كيف تضنع ارهابيا

الكاتب : نبض عدن   المشاهدات : 587   الردود : 0    ‏2005-07-27
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-07-27
  1. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    كيف تصنع إرهابياً

    روبين سونز*
    قال لي تيري ويت عبارة ما زالت راسخة في ذهني. كان تيري ويت ـ الرهينة البريطاني السابق في بيروت ـ من أوائل الأشخاص الذين التقيت معهم خلال إعدادي لكتابة مسرحية "الحديث مع الإرهابيين"، وكانت العبارة تتعلق بالفترة التي قضاها رهينة في لبنان "بإمكاني أن أقول في وجه الذين اختطفوني، لقد حاولتم أن تحطموا جسدي، ولكنكم لم تفعلوا ذلك، وحاولتم أن تحطموا عقلي، لكنكم لم تفعلوا، لكن روحي ليست لكم لتملكوها، لكن ذلك هو تماماً ما يقولونه هم، أليس كذلك؟ تستطيعون أن تغزوا بلدي، وتفعلوا ما تشاؤون، لكن روحي ليست لكم لتملكوها".
    عندما قال لي ويت ذلك كانت كمية لا بأس بها من المواد التي أحتاجها، بما في ذلك مقابلات مع إرهابيين وناشطين في مجال السلام وموظفي إغاثة وضابط في الجيش مهمته وضع استراتيجية للتعامل مع المنظمات الإرهابية. وبعد ذلك بشهر تقريباً ارتفعت كمية المادة التي جمعناها أربعة أضعاف. ذهبنا إلى ألمانيا ودبلين وبلفاست وجميع أنحاء بريطانيا. ووسعنا الشبكة لتشمل ضحايا الإرهاب ورجال سياسة مهمتهم التعامل مع المشكلة. كنا نحقق تقدماً في إيجاد جواب لسؤالنا المركزي: ما الذي يجعل الإرهابي إرهابياً؟
    التقينا امرأة كانت تشرف علىالتعذيب في حرب إفريقية عندما كان عمرها 13 سنة. انضمت إلى وحدة إرهابية في أوغندا وعمرها ثماني سنوات فقط، كان السبب تعامل أهلها القاسي معها. كانت زوجة أبيها متحجرة القلب وحقودة، وكان والدها يضربها بقسوة شديدة لدرجة أنها ما تزال تحمل آثار الجروح. ولو أنها بقيت معهما، ربما كان ذلك تسبب في إعاقتها أو موتها. حدثتنا عن الطريقة التي كان والدها يستخدمها عادة في ضربها:" قال والدي لأخي أن يحضر العصا، العصا الكبيرة التي تستخدم لضرب البقر. وضع رأسي بين رجليه، وراح يضربني، ويضربني... كانت زوجة أبي تحرك الكراسي إلى الخلف حتى يتمكن من ضربي بسهولة أكبر.. كان إخوتي وأخواتي يصرخون: توقف، توقف، إنك تقتلها".
    غادرت الطفلة ذات السنوات الثماني البيت لتنجو بحياتها. العثور على منظمة كان معناه العثور على أسرة تتبناها. كان جيش المقاومة الوطني في أوغندا منظمة إرهابية ولم تكن تملك وسائل نقل، ولذلك كانوا بحاجة كبيرة إلى اليد العاملة. ولذلك كانوا عندما يصلون إلى قرية يختطفون السكان بالكامل. كان الرجال يستخدمون في حمل الأغراض، والنساء يستخدمن لأغراض أخرى، ويتم تدريب الأطفال عسكرياً قبل إرسالهم إلى المعركة، كانت نجاتهم بحياتهم تعتمد على كبت كل المشاعر.
    قالت لنا الطفلة المقاتلة سابقاً:" كنا نقتل بالتزام كامل. كنا نزيد من وحشيتنا لنبعث السعادة في قلوب رؤسائنا ونحصل على رتبة أعلى.. كان كاشيلنجي ( وهو ضابط كبير في منظمة جيش المقاومة الوطنية) يطرق بابي أحياناً في الليل. وفي إحدى الليالي تظاهرت أنني لم أسمعه، في الصباح التالي انتظرت قرب سيارته. قال لي بهدوء: لماذا لم تفتحي بابك؟ قلت لم أسمعك: قال : في المستقبل تنامين وتتركين بابك مفتوحاً. طبعاً بإمكانك أن ترحلي، لكنك سوف تكونين فارة وهاربة. معظم الفارين كان يقبض عليهم ويقطعون إلى أجزاء على يد أصدقائهم. أحياناً كانت رؤوسهم تستخدم للعب كرة القدم".
    التقينا أيضاً مع رجل ينتمي إلى حزب العمال الكردي(بي كي كي)، والذي يخوض حرباً مسلحة ضد الأتراك. كان قد نشأ في قرية جبلية، عندما توقفت الحكومة التركية عن إعطاء المساعدات القليلة التي كانت تخصصها للمجتمعات الكردية البعيدة، أجبرت أسرته على الهجرة إلى المدينة، وكان تسعة منهم يعيشون في غرفة واحدة. كانوا منبوذين من المجتمع.
    قال لي الرجل:" كنا نتحدث الكردية وليس التركية. ملابسنا كانت مختلفة. في المدرسة وضعوني في زاوية الغرفة. لم يتحدث إلي أحد، ولا حتى المدرس. حاولت أن أفهم اللغة التركية التي كانوا يتحدثونها ولكن إذا كنت أبدأ بالفهم، كانوا ينتقلون إلى موضوع آخر. كنت أشعر أن ذلك كان يحدث لمجتمعنا كله.. إننا كنا في زاوية الغرفة".
    ها هو رجل ذكي وحساس يشعر بالعزل السياسي والحرمان الاقتصادي الشديد. بالنسبة له، وللأكراد الآخرين، الانضمام إلى منظمة كان طريقة لتخفيف حدة غضبه وإحباطه، ويصلح كرامته الجريحة.
    التقينا أيضاً مع اثنين أعضاء كتائب شهداء الأقصى. قال لنا أحدهما: أول ذكرياتي في الحياة هي عندما كان عمري خمس سنوات فقط. كانت والدتي تكنس الباحة الصغيرة أمام منزلنا، جاء ستة جنود إسرائيليين وركلني أحدهم عالياً في الهواء. سقطت مثل قرص الكعك. قالت والدتي لماذا تفعلون هذا بابني؟ قال لها الجندي وماذا تفعل عاهرة مثلك خارج البيت أثناء منع التجول؟ وفي أحد الأيام، بينما كان في نزهة مع أخيه وصديقه في إحدى المقابر، جاءت قذيفتان صاروخيتان من فوق الجدار. الأولى قطعت رأس أخيه، والثانية قطعت صديقه إلى نصفين.
    ربما كان أحد الحوادث المؤسفة في الحياة السياسية أخيراً عزل عضوة البرلمان جيني تونج من زعامة الحزب الليبرالي لأنها قالت إنها لو كانت تعيش في فلسطين لكانت تفهمت كيف يمكن أن تتحول إلى انتحارية. قالت لنا تونج إنها تلقت تأييداً واسعاً في كافة ألوان الطيف السياسي. كانت تونج تشير فقط إلى أن وجهة نظر الشخص الذي يعيش في قلب الأحداث مختلفة تماماً عن وجهة نظر المفكر أو السياسي الذي يعيش بعيداً وله مصالح محددة. هذا ما تقوله عدة منظمات "إرهابية" من جميع أنحاء العالم. ربما تبدو أعمالنا لا أخلاقية أو غير مفهومة بالنسبة لكم، ولكن تعالوا وعيشوا هنا لمدة عام واحد فقط، وتحملوا الحرمان من الحرية والمضايقات المستمرة التي تشكل جزءاً من حياتنا اليومية، وبعد ذلك قولوا لنا إنكم تفكرون بنفس الطريقة.
    إن ما تعلمته من خلال بحثي الذي أجريته لكتابة هذه المسرحية هو أننا جميعاً إرهابيون محتملون، لكن معظمنا يتمتع بدرجة من الحرية حيث لا نشعر بالحاجة للتعبير عن الإحباط من خلال العنف. لدينا وسائل مختلفة نستطيع من خلالها أن نوصل أصواتنا، وذلك أمر هام للغاية.


    * كاتب مسرحي بريطاني
     

مشاركة هذه الصفحة