ماذا قالوا عن البردوني ؟

الكاتب : yemeneng man   المشاهدات : 1,356   الردود : 3    ‏2005-07-26
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-07-26
  1. yemeneng man

    yemeneng man عضو

    التسجيل :
    ‏2005-07-26
    المشاركات:
    128
    الإعجاب :
    0
    الاخوه الاعزاء اعطونا مذكرات عن المرحوم الشاعر الكبير البردوني
    ثانكس
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-07-27
  3. nabil22

    nabil22 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-10-16
    المشاركات:
    809
    الإعجاب :
    0
    اخي العزيز ..yemeneng man

    لقد وجدت هذه الموضوع .. عن عبدالله البردوني رحمه الله وغفر الله لنا وله .. وادخلنا الله فسيح جناته ..

    وللاسف الشديد .. قد نسيت المصرد .. والعنوان الذي عن طريقه حصلت على هذه المعلمات ..

    ((

    مــــن هــــو البردونــــي ؟: سؤال يجيب عنه عدد من الأدباء والنقاد العرب:هذه إجابة الاستاذ الدكتور محمد احمد القضاة:استاذ الأدب والنقد الحديث المساعد جامعة الزيتونة الأدبية
    > شاعر يمني ولد في منتصف العشرينات في قرية البردون التابعة لمحافظة ذمار وفي قريته بدأ فصول حياته المأساوية، فقد ولد على ابواب غارة من غارات الجدري الذي كان يزور اليمن من حين الى آخر في موجات كاسحة تثير الرعب وتسرق العيون نورها، والبيوت أعز ابنائها، وتترك بصماتها المخيفة على الوجوه والاجساد وكان نصيبه ان فقد نور البصر.
    يقول البردوني عن نفسه في مقدمة ديوانه الاول «من ارض بلقيس» : نشأ في قرية البردون من اعمال زراجة بالحدأ وهي قرية شاعرية الهواء، ذهبية الاصائل والاسحار، يطل عليها جبلان شاهقان مكللان بالعشب مؤزران بالنبت العميم، ولهذه القرية في نفس الشاعر ذكريات وذكريات، فيها ولد سنة ثمان واربعين وثلاثمئة والف للهجرة، وفي احضان القرية الخالدة وتحت ظل والده الفلاح ووالدته مرحت طفولته وتحسست نظراته كؤوس الجمال الفاتن حتى أغمض عينيه العمى بين الرابعة والسادسة من العمر بعد ان كابد الجدري سنتين. وفي نهاية السابعة استهل دراسته في مدرسة القرية ثم انتقل الى قرية المحلة من أعمال ذمار، ثم انتقل الى ذمار ومكث فيها مدة عشر سنوات كابد فيها مكارة العيش ومتاعب الدرس والحنين الى القرية، وفي هذا العهد مال الى الأدب وبدأ يقرض الشعر وهو في الثالثة عشرة من عمره وكان شعره شكوى من الزمن وتأوها من ضيق الحال، ويظهر فيها طابع التشاؤم والمرارة. ثم بدأ الشاعر يشق طريقه ويواصل مشواره الملئ بالاشواك والظلام والآلام والبرد ولم تصده الاحزان وظلمة الايام عن اداء دوره في الحياة على الرغم من فقد بصره وفقره وفقده أمه وابيه، وفي عام 1986م التقيت الشاعر وحدثني عن تجربته قائلاً: «منذ اربعين عاماً وانا في ميدان الكلمة وفي معاركتها، اقف على ابوابها اياماً وادخل عالمها اياماً واياماً من منتصف الاربعينات بدأت الحياة الادبية الى جانب المناهج الدراسية 1-الاجابات مستقاة من كتابات ودراسات أعدت ونشرت عقب رحيل الشاعر الكبير عبدالله البردوني وكان هناك توافق بين الميل الى الشعر والدروس التي كنت اتلقاها، وأغلبها متصل بالشعر، ولذلك تجدني قد نشأت في مناخ شعري سلفي»
    وبدأ ميلاده الشعري في عام 1946م (ستة واربعين وتسعمئة وألف)، ويشير أحمد محمد الشامي في كتابه «من الادب اليمني: نقد وتاريخ» الى بداية معرفته بالبردوني حين تعرفه في مايو عام 1946 (ستة واربعين وتسعمئة والف).
    واقتفى البردوني خطوات من سبقوه من الشعراء فرفض حياة الذل والهوان في سبيل الحرية، وتحدى الاهوال، وفي ذكرى انتصار الامام على اول انتفاضة شعبية عام 1948م (ثمانية واربعين وتسعمئة والف) كان الامام يقيم الزينات وتحشد الشعب الى ساحات المدن ليسمعوا كيف يمدحه الشعراء، فشذ البردوني عن هذه القاعدة وخرج عن المألوف، وفي صوت لا أقوى من روعته وبساطته واشراقه يعرض للامام مأساة الشعب اليمني عرضاً مثيراً بعيداً عن المدح والتزلف وفي اسلوب تهكمي لاذع يقول:

    عيد الجلوس اعر بلادك مسمعاً *** تسألك أين هناؤها هل يوجد؟
    تمضي وتأتي والبلاد وأهلها *** في ناظريك كما عهدت وتعهد
    ياعيد هذا الشعب ذل نــبوغه*** وطوى نوابغه السكون الاسود
    ضاعت رجال الفكر فيه كأنها*** حلم يبعثره الدجى ويبدد

    ويستمر الشاعر على هذا النهج. ومن هنا بدأ الشاعر شعره بهذا الموقف الشجاع وبهذه القوة التي لا تلين، ولذلك اذا عدنا الى بداياته الشعرية فسنجد ان شعره القديم نابع من أصالة واحساس لا سيما ما كان وصفاً لمعاناته.
    وهذه المقطوعة تبرز أصالته ومعاناته:

    أمامي غيوب وسر رهيب *** وخلفي عذاب وماضٍ مرير
    الى أين أمضي وهل انثني *** أمامي خطير وخلفي خطير
    وهل لي سرير: أنا شاعر *** شعوري غني وجيبي فقير
    خلقت حنوناً لكل الانام بأرجاء*** قلبي قرار قرير
    اعزي الفقير وأرثي الغبي *** على عجزه وأهني القدير
    اعزي الجميع وأهوى الجميع*** ومحتقر الناس أدنى ****

    صدر للبردوني ما يزيد على أحد عشر ديواناً من الشعر وستة كتب توزعت بين الدراسات الادبية والثقافية والسياسية والشعر الشعبي.
    وصدر ديوانه الاول«من ارض بلقيس» عام 1961 وجمع فيه ما نظمه بين الاعوام 1946 - 1961 . والديوان هو الاساس الذي انطلق منه البردوني الي عالم الشعر وهو الصلة الاولى بين الشاعر والقارىء.
    وفي عام 1965 أصدر مجموعته الثانية «في طريق الفجر» وتحتوي على اكثر من خمسين قصيدة وفي عام 1969 اصدر مجموعته الثالثة «امدينة الغد» وفي عام 1973 أصدر مجموعته الرابعة «لعيني ام بلقيس»، وفي عام 1974 اصدر مجموعته الخامسة «السفر الى الايام الخضر» وفي عام 1977 اصدر مجموعته السادسة «وجوه دخانية في مرايا الليل»، وفي عام 1979 اصدر «زمان بلا نوعية»، وفي عام 1983 اصدر «ترجمة رملية لأعراس الغبار».
    وفي عام 1986 أصدر «كائنات الشوق الآخر» وفي عام 1989 أصدر «رواغ المصابيح» وفي عام 1992 أصدرمجموعته الأخيرة «جواب العصور» وأكثر ما يلفت النظر في هذه المجموعات الشعرية ظاهرة العنوان، ولذلك حاول الاحتفاء بالعنوان الذي ندخل منه الى عالم الشعر، ويضعنا مباشرة داخل المجموعة وجاءت هذه العناوين مدخلاً مهماً وضرورياً لمجموعاته.
    ولم يقتصر على عناوين المجموعات وانما وجدناه يحتفي بعناوين قصائده في اكثر المجموعات من: مثل «لعبة الألوان» «وجه الوجوه المقلوبة» و«سباعية الغثيان الرابع» «جلوة» و«تحولات اعشاب الرماد»، و«استقالة الموت» و«عروس الحزن» و«أثيم الهوى» و«الليل الحزين» و«الحب القتيل» و«صراع الاشباح» و«رحلة النجوم»، و«الحريق السجين» ... وفي هذه العناوين يعد المتلقي للدخول الى قصيدته كي يشارك فيها.
    أما دراساته فيه دراسات لها طابعها الفكري والنقدي والسياسي ومنها«رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه» و«قضايا يمنية» و«اليمن الجمهوري» و«الثقافة الشعبية تجارب واقاويل» و«الثقافة والثورة في اليمن».
    والمتابع لدراساته واعماله يرى انها جاءت وليدة أصالة واحدة هي الاصالة الشعرية واللافت فيها انه لم يشر الى المراجع في الهوامش ولم يثبت المصادر، وانما كان يكتب كما يقرأ ويتأمل.
    اما رؤيته للشعر فهو «الشعر هو ما أشعرك؛ أي ما حرك في قارئه ملكات القول، وهز فيه غافيات الاحلام، سواء أقلت شعراً أم لم تقل، فإن الشعر هو ما شعر بوجوده قائله، الشعر ينقلك الى عالمه، ولا يكفي ان ينقلك الى عالمه، بل يهز فيك عالمك الداخلي، وليس الشعر مجر صوت، وليس الشعر مجرد لغة جميلة، وانما الشعر تحريك شعور من شعور تحرك سلفاً لكي يحرك شعور المتلقي».
    أما الشعراء في نظره فيرى ان هناك شعراء من كل الوجوه وهناك شعراء من بعض الوجوه وهناك شعراء من أقل الوجوه، وهناك شعراء بلا وجوه، وبلا مقياس شعري، والشاعر هو ذلك الفرد الذي يصدر عن المجموع وهو ذلك الواحد من الناس الذي يفوق كل الناس. وهو الذي يحمل هموم الناس وينقل مشاعرهم ويجمع الخصائص المتفرقة في معاصرته ومجايليه من الشعراء ويرى البردوني ان الشعراء الكبار يجب ان يكونوا قدوة بل نجوماً لا تمنع بقية النجوم من أن تلمع ولا تمنع بقية الزهور من أن تتفتح ولا تمنع سائر الاشجار من أن تغصن.
    ويرى أن الشعر ليس قضية جماعية كي يتفوق فيها الناس، وإنما خصوصية ذاتية واصالة شخصية يتمتع بها هذا الفرد، ويجب ان تكون فرديته وظيفة اجتماعية وتعبيراً عن رسالة المجتمع كله.
    أما مواقفه فقد وقف فيها يدافع عن الناس وهمومهم ومعاناتهم وحرمانهم، وقد صور فيها معاناته ومكابدته وجراحه النازفة في داخله، وقد حمل فيها على ترف القصور وثروة الاغنياء البخلاء:

    هذي البيوت الجاثمات إزائي*** ليل من الحرمان والادجاء
    من للبيوت الهادمات كأنها*** فوق الحياة مقابر الاحياء
    تغفو على حلم الرغيف ولم تجد*** الاّ خيالاً منه في الإغفاء
    وتضم أشباح الجياع كأنها*** سجن يضم جوانح السجناء
    وتغيب في الصمت الكئيب كأنها*** كهف وراء الكون والأضواء
    ترنو الى الأمل المولي مثلما*** يرنو الغريق الى المغيث الثاني
    وتلملم الأحلام من صدر الدجى*** سوداً كأشباح الدجى السوداء
    هذي البيوت النائمات على الطوى*** نوم العليل على انتفاض الداء
    نامت ونام الليل فوق سكونها*** وتغلفت بالصمت والظلماء

    ولذلك ونحن نقرأ شعره نجده يرسم صور الحياة والطبقات، ويعرض مأساة وطنه وشعبه، ويستمر في مواقفه فيصرخ في وجه الطغاة
    لا البدر لا«الحسن» السجان يحكمنا الحكم للشعب لا بدر ولاحسن
    اليوم للشعب والامس المجيد له له غد وله التاريخ والزمن
    فليخسأ الظلم ولتذهب حكومته ملعونة وليولي عهدها النتن
    وسار البردوني على درب الزبيري في موقفه من الوطن حتى أطلق الدكتور عبد العزيز المقالح على قصيدة البردوني الغرو من الداخل لأنها اصبحت اكثر قرباً من مشاعر الشعب اليمني واكثر تحسسا لآلام الوطن وجراحه الكثيرة يقول:

    فظيع جهل ما يجري *** وأفظع منه أن تدري
    وهل تدرين يا صنعا*** من المستعمر السري
    يمانيون في المنفى*** ومنفيون في اليمن
    جنوبيون في صنعا*** شماليون في عدن
    لماذا نحن يادربي *** ويامنفى بلا وطن
    بلا حلم بلا ذكرى*** بلا سلوى بلا حزن
    بلا ماض بلا آت *** بلا سر بلا علن
    أيا صنعا متى تأتين*** من تابوتك العفن

    ولم يقف البردوني عند حدود الجزء الشمالي بل وقف في وجه المستعمر الانجليزي في الجنوب وتمثل قصيدته «هذه ارضي» واحدة من القصائد التي يتلاقى فيها الشاعر بجذوره يقول:

    زمجري بالنار ياأرض الجنوب*** والهبي بالحقد حبات القلوب
    وأقذفي الحقد دخاناً ولهيب*** زمجزي للثأر يا أرض الجنوب.
    واركبي الموت الى المجد السليب*** -زمجري وآثاري يا أرض جدي وابي - وأثاري
    واعصفي بالغاصب المستعمر
    وأملئي الروع دماءً وجراح*** إنما المجد نضال وسلاح
    ولك النصر وللعزم النجاح*** فاستعيد كل شبر مستباح
    واركبي الهول وطيري للكفاح*** -زمجري اطلقيها ثورة كاللهب -اطلقي
    واعصفي بالغاصب المستعمر
    هذه ارضي وأرضي أبداً*** وأنا من صوتها الحر الصدى
    وهي في صوتي هتاف وندا*** سوف أشفي جرحها يوم الفدى
    فانفضي يا أرض أجدادي العدا*** -زمجري اثأري يا يقظة الثأر الأبي -واثأري
    واعصفي بالغاصب المستعمر
    واستثيري يا جراح الابرياء*** وتقوي فالعلا للأقوياء
    وتأبي واشمخي بالكبرياء *** وانفي سوط البغاة الادعياء
    واقسمي بالشهداء الأوفياء*** واقسمي ان أرضي لم تعد للأجنبي - زمجزي
    زمجري بالنار يا أرض الجنوب زمجري وأعصفي بالغاصب المستعمر

    تتميز هذه القصيدة في بنائها بالبساطة، وتشعرنا في الوقت نفسه بعالمها الفني الواسع، تدعونا للاسترسال في ايقاعها، الى الدخول في عالمها، الى ان تقف منها على مسافة لننظر فيها بوعينا وعقلنا، وما ان ننتهي من قراءتها حتى نبدأ متعة الاحساس والوعي بشيء كنا لا نحسه ولا نراه، بهذا العمق، إنه البردوني يترك بصماته على ذاكرتنا، يوشح القلب، ويوقظ فكرنا نحو الاستعمار والجراح والارض، عندما نعاود النظر في هذا البناء الذي أمامنا، وندقق في موسيقاه وايقاعاته الداخلية، نستشف كيف يكثف موسيقاه في اجزاء القصيدة ، ونراه يشحنها مما يجعلها كأنها مولدة به، بتراكيبها اللغوية تنتظم في اتساق من الموازنات والتقطيع، والتكرار وفق اشكال موظفة بتأدية دلالتها، والتوزيع والتقسيم جاء على مستوى القصيدة؛ بهدف دلالي محدد، ولعل فهم المرحلة الحضارية في حياتنا امر ضروري لفهم الطريق وعوائقها في تجربة عبدالله البردوني، اللحظة التي يعيشها البردوني في هذا النص على الاقل من زاويتي الشكل والتعبير هي لحظة الرفض للاستعمار والتطلع الى المستقبل بتفاؤل فلا يستطيع ان يجد حلولاً لارض الجنوب الا باعتماد الثورة، وفي هذه الثورة تظهر قوى تطهر وتجدد منها ما يولد بالاحساس بالأمل وهوالاحساس بالحرية ومنها ما يولد الاحساس باليأس وهو استمرار الاستعمار وكلاهما مرتبط بالآخر، فيعيش الانسان بين عالمين عالم يموت وعالم يصارع كي يولد.
    ولهذا النص ثلاثة مستويات هي: الأرض ، والموت، والإنسان، ويزين هذه المستويات الثلاثة: النار واللهب والزمجرة، والحقد والثأر، والكفاح، والجراح، والنصر والاباء، والكبرياء.. وهذا الكلام بمستوياته جميعاً واضح بنيةً وتعبيراً، كأنه يجري مجرى البرهان والدليل، فهو متماسك، مفهوم بتفاصيله كلها والعبارات المستخدمة جميعاً مأخوذة من المعجم الاصطلاحي المشترك الشائع، والرابط بين هذه الاجزاء عقلي منطقي بتسلسل زمني ولذلك فالقصيدة لا تحتمل تأويلات او تفاسير مختلفة.
    واستناداً الى ذلك نقول ان البردوني يستخدم الكلام بطريقة أيديولوجية معيداً به خطاباً موروثاً مشتركاً للكشف عن هذه البنية الأيديولوجية على مستوى التحليل الشعري لا بد من : 1- على مستوى النص ليس البردوني هناذاتاً تتكلم كلاماً خاصاً، إنما هو ناطق بكلام جماعي مشترك، فهو موجود في هذا النص اي في انشائية الخطاب الشعري، لذلك فالبعد الأيديولوجي هنا ليس فردياً بمقدار ما هو جماعي، والمتكلم هنا -البردوني -هو التقليد. 2- اما على مستوى اللسان، فإن البردوني يختار مفردات معينة وينحاز اليه، واختيار هذه المفردات يتضمن أهمية الحدث الذي يتناوله، وهو هنا الأرض: إنها جنة البردوني. 3- نص البردوني ليس نصاً تأملياً، بمقدار ما هو واقعي فالارض مسلوبة، والأهل بدون حرية، والحياة بوهيمية تعيسة، بسببب الشقاء الذي سببه المستعمر. 4- الآخر هنا ممثلاً في الارض -ليس الا صورة ثانية او امتداداً للذات التي يمثلها نص البردوني، لكن، حينما رأى الارض امتداداً له نفى ذاته مع أنها حاضرة على هذه الارض المسلوبة. وله مواقف من قضايا التحرر والوحدة العربية، ولم تغب فلسطين عن باله وقد احتلت مساحة من الهم والمعاناة في شعره فنكبة فلسطين عام ثمانية واربعين وفشل الثورة اليمنية وقعتا في السنة نفسها، وكانت فلسطين الأرض والإنسان حاضرة في جوانحه يقول:

    يا أخي يا ابن الفدى فيما التمادي*** وفلسطين تنادي وتنادي
    يا أخي يا ابن فلسطين التي*** لم تزل تدعوك من خلف الحداد
    عد اليها لا تقل: لم يقترب*** يوم عودي، قل: أنا يوم المعاد
    عد اليها رافع الرأس وقل*** هذه داري، هنا مائي وزادي
    هنا كرمي، هنا مزرعتي وهنا*** أثأر زرعي وحصادي
    وهنا ناغيت أمي وأبي*** وهنا أشعلت بالنور اعتقادي
    وهنا مهدي، هنا قبر أبي*** وهنا حقلي وميدان حيادي
    هذه أرضي لها تضحيتي*** وغرامي ولها وهج اتقادي

    وللبردوني مواقف من المرأة والقات، ولكن أكثر ما يميز هذه المواقف انها جاءت مطبوعة بطابع الحزن والمعاناة، ونلاحظ ان طابع الحزن يسيطر عليه في اكثر مواقفه، وان شعره يقطر بؤساً وذعراً فقد رضع الحزن من اثداء أمه، ومن الأرض التي يعيش عليها، ومن الوديان التي انتقل فيها وفي الجبال التي قطعها، وينهمر من عماه وفقره وموت أمه وظلم شعبه ومن الاستعمار الذي أكل الاخضر واليابس.
    وتوزعت أغراضه الشعرية بين المدح، إذ لم أجد في كل دواوينه سوى قصيدتين قالهما عام ثمانية وخمسين، وانقطع هذا اللون نهائياً من شعره، والوصف فقد وصف فيه ليالي السجن والجائعين والفقراء ووصف صنعاء، وبعض المدن اليمنية، وهذه الاوصاف تخيلها واحس بها، والرثاء، فقد بعث برسالة الى صديقه خليل حاوي في قبره، ورثاه بقصيدة مؤثرة ورثاء أمه وطفل صديقه عبد العزيز المقالح.
    والغزل والحزن والهجاء والشكوى والتحريض وكان هذا اللون من اكثر الالوان التي نجدها في شعره.
    لكن اللافت للنظر في شعر الشكوى والتحريض كيفية تعامله مع الزمن فقد رفض الزمن التقليدي وعده قاصراً عن التعبير عن رؤيته واقتضى ذلك منه تحطيم ابعاد الزمن المعروفة من ماضٍ وحاضر ومستقبل يقول:

    هرب الزمان من الزمان*** خوت ثوانيه الغبيه
    من وجهه الحجري يفر *** الى شناعته الخفيه
    حتى الزمان بلا زمان*** والمكان بلا قضية
    الليل يبحث عن ضحى *** والصبح يبحث عن عشيه

    ولذلك يفرغ الزمن من محتواه المعروف ويرفض تسمياته واعداً بتقديم زمن مراوغ جديد له خاصة الدراما، فهذا ليل الشاعر بلا ضحى وهذا ضحاه بلا عشيه والزمن يهرب وثوانيه غبية. ثم نراه يشكو الزمن القاهر لا رتباطه بالانسان ثم يتحداه ويحطم مقاييسه المعروفة على الرغم من قانون الزمن وازلية قانون الحياة.
    ونأتي الى اولى محاولاته في خلق الزمن الجديد واستخداماته له، ومحاولته اظهار قوة الانسان امام سطوته ومن هذه الاستخدامات: 1) الزمن الكسول- اول صفة نجدها في شعر البردوني شكواه من الزمن الكسول:

    هذه ساعة الجدار كسول*** ترجع القهقرى وتنوى الاماما
    والثواني تهمي صديداً وشوكا***ً وستهمي وليس تدري الى ما

    الزمن الكسول هنا جزء لا يتجزأ من القصيدة إنه ليس مجرد استخدام اغرى الشاعر، ولكنه الزمن الحقيقي الذي عاناه الشاعر وهو يكتب قصيدته «الحرف» ان جميع مظاهر الحياة معطلة وكئيبة في القصيدة والزمن عنصر اساسي لونه الشاعر بالأسى والسواد.
    ومن الأمثلة على الزمن الكسول: -الساعة المكسال مثل الشعب، تجهل ما تعاني. -هذه الأمسية الكسلى الغريبة مرح خاب ولذات كئيبة -ولفني ليل كسول بلا قلب، بلا حلم، بلا كوكب 2) الزمن الكسيح: وهو نوع آخر من الزمن، وهنا الزمن لم يصبح كسولاً، ولكنه أضحى كسيحاً يعاني المرض نفسه الذي نعانيه:

    خمس من السنوات لا*** ليل لهن ولا صباح
    يبست على السهد العيون*** وافقد الزمن الكساح...

    فالكساح -كما ترون- يضيف ابعاداً مأساوية قد لا توفرها صورة الزمن الكسول، ولا يمكن له أن يتمدد ويفرض نفسه على الانسان لأن الإنسان إذا قاومه ونازله فإنه لابد ان ينتصر عليه:

    وهنا تلفت موعد*** في أعين القمم المشاله
    يدافع الزمن الكسيح*** على جناح من علاله

    وانثال كالريح العمول*** يلون الفلك اشتعاله. 3) صورة اللازمن: اعترف البردوني في الزمنين (الكسول والكسيح) بالزمن الحقيقي فحاربه وأقام صراعاً معه، ولكنه هنا يعلن انتصاره على الزمن، فتارة يستخف به، وتارة يصوره في صور مبتكرة جديدة، فقد تجده ملونا بألوان تختلف من مكان الى آخر، لا يثبت على حاله، انه اللازمان في قوله:

    يكتب الاقدار في ثانية*** ثم في ثانية يمحو الكتابه
    للنواني اليوم أيد وفم*** مثلما تعدو على المذعور غايه

    أصبحت الثانية أصغر وحدات الزمن لا تعني المعنى على الاطلاق فقد تعبر عن الكآبة، والثواني أصبحت مخيفة لها فم وأيد.
    قوله:

    والثواني تهمي صديداً وشوكا***ً وستهمي وليس تدري الى ما
    ويعلن هزيمة الزمن:
    الوقت لا يمضي ولا*** يأتي خوت أرجله
    أقدامه رؤوسه*** رؤوسه أسفله
    أمامه وراؤه*** آخر أوله
    لا ينتهي لغاية*** لأن لا بدء له
    لقد اضحى الزمن جثة هامدة في نظره حين يقول:

    أتقول لي؟ وهل انتهى في جثة الامس النزوع
    ويصل عبثه بالزمن الى أقصاه حين يدعو الى تخزينه وتعليبه
    فافتحوا ابوابكم واختزنوا من شعاع الشمس ما يكفي سنين

    هكذا راح البردوني يشكل بالزمن صوراً راقية خلقت الواناً من الصراع الحاد، فلحظة مصارعة الزمن تستهويه، وهو ينقلب الى فارس وبطل يتغلب على الزمن ويعلن انتصاره عن طريق اعادة تشكيله في دائرة الزمن الكسول والزمن الكسيح ثم صورة اللازمن.
    وتعامل مع التراث عن طريق التقمص، فاصطنع الأنا الآخر وكفل له وجوداً تاريخياً أو واقعياً حتى يختفي خلفه، وراح يحدثنا من وراء ستار عن طريق تبني قضايا الآخرين، هنا راح الشاعر يتقمص شخصياتهم وازياءهم ويتحدث بلغتهم وينقل مشكلاتهم، ويسقط واقعه عليهم، واعتمد الشخصيات التراثية التاريخية، ويصرح بأن يزيد بن المفرغ الحميري والمعري والمتنبي وابا تمام من أكبر الشعراء الذي أعجب بهم.
    اما صوره الشعرية فقد حدد فيها الخطوط العامة للمنظر والحركة والصوت والحس واللون.
    ولذلك وجدناه يبتكر صوره ويرسمها بعناية فائقة، ويرفض التعابير الجاهزة والصور المكررة وغالباً ما تأتي منتزعة من واقع القصيدة نفسها ومأخوذة من الجو العام الذي تفرضه القصيدة:

    من تلظي لموعه كاد يعمى كاد*** من شهرة اسمه لا يسمى
    حاملاً عمره بكفيه رمحاً*** ناقشاً نهجه على القلب وشما
    خالعاً ذاته لريح الفيافي*** ملحقاً بالملوك والدهر وصما
    البراكين أمه، صار *** أماً للبراكين للإرادات عزما

    ولذلك يبدو عنوان قصيدة «وجوه دخانية في مرايا الليل» غير مألوف في اللغة لأن الوجوه قد تكون فرحة أو حزينة، أما أن تكون دخانية فهذه صورة جديدة يبتكرها البردوني، وهو انحراف عن الاصل المتعارف... ولم استبدلنا كلمة دخانية بكلمة حزينة لفقدت الجملة شعريتها ولأصبحت مألوفة. أما الجزء الثاني من العنوان فيلفت النظر لأنه يجعل الليل مرايا، وكأنه يوحي نفسية تستشعر الحزن والتمزق والضياع والارتداد والايماء والارتخاء الى الليل وانما تسند الى من يعقل، ولما أسندت لغير العاقل فهذه هي البنية التي تكسب الابيات جمالاً وشاعرية:

    الدجى يهمي، وهذا الحزن يهمي مطراً من سهده، يظمي ويظمي
    يتعب الليل نزيفاً... وعلى*** رغمه يؤجل، وينجر ويدمي
    يرتدي اشلاءه يمشي على*** مقلتيه حافياً يهذي ويومي
    يرتمي فوق شظايا جلده*** يطبخ القيح بشدقيه ويرمي

    ومما يستدعي الانتباه في شعر البردوني ان القارىء لا يحتاج الى معجم للبحث عن هذا اللفظ او ذاك لانه لا يستخدم من الالفاظ الا الذائع المتداول في الشعر الحديث، وهو ينفر من استعمال الالفاظ المهملة وشبه المهملة، ولذلك نجده ينفتح مع اللغة اليومية والقائلة بصلاحية جميع المفردات للشعر.
    وعلى الرغم من محافظته على اسلوب الشطرين الا انه شاعر مجدد ليس في مضمون القصيدة فحسب، بل في بنائها القائم على تحطيم العلاقات اللغوية التقليدية، وابتكار جمل وصيغ شعرية نامية فضلاً عن صوره وتعابيره الحديثة في أكثر من قصيدة، وهو من الشعراء الذين ما يزالون يحافظون على شرارة الشعر والفن في القصيدة العمودية ويعد الشعر الملحمي اولى الظواهر اللافتة في شعره واختياره لهذا الشكل لم يأت عفوياً، لكنه البحث عن اشكال جديدة يصب فيها تجربته الجديدة، والشكل الملحمي يناسب ذوقه الذي نهل من التراث وقرأ الملاحم الشعبية وتأثر بها، وحاول ان يحاكيها (انظر كتابنا ص 187) .
    ويكتسب التضاد في شعره من خلال البنية من خلال كلمة وكلمة او جملة وجملة أنه كامن في مستوى التعبير وفي بنية النص:

    الخفض الى الأعلى*** الرفع الى الأسفل
    التوق الى الأقسى*** الصد عن الأسهل
    الموت إلى الأنهى*** البدء من الأصل

    هنا ثنائيات ضدية بين الكلمة والكلمة والجملة والجملة وبين الصدر والعجز
    الخفض - الرفع التوق - الصد.
    الأعلى - الأسفل الأقسى - الأسهل
    الموت - البدء الأشهى - الأصل

    أما الموسيقى فالمتابع لشعره نراه لا يخرج في أوزانه عن أوزان الشعر العربي إذ حافظ على كل الجوانب الموسيقية من وزن وايقاع وقافية. ومن شاء ان يتصفح دواوينه فسوف يستبصر هذه الحقيقة.
    هذه صورة سريعة لشعر عبد الله البردوني ارجو أن اكون قد وفقت في الوقوف عليها.
    ونبقى نردد شعرك وشكواك ومعاناتك يا شاعر الحزن:

    متألم مما أنا متألم *** حار السؤال واطرق المستفهم
    ماذا أحس؟ وآه حزني بعضه*** يشكو فأعرفه وبعض مبهم
    بي ما علمت من الأسى الدامي*** وبي من حرقة الأعماق ما لا أعلم
    بي من جراح الروح ما أدري*** وبي أضعاف ما أدري وما أتوهم
    وكأن قلبي في الضلوع جنازة*** أمشي بها وحدي وكلي مأتم
    أبكي فتبتسم الجراح من البكا*** فكأنها في كل جارحة فم

    نم قرير العين ياشاعر الأزهار والحزن، با ابن أرضي التي لم تغب عن صدرها، وسأبقى أردد ما قلته يوماً لخليل حاوي حين بعثت اليه رسالة في قبره:

    أنت في قبر هادىء
    أنا في قبرين: جلدي وبلادي

    البردوني يحمل همه على كفه، يغفو بلا نوم ويصحو بلا صحو، إذ لم يعد يضحكه مضحك ولم تعد آلامه تؤلم، رحم الله البردوني ورحم الشعراء الذين سبقوه.


    المصادر والمراجع: 1- من ارض بلقيس، عبدالله البردوني، دار العودة، بيروت 1998. 2- في طريق الفجر، عبدالله البردوني، ودار العودة، بيروت، 1980. 3- مدينة الغد، عبدالله البردوني، ط4، دمشق، 1975. 4- لعيني أم بلقيس، عبدالله البردوني، بيروت، 1998. 5- السفر الى الأيام الخضر، عبدالله البردوني، دمشق، 1975. 6- وجوه دخانية في مرايا الليل، عبدالله البردوني، بيروت، 1980. 7- زمان بلا نوعية، عبدالله البردوني، بيروت، 1980. 8- ترجمة رملية لاعراس الغبار، عبدالله البردوني، 1983. 9- كائنات الشوق الآخر، عبدالله البردوني، دمشق، 1986. 10- رواغ المصابيح، عبدالله البردوني، دمشق، 1989. 11- جواب العصور، عبدالله البردوني، دمشق، 1992. 12- شعر عبدالله البردوني، د. محمد احمد القضاة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1997. 13- الدائرة والخروج، د، محمد محمود رحومة، مكتبة الشباب، 1993. 14- المجلة الثقافية، الجامعة الأردنية، حوار مع الشاعر عبدالله البردوني، اجراه محمد القضاة، العدد التاسع، 1986.

    ))


    متقول ...
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-07-31
  5. هارون

    هارون قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-02-02
    المشاركات:
    3,279
    الإعجاب :
    0
    ما شاء الله ايش هذا تاريخ اسرة البردوني هه
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-08-01
  7. saddam salem

    saddam salem عضو

    التسجيل :
    ‏2005-07-27
    المشاركات:
    88
    الإعجاب :
    0
    الف شكر اخي و الله شكرا
     

مشاركة هذه الصفحة