وعاد جسداً

الكاتب : ريا أحمد   المشاهدات : 1,146   الردود : 17    ‏2002-02-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-02-13
  1. ريا أحمد

    ريا أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-29
    المشاركات:
    201
    الإعجاب :
    0
    أسفت لأنك لست معي
    وحين التقينا ..
    أسفت كثيراً لأنكَ..لستَ معي.

    كانت الدموع تحاول عبثاً حجب رؤيتها لتلك السطور الغالية التي طالما انتظرتها . أخيراً سيعود وتعود أحلامها المؤجلة، وتٌبعث روحها المدفونة برحيله،سينـزاح ذلك العبء الثقيل عن كاهلها لتتنفس الصعداء وتشعر بإنسانيتها مهما نساها الزمن .
    تتصور الفرحة التي سيشعر بها أبناؤها فقد عاشوا أيتاماً ولهم أب بجسدٍ وروح .ضمت الرسالة إلى صدرها ووقفت أمام المرآة تتلمس وجهها الذي تحاول التجاعيد سلب جماله. حملتها الذكريات إلى الماضي البعيد يوم التقته عاملاً فقيراً في مكتبة الجامعة حين أرشدها إلى الكتب التي ستثري بحثها .منذ ذلك الحين وهي تقصد المكتبة فقط لرؤيته ،تبتسم وهي تتذكر تعليق أحدهم : "أظن الكتاب هو المفتوح بين يديك وليس ذلك الشاب الواقف أمامك " حينها شعرت بالحرج وتركت المكتبة لكنها لم تتركه.
    نظرت إلى صورته المعلقة على الحائط، لكم سخر والدها الدكتور منه عندما جاء لخطبتها .."يالك من مسكين ،مؤلمة تلك الإهانات التي تلقيتها من أجلي .." لقد أحبها أكثر مما أحبته ولكنها أيضاً تركت من أجله كل شيء ،الحفلات والسفريات والرفاهية التي اعتادت عليها ، بل إنها تركت عائلتها من أجله ،لقد تحملت الجوع معه وجعلت من قرصاته الموجعة أنغاماً لحبهما العظيم، و من قسوة البرد أسطورة لحياتهما الجديدة .نعم لقد صبرت كثيراً وكان أقواه ذلك الذي كان بعد رحيله تاركاً لها طفلين وجنيناً في أحشائها ..لقد تألمت كثيراً وبكت ليال طويلة.
    "ولكن تباً لهذه الذكريات التي تحاول وأد الفرحة التي هجرتني معه . ".
    هلل أبناؤها لخبر عودته، وأخذ كل منهم يحلم بالحياة الجديدة التي ستأتي بقدوم الحبيب الغائب، وأصبحت حياتهم تزهر وروداً وتطرب أنغاماً ؛فطالما غابت عنهم الطمأنينة وأضناهم الشوق إليه. كان خبر عودته حديث الحارة فالجارات لا حديث لهن سوى رجوعه وسرد حياتها المعذبة ، والجيران يثنون على صبرها وجلدها ونظرتها الثاقبة للحياة التي لم تسمح لها بالتلاعب بها رغم تأرجحها الأزلي ..
    وجاء اليوم المنتظر،القلق والخوف يتسللان إلى قلبها الضعيف،لا تدري لماذا هي متوترة ؟,إنها تشعر بريبة تربكها تظهر ضعفها أمام أبنائها الذين طالما رأوها جبلاً صامتاً وظهراً قوياً يستندون إليه .كانت تبحث عنه بين وجوه المسافرين،فأين هو منهم؟ هل غيرَّ وجهته ؟ هل فضَّل البقاء حيث يعيش بعيداً عنها ..؟ ربما أخطأت في اليوم ولكنه الجمعة لقد قال الجمعة . ربما أنه لم يجد مقعداً في الطائرة ..نعم تتذكر أن والدها أجل رجوعه في احدى المرات لأنه لم يجد مقعداً، لكنه بعد ذلك عاد متأبطاً عروساً جديدة ..لا ..مستحيل أن يختار أخرى لتشاركه حياته ،لكن لم لا، لقد عاش وحيداً ردحاً من الزمن .عشرين عاماً .. يالها من بلهاء! كيف يستطيع أن يستمر وفياً لها ؟..الويل لها إن فعل ذلك ! أمسكت رأسها بكلتا يديها علها تطرد هذه الأفكار اللعينة التي تعبث بمشاعرها ،انتظرته طويلاً لكنه لم يأتِ .
    آه من خيبة الأمل التي تشعر بها وتراها في أعين أبنائها ،و من قسوة نظرات الإشفاق التي تلمحها في أعين الجيران، في اليوم التالي كانت قد وجدت شرارة أمل وعذرت تأخره :
    -بني هلم بنا إلى المطار لاستقبال والدك ،لعله كان يقصد اليوم .لقد أخبرني عامل المطار أن هناك رحلة ستصل اليوم من هناك .
    نظر إليها مشفقاً ورافقها صامتا .وتعود كالبارحة تجرٌّ أذيال الخيبة ،لم تتفوه بكلمة واحدة ،الجيران بنظراتهم المشفقة والأبناء بأحلامهم المحطمة . وتشرق الشمس عليها بعذرٍ جديد وأملٍ جديد أيضا. تأتي جمعة وترحل أخرى وهي والأعذار والأوهام في صراع لا ينتهي ..
    -بني ..لعلة يأتي اليوم هلم بنا لاستقباله ..
    أصبح عمال المطار يعرفونها جيداً ويرثون لحالها ،وهو يرافقها وفي كل مرة ثمة أمل يراوده للحظات خاطفة ،لكنه صامت مكتفٍ بعتاب الروح ودموع أطلالٍ لوالدٍ يحتفظ باسمه في أوراق رسمية.أصبحت حياة تلك الأسرة الوديعة حلقة من الانتظار والصمت والآهات المدفونة في صدور أحرقها الشوق وأضناها الحنين.
    -بني ،لنذهب إلى المطار .سيأتي اليوم صدقني..
    -ولكن يا أمي ألم تملي الانتظار ،ألم تيأسي الرجوع ..لن يأتي ..لن يأتي ..
    لكنها تذهب كل جمعة تنتظر ذلك الطيف الذي هجرها واعداً بالعودة.وكالعادة تعود إلى محراب الصمت و مناجاة الذكريات وبحور الأعذار والأمنيات .
    ستة أشهر وهي تنتظر رجوعه وتتلمس له الأعذار، وجاءت رسالة "سأعود يوم الجمعة ، انتظروني" أجبرت أبناءها على مرافقتها ..شيء ما بداخلها يهتف بقربة منها، نعم دقات قلبها يكاد يسمعها جميع من في الصالة تنبؤها بوصوله إليها ، هل تراه لا زال وسيماً كما كان أم أن الأيام قد هدته كما فعلت بها .؟.بلى إنه كذلك خصلات شعره الأبيض جعلته يبدو وكأنه شخص أرستقراطي حكيم ،والنظارة المرتكزة على أنفه الصغير زادت من وسامته ،لوحت إليه بيدها التي كانت في يوم بعيد غضَّةً بيضاء.هبَّ إليها محيياً أبناءه ،وكان لقاؤه يبدو حميمياً هي فقط من شعر ببردوته.
    كان مجيؤه كفيلاً بغروب شمسهم التي هجرها الشروق ،وكان مخيباً لآمالهم العريضة؛ فقد جعلت منه الغربة شخصاً مختلفاً عن ذلك الزوج المهاجر قبل أعوام عدة وعن ذلك الأب المحبوس في مخيلة أبناء أرهقهم الانتظار و أتعسهم المجيء .
    لقد أمسى شخصاً لا يطاق أصبحت حياتهما مزيجاً من الإهانات والأحزان ؛فقد أضحى التفاهم بينهما مستحيلاً لقد رأته رجلاً آخر ،ليس كذلك الشخص الذي تركها شاباً، ويراها هو رجلاً أكثر منها امرأة ،فهي المتصرفة في كل شيء بما في ذلك الأبناء . صار شخصاً اتكالياً لا عمل له سوى المقارنة بين عالمين بعيدين كل البعد عن بعضهما .أحياناً كثيرة تتمنى لو أنه لم يأتِ.لقد أرادته كما كان و ليس كما غيرته الغربة .يحزنه أن تكون كما صنعتها السنوات التي قضاها متسكعاً في شوارع الغربة ، ويؤلمها أن يعود جسداً بلا روح …

    * مطلع قصيدة انتظار للشاعرة اليمنية نبيلة الزبير

    7 نوفمبر 99م

    قصة لريـا أحمـد ..من مجموعة قطرات من فضة (تحت الطبع)..صنعاء
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-02-14
  3. درهم جباري

    درهم جباري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-16
    المشاركات:
    6,860
    الإعجاب :
    1
    قصة معبرة عمن أبتلوا بنار الفراق ...

    العزيزة / ريا ...

    أولا ألف مبروك على طباعة المجموعة القصصية وإن شاءالله نقرأها قريبا ..

    لقد أحسنت عدسات ريشتك برسم أحوال المفارق والتي هي بالفعل أحوال معظم الأسر في يمننا الحبيب ..

    دمتِ مبدعة ..

    لك الود.
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2002-02-14
  5. بن ذي يزن

    بن ذي يزن بكر أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-30
    المشاركات:
    3,545
    الإعجاب :
    1
    ريا دام أبداعك الكبير

    هلا سمحت لي بنقلها إلى منتدى آخر كواجب وطني .............افترضت موافقتك .



    هنا نقلتها .هنا
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2002-02-14
  7. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3

    ((وأخذ كل منهم يحلم بالحياة الجديدة التي ستأتي بقدوم الحبيب الغائب، وأصبحت حياتهم تزهر وروداً وتطرب أنغاماً ؛فطالما غابت عنهم الطمأنينة وأضناهم الشوق إليه. كان خبر عودته حديث الحارة فالجارات لا حديث لهن سوى رجوعه وسرد حياتها المعذبة ، والجيران يثنون على صبرها وجلدها ونظرتها الثاقبة للحياة التي لم تسمح لها بالتلاعب بها رغم تأرجحها الأزلي .. ))>>>

    رعاااك الله أديبتنا الغالية ...ما أبدع تصويرك لغربة طيورنا المهاجرة ...وقلوب اهلينا يكويها شوق الانتظار ....

    وما أقساها الغربة بغير قلب تكسر غصون آمالنا ....وتدفعنا ضريبة محققة ليس منها مناص ...!!

    وكل مسافر سيعود يوماً *** إذا رزق السلامة والإيابا

    .. من ابداعات محمد عبد الولي الى إشراقات ريا أحمد ....ستظل الطيور المهاجرة مستمرة في رحيلها ...وعذابات الشوق والأمل في موقد مستعر بين دموع الوداع ...وبسمات اللقاء ..
    فمتي يتوقف سيل عذاباتنا متى ؟؟؟؟:(:(:(

    عناء ويأس واشتياق وغربة ****** ألا شد ما ألقاه في الدهر من غبن ...
    وما أراها إجتمت يابارودي إلا في أبناء السعيدة ...!!


    ((كان مجيؤه كفيلاً بغروب شمسهم التي هجرها الشروق ،وكان مخيباً لآمالهم العريضة؛ فقد جعلت منه الغربة شخصاً مختلفاً عن ذلك الزوج المهاجر قبل أعوام عدة وعن ذلك الأب المحبوس في مخيلة أبناء أرهقهم الانتظار و أتعسهم المجيء . )) ...

    ويلاااه من روعة التصوير لضريبة الاغترااااب فكأنه ناموس الكون الأبدي لابد من الأخذ والعطاء فإن أرضعتنا الغربة رفاهية الأيام وماديتها سلبت منا أشياء غالية في المقابل ..!! أقلها الغربة القائمة مع الأبناء ...وشريك الحياة ..

    (((.أحياناً كثيرة تتمنى لو أنه لم يأتِ.))

    قاسية هي العبارة لكن الأقسى منها الواقع المنظور ..!!

    مالي لأجفاني جفاها طيب الوسن ...:)

    بانتظار مجموعة أديبتنا القصصية لتشرق بضياء حروفها ...

    دمت أديبة يمنية رائعة أستاذتنا ريا احمد ..
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2002-02-14
  9. ريا أحمد

    ريا أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-29
    المشاركات:
    201
    الإعجاب :
    0
    اشكركم كثيرا

    الأخوة الأعزاء درهم جباري /بن ذي يزن/ فهمي الصراري
    تحية ومحبة أخوية خالصة لكم جميعا ولكل الزملاء في المجلس
    اشكركم جزيل الشكر على تعليقاتكم حول (وعاد جسداً)
    الأخ درهم ..الله يبارك فيك المجموعة تحت الطبع ومتى طٌبعت حتما سأتشرف بتنزيل خبر عنها في مكتبة المجلس ..
    الأخ بن ذي يزن اشكر اهتمامك ،القصة بين يديك يعني جيت عليها ،وجدت بالصدفة صفحة بها كتاباتي عن فلسطين لا ادري من اين وجدها صاحب الموقع ومن هو اصلاً ،فيك الخير لأنك اخبرتني ولكن زد من الشعر بيت وزودني بعنوان الموقع .
    عزيزي فهمي تغمرني دوما بروحك المعطاءة فتثبيتك للموضوع وتعليقك الجميل جعلني اشعر بأهمية شخبطاتي المتواضعة ..دمت معطاءً .بالفعل تاثرت كثيرا بقصة (ليته لم يعد) للراحل المبدع محمد عبد الولي ،وكان نتيجة التأثر قصتي هذه ..
    اشكركم كثيرا
    تحياتي
    الريانة
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2002-02-15
  11. بن ذي يزن

    بن ذي يزن بكر أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-30
    المشاركات:
    3,545
    الإعجاب :
    1
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2002-02-16
  13. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    قصة جميلة جداً

    فعلا عاد جسد بلا روح وأي روح تلك التي عاد بها وماذا عسانا سنطلق عليه أن لم نطلق جسداً بلا روح!؟

    فوائد كثيرة من هذه القصة !
    لا أريد ان اثني على جمال القصة من الجانب البلاغي والصور التي ابرزتيها لأنك في غنٍ ذلك!

    استمتعت كثيراً بقراءتها....وحز في نفسي ان تكون احد أخواتي المسلمات تعاني من هكذا امر:(

    شكرا لك أخت ريا
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2002-02-16
  15. سد مارب

    سد مارب مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-11-29
    المشاركات:
    18,142
    الإعجاب :
    0
    الاديبة الرائعه ريا
    اسلوبك القصصي يحمل تميزمستقل وطابع خاص
    لا املك الا ان اشيد بابداعك وخطواتك الواثقه
    في كتباباتك الادبية الفريدة
    وبانتظار مجموعتك الكامله (قطرات من فضة)
    تمنياتي لك بالتوفيق



    :rolleyes:
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2002-02-20
  17. ريا أحمد

    ريا أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-29
    المشاركات:
    201
    الإعجاب :
    0
    شكرا لكما

    العزيزان المتمرد و سد مارب
    محبة وبعد
    اشكركما جزيل الشكر على ثنائكما على (وعاد جسدا) لا شك وأن كلماتكما اسعدتني كثيرا فشهادتكما تمثل لي الكثير .
    وشكرا لمن وضع النص في قسم (المواضيع الأدبية المتميزة) سواء اكان احدكما او أكان الزميل العزيز فهمي الصراري .
    ومحبتي للجميع
    الريانة
    :rolleyes:
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2002-03-10
  19. yasmina

    yasmina عضو

    التسجيل :
    ‏2001-12-22
    المشاركات:
    10
    الإعجاب :
    0
    محبة من قلب جزائري يحمل صنعاء فيه

    :cool:
    تصفحت الآن الموقع، من باب المحبة التي أحملها لليمن الرائع، و سرتني قصتك، التي تعطي لي نفس الإنطباع الذي أحمله عنك أيتها الراية الرقيقة، بأنك ستكونين صوت اليمن القصصي، بكل الكبرياء و الشموخ الرائعين .. الكتابة كما أقول دائما ليست ترفا ، بل هي الانكسار الجميل الذي يثبتنا دائما، و العاصفة التي تأتي من عمق الفجيعة كي تسكننا و كي ننزوي في الكلام دفاعا عن كل الأشياء التي نشترك فيها و نؤمن بها ..
    :rolleyes:
    لك الأمنيات دائما أيتها الريانة الجميلة، من أديبة جزائرية تفتخر بك، و تعي أن جهودك الأدبية سوف تصنع تقاربا جميلا بيننا، مهما كانت المسافات ..

    من أختك : ياسمينة صالح
    yasminedz@hotmail.com
     

مشاركة هذه الصفحة