رحيل الشموخ

الكاتب : سبع الليل   المشاهدات : 426   الردود : 0    ‏2002-02-11
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-02-11
  1. سبع الليل

    سبع الليل مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-02-11
    المشاركات:
    3,900
    الإعجاب :
    0
    حينما كنت طفلاً كنت أتهيب والدي قدر حبي له ، ولأنفته رحمه الله لم يعودني تقبيل يد أس إنسان ، حتى ولا يده .. ونشأت على ذلك .. فكان إذا غضب مني قالت لي أمي اذهب وقبل رأس والدك ويده .. فاذهب إليه وأقبل رأسه وأقف كثيراً أمام يده ، متردداً في تقبيلها ، واطبع في النهاية قبلة سريعة خجلة ، وانسحب مسرعاً من غرفته .
    مرت الأيام .. وشب الطفل الصغير .. وخرجت من مدينتي لمدينة أخرى لمواصلة الدراسة ، فكنت إذا جاءت الإجازة رجعت لبيتي لأجد الشموخ في غرفته فأعانقه وأقبل رأسه ثم وبلا تردد أطبع قبلة طويلة على يده ويساعدني هو على ذلك فيضمني إلى صدره فترة أطول .. وتمر الأيام ، ويشتد عود الشاب ، وأعود إلى بيتنا في الإجازة لأجد الشموخ ممدداً س سريره فيراني ويشير إلى واقترب منه .. وأرمي نفسي عليه أعانقه وأقبل رأسه ويده ..
    وأتمدد معه على سريره ، وقد صرت أطول منه .. أضع يده في يدي .. وأضمه إلى صدري .. يسألني عن حالي وأسأله عن حاله .. وتجتمع الأسرة من حوله .. أداعب أمي بكلمة .. أمازح أخي .. أبتسم لأختي .. كلمة هنا .. وكلمة هنا .. ووجه يراقب ويبتسم .. وفرحة تشرق حول نواتها .
    وتدور الأيام .. وأعود لمدينتي .. وذات يوم عند الظهيرة عدت من المسجد وأوقفني جاري فوقفت أتحدث معه .. وناداني أخي .. فذهبت البيت فوجدت الشموخ ممدداً نحو القبلة يشير بسبابته ويردد الشهادة ويكبر .. وعرفت معنى الموت .. ونظر إلى رحمه الله .. ثم راح في غيبوبة ، فلا أدري أكانت بداية الموت .. أم نهاية الحياة .
    الآن كبر الجميع .. وعدت لبيتنا .. آه ، آه .. لا وجود للشموخ إلا في الذكريات ..
    علمنا .. ربانا .. أدبنا .. كل خير فينا طبعت عليه بصمته .. وهاأنا اليوم أقف وحيداً في وجه الأيام .. أبحث عن دفء صدره .. وحرارة كلمته .. لأعود ببرد الوحشة .. وقسوة الكلمة .. وجمود النظرة .. غاب الحضن الدافئ .. وتركني ألتمس طريقاً سار فيه .. عليّ أعيش على بقايا الذكريات قوياً في ما بقي من الطريق ..
    رحلت يا أبي فرحمة الله عليك .. ويا لقسوة الأيام بعدك .
     

مشاركة هذه الصفحة