمان هذه الوعود الثلاثة .

    والجواب : العمل الصالح ، كما دل عليه كتاب ربنا وسنة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو ما جمع أمرين ـ وهما شرطاه ـ وذانكم الأمران :
    أولا : تجريد الإخلاص لله وحده .
    وثانيهما : تجريد المتابعة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .


    فإذا تقرر هذا ؛ فلْنقفْ قليلا عند هذه الوعود العظيمة :
    الوعد الأول :
    الاستخلافُ في الأرض كما استخلف مَن قبلكم ، ومَن هم ؟ مَن هم خيرُ خلفاءِ لله ؟ إنّ خيرَ خلفاء الله في أرضه، والذين لا وَزن لأحدٍ لا يتأسّى بهم ، ولا يسلُك سبيلهم : هم النبيون والمرسَلون وأتباعُهم بإحسان . فالخلف مِن هذه الأمة موعودٌ بالاستخلاف ؛ إنْ أحسنَ في هذه الأرض لأن يستخلف كما مضى من قبله ،

    وهذا نظيره من سنة رسول الله ـ صلى الله عليه
    وسلم ـ : " إن الدنيا حلوةٌ خضرة ، وإن الله مستخلفُكم فيها ؛ فينظر كيف تعملون ..." الحديث .
    يوضح معنى هذا قوله جلَّ جلالُه : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } .

    بهذا أيها المسلمون ، تَعْظُم المسئولية ، وأن الله سبحانه وتعالى ما استخلفكم في أرضِه إلا لتعمروها بدين الله الخالص ، وقد عرفتم أصله وأساسه .


    الوعد الثاني :
    تمكين دين الله ، وهذا معناه أنه يمكنُ أهله القائمين عليه ، الناصرين له ، الذين أخلصوه لله سبحانه وتعالى ،
    وهذا نظير قوله جل وعلا : { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ } .


    والوعد الثالث :
    الأمن بدلا من الخوف ، وذلكم بأن يظهرَ الله دينه ، ويعلِيَ القائمين به ، ويرفعُ درجتَهم ، ويقوي سلطانَهم ،

    وفي ذلكم من سنة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ قولُه : " أعطيتُ خمسًا لم يعطهن أحدٌ من الأنبياء قبلي : نصِرْتُ بالرعب مسيرةَ شهر ... " الحديث .


    الفائدة الثالثة :
    أن من رزقوا التوحيد وأخلصوه لله ؛ هم نائلون مِن الله عز وجل الأمنَ والهداية .
    قال جل وعلا : { الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ } .
    يوضح هذا تفسيرُ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرادَ الله بالظلم ؛ الذي فهمَ أصحابُ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه لا أمنَ معه ولا هداية .
    ففي الصحيحين عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ لما نزل : { الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ } ؛ شقَّ ذلك على أصحاب محمدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالوا :
    أيُّنا مَن لم يلبِس إيمانه بظلم ؟ فهموا ـ رضي الله عنهم ـ بصريح لغتهم وفصيحها ـ أن هذه الآية تتضمن تهديدًا عظيما ، وأنه لا أمنَ لما تضمنته من الظلم .
    { الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ } ؛ يعني : لم يخلطوا إيمانَهم بظلم ،
    فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " ليس ذاك ، ألم تسمعوا إلى قولِ العبد الصالح : { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } ؟" .


    فبان بهذا شيئان ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ :
    أحدهما :
    أن الظلم الذي لا أمنَ معه ولا هداية ؛ هو الشرك بالله سبحانه وتعالى .
    وثانيهما :
    أن ما دون هذا الظلم ؛ يحصل معه أمن وهداية .

    وهذا يستدعي بيان أمرين آخرين : الأمر الأول :
    اعلموا أن الظلم على ثلاثة أضرب :

    أحدها : ظلم لا يغفره الله لمن مات عليه ، فهو خالد مخلّد في النار ، وهذا الشرك . وسوف يأتي له مزيد تفصيل وبيان .
    ثانيها : ظلمٌ ؛ من مات عليه كان تحت مشيئة الله ، وسوف يأتي .
    وثالثها : ظلمٌ لا يدَعُ الله منه شيئا ، فيقتصُّ مِن الظالم للمظلوم ؛ وهو ظلم العباد فيما بينهم .

    فتلخَّص من هذا : أن الشرك هو : أظلم الظلم ، وأن حقوقَ العباد مبنية على المُقاصَّة . ولهذا سوف يُوفِي الله سبحانه وتعالى المظلومَ حقَّه من ظالمه يوم القيامة . وظلم العبد نفسَه هو ما كان تحت المشيئة .


    الأمر الثاني :
    اعلموا ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ أن الأمن أمنان :
    أمن تام : وهذا يناله الموحِّد الذي يلقى الله على التوحيد والسلامة مِن المعاصي ؛ فإنه آمنٌ مِن دخول النار .
    والأمن الثاني : أمْنٌ ناقص ، وهو في حقِّ مَن لقيَ الله موحِّدًا ومُصِرًّا على كبائر ؛ فإن هذا الصنف مِن الناس آمنٌ من الخلود في النار ، غيرُ آمِنٍ من دخولها .

    وخلاصة القول :
    اعلموا ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ أن الأمْن التام هو ثمرة الهداية التامة ، وأن الأمن الناقص هو ثمرة الهداية الناقصة . هذه بعض فوائد التوحيد وثمراته .


    الأمر الثالث في هذه المقدمة :
    مضى في أول حديثنا أصلُ الدين وأساسُه ، وأنه أمران :

    أحدهما : الدعوة إلى عبادة الله وحده ،
    وثانيهما : النهي عن الشرك ، أو التحذير من الشرك .

    والذي يجب أن يعلمَه كل مسلم ومسلمة أن أئمة الهدى والعلم والإيمان لم يقرِّروا هذين الأصلين مِن تلقاء أنفسهم ، ولا بمحض عقولِهم واجتهادِهم ، وإنما قرّروهما مستَدِلِّين على ذلكم بكتابِ ربِّنا وسنةِ نبيِّنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وقد عرفتم إشارة مما أسلفتُه لكم من الأدلة ؛ أن الدين الخالصَ ، وعبادة الله الخالصة ؛ لا يستقيمُ إلا على الحذر من الشِرك مع توحيد الله ،

    وبهذا يُعلم أنه لا يكفي في المرء أن يقول أنا موحِّد ، أو يقول أنا أصلي وأصوم وأزكي وأحج مخلِصًا لله في ذلك كلِّه ، بل يجب إخلاصُ التدينِ كلِّه والعبادةِ كلِّها لله سبحانه وتعالى .

    وهاكم بعض الأدلة على ما بيَّناه وقرَّرناه . وأظنكم أدركتم أن هذا ليس من عند أنفسنا ، بل وأقول وليس مِن عند علمائنا من تلقاء أنفسهم ، بل هو مُقتضَى الكتاب والسنة ، دِلالة ظاهرة صريحة ، وذلكم أن الحقَّ جل ثناؤه حذّر من الشرك بالله في كثير من آي تنزيله ، وبِصُوَرٍ متنوعة ، إذا انضم شيءٌ منها إلى بعضِه ؛ اقشعرّ قلبُ المسلم من الشرك ، ونفر منه نفورا ، فكيف إذا انضمتْ كلّ الآيات في هذا الباب مع جميع ما صحَّ عن نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الباب أيضا إلى بعضها؟! فإنه لا تَقْبلُ الشركَ نفسٌ اطمأنتْ للإيمان ، ودانتْ لله بالتوحيد ، وتيقّتْ أن العبادة هي محضُ حق الله سبحانه وتعالى ، كما سيستبين أنه ليس كل من قال لا إله إلا الله، ليس كل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسولُ الله ؛ هو مسلم . وسيظهر ذلكم ـ إن شاء الله ـ في ثنايا الحديث الذي قد يتتابع حلقات متعددة .


    فنقول وبالله التوفيق :

    قال الحق جل ثناؤه : { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ } فماذا في هذه الآية ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ ؟

    تأملوا تأمل مَن ينظر في آي التنزيل الكريم نظرة تدبر ، يظهرْ لكم أنها تضمنت أمرين :
    أولهما : عدم مغفرة الله الشرك لمن مات عليه .
    وثانيهما : أن ما دون الشرك ـ يعني ما كان أقل من الشرك والكفر من كبائر الذنوب والمعاصي ـ ؛ فإنه تحت مشيئة الله .

    وها هنا سؤال :
    هل الآية خاصة بهذا الوعيد في الشرك الأكبر ، أو هي عامة في أكبر الشرك وأصغره ؟

    والجواب :
    الآية عامة ، فما توعد الله به من عدم مغفرة الشرك لمن مات عليه ـ وهذا مقيّد بنصوص أخَر ـ ، شاملة بهذا الوعيد للنوعين من الشرك .

    لكن .. يفرَّق بينهما من وجهين :
    ـ الوجه الأول :
    أن الشرك الأكبر ناقل عن ملة الإسلام إلى ملة الكفر ؛ وذلكم لأنه ينافي التوحيدَ بالكلية . وأما الشرك الأصغر فليس ناقلا عن ملة الإسلام . قال أهل العلم : كيسير الرياء ؛ الذي لا يصلُ بالمرء إلى أنه لا يريد بعملِه وجهَ اللهِ ولا الدار الآخرة . أما إذا وصل به الأمرُ إلى أنه لا يريد بعمله ؛ لا وجهَ الله ، ولا الدارَ الآخرة ، فهذا ـ المحقِّقون ـ على أنه شرك أكبر . والله أعلم .

    ـ الوجه الثاني :
    الشركُ الأكبر موجبٌ الخلودَ السرْمدِيّ الأبديّ في النار ، ما دامت السماواتُ والأرض ، لا يخرج منها أهلُه أبدًا ؛ لأنهم هم أهل النار . أما الشرك الأصغر ؛ فلا يوجب الخلودَ في النار ، ولكنه أكبر من الكبائر ؛ مثل الزنى ، والقذف ، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم ، وشرب الخمر .
    هذه الصورة الأولى .

    الصورة الثانية : حبوط العمل ،
    واسمعوا .. قال جل وعلا : { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } . انظروا ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ ما أشدَّ هذا الوعيد ، يُظهِر جليًّا حبوط عملِ المشرك ـ وإن كان صوّاما قوّاما عامِلا كلَّ عملٍ يُتَقرَّب به إلى الله ، ويُعبَدُ الله به . ولهذا قال أهل العلم : ( الشرك مثل السم ؛ يفسد العبادة ، كما أن السمَّ إذا خالط العمل أفسده ).
    وقال بعضهم : ( العبادة طهارة ، والشرك مثل الحدث ، والحدث إذا دخل على العبادة أفسدها ) . مَن توضأ أو اغتسل .. من توضأ وتهيأ للصلاة ؛ فإنه بالحدث يَبْطُل وضوؤه ، وتبطل صلاتُه ـ إن صلى محدِثا عالمِا عامدًا ـ ، يعني يعلم أنه محدث ويتعمد ؛ فإن صلاته تبطل .

    فالشرك محبط للعمل كله ؛ ألم تسمعوا إلى ربكم جل في علاه وهو يخاطب نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
    { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } .


    وها هنا سؤال يجب الإصغاء إليه والتفطن لجوابه وهو :

    هذا الخطاب هل هو لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
    والجواب : المخاطب به مَن عدا رسولِ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؛ لأنه يمكن أن يتأتَّى منه الشرك ، أما نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنه معصوم من الشرك ، ومعصوم من كبائر الذنوب ، ومعصوم من صغائر الخسة ، كما هو حال جميع النبيين والمرسَلين ـ عليهم الصلاة والسلام أجمعين ـ . فتوجُّه الخطابُ إليه ؛ لأنه إمامُهم ـ إمام هذه الأمة ـ ، وهو الذي يبلغُ إليهم شرع الله سبحانه وتعالى ،

    فالآية قاضيةٌ على المشرك الذي تعمد الشرك وعاند وأصرَّ على ذلك حتى مات عليه ؛ بمصيبتين :
    إحداهما : حبوط عمله ، وإن كانت أعماله أمثال الجبال .
    وثانيتهما : خسارته ، وهذه مصيبة لا أعظم منها ، لا أعظم من مصيبة يعود الساعي في أجلِّ الأعمال ، وأمثلِ الأعمال ، وأفضلِ الأعمال ـ فيما يرى ـ خاسرا خائبا .
    الدليل الثالث :
    من سنة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فقد أخرج الشيخان عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : سألتُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أي الذنب أعظم ؟ قال : " أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك " ـ يعني شريكا في عبادته ـ ، قلت : إن ذلك لعظيم ، ثم ماذا ؟ قال : " أن تقتل ولدَكَ خشية أنْ يطعمَ معك" ، قلت : ثم ماذا ؟ قال : " أن تُزاني حليلة جارِك " . الحديث .

    هذا الحديث ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ ما أظنه خفِيَ عليكم نصًّا عن نبيكم ـ صلى الله عليه وسلم ـ البيان بأن الشرك هو أعظم ذنب عُصي الله به ،

    ويزيده وضوحا ما أخرجه الشيخان عن أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :
    " ألا أنبئكم بأكبرِ الكبائِر ؟" تأملوا .. " ألا أنبئكم بأكبرِ الكبائر ِ؟" قالوا : بلى يا رسول الله ! قال : " الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وشهادة الزور .." الحديث .

    ونظير هذين الحديثين : حديث أبي هريرة ـ وهو في الصحيح ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :
    " اجتنبوا السبعَ المُوبِقات "ـ يعني المهلكات ـ ، قالوا : وما هن يا رسول الله! قال : " الإشراكُ بالله ، والسِّحْر ..." الحديث .
    ووجه الاستدلال من هذا الحديث على ما تضمنه حديث ابن مسعود وحديث أبي بكرة ـ رضي الله عنهما ـ في بَدء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالشرك ، وجَعْلِه إياه أول الموبقات في الذّكْر . يعني هو أول الموبقات في الذكر .

    الدليل الرابع ـ على خطورة الشرك ـ :
    حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وهو في الصحيح ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلمةً ، وقلتُ أخرى ، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
    " منْ ماتَ يدعو لله نِدًّا ؛ دخَل النار " ، وقلتُ أنا ـ يعني ابن مسعود ـ : (ومَن مات لا يدعو لله نِدًّا ؛ دخل الجنة ) . إلى غير ذلكم ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ من الأدلة الصريحة المستفيضة بل متواترة ـ ومعنى متواترة : فائقة الحصر ـ ؛ على أن الشرك أعظم ذنب عُصِيَ الله به، وعلى أنه مُحبِط للعمل ، وعلى أن الجنة حرامٌ لمن مات عليه ، إلى غير ذلكم من الخسائر التي يبوء بها مَن أشركَ مع الله غيره .


    وخاتمة هذه المقدمة :

    أذكِّر ما كرَّرْتُه على مسامعكم أو على مسامع أكثركم :
    أن أهل السنة حين يرُدُّون على مَن يخالف السنة ؛ ليس لهم في ذات ذلكم المخالف مقصِد ولا هدف . وإنما لهم مقاصد ثلاثة :
    المقصد الأول :
    الحرص على أن يكون التدين خالصا لله سبحانه وتعالى ، سالما من الشرك والبدعة ، ويحرصون ـ كذلكم ـ على أن يكون أهل الإسلام والسنة سلِيمين من المعاصي ـ سواء كانت مفسقات أو دونها فضلا عن المكفرات ـ .

    المقصد الثاني :
    الحيلولة بين دعاة الضلال وأئمة السوء وبين الناس ، وبعبارة لعلها أوضح ـ يريدون أن يقطعوا الطريق أمام أئمة الضلال حتى لا يفسدوا على الناس دينَهم الذي ارتضاه لهم .

    المقصِد الثالث : إقامة الحجة على مَن أبَى وعاند واستنكف عن قبول الحق .

    وفي ذلكم ـ أيها المسلمون ـ أحاديث متواترة ؛ نختار منها حديثين اثنين ، وكلاهما في الصحيح :

    الحديث الأول :
    حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " إنه لم يكنْ نبيٌّ قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمتَه على خيرِ ما يعلمُه لهم ، وأن ينذرَهم شرَّ ما يعلمه لهم ، وإن أمتكم هذه جُعل عافيتُها في أولِّها ، وسيصيبُ آخرَها بلاءٌ وأمور تنكِرون .. " الحديث .

    الحديث الثاني :
    حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم ، فإياكم
    وإياهم " .

    فإذا تأملت ـ أيها المسلم وكذلكِ أيتها المسلمة ـ وأعني مَن كان حريصا على التوحيد والسنة ؛ فإنكم ستستظهرون أمرين :

    الأمر الأول : أنه لا فلاح ولا صلاح ولا نجاة ولا نجاح إلا باتباع هدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وهدي الخلفاء الراشدين من بعده ، ومن تبعهم بإحسان ؛ فإن ذلكم هو السلامة . وكان وهب بن كيسان ـ رحمه الله ـ يقعد لأصحابه ، ولا يقوم حتى يقول لهم : ( اعلموا أنه لن يصلحَ آخرَ هذا الأمرِ إلا ما أصلحَ أوله ) . قال أصبغ ابن الفرج لمالِكٍ ـ رحم الله الجميع ـ : ماذا يريد ؟ قال : ( يريد بادئ الدين ، أو التقوى ) [رواه أبو عمر ابن عبد البر بسنده عن أصبغ بن فرج عن الإمام مالك ـ رحم الله الجميع ـ ] .

    الأمر الثاني : الحذر من كل محْدث في الدين سواء كان الحدث يناقض التوحيد أو بدعة من البدع .

    وأرى ـ وهذا زيادة على ما وعدناكم لكنكم تتحملون بارك الله فيكم ـ أن ينضاف إلى هذين الحديثين حديث حذيفة ابن اليمان ـ رضي الله عنه ـ رضي الله عنهما ـ ؛ لأنه أباه صحابي ـ ، وهو مخرج في الصحيحين وغيرهما ، قال :
    ( كان الناس يسألون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الخير ، وأسأله عن الشرّ مخافة أن يدركني ، فقلت : يا رسول الله ! كنا في جاهلية وشر ؛ فجاء الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر ؟
    قال : " نعم " .
    قلت : فهل بعد ذلك الشر من خير ؟
    قال : " نعم ، وفيه دَخَن ".
    قلت : وما دخَنُه ؟
    قال : " قوم يهدون بغير هديي ، ويستنّون بغير سُنّتي ، تعرِف منهم وتُنْكِر " ،
    قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر ؟
    قال : " دعاة على أبواب جهنم ، من أجابهم إليها ؛ قذفوه فيها " .
    قلت : فصِفهم لنا يا رسول الله !
    قال : " هم من بني جلدتنا ، ويتكلمون بألسنتنا ..." الحديث .

    فبان بهذا الحديث معنى الحديثين قبله ، وأن دعاة السوء، ودعاة الشرك ، ودعاة البدعة هم مِن بني جلدتكم ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ ، وهذا مُوجِبٌ الحذرَ كلَّ الحذر ممن رفع عقيرته بما يناقض التوحيد والسنة .

    وبهذا القدر نكتفي من الحديث معكم في هذه المسألة .
    وسنتابع الحديث ـ إن شاء الله ـ في مثل هذه الليلة من ليلة الجمعة القادمة ، وأظن أن ذلك سيكون في التاسعة والنصف . وفق الله الجميع لما فيه مرضاته ،
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . ونستودعكم الله ،
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-07-31
  13. القيري اليماني

    القيري اليماني قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-11-17
    المشاركات:
    2,972
    الإعجاب :
    0
    الجزء الثاني


    بسم الله الرحمن الرحيم


    إن الحمد لله ، نحمدُه ونستعينُه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسِنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومَن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهدُ أنَّ محمدا عبدُه ورسوله ..

    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } .

    { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } .

    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ـ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } .

    أما بعد .. فإن خيرَ الكلام كلامُ الله ، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وشرَّ الأمور محدثاتُها ، وكلَّ محدثةٍ بدعة ، وكلَّ بدعة ضلالة ، وكلَّ ضلالة في النار .
    ثم أما بعد :
    فيا أيها المسلمون والمسلمات ما أظنكم إلا وتذكرون ما بدأنا به الحديث معكم حول الحبيب ـ أو حول المدعو ـ الحبيب علي الجفري ، قدمنا مقدمة تضمنت عدة أمور ما أظنكم إلا وأدركتموها تماما .

    وبدءا من هذه الليلة ـ إن شاء الله تعالى ـ يبدأ الحديثُ معكم ـ أعاننا الله وإياكم وكان معنا بنصره وتأييده وحفظه في الدنيا والآخرة ـ ، نتحدث بَدءا من هذه الليلة عما تم اختيارُه مِن عبارات الرجل .

    وبادئ ذي بدء أقول :
    إن ما أفرغه هذا الرجل من عُصارة فكره المنحرف ، وبَثَّه في هذه الأمة هي عشرات العبارات ، وأكثرها فيه مِن اللفِّ والخلْطِ والتمويهِ ما لا يُدْركه إلا مَن أوتِي الكياسة والفطنة والحِذق والخبرة بأساليب القوم أمثاله . ولو جمعنا كلَّ عباراتِه التي ثبتتْ عندنا ـ وهي حاملة ضلالاتِه وانحرافاتِه ودعوتَه الجلْدة لِمَسخ هذه الأمة من الهدى إلى الضلالة ، ومن التوحيد إلى الشرك ، ومن الإيمان إلى الكفر ، ومن السنة إلى البدعة ؛ لاستقطب ذلكم منا وقتًا طويلا ، ولأثقلنا على مسامعكم ، ولشغلنا وقتكم .
    وحرصا على بيان الحقيقة في أقصر وقت ؛ فقد اخترنا من عشرات عباراته التي تفوقُ الحصْر ـ وهي مُوَثّقة عندنا ـ ، وعندنا وثائق عن الرجل بالصوتِ والصورة ، فلا تظنوا أننا جمعناها مِن مُفرَّغات فقط ، بل ما جمعناه من تُرَّهات الرجل وانحرافاته ، هو ثابت عندنا بصوته ، ومنها ما هو بصوته وصورتِه ، فمَعاذ الله أن نتكلمَ فيه أو في غيره بدون ما حُجةٍ ولا بُرهان ؛ لأنا ندين الله بأن هذا من الدين ومن الأمانة ؛ وقد قال ربنا جل في علاه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } ، ونحن نسير على نهْج أئمتنا وعلمائنا الذين لا يتكلمون إلا بِبَيِّنة ساطعة ، وحجة قاطعة من خلالها يمكن الحُكم على أهل البدع والضلال بما اقترفتْ أيديهم ، وجَنَتْه من الإفساد في الأمة .

    وهذا ـ أيها المسلمون ـ أعني كلام الأئمة والعلماء ـ الذين نحن ولله الحمد على موروثهم من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وبَلغنا هذا الموروث عن طريقهم ـ ؛ هو من الميثاق الذي أخذه اللهُ على أهل العلم ؛ فقال جل وعلا : { وَإِذ أخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } .

    ومن القواعد والأصول التي دوّنها أئمةُ العلم والإيمان والهدى ؛ أنّ ما كان موجَّها لِكتَمة العلم مِن أهل الكتاب ، وعدمِ بذْلِه للناس ، وعدم نصح الناس من قبلهم ؛ هو مُتَّجِهٌ إلينا إنْ نحن سَلكْنا مسلكهم ,

    وهاكم ما يؤكد ذلك في صحيح مسلم عن تميم الداريّ ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " الدين النصيحة ، الدين النصيحة ، الدين النصيحة " ، قالوا : لمن يا رسول الله ! قال : " لله ، ولكتابِه ولرسوله ، ولأئمةِ المسلمين ، وعامتِهم " .

    وأشْهِدُ الله ، ومَن حَضَر مِن ملائكتِه ، وأشْهِدُكم ـ أيها الحضور وأيها المستمعين والمستمعات من المسلمين ـ : أنه ليس لي في الرجل غرَض ، وليس بيني وبينه أخْذُ مالٍ ، ولا ضرْبُ ظهْرٍ ، وإنما حمَلني على التصدِّي لهذا البيان ـ الذي هو ردٌّ على الرجل ـ ؛ لكشْفِ ضلالاتِه ؛ أنِّي حتى الساعة لم أعلمْ عالِمًا جَهْبَذًا مِن أهل السُّنة ردَّ عليه مفصَّلا بما يكشفُ للأمة حاله ، ويُبَيِّنُ لهم ضلاله .

    فلما كان الأمر كذلك رأيتُ أنه مِن حقِّكم عليّ ـ مَن كان حاضرا معي الآن ومَن ستبلغُه هذه الرسالة مِن خلال إذاعةِ الدروسِ السلفية المبثوثةِ من (البالتوك) ـ رأيتُ أن أقول ما عندي ، مُدَلِّلا على ما أقول في الرجل ، مستعينًا بالله ، فهو سبحانه وتعالى حسبنا ونعم الوكيل ، وهو المستعان وعليه التكلان .
    فإذا تقرر هذا ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ ، ووَعَيْتُموه ؛ نبدأ عباراتِ الرجل ، ولا أستطيع أن آتي عليها هذه الليلة كلِّها ، ولكني أحَدِّثكم بما يتيسر لي من الكلام على بعضِها ، والله المستعان .


    فهاكم العبارة الأولى :

    قال المدعو علي الجفري :
    (( فنجدُ أكثرَ الكلام : التوحيد .. التوحيد .. التوحيد .. خطرٌ على توحيدك ، أوراقٌ توزَّع : ( مبطلات التوحيد ) ، ( نواقض التوحيد .. نواقض التوحيد ) وضوء !! .
    التوحيد بهذه السطحية هو عند الناس !
    هاه ، نخاف عليكَ ، أنتَ عندكَ إشراك ، أو عندك توحيد ؟ أنا مُوَحِّد ؛ أقول أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدًا رسول الله ، آتي أقول : لبيك لا شريك لك لبيك ، وأخاطب أني لست على التوحيد ؟؟! أنا قلتُ : لا شريكَ لك .

    هذا المعنى ينبغي أن نتجاوزَه ، فالخلاف في دائرة شؤون العقيدة لا ينبغي أن يكون على هذا النحو .

    نظرُنا إلى مَن خالفنا في فهمنا في صفاتِ الله ، هذا جسَّم ـ والعياذ بالله ـ ، هذا عطّل نفى الصفات ـ والعياذ بالله ـ ، لا هذا ولا هذا أرميه في الشرك والكفر ، ولكني أرى أنه أخطأ ، وأدعو له أن يعيدَه الله إلى الصواب . أما أن نحكمَ عليه أنه خرج من الدين ؛ فهذا الذي ينبغي أن نتوقف عنه .

    فإذا عرفنا أن فرْقا بين الخلاف في العقيدة فهو الذي لا ينبغي أن يُثارَ بين الأمة ؛ فالسواد الأعظم مِن الأمة على العقيدة الصحيحة ـ بفضل الله عز وجل ـ المُتَلقّاة عن الكتاب والسنة كما فهمها أئمةُ السلف مثل : الإمام أبو الحسن الأشعري ، ومثل الإمام أبو منصور الماتريدي ، ومثل بقية أئمة السلف الصالح ، والذي عليه حفَّاظ الحديث ، وشرَّاح البخاري ، وشُرَّاح مسلم ، وشُراح كتب الحديث ، والذي عليه أئمةُ الفِقه مِن الشافعية والأحناف والمالكية والحنابلة ؛ سواد أهلِ العلم همْ على هذ المعنى من الاعتقاد )) .


    وأقول :
    هذه العبارة ـ كمثيلاتِها الآتية وما لم نُدَوِّنْه عندنا ـ ما فيها مِن لبْسٍ وخَلْط وتمويهٍ وتناقض ؛ تستدعي محاضرةً كاملة ، وهذا قدَّمتُ ـ سلفا ـ إليكم العذرَ عنه ؛ لأني أريد أن أصل إلى المبتغى ـ الذي أتفق عليه أنا وأنتم ـ وهو دحض الباطل ، وكشف الشبَه ، وردّ الضلال ، ودفْعه عن الناس .
    فإذا كان الأمر كذلك ؛ فلنا معها وقفات نلخّص فيها أهمَّ ما انطوتْ عليه هذه الجملُ من مكْرٍ وخِداع وتضْليل .


    الأمر الأول :
    التهوينُ من شأن التوحيد وتحقيرُه ، وأنه لا ينبغي أن يُردَّد على المسامع ، وأنه ينبغي أن يُتَجاوَز , وفي هذا تعريض بدعوةِ التوحيد ، التي ورِثها السلفُ الصالح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونعني بهم أصحابه ـ ، ثم ورِثها عن أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من السلف أئمة التابعين ، ثم مَن بَعدهم من أهل القرون المفضَّلة بما فيهم : الأئمة الأربعة ، والسُّفيانان ، والحمّادان ، والرازِيّان : أبو زرعة وأبو حاتم ، والليثُ بن سعد ، والأوزاعيّ عبد الرحمن بن عمرو ، والمعافى بن عِمران ، وأبو عبيد القاسم ابن سلّام ، وأمثالُهم ، وأن هذه الدعوة سطحية .

    وبهذا تعلمون أن هذا القدح سلسِلة ضمنَ ما تُلفّ عليه هذه السلسلةُ بحلقاتها دعوة التجديد لما اندَرس مِن معالم السلفية ؛ التجديد الأخير ـ تجديد القرن الثاني عشر ـ ، وتلك الدعوة التي صدَع بها الإمامُ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ ، وناصَره على هذه الدعوة أخوه الأمير الإمام محمد بن سعود ـ رحمه الله ـ.
    وعلى إثْر هذه الدعوة التجديدية لما اندرس من معالم السلفية ؛ قامت دولةُ التوحيد والسُّنة في أرض الحرمين وما جاوَرها مِن جزيرة العَرب التي عُرفت فيما بعد بالمملكة العربية السعودية .

    فتفطَّنوا يا أهل التوحيد والسنة .

    وليس الأمر ـ بما تضمنتْه هذه العبارة من قدح وغمز وهمز ـ مقصورًا على أهل التوحيد في المملكة العربية السعودية ، بل هو طائلٌ كلَّ مَن يَدين لله بالتوحيد الخالص ويدعو إليه .

    وبهذا تعلمون أن غمْز الرجل وهمْزَه ولمزه وتهكُّمَه طائلٌ الملايين مِن المُوَحِّدين ، في جميع أقطار الأرض ، في قاراتها السبع .


    ثانيا :
    ينجر ـ أو يندرج ـ تحت قاعدة هذا التهوين والتحقير ؛ أنّ الوضوءَ أهمّ من التوحيد ، وذلك أنه في تهكُّمِه قال : (الوضوء ، له نواقض !) ، وهذا صريح ما تدلُّ عليه عبارتُه أن الوضوءَ له نواقضُ تبطله ، والتوحيد ليس له نواقض تبطله ، فهو إذا لا ينتقض ، وهذا هو فتحُ بابٍ أمامَ كل مَن أراد أن يشركَ بالله ، وفتح باب لجميع مَن أخرجتهم نِحَلُهم من الإسلام إلى الكفر إلى أن يتَسَتَّروا بذلك ، فيفعلون ما يفعلون من الشِّركيات وتوحيدهم على هذا لا ينتقض .


    وهذا فيه : أولا :
    تكذيبُ القرآن ، وقد سُقْتُ لكم ـ في الجلسة الماضية ـ مِن آيِ التنزيل الكريم ما يَدُل على أن التوحيدَ ينتقض ، وأن الشرك يُحبط العمل .


    وثانيا :
    تكذيب سنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المتواترة ، ومنها حديث أبي بكرة في "الصحيحين" : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ " قالوا : بلى يا رسول الله ! قال : " الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وقول الزور " الحديث .



    وثالثا :
    تكذيب إجماع الأمة الذين اتفق أئمتُها على وجوب الصدْع بالتوحيد ، والدعوةِ إليه ، والتحذير من الشرك بالله سبحانه وتعالى .

    ثم يندرج تحت هذه العبارة التهَكُّمِيّة التضليلية تعريضٌ بِمَن ألَّف وصنَّف في نواقضِ التوحيد مِن أتباع المذاهب الأربعة ، وغيرهم من أئمة الهدى والعلم والإيمان .
    يعرِف ذلكم ـ أيها المسلمون ـ مَن اطّلع في دواوين الفقهاء ، والمُحدِّثين في باب حكم المرتد ؛ فإنهم يَذكرون نواقضَ التوحيد ، نواقض الإسلام .

    فالجفري يُكذب أئمتكم ، ويسخر بهم ، ويستهزئ بهم ، ويضللهم ، ويُهيِّج الجهَلة ضدهم ، ويحرضهم عليهم .


    وثمة أمر ـ لعله الرابع ـ :
    أن التوحيد مقصورٌ عند الرجل على توحيد الأسماء والصفات .

    فظاهر عبارته الصريح أن توحيد العبادة أمرٌ بسيط ، وإنما الذي يجب استفراغ الوسع فيه ، هو توحيد الأسماء والصفات . وما أظن الرجل يعرف توحيدَ الأسماء والصفات .

    فتوحيد الأسماء والصفات هو من معاني ربوبية الله سبحانه وتعالى ، وهو من التوحيد العلمي الخبري ، مثل توحيد الربوبية . فالتوحيد العِلْمي الخبري مركوزٌ في الفِطر ، وإنما الذي جَحَده الناس وكان بينهم وبين أنبيائهم ورسلِهم الخصومة والنزاع فيه هو التوحيد الإرادي الطلبي الذي هو توحيد الألوهية ، ويسمى توحيد العبادة .

    ويَدُلُّك على أن الرجل لا يعرف التوحيد ، وليس له عنده قدْر ولا تعظيم : أنه يدعو إلى تجاوز هذا ، وأنه لا ينبغي أن يُثار مثل هذا في الأمة !! وهذه العبارة هي عينُها قاعدةُ المعذرةِ والتعاون : ( نتعاون فيما اتفقْنا عليه ، ويَعذُر بعضُنا بعضا فيما اختلفنا فيه ) ـ وإن كان اللفظ مختلفا ـ ، لكن المعنى هو المعنى ، والغرض هو الغرض ، بأسلوب محْبوك ، وعباراتٍ مُبَطّنة لا يفقهها السُّذَّج والجهال ، ولكن ـ ولله الحمد ـ لا تنطلي على أهل السنة ، فإن عوامَ أهل السنة الذين جالسوا أهل العلم وتفقهوا في السنة عليهم لا تروج عليهم مثل هذه العبارات .

    تلكم القاعدة التي هي قاعدة المنار ـ أولا ـ ، ثم هي قاعدة الإخوان المسلمين ـ ثانيا ـ ، والتي أسَّس لها من الأصول والأفكار : (حسن البنا) ـ مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر في أول القرن الميلادي الماضي ـ .


    وخلاصة هذا التهكُّم :
    هو في الحقيقة منصبٌّ على دعوة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ومَن مضى قبْله من النبيين والمرسلين ، وقد قدَّمتُ لكم ـ في الجلسة الماضية ـ الأدلة على أن النبيين والمرسلين من لدن نوح أولهم إلى محمد خاتمهم ـ صلى الله وسلم عليهم أجمعين ـ ؛ كلهم متفقون على دعوة الخلق إلى التوحيد وأن من لم يوحد الله عز وجل ، من لم يعبد الله وحدَه ؛ كان كافرا .


    ومما تضمنته هذه العبارة التهكُّمِيَّة الجائرة :
    أن الناس كلهم على العقيدة الصحيحة ، كل الناس على العقيدة الصحيحة ، أو السواد الأعظم ، السواد الأعظم على العقيدة الصحيحة .

    تأملوا .. السواد الأعظم : يعني أكثر الناس !!

    وهذا القول يكذبه أمران :
    الأمر الأول : النص .
    والأمر الثاني : الواقع المحسوس والمشاهد بين المسلمين اليوم .

    فمِنَ النصّ : قوله تعالى : { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } ، وقوله تعالى : { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ } .

    هذا من التنزيل الكريم ، فماذا من سنة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؟

    صح عن نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ صحةً لا يماري فيها أحدٌ من أهل السنة .

    الحديث صحيح عن أهل السنة ومتلقَّى بالقبول ، وهو مشهور ، وما تضمنته عندهم هو من أصولهم ، أعني به حديث افتراقِ الأمم ، ومِن ألفاظه :
    " افترقت اليهودُ على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، كلُّها في النار إلا واحدة " . قالوا : مَن هي يا رسول الله ؟ قال : " الجماعة " .

    هذه هي الرواية الصحيحة . تفسير الاستثناء :
    " الجماعة " .

    فهذا الحديث أيها المسلمون دليل صريح على أن أكثر المسلمين هالك ، وأن الفرقة الناجية واحدة فقط . واثنتان وسبعين فرقة هالكة ، مُتوَعَّدة .

    وهذه الفرقة هي الجماعة التي فسّرها ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ بقوله : ( الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك ؛ فإنك أنتَ حينئذ : الجماعة ) ،

    وفي رواية أخرى يصححها بعض أهل العلم بشواهدها قال : "إلا واحدة " ، قالوا : من هي يا رسول الله ؟ قال : " مَن كان مِثل ما أنا عليه ـ اليوم ـ وأًصحابي " .

    وهذا يستدعي منا سؤالا نُوَجِّهُهُ إلى كلِّ مَن أوتي الكياسة والفطنة والفقهَ في الدين والخبرة بأحوال الناس: هل السواد الأعظم اليوم على ما أخبر به النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما أظن أحدًا إلا ويقول : ليسوا كذلك، ليس السواد الأعظم هو على ما أخبر به النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ .


    ويأتي الأمر الثاني وهو الدليل من الواقع المحسوس :
    الرافضة ـ وهم في كثير من أقطار الأرض ـ أكثر من أهل السنة ، ليسوا على عقيدة التوحيد ؛ ولهذا كفَّرهم بعضُ الأئمة .

    الجهمية : ليسوا على عقيدة التوحيد ، فهم خارج الفِرق الإسلامية .

    ثم انظر في واقع المسلمين ، واقع المنتسبين للإسلام في كثير من الأقطار ؛ تُقام المشاهد ، والأضْرحة ، وتشيَّد عليها القبب ، ويزورها سنويًّا مئاتُ الألوف .. مئات الألوف يُقربون لها القرابين ، وينذرون لها النذور ، ويسألون أهلها قضاء الحاجات ، وتفريج الكربات ، وهم في كثير مِن الأقطار أكثر من الخلَّص الذين هم على السنة المحضَة .

    ثم انظر في كثير من الأقطار : أصحاب وحدة الوجود ، وأصحاب عقيدة الحلول ، والباطنية .. وغير ذلك .

    فبان بهذا أن الجفري لا يُعِير اهتمامًا لعقيدة التوحيد ، وأنه لا يدعو إليها ، ولا يُقرِّرُها ، بل يستهزئ بأهلها ويسخر منهم .

    فتفطنوا ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ .

    وقد سَبَقه مَن سبقه ، أعني في قوله ـ أو معنى قوله ـ : ( أنه لا يُثار الخلاف في العقيدة ) ، هذا في الحقيقة سَبقه إليه رجال من الدعاةِ إلى وِحْدةِ الأديان ، مثل يوسف القرضاوي ، والترابي وقبلهم حسن البنا ، وبين ذلك سيد قطب ، وغيرُهم كُثر .

    فهي سلسلة من الأصول والقواعد التي تَجَنَّد بها القومُ ؛ لهدم عقيدة التوحيد ، أو إماتة الولاء والبراء من أجل هذه العقيدة .

    فتفطنوا ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ فإن النار تحت الرماد .


    قال المدعو علي الجفري في سياق كلامه عن الأولياء : قال : ( إذا عرفنا أنه يسمع ، وأنه يجوز أن ينفعَنا إن استطاع . بقي هل يستطيع ينفع أو لا ؟ كيف بينفع ؟ عشرين طريقة وطريقة ، أولا : الدعاء به . هل دعاء الأولياء مثل دعائي أنا ، هم أقرب إلى القبول منى ؛ لأن انتفاء موانع الدعاء أكبر مني . في الحديث في البخاري :
    " لئن سأني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنّه " ، { لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ } في موتهم ، وإلا في حياتهم وموتهم ؟
    { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ـ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ـ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ } يعني مش بس في حياتهم ، البشرى منهم مش بس في حياتهم ، البشرى حقهم من ضمنها : " ولئن سألني" ، الله بشرهم قال : " ولئن سالني " ، وقال في الدنيا والآخرة ، فوسيلة من وسائل الانتفاع لما أقول : يا رسول الله ! يا أبا سودان ! يا جيلاني ! يا حداد ! أن اعتقاد أنه بإذنه تعالى وبالسببية هذه أنه يمكن ينفعني يدعي لي )) .


    وأقول :
    أولا :
    ألم تسمعوا ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ إلى قول الحق جل جلاله وهو يدعوكم إلى أن تدعوه وحدَه في غير ما آية من كتابه : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } وقال جل وعلا : { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } .
    إلى غير ذلكم من الآيات المعلومات التي هي أشهرُ مِن أن تُذكر ، وأكثرُ مِن أنْ تُحْصَر ، يحضُّ إلهُنا ، ومعبودُنا وسيدنا فيها إلى أن نضرعَ إليه ، ونلجأ إليه بالدعاء .

    وثانيا :
    هذا الذي قرره الجفري وهو أن المسلم يمكن أن ينتفعَ بالولِيّ ؛ وذلك أن يدعو به ، وفسره بقوله : ( حينما أقول يا رسول الله ! يا سودان ! ... ) إلى آخر مَن سمى .

    أتدرون ماذا يقرر هذا المسكين الضالّ المُضِلّ الذي جنَّده إبليس ؟!

    إنه يقرر عقيدة قريش الذين بُعِث إليهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فردّ كثيرٌ منهم دعوتَه ، فقريشٌ حين بُعث إليهم النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وكذلك مَن دان دينَها مِن جزيرةِ العرب ، هذه عقيدتهم .

    وكيف ذلك ؟ وما معنى ذلك ؟

    إنهم يقولون : نتوسط بالأولياء ، نتوسط بالآلهة ، نجعلها وسائط بيننا وبين الله . وهذا هو ما عابَه اللهُ عليهم وسفَّه به أحلامَهم وعقولهم في آياتٍ كثيرة مِن مُحكم تنزيله ، وهاكُم آيتين فقط ، مُنَبِّهين به على ما هو في معناهما مِن آيِ التنزيل الكريم :

    قال جل وعلا : { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ } ، والآية الثانية { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } الآية إلى قوله : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } .


    والخلاصة :
    أن الله سبحانه وتعالى حَكم على أهلِ هذه العقيدة ـ عقيدة الوساطة اتخاذ وسائط دون الله في العبادة ـ سمّاهم كفارا ، سمّاهم مشركين . والجفري يريد أن يدعوَكم إلى ما كانت عليه قريشٌ ومَن عاصرها ومَن خَلفها من ضُلّال هذه الأمة .

    ثم تفطنوا إلى قوله : ( يا رسول الله ! يا جيلاني ! ياحداد !) هذا باتفاق أهل الملة المباركة ، الذين دانوا لله بالتوحيد ؛ أنه مِن الشرك الأكبر ؛ لأنه دعاءُ غيرِ الله معه أو دونَه ، وهو يناقضُ قول الله جل وعلا : { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } . { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } .. انظروا : { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } ، والمقصود أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل مِن العبد عبادتَه حتى تكون خالصةً لله سبحانه وتعالى .

    فقريشٌ ومَن وافقها ممن بُعث إليهم رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانت لهم عبادات ، كانوا يَحُجُّون ، وكانوا يُعْتِقون ، وكانوا يَصِلُون الرحم ، وكانوا يصومون عاشوراء ، فما قبِل الله منهم ذلك كلَّه إلا مِمَّن شهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله ، وأخلص الدينَ كلَّه لله .

    ولقد عقل عقلاؤهم معنى ( لا إله إلا الله ) ؛ فامتنعوا من إجابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى قولها فقالوا : { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } ، علمتِ القومُ أن قول ( لا إله إلا الله ) هو خلْع ما دون الله من الأنداد ـ وسواء كانت عبادتُهم مستقلة أو كانوا وسائط يتخذها الخلق بينهم وبين الله في العبادة ـ .

    فتفطنوا ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ ، واحرِصوا على توحيدكم ، واعْلموا أنه مِن الجهل المركَّب قول كثير من الناس : ( التوحيد فهمناه وعرفناه ) ؛ فهذه من أسس الضلال ، وأصول الانحراف .

    والجفري يريد أن يعيد عقيدة المُشْرِكة الأولى على أشُدِّها من جديد ، وأنتم تعلمون ـ كما نعلم نحن ـ أنه يوجد مِمَّن ينتسب للإسلام من هو على ما يقرره هذا الرجل . فالبدوي ، والجيلاني ، والعيدروس ، والرفاعي يُقصَدون بتقريبِ القرابين ، وسؤالِهم قضاءَ الحاجات ، وتفريج الكربات ، ويقول هؤلاء القاصدون : نحن لنا ذنوبٌ عظيمة ولا نستطيع أن ندعوَ الله ونحن على كيْتَ وكيت من الذنوب والخطايا ؛ فندعوهم بهؤلاء . تماما كما يقرر الجفري .

    فالرجل مُشْبَعٌ قلبُه ومُشْرَب بهذه العقيدة الشِّركية ، فهو يقرِّرُها ويدعو إليها .

    ولهذا سلك تلبيسات عدة ظنا منه ـ كما سلف وكما سيأتي ـ أن ذلك يَروج على مَن ملأ الله قلوبَهم بعقيدة التوحيد ، وخالط الإيمانُ بشاشَة قلوبِهم .

    فمِن التلبيسات :
    ذكر الحديث : " لئن سألني لأعطينه " مضموما إلى الآيات ، وخلاصة ما قرره في هذا : أن الوَلِيّ ينفع مُريديه في حياته وبعد مماته ـ على السواء ـ .

    وهذا بطلانه عند أهل الحق والعلم والإيمان والتديُّن الخالص ؛ معلومٌ من دين الله بالضرورة .

    فالحديث ـ الذي اقتطع بعض جمله الجفريُّ ـ هو في
    " صحيح البخاري " ، ونحن لا نخالف أنه في صحيح البخاري ، وهاكم لفظه : قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما يرويه عن ربه عز وجل : " يقول الله تعالى : مَن عادى لي وليًّا فقد آذنْتُه بالحرب ، وما تقرّبَ إليّ عبدي بشيء أحبّ مما افترضتُه عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافلِ حتى أحبَّه ، فإذا أحببْتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به ، وبَصَرَه الذي يُبصر به ، ويدَه التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ـ أو قال : عليها ـ ، لئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذ بي لأعيذنَّه " .


    هذا الحديث ـ أيها السامعون الكرام من المسلمين والمسلمات ـ يُحَتِّم علينا بيان معناه الصحيحُ : النظرَ في أمور :

    الأمر الأول : الولاية ما هي؟ ومن هو الولي؟

    الولاية : هي طاعة الله سبحانه وتعالى بفعل ما أمَر به ، واجتناب ما نهى عنه .

    فإذًا : الولِيُّ هو كل مسلم تقيّ لله سبحانه وتعالى ، يخافه في الغيب والشهادة ، يحفظ أوامرَ الله ؛ فيفعلُ ما استطاع منها ، ويحفظُ نواهيَ الله فيتجنبها . كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " ما أمرْتُكُم به فاتوا منه ما استطعتم ، وما نهيتُكم عنه ؛ فاجتنبوه " ،

    وأعظمُ أوامر الله الذي هو أصلُ الأصول ، وقاعدةُ الدين : التوحيد ، ثم بعدُ فرائضُ الدين العمَلية ، وواجبات الدين .

    وأعظمُ ما نهى الله عنه : الشرك به ، ثم سائر المعاصي مِن كبائر وصغائر ، كلُّها مَنْهِيّات .

    فبَان بهذا أن الولاية هي خُلاصة التديّن لله ، التديُّن الخالص . وهذا هو ما بيَّنه جل وعلا في نفس الآياتِ التي حرَّفها الجفري : {ٍ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ـ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } ، آمنوا بماذا ؟ آمنوا بالله وبرسلِه ، وبكتبه ، وبكلِّ ما جاءتْ به الرسلُ ، ونزلتْ به الكتب . هؤلاء هم أولياءُ الله سبحانه وتعالى .

    ثم تأمَّلوا الحديث ؛ جملة : " ولا يزال عبدي يتقربُ إليّ بالنوافل حتى أحبّه " : فإذا ضممتَ هذه إلى سابقتها :
    " وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب مما افترضته عليه " ؛ بان لك أنَّ خالصَ الأولياء هو مَن يُحافظ على فرائض الله وواجباتِ هذا الدين ، ويستكثر ـ مع ذلك ـ من النوافل ؛ فهو نائلٌ من الله سبحانه وتعالى على ذلكم محبة الله .

    فإذًا من أسباب محبة الله للعبد
    المحافظةُ على الفرائض ، والاستكثارُ من النوافل .
    وثمرة هذه المحبة التي نالها هذا العبد مِن عباد الله ؛ أن الله معه ، يحفظه في سمعه ، وبصره ، وجوارحه كلها ، ومِن سَعة فضل الله عليه ؛ أنه إذا سأله أعطاه ، وإذا استعاذ به أعاذه .

    وهل هذا في الدنيا والآخرة أو في الدنيا؟ هذا باتفاق المسلمين في الدنيا ، وليس في الآخرة . فإنَّ فِعل الفرائض ، والاستكثار من النوافل ، والتقرب إلى الله بسائر القُرُبات ، وترك جميع المنهيات ، هذا من العدل في الدنيا ؛ لأنه في الآخرة قد انقطع عملُه إلا من ثلاث ؛ كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقةٍ جارية ، أو علم يُنتفع به ، أو ولدٍ صالح يدعو له " .


    ثم وهو الأمر الثاني :
    زاد الرجل في التلبيس والتمويه حتى يعمِّي على الناس الفقهَ الصحيح لآي التنزيل الكريم وسنة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : ( في الدنيا أو في الآخرة ؟ ) ، خلص إلى أنه في الدنيا والآخرة ، وقال : { لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِنْدَ ربِّهِمْ } ، ويريد هذا أن يقرر : بأن الولي ينفع في حياته وبعد مماته .

    فلا تزال السلسلة متصلة ، وهي الدعوة إلى اتخاذ الوسائط دون الله سبحانه وتعالى ، وسائط من الأحياء ، ووسائط من الأموات .

    { لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِنْدَ ربِّهِمْ } : وهذه ـ أيها السامعون الكرام ـ جاءت في ثناء الله على أهل الإيمان ، وأنهم { لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِنْدَ ربِّهِمْ } من نعيمِ الجنة ، التي فيها ما لا عينٌ رأت ، ولا أذُنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .

    في الحديث الصحيح ـ وهو حديث قدسي ـ من حديث أبي هريرة مُخَرّج في الصحيحين عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " يقول الله تعالى : أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ، ولا أذُن سمعتْ ، ولا خَطرَ على قلبِ بشر ، واقرؤوا إن شئتم : { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } " . هذا ثواب الله لأوليائِه الذين كانوا على مراضِيه مِن فعل الأوامر ، واجتناب النواهي ، هذا ثوابُه لهم في الآخرة ، وهذا الذي أجمع عليه أئمةُ الهدى والعلم والإيمان ، وليس اتخاذ الوسائط ، وأن الولي ينفع في حياته وبعد مماته .

    وذلكم ـ أعني ما قرره الجفري ـ هو مما عابَه الله سبحانه وتعالى على الكفار والمشركين مُبَيِّنًا أنَّ الميتَ لا يمكن أن يُجيب ولا يمكن أن ينفع ؛ فاسمعوا قول الله تعالى : { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ـ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ } .

    والمقصود أن هذا الرجل أخذ على عاتقِه حَرْف الناس عن التوحيد الخالص ، والتديّن الخالص ، وأن يُعيد الناس بهذه العبارات وأمثالها إلى ما كان عليه المشركون الأوّلون من الضلال ، والكفر بالله سبحانه وتعالى . ولِذا حرّف النصوص ، ولواها ليًّا كي يُطوِّعها إلى مبتغاه ، ويأبى الله ذلك والمؤمنون ، يأبى الله عز وجل إلا أن يَحفظ كتابَه من عبث العابثين ، وانتحال المبطلين ، وتحريف الجاهلين ، وعبث العابثين . ويأبى المؤمنون إلا أن يكونوا على التوحيد الخالص ، ولا يرضَوا بسلوك بُنيّات الطريق ، تتبع بنيات الطريق ذات اليمين وذات الشمال ؛ لأنهم يعلمون أن فلاحَهم في الدنيا والآخرة وسعادتَهم في الدنيا والآخرة بما ارتضاه لهم من التوحيد ، ودين الله الخالص ـ وإن قال فلان وعلان ولله الحمد والمنة ـ .

    نعم .


    أقول طال الوقت وعندنا من المشاغل وعندكم ما يجعلنا نَختصر وسوف نتابع في مثل هذه الليلة من الأسبوع القادم

    وفق الله الجميع لما فيه مرضاته

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-07-31
  15. القيري اليماني

    القيري اليماني قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-11-17
    المشاركات:
    2,972
    الإعجاب :
    0
    الجزء الثالث



    بسم الله الرحمن الرحيم


    الحمدلله ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه .

    أما بعد ..

    فلا يزال الحديث معكم ـ أيها السامعون مِن المسلمين والمسلمات ـ حول ما أفرغه (الجفري) من عبارات التضليل، واللبس ، والمخادعات ، والتي هي في الحقيقة عبارات شركية ، دعوة إلى الشرك الصريح ، والكفر الصراح .

    والآن نسمعكم ما تبَقَّى مِن عباراتِ الرجلِ ، وأظنه وقف بنا الدَّور على الفقرة الثانية من فقرات الاستغاثة .


    قال المدعو علي الجفري :
    ( الوجه الآخر : هل تؤمنون بكرامة الأولياء أو لا ؟ هذه من المعلوم من الدين بالضرورة ، هل في حدود للكرامة ، بحيث إني أقول هذي مش معقول تقع ؟ ) .
    إلى أن قال :
    ( يمكن الولي روحه تخرج من قبره ، أو الروضة التي هو فيها ويدرك الذي يستغيثه إيش الذي يمنع هذي المسألة ككرامة ؟ ) .


    ونحن نقول : أولا :

    مِن أصولِ أهلِ السنة التي يدينون لله بها ـ وهيَ مِن عقيدتِهم ـ : الإيمانُ بكراماتِ الأولياء .

    والكرامات : جمعُ كرامة ، وهي ما يُجريه الله سبحانه وتعالى ، ويُظهره لبعض الناس من الأمور الخارِقة .

    وهذه الكرامة : هي ثابتة عند أهل السنة ، وهي موجودة في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى يومِ القيامة، كما أنها موجودة في سالِف الأمم .

    وابن تيمية ـ شيخ الإسلام الإمام أحمد بن عبد الحليم ابن عبد السلام ـ رحمه الله ـ له مؤلَّف ماتعٌ في هذا الباب وفي غيره واسم ذلكم المؤلَّف : ( الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ) ـ ذكرتُ ذلكم المؤلَّف لِيراجعَه مَن شاء حتى يقف على تفصيل القولِ في الكرامة وما تميزَ به أهل السنة من الإيمان بكرامات الأولياء ـ .
    وقد حدثناكم ـ أبناءنا من المسلمين والمسلمات ـ عن الوَلِيّ مَن هو ، وعن الولاية ما هي .


    وأحب هنا أن أضيف إلى ما سبق ما يأتي :

    أولا : مذاهب الناس في الكرامة . فالكرامات انقسم المنتسبون فيها إلى الإسلام إلى ثلاثة مذاهب :

    أحدها :
    مَن يُنكر كراماتِ الأولياء ، ولا يؤمن بها ، وهؤلاء هم المبتدعة ؛ مِن جهمية ، ومعتزلة ، وغيرهم ممن نَحَا نحوهم، ولف لفّهم .

    الثاني :
    مَن يغلو في إثبات الكرامة ، ويطلقها بدون قيود ، ولا شروط . وهؤلاء هم أهل القبورية ، وغلاة المتصوفة ؛ فإنهم يحكون حكايات ، ويَقُصُّون قصصًا كثيرة يَدَّعون أنها كرامات .


    القسم الثالث :
    مَن يؤمن بالكرامات ويُثبتها ، وذلك ـ أعني الإيمان ـ بها من أصول دينِهم ؛ وهم أهل السنة والجماعة .


    ولهم في الكرامات شرطان :

    أحدهما :
    صحة نسبتها إلى مَن رويت عنه .

    وثانيهما :
    أن يكون المرويُّ عنه تلكم الكرامة هو مِن أهل التوحيد ، من أهل السنة، من أهل الصلاح والتقوى ، من أهل التدين الخالص ، والتعبدِ الحسَن لله سبحانه وتعالى .

    فإذا اختل أحد هذين الشرطين ؛ فإنهم لا يقبلونها ، ولا يَعدّونها كرامة .

    فإذا لم تصحّ نسبتها عدّوها في المكذوبات .

    وإذا صحَّتْ النسبة ، وكان المرويّ عنه ما يُزعم أنه كرامة ؛ من أهل الدجَل والخرافة والفِسق والفجور والشِّركيّات ؛ كذلك لا يَعدُّون هذا كرامة ـ وإن جرى على أيدي هؤلاء ، وظهر لهم خوارق ـ ؛ فإن ذلك عندهم ليس من الكرامات في شيء ، بل هو مِن استدراجِ الشيطان . وقد وعد اللعينُ أن يشارِك عبادَ الله في الأموال والأولاد ، والله ُحقَّق له وعدَه ، أعني في مَن هم مِن حِزبه وأوليائه .


    ثانيا : ذكر الجفري أمرين وهو يُحَدِّث عن الكرامة ، كعادته في حديث التلبيس والتمويه .

    الأمر الأول : أن الكرامة ممكنة في جميع الأمور ؛ إلا دعوى إنزال وحي ، أو دعوى وجود ابن مِن غير أب ، وما عدا ذلك فهو ممكن أن يكون كرامة .

    هذا التعميم ذكر بيانا له في الأمر الثاني ، وهو ادِّعاؤُه أن الولي يمكن أن تَخرج روحُه من قبره ، أو من روضته التي هو فيها ؛ فيدرِك مَن يستغيث به .

    فإذا أضفنا هذين الأمريْن إلى بعضهما ، وأضفناهما إلى ما سبق ـ مما لبَّس فيه ببعض الآيات مثل : { لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ } ـ ؛ استبان لكم أن الجفري يقرِّر الكرامة للحي والميت . من كان وليا عنده ؛ فإن كرامته ثابتة له في حياته ومماته . وهذا لم يقل به أحد من أئمة الهدى ؛ فإن الكرامة لمن هم أولياء لله على الحقيقة ، والذين أبان الله عنهم بقوله : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } ، فكأن قائلا قال : من هم يا ربي ؟ ؛ فالجواب : { الّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } ، آمنوا بالله ، وبما جاء عن الله ، على مُراد الله . وآمنوا برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وبما جاء عن رسول الله ، على مراد رسول الله .

    وهذا هو ما عبّر عنه الشافعي ـ رحمه الله ـ قال ـ أو كان يقول ـ : ( آمنت بالله ، وبما جاء عن الله ، على مراد الله ، وآمنت برسول الله ، وبما جاء عن رسول الله ، على مراد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ) .

    فهذه العبارة شاملة ، وهي تفسير جيد للآية الكريمة ؛ فإن وليَّ الله لا يدَّعي ما ليس له ، ولا يتقوَّل على الله ما لم يكن له به علم .

    أولياءُ الله هم الذين آمنوا بالله عز وجل ، وكانوا يتقونه في السر والعلانية ، يَخشونه في الغيب والشهادة . وجِمَاع ذلك وخلاصتُه أنهم وقّافون عند أوامره فيأتمرون بها ، وقّافون عند نواهيه فينتهون .

    ثم إذا نظرنا في الأمر الثاني ـ وهو دعْواه أن روحَ الميت يمكن أن تَخرج من قبره فيدرك من يستغيث به ، ... إلى آخر ما قال ـ .

    نقول : هذه الدعوى ما دليلها ؟ ما دليلك عليها ؟ ما دليلك على أن روح الميت تُغيث ؟

    فالرجل يقرِّرُ الاستغاثة بالأموات ، لكنه يعبِّر بتعبير آخر ، فالاستغاثة بالأموات عندهم مِنَ المسلَّمات ، وهذا بنص سُنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، بالنص والإجماع ـ ؛ هو من الشرك بالله سبحانه وتعالى ومن الكفر بعد الإيمان . هذا وجه .

    ووجه آخر : اسمعوا ما يقول الحق جل ثناؤه ، وتقدَّستْ صفاتُه وأسماؤه قولا يَقطعُ به هذه الحجة ، ويُبَيِّنُ زَيْفها وأنها مِن الافتراء ، والقولِ على الله بلا علم ، قال جل ثناؤه : { يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ {35/13} إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } .

    فيا أيها السامعون من المسلمين والمسلمات : تأملوا معنا ـ صان الله ُأسماعَكم وأبصارَكم من كل مكروه في الدنيا والآخرة ـ ما الذي تضمنته هذه الآية الكريمة :

    فأولا : إخباره جل وعلا أن المُلْكَ له وحده .

    وثانيا : أن المدْعُوِّين ـ سواءً كانوا أحياءً أو أمواتا ـ ما يملكون من قطمير ، لا يملكون شيئا .

    أتدرون ما هو القِطمير ؟ القطمير هو ما يكون في النواة قطمير ، اللفافة التي على النواة ـ نواة التمر ـ ، كالورقة رقيقٌ جدًّا .

    وثالثا : تأكيدُ ذلكم ما يتضمنُ سدَّ الطريق على مَن كان يؤمِّلُ في الأموات إجابة الدعاء ، وقضاءَ الحاجة ، وتنفيسَ الكُربة ، وتفريجَ الهمّ ؛ { إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ } ثم زاد في ذلك : { وَلَوْ سَمِعُوا } ؛ حتى لو سمع ، لو فُرض أن الميت سمِع ؛ ما استجابوا لكم : { وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ } ، ثم قاصمةُ الظهر ، الفيْصل الذي لا يُدرِكُه إلا مَن ألقى السمعَ وهو شهيد : { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } ،

    فهل بالله عليكم ـ أيها السامعون من المسلمين والمسلمات ـ يبقى بعد هذه الأمور طمعٌ لعاقِل حتى يؤمِّل ما قرَّره الجفري مِن أن روحَ الميت تَخرجَ من قبره ، ويدَّعي ذلك كرامة !!

    الله ُجل ثناؤه يَحكم هذا الحُكْم ؛ بأنهم لا يَمْلِكون شيء ، لا يسمعون الدعاء ، ولو سمعوا ما مَلكوا الإجابة . والرجل يقولُ تَخرج روحُه من قبره ؛ فيدرك مَن يستغيث به !! أليس هذا ـ يا عبادَ الله ـ مِن تكذيب ربِّ العزة والجلال الذي أودعَ في كتابِه ما سمعتُم وأمثاله ، ذلكم الكتاب الذي لا يأتيه الباطل مِن بين يديه ، ولا مِن خلفِه تنزيل من حكيم حميد !!

    ثم هاكم من سُنة نبيكم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يزيد الأمر توكيدا وإيضاحًا وقوة ؛ يدركه أولُو الأحلامِ والنهى ، والحصافة والحجى :

    في سنن ابن ماجه وغيره وهو حديث صحيح أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقيَ جابرًا بنَ عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ فقال : " يا جابر ! ما لي أراكَ مُنْكسِرًا ؟ " ، قال : يا رسول الله ! إن أبي استُشْهد ـ يعني يوم أحد ـ وترك ديْنا وعيالا . قال : " ألا أبَشِّرك يا جابر بما لقي الله ُبه أباك ؟ " قال : بلى . قال : " إن الله لم يكلمْ أحدًا إلا من وراءِ حجاب ، وإنه كلَّم أبَاك كِفاحًا ـ يعني بلا حجاب ـ ، فقال : يا عبدي تمنَّ ؛ أعْطِك . قال : يا ربّ تُحْييني ؛ فأقتل فيك ثانية . قال الله : إنه سبقَ القولُ مني أنهم إليها لا يَرجعون ـ أو إليها لا يُرجعون ـ " .

    فتأمَّلوا ـ يا أولي الأبْصار ـ ؛ عَبدٌ مِن عِبَاد الله ، مِن خِيرةِ أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يَسْألُهُ رَبُّهُ أن يتمنّى ، فيتمنى أمرًا هو لنصرةِ الإسلامِ وأهلِه ؛ أن يُحْيِيَه الله ، ثم يُقتلُ في سبيلِ الله . ما تَمَنّى الحياة ، وأن يَعمرَ وقتَه بعبادة الله طول العمر ، لا ؛ تَمنى أن يُحْيِيَه ربُّه ثم يقتل . فيُجيبُه ربه جل وعلا بهذا الحُكم الذي لا يَفذُّ عنه فاذٌّ ، ولا يَشِذّ عنه شاذّ : " سبَق القولُ مني أنهم إليها لا يرجعون " ؛ لا يرجع أحد . وهذا بعمومه شاملٌ بقطع الأملِ في رجوع مَن مات إلى الدنيا ؛ بروحه أو بِجسده أو بكليهما .

    ولكن إذا استحْكمَ التعصُّب الأعمى ، والتقليدُ الطائش، والرأيُ الذي يُصادِم النصوص ؛ فإنَّه يُطبَع على القلوب ، وتكون الغِشاوة على البصائر ، هذا حُكْمُ الله : { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلًا } ، { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا } ؛
    " أنهم إليها لا يرجعون " .


    وها هنا قد يسأل سائل فيقول :
    ما تقولون في الذين قال لهم الله موتوا ، ثم أحياهم ، { خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ } ، والرجل الذي مَرَّ على القرية الخرِبة ، فقال : { أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ } ؟

    فالجواب :
    لا نزاع عندنا في هذه ، وكيف يكون نِزاع وهي ثابتة في كتاب ربنا جل وعلا ! ولكن الذي يظهر أحد أمرين :

    إما أنه لم ينتهِ أجلُ هؤلاء ، ولكن أماتهم الله ثم أحياهم .
    أو أن هذه خصِّيصة نالها هؤلاء . والله أعلم .

    والقاعدة :
    أن النصَّ الظاهر مقدَّم في الاحتجاجِ على ما كان يُمكِنُ أن يُؤَوَّل ؛ " أنهم إليها لا يَرجعون " .

    وعلى التسليم أن هذا أمرٌ مضطرد فيمن سلف من الأمم ؛ فإن الآية قاضية قضاء عاما ، وحُكما عاما على أن مَن مات من أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يرجع ، بل حتى نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يرجع إلا يوم القيامة .

    وما عُلم مسلمٌ خالط الإيمانُ بشاشة قلبِه يقول بِخلاف هذه الآية ؛ إلا ابنُ سبأ ـ اليهوديّ اليمنيّ الذي أسلم نفاقا ـ ؛ فإنه يقرِّر رجعة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الحياة مستعمِلا القياس ؛ فيقول : كيف ينزل عيسى حَكما بالقسط ، ولا يعود محمد ـ صلى الله عليه
    وسلم ـ ؟!

    وعيسى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يمتْ ، إن عيسى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يزال حيًّا ، فهو ينزل حيًّا ، ويموت بعد ما يشاء الله . وأما محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلن يرجع إلى هذه الدنيا . هذا حكمُ الله العامّ .

    والقاعدة العامة في العقائد ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ أن عامَّها على عمومه ، فهو مِن العام الذي لم يدخلْه التخصيص . هذا في مسألة الكرامة .


    قال المدعو علي الجفري :
    يشتدُّ القحط فيأتي كما ذكر الإمام ابنُ حجر العسقلاني في " فتح الباري " في المجلد الثاني في كتاب الاستسقاء ورواه البيهقي والحاكم وابن خزيمة بسند صحيح أن بلال بن الحارث المزني وهو من أصحاب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاء إلى قبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سَنَةٍ مُقْحِطة في عهد عمر ، ووقف على القبر الشريف ، وقال : يا رسول الله ! استسْقِ لأمَّتِك ) .

    أولا :
    يا أولي الأبصار ! هل يُعقلُ أن صحابيًّا مثل هذا الرجل سمِع قول الله جل وعلا : { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } الآية ، وسمِع قوله جل ثناؤه : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } ؛ هل يُعقلُ أن يصنع هذا الصنيع !!

    إن عوامَّ المسلمين الذين هم على التوحيد ، ولم يكونوا من أهل العلم ؛ يَربؤُون بأنفسهم عن مثل هذا ـ ولو نالهم ما نالهم ـ .

    وما سمِعنا عاميا من بوادينا ـ مع ما يصيبهم من شدة الجدب والقحط ـ يصنعون هذا الصنيع . هذا أولا .

    وثانيا :
    عزا الجفري هذه القصة إلى مَن سمِعتُم : البيهقي ، وابن خزيمة ، والحاكم . فإذا أطْلِقت هذه الثلاثة ؛ فقال القائل : ( رواه البيهقي ) ؛ فإنه لا ينصرف ذهنُه إلى السنن الكبرى . وإذا قيل : ( رواه الحاكم ) ؛ فلا يتبادر إلى الذهن إلا أنه مخرَّجٌ في " المستدرَك " . وإذا قال : ( رواه ابن خزيمة ) ؛ فإنه أول ما يتبادر إلى ذهن السامع أنها في " صحيح ابن خزيمة " .

    وبَعدَ النظر ؛ فإن هذه القصة رُوِيَتْ في " مُصَنَّف " ابن أبي شيبة ، و " الدلائل " للبيهقي .

    وهنا أطلب من أبنائِي ـ المسلمين والمسلمات ـ إلى أن يتفطَّنُوا إلى نتيجة النظر في هذيْن الكتابين .

    هذه القصة إسنادُها ضعيف ، وذلكم ـ وأنا أعني هذيْن المصدريْن : " مصنف " ابن أبي شيبة ، و " الدلائل " للبيهقي ـ ؛ وذلكم أنها من طريق الأعمش عن أبي صالح السمّان ذكوان ، عن مالك الدار ؛ كِلا الإسنادين على هذا . وكيف هذا الإسناد ضعيفًا ؟ نعم ، فيه عَنعنةُ الأعمش ، واسمه سليمان بن مهران ـ رحمه الله ـ فهو ـ مع جلالة قدره ـ يتقي العلماءُ عنعنتَه ؛ لأنه مُدَلِّس .

    وثانيا :
    ليس في هذين الإسنادَيْن أن صاحبَ القصة هو بلال بن الحارث المُزَني ـ رضي الله عنه ـ ، بل فيهما عن مالك الدار أن رجُلا أتى إلى قبرِ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال ما سمعتم ، ما حكاه الرجل ، ثم أُتي في المنام وفي بعض الروايات أتاه رسول فقال : ( اذهب إلى عمر ) ، فذهب إلى عمر فقال : ( اللهم إني لا آلوا إلا ما عجزت عنه ) ، وفي بعض طرقها أنه قيل له : ( قل له : الكيس الكيس ) ، يعني الفطنة . وفي بعض طرقها أنه قيل له : ( الكفَّان ) وأظن يعني : أنفِق ، ابسُط يديْك بالنفقة . والله ُأعلم .

    هذا أولا .

    ثم هنا سؤال : مَن صرَّح بأن صاحبَ القصة الذي سأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يستغيث أو يستسقي لأمته ، من صرّح بأنه بلال ؟ هو سيف بن عمر. وسيف بن عمر هذا هالك ، ضعيف ، لا يُحتجّ به . قال فيه الذهبي : ( متروك باتفاق ) ، راجعوا ترجمتَه في
    المغني في الضعفاء للذهبي . وقال فيه البخاري : ( يُتَّهم بالزندقة ) ، أو قال : ( مُتَّهمٌ بالزندقة ) ، وهذا كافٍ . وابنُ حبان كذلك ـ وأظنه يعني في المجروحين ـ .

    فهل مثل هذا الإسناد ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ يُقبَل ويُعَوَّلُ عليه حتى يُقال إن بِلالا بن الحارث المزني صنع هذا الصنيع ؟!!

    ثم ثمة وجهٌ آخر في " الصحيح " حين اشتدَّ بالمسلمين القحط في عام الرمادة ، وشُكِي ذلك إلى عمر ـ رضي الله عنه ـ خرج بالمسلمين ، بأصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومَن معهم من خيار التابعين للاستسقاء فقال : ( اللهم إنا كنا نستسقي بنبيِّك فتسقينا ـ يعني نطلب منه الدعاء ـ ، وإنا اليوم نستسقي بعمِّ نبيك فاسْقِنا . قمْ يا عباس !) . فقام العباسُ بنُ عبد المطلب ـ رضي الله عنه ـ فسأل الله َ، دعا الله عز وجل .

    عمر ـ رضي الله عنه ـ صنعَ هذا في ملأ عَلنًا ، ولم يُعلمْ أن أحدًا استنْكر عليه ـ لا سِرًّا ولا علانية ، لا جماعة ولا أفراد ـ ، فلو كان التوسلُ برسولِ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سائغًا بعد وفاتِه ؛ ما قصدَ أميرُ المؤمنين الفاروقُ الذي مِن مناقبِه أنه إذا سَلكَ فجًّا ؛ سلك الشيطانُ فجًّا آخر مهابةً ـ ؛ يعني ما قصد إلى دعاءِ العباس ، لذهب وتوسل بنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وعلى سبيل الفرْض أنّ هذا غاب عن عمر ، وأنه ثمّة سُنَّة خفِيتْ عليه ؛ فهل تَخفى على جميع ذلكم الملأ ؟!

    ولا شك أن صنيع ابن الخطاب ـ ثاني أمراءِ المؤمنين ، وثاني الخلفاء الراشدين ـ رضي الله عنهم وعن سائر أصحاب نبينا أجمعين ـ ؛ تبقى دون نَكير ؟!! فسبحانك يا ربي هذا بهتان عظيم !!
    قال المدعو علي الجفري :
    ( قال تعالى : { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ـ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا } ، هذه الآية دليل من الأدلة التي استدلَّ بها أهلُ السنة والجماعة في جواز أن يُطلِعَ الله ُتعالى مَن شاء من عباده على شيء من الغيب .
    { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا } ؛ هذا الأصل أن الغيبَ المطلق لا يطَّلِعُ عليه أحد ، ثم جاء الاستثناء : { إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } ، ولم يقل إلا الرسل ، وإنما قال : { إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } . و { مِنْ } قد تأتي لضرب المثل ، فيكون الرسول غير الرسول مِمن قد يُكرَم بمثل هذا الاطلاع ، وهو مِما عبِّر عنه بالفراسة التي مرتْ الاستفاضة فيها ) .

    لا يزال الرجل ينقلُنا من غريبةٍ إلى أخرى ، ولا يزال ينفثُ في سامعيه البَلِيّة تلوَ البلية ، وهذه حالُ كلِّ مَن أعمى الله بصيرتَه عن الهدى ، وركِبَ الضلالة ، وارتضاها سُلَّمًا يصلُ به إلى مَن هم سذَّجٌ ، ومُغَفَّلون ، وجَهلة ، لا يعرِفون مِن دين الله ما هو أصلٌ ، وهمْ جُهّال لا يعرفون أصل هذا الدين ، لا يعرفون زبدة الرسالة ، لا يعرفون إخلاص الدعاء لله ، وإنما هم مسلمون انتسابًا هكذا.

    فأمثال الجفري يَجدون هؤلاء غنيمةً باردة ، يُلْقون عليهم ما استمْلوْه مِن شياطين الإنس والجن ، وأولئكم السذَّج والمغفَّلون يَروْن هذا من دين الله ؛ لأنه ألقاه فيهم مَن ينتسبُ إلى العلم ، وهو في الحقيقة جاهل ، بل ضالٌّ مضلّ .

    وهكذا كما قال الشاعر :

    يُقضَى عَلَى المرءِ فِي أيَّامِ مِحْنَتِهِ
    حَتَّى يَرَى حَسَنًا مَا لَيْسَ بِالْحَسَنِ

    فمن يَستمع إلى أمثال هذه العبارات هو أحدُ رَجُلين : رجل جاهل ليس عنده من دين الله ما يتشبثُ به ، ويُمَيّز به بين الحق والباطل ، والهدى والضلال . وآخر ضالٌّ مضلٌّ ، صاحبُ هوى ، مُنحرِف عن الصراط المستقيم ، والنهجِ القويم ، سالكٌ غيرَ سبيل المؤمنين ، مشاقٌّ مُحادٌّ لله ولرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . لا غرابة أن يَجدَ سابِكُ هذه العباراتِ سُوقًا بين جُمُوعٍ غفيرةٍ تروجُ عليهم هذه العبارات . وهذا ما يَسْتَدْعِي أن يُقبِل المسلمون والمسلمات على الاجتهاد في تحصيل العلمِ الشرعي من أهل السنة .


    هذه العبارة يُمكن تلخيصُ أهم ما دلت عليه فيما يأتي :

    أولا :
    الحيدة عن ظاهر الآية . فإن الرب سبحانه وتعالى ضمّنها أمريْن عظيمين :

    أولهما : العموم : { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا } ؛ عالم الغيب كل الغيب ؛ { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا } ، وأمثال هذا كثير .

    ولهذا فإن أئمة الهدى والعلم والإيمان مُطْبِقُون على أن مُدَّعِي الغيب كافر ؛ وذلكم لأنه تضافر الكتاب والسنة على أن عِلم الغيب هو من خصائص الرب سبحانه وتعالى . { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا } .

    الثاني : الاستثناء : { إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } .
    { مِن رَّسُولٍ } : نكرة في سياق النفي ، مسبوقة بِمِنْ ، وهذا عند علماء الأصول نصٌّ صريحٌ في العموم ، { إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } .

    فإذًا إطْلاعُ الله سبحانه وتعالى على الغَيب ليس لأحد إلا مَن ارتضى من رسول .

    ثم انظروا ما بَعد هذه الجملة { إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } لماذا ؟ { إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ـ لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ } الآية .

    فإذًا بان بهذا شيئان :
    أولا : أن الغيبَ لا سبيل إلى معرفته لا مَلك مُقرَّب ، ولا نبيٌّ مُرسَل ، إلا مَن أطْلعَه الله من رسُله .

    ثانيا : أن هذا الإِطْلاع الذي امتنَّ الله ُبه على مَن شاء من رسُلِه له علةٌ ؛ وهو إبلاغ الرسالة . ومن ذلكم ما أخبر به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن بعض الماضِين ، وما أخبر به في المستقبل من حدوث أمور ، وما كشَف الله له من أحوال البرزخ ؛ مثل حديث صاحبَيْ القبْريْن ، وهو مُخَرَّجٌ في الصحيحين عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : ( مرَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قبرين فقال : " إنهما ليُعَذَّبان ، وما يُعذَّبان في كبير ؛ أمّا أحدُهما فكان لا يسْتَتِرُ مِن بوْله ... " ) الحديث . فهذا موطن عبرة . وما أخبر به ـ صلى الله عليه وسلم ـ من عذاب القبر ونعيمه ، وكلُّ ذا وذاك يُسَلَّم به ، ويؤمَن به ويصدَّق كما يقرره أهل السنة في أصول الدين ، ولا يبحثُ في كيفيته .

    الجفري حاد عن ظاهر الآية ، بطريقةٍ فيها لفّ ، قال : ( الغيب المطلق لا يعلمُه إلا الله ) ، ومَن نازَع في هذا ؟!

    لكن هنا سؤال : الغيب غير المطلق ، وهو الذي يُمكن التوصل إليه بوسائل ؟ هذا لا ينكره أحد ، هناك غيب ـ يعني ـ نسبي ؛ كأنْ يُكتَشف أن هذي الأرض فيها ماء ، وكالمراصد التي يستخدمها علماءُ الفلك فيتوقّعون حدوث كذا ، توقع .. مراصد .. وسائل .

    أما ادعاء الغيب فإنه لا يسوغ لأحد أن يدَّعِيه ـ وقد قدَّمتُ لكم حكم ذلك ـ .

    وفي الحديث الصحيح : " مَن أتى عرافا فسأله عن شيء فصدَّقه ؛ لم تقبلْ له صلاة أربعين يوما " .

    وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " من أتى كاهِنا أو عرَّافا فصدَّقه ؛ فقد كفر بما أنْزِل على محمد " ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

    والأمر الثاني : انْظُروا في عبارة الرجل قال : { مِنْ } : جاءت لضرب المثل . ونـحن نقول : مَن سبق إلى هذا التفسير ؟! لا نعلمُ إمامًا ذا عِلْم ، وفِقهٍ ، وبصيرةٍ بتفسير كتابِ الله من القرآن ، ومِن سنّة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وبالمأثور من أقوالِ الصحابة ، والتابعين قال هذا أبدا : لِضَرْبِ المثل !! وأكّدَ هذا بقوله : ( فالرسول وغير الرسول سواء ) !! هذا معناه أنه يساوِي بين الرسول والوليّ ؛ وهذا كُفرٌ باتِّفاق ؛ فإن مرتبة النبوة ليس فوقها شرف من البشر أبدًا ، فالأنبياء والمرسَلون همْ خيرُ عبادِ الله ، ولهذا اصْطفاهم الله من البشر . قال : ( الرسول وغير الرسول سواء ) ف( مِنْ ) لضرب المثل !!! كيف المثل يعني ؟!! يعني معنى هذا أنه يمكن للولي أن يعلم الغيب !!!

    والذي خبر مَن تُزعم فيهم الولاية من غلاة الصوفية ليسوا كذلك بل يدَّعون مغيَّبات لا يعلمُها إلا الله ، ولكن الرجل أراد أن يغطِّي وهكذا كلُّ مَن أوتِي المكْر والاحتيال على الناس ؛ فإنه يَجعل في ثنايا عباراتِه تغطيات ، ولكنها لا تنكشف ، أقول : هذه العبارات لا تنكشف لمن ؟ لكل أحد ، بل لمن كان عنده علم وبصيرة ، وفقه بكتاب الله ، وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وسيرة السلف الصالح ، ومسلك المبتدعة . وأما عوام الناس فلا تنكشف لهم هذه الحيل أبدا . هذا وجه .

    ثم ختم القول بالفراسة . الفراسة ما هي ؟ الفراسة ليست من الغيب في شيء ، الفراسة أنّ إنسان عنده خبرة بأحوال الناس الاجتماعية والشخصية ؛ فإنه يتفرس في وجه هذا الخيْر ، ويتفرس في وجه هذا الشرَّ .
    ويُروى ـ أقول يُروى ـ أن ابنَ سيرين ـ رحمه الله ـ وابن سيرين إذا أُطْلِق فهو (محمد) ـ ؛ جاء إليه رجلان فقصَّا عليه رؤيَا واحدة ، كلٌّ منهما قصَّ عليه أنه يُؤَذِّن في المنام كلٌّ قال : يا شيخ أرى أني أؤذن . الرؤيا واحدة . ففسَّرها بتفسيريْن مُتناقضَيْن متضادَّين ، فقال في أحدهما : يَسْرِق وتُقطع يدُه ، وقال في الآخر : يَحُجُّ . فقيل : كيف ذاك ، لماذا ؛ الرؤيا واحدة ، كيف فسرتَ بهذين التفسيرين المتضادين ؟ قال : ( أما أحدُهما فعرفتُ في وجهِه الشرَّ ؛ فأوَّلْتُها : فـ { أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } ) . عجيب ولا لا ؟! ( وأما الآخر فإني تفرست فيه أو عرفت في وجهه الخير والصلاح ؛ فأوَّلتُه على قوله تعالى : { وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ } ) .

    وهذه قاعدة معروفة عند الحاذقين في تعبير الرؤى ؛ فإن مِن قواعدِهم التي يستعينون بها على تعبير الرؤيا معرفة حالِ الشخص ؛ فقد تكون الرؤيا من شخص لها تعبير ، ومن شخص آخر لها تعبير آخر . وليس هذا مقام بسط وتفصيل في هذا الباب لكني ذكرته استطرادا .

    والمقصود أن الجفري جعل علم الغيب من الفراسة ـ انظروا : علم الغيب جعله من الفراسة !! ـ ؛ وعلى هذا فإنه للولي أن يتفرس ويُخبر بِمُغَيَّبات .

    ويَحْكون عن بعض مَن يُدَّعى فيهم الولاية من أساطين الصوفية الضالّة المُضَلِّلة المضِلَّة أن أناسًا مِن مُريديه فقدوا ولدًا لهم ، فسألوه ، قال : أما الجنةُ فلم أجدْ فيها فقِيري ـ انظروا !! ـ ، وأما النار فلن يدخلها ، ـ الجنة لم يجدْه فيها ، والنار لن يدخلها ـ لن !! ـ إذا هو أين هو ؟ ـ إذا هو حيٌّ بناء على هذا ، وسيجدونه بعد حين .

    هذا وأمثاله أراد أن يروجَّه الجفري بإدخالِه إياه في الفراسة . قال : ( التي مرت الاستفاضة فيها ) ،

    كثيرا ما يستدل بحديث : " اتقوا فراسة المؤمن ؛ فإنه ينظر بنور الله " . هكذا يستدل به !!

    وهذا الحديث رُوي عن أبي سعيد الخدري ، وعن أبي أمامة ، وعن ثوبان ، وعن أبي هريرة ، وعن ابن عمر ـ خمسة من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم و رضي الله عنهم ـ ، ولكن هذا الحديث أسانيده ضعيفةٌ ، واهية ، لا يصلح للاحتجاج ، لم يصح إسناده عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

    فمنها : ما فيه رجل ضعيف ، ومنها : ما فيه متروك .

    ومَن أراد أن يقف على الاستزادة ، ويتزود معرفةً على طرق هذا الحديث ، وما في أسانيدها من آفاتٍ وعِللْ ؛ فلْيراجعْ الجزءَ الرابع من السلسلة الضعيفة (رقم 1821) ؛ فإن الإمامَ الألباني ـ محدِّث هذا العصر ـ وإن رغمت أنوف، وقالت فيه ما قالت ؛ نقولها ولا نَخشى إلا الله : هو إمام محدث هذا العصر ، رافع لواء السنة ـ ؛ فصَّل القول تفصيلا يُدْرِك الناصحُ لنفسه ، الحازم في أمره ؛ أن الجفري قد لبّس بهذ الحديث على مَن يَروجُ له قولُه . فلْيُراجِع المصدر مَن شاء منكم ـ بارك الله فيكم ـ أيها السامعون والسامعات ـ .


    قال المدعو علي الجفري :
    ( وتساءل الصحابة أين ندفن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمنهم مَن قال في البقيع .

    وروى الإمامُ مسلم في صحيحه أن بعضَ الصحابة قالوا ندفنه عند منبره أي في مسجده .
    وفي هذا دليل على أن لعنة اليهود والنصارى في جعل قبور أنبيائهم مساجد ؛ إنما هي نازلةٌ على سجودهم فوق قبور أنبيائهم ، وليس على وجود القبور في المساجد ؛ لأن المسألة لو كانت من الاعتقاد الذي يُلعَن صاحبُه لما ثقل الصحابة بعد وفاة رسول الله ـ ثمرة حياتهم معه أوصلتهم إلى أن بعضهم فكر إلى أن يَجعل قبرَ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المسجد ) .


    هذه العبارة التضليلية الرابعة من عبارات الأصول التي يُدَندن حولها الجفري بل يصدع بها ، في تقرير عقيدة الشِّرك ، وحرْفِ الناس عن توحيد الله ، وحرفهم عن دين الإسلام الذي ارتضاه لهم .

    والكلام على هذه القصة من أوجُه :
    أولا : هؤلاء الذين زعمَ أنهم اختلفوا أين يدفنون نبيَّهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيهم الصديق خير هذه الأمة بعد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والذي يقرر أهلُ السنة أن إمامَته وخلافته كانت بنص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وليس هذا المقام مُمَكِّنًا لنا من البسط والتفصيل حتى نروي الغليل ، ونشفي العليل في هذا الموضوع ـ ، ونعني به أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ ، ولا شك أنه ـ على ما زعم الجفري ـ كان ضمن المختلفين ، قال : ( اختلف أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ) ، وأبو بكر ـ رضي الله عنه ـ هو الذي روى حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " ما من نبي قُبِض ؛ إلا دفن حيث يقبض " .
    هذه النكارة ، هذا وجه النكارة ـ فتفطَّنوا أيها
    المسلمون ـ كيف عمد الرجل إلى هذه القصة على أنها من المُسَلَّمات ، ومن الأخبار الصحيحات !! ثم الرجل عزاها إلى " صحيح مسلم " ، و " صحيح مسلم " هو ثاني أصحِّ الكتب بعد كتاب الله ، فما مِن مسلم ، ولا مسلمة عندهم محبةٌ للخير ، ورغبة فيه ؛ إلا ويطمئن إذا سمع عزو قصة أو حديث إلى هذا الكتاب .

    والظاهر ـ بل أجزم ؛ لما أدركْتُه من حال الرجل ، وما أشرِب قلبُه به من التلبيس والتدليس ـ أنه يريد أن يـجعل من
    " صحيح مسلم " تُكْأةً ، وترويـجًا لهذه القصة ؛ لأن الرجل مُتَفنِّن في حَبك العبارات ، وزَخْرفة المقالات .

    وأزيدكم فأقول :
    ليست القصة في " صحيح مسلم " . وهاكم طرقها : الطريق الأول : طريق ابن ماجه ـ الإمام أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني ـ رحمه الله ـ ، وهذا الإسناد فيه : حُسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عبيد الله بن العباس . وما حال حسين هذا الذي روى ابن ماجه القزويني الإمام المحدِّث صاحب السنة ـ رحمه الله ـ القصة من طريقة ، أتدرون ما حاله ؟

    قال فيه البخاري : ( مُتّهمٌ بالزندقة ) ، يعني زنديق ، متَّهم بالكفر ، هل هذا فقط ـ مع أن العلة كافية في إسقاط هذا الطريق ، وأن القصة لا يُحتج بها ، فما دام زيديقا فسوف يكذب ـ ؟ ماذا قال غيره ؟ علي بن المديني قال : ( تركتُ حديثه ، وتَرَكه أحمد ) . هذا هو الطريق الأول .

    الطريق الثاني : طريق الواقدي ـ محمد بن عمر المؤرخ المعروف ـ ، وهذا أخباري وليس عنده علم بالحديث ، ولا فقه بأسانيده ، ولهذا قال أهل العلم : ( مَتروك ) ، يعني لا يُحتج بحديثه ـ وإن كانوا يقبلون ما يرويه من التاريخ .

    والطريق الثاني كذلك عنده : هي من رواية محمد بن عمرو بن علقمة ؛ وهذا ـ وإن كان صدوقًا ـ ؛ لكن له أوهام ، فلعل هذه من أوهامه .

    فالقصة إذا : من حيث الإسناد أولا هي ؛ ضعيفة ، ولم يصح إذًا ـ على هذا ـ أن أصحاب النبي ـ صلى االله عليه وسلم ـ اختلفوا أين يدفنوه .
    وثانيا : كذب الجفري إذ عزاها إلى " صحيح مسلم " ، وهي في غيره .


    قال المدعو علي الجفري في سياق ذكرِه للأولياء قال : ( عندَهم إذْنٌ مِن الله في التصرف في الكون ، هذا ما فيه إشكال ، لا إحياء لا موت إلا بإذن الله تعالى ) .

    هذه آخر العبارات التضليلية المصادِفة للملة الحنيفية ، فتفطنوا ـ يا أيها المسلمون والمسلمات ـ .

    أظنكم أدركتم أني لم أحْصِ عباراتِ الرجل كلَّها ، لكن هذه الأصول التي يُدندن بها وينطلق منها ؛ إذًا يتفرع فروع كثيرة ، ولو أفضتُ في الحديث معكم ، ومررْت بكم على كل عبارة ما تنتهي عباراتُ الرجل ، وهكذا كلُّ صاحب مناكير وبواطيل ؛ لا يقف عند حدّ ؛ لأن هؤلاء الذي أولِعُوا بالباطل ، وخالطتْ بشاشتُه قلوبَهم عرُوا عن الدين والعقيدة ؛ فسلكوا مسلك السفهاء ؛ فلا ينتهون عند حد .

    ونُذكِّر السامعين ـ من المسلمين والمسلمات ـ بمقولة قالها سفيان بن عيينه أوغيره من السلف ـ رحمة الله عليهم ـ : البدعة أحب إلى إبليس من المعصية ؛ لأن المعصية يمكن أن يتاب منها وأما البدعة فلا .

    فهذا ـ أعني الجفري وأمثاله ـ مِمن رضوا دينًا غيرَ دين الإسلام ، وأخذوا على عواتقهم الدعوة إليه ، يجالدون ، ويُجادلون وينافحون ، لا ينتهون عند حد معين ، إلا مَنْ مَنَّ الله عليه بالتوبة النصوح ، وثاب إلى رشده ، وعلِم الحق ، ورجع إلى الله عز وجل . ومَن كانت عليه تضفى عليه هالات من الجاه والمنصب والمكانة الاجتماعية والشخصية ؛ فهذا قلّ مَن يرجع إلى الصواب ؛ تُعْميهم هذه الهالات والرئاسة .

    هذه العبارة واضحة ، وهي تقرير الرجل أن الأولياء يتصرفون في الكون ، عندهم إذْن من الله بالتصرف في الكون .

    وأقول بادئ ذي بدء :
    كانت قريش ومَن دان دينها من أهل الجزيرة ومن حولهم يعبدون الملائكة ، منهم من يعبد الملائكة ، ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين ، ومنهم مَن يعبد الأحجار ، ومنهم من يعبد الأشجار ، ومنهم مَن يعبد الشمس والقمر ، ومنهم من يعبد أصناما لأشخاص اللات ، والعُزّى ، ومناة ، وأساف ، ونائلة ، وهُبَل ، ولم يُنْقل أن أحدا منهم قال في هؤلاء المعبودين الذين رضيَ بعضُهم بِحَزِّ رؤوسهم في سبيل عبادتِها لم يقل أحدٌ إن هؤلاء يتصرفون في الكون ، وأنهم عندهم إذن بالتصرف في الكون ، حتى الملائكة ما قيل فيهم هذا ، ـ صلى الله وسلم على ملائكته وأنبيائه ورسله ، ونسأل الله أن يجعلهم شهودا لنا وإياكم بالخير ، والإسلام ، والسنة في الدنيا والآخرة ، آمين .

    إذًا فاق الرجل بِما قرّره في هذه العبارة مَن سبق مِن المشركين ، فاق قريشا .

    وهاكم أمر آخر يؤكد ما قلناه :
    إن المشركين الذي بعث فيهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وهم على ما ذكرتُ لكم من العبادات والمعبودين؛ كانوا يُخلِصون الدعاء لله في الشدة ، في الشدة كانوا يخلصون الدعاء لله .

    وهذا ما قصهُ الله عنهم في غير ما آية من كتابه ، ومنها : { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } ، انظروا ، ولم يقل أحدٌ منهم : إن هؤلاء يتصرفون ، دعُونا من الأحجار والأشجار ، لكن الملائكة والنبيين والصالحين ؛ ما ادُّعِيَ فيهم هذا أبدا ، فشِركُهم آلهتهم هو في الرخاء فقط وأما في الشدة فإنهم يخلصون لله الدعاء .

    وهذا الذي تضمنته عبارة الرجل ؛ هو شِرْك في الربوبية؛ فإن الشرك في الربوبية ما عُرف أنه قال به أحدٌ إلا الملاحدة من الفلاسفة ، والصابئة عُبّاد الكواكب الذين يقولون إن الكواكب تتصرف في الكون .

    أما وليٌّ من أولياء الله ، وعبْد مِن عباده الصالحين ، مَلك مُقرَّب ، أو نبي مرسل عَبَده القوم ، وأولئكم المصطفون الآخيار من الملائكة والنبيين والمرسلين و صالحي المؤمنين بريئون من عبادة هؤلاء ؛ ما ادَّعَى فيهم أحدٌ أنهم يتصرفون في الكون وعندهم إذن يتصرفون في الكون أبدا ، عرفوا هذا ؛ بما بقي لهم من سلامة الفطرة التي فطرهم الله عليها . فالناس مفطورون على التوحيد بـجميع أنواعه ، لكنهم ـ مع تطاول الزمن ـ نسوا توحيد العبادة ، وبَقِي مركوزا في فِطرهم توحيدُ الربوبية .

    يتصرفون في الكون !! كيف يتصرفون في الكون !!
    يُمكن لقائل أن يقول : ينزلون المطر ، يُمكن لقائل أن يقول يُحيون الموتى ، يتصرفون في الكون ، هذا من الكون ، يُمكن لقائل أن يقول : أنه يسوغ لهم أن يستدعي محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيوجه له دعوة فيحضر في الحضرة ، ولا أستبعد أن الحضرة التي يقيمونها بمناسبة المولد ـ أعني الصوفية ـ أنها مبنية على هذا ؛ لا أستبعد ؛ ولهذا هم يقولون : حضر محمد ويقومون له .
    والمقصود أولا : أن يَعلم مَن هو سليمة فِطرته ، خالط الإيمان بشاشة قلبه ، وقادته السُّنة إلى مراشد أموره ؛ أن الرجل قرَّر في هذه العبارة ما لم يسبقْه إليه المشركون ، سبق المشركين .

    ثم هذه الدعوى هل عليها دليل من كتاب الله نصا صراحة ، أو إشارة ، أو تلميحا ؟؟!

    والقاعدة أن كل دعوى لم تُقمْ عليها بينة ؛ فهي دعوى باطلة . فكيف ـ يا أيها المسلمون والمسلمات ـ بدعوى قام الدليل على بطلانها من الكتاب ، والسنة ، وإجماع أئمة الهدى والعلم والإيمان ؟! هذا من أبطل الباطل .

    وهاكم دليلا لا أرى مزيدا عليه ، وهو صريح وواضح في الدلالة :
    قال تعالى : { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ ـ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } الآية .

    هذه الآية أو الآيتان عَرَف علماءُ الملة المباركة ، علماءُ السُّنة قدْرَها فوقعتْ في أفهامِهم موقعًا عظيما ، وَعَوْها حقَّ وعيِها ؛ لأنهم تدبَّروها حق التدبر ، أتدرون ماذا قالوا ؟ أتدرون ماذا قال أولئكم الأئمة ؟ قالوا : ( إن هذه الآية هي الآية التي اجتثَّتِ الشرك من عروقه ) .

    وأقول وذلكم أولا : ـ وما أظنكم غفلتم أيها المسلمون والمسلمات حين تلوتُها عليكم آنفا عما احتوته ـ :

    أولا : نفيُ الله المُلكَ عن هؤلاء في السموات والأرض استقلالا ، فليس لهم مُلك .

    ثانيا : نفي الشَّرِكة وذلكم ـ والله أعلم ـ أنه لو قال قائل : ليس لهم ملك استقلال ، لكن قد يكون لهم شركة قال : { وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ } ، لا بإذن ولا بغيره .

    وثالثا : نفي المعاونة في حقه سبحانه وتعالى ، أنه ليس لله منهم معين ، لا يعينه أحد لكمال غناه ، وكمال سلطانه ، وعظيم قهرِه وقدرته . { وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ } .

    وبقيت الشفاعة ، فكمُل اجتثاثُ الشرك من القلوب بعروقه ؛ { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } .

    والجفري يُقرِّر ما يناقض هذه الآية تماما ، فتصديق عبارة الرجل ـ أيها المسلمون ـ هو تكذيبٌ لصريح كتاب الله ، تكذيب لما أنزله الله على رسولِه ـ صلى الله عليه
    وسلم ـ ، وهذا من الشرك في الربوبية ـ كما قدمت
    لكم ـ .

    والشرك ـ يا عباد الله ـ هو أعظم ذنبٍ عُصِيَ الله به ـ ، وهذا صريح السنة ، سواء كان الشرك في الربوبية ، أو الألوهية ، أو في أسماء الله وصفاته ، كما يفعل ذلك المشبِّهة ، وكذلك المعطِّلة .


    وبعد هذا :
    فإني أختم الحديث الذي طال معكم ، وأستسْمِحكم أظني أمْللْتُكُم ، لكن ليس لدينا حيلة ، والناس ـ أعني أهل السذاجة ، والغفلة ، والجهل ـ يَجوب الأرض فيهم مثلُ الجفري داعينَهم إلى الضلالة بعد الهدى ، والكفرِ بعد الإسلام ، فإنه لا بدَّ لنا من البيان ، وهذا ما أوجبَه الله ُعلينا في كتابه ، وجاءت به كذلكم سنة النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وقد قدمتُ لكم الأدلة في أول الحديث فلا داعي إلى إعادتها .


    وثانيا : بان لكم مِن الحديث الذي اجتهدنا فيه عن كشف حال الرجل ، وإبطالِ ما احتوتْه عباراتُه بالدليل ـ ولله الحمد والمنة ـ ؛ بان لكم أن الرجل مرْتكس في شرك ارتكاسًا ، ومنغمس فيه انغماسًا ، وليس هو على ما بعث الله به رسوله محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليكم من التوحيد والإسلام والسنة ، بل الرجل داعيةٌ إلى الشرْك ، وأدركْتُم جَلدَهُ ، وتفنُّنَهُ من خلال ما كشفناهُ لكم بالدليل مِن كذِبِه ، وتلبيسِه ، وحِيَلِه ، وغِشِّه ، وتدليسِه .

    والأمر الثالث :
    إني ـ وأقولها ولا أخاف في الله لومة لائم ، وأدينُ الله بذلك ـ إني أحَذِّرُ مَن يسمع حديثي من المسلمين والمسلمات ، وأطلبُهم ، وأتوسل إليهم أن يُبلِّغوا هذه النصيحة مَن لم يسْمَعها منا كِفاحًا أو مشافهة ـ لأن المئات بيننا وبينهم حجاب ـ ، أطلبُ منكم ـ بنين من المسلمين والمسلمات ـ أن تبلغوا ما سمعتم ، وهو ـ ولله الحمد ـ مبنيٌّ على الدليل القاطع ، والبرهان الساطع من كتاب ربنا وسنة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؛ فإن ذلكمْ من التعاون على البر والتقوى الذي أمرَنا الله به في آيات كثيرة ومنها : { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } .

    وأزيد فأدعو ـ خصوصًا وعمومًا ، أخصُّ وأعمُّ ـ ؛ فأخص أبناءنا وبناتنا وإخواننا وأخواتنا في دول شبه الجزيرة . ثم أزيد فأدعو أبناءنا من المسلمين والمسلمات وإخواننا وأخواتنا إلى الحذر من هذا الرجل ، وهَجْره ، والبُعْد عنه ، ومفاصلته ؛ فإن مَن والاه وأحبَّه ؛ فهو مِمَّن يوادُّ مَن حادَّ الله ورسوله ، فإن الرجل بهذه العبارات محادٌّ لله ورسولِه ، مُكذِّبٌ كتاب ربه ، وسنة نبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، سالكٌ غير سبيل المؤمنين .

    ثم أعَمِّمُ فأدعو جميع المسلمين والمسلمات إلى هذا ، حيث كانوا في أوروبا ، في أمريكا ، في أفريقيا ، في شرق آسيا ، في جميع القارات ، وأن يَعْلموا أن صلاة الرجل باطلة ـ مادام على هذا ـ ، وكذلك اعْلموا بطلان صلاة مَن صلَّى خلفه ـ سواء كان في الفروض أو الجمعة أو العيدين . فلو نُصِّب إمامًا فلا تُصَلّوا خلفه ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ ما دام أنه على هذا ـ .

    وأقولها بصراحة داعيًا العلماءَ الأخيار ، والفضلاء من الدعاة إلى الله على بصيرة ؛ أن يطلبوا من وليِّ أمر بلدٍ يقيم فيه ذلكم الرجل أن يطلبوا منهم محاكمتَه ، أن يرفعوا عليه قضية لدى المحاكم الشرعية ؛ ليقول فيه قضاة المسلمين قولهم ، ويصدروا فيه حكمَهم ، ويَسْتَتِيبُوه .
    ووالله وبالله وتالله ؛ إن لم يتب الرجل عن هذا المسلك توبة نصوحًا ، يُقلِع فيها عن هذا ، ويصلِح حاله ، يعود إلى التوحيد ـ إن كان موَحِّدا في الأصل وما أظنه كان
    موحِّدا ـ ، وأن يبين للناس التوحيد ، ويبين أنه أفسد على الناس دينهم ؛ فهو ـ والله ـ حلال الدم والمال . يَجب على وليِّ أمره ، وإمامه إن لم يتب أن يقتله . وليس لآحاد المسلمين ، لا يسوغ لفرد من أفراد المسلمين أن يعمد إلى قتله ، لا.. هذا من الفوضى ، وإنما وليُّ أمر المسلمين ، إمام المسلمين الذين يقيم بينهم الجفري ـ وأنا لا أخص بَلدًا معيَّنا ـ حيث يقيم ؛ أن يطلب أو يعمِّمَ قضاة المسلمين بِمحاكمته .

    هذا ما يسَّر الله .
    وأسأل الله الكريم ربَّ العرش العظيم أن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين ، صالحين مصلحين ، وأن يرينا وإياكم الحق حقا ويرزقنا اتباعَه ، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه وأن لا يجعله ملتبسا علينا فنضل . ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-07-31
  17. عاشق النور

    عاشق النور عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-03-24
    المشاركات:
    349
    الإعجاب :
    0
    [align=right] وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ

    وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

    أدعو إخواني من أهل السنة إلى التفكير الجاد في الرجوع إلى الإسلام الصافي المتمثل في مذهب أهل البيت عليهم السلام، الذين أمرنا النبي الأكرم (ص) بالتزام منهجهم من أجل الأمن من الضلال وذلك في حديث الثقلين الشريف، والذي من ألفاظه : (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا ؛ كتاب الله سببه بيده وسببه بأيديكم وعترتي أهل بيتي)، وهذا لفظ إسحاق بن راهويه المروي بسند صحيح حسب تصحيح غير واحد من حفاظ أهل السنة ومنهم البوصيري في (إتحاف الخيرة المهرة)، وهذا حديث صحيح صريح بوجوب اتباع أهل البيت عليهم السلام، وقد تركهم أهل السنة وتبعوا غيرهم من الفقهاء، بل تجرأ بعض علمائهم ـ وهو ابن خلدون في مقدمة تاريخه ـ فوصف أهل البيت بالشذوذ في الفقه!!!
    فأدعو إخواني أهل السنة إلى مراجعة أنفسهم، والتوبة إلى الله، وتطبيق وصية النبي (ص) في أهل بيته (ع)، وقد قال النبي (ص) ـ كما في الحديث الصحيح من ثلاثة طرق على الأقل ـ في علي بن أبي طالب (ع) : (أنت ولي كل مؤمن بعدي) كما هو لفظ الحاكم في مستدركه، فبأي حجة استحل إخواني أهل السنة مخالفة أوامر الرسول (ص)، فاختاروا لأنفسهم خليفة بحجة الشورى مع أن الله في كتابه يقول : (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)، وقد قضى الله وورسوله بإمامة أهل البيت وخلافة علي بصريح اللفظ...
    وإن كان بعض السذج ممن لا نصيب لهم في العلم قد انخدعوا فانجرفوا في هذا التيار الذي لايقضي بما قضى الله ورسوله، فقد تشيع كثير من المثقفين والجامعيين وأهل البحث والتمحيص، وقد هداني الله إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام بعد أن كنت قابعا في ظلمات مذهب إخواني الذين يسمون أنفسهم بأهل السنة، غفر الله لهم وهداهم إلى الصراط السوي...
    وفي موقع (مركز الأبحاث العقائدية) قائمة كبيرة بأسماء وهويات الإخوة الذين هداهم الله إلى التشيع...
    والسلام على من اتبع الهدى
    (جزء من المقال مقتبس)
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2005-07-31
  19. ابوعاهد

    ابوعاهد عبدالله حسين السوادي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-11-28
    المشاركات:
    10,212
    الإعجاب :
    15
    ابو هاشم

    سؤال ربما خارج عنالموضوع بعض الشئ

    هل هذه الصورة التي ارفقتها صورة الشيخ بلقائد

    رحمه الله ؟ ام انها لشيخ اخر

    وجزاك الله خير الجزاء على موضوعك عن الداعية الاسلامي

    السيد علي الجفري

    فهو انعكاسات النور المحمدي على الزمان واهله

    رفع الله شأنه واعلى مكانته ومكانه

    وادامه ذخراً للمسليمن

    وهداية للضالين

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة