من هو محمد المسعري !!!؟

الكاتب : البلق الأوسط   المشاهدات : 1,697   الردود : 1    ‏2005-07-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-07-29
  1. البلق الأوسط

    البلق الأوسط عضو

    التسجيل :
    ‏2003-01-13
    المشاركات:
    91
    الإعجاب :
    0
    الأستاذ الدكتور/محمد بن عبدالله المسعري
    أمين عام تنظيم التجديد الإسلامي

    والناطق الرسمي له

    (سيرة ذاتية مختصرة)


    ولد محمد بن عبدالله المسعري بعد صلاة الجمعة يوم 15/12/1365هـ، الموافق 8/11/1946م، منصرف الناس من حج ذلك العام، في مكة المكرمة، زادها الله تشريفاً، على خطوات من بيت الله الحرام في حي أجياد. كانت الولادة في بيت علم، وفضل، وصدع بكلمة الحق:

    v فوالده سماحة الشيخ عبد الله بن سليمان بن عبد الرحمن المسعري، من فخذ الفصاصمة من آل أبي الحسن، وهو بطن الرئاسة والمشيخة في قبيلة الدواسر القوية المرهوبة الجانب (الدواسر هو الإسم العصري لبقايا قبيلة همدان المشهورة في الجاهلية، وهي نفس القبيلة القوية التي أسلمت على يد إمام الهدى علي بن أبي طالب، رضوان الله وسلامه عليه، سلماً بعد الاصطفاف للقتال، ثم التحول إلى المناظرة، فالقناعة، فالهداية، ولله الحمد والمنة. وإلى همدان ينتمي ذلك الرجل الذي عرض على رسول الله الخاتم محمد بن عبدالله، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، النصرة والمنعة، وطلب مهلة للتأكد من موافقة قومه على ذلك فوافقه نبي الله الخاتم، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، على ذلك، ولكن قدر الله كان سابقاً فقذ جاءت الأوس والخزرج، وبايعت ونصرت، وسبقت سبقاً عظيماًً، فلله الأمر من قبل ومن بعد).

    ولد سماحة الشيخ عبدالله بن سليمان المسعري بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة (1918م تقريباً) في قرية «حوطة بني تميم» على بعد مائة وخمسين كيلاً جنوب مدينة الرياض، في صميم العمق النجدي، واتجه منذ صغره إلى طلب العلم أسوة بجده عبدالرحمن الذي كان من حفاظ كتاب الله، وطلاب العلم، وله خط واضح جميل، كما هو ثابت من العديد من المخطوطات التي كتبها بيده، وما زال بعضها في خزائن آل الشيخ بالرياض.

    حفظ عبدالله الفتى كتاب الله قبل البلوغ، ثم شد الرحال إلى مدينة الرياض، مركز العلوم والمعارف الشرعية في نجد آنذاك. التحق الشاب الصغير بحلقة شيخ مشايخ ذلك الزمن الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، مفتي الديار السعودية، رحمه الله. سرعان ما برز الفتى وأصبح محضر الدرس عند الشيح محمد بن إبراهيم (الذي كان ضريراً)، ومن أبرز طلاب الحلقة، لا ينافسه إلا الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، الذي أصبح مفتي الديار السعودية بعد ذلك، رحمه الله، والشيخ عبدالله بن حميد، رحمه الله، الذي أصبح رئيساً للقضاة، بعد ذلك بزمن. كما كان الشيخ عبدالله المسعري يحضر لهما، ويقرأ لهما، لكونهما ضريرين كذلك. وكان الشيخ عبدالله المسعري متفوقاً على الجميع في علوم العربية، خصوصاً النحو والإعراب.

    تخرج الشيخ عبدالله المسعري، أوائل الأربعينات الميلادية، من حلق الدرس التقليدية تلك في نفس الوقت الذي تخرج فيه الشيخ بن باز، وكانت بينهما صحبة قوية. وعندما عيِّن ابن باز قاضيا في مدينة الخرج، ثمانين كيلاً جنوب الرياض، أصر هذا على حاجته لعبدالله المسعري ليكون قاضياً مساعداً،وجعل ذلك شرطاً لقبوله، ولكن الشيخ محمد بن إبراهيم لم يوافق إلا مكرهاً، لشدة حاجته إلى عبدالله في حلقته، مع شدة حاجته، في نفس الوقت، إلى القضاة المؤهلين في تلك الأزمنه.

    ولكن عبدالله المسعري، الذي منحه الله عقلية نقدية، لم يكن مقتنعاً بأن دراسته تلك كافية أو مرضية، ولا بأن الحياة في نجد هي الحياة المثالية، فصار يتطلع إلى الرحلة إلى الحجاز حيث العلماء الكبار الوافدين من الهند، وشنقيط (موريتانيا)، ومصر والشام. حيث العلم الغزير وسعة الأفق المفقودة في نجد المتخلفة والمنعزلة عن العالم آنذاك. بالفعل توجه الشاب إلى الحجاز إبان الحرب العالمية الثانية والتحق أولاً بحلقة رئيس القضاة آنذاك: الشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ، رحمه الله، الذي اعترف للفتى الشاب أنه رجل إدارة وقضاء أكثر من كونه رجل علم وفتيا؛ وبعد محاورة وامتحان قصير قال له: لا يوجد ما يمكن أن تتعلمه مني (أو: أنت اعلم مني يا بني! أو نحو ذلك)، وأجلسه ليفتي الناس في أيام الحج. وربما اعترض بعض الحجيج على سن المفتي الشاب، أو على فتواه، فرجعوا إلى الشيخ عبدالله بن حسن، الذي كان كذلك إماماً للحرم، وإماماً في مساجد الحج، فيقول لهم الشيخ: بماذا أفتى عبدالله، فيقولون بكذا وكذا، فيجيبهم: «وهذه هي عين فتواي، لا غير!»، وربما قال: «ما أفتاكم به عبدالله هو فتواي»، حتى من غير سؤال عن محتوى الفتوى نفسها. وفي أثناء هذه المدة التحق المسعري الشاب بحلقات الدرس المختلفة في الحرم، وسمع من المشايخ الزائرين في الحج لبيت الله الحرام كالشيخ البيطار، وغيره من شيوخ الشام، ولكن مواظبته الرئيسية كانت عند سماحة الشيخ محمد بن عبدالزاق حمزة، مؤسس دار الحديث بمكة المكرمة، وإمام الحرمين: المدني والمكي. وما هي إلا سنوات قليلة فإذا بالشاب يطلب يد ابنة أستاذه: السيدة خديجة بنت محمد بن عبدالزراق حمزة، ويتم الزواج المبارك، ويرزق الشابان ببكرهما: محمد بن عبدالله المسعري (المترجم له هاهنا في هذه الوريقة!).

    وما لبث الشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ أن أرغمه على قبول قضاء الظفير، في منطقة الباحة (بلاد غامد، وزهران، ودوس، وغيرهم من الأزد)، بالرغم من اعتذار عبدالله المسعري الشاب، لمعرفته بأنه حديد الطبع، شديد على الخصوم. لبث الشيخ عبدالله المسعري عاما أو عامين في الظفير ثم عاد إلى مكة والطائف أستاذاً في دار التوحيد التي أسست في الطائف آنذاك، ورئيساً لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنطقة الطائف، وإماما لمسجد ابن عباس ومسجد الهادي المشهورة هناك. وكان الشاب عبدالله المسعري أحد المتكلمين بانتظام في حفلات دار التوحيد ومناسباتها، حيث استمع له، أكثر من مرة، فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، الذي كان نائباً لأبيه الملك عبدالعزيز في الحجاز آنذاك، فعرض عليه الابتعاث إلى مصر للدراسة المنتظمة في الأزهر الشريف وغيره، فقبل عبدالله بحماس آملا في الاستزادة من المعرفة والاطلاع على أفكار وآفاق جديدة.

    لبث عبدالله المسعري في القاهرة، حرسها الله، ست سنوات خصبة، إن لم يكن بالدراسة المنتظمة، فبالاحتكاك مع المفكرين، والدعاة، والناشطين الإسلاميين، خصوصاً رجالات «الإخوان المسلمون». حصل عبدالله المسعري في هذه المدة على الليسانس (البكالوريوس) في أصول الدين، والماجستير في آداب اللغة العربية، وبدأ يفكر جدياً في التوجه إلى پاريس للحصول على الدكتوراه من السوربون، ولكن فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، الذي كان آنذاك ولياً للعهد، ورئيساً لمجلس الوزراء بالسعودية، أصر على عودته أوائل عام 1376هـ، الموافق 1956م، ليكون نائباً لرئيس ديوان المظالم، الذي كان تحت التأسيس آنذاك، وكان رئيسه (رئاسة صورية) عم فيصل الأمير مساعد بن عبدالرحمن آل سعود، مع كون الرئيس الفعال القائم بالعمل حقيقةً هو الشيخ عبدالله بن سليمان المسعري. وبعد استقالة وزارة فيصل في 1381هـ، الموافق 1961م، عين الملك سعود بن عبدالعزيز الشيخ عبدالله بن سليمان المسعري رئيساً لديوان المظالم، وأقره فيصل عندما أصبح ملكاً، وبقي الشيخ رئيساً للديوان حتى إحالته على التقاعد عام 1395هـ، الموافق 1975م، بعد تولي خالد بن عبدالعزيز للملك.

    وقد حصلت لديوان المظالم هذا، بوصفه، نظرياً على الأقل، المحكمة الدستورية والإدارية العليا، مواجهات عديدة مع فيصل وسعود ثم فيصل مرة أخرى، وقف فيها الديوان بحزم بجانب الحكم الشرعي، وكان بعض تلك المواجهات أيام رئاسة الأمير مساعد بن عبدالرحمن، رحمه الله، أثبت فيها رئيس الديوان أنه يؤمن باستقلالية القضاء وسيادة الشرع. إلا أن الديوان ابتلي بعد مغادرة الشيخ عبدالله المسعري برؤساء ضعاف انحط في عهدهم الديوان عن مكانته النظرية المنشودة، ولا يزال الديوان هزيلاً ضعيفاً حتى هذه الساعة.

    ولا يزال سماحة الشيخ عبدالله بن سليمان المسعري حياً عند كتابة هذه السطور، مشاركاً في جهود الإصلاح، كما هو مفصل في غير هذا الموضع.

    v أما سماحة الشيخ محمد بن عبدالرزاق حمزة، وهو جد المترجم له لأمه، فهو من مواليد كفور «عامر ورضوان»، الواقعة على بعد ثمان كيلومترات إلى الشمال من بنها عاصمة محافظة القليوبية، على الطريق منها إلى المنصورة، بمصر، أرض الكنانة، في أواخر القرن الميلادي المنصرم، ويعود نسبه إلى الإمام أمير المؤمنين الحسن بن علي بن أبي طالب، رضوان الله وسلامه عليه.

    اتجه الشيخ محمد بن عبدالرزاق حمزة مبكراً إلى حفظ القرآن وطلب العلم خصوصاً علوم الحديث الشريف. وله مع ذلك مشاركة جمة في علوم الرياضيات، والفلك، والصيدلانيات. وقد أدخل مرصداً فلكياً، هو أول مرصد يدخل مكة في العصر الحديث، ونصبه فوق جبل أبي قبيس، ولكنه فككه وخزَّنه بناء على إلحاح الملك عبدالعزيز الذي استسلم لضغوط المشيخة النجدية واعتراضها على المرصد خوفاً من وقوعه تحت «التنجيم»، و«السحر»!!

    زار الشيخ، مع مجموعة من العلماء الأزهريين، الحجاز بعد احتلال الملك عبدالعزيز لها في العشرينيات لهذا القرن الميلادي، وكان كغيره من علماء تلك الحقبة يحسن الظن بعبدالعزيز الذي نجح في التستر التام على علاقته بالإنجليز، وتوليه لهم، ومشاركته في هدم الخلافة. رحب عبدالعزيز بالشيخ، وبغيره من مشايخ المسلمين الزائرين، وشجعهم على الهجرة إلى «السعودية»، لحاجة «الدولة الإسلامية» الناشئة لعلمهم وفضلهم. وبالفعل هاجر الشيخ بعد سنوات قليلة، وغيره من المشايخ كثير، واستوطنوا بلاد الحرمين. وكان عبدالعزيز بدهائه وفطنته يدرك شدة حاجته لهم لإكساب دولته شرعية في العالم الإسلامي، ولتجاوز النقص الخطير في العلماء والخبراء والمؤهلين في شتى مجالات المعرفة. لذلك تعامل عبدالعزيز في الجملة مع ذلك الجيل من العلماء، والمثقفين، والخبراء «المهاجرين» تعاملاً جيداً كريماً، وكانت مكاسبه لذلك جمة كبيرة، وقد شابهه ابنه فيصل في هذا المسلك، على النقيض من الجيل التالي لآل سعود البلهاء الذين استعاضوا عن العلماء والفقهاء والمفكرين والخبراء بالجنود والمجندات الأمريكان!

    لقي الشيخ كما أسلفنا إكراماً وترحيباً فأصبح إماماً للحرم المدني ثم المكي، ومؤسساً ورئيساً لدار الحديث المكية، ولكن صدعه بكلمة الحق كان مؤدياً، لا محالة، لتعريضه للأذى، الذي كان محدوداً بسبب دهاء عبدالعزيز وفطنته. وفي يوم من الأيام انتقد الشيخ أوضاع «الرقيق» غير الشرعية في السعودية آنذاك، وأكد أن هؤلاء «العبيد» ما هم إلا ضحايا للسرقة والاختطاف، وليسوا سبايا حرب شرعية؛ ومن ثم فإن تملكهم، والتسري بالإناث منهن، غير مشروع! ثار أبناء عبدالعزيز، وأكثرهم أبناء «سريات»، واتهما الشيخ أنه يطعن في شرعية نسبهم، مما دفع عبدالعزيز لمطالبة الشيخ بالتوقف عن الخطابة في المسجد الحرام، بدعوى الحرص على سلامة الشيخ! وامتنع الشيخ عن الخطابة ورفض أن يعود لها بعد ذلك أبداً، وتفرغ للتدريس في «دار الحديث»، وحلقات الدرس في المسجد الحرام، وفي بيته، كما أقبل على العبادة، ولعله من أعبد أهل زمانه، حتى انتقل إلى جوار ربه في 1393هـ، الموافق 1973م، فرحمه الله رحمة واسعة.

    v وفي قرابات الدكتور محمد بن عبدالله المسعري العديد غير هؤلاء من العلماء والأدباء من أمثال الشيخ أحمد علي أسد الله الكاظمي، عميد كلية التربية المؤسس بمكة المكرمة، وهو أديب رحالة، له مصنفات، وهو زوج خالة المترجم له؛ وهناك كذلك الشيخ عبدالله بن عبدالغني خياط، إمام الحرم وعضو هيئة كبار العلماء، وهو كذلك قاريء مشهور له تسجيلات للمصحف المرتل تذاع دورياً في إذاعات القرآن الكريم، وهو زوج خالة أخرى للمترجم له، رحمهم الله جميعاً.

    v أما الدكتور محمد المسعري فقد نشأ في تلك الأجواء العلمية نشأة إسلامية متفتحة، فقد درس السنوات الابتدائية الثلاث الأولي في مصر، عندما كان والده يدرس في الأزهر الشريف، ثم معهد الدراسات العليا التابع لجامعة الدول العربية، والسنة الرابعة الابتدائية في مدينة جدة، والسنوات التالية: الخامسة والسادسة الابتدائية، وبقية سنوات الدراسة المتوسطة والثانوية في الرياض حيث كان من الطلبة المتفوقين الأوائل دوماً.

    هذا التقلب في مختلف البلدان والمدن حرره من ضيق الأفق القبلي والإقليمي، وجعل تطلعه عالمياً منذ الطفولة الباكرة. كما كانت دراسته المتوسطة والثانوية في «معهد أنجال الملك سعود»، وهو مدرسة جيدة حظيت بخيرة الأساتذة وبمدير شديد حازم، كانت فرصة للتعرف على صغار أفراد الأسرة المالكة وسماع قصصهم وأخبارهم المنزلية «الخاصة» ما جعله يدرك أن تلك الأسرة ليس فيها «رجل رشيد»، ولن تجلب إلا البلاء والهزيمة للأمة الإسلامية!

    ولكن الأهم من ذلك بالنسبة لتلك الفترة هو إقباله على التهام الكتب في مكتبة والده الغنية: من الروايات وكتب الأدب كالأغاني، والعقد الفريد إلى كتب الأصول والعقائد، بل وبعض العناوين الفلسفية والمصنفات الكلامية. وقد مكنته المعانات الفكرية من إعادة بناء عالمه الفكري على الأصول والمقدمات الأساسية اليقينية رافضاً كل ما لم يقم عليه برهان. وقد أدرك وهو فتى صغير أن العقيدة الإسلامية عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام، وأنها تقوم على الحجة والبرهان، لا على التسليم العاطفي، أو الفرضيات الخرافية. ومن الجدير بالذكر أنه التهم مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية فور صدور طبعتها الأولى صيف عام 1383هـ، الموافق 1963م، ولقد قرأ المجموعة بكاملهاعدة مرات أثناء العطلة الصيفية لذلك العام نفسه، عام تخرجه بالثانوية العامة، فلعله الإنسان الوحيد الذي قرأها كاملة في شهر صدورها الأول. ولا يزال يعيد قرائتها بطريق نقدية، وله عليها شروح، وهوامش، وانتقادات واسعة، وهو يفكر بتصنيف كتاب نقدي اسمه: (قراءات نقدية في فكر شيخ الإسلام ابن تيمية)!

    وبطبيعة الحال كانت تلك الأيام مشحونة بالأحداث السياسية على كل المستويات: العدوان الثلاثي على مصر الكنانة، استفحال الخطر الإسرائيلي، ثورة العراق ومحاكمات المهداوي المنقولة بالمذياع، ثورة اليمن، الصراع السعودي المصري حول اليمن، صراع فيصل وسعود على الملك، إنقلابات عسكرية هنا وهناك، أزمة كوبا، التسابق على غزو الفضاء والتفوق النووي بين الدول العظمى، ... إلخ، إلخ.

    كان محمد المسعري الفتي يستمع إلى مناقشات زوار أبيه، ورجالات الأسرة، والزملاء في المدرسة، والناس في المجتمع عامة حول الأحداث. ويسمع لأول مرة عن علاقات عبدالعزيز المشبوهة بالإنجليز، وعلاقات عبدالناصر المشبوهة بالأمريكان ثم الروس، وفظائعه في حق «الإخوان المسلمين» خاصة، وأحرار مصر عامة: كل ذلك وغيره جعله عميق الشك في الحكام، شديد النقد لهم، فاقداً للثقة في فقهائهم وصحفييهم.

    بعد التخرج بتفوق من الثانوية العامة، وهو ابن سبعة عشر عاماً، حصل محمد المسعري على بعثة لدراسة الطب في ألمانيا، وسرعان ما شد الرحال إلى ألمانيا فوصل إليها في شهر أكتوبر 1963م، ليبدأ مرحلة في غاية الأهمية من تكوينه الفكري ونضوج شخصيته على مدار أثني عشرة سنة، حتى أوائل عام 1976م، كانت كلها في مدينة كولونيا باستثناء الأشهر الستة الأولى منها.

    بعد دراسة اللغة الألمانية والتمكن منها، وعام دراسة تمهيدي لاستكمال متطلبات الثانوية الألمانية وشروط دخول الجامعة، دخل المسعري الشاب كلية الطب، ولكنه سرعان ما تركها في عامه الأول مفضلاً للفيزياء، الرياضيات عليها، وذلك بالإضافة إلى دراسات جانبية في العلوم الفلسفية والسياسية. والجدير بالذكر أنه أكمل جميع مراحل الدراسة الجامعية والعليا في جامعة كولونيا (البكالوريوس، والماجستير، والدكتوراه) بامتياز وتفوق. ولكن الأهم من الدرجات والإجازات الدراسية كانت المعانات النفسية، والفكرية، والسياسية.

    المعانات النفسية من وحشة الغربة والشعور بالانتماء إلى أمة كانت عزيزة مرهوبة الجانب ثم سقطت عن مكانتها الائقة بها وأصبحت منهبة للأمم، وسخرية للساخرين، مما جعله يشعر بالغربة الشديدة والمرارة البالغة الدائمة التي ضاعفتها هزائم العرب أمام إسرائيل في 1967م و1973م (التي نجح الدجل الإعلامي في تحويلها إلى نصر، مع كونها أقبح أثراً من هزيمة 1967م!)، وأمام الهنادكة إبان تقسيم پاكستان، إلخ، إلخ.

    والمعانات الفكرية بالدخول في صراع فكري، وجدل دائم حول الإسلام: هل هو حق من عند الله؟ وبحمد الله تبين للشاب أن ادعائات الغرب الضخمة عن تفوقه الفكري ما هي إلا أكذوبة ضخمة. نعم، هناك يقظة ونشاط فكري، ولكن الغرب لا يزال يتخبط في ظلمات الظن والتخمين: فديانته الصورية، وهي نصرانية المجامع الكنسية، لا تقوم على العقل وتطالب أتباعها بالتسليم وترك العقل جانباً، وديانته الحقيقية، وهي العلمانية الرأسمالية، تقوم على الحل الوسط وتهرب من مشكلة معتى الوجود الإنساني، بتركه للفرد يتبنى فيه ما يشاء، فلا فرق عندها بين عبادة الله أو عبادة الشيطان، بل ليس لـ«العبادة» معنى محدداً عندها، فلا فرق بين الدين، والسحر، والكهانة، والخرافة!! وقد أدت تلك المعانات إلى ترسيخ قناعة المسعري الشاب بصحة الإسلام وأنه من عند الله، وخرج منتصراً، بفضل الله ومنته، من كل مناظرة فكرية مع أقرانه في الجامعة، بدون اسثناء.

    أما المعانات السياسية فتتلخص في سؤال واحد: ما هي كيفية النهوض بالأمة. هذا سؤال سياسي لأن الأمم لا تنهض إلا بقيادة سياسية رشيدة توجه كل طاقاتها إلى طريق النهضة. وكان الجدل يدور في الأوساط الطلابية العربة والإسلامية حول القضية الفلسطينية، والقومية العربية، والإشتراكية العالمية، ولكن المسعري الشاب كان يصر على أن الأمة الإسلامية، والشعب العربي هو أحد شعوبها، لا يمكن أن تنهض إلا بالإسلام لأنه هو مصيرها وقدرها: إما الإسلام وإما الفناء. وقد أظهرت الأيام صدق ذلك ولو جزئياً، فالقومية العربية أفلست، وكذلك الإشتراكية العالمية، وبدأ التحرك الإسلامي يتنامى، والجهاد الإسلامي يعود، ولو على استحياء هنا وهناك.

    ولكن السؤال عن التحرك الإسلامي كيف يكون؟! لم يتضح ويستقر بعد حتى كتابة هذه السطور، ولكن التحرك في ذلك الاتجاه فريضة لازمة على كل مسلم واع، كل حسب ظروف عصره، وحدود معرفته. لقد وصل المسعري الشاب في منتصف مدة إقامته في ألمانيا (حوالي 1969م) إلى قناعة بفشل الطريق المشيخية التقليدية في سبيل النهضة، وهو فشل ثابت منذ أواخر عهد الصحابة حتى جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، فلا بد من التحرك الجماهيري الواسع، ولا بد من التنظيم الحزبي الجيد (الحركة العباسية كمثال ناجح في التاريخ الإسلامي، وحركة ماو-تسي-دونج في العصر الحاضر؟!).

    ولكن ماهي الحركة المعاصرة الجديرة بالقيام بهذة المهمة؟! هناك حركات كبيرة كحركة «الإخوان المسلمون»، و«الجماعة الإسلامية» في شبه القارة الهندية، ولكنها تفتقد البرنامج التفصيلي، بل وتتهرب منه، وتقيم علاقات مع نظام آل سعود، الذي يعرفه محمد المسعري الشاب جيداً، وربما صنفته نظاماً «إسلامياً»، وهذه زلَّة ضخمة، أو خيانة صريحة في نظر المسعري الشاب: فأنَّى لنظام آل سعود، القمعي النتن، والظلامي المتخلف، والطائفي المنغلق، أن يكون إسلامياً؟! لم يكن آنذاك من يصدع بكلمة الحق، ويصنف نظام آل سعود بأنه، كما هو حقيقته، نظام كفر يتولَّى الكفار ويحارب الإسلام، لم يكن هناك سوى «حزب التحرير»، مع تملكه لبرنامج تفصيلي ومشروع دستور إسلامي ملفت للنظر يصلح نقطة انطلاق جيدة على أقل تقدير. لذلك لم يكن أمام المسعري الشاب إما أن يعيد اختراع العجلة وإنشاء حركة جديدة، وهو أمر أقرب للاستحالة لصغر السن، ونقص الخبرة، وقلة البضاعة في الفقه آنذاك، أو الانضمام لأعدل الأحزاب القائمة: أي الانضمام لـ«حزب التحرير»، أو التهرب من المسؤولية وانتظار «المهدي المنتظر»، كما يدجل أدعياء «السلفية»، خدمة لأسيادهم من الحكام الكفرة والظلمة، شعروا بذلك أم لم يشعروا.

    انضم محمد المسعري الشاب لـ«حزب التحرير» وأقبل على هضم ثقافته، ومناقشة تبنياته، والعمل على تنقيحها، وتوسعتها، وتهذيبها، مع طرح الضعيف من الأقوال والاستدلالات جاعلاً ذلك مهمته الرئيسة، مع المشاركة في الأعمال الدعوية والأنشطة الحزبية الأخرى، بالرغم من كون تلك الفترة فترة انحسار عام للعمل الإسلامي الذي لم يعد مسموع الصوت مرة أخرى إلا بعد أواسط السبعينيات. كان العمل مقصوراً بطبيعة الحال على الأوساط الطلابية في الغربة (في ألمانيا وبريطانيا)، أما الجزيرة العربية (ما يسمَّى بالسعودية) فكانت ترزح تحت واحد من أشد الأنظمة ظلامية وقمعاً، ألا وهو نظام فيصل بن عبدالعزيز، المتمسح بالإسلام، مع علاقته السرية الوثيقة بالخائن الكبير«حسين بن أبيه» الأردني، وإسرائيل.

    تخرج محمد المسعري أوائل عام 1396 هـ، الموافق 1976 م من جامعة كولونيا بدكتوراه متميزة في الفيزياء النظرية وعاد فوراً إلي الرياض ملتحقاً بجامعتها مدرساً، فأستاذاً مساعدا، فأستاذا مشاركاً، فأستاذاً للفيزياء النظرية والرياضية، وبقي عضواً في هيئتها التدريسية حتى تم فصله بأمر «ملكي» كردة فعل على تأسيس «لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية» في عام 1413هـ، الموافق 1993م.

    كانت البلاد تمر آنذاك في طفرة اقتصادية بعد ارتفاع أسعار النفط في 1974م وأقبل الناس إقبالاً جنونياً على الأمور المادية، والمضاربات العقارية، وإنشاء المساكن الفاخرة، والتسابق في الأشكال المدنية الجوفاء. ولم يكن حال الدولة أحسن من ذلك، فآل سعود. المتخلفون فكرياً وحضارياً، أعجز من تكوين رؤية ارتقاء حضاري تحوِّل الثرة الطارئة إلى ثروة دائمة، أي إلى علوم، ومعارف، ومهارات، وصناعات. ولقد ضاعت أكثر تلك الثروة في مشاريع جوفاء تستهلك الثروة، ولا تنتجها، وتضيع الموارد ولا تنميها.

    أدرك الدكتور محمد المسعري، الأستاذ الجامعي الشاب، أن الأجواء المهوسة تلك لا تصلح لحمل دعوة، ولا ارتقاء فكر، وأنه لا بد من الانتظار حتى تنفجر «الفقاعة»، وتنتهي الطفرة، فأقبل على الأعمال الأكاديمية، على أمل الارتقاء بالجامعة إلى مستوى الجامعات الراقية في العالم على أقل تقدير، لا سيما وأن مديرها آنذاك الأستاذ الدكتور عبدالعزيز الفدَّا، كان من رجالات الفكر المتميزين، وله رؤية حضاية راقية، واتجاه إسلامي راسخ.

    ولكن للأسف الشديد لم تدم الفرحة، ولم تتحقق الآمال فقد استبعد عبدالعزيز الفدَّا قبيل «حادثة الحرم»، في الأيام الأخيرة من 1399هـ، لأسباب سياسية واستبدل برجل «طيب»، ولكنه سطحيّ للغاية، لا يصلح لإدارة تلك المؤسسة الضخمة، مع إفلاسه التام في الجوانب الفكرية، وفقدانه للرؤية الحضارية. وبدأ انحدار الجامعة، ولا عجب فالمجتمع كله في انحدار، ولا عجب من انحدار المجتمع بكامله، كيف لا وآل سعود المنافقون الظلاميون المتخلفون يمسكون بدفته، ويحتكرون قيادته؟! وفي نفس الوقت كانت «فقاعة الطفرة» آخذة في الانكماش السريع، ولكن عامة الناس ما زالوا في غيهم ينتظرون عودة «الطفرة»، ويأملون في الثراء السريع، بل ما زال قلة من الحمقى يحلم بطفرة أخرى حتى ساعة كتابة السطور. أما حادثة الحرم التي قادها جهيمان العتيبي، سامحه الله، فقد كانت حركة معزولة عن الجماهير، ولا تزيد عن كونها حركة «رفض واحتجاج»، لا برنامج لها، كما أنها تفتقد الرؤية الحضارية، والوعي الكامل الصحيح على الإسلام ونظامه، وقد انتهى أمرها بإعدام القائمين عليها، فام تترك أثراً يذكر، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    أدرك المسعري أنه لا بديل من الإقبال، مؤقتاً، على خاصة أمره فركز على الأبحاث التي أدت إلى ترقيته إلى الأستاذية المشاركة، في 1401هـ، الموافق 1981م، والتقدم للأستاذية الكاملة في 1404هـ، الموافق 1984م. وفي هذه الفترة حصل على عام تفرغ علمي 1401/1402 (1981/1982) قضاه في جامعة كاليفورنيا (بيركلي) ومعهد لورانس بيركلي. كان عام التفرغ هذا فرصة جيدة للاحتكاك بالأوساط الإسلامية الناشئة في أمريكا، لا سيما أن الثورة الإيرانية، وبداية الجهاد الأفغاني كانت موضع الدراسة والمناظرة في تلك الأيام؛ وكان العالم الإسلامي كله يتحسس طريقه آنذاك. كانت الأجواء في أمريكا متفتحة، تتميز بالنقد والإبداع، مما كان له أثر كبير علي الأستاذ الشاب.

    وبعد عام التفرغ والعودة إلى الرياض كانت الأوضاع، أوضاع الجامعة وأوضاع المجتمع، في أوائل سنة 1403هـ، الموافقة 1983م، على ما هي عليه من الجمود، بل الانحدار والتراجع. لذلك، ولكون الأجواء الدعوية والفكرية أفضل بكثير في أمريكا، سعي محمد المسعري حثيثاً إلى «الهجرة»، ولتكن «هجرة مؤقتة» لسنوات معدودة، إلى أمريكا، فلعلها فرصة لتغيير الأمور عن بعد بطريق العمل في الأوساط الطلابية والاستفادة من هامش الحرية المتاح في أمريكا، وهي فرصة كذلك للتفاعل مع العمل الإسلامي في أمريكا ودفعه إلى الأمام. وحصل الأستاذ الشاب على عرض للأستاذية من جامعة «مين» وفاتح بذلك وزير التعليم العالي الشيح حسن بن عبدالله آل الشيخ، وهو من تلاميذ سماحة الشيخ عبدالله المسعري، وتربطه كذلك بالدكتور المسعري علاقة خاصة. لكن الوزير اعترض واستفظع أن «يهاجر» أستاذ جامعي «سعودي» من بلده ساخطاً على أوضاعها، واقترح تولي إدارة أحد المكاتب التعليمية الفرعية التي كانت تحت الإنشاء آنذاك في أمريكا. وبالفعل لم تمض أشهر قليلة حتى سافر الدكتور المسعري منتدباً من الجامعة إلى وزارة التعليم العالي في الأول من رجب 1404هـ، الموافق أبريل 1984م، إلى مدينة دنفر بولاية كولورادو لتأسيس المكتب التعليمي الفرعي بها.

    وتم تأسيس المكتب، وتعيين جهازه ومباشرة أعماله في خدمة حوالي 1200 طالب «سعودي» في شتى مراحل التعليم الجامعي والعالي. كانت هذه الفترة حافلة بالنشاط الإسلامي والاتصالات بالعاملين في ذلك المجال، وإنشاء علاقات وثيقة ما زال أكثرها قائماً حتى الآن، بالإضافة إلى أن مكتب دنفر أصبح أفضل المكاتب الفرعية في أمريكا على الإطلاق، بل ومن أحسن المكاتب التعليمية «السعودية» سمعةً في العالم، حيث كان الطلبة يسعون جاهدين للانتقال إلى منطقة مكتب دنفر هروباً من المعاملة السيئة في المناطق الأخرى وأملاً في التمتع بخدمة ممتازة ومعاملة جيدة، حتى أن أحدهم، وهو عسكري عالي الرتبة كان يدرس هناك قال للدكتور المسعري بعد سنوات عديدة عندما التقيا في الرياض: «لقد تركتنا كالأيتام على مائدة اللئام!».

    ولكن يظهر أن سفارة آل سعود، وعلى رأسها الأمير بندر بن سلطان، العميل الأمريكي الصهيوني، لم تكن راضية بذلك الإنجاز وتلك السمعة الطيبة فسعت لافتعال المشاكل، وتلفيق التهم، حتى تم إنهاء ندب الدكتور محمد المسعري إلى وزارة التعليم العالي، في أواخر 1406هـ، الموافق أواسط 1986م، فترك إدارة المكتب وعاد إلى عمله الأصلي في جامعة الملك سعود بالرياض.

    قبل عودة الدكتور المسعري إلى الرياض كانت هناك تطورات وأحداث مهمة خلال السنوات من سنة 1404هـ (الموافقة 1984م) إلى سنة 1407هـ (الموافقة 1987م) من أهمهاً: ظهور فشل نظام صدام في العراق، وحلفائه الخليجيين، في القضاء على الثورة الإيرانية، وتوسلهم لدى شتى الجهات المحلية والدولية، الإسلامية وغيرها، للوساطة لإنهاء تلك الحرب المدمرة الخاسرة. ومنها: انهيار السوق البترولية على رؤوس العابثين بها من آل سعود مما اضطر هؤلاء إلى استنزاف احتياطي الدولة الضخم. ومنها: انهيار السوق العقارية في جزيرة العرب حيث فقدت العقارات، في المتوسط. حوالي 60%-70% من قيمها، مما دفع آلاف الموسسات والأفراد إلى الإفلاس، وانتشر السخط والشعور بالمرارة في جميع الأوساط حتى أصبح «***» فهد بن عبدالعزيز ووصفه بـ«الشؤم» حديث المجالس والمجتمعات. ومنها ظهور الجهاد الأفغاني وبوادر نصره وانتشار الروح الجهادية، واللغة الجهادية، في أنحاء العالم الإسلامي.

    ومن الأحداث المهمة التي لم يلحظها كثير من المراقبين: تأسيس مهرجان «الجنادرية»، الذي كان في أول أمره مجرد سباق للإبل الهجن العربية والسودانية، ومعرض للفنون الشعبية، ثم تطور إلى منتدى فكري وملتقى ثقافي، تحت رعاية عبدالله بن عبدالعزيز، ولي العهد السعودي، ورئيس الحرس الوطني، الأعرابي المتخلف الجافي، الذي أراد أن يضفي على نفسه صبغة «حضارية» و«فكرية»، لعله يكسب بعض التمكين عند النخب المثقفة المحلية والعربية في صراع الأجنحة داخل آل سعود. غير أن الجنادرية تحولت ضرورة إلى زلزال «فكري» هز المستنقع الآسن المسمى بـ«السعودية»، ولعل مستقبل الأيام تظهر أنه كان من العوامل المهمة في القضاء على نظام آل سعود المهترئ «الشيطاني» العفن.

    شارك الدكتور محمد المسعري في الأجواء الفكرية الجديدة تلك بالمحاضرات، والمنتديات، وفي جلسات الجنادرية، كما رأس بعض ندواتها، كما عاد إلى العمل الساسي والحزبي، الذي كان بالضرورة سرياً. لقد أصبح من الواضح أن المجتمع في جزيرة العرب وصل إلى درجة من النضج وانتشار التعليم والثقافة ما يمكنه من التعامل جدياً مع العمل السياسي الحركي، الذي كان أشبه بالمستحيل فيما مضى من الأزمنة. واستمر الحال على هذا عدة سنوات حتى وقعت الطامة الكبرى: دخول صدام حسين الكويت واستدعاء القوات الأمريكية.

    نعم، دخل الجيش العراقي الكويت، ولم يكن هناك خطر حقيقي على عرش آل سعود، ولكن فهد بن عبدالعزيز فزع وانخلع فؤاده، وبعد أن عجز عدة أيام حتى عن ذكر الخبر في وسائل إعلامه، بل وعن إصدار أي بيان حول الحدث الجلل، انهار تماماً وظهر في التلفاز، وقد شاخ فجأة أكثر من عشرين عاماً، وأعلن عن الاستعانة بقوات «شقيقة» و«صديقة». أما الشقيقة، أي العربية والإسلامية، فليس لها وجود حقيقي وما ذكرها إلا للتغطية، وأما «الصديقة» فهي جحافل القوات الأمريكية التي تحتل منذ تلك الساعة جزيرة العرب، لتعز من أذل الله، وتذل من أعز الله. وانفضح النظام السعودي، وانكشفت اسطورة الجيش السعودي، وتبين أن ليس ثمة جيش يذكر، وإنما هي موازنات وهمية، وصفقات سلاح صورية، ذهبت أموالها إلى جيب سلطان بن عبدالعزيز، وزير الدفاع، وصنائعه، وأذنابه. كما انكشفت «المشيخة» الرسمية، التي انتشر في آفاق الدنيا تصويرها بأنها العليمة النزيهة القائمة على حراسة الدين، فإذا بها عصبة من فقهاء السلاطين، وطلاب الدنيا، أو من الجهلة السطحيين محدودي الفكر.

    وكان بإمكان التحرك الإسلامي أن يتقدم إلى القيادة، ولكن أكثر القائمين عليه، وهم للأسف الشديد من «الإخوان المسلمون»، كبرى الحركات الإسلامية كما يمدحون أنفسهم، وجهوا حماس الشباب، وجهود العاملين، كعادتهم دوماً وأبداً، إلى جهود الإغاثة: إغاثة الاجئين الكويتين فخففوا بذلك العبء عن آل سعود وأسيادهم الأمريكان، وأضاعوا فرصة استلام زمام المبادرة، كعادتهم دوماً وأبداً.

    بالرغم من ذلك الخذلان استطاع قلة من أساتذة جامعة الملك سعود، وجامعة الإمام، وبعض القضاة، والناشطين المستقلين استرجاع زمام المبادرة، ولو جزئياً بعد انتهاء القتال، ومرور رمضان من ذلك العام (1411هـ، الموافق 1991م) ففاجؤوا النظام بخطاب المطالب الإثنى عشر، خطاب شوال، الذي استطاع بعضهم إقناع المشايخ: ابن باز وابن عثيمين بدعمه، وإن لم يوقعا عليه. وكانت صدمة النظام هائلة، وذهوله عظيماً. ولكن النظام تمالك نفسه وتذكر أن عنده جيش كامل من فقهاء السلاطين فسارع لتجنيدهم، والضرب بسيفهم، واستطاع بصعوبة بالغة استصدار بيان من «هيئة كبار العلماء» يشجب فقط كيفية نشر خطاب شوال، ولكنه ضرب صفحاً عن محتواه، وحتى هذا لم يتم إلا بانشقاقات خطيرة في «المشيخة» الرسمية، بل وفي «هيئة كبار العلماء» نفسها.

    أحدث بيان هيئة كبار العلماء إحباطاً شديداً في أوساط تلك المجموعة الجامعية (التي سمت نفسها: لجنة الجامعة للإصلاح والمناصحة = لجام) خاصة، وبقية المثقفين والإصلاحيين عامة، الذين كانوآ متفائلين للغاية قبل ذلك خصوصاً من المواقف الإيجابية لابن باز وابن عثيمين. ،كان الدكتور المسعري يسخر دوماً من تفائلهم ذلك ويؤكد أنهم في بداية الطريق وأن ابن باز وابن عثيمين سيكونون سباقين لخذلانهم في أحرج الساعات، فهذه هي لا محالة طبيعة فقهاء السلاطين، أو الظلاميين محدودي الفكر. واقترح الدكتور المسعري على زملائه شرح تلك المطالب، بعد إعادة صياغتها وتهذيبها، في مذكرة تفصيلية، تكون برناماجاً سياسيا شاملاً. وبعد أخذ ورد، وتردد وتخوف، بدأ العمل في «مذكرة النصيحة»، وذلك بقصد إحراج النظام ببرنامج مفصل، ولإثبات قدرة الإسلاميين على تقديم الحلول العملية. ومن المقاصد التي لم يصرح بها الدكتور محمد المسعري لزملائه آنذاك: استخراج كنوز الفكر الإسلامي المطمورة في كتب «حزب التحرير» والتي منع التعصب الحزبي المقيت بقية الجماعات من الاستفادة منها، ووضع بقية الجماعات الإسلامية على المحك لإظهار صدقها من كذبها، وفي مقدمتها «كبرى الحركات الإسلامية» التي ينتمي إليها أكثر الناشطين. وقد أدت المذكرة ذلك كله، فلله الحمد والمنة.

    تم تقديم المذكرة رسمياً في المحرم 1413هـ، الموافق صيف 1992م، بواسطة الشيخ ابن باز، وكان الدكتور محمد المسعري، مع زميل آخر، هو الدكتور خالد الحميضي، هو الذي سلمها بيده شخصياً لابن باز، الذي وعد بدراستها مع «نخبة» تتكون من خمسة من العلماء، وتشتهر باسم «اللجنة الخماسية»، تمهيداً لرفعها إلى «خادم الحرمين». وقد أحيطت العملية كلها بالسرية التامة منعاً لتسرب المذكرة إلى وسائل الإعلام، وإحراجاً للنظام الذي تعوَّد «الشكوى» الدائمة من كل ما يقدم له بدعوى أنه نشر من قبل بقصد «التشهير» والفضيحة لا بقد إحقاق الحق والنصيحة!

    ولكن المذكرة تسربت ونشرتها جريدة «المحرر» الپاريسية محدثة ضجة هائلة، واستشاط الملك غضباً فاتصل بابن باز مطالباً بإحالتها إلى عصابته المخلصة الحبيبة «هيئة كبار العلماء»، ولكن ابن باز نجح في تهدئته وطلب مهلة لإنهاء دراستها من قبل «اللجنة الخماسية». ولكن الملك فهد عاد بعد أسبوعين و«أمر» ابن باز بإحالتها فوراً إلى «هيئة كبار العلماء» فلم يستطع ابن باز إلا الاستجابة.

    ويعتقد الدكتور المسعري أن تسريب «المذكرة» كان متعمداً من قبل سلمان بن عبدالعزيز، أمير منطقة الرياض، الذي استلمها بدوره من بعض أعضاء «اللجنة الخماسية» المعروفين بولائهم، بل عمالتهم لآل سعود، مثل: صالح بن محمد اللحيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، أو عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، مفتي آل سعود الحالي. وكان مقصود سلمان بن عبدالعزيز من ذلك التسريب هو إفشال مخططات الإصلاحيين وإلصاق تهمة «التشهير» بهم، ولعله نجح في ذلك جزئياً.

    على كل حال أحيلت المذكرة إلى «هيئة كبار العلماء»، ونجح بعض المعتدلين في إقناع الأغلبية بالاستمرار في دراستها، ولكن الملك تخوف أن تؤدي الدراسة إلى ما لا تحمد عقباه للنظام، ففقد صبره بعد عدة أسابيع وطالب المجلس بإصدار بيان بشجب نشرها، ولكن المجلس تلكأ، ففاجأهم عملاء النظام من أعضاء المجلس (يعتقد أن اللحيدان هو الذي تولى كبر ذلك) ببيان معد بلغة «أمنية» تشبه بيانات أجهزة المخابرات والتجسس، ولا تمت بسبب إلى أسلوب العلماء أو الفقهاء. فوجئ أعضاء المجلس بذلك البيان المعد، وبالتخويف من غضبة «ولي الأمر» فضعفوا واستكانوا ... ووقعوا، وضاعت فرصة ذهبية لإرغام النظام على بعض الإصلاحات، ولتقدم العلماء إلى مكان الصدارة والقيادة.

    لم يرضخ الإصلاحيون، هذه المرة، لهذا «الإرهاب الفكري» من هيئة كبار العلماء فقاموا بحملة مضادة تزعمها المشايخ الثلاثة: الشيخ/عبدالله بن سليمان المسعري، والشيخ/حمود العقلا الشعيبي، والشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين فأصدروا بياناً «ثلاثياً» نقضوا فيه بيان «الهيئة» فطحنوه طحناً، ومزقوه تمزيقاً. أصبحت الهيئة موضع السخرية، بل نبزها البعض بـ«هيئة كبار العملاء» أو «هيئة كبار السفهاء» أو غير ذلك من الأوصاف القبيحة. وعلى كل حال أصبحت مذكرة «النصيحة» والرد «الثلاثي» وثيقة شعبية يمتلكها عامة الناس في الحاضرة والبادية، فانتشرت في الآفاق، وتبناها الناس، وانقسموا إلى أغلبية ساحقة تؤيد المذكرة والمطالب الإصلاحية، وأقلية ترفضها، صنفهم الناس على أنهم عملاء للسلطة، ومن كان منهم فقيهاً عد من فقهاء السلاطين. وهناك حول المذكرة طرائف وأدب شعبي ليس هذا مجال ذكره.

    قرر الإصلاحيون، من أعضاء «لجام وغيرهم،» أن الوقت قد حان للقيام بأعمال عملية تنظيمية، لأن أسلوب المذكرات والخطابات قد استهلك وأشبع، فأخذوا يتحينون الفرص لإنشاء تنظيم للدفاع عن الحقوق الشرعية، يتبعه، في الوقت المناسب، تنظيم سياسي كامل. وحانت الفرصة باعتقال الشيخ الشاب أبرهيم الدبيان الذي تحدث ناقداً عن أصحاب «العروش، والكروش والقروش». وأعدت البيانات الازمة، وجمعت التوقيعات، وصيغت الخطوط الإدارية العريضة. ولكن الشيخ الدبيان أطلق سراحه فجأة، فتوقفت الأعمال إلى هنا.

    ولكن الشيخ إبراهيم الدبيان ما لبث أن أعتقل بعد عدة أشهر فتحرك الإصلاحيون فوراً وقرروا في اجتماع حافل إعلان تأسيس «لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية» وذلك في أوائل ذي القعدة عام 1413هـ، مساء يوم الإثنين 3 مايو 1993م، بتوقيع كل من: الشيخ عبدالله بن سليمان المسعري، مقرراً ورئيساً للجنة، والشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين، والشيخ سليمان الرشودي، والدكتور حمد الصليفيح، والأستاذ الدكتور عبدالله الحامد، والدكتور عبدالله بن حمود التويجري. ثم ضم إليهم في الأسبوع التالي: الدكتور محمد بن عبدالله المسعري ناطقاً رسمياً بإسم اللجنة، وأميناً عاماً لها. وكان مكتب الشيخ عبدالله بن سليمان المسعري للمحاماة والاستشارات القانونية هو المقر التأسيسي للجنة، التي كانت تستخدم خطوط الهاتف والفاكس به.

    تم تعميم البيان التأسيسي هذا محلياً وعالمياً، في نفس الليلة، على أوسع نطاق فأحدث ضجة هائلة، ولم يحن مساء الأربعاء إلا وقد اتصلت إذاعة BBC، وغيرها من كبرى الإذاعات ووكالات الأنباء العالمية بمكنب اللجنة وأجرت العديد من المقابلات مع الشيخ عبدالله بن سليمان المسعري وابنه الدكتور محمد بن عبد الله المسعري، وانهالت خطابات، وفاكسات، وبرقيات التأييد، التي بلغت الآلاف، على مقر اللجنة، بالإضافة إلى سيل من الاتصالات الهاتفية والزيارات الشخصية لأعضاء اللجنة. أما النظام فأصيب بذهول وعجز عن التصرف في أول الأمر.

    استفاق النظام بعض الشئ وحاول معالجة الأمر فأخذ يتخبط. كان التحرك الأول دعوة من الأمير سلمان بن عبدالعزيز لأعضاء اللجنة، بما فيهم ناطقها الرسمي، لمكتبه في محاولة لإرهابهم، وزعزعة تماسكهم. بعد حوار ونقاش «عقيم» قال الأمير غاضباً: «أنا لم أدعوكم للمناقشة، ولكن «المسؤولين» أمروا بدعوتكم للتأكد من صحة تواقيعكم ولإعطائكم الفرصة لتوضيح هذا التصرف العجيب»، وعندما أكد الجميع أن تواقيعهم صحيحة، ومواقفهم ثابتة، أمر الأمير يكتابة محضر بذلك وقَّع عليه الجميع، بما فيهم الأمير سلمان، ثم انصرفوا. لم ينتبه الأمير، ولا بقية آل سعود، أن تلك الدعوة، والمحضر الموقع فيها، هي اعتراف صريح باللجنة ومعاملة لها معاملة «الند». ليست هي عادة آل سعود الغفلة عن مثل هذة الأمور الرمزية، فهي تستحوذ على فكرهم، وتشغل دوماً بالهم، ولكن الله أعمى أبصارهم.

    في الأسبوع التالي عاد النظام إلى أسلوبه المحبب: الضرب بعصا المشايخ والتمسح بالدين فأوعز لـ«هيئة كبار العلماء» بإصدار بيان ضد تأسيس اللجنة. انتهت دورة الهيئة، وانصرف أعضائها، ولم يعلن البيان، فظن الجميع أن الأمور مرت بسلام، وأن «الهيئة» حافظت على البقية الباقية من شرفها واستقلاليتها؛ ولكنهم فوجئوا بصدور البيان بعد بلك بعدة أيام. يعتقد المحللون من الإصلاحيين أن آل سعود كانوا منشقين على أنفسهم لا يعرفون كيفية التعامل مع اللجنة فالملك مثلاً: يطالب بالتأني، وعدم الاندفاع، وسلطان يطالب بعنف يصل إلى «الإعدامات». اعترض الملك على فكرة الإعدامات الجنونية، ولكنه أطلق يد سلطان فيما دون ذلك قائلاً: «سنرى هل تنتج طريقتك هذه، ولا أظنها تنتج!». تحرك النظام فاقتاد الدكتور محمد المسعري، الناطق الرسمي للجنة، مساء يوم الأربعاء، بعد عشرة أيام فقط من تأسيس اللجنة، لمكتب الفريق أول صالح طه الخصيفان، مدير عام المباحث العامة (جهاز التجسس والنميمة الرئيسي لآل سعود) لاستجواب دام طوال مساء الأربعاء، وصباح الخميس، أخذت عليه فيها تعهدات رسمية بالامتناع عن الإدلاء بأي تصريح لوكلات الأنباء. وفي اليوم التالي، يوم الخميس،استند النظام علي قرار «هيئة كبار العلماء» فصدر أمر ملكي بفصل الموظفين من أعضاء اللجنة، بما فيهم الناطق الرسمي لها، من وظائفهم، وإغلاق مكاتب المحاماة والمؤسسات التجارية العائدة لهم. وفي مساء نفس اليوم اجتمع الإصلاحيون وقرروا توفير دخل بديل للمفصولين يغنيهم عن وظائف الحكومة، ويوفر لهم الاستقلالية الازمة. واستمرت الاجتماعات بعد صلاة الجمعة من اليوم التالي.

    وفي مساء الجمعة، قبيل فجر السبت، اقتحمت المباحث العامة منزل الدكتور محمد بن عبد الله المسعري، فكسرت الباب، وروعت أهل البيت، واعتدت على ابنه أنمار بن محمد المسعري بالضرب، ثم هجمت على غرفة نومه شاهرة للسلاح، واقتادته معصوب الأعين إلى مكان مجهول، تبين بعد ذلك أنه سجن المباحث العامة بـ«الحاير»، على بعد عشرين كيلاً جنوب الرياض. وبقي الدكتور محمد المسعري رهين المحبس أكثر من ستة أشهر، تعرض فيها للأذى والضرب وألوان «متوسطة» من التعذيب الجسدي والنفسي. كما تم اعتقال العديد من أعضاء «لجام» وغيرهم من الإصلاحيين تباعاً، الواحد بعد الآخر حتى جاءت الإجازة الدراسية الصيفية فتمت اعتقالات بالجملة.

    أطلق سراح المعتقلين تباعاً، الواحد تلو الآخر، مع مجموعة كبيرة عند بداية العام الدراسي، ثم أطلق سراح الدكتور محمد المسعري بعد ذلك فكان الأول في دخول السجن والآخر خروجاً منه من تلك المجموعة، فلله الحمد والمنة على هذا الشرف العظيم.

    كان بعض من أطلق سراحهم سابقاً يجتمعون على حذر ويخططون للمستقبل فوصلوا إلى قناعة بحاجة التحرك الإصلاحي لمركز إعلامي في مكان يتوفر فيه هامش من الحرية، أي في الغرب للأسف الشديد، لرزوح العالم الإسلامي بكامله تحت القمع والاستبداد. وعندما أطلق سراح الدكتور محمد المسعري فاتحه إخوانه بذلك فوافق على الفكرة، وبدأ التخطيط لتنفيذها: تدبير جوازات سفر مناسبة للتغلب على مصادرة وثائق السفر والمنع منه الصادر بحقه وحق أكثر الإصلاحيين، توفير الأموال الازمة للابتداء، تأمين مسار آمن إلى مقر مكتب اللجنة الجديد الذي استقر الرأي على أن يكون العاصمة البريطانية لندن، إلى غير ذلك من المتطلبات.

    تم ذلك كله في خلال أربعة أشهر تقريباً واستطاع الدكتور محمد المسعري المغادرة إلى اليمن عابراً الحدود في منطقة جبلية مهجورة مشياً على الأقدام، بصحبة ومعونة بعض الناشطين من أهل اليمن، ثم نزل ضيفاً على أحد فضلاء علمائهم، وقضاتهم الذي استقبله قائلاً: «لا تخف، نجوت من القوم الظالمين!». بقي الدكتور المسعري في ضيافة هذا العالم الفاضل لمدة حوالي الأسبوعين توجه بعدها إلى ضواحي تعز، حيث بقي مختفياً عن الأنظار، حتى تم استخراج جواز يمني له، ثم كان التوجه إلى صنعاء للحصول على تأشيرة الدخول إلى بريطانيا، ولعلها أصعب مرحلة لمطالبة السفارة بوثائق ثبوتية ومصرفية، ولكن تم بحمد الله ذلك كله، وكان التوجه إلى لندن، ثم الهبوط في مطار «جاتويك» جنوبي لندن يوم الإثنين 18 أبريل 1994م، وبدأ عمل اللجنة يوم الأربعاء الاحق بإصدار بيان استئناف أعمال اللجنة من لندن، حيث كان كل شئ معداً لأن الدكتور سعد بن راشد الفقيه، الذي وقع عليه الاختيار ليكون مديراً مكتب لندن، كان قد تمكن من إقناع السلطات السعودة بـ«توبته»، فحصل على جواز سفر بعد رمضان مباشرة من ذلك العام، وانطلق إلى مؤتمر طبي في ألمانيا ثم قدم إلى لندن وبدأ بإعداد المكتب، وشراء المعدات، وترتيب خطوط الهاتف والفاكس، وغير ذلك.

    كانت انطلاقة العمل من لندن قوية ومؤثرة، والتأثير الشعبي داخل الجزيرة العربية كاسحاً، بلغ ذروته في أحداث الانتفاضة الشعبية المشهورة في «بريدة»، فاهتز النظام السعودي، وتعاونت معه الجهات الرسمية البريطانية في محاولة إسكات اللجنة فكانت محاولة الترحيل الأولى إلى اليمن، ولكنها باءت بالفشل أمام القضاء البريطاني، وأمر القاضي وزارة الداخلية بدراسة طلب المسعري للجوء دراسة جوهرية، وعدم التذرع بالحجج الشكلية الواهية، ووعدت الحكومة البريطانية بذلك خطياً، ولكنها أخلفت، فلم يمض عام حتى جرت محاولة ترحيل أخرى: هذه المرة إلى «كومونويلث دومينيكا» في البحر الكاريبي، كتب الله لها الفشل، وأمر القاضي، في هذه المرة أيضاً، وزارة الداخلية بدراسة طلب المسعري للجوء دراسة جوهرية، وعدم التذرع بالحجج الشكلية الواهية، ولكن الحكومة تهربت، ولكنها اضطرت إلى إعطاء المسعري «إقامة استثنائية» تهرباً من الاعتراف بحقه في اللجوء السياسي الكامل، وخروجاً من الورطة القضائية. في هذه الأوقات الحرجة قرر الدكتور سعد الفقيه العمل مستقلاً في تنظيم جديد باسم «الحركة الإسلامية للإصلاح». والاستقلال بتنظيم مستقل، له منهجية مختلفة في العمل السياسي، لا بأس به عند من يعتقد أن هذا هو طريق الإصلاح، ويدين الله بذلك، فلكل اجتهاده: }ولكل وجهة هو موليها، فاستبقوا الخيرات، أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعاً{، (البقرة؛ 2: 148).

    وبالرغم من الصعوبات الجمة، والأوضاع المالية المتردية التي نتجت من الانفصال، والتي دفعت بالدكتور محمد المسعري إلى إشهار الإفلاس قضائياً، بالرغم من ذلك كله فقد تماسكت اللجنة وأعادت بلورة برنامجها، ورص صفوفها، وعادت مؤخراً إلى الساحة بقوة بعد تجاوز الأزمة، وهضم الدرس المرير. ولا يزال الدكتور محمد بن عبدالله المسعري في لندن مواصلاً الصراع الفكري والعقدي والكفاح السياسي، ليس مع نظام آل سعود «الشيطاني» المهترئ العفن فحسب، بل مع جميع الأنظمة الطاغوتية في العالم الإسلامي. وله وجود قوي في الساحة الأفغانية والپاكستانية والكشميرية والعراقية، وبقية قضايا العالم الإسلامي.


    وفي يوم الإثنين، العاشر من شهر الله المحرم، يوم عاشوراء المبارك، من عام 1425 هـ، الموافق الأول من مارس لعام 2004 م، تم حل «لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية»، التي تجاوزها الزمن لمحدودية أغراضها، وبدائية تنظيمها، وجرى استبدالها بحزب سياسي عصري متكامل، هو: «تنظيم التجديد الإسلامي»، الذي أضاف قناة إذاعية فضائية، هي «إذاعة التجديد» إلى الوسائل الإعلامية التي كانت تستخدمها «لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية» بفعالية عالية واقتدار متميز.

    والأمل معقود أن يحدث «تنظيم التجديد الإسلامي» نقلة نوعية في العمل السياسي الإسلامي في جزيرة العرب خاصة، والعالم الإسلامي عامة. لا سيما وأن الدكتور المسعري قد أصدر عدداً من الكتب، ويعد لعدد آخر، يعتقد أنها سوف تحدث نقلة نوعية في الفكر الإسلامي المعاصر، لا سيما وأنها استوعبت وهضمت أكثر إنجازات الفكر الإسلامي المعاصر بكل أطيافه، من إنتاج «حزب التحرير»، والجماعات الجهادية، وغيرها، وتمثلته، ثم تجاوزت الكثير منه تقدماً، بحمد الله، إلى الأمام. ومن هذه الكتب:

    (1) كتاب التوحيد (أصل الإسلام وحقيقة التوحيد): في حوالي 750 صفحة

    (2) الحاكمية وسيادة الشرع: في حوالي 350 صفحة

    (3) الموالاة والمعاداة: في حوالي 450 صفحة

    (4) محاسبة الحكام: في حوالي 500 صفحة

    (6) طاعة أولي الأمر، حدودها وقيودها: في حوالي 350 صفحة

    (7) الأدلة القطعية على عدم شرعية الدولة السعودية.

    (8) ختم النبوة: وهو كتيب صغير في حوالي 150 صفحة من القطع الصغير.


    وهناك عدة كتب تحت الإعداد:

    (1) سلطان الأمة، وأحكام الشورى

    (2) حكم الانتماء والعمل المنظم

    (3) كيفية حمل الدعوة، وفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    (4) حقيقة الإيمان والكفر، وضوابط التكفير

    (5) طريق الإيمان (الأدلة اليقينية على صدق النبوة المحمدية)

    (6) توثيق النص القرآني.

    (7) توثيق السنة النبوية.

    (8) الحجاب: وهو ليس عن الزي والحجاب فقط، بل هو رسالة شاملة لأكثر المواضيع المتعلقة بالمرأة وحقوقها في الإسلام.

    (9) أحكام المعازف والغناء

    (10) إعلام فضلاء البشر بأخبار المهدي المنتظر

    (11) أحكام بعض المطعومات والمشروبات.


    كما أن هناك عدد من الأبحاث والمقالات المطولة:

    (1) مركز التجارة العالمي (دراسة مفصلة عن مشروعية وحدود استهداف المدنيين في القتال)

    (2) قصة أبي بصير

    (3) حكم العمليات الاستشهادية

    (4) نصرة أفغانستان

    (5) قتال الطوائف الممتنعة

    (6) القضية الفلسطينية

    (7) المنعة والنصرة

    (8) هم الأنبياء

    (9) التصوير الفوتوغرافي

    (10) أحكام العزل، وتحديد النسل

    (11) سب الإمام علي (من سن سب إمام الهدى علي بن أبي طالب على المنابر؟!)

    (12) تهذيب اللحية، وخصال الفطرة.

    (13) عمل قوم لوط (تحت الإعداد)

    (14) الزينة والعمليات التجميلية (تحت الإعداد)

    (15) الاستنساخ، والتلقيح الصناعي، ومسائل طبية أخرى (تحت الإعداد).


    وكل ما أصبح جاهزاً للنشر تجده في الموقع الإلكتروني لـ«تنظيم التجديد الإسلامي»:


    http://www.tajdeed.net
    جاهزاً للإنزال مجانياً، كما تجد بعضه في الأسواق مطبوعاً، والحمد لله!


    تمت المراجعة في يوم الإثنين: 18 ربيع الآخر 1423هـ، الموافق 7 يونيو-حزيران 2004م

    وصلى الله، وبارك على نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المجاهدين المخلصين، وسلم تسليماً كثيراً
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-07-29
  3. Ameer_1924

    Ameer_1924 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-28
    المشاركات:
    635
    الإعجاب :
    0

    حفظه الله ووفقه لما يحب ويرضى

    بلغه تحيات اخوانه من شباب حزب التحرير

    بارك الله بك
     

مشاركة هذه الصفحة